00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة النساء من آية 60 ـ 83 من ( ص 296 ـ 350 )  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل (الجزء الثالث)   ||   تأليف : سماحة آية الله العظمى الشيخ مكارم الشيرازي

[296]

الآية

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّـغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَـنُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَـلا بَعِيداً(60)

سبب النّزول

كان بين رجل من اليهود ورجل من المسلمين المنافقين خصومة واختلاف، فعزما على أن يحتكما إِلى شخص، وحيث كان اليهودي يعرف بعدل النّبي وحياده ولأنّه علم أنّه لا يأخذ الرّشوة ولا يجور في الحكم قال: أحاكم إِلى محمّد، ولكن المنافق قال: لا، بل بيني وبينك كعب بن الأشرف، (لأنّه يأخذ الرّشوة وهو من أقطاب اليهود)، وبذلك رفض التحاكم إِلى رسول الإِسلام(صلى الله عليه وآله وسلم)، فنزلت الآية توبّخ أمثال هذا الشخص، وتشجب بشدّة موقفهم المشين هذا(1).

وقد ذكر بعض المفسرين أسباباً أُخرى لنزول هذه الآية تشهد بأنّ بعض المسلمين الحديثي العهد بالإِسلام كانوا ـ على عادتهم في الجاهلية ـ يحتكمون ـ في مطلع الإِسلام ـ إِلى علماء اليهود أو الكهنة، فنزلت الآية الحاضرة تنهى عن

____________________________

1 ـ تفسير مجمع البيان، نقل هذا السبب عن أكثر المفسرين.

[297]

هذه العادة المقيتة بشدّة(1).

التّفسير

حكومة الطّاغوت:

الآية الحاضرة ـ هي في الواقع ـ مكملة للآية السابقة، لأنّ الآية السابقة كانت تدعو المؤمنين إِلى طاعة الله والرّسول وأُولي الأمر، والتحاكم إِلى الكتاب والسنة، وهذه الآية تنهي عن التحاكم إِلى الطاغوت واتّباع أمره وحكمه.

والطّاغوت ـ كما أشرنا إِلى ذلك سابقاً ـ مشتقّة من الطغيان، وهذه الكلمة مع جميع مشتقاتها تعني التجاوز والتعدي وكسر الحدود وتجاهل القيود، أو كل شيء يكون وسيلة للطغيان أو التمرّد.

وعلى هذا الأساس يكون كل من يحكم بالباطل طاغوتاً، لأنