سورة الفرقان 

الكتاب : التبيان في تفسير القرآن ( الجزء السابع)   ||   القسم : كتب في تفسير القرآن   ||   القرّاء : 598

25 - سورة الفرقان

قال مجاهد وقتادة: هي مكية.

وقال ابن عباس نزلت ثلاث آيات منها بالمدينة من قوله " والذين لا يدعون مع الله إلها آخر " إلى قوله " رحيما " عدد آياتها سبع وسبعون آية ليس فيها خلاف.

الآية: 1 - 25

بسم الله الرحمن الرحيم

(تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا(1) ألذي له ملك السموات والارض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شئ فقدره تقديرا(2) واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لانفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حيوة ولا نشورا(3) وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتريه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاؤا ظلما وزورا(4) وقالوا أساطير الاولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا(5) قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والارض إنه كان غفورا رحيما(6))

ست آيات.

[470]

معنى تبارك: تقدس وجل، بما لم يزل عليه من الصفات، ولا يزال كذلك، ولا يشاركه فيها غيره. وأصله من بروك الطير على الماء، فكأنه قال: ثبت فيما لم يزل ولايزال الذي نزل الفرقان على عبده.

وقال ابن عباس: تبارك (تفاعل) من البركة، فكأنه قال ثبت بكل بركة او حل بكل بركة.

وقال الحسن: معناه الذي تجئ البركة من قبله، والبركة الخير الكثير. والفرقان هو القرآن، سمي فرقانا لانه يفرق به بين الصواب والخطأ، والحق والباطل في امور الدين، بما فيه من الوعظ والزجر عن القبائح والحث على افعال الخير.

ثم بين تعالى انه انما نزل هذا القرآن، وغرضه أن يكون نذيرا للعالمين، أي مخوفا وداعيا لهم إلى رشدهم، وصارفا لهم عن غيهم وضلالتهم، يقال: أنذره إنذارا إذا دعاه إلى الخير، بأن يخوفه من تركه: إذا كان غافلا عنه، وقال ابن زيد: النذير هو النبي صلى الله عليه وآله. وقال آخرون: هو القرآن.

ثم وصف تعالى (الذي نزل الفرقان) بأنه (الذي له ملك السموات والارض) والتصرف فيهما، بسعة مقدورة بسياستها. وانه (لم يتخذ ولدا) كما يدعيه النصارى في أن المسيح ابن الله، ويزعم جماعة من العرب أن الملائكة بنات الله. وأنه ليس له شريك في الملك، بل هو المالك لجميع ذلك وحده، وانه (خلق كل شئ) وقيل في معناه قولان: احدهما - ان كل شئ يطلق عليه اسم مخلوق، فانه خلقه، لان أفعالنا لايطلق عليها اسم الخلق حقيقة، لان الخلق يفيد الاختراع، وانما يسمونا بذلك مجازا. والثاني - انه لا يعتد بما يخلقه العبد في جنب ما خلقه الله، لكثرة ذلك وقلة ما يخلقه العبد.

[471]

ويحتمل ان يكون المراد قدر كل شئ، لان أفعال العباد مقدرة لله، من حيث بين ما يستحق عليها فاعلها من الثواب والعقاب أولا يستحق شيئا من ذلك. ويقوي ذلك قوله (فقدره تقديرا) لان المعنى فيه، وكل شئ على مقدار حاجتهم اليه وصلاحه لهم.

ثم اخبر تعالى عن الكفار، فقال (واتخذوا من دون الله آلهة) من الاصنام والاوثان، ووجهوا عبادتهم اليها من دون الله. ثم وصف آلهتهم بما ينبئ أنها لا تستحق العبادة، بأن قال (لا يخلقون شيئا) ولايقدرون عليه، وهم مع ذلك مخلوقون، ومصرفون، وانهم (لايملكون) أي لايقدرون (لانفسهم) على ضر ولا على نفع (ولا يملكون) أي لا يقدرون على موت، ولا على حياة، ولا على بعث بعد الموت.

والنشور هو البعث بعد الموت، يقال: نشر الميت، فهو ناشر نشورا، وانشره الله انشارا، ومنه قوله (ثم إذا شاء أنشره)(1) وجميع ذلك يختص الله بالقدرة عليه، والعبادة تستحق بذلك، لانها أصول النعم، ثم أخبر عن الكفار بأنهم يقولون: ليس هذا القرآن الذي أنزلناه (إلا إفك) يعني كذب افتعله النبي صلى الله عليه وآله (واعانه عليه قوم آخرون) قال الحسن: قالوا أعانه عليه عبد حبشي يعني الحضرمي.

وقال مجاهد: قالوا أعانه عليه اليهود.

ثم حكى تعالى عنهم بأنهم قالوا ذلك و (جاؤا) في هذا القول (ظلما وزورا) أي جاؤا بظلم، فلما حذف الباء نصبه أي انهم أضافوه إلى غير من صدر عنه، وكذبوا فيه.

___________________________________

(1) سورة 80 عبس آية 22

[472]

وحكى عنهم انهم قالوا أيضا: هذا القرآن (أساطير الاولين) ورفع (أساطير) بأنه خبر ابتداء محذوف، وتقديره هذا أساطير الاولين.

قال ابن عباس: الذى قال ذلك النضر بن الحارث بن كلدة، يعني اخبار قد سطرها الاولون من الامم اكتتبها هو، وانتسخها (فهي تملى عليه) حتى ينسخها) بكرة وأصيلا) يعني غداة وعشيا. والاصيل العشي، لانه أصل الليل وأوله.

ومعناه: إنه يقرأ عليه على هوى النفس، فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يقول لهم، تكذيبا لقولهم (قل انزله) يعني القرآن (الذي يعلم السر) يعني الخفايا (في السموات والارض) والمعنى انه أنزله على ما يعلم من المصلحة وبواطن الامور وخفاياها، لا على ما تقتضيه أهواء النفوس وشهواتها.

وقال الجبائي: السر - ههنا - الغيب. والسر اخفاء المعنى في القلب اسر اليه إسرارا أي ألقى اليه ما يخفيه في قلبه، وساره مسارة وسرارا: إذا اخفى ما يلقيه اليه من السر عن غيره.

وقوله (انه كان غفورا) معناه الذي يعلم السر في السموات والارض لا يعاجلهم بالعقوبة، بل يستر عليهم، وهكذا كان على من تقدم من الكفار والعصاة (رحيما) أي منعما عليهم.

[473]

قوله تعالى: (وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الاسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا(7) أو يلقي إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا(8) أنظر كيف ضربوا لك الامثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا(9) تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الانهار ويجعل لك قصورا) (10))

أربع آيات.

قرأ حمزة والكسائي (نأكل) بالنون. الباقون بالياء.

وقرأ ابن كثير وابن عامر وابوبكر عن عاصم (ويجعل لك قصورا) بالرفع. الباقون بالجزم.

من قرأ (ياكل) بالياء أراد النبي صلى الله عليه وآله فانهم كرهوا أن يكون نبي من قبل الله يأكل الطعام ويمشي في الاسواق، وقالوا: هلا كان معه ملك؟ فيكون معه معينا مخوفا لعباده (وداعيا) لهم.

ومن قرأ بالنون اراد: نأكل نحن، فيكون له بذلك مزية علينا في الفضل بأكلنا من جنته.

ومن جزم (ويجعل) عطفه على موضع (جعل) لان موضع (جعل) جزم، لانه جزاء الشرط، فعطف (ويجعل) على الموضع كما قرأ من قرأ قوله (من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم)(1) بالجزم ومن رفع استفأنفه وقطعه عن الاول، كمن قرأ (ويذرهم) بالرفع.

حكى الله تعالى عن هؤلاء الكفار الذين وصفهم أنهم قالوا أي شئ " لهذا الرسول يأكل الطعام " كما نأكل " ويمشي في الاسواق " في طلب المعاش، كما نمشي " لولا انزل اليه " ومعناه هلا أنزل الله عليه ملكا ان كان صادقا، فيكون معينا له على الانذار والتخويف. وإن لم ينزل اليه ملك، هلا " يلقى اليه كنز " يستغني به ويكون عونا له على دنياه وما يريده " او تكون له جنة " اي بستان " ياكل منها " هو نفسه.

ومن قرأ - بالنون - اراد نأكل نحن معه، ونتبعه.

ثم حكي: ان الظالمين نفوسهم بارتكاب المعاصي والكفر، قالوا لاتباعهم ومن سمع منهم (إن تتبعون) اي ليس تتبعون إن تبعتموه (الا رجلا مسحورا) وقيل

___________________________________

(1) سورة 7 الاعراف آية 185

[474]

إنما يخاطبون بذلك المؤمنين المقربن بنبوته، ليصرفوهم عنه. ومعنى (مسحورا) انه قد سحر. والسحر ما خفي سببه حتى يظن انه معجز.

فقال الله لنبيه صلى الله عليه وآله (انظر كيف ضربوا لك الامثال) يعني الاشباه، لانهم قالوا تارة: هو مسحور.

وتارة مثلوه بالمحتاج المتروك، حتى تمنوا له الكنز.

وتارة بأنه ناقص عن القيام بالامور، وكل ذلك جهل منهم وذهاب عن وجه الصواب.

فقال الله تعالى (فضلوا) بضرب هذه الامثال عن طريق الحق (فلا يستطيعون سبيلا) معناه لا يستطيعون طريقا إلى الحق، مع تمسكهم بطريق الجهل وعدولهم عن الداعي إلى الرشد.

وقيل معناه (لا يستطيعون سبيلا) إلى ابطال امرك.

ثم قال تعالى (تبارك الذي) أي تقدس وتعاظم الله الذي (ان شاء جعل لك خيرا من ذلك) يعني مما قالوه - في قول مجاهد - ثم فسر (ذلك) فقال الذي هو خير مما قالوه (جنات تجري من تحتها الانهار. ويجعل لك قصورا) وهو جمع قصر، وهو البيت المشيد المبني - في قول مجاهد - وسمي القصر قصرا، لانه يقصر من فيه عن أن يوصل اليه.

ومن جزم " يجعل " عطفا على موضع (جعل)، لانه جواب الشرط.

ومن رفع استأنف.

وكان يجوز النصب على الظرف(1).

___________________________________

(1) يقصد بالظرف (واو المعية)

[475]

قوله تعالى: (بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا(11) إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا(12) وإذا ألقوا منا مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا(13) لا تدعوا اليوم ثبورا واحد وادعوا ثبورا كثيرا(14) قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا(15) لهم فيها ما يشاؤن خالدين كان على ربك وعدا مسؤلا(16))

ست آيات.

يقول الله تعالى مخبرا عن حال هؤلاء الكفار الذين وصفهم وذكرهم بأنهم كفروا بالله وجحدوا البعث والنشور، أنهم لم يكفروا لانك تأكل الطعام وتمشي في الاسواق، بل لانهم لم يقروا بالبعث والنشور، والثواب والعقاب، وهو معنى قوله " بل كذبوا بالساعة " يعني بالقيامة، وما فيها من الثواب والعقاب.

ثم اخبر تعالى انه اعد " لمن كذب بالساعة سعيرا " و (أعتدنا) أصله أعددنا فقلبت احدى الدالين تاء، لقرب مخرجهما. و (السعير) النار الملتهبة، يقال: اسعرتها اسعارا، واستعرت استعارا، وتسعرت تسعرا، وسعرها الله تسعيرا. والاسعار تهيج النار بشدة الايقاد.

ثم وصف تلك النار المستعرة، فقال " اذا رأتهم من مكان بعيد " ونسب الرؤية إلى النار - وانما هم يرونها - لان ذلك أبلغ، كأنها تراهم رؤية الغضبان الذي يزفر غيظا، فهم يرونها على تلك الصفة، ويسمعون منها تلك الحال الهائلة. و (التغيظ) انتفاض الطبع لشدة نفور النفس. والمعنى صوت التغيظ من التلهب والتوقد.

وقال الجبائي: معناه " اذا رأتهم " الملائكة الموكلون بالنار " سمعوا لها " للملائكة " تغيظا وزفيرا " للحرص على عذابهم.

وهذا عدول عن ظاهر الكلام مع حسن ظاهره وبلاغته من غير حاجة داعية ولا دلالة صارفة. وانما شبهت النار بمن له تلك الحال، وذلك في نهاية البلاغة.

وقوله " وإذا القوا " يعني الكفار " منها " يعني من النار " مكانا ضيقا " أي

[476]

في مكان ضيق " مقرنين " قيل: معناه مغللين، قد قرنت أعناقهم إلى ايديهم في الاغلال، كما قال " مقرنين في الاصفاد "(1) وقيل: مقرنين مع الشياطين في السلاسل والاغلال.

وقيل يقرن الانسان والشيطان الذي كان يدعوه إلى الضلال " دعوا هنالك " يعني في ذلك الموضع، يدعون " ثبورا " قال ابن عباس: الثبور الويل، وقال الضحاك: هو الهلاك.

وقيل: أصله الهلاك من قولهم ثبر الرجل إذا هلك.

قال ابن الزبعري.

 

إذا جاري الشيطان في سنن ال‍ *** غي فمن مال ميله مثبور(2)

ويقال: ما ثبرك عن هذا الامر ما صرفك عنه صرف المهلك عنه، فيقولوا: واإنصرفاه عن طاعة الله.

وقيل: واهلاكاه. فقال الله تعالى انه يقال لهم عند ذلك " لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا " أي لا تدعوا ويلا واحدا، بل أدعوا ويلا كثيرا. والمعنى إن ذلك لاينفعكم سواء دعوتم بالويل قليلا أو كثيرا.

ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله " قل " لهم يا محمد " أذلك خير " يعني ما ذكره من السعير وأوصافه خير " أم جنة الخلد " وانما قال ذلك على وجه التنبيه لهم على تفاوت مابين الحالين.

وانما قال " أذ لك خير أم جنة الخلد " وليس في النار خير، لان المراد بذلك أي المنزلين خير؟ ! تبكتا لهم وتقريعا.

وقوله " التي وعد المتقون " أي وعد الله بهذه الجنة من يتقي معاصيه ويخاف عقابه " كانت لهم جزاء ومصيرا " يعني الجنة مكافأة وثوابا على طاعانهم، ومرجعهم اليها ومستقرهم فيها، و " لهم فيها ما يشاؤن " ويشتهون من اللذات والمنافع " خالدين " أي مؤبدين لا يفنون فيها " كان على ربك وعدا مسؤلا " وقيل في معناه قولان:

___________________________________

(1) سورة 14 ابراهيم آية 49 وسورة 38 ص آية 38 " 2 " مر تخريجه في 6 / 528

[477]

احدهما - ان المؤمنين يسألون الله عزوجل الرحمة في قولهم " ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا "(1) وقولهم: (وآتنا ما وعدتنا على رسلك)(2). والثاني - انه بمنزلة قولك: لك ما تمنيت مني أي متى تمنيت شيئافهو لك، فكذلك متى سألوا شيئا، فهولهم بوعد الله (عزوجل) اياهم.

وقرأ ابن كثير (ضيقا) بتخفيف الياء. الباقون بالتشديد، وهما لغتان بالتشديد والتخفيف، مثل سيد وسيد، وميت وميت.

وقيل: ذلك هو الوعد المسول في دار الدنيا.

قوله تعالى: (ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول ‌ءأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل(17) قالوا سبحانك ما كان بنبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباء‌هم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا(18) فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا(19) وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الاسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا(20))

اربع آيات.

___________________________________

(1) سورة 23 المؤمنون آية 110.

(2) سورة 3 آل عمران آية 194

[478]

قرأ ابن كثير وابوجعفر وحفص ويعقوب (ويوم يحشرهم) بالياء. الباقون بالنون.

وقرأ ابن عامر (فنقول) بالنون. الباقون بالياء.

وقرأ ابوجعفر (ان نتخذ) بضم النون وفتح الخاء. الباقون بفتح النون وكسر الخاء.

وقرأ حفص (فما تستطيعون) بالياء. الباقون بالتاء.

من قرأ (يحشرهم) بالياء فتقديره: قل يا محمد يوم يحشرهم الله ويحشر الاصنام التي يعبدونها من دون الله.

قال قوم: حشر الاصنام افناؤها.

وقال آخرون يحشرها كما يحشر سائر الحيوان ليبكت من جعلها آلهة.

ومن قرأ بالنون اراد: ان الله المخبر بذلك عن نفسه وابن عامر جعل المعطوف مثل المعطوف عليه في أنه حمله على انه إخبار من الله.

ومن قرأ الاولى بالنون والثانية بالياء عدل من الاخبار عن الله إلى الاخبار عن الغائب.

يقول الله تعالى (ويوم يحشرهم) يعني هؤلاء الكفار الجاحدين للبعث والنشور ويحشر (ما يعبدون من دون الله) قال مجاهد: يعني عيسى وعزير.

وقال قوم: هو كل ما عبدوه من دون الله ليبكتوا بذلك (فيقول) اي فيقول الله لهم (أأنتم اضللتم عبادي هؤلاء) يعني الكفار أي يقول الله للذين عبدوهم أأنتم الذين دعوتم الكفار إلى عبادتكم، فأجابوكم (أم هم ضلوا السبيل) من قبل نفوسهم عن طريق الحق واخطؤا طريق الصواب؟؟ فيجيب المعبودون بما حكاه الله فيقولون: (سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من اولياء) ندعوهم إلى عبادتنا.

ومن ضم النون أراد: لم يكن لنا ان نتخذ اولياء من دونك، وضعف هذه القراء‌ة النحويون.

فقالوا: لان (من) هذه تدخل في الاسم دون الخبر، نحو ما علمت من رجل راكبا.

ولاتقول: ما علمت رجلا من راكب.

[479]

وقال الزجاج: لايجوز ذلك كما لا يجوز في قوله (فما منكم من احد عنه حاجزين)(1) ما احد عنه منكم من حاجزين.

وقال الفراء يجوز ذلك على ضعف، ووجهه أن يجعل الاسم في (من أولياء)، وإن كانت وقعت موقع الفعل (وقوله (ما كان ينبغي لنا)، (كان) زائدة، والتقدير: ما ينبغي لنا - ذكره ابوعبيدة - وهذا لايحتاج اليه، لان هذا إخبار عنهم يوم القيامة انهم يقولون: " ما كان ينبغي لنا " في دار الدنيا ان نتخذ اولياء من دونك)(2) وقوله " ولكن متعتهم وآباء‌هم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا " تمام الحكاية عما يقول المعبودون من دون الله، فانهم يقولون يا ربنا انك متعت هؤلاء الكفار ومتعت آباء‌هم في نعيم الدنيا " حتى نسوا الذكر " أي ذكرك " وكانوا قوما بورا " أي هلكى فاسدين.

والبور الفاسد، ويقال: بارت السلعة تبور بورا إذا بقيت لا تشترى بقاء الفاسد الذي لا يراد.

والبائر الباقي على هذه الصفة.

والبور مصدر كالزور، لا يثنى ولا يجمع ولايؤنث.

وقيل هو جمع (بائر) قال ابن الزبعري:

يا رسول المليك إن لساني *** راتق ما فتقت إذا أنابور(3)

ونعوذ بالله من بوار الاثم.

وقوله " فقد كذبوكم بما تقولون " قيل في معناه قولان: احدهما - كذبكم الملائكة والرسل، في قول مجاهد. والثاني - قال ابن زيد: أيها المؤمنون كذبكم المشركون بما تقولون: عن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وغيره من انبياء الله.

قال الفراء: من قرأ بالياء معناه كذبوكم بقولهم.

___________________________________

(1) سورة 69 الحاقة آية 47.

(2) ما بين القوسين كان في المطبوعة مؤخرا عن موضعه.

(3) انظر 6 / 249 من هذا الكتاب.

 

[480]

وقوله " فما تستطيعون صرفا ولا نصرا " قال مجاهد: يعني بذلك، فما يستطيع هؤلاء الكفار صرف العذاب عن انفسهم، ولانصر أنفسهم من عذاب الله تعالى.

وقيل: معناه فما يستطيعون لك يا محمد صرفا عن الحق، ولانصر أنفسهم من البلاء الذي هم فيه، من التكذيب لك. وليس: ما يستطيعون نصرا من بعض لبعض.

ومن قرأ - بالتاء - خاطبهم بذلك بتقدير قل لهم.

ثم قال تعالى " ومن يظلم منكم " نفسه بارتكاب المعاصي وحجد آيات الله " صرفه " في مقابلة ذلك جزاء عليه " عذابا كبيرا " أي عظيما. ثم خاطب نبيه محمدا صلى الله عليه وآله فقال " وما أرسلنا قبلك " يا محمد " من المرسلين إلا انهم ليأكلون الطعام " مثلك " ويمشون في الاسواق " طلبا للمعايش، كما تطلبها (؟؟؟)، وهو جواب لقولهم " ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الاسواق "(1) وكسرت (إن) في قول " الا انهم " لانه موضع ابتداء، كأنه قال: إلا هم يأكللون الطعام، كما تقول: ما قدم علينا أمير الا إنه مكرم لي، ولا يجوز أن تكون مكسورة لاحل اللام، لان دخولها وخروجها واحد في هذا الموضع.

وقال قوم (من) محذوفة والتقدير إلا من انهم ليأكلون الطعام نحو " وما منا إلا له مقام معلوم "(2) اي الا من له مقام معلوم، ذكره الفراء.

وقال الزجاج: هذا لايجوز، لان قوله " انهم ليأكلوا الطعام " صلة (من) ولا يجوز حذف الموصول وبقاء الصلة، ومثل الآية قول الشاعر:

ما أعطياني ولا سألتهما *** إلا وأني لحاجز كرمي(3)

وقوله " وجعلنا بعضكم لبعض فتنة " قال الحسن: معناه يقول هذا الاعمى: لو شاء لجعلني بصيرا مثل فلان، ويقول هذا الفقير: لو شاء لجعلني غنيا مثل فلان

___________________________________

(1) سورة 25 الفرقان آية 7.

(2) سورة 37 الصافات آية 164.

(3) البيت في مجمع البيان 4 / 163

[481]

ويقول هذا السقيم: لو شاء لاصحني مثل فلان.

وقوله " وكان ربك بصيرا " أي بصيرا بمن يصبر ممن يجزع، في قول ابن جريج.

وقال الفراء: كان الشريف إذا أراد أن يسلم، وقد سبق المشروف إلى الاسلام، فيقول: أسلم بعد هذا؟ ! فكان ذلك فتنة.

وقيل " وجعلنا بعضكم لبعض فتنة " للعداوات التي كانت بينهم في الدين.

والفتنة شدة في التعبد تظهر ما في نفس العبد من خير وشر، وهي الاختبار. وأصله اخلاص الشئ باحراق ما فيه من الفساد من قولهم: فتنت الذهب بالنار إذا أخلصته من الغش باحراقه، ومنه قوله " يومهم على النار " يفتنون "(1) أي يحرقون إحراق ما يطلب اخلاصه من الفساد.

وقوله " أتصبرون وكان ربك بصيرا " معناه اصبروا فقد عرفتم ما وعد الصابرون به من الثواب، والله بصير بمن يصبر ومن يجزع.

قوله تعالى: (وقال الذين لا يرجون لقاء‌نا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا(21) يوم يرون الملئكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا(22) وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا(23) أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا(24) ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملئكة تتزيلا(25))

خمس آيات.

حكى الله تعالى عن الكفار الذين لا يرجون لقاء ثواب الله، ولايخافون عقابه

___________________________________

(1) سورة 51 الذاريات آية 13

[482]

أنهم قالوا ما ذكره. والرجاء ترقب الخير الذي يقوى في النفس وقوعه، تقول: رجا يرجو رجاء وارتجى ارتجاء، وترجى ترجيا، ومثل الرجاء الطمع والامل. والمعنى لا يرجون لقاء جزائنا، وإذا استعملوا الرجاء مع النفي أرادوا به الخوف، كقوله " لا ترجون لله وقارا "(1) وهي لغة تهامة وهذيل.

واللقاء المصير إلى الشئ من غير حائل ولهذا صح لقاء الجزاء من الثواب والعقاب، لان العباد يصيرون اليه في الآخرة وعلى هذا يصلح أن يقال: لابد من لقاء الله تعالى.

وقوله " لولا انزل علينا الملائكة أو نرى ربنا " معناه هلا أنزل الملائكة لتخبرنا بأن محمد نبي " أو نرى ربنا " فيخبرنا بذلك.

قال الجبائي: وذلك يدل على انهم كانوا مجسمة، فلذلك جوزوا الرؤية على الله التي تقتضي التشبيه. ثم اقسم تعالى فقال " لقد استكبروا " بهذا القول " في أنفسهم " أي طلبوا الكبر والتجبر بغير حق، تقول: استكبر استكبارا " وعتوا " بذلك أي طغوا به " عتوا كبيرا " والعتو الخروج إلى أفحش الظلم.

وقوله " يرم يرون الملائكة " يجوز أن يكون المراد به اليوم الذي تقبض فيه أرواحهم، ويعلمون أين مستقرهم. ويجوز أن يكون يوم القيامة " لا بشرى يومئذ للمجرمين " أي لا بشرى لهم في ذلك اليوم.

قال الفراء: ليس (اليوم) من صلة (بشرى) ولا منصوبا به، بل اضمرت (الفاء) كقولك: أما اليوم، فلا مال لك.

وقال الزجاج: يجوز على تقدير لا بشرى تكون للمجرمين يوم يرون الملائكة، ويكون (يومئذ) مؤكدا ل‍ (يوم)، ولا يكون منصوبا ب‍ (لا بشرى) لان ما يتصل ب‍ (لا) لا يعمل فيما قبلها، لكن لما قيل: " لا بشرى للمجرمين " بين في أي يوم ذلك فكأنه قال يمنعون البشرى يوم يرون الملائكة، وهو يوم القيامة و (المجرمين) معناه

___________________________________

(1) سورة 71 نوح آية 13

[483]

الذين أجرموا وارتكبوا المعاصي " ويقولون حجرا محجورا " حراما محرما.

وقال قتادة، والضحاك: هو من قول الملائكة يقولون لهم: حراما محرما عليكم البشرى.

وقال مجاهد وابن جريج: هو من قول المجرمين، كما كانوا يقولون في الدنيا إذا لقوا من يخافون منه القتل، قالوا " حجرا محجورا " أي حراما محرما دماؤنا.

واصل الحجر الضيق، يقال: حجر عليه يحجر حجرا إذا ضيق.

والحجر الحرام لضيقه بالنهي عنه، قال المتلمس:

حنت إلى النخلة القصوى فقلت لها *** حجر حرام ألا تلك الدها ريس(1)

وقال آخر:

فهممت ان ألقي اليها محجرا *** ولمثلها يلقى اليه المحجر(2)

أي حراما. ومنه حجر القاضي عليه يحجر. وحجر فلان على أهله. ومنه حجر الكعبة، لانه لا يدخل اليه في الطواف، وانما يطاف من وارئه، لتضيقه بالنهي عنه وقوله " لذي حجر "(3) أي لذي عقل، لما فيه من التضييق في القبيح، والحجر الانثى من الخيل، ومنه الحجرة، وحجر الانسان.

وقوله " وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا " قال البلخي: معناه قدم أحكامنا بذلك.

وقال مجاهد: معنى " قدمنا " عمدنا قال الراجز:

وقدم الخوارج الضلال *** إلى عباد ربهم فقالوا

إن دماء‌كم لنا حلال(4) وفي الكلام بلاغة حسنة، لان التقدير: كان قصدنا اليه قصد القادم على ما يكرهه، ما لم يكن رآه قبل فيغيره. والهباء غبار كالشعاع، لا يمكن القبض عليه

___________________________________

(1) أنظر 4 / 313 تعليقة 1 من هذا الكتاب.

(2) تفسير الطبري 19 / 2.

(3) سورة 89 الفجر آية 5.

(4) تفسير القرطبي 13 / 21 والطبري 19 / 3

[484]

وقال الحسن ومجاهد وعكرمة: هو غبار يدخل الكوة في شعاع الشمس.

وقال عكرمة: هو رهج الخيل.

وقال ابن عباس وغيره: هو الماء المهراق.

ثم قال تعالى " أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا " ومعناه: إن الذين يحصلون في الجنة - مثابين منعمين في ذلك اليوم - مستقرهم خير من مستقر الكفار في الدنيا والآخرة.

وانما قال ذلك على وجه المظاهرة، بمعنى أنه لو كان لهم مستقر خير ومنفعة، لكان هذا خيرا منه، " واحسن مقيلا " معناه أحسن موضع قائلة، وإن لم يكن في الجنة نوم، إلا أنه من تمهيده يصلح للنوم، لانهم خوطبوا بما يعرفون، كما قال " ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا "(1) على ما اعتادوه.

وقال البلخي: معنى " مستقرا واحسن مقيلا " انه خير في نفسه، وحسن في نفسه، لا انه أفضل من غيره، كما قال " وهو أهون عليه "(2) أي هو هين.

وقال قوم: معنى " خير مستقرا وأحسن " أي انفع من مستقرهم.

وقال ابن عباس وابراهيم وابن جريج: لانه يفرغ من حسابهم إلى وقت القائلة.

وقوله " يوم تشقق السماء بالغمام " أي عن الغمام، وهو كقولهم: رميت بالقوس، وعن القوس بمعنى واحد.

وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر " تشقق " مشددة ومعناه تتشقق، فادغم احدى التائين في الشين لقرب مخرجيهما. ومن قرأ بالتخفيف أراد ايضا ذلك. ولكنه حذف أحدى التائين، وهي تاء (تفعل) لان الاخرى علامة الاستقبال، لا يجوز حذفها.

وقال أبوعلي الفارسي: المعنى " تشقق السماء " وعليها الغمام. وفى التفسير: انه يتشقق سماء سماء.

وقال الفراء: تتشقق السماء عن الغمام الابيض. وقرأ الباقون بالتخفيف.

وقرأ ابن كثير " وننزل الملائكة " بنونين. وقرأ الباقون بنون واحدة مشددة.

___________________________________

(1) سورة 19 مريم آية 62.

(2) سورة 30 الروم آية 27

[485]

والمعني بذلك الاخبار عن هول ذلك اليوم وعظم شدائده، وان الملائكة تنزل للمؤمنين بالاكرام والاعظام، وللكافرين بالاستخفاف والاهانة.

ومن قرا بالنونين أراد ان الله المخبر بذلك عن نفسه.

ومن قرأ بنون واحدة فعلى ما لم يسم فاعله. والمعنيان واحد. والتشديد أجود لقوله " تنزيلا " والآخر يجوز، كما قال " وتبتل اليه تبتيلا)(1) وقوله (والله أنبتكم من الارض نباتا)(2) فجاء المصدر على غير الفعل وذلك سائغ جيد.

___________________________________

(1) سورة 73 المزمل آية 8.

(2) سورة 71 نوح آية 17

الآية: 26 - 50

قوله تعالى: (ألملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا(26) ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا(27) يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا(28) لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاء‌ني وكان الشيطان للانسان خذولا(29) وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا(30))

خمس آيات.

يقول الله تعالى إن (الملك) الذي هو السلطان بسعة المقدور وتدبير العباد في ذلك اليوم ووصفه بأنه الحق " للرحمن " الذي أنعم على جميع خلقه، وأن ذلك

 [486]

اليوم كان على الكافرين عسيرا، يعني صعبا شديدا، والعسير هو الذي يتعذر طلبه، ونقيضه اليسير. والحق هو ما كان معتقده على ما هو به، معظم في نفسه، ولذلك وصفه تعالى بأنه الحق ووصف ملكه ايضا بأنه الحق لما ذكرناه.

وقيل " الملك " على ثلاثة أضرب: ملك عظمة، وهو لله تعالى وحده. وملك ديانة بتمليك الله تعالى. وملك جبرية بالغلبة. ثم قال تعالى أن في ذلك اليوم " يعض الظالم على يديه " تلهفا على ما فرط في جنب الله، في ارتكاب معصيته.

وقيل: إن الآية نزلت في أبي بن خلف، وعقبة ابن ابي معيط، وكانا خليلين ارتد أبي، لما صرفه عن الاسلام عقبة. وقتل عقبة ابن أبي معيط يوم بدر صبرا. وقتل أبي بن خلف يوم احد، قتله النبي صلى الله عليه وآله بيده، ذكره قتادة.

وقال مجاهد: الخليل - ههنا - الشيطان، وفلان كناية عن واحد بعينه من الناس، لانه معرفة.

وقال ابن دريد، عن أبي حاتم عن العرب: أنهم يكنوا عن كل مذكر بفلان، وعن كل مؤنث بفلانة. وإذا كنوا عن البهائم أدخلوا الالف واللام، فقالوا الفلان والفلانة. ثم بين أنه يتبرأ منه بأن يقول: والله " لقد اضلني عن الذكر بعد اذ جاء‌ني " يعني أغواني عن اتباع الذكر الذي هو النبي صلى الله عليه وآله ويحتمل أن يكون اراد القرآن.

ثم بين فقال " وكان الشيطان للانسان خذولا " يخذله في وقت حاجته ومعاونته، لانه على باطل " وقال الرسول " أي ويقول الرسول " ان قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا " وقيل في معناه قولان: احدهما - قال محمد، وابراهيم: انهم قالوا فيه هجرا أي شيئا من القول القبيح لزعمهم انه سحر، وانه اساطير الاولين. والثاني - قال ابن زيد: هجروا القرآن باعراضهم عنه، وترك ما يلزمهم فيه

[487]

ويشهد لهذا قوله " لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه "(1) ومثل (قال) بمعنى (يقول) قول الشاعر:

مثل العصافير أحلاما ومقدرة *** لو يوزنون بزف الريش ما وزنوا(2)

اي ما يوزنون، واما قول الشاعر:

إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا *** مني وما سمعوا من صالح دفنوا(3)

فهذا في الجزاء.

قوله تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا(31) وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا(32) ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا(33) ألذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا(34))

أربع آيات.

معنى قوله " وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين " قيل فيه قولان: احدهما - قال ابن عباس: جعل لمحمد صلى الله عليه وآله عدوا من المجرمين، كما جعل لمن قبله.

___________________________________

(1) سورة 41 حم السجدة (فصلت) آية 26.

(2) مجمع البيان 4 / 168.

(3) مجاز القرآن 1 / 177 إنظر 5 / 44 تعليقة 2 من هذا الكتاب

[488]

والثاني - كما جعلنا النبي يعادي المجرم مدحا له وتعظيما، كذلك جعلنا المجرم يعادي النبي ذما له وتحقيرا.

والمعنى إن الله تعالى حكم بأنه على هذه الصفة.

وقيل " جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين " ببياننا أنهم أعداؤهم، كما يقال جعله لصا أو خائنا.

وقيل: معناه أمرنا بأن يسموهم أعداء.

والجعل وجود ما به يصير الشئ على ما لم يكن، ومثله التصيير، والعدو المتباعد من النصرة للبغضة، ونقيضه الولي، واصله البعد. ومنه عدوتا الوادي أي جانباه، لانهما بعداه ونهايتاه، وعدا عليه يعدو عدوا اذا باعد خطوة للايقاع به، وتعدى في فعله إذا أبعد في الخروج عن الحق.

ثم قال تعالى " وكفى بربك " يا محمد " هاديا ونصيرا " اي حسبك الله الهادي إلى الحق، والناصر على العدو، و (هاديا) منصوب على الحال أو التمييز، فالحال كفى به في حال الهداية والنصرة، والتمييز من الهادين والناصرين - ذكره الزجاج - ولا يقدر أحد أن يهدي كهداية الله، ولا أن ينصر كنصرته، فلذلك قال " وكفى بربك هاديا ونصيرا " ثم حكى أن الكفار، قالو " لولا " اي هلا " نزل عليه القرآن " على النبي " جملة واحدة " فقيل لهم إن التوراة انزلت جملة، لانها أنزلت مكتوبة على نبي يكتب ويقرأ وهو موسى، واما القرآن، فانما انزل متفرقا، لانه أنزل غير مكتوب على نبي أمي، وهو محمد صلى الله عليه وآله وقيل: انما لم ينزل جملة واحدة، لان فيه الناسخ والمنسوخ، وفيه ما هوجواب لمن سأل عن أمور، وفيه ما هو إنكار لما كان.

وفي الجملة المصلحة معتبرة في إنزال القرآن، فاذا كانت المصلحة تقتضي انزاله متفرقا كيف ينزل جملة واحدة !؟ فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله إنا أنزلناه متفرقا (لنثبت به فؤادك) وقال أبوعبيدة: معناه لنطيب به نفسك ونشجعك.

وقوله (ورتلناه ترتيلا) فالترتيل التبيبن في تثبت وترسل.

وقوله (ولا يأتونك بمثل الا جئناك بالحق) أي لم ننزل القرآن جملة واحدة لانهم لا ياتونك بشئ

[489]

يريدون به ابطال امرك (الا جئناك بالحق) الذي يبطله (واحسن تفسيرا) أي نجيؤك بأحسن تفسيرا مما يأتونك به واجود معاني.

ثم قال (الذين يحشرون على وجوههم) يوم القيامة (إلى جهنم) يعني الكفار يسحبون على وجوههم. وفى الحديث أن الذي امشاهم على أقدامهم، قادر على أن يمشيهم على وجوههم.

ثم أخبر تعالى عن هؤلاء الذين يحشرون على وجوههم بأنهم (شر مكانا وأضل سبيلا) عن الحق وعن الثواب والجنة.

قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هرون وزيرا(35) فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا(36) وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذابا أليما(37) وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا(38) وكلا ضربنا له الامثال وكلا تبرنا تتبيرا(39) ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا(40))

ست آيات.

أقسم الله تعالى بأنه آتى موسى الكتاب يعني التوراة، وأنه جعل معه (أخاه (هارون وزيرا، يحمل عنه أثقاله، وأنه قال لهما وأوحى اليهما وأمرهما بأن يذهبا إلى القوم

[490]

الذين كذبو بآيات الله وجحدوا أدلته، يعني فرعون وقومه، وأخبر أنهم لم يقبلوا منهما وجحدوا نبوتهما، فأهلكهم الله ودمرهم تدميرا، والتدمير الاهلاك بأمر عجيب ومثله التنكيل، يقال: دمر على فلان إذا هجم عليه بالمكروه.

ثم قال " وقوم نوح " أي اغرقنا قوم نوح لما كذبوا الرسل " أغرقناهم وجعلناهم للناس آية " وعلامة. والتغريق الاهلاك بالماء الغامر، وقد غرق الله تعالى قوم نوح بالطوفان، وهو مجئ ماء السماء المنهمر، وماء الارض الذي فجر الله تعالى عيونها حتى التقى الماء، أي أتى على أمر على قد قدره الله، فطبق الارض ولم ينج إلا نوحا ومن كان معه راكبا في السفينة، ويقال: فلان غريق في النعمة تشبيها بذلك.

وقوله " لما كذبوا الرسل " يعني نوحا ومن تقدم من الانبياء.

وقيل: المعني نوحا والرسل من الملائكة.

وقيل: نوحا ومن بعده من الرسل، لان الانبياء يصدق بعضهم بعضا في توحيد الله وخلع الانداد، فمن كذب بواحد منهم فقد كذب بهم جميعهم، وقال الحسن: تكذيبهم بنوح تكذيب لسائر الرسل.

ثم قال تعالى: إنا مع إهلاكهم العاجل (اعتدنا للظالمين) نفوسهم (عذابا اليما) أي مؤلما موجعا.

وقوله (وعادا وثمود واصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا) معناه أهلكنا هؤلاء ايضا، يقال: (عاد) هم القوم الذين بعث الله إليهم هودا، و (ثمود) هم الذين بعث الله اليهم صالحا، واصحاب الرس قال عكرمة: الرس بئر رسوا فيها نبيهم أي ألقوه فيها.

وقال قتادة: هي قرية باليمامة، يقال لها: (فلج) وقال ابوا عبيدة: الرس كل محفور - في كلام العرب - وهو المعدن، قال الشاعر:

سبقت إلى فرط ناهل *** تنابلة يحفرون الرساسا(1)

اي المعادن.

___________________________________

(1) قائله لنابغة الجعدي. تفسير القرطبي 13 / 32 والطبري 19 / 9 واللسان (رسس)

[491]

وقيل: الرس البئر التي لم تطو بحجارة، ولا غيرها، يقال: رسه يرسه رسا إذا دسه.

وقيل: اصحاب الرس هم اصحاب (ياسين) بانطاكية الشام، ذكره النقاش.

وقال الكلبي: هم قوم بعث الله تعالى اليهم نبيا فاكلوه، وهم اول من عمل نساؤهم السحر. وعن اهل البيت (ع) انهم قوم كانت نساؤهم سحاقات.

وقوله (وقرونا بين ذلك كثيرا) اي اهلكنا قرونا بين هؤلاء الذين ذكرناهم كثيرا.

وقيل: القرن سبعون سنة.

وقال ابراهيم: أربعون سنة.

وقوله (وكلا ضربنا له الامثال) تقديره ودللنا كلا ضربنا له الامثال، فلما كفروا بها دمرناهم تدميرا (وكلا تبرنا تتبيرا) اي اهلكنا كلا منهم إهلاكا. والتتبير تكبير الاهلاك، والتبر مكسر الزجاج، ومكسر الذهب.

وقوله (ولقد اتوا على القرية التي امطرت مطر السوء) يعني ان هؤلاء الكفار قد جاؤا إلى القرية التي اهلكها الله بالمطر السوء (أفلم يكونوا يرونها) فيعتبروا بها.

والقرية هي قرية (سدوم) قرية قوم لوط، والمطر السوء الحجارة التي رموا بها - في قول ابن عباس - ثم قال (بل) رأوها، وانما لم يعتبروا بها، لانهم (كانوا لا يرجون نشورا) اي لا يخافون البعث لاعتقادهم جحده، قال الهذلي:

إذا لسعته الدير لم يرج لسعها *** وخالفهافي بيت نوب عوامل(1)

فالدبر النحل اي لم يخف.

وقيل: ركبوا المعاصي، لانهم لايرجون ثواب من عمل خيرا بعد البعث.

___________________________________

(1) مر تخريجه في 2 / 210 و 3 / 315

[492]

قوله تعالى: (وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا(41) إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا(42) أرأيت من اتخذ إلهه هويه أفأنت تكون عليه وكيلا(43) أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالانعام بل هم أضل سبيلا(44))

أربع آيات.

يقول الله تعالى حاكيا عن الكفار الذين وصفهم بأنه " إذا رأوك " يا محمد وشاهدوك لا يتخذونك " إلا هزوا " أي سخريا، والهزو إظهار خلاف الابطان لاستصغار القدر على وجه اللهو. وانهم ليقولون " أهذا الذي بعث الله رسولا " متعجبين من ذلك، ومنكرين له، لانهم يعتقدون في الباطن انه ما بعثه الله.

وقوله " إن كاد ليضلنا عن آلهتنا " أي قد قارب أن يأخذ بنا في غير جهة عبادة آلهتنا، على وجه يؤدي إلى هلاكنا. والاضلال الاخذ بالشئ إلى طريق الهلاك.

وقوله " لولا أن صبرنا عليها " أي على عبادتها لازلنا عن ذلك، وحذف الجواب لدلالة الكلام عليه. فقال الله تعالى متوعدا لهم " وسوف يعلمون " فيما بعد إذا رأوا العذاب الذي ينزل بهم " من أضل سبيلا " عن طريق الحق: هم أم غيرهم؟ ثم قال لنبيه يا محمد " ارأيت من اتخذ إلهه هواه " لانه ينقاد له ويتبعه في جميع ما يدعوه اليه.

[493]

وقيل: المعني من جعل إلهه ما يهوى، وذلك نهاية الجهل، لان ما يدعو اليه الهوى باطل، والاله حق يعظم بما لا شئ أعظم منه، فليس يجوز أن يكون الاله ما يدعواليه الهوى، وانما الاله ما يدعوا إلى عبادته العقل.

ومعنى " أفانت تكون عليه وكيلا " أي لاتكون له انت حافظا من الخروج إلى هذا الفساد.

قال المبرد: الوكيل أصله واحد، ويشتمل على فروع ترجع اليه، فالوكيل من تتكل عليه وتعتمد في امورك عليه.

ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله " أم تحسب " يا محمد وتظن " أن اكثر " هؤلاء الكفار " يسمعون " ما تقول سماع طالب للافهام " او يعقلون " ما تقوله لهم؟ بل سماعهم كسماع الانعام، وهم أضل سبيلا من الانعام، لانهم مكنوا من طريق الفهم، ولم تمكن النعم من ذلك، وهم مع ذلك لا يعقلون ما تقول، إذ لو عقلوا عقل الفهم به لدعاهم عقلهم اليه، لانه نور في قلب المدرك له.

وقيل " بل هم اضل سبيلا " لانها لا تعتقد بطلان الصواب وإن كانت لا تعرفه، وهم قد اعتقدوا ضد الصواب الذي هو الجهل.

وقيل: كان أحدهم يعبد الحجر، فاذا رأى أحسن صورة منه ترك الاول وعبد الثاني.

وقيل: لان الانعام تهتدي إلى منافعها ومضارها.

وهولاء لا يهتدون إلى مايدعون اليه من طريق الحق، فهم اضل.

قوله تعالى: (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا(45) ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا(46))

آيتان.

يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وهو متوجه إلى جميع المكلفين " ألم تر " يا محمد " إلى ربك " ومعناه ألم تعلم ربك " كيف مد الظل " قال ابن عباس والضحاك وسعيد

[494]

ابن جبير: الظل حده من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.

وقال ابوعبيدة: الظل بالغداة، والفي بالعشي، لانه يرجع بعد زوال الشمس وقوله " ولو شاء لجعله ساكنا " أي دائما لا يزول، في قول ابن عباس ومجاهد.

وقوله " ثم جعلنا الشمس عليه دليلا " قال ابن زيد: يعني باذهابها له عند مجيئها. وقيل: لان الظل يتبع الشمس في طوله وقصره، فاذا أرتفعت في اعلا ارتفاعها قصر، وإن انحطت طال بحسب ذلك الانحطاط ولو شاء لجعله ساكنا بوقوف الشمس. والظل يتبع الدليل الذي هو الشمس، كما يتبع السائر في المفازة الدليل.

وقوله " ثم قبضناه " يعني الظل يقبضه الله، من طلوع الشمس. وقيل: بغروبها، فالقبض جمع الاجزاء المنبسطة قبضه يقبضه قبضا، فهو قابض والشئ مقبوض، وتقابضا تقابضا، وقبضه تقبضا، وتقبض تقبضا، وانقبض انقباضا. واليسير السهل القريب واليسير نقيض العسير، يسر ييسر يسرا، وتيسر تيسرا، ويسره تيسرا، وأيسر ايسارا أي ملك من المال ما تتيسر به الامور عليه. واليد اليسرى لانها يتيسر بها العمل مع اليمنى، وتياسر أخذ في جهة اليد اليسرى.

وقيل: معناه قبضا خفيفا، لان ظلمة الليل تجئ شيئا بعد شئ، فلا تهجم دفعة واحدة عقيب غروب الشمس.

وقيل: معناه قبضا سريعا.

[495]

قوله تعالى: (وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا(47) وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا(48) لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا(49) ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا(50))

اربع آيات.

قرأ ابن كثير ونافع وابوعمرو " نشرا " بضم النون والشين.

وقرأ ابن عامر - بضم النون وسكون الشين - وروى ذلك هارون عن أبي عمرو.

وقرأ حمزة والكسائي - بفتح النون وسكون الشين - وقرأ عاصم " بشرا " بالباء وسكون الشين.

قال ابوعلي النحوي: من ثقل أراد جمع (نشور) مثل رسول ورسل، ومن سكن الشين، فعلى قول من سكن (كتب) في (كتب) و (رسل) في (رسل).

ومن فتح النون جعله مصدرا واقعا موقع الحال، وتقديره يرسل الرياح حياة أي يحيي بها البلاد الميتة.

ومن قرأ بالباء أراد جمع (بشور) أي تبشر بالغيث من قوله " الرياح مبشرات "(1) يعني بالغيث المحيي للبلاد.

وقرأ حمزة والكسائي " ليذكروا " خفيفة الذال. الباقون بتشديدها.

من شدد الذال أراد (ليتذكروا) فأدغم التاء في الذال، وهوالاجود لان التذكير والاذكار في معنى واحد وهوفي معنى الاتعاظ، وليس الذكر كذلك.

وقد حكى أبوعلي ان الذكر يكون بمعنى التذكر، كقوله تعالى " إنها تذكرة فمن شاء ذكره "(2) وقوله " خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه "(3)، والاول أكثر.

والمعنى ليتفكروا في قدرة الله، وموضع نعمته بما أحيا بلادهم به من الغيث. يقول الله تعالى معددا لنعمه على خلقه منها أنه " جعل لكم الليل لباسا " ومعناه أن ظلمته تلبس كل شخص، وتغشيه حتى تمنع من ادراكه. وانما جعله كذلك للهدوء فيه والراحة من كد الاعمال، مع النوم الذي فيه صلاح البدن.

___________________________________

(1) سورة 30 الروم آية 46.

(2) سورة 80 عبس آية 11 - 12.

(3) سورة 2 البقرة آية 63 وسورة 7 الاعراف آية 170

[496]

وقوله " والنوم سباتا " أي جعل نومكم ممتدا طويلا تكثر به راحتكم وهدوؤكم.

وقيل: انه اراد جعله قاطعا للاعمال التي يتصرف فيها.

والسبات قطع العمل، ومنه سبت رأسه يسبته سبتا اذا حلقه، ومنه يوم السبت، وهو يوم ينقطع فيه العمل.

قال المبرد: يعني سباتا سكوتا يقال: أسبت الرجل إذا اخذته سكتة.

وقوله " وجعل النهار نشورا " أي للانبساط والتصرف في الحوائج.

والنشور الانبساط في تصرف الحي، يقال: نشر الميت إذا حيي وانشره الله فنشر، قال الاعشى:

حتى يقول الله مما رأوا *** يا عجبا للميت الناشر(1)

ثم قال " وهو الذي ارسل الرياح بشرا بين يدي رحمته " وفى الرحمة تجمع الرياح، لانه جمع الجنوب والشمال والصبا. وفي العذاب (ريح) لانها هي الدبور وحدها وهي عقيم، لا تلقح، فكل الرياح لواقح غيرها.

والرحمة التي ينزلها من السماء هي الغيث، وذكر انه قد يرسل الرياح لينشئ السحاب.

ثم ينزل " من السماء ماء طهورا " أي طاهرا مطهرا مزيلا للاحداث والنجاسات مع طهارته في نفسه.

وانما نزل هذا الماء " ليحيي به بلدة ميتا " قد مات بالجدب.

قال ابوعبيدة: زعم بعضهم انه اراد إذا لم يكن فيها نبات، فهو بغير (هاء) وإذا كانت حية روحانية فماتت، فهي ميتة.

وقال غيره: اراد بالبلدة المكان، فلذلك قال ميتا بالتذكير، ومعنى نسقيه نجعله سقيا للانعام التي خلقها الله تعالى.

وقوله " واناسي كثيرا " جمع إنسان الياء جعلت عوضا من النون، وقد قالوا: (أناسين) نحو بستان وبساتين. ويجوز أن يكون (أنسي) نحو كرسي وكراسي.

وقد قالوا: أناسية كثيرة.

___________________________________

(1) ديوانه (دار بيروت) 93 وقد مرفي 4 / 460

[497]

ثم قال تعالى " ولقد صرفناه بينهم " قيل: معناه قسمناه بينهم يعني المطر قال ابن عباس: ليس من غمام إلا يمطر، وإنما يصرف من موضع إلى موضع. والتصريف تصيير الشئ دائرا في الجهات. فالمطر يصرف بدوره في جهات الارض.

ثم بين انه صرفه كذلك " ليتذكروا " ويتفكروا، قيستدلوا على سعة مقدور الله وانه لا يستحق العبادة سواه. ثم اخبر عن حال الكفار، فقال " فأبى اكثر الناس إلا كفورا " أي جحودا لهذه النعم التي عددناها وانكارها.

ويقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا.

الآية: 51 - 77

قوله تعالى: (ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا(51) فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا(52) وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا(53) وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا(54) ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا(55))

خمس آيات.

يقول الله تعالى " لو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا " يخوفهم بالله ويحذرهم من معاصيه.

والمعنى: لو شئنا لقسمنا النذر بينهم، كما قسمنا الامطار بينهم، ففي ذلك اخبار عن قدرته على ذلك، لكن دبرنا على ما اقتضته مصلحتهم، وما هو أعود

[498]

عليهم في دينهم ودنياهم. وفيه امتنان على النبي صلى الله عليه وآله بأنا " لو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا " فيخف عنك كثير من عب‌ء ما حملته، لكنا حملناك ثقل أوزار جميع القرى لتستوجب بصبرك عليه إذا صبرت عظيم المنزلة وجزيل الكرامة. والنذير هو الداعي إلى ما يؤمن معه الخوف من العقاب، والانذار الاعلام بموضع المخافة. والنذر عقد البرعلى انتفاء الخوف، يقال تناذر القوم تناذرا إذا انذر بعضهم بعضا.

ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله " فلا تطع الكافرين " يا محمد بالاجابة إلى ما يريدون " وجاهدهم " في الله " جهادا كبيرا " شديدا، والهاء في قوله " به " عائدة إلى القرآن - في قول ابن عباس والحسن - وقال الحسن: معنى " فلا تطع الكافرين " لا تطعهم فيما يصرفك عن طاعة الله.

وقيل: فلا تطعهم: بمعاونتهم فيما يريدونه مما ببعد عن دين الله، وجاهدهم بترك طاعتهم. ثم عاد تعالى إلى تعديد نعمه عليهم فقال (وهو الذي مرج البحرين) ومعناه أرسلهما في مجاريهما، كما ترسل الخيل في المرج، فهما يلتقيان، فلا يبغي الملح على العذب ولا العذب على الملح، بقدرة الله.

والعذب الفرات: وهو الشديد العذوبة، والملح الاجاج يعني المر.

ثم قال (وجعل بينهما برزخا) أي حاجزا يمنع كل واحد منهما من تغيير الآخر (وحجرا محجورا) معناه يمنع أن يفسد احدهما الآخر.

وقال المبرد: شبه الخلط بحجر البيت الحرام. وأصل المرج الخلط. ومنه قوله " في امر مريج "(1) أي مختلط.

وفى الحديث: مرجت عهودهم أي اختلطت، وسمي المرج بذلك، لانه يكون فيه اخلاط من الدواب. ومرجت دابتك إذا ذهبت بتخليتك حيث شاء‌ت قال الراجز: رعى بها مرج ربيع ممرجا(2)

___________________________________

(1) سورة 50 ق آية 5(2) اللسان (مرج)

[499]

و (مرج البحرين) معناه خلا بينهما، تقول: مرجت الدابة وأمرجتها إذا خليتها ترعى. ثم قال تعالى (وهو الذي خلق من الماء بشرا) يعني من النطفة. وقيل الماء الذي خلق الله منه آدم بشرا أي انسانا، فجعل ذلك الانسان (نسبا وصهرا) فالنسب ما رجع إلى ولادة قريبة، والصهر خلطة تشبه القرابة. وقيل الصهر المتزوج بنت الرجل او اخته.

وقال الفراء: النسب الذي لايحل نكاحه، والصهر النسب الذي يحل نكاحه، كبنات العم، وبنات الخال ونحوهما.

وقيل: النسب سبعة أصناف ذكرهم الله في (حرمت عليكم امهاتكم...) إلى قوله (وبنات الاخت). والصهر خمسة أصناف ذكرهم في (أمهاتكم اللاتي ارضعنكم...) إلى قوله (وحلائل ابنائكم الذين من اصلابكم)(1) ذكره الضحاك.

وقوله (وكان ربك قديرا) أي قادرا على جميع ما انعم به عليكم. ثم اخبر عن الكفار فقال (ويعبدون من دون الله) الاصنام والاوثان التي لاتنفعهم ولاتضرهم، لان العبادة ينبغي أن توجه إلى من يملك النفع والضر مطلقا. ثم قال (وكان الكافر على ربه ظهيرا) قال الحسن ومجاهد وابن زيد: يظاهر الشيطان على معصية الله. وقيل: (ظهيرا) معناه هينا كالمطرح. والاول هو الوجه. وقيل: معنى (ظهيرا) معينا. ووصف الاصنام بأنها لا تضر ولاتنفع، يدل على بطلان فعل الطباع، لانها موات مثلها. والفعل لايصح إلا من حي قادر.

___________________________________

(1) سورة 4 النساء آية 22

[500]

قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا(56) قل ما أسئلكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا(57) وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا(58) ألذي خلق السموات والارض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فسئل به خبيرا(59) وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا(60))

خمس آيات.

قرأ حمزة والكسائي لما " يأمرنا " بالياء. الباقون بالتاء.

من قرأ - بالتاء - جعل الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وقيل: معناه أنسجد لامرك فجعلوا (ما) مع ما بعدها بمنزلة المصدر، ومن قرأ - بالياء - جعل الياء لمسيلمة الكذاب، لانه كان يسمي نفسه الرحمن فقالوا للنبي صلى الله عليه وآله إنا لا نعرف الرحمن إلا نبي اليمامة.

فقال الله تعالى " قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الاسماء الحسنى "(1).

وقال ابوعلي: من قرأ - بالتاء - اراد انسجد لما تأمرنا يا محمد على وجه الانكار، لانهم أنكروا أن يعرف الرحمن، فلا يحمل على رحمان اليمامة.

يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله " ما أرسلناك " يا محمد " إلا مبشرا " بالجنة وثواب الله لمن أطاعه ومخوفا لمن عصاه بعقاب الله.

وقال الحسن: ما بعث الله نبيا قط إلا وهو يبشر الناس إن أطاعوا الله بالمتعة في الدنيا والآخرة، وينذر الناس إن عصوا عذاب الله في الآخرة.

___________________________________

(1) سورة 17 الاسرى آية 110

[501]

والبشارة الاخبار عما يظهر سروره في بشرة الوجه، تقول: بشره تبشيرا وبشارة.

وبشارة الانبياء مضمنة باخلاص العبادة لله تعالى.

والنذارة هو الاخبار بما فيه المخافة، ليحذر منه.

انذره إنذارا ونذارة، وتناذر القوم إذا أنذر بعضهم بعضا.

ثم امره، فقال: يا محمد " قل " لهؤلاء الكفار: إني لست اسألكم على ما أبشركم به واحذركم منه " اجرا " تعطوني " إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا " استثناء من غير الجنس، ومعناه انه جعل أجره على دعائه اتخاذ المدعو سبيلا إلى ربه وطاعته اياه كقول الشاعر:

وبلدة ليس بها انيس *** إلا اليعافير وإلا العيس(1)

جعلها انيس ذلك المكان.

وقيل: " إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا " بانفاقه ماله في طاعة الله، وابتغاء مرضاته.

ثم امره ان يتوكل على ربه " الحي الذي لا يموت " والمراد به جميع المكلفين لانه يجب على كل أحد ان يتوكل على الله، ويسلم لامره، ومعنى " وسبح بحمده " أي احمده منزها له مما لايجوز عليه في صفاته، بان تقول: الحمد لله رب العالمين، الحمد لله على نعمه واحسانه الذي لا يقدر عليه غيره، الحمد لله حمدا يكافئ نعمه في عظم المنزلة وعلو المرتبه، وما اشبه ذلك.

وقوله " وكفى به " اي كفى الله " بذنوب عبادة خبيرا " أي عالما " الذي خلق السموات والارض وما بينهما " يعني بين هذين الصنفين، كما قال القطامي:

ألم يحزنك أن جبال قيس *** وتغلب قد تباينتا انقطاعا(2)

وقال الآخر:

___________________________________

(1) قد مر في 1 / 151 و 3 / 327 و 5 / 498.

(2) تفسير القرطبي 13 / 63 والطبري 19 / 17 ///////////////////////////////////////

[502]

إن المنية والحتوف كلاهما *** توقي المحارم يرقبان سوادي

وقوله في ستة أيام قيل: كان ابتداء الخلق يوم الاحد، وانتهاؤه يوم الجمعة " ثم استوى على العرش " وقيل " ثم استوى على العرش " تمام الحكاية. ثم ابتدأ فقال " الرحمن فسأل به خبيرا " ومعنى " فسأل به خبيرا " أي فاسأل سؤالك إياه خبيرا، قال ابن جريج: الخبير - ههنا - هو الله. وقيل معناه فاسال به ايها الانسان عارفا يخبرك بالحق في صفته.

ثم حكى انه إذا قيل لهؤلاء الكفار " اسجدوا للرحمن " الذي انعم عليكم " قالوا وما الرحمن " أي أي شئ الرحمن؟ أي لا نعرفه " أنسجد لما تأمرنا " وقد فسرناه " وزادهم نفورا " أي ازدادوا عند ذلك نفورا عن قبول قول النبي صلى الله عليه وآله والرجوع إلى طاعة الله.

قوله تعالى: (تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا(61) وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا(62) وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما(63) والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما(64) والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما(65))

خمس آيات.

قرأ حمزة والكسائي " سرجا " على الجمع. الباقون " سراجا " على التوحيد.

[503]

وقرأ حمزة وحده " أن يذكر " خفيفة. الباقون بالتشديد.

من قرأ على التوحيد فلقوله " وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا ".

ومن قرأ على الجمع، فلقوله " زينا السماء الدنيا بمصابيح "(1) تشبيها بالكواكب أعني المصابيح كما شبهت المصابيح بالكواكب، في قوله " الزجاجة كأنها كوكب دري "(2) وقيل: من وحد أراد الشمس وحدها. ومن جمع أراد الكواكب المضيئة كلها.

واتفقوا على " وقمرا " إلا الحسن، فانه قرأ - بضم القاف والميم - ويجوز أن يكون فيه لغتان مثل (ولد، وولد) ويجوز أن يكون أراد الجمع غير ان العرب لاتعرف جمع القمر قمرا، وانما يجمعونه أقمارا.

قوله تعالى " تبارك " قيل في معناه قولان: احدهما - تقدس الله، وجل بما هو ثابت لم يزل ولا يزال، لان أصل الصفة الثبوت. والثاني - انه من البركة، والتقدير جل تعالى، وتقدس بما به تقدر على جميع البركات " الذي جعل في السماء بروجا " والبروج منازل النجوم الظاهرة، وهي اثنتا عشرة برجا معروفة أولها الحمل وآخرها الحوت.

وقيل: البروج منازل الشمس والقمر، وقال ابراهيم: البروج القصور العالية، واحدها برج، ومنه قوله (ولو كنتم في بروج مشيدة)(3) قال الاخطل:

كأنها برج رومي يشيده *** لزبحص وآجر واحجار(4)

وقال قتادة: البروج النجوم.

وقال أبوصالح: هي كبار النجوم، والبرج تباعد ما بين الحاجبين قال: الزجاج: كل ظاهر مرتفع يقال له: برج، وسميت الكواكب بروجا لظهورها.

___________________________________

(1) سورة 67 تبارك (الملك) آية 5.

(2) سورة 24 النور آية 35.

(3) سورة 4 النساء آية 77.

(4) تفسير الطبري 19 / 18

[504]

وقوله (وجعل فيها سراجا) يعني الشمس التي يستضئ بها جميع الخلق.

وقوله (وقمرا منيرا) أي مضيئا بالليل، اذا لم يكن شمس.

فمن قرأ (سراجا) أراد الشمس وحدها.

ومن قرأ (سراجا) أراد جميع النجوم، لانه يهتدى بها، كما يهتدى بضوء السراج.

وقوله (وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة) أى يخلف كل واحد منهما صاحبه، فيما يحتاج أن يعمل فيه، فمن فاته الليل استدركه بالنهار، ومن فاته عمل النهار استدركه بالليل.

قال عمر بن الخطاب، وابن عباس، والحسن: يخلف احدهما الآخر في العمل.

وقال مجاهد: معناه أحدهما اسود الآخر ابيض، فهما مختلفتان.

وقال ابوزيد: معناه احدهما يذهب ويجئ الآخر قال زهير:

بها العين والارآم يمشين خلفة *** واطلاؤها ينهضن من كل مجثم(1)

وقوله (لمن اراد أن يذكر) اى خلقناه كذلك لمن أراد ان يتفكر ويستدل بها على ان لها مدبرا ومصرفا، لا يشبهها ولا تشبهه فيوجه العبادة اليه.

وقوله (او اراد شكورا) أى يشكر الله، على ما انعم به عليه فيتمكن من ذلك، لان بهذه الادلة وامثالها يتوصل إلى ما قلناه.

وقوله (وعباد الرحمن) يعني عباده المخلصين، الذين يعبدونه، المعظمون ربهم (الذين يمشون على الارض هونا) يعني بالسكينة والوقار - في قول مجاهد - وقال الحسن: معناه حلما وعلما، لا يجهلون وإن جهل عليهم.

وقال ابن عباس: بالتواضع لا يتكبرون على أحد (وإذا خاطبهم الجاهلون) بما يكرهونه أو يثقل عليهم، قالوا في جوابه (سلاما) أى سدادا من القول - ذكره مجاهد - وقيل:

___________________________________

(1) ديوانه " دار بيروت " 75

[505]

معناه إنهم قالوا قولا يسلمون به من المعصية لله.

وقال قوم: هذا منسوخ بآية القتال. وليس الامر على ذلك، لان الامر بالقتال لاينافي حسن المحاورة في الخطاب وحسن العشرة.

وقوله (والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما) يعني يعبدون الله في لياليهم ويقومون بالصلاة، ويسجدون فيها " والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم ان عذابها كان غراما " أي يدعون بهذا القول، ومعنى " غراما " لازما ملحا دائما ومنه الغريم، لملازمته وإلحاحه، وفلان مغرم بالنساء أي ملازم لهن، لا يصبر عنهن قال الشاعر:

إن يعاقب يكن غراما وإن يع‍ *** ط جزيلا فانه لا يبالي(1)

وقال بشر بن ابي حازم:

فيوم النسار ويوم الجفا *** ركانا عذابا وكانا غراما(2)

وقال الحسن: ليس غريم إلا مفارق غريمه غير جهنم، فانها لا تفارق غريمها.

___________________________________

(1) قائله الاعشى ديوانه: 167.

(2) اللسان (جفر) وتفسير الطبري 19 / 21 وروايته (النشار) بدل (النسار)

[506]

قوله تعالى: (إنها ساء‌ت مستقرا ومقاما(66) والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما(67) والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما(68) يضاعف له العذاب يوم القيمة ويخلد فيه مهانا(69) إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فاولئك يبدل الله سيآتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما(70))

خمس آيات.

قرأ أهل المدينة وابن عامر والكسائي عن أبي بكر " يقتروا " بضم الياء وكسر التاء، وقرأ اهل البصرة وابن كثير بفتح الياء وكسر التاء. الباقون بفتح الياء وضم التاء، وهم أهل الكوفة إلا الكسائي عن أبي بكر.

وقرأ ابن عامر، وأبو بكر " يضاعف... ويخلد " بالرفع فيهما. وقرأ ابن كثير وابن عامر وابوجعفر ويعقوب " يضعف " بتشديد العين وإسقاط الالف. الباقون " يضاعف " باثبات الالف وتخفيف العين.

تقول: قتر يقتر ويقتر - بكسر التاء، وضمها - لغتان. واقتر إقتارا لغة.

واختلفوا في (السرف) في النفقة، فقال قوم: كلما أنفق في غير طاعة الله، فهو سرف، لقوله تعالى " إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين "(1).

وقال علي (ع): ليس في المأكول والمشروب سرف وإن كثر.

وقال قوم: الاسراف في الحلال فقط، لان الحرام لا يجوز الانفاق فيه ولو ذرة.

___________________________________

(1) سورة 17 الاسرى آية 27

[507]

ومن قرأ " يضاعف " فمن المضافة. ومن شدد، فمن التضعيف ذهب إلى التكثير، والمعنيان متقاربان. ومن - جزم - جعله بدلا من جواب الشرط، لان الشرط قوله " ومن يفعل ذلك " وجزاء‌ه " يلق أثاما " وعلامة الجزم سقوط الالف من آخره.

و (يضاعف) بدل منه و (يخلد) عطف عليه.

ومن - رفع - استأنف لان الشرط والجزاء قدتم.

وكان يجوز النصب على الظرف - في مذهب الكوفيين.

وباضمار (ان) على مذهب البصريين - ولم يقرأ به احد.

لما اخبر الله تعالى أن عذاب جهنم كان غراما، بين بأنها " ساء‌ت مستقرا ومقاما " أي موضع قرار واقامة لما فيها من أنواع العذاب، ونصبها على التمييز.

ثم عاد إلى وصف المؤمنين فقال " والذين إذا انفقوا لم يسرفوا " أي لم يخرجوا عن العدل في الانفاق يقال: فلان مسرف على نفسه إذا أكثر من الحمل على نفسه في المعصية، فشبه بالمسرف في النفقة " ولم يقتروا " أي لم يقصروا عن العدل في الانفاق، وهو مأخوذ من القترة، وهي الدخان.

والاقتار مشبه به في الامحاق والاضرار.

وفيه ثلاث لغات: قتر يقتر، ويقتر، وأقتر إقتارا.

وقال ابوعلي الفارسي: من قرأ " يقتروا " بضم التاء أراد لم يقتروا في إنفاقهم، لان المسرف مشرف على الافتقار، لسرفه، ومن فتح التاء أراد لم يضيقوا في الانفاق، فيقصروا عن المتوسطين، فمن كان في هذا الطرف، فهو مذموم، كما أن من جاوز الاقتصاد كان كذلك مذموم.

وبين ذلك بقوله " وكان بين ذلك قواما " أي كان إنفاقهم بين ذلك، لا إسرافا يدخل في حد التبذير، ولا تضييقا يصير به في حد المانع لما يجب.

وقال ابن عباس: الاسراف الانفاق في معصية الله، قل او كثر، والاقتار منع حق الله من المال.

وقال ابراهيم: السرف مجاوزة الحد في النفقة، والاقتار التقصير فيما لابد منه.

والقوام - بفتح القاف - العدل، - وبكسرها - السداد، يقال:

[508]

هو قوام الامر وملاكه، ويقال: هي حسنة القوام في اعتدالها، قال الحطيئة:

طافت امامة بالركبان آونة *** يا حسنها من قوام زان منتقبا(1)

ثم زاد في وصفهم بأن قال " والذين لايدعون مع الله الها آخر " يوجهون عبادتهم اليه " ولايقتلون النفس التي حرم الله الا بالحق " والنفس المحرمة هي نفس المسلم والمعاهد والمستثنى نفس الحربي، ومن يجب عليه القتل على وجه القود، والارتداد، والزنا مع الاحصان (ولايزنون) فالزنا هو الفجور بالمرأة في الفرج.

ثم قال (ومن يفعل ذلك يلق أثاما) قال قوم: يلقى جزاء الاثام.

وقال آخرون: الاثام العقاب، قال بلعا بن قيس الكناني.

جزى الله ابن عروة حيث أمسى *** عقوقا والعقوق له أثام(2)

أي عقاب، وقال ابن عمر، وقتادة: هو اسم واد في جهنم، وهو قول مجاهد وعكرمة.

وقال اهل الوعيد: ان قوله (ومن يفعل ذلك) راجع إلى كل واحد من المعاصي المذكورة.

وقال اهل الارجاء انما يرجع إلى جميعه، ويجوز - أن يكون راجعا - إلى الكفر وحده، لان الفسوق لا يستحق به العقاب الدائم والا لادى إلى اجتماع الاستحقاقين على وجه الدوام.

وذلك خلاف الاجماع، لان الاحباط عندهم باطل، والكلام على ذلك استوفيناه في كتاب الاصول.

ثم زاد في الوعيد، فقال (ومن يفعل ذلك يلق) جزاء اثامه ويضاعف له العذاب في كثرة الاجزاء لا انه يضاعف استحقاقه، لان الله تعالى لا يعاقب باكثرمن المستحق، لان ذلك ظلم يتعالى الله عن ذلك.

وقيل يضاعف عذابه على عذاب الدنيا، وبين تعالى أنه (يخلد) مع ذلك في النار (مهانا) مستخفا به.

___________________________________

(1) تفسير الطبري 19 / 23.

(2) تفسير القرطبي 13 / 76 والطبري 19 / 24

[509]

ثم استثنى من جملتهم من تاب وندم على معاصيه، وعمل عملا صالحا، فان الله تعالى (يبدل سيآته حسنات) أي يجعل مكان عقاب سيآته ثواب حسناته قال الشاعر في التبديل:

بدلن بعد خره صريعا *** وبعد طول النفس الوجيعا(1)

وقوله تعالى (وكان الله غفورا رحيما) أي ساترا لمعاصي عباده اذا تابوا منها، منعما عليهم بالثواب والتفضل.

قوله تعالى: (ومن تاب وعمل صالحا فانه يتوب إلى الله متابا(71) والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما(72) والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا(83) والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما(74) أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما(75) خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما(76) قل ما يعبؤبكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما(77))

سبع آيات.

___________________________________

(1) تفسير الطبري 19 / 28

[510]

قرأ ابوعمرو وحمزة والكسائي وخلف وابوبكر إلا حفصا " وذريتنا " على التوحيد، الباقون على الجمع.

وقرأ اهل الكوفة إلا حفصا " ويلقون " بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف. الباقون بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف.

من وحد " الذرية " فلانه في معنى الجمع لقوله " ذرية من حملنا مع نوح "(1) ومن جمع فكما تجمع الاسماء الدالة على الجمع، نحو (قوم، واقوام) وقد يعبر ذلك عن الواحد، كقوله " هب لي من لدنك ذرية طيبة "(2) ويعبر به عن الجمع كقوله " وليخش الذين لم تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم "(3) ومن جمع فللا زدواج. ومن شدد " يلقون " فعلى أن المعنى يلقون التحية والسلام مرة بعد مرة لان التشديد للتكثير، وشاهده قوله " ولقاهم نضرة وسرورا "(4). ومن خفف أراد يلقون هم تحية، كما قال " فسوف يلقون غيا "(5) وقال بعضهم: لو كان بالتشديد لقال (ويتلقون) لانهم يقولون تلقيته بالتحية، و (لقى) فعل متعد إلى مفعول واحد فاذا ضعفت العين تعدى إلى مفعولين، وقوله " تحية " المفعول الثاني.

يقول الله تعالى " ومن تاب " من معاصيه واقلع عنها، وندم عليها وأضاف إلى ذلك الاعمال الصالحات " فانه يتوب إلى الله متابا " أي يرجع اليه مرجعا عظيما جميلا، وفرق الرماني بين التوبة إلى الله، والتوبة من القبيح لقبحه، بان التوبة إلى الله تقتضي طلب الثواب، وليس كذلك التوبة من القبيح لقبحه. ثم عاد تعالى إلى وصف المؤمنين فقال " والذين لا يشهدون الزور " أي لا يحضرونه، ولايكون بحيث يذكرونه بشئ من حواسهم الخمس: البصر، والسمع،

___________________________________

(1) سورة 17 الاسرى آية 3.

(2) سورة 3 آل عمران آية 38.

(3) سورة 4 النساء آية 8.

(4) سورة 76 الدهر (الانسان) آية 11.

(5) سورة 19 مريم آية 59

[511]

والانف، والفم، والبشرة. ومن لا يشهد الزور، فهو الذي لايشهد به ولايحضره لانه لو شهده لكان قد حضره، فهو أعم في الفائدة من أن لايشهد به. و (الزور) تمويه الباطل بما يوهم أنه حق.

وقال مجاهد: الزور - ههنا - الكذب.

وقال الضحاك: هو الشرك.

وقال ابن سييرين: هو أعياد أهل الذمة كالشعانين وغيرها.

وقيل: هو الغناء، ذكره مجاهد. واهل البيت (ع).

وقوله " واذا مروا باللغو مروا كراما " معناه: مروا من جملة الكرماء الذين لا يرضون باللغو، لانهم يجلون عن الاختلاط بأهله، والدخول فيه، فهذه صفة الكرام، وقيل: مرورهم كراما كمرورهم بمن يسبهم فيصفحون عنه، وكمرورهم بمن يستعين بهم على حق فيعينونه.

وقيل: هم الذين إذا أرادوا ذكر الفرج كنوا عنه. ذكره محمد بن علي (ع) ومجاهد. واللغو الفعل الذي لا فائدة فيه. وليس معناه أنه قبيح، لان فعل الساهي لغو، وهو ليس بحسن ولا قبيح - عند قوم - ولهذا يقال: الكلمة التي لاتفيد لغو.

وقوله " والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا " معناه انهم إذا ذكروا بأدلة الله تعالى التي نصبها لهم نظروا فيها، وفكروا في مقتضاها، ولم يكونوا كالمشركين في ترك التدبر لها حتى كانهم صم وعميان عنها، ذكره الحسن، وقيل معناه يخرون سجدا وبكيا سامعين لله مطيعين.

قال الشاعر:

بايدي رجال لم يشيموا سيوفهم *** ولم تكثروا القتلى بها حين سلت(1)

أي بايدي رجال شاموا سيوفهم، وقد كثرت القتلى، ومعنى شاموا أغمدوا ذكره الزجاج.

___________________________________

(1) اللسان (شيم) نسبه إلى الفرزدق، ولم اجده في ديوانه (طبع - دار صادر - دار بيروت)

[512]

ثم وصف المؤمنين بأنهم يدعون " يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين " ومعناه بأن نراهم مطيعين لله، في قول الحسن.

و " قرة أعين " يكون من القر، وهو بردها عند السرور، ويكون من استقرارها عنده.

وقوله " واجعلنا للمتقين إماما " أي يسألون الله تعالى أن يجعلهم ممن يقتدى بأفعالهم الطاعات.

وفي قراء‌ة اهل البيت (ع) و " اجعل لنا من المتقين إماما " وإنما وحد (إماما) لانه مصدر، من قولهم: أم فلان فلانا إماما، كقولهم: قام قياما وصام صياما.

ومن جمعه فقال: (أئمة) فلانه قد كثر في معنى الصفة.

وقيل: إنه يجوز أن يكون على الجواب، كقول القائل: من أميركم؟ فيقول: هؤلاء أميرنا قال الشاعر:

يا عاذلاتي لا تردن ملامتي *** إن العواذل ليس لي بأمير(1)

ثم اخبر تعالى عمن جمع هذه الاوصاف من المؤمنين بأن قال " اولئك يجزون الغرفة بما صبروا " على طاعاتهم التي ذكرها.

و (الغرفة) في الجنة المنازل العالية ثوابا على ما صبروا في جنب الله، وعلى مشاق الدنيا. وصعوبة التكليف، وغير ذلك وانهم " يلقون فيها تحية وسلاما " من الملائكة، بشارة لهم بعظيم الثواب.

وقوله " خالدين فيها " نصب على الحال أي هم في الجنة مؤبدين، لا يخرجون منها ولايفنون. وأخبر أن الجنة مستقرهم، وانها " حسنت مستقرا " من مواضع القرار، وموضع الاقامة ونصب على التمييز.

ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله " قل " يا محمد لهؤلاء " ما يعبؤبكم ربي " ومعناه ما يصنع بكم ربي - في قول مجاهد وابن زيد - واصله تهيئة الشئ، ومنه عبأت الطيب أعبؤه عباء، إذا هيأته، قال الشاعر:

___________________________________

(1) تفسير الطبري 19 / 32 والقرطبي 13 / 83

[513]

كأن بنحره وبمنكبيه *** عبيرا بات يعبؤه عروس(1)

أي تهيئه، وعبأت الجيش - بالتشديد، والتخفيف - إذا هيأته. والعب‌ء الثقل. وما أعبأ به أي لا أهئ به امرا. وقال قوم: مالا يعبأ به، فوجوده وعدمه سواء.

وقوله " لولا دعاؤكم " قال مجاهد: معناه لولا دعاؤه إياكم إلى طاعته، لم يكن في فعلكم ما تطالبون به، وهو مصدر أضيف إلى المفعول، كقولهم: اعجبني بناء هذه الدار، وخياطة هذا الثوب.

وقال الزجاج: معناه لولا توحيدكم وايمانكم، وقال البلخي: معناه لولا كفركم وشرككم ما يعبأ بعذابكم، وحذف العذاب وأقام المضاف اليه مقامه.

ثم قال " فقد كذبتم " يا معاشر الكفار بآيات الله، وجحدتم رسوله " فسوف يكون لزاما " عليكم، ويكون تأويله، فسوف يكون تكذيبكم (لزاما) فلا تعطون الثواب عليه، وتكون العقوبة لزاما تلزمكم على ذلك.

وقال مجاهد: معناه القتل يوم بدر ويكون الخطاب متوجها إلى الذين قتلوا يوم بدر.

وقيل (اللزام) عذاب الآخرة، وقال ابوذؤيب - في اللزام:

ففاجأه بعادية لزاما *** كما يتفجر الحوض اللقيف(2)

لزام: كثيرة يلزم بعضها بعضا، ولقيف متساقط متهدم، وقال صخر الغي - في اللزام:

___________________________________

(1) تفسير الطبرى 19 / 32 والقرطبي 13 / 84 واللسان (عبأ).

(2) اللسان (لزم)

[514]

فاما ينجوا من حتف ارض *** فقد لقيا حتوفهما لزاما(1)

أي انه واقع لا محالة.

وقال الضحاك: هو لزوم الحجة لهم في الآخرة.

وقال ابوعبيدة: معناه فيصلا.

وقوله " أولئك يجزون الغرفة " قال الزجاج: الاحسن أن يكون خبرا ل‍ (عباد الرحمن)(2) فيكون قوله " الذين يمشون على الارض هونا " وما بعده صفة له ويجوز أن يكون " الذين يمشون على الارض هونا " خبر، وما بعده عطف عليه(3).

تم المجلد السابع من التبيان ويليه المجلد الثامن وأوله أول سورة الشعراء ربيع الاول سنة 1382 ه‍ آب سنة 1962 م

___________________________________

(1) اللسان (لزم).

(2) آية 63 من هذه السورة.

(3) هذه الثلاثة أسطر ملفقة من المخطوطة والمطبوعة

 



 
 

  أقسام المكتبة :
  • القرآن الكريم
  • كتب في تفسير القرآن
  • أبحاث حول القرآن
  • كتب تعليمية ومناهج
  • علوم القرآن
  • النغم والصوت
  • الوقف والإبتداء
  • الرسم القرآني
  • مناهج وإصدارات دار السيدة رقية (ع)
  البحث في :


  

  

  

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net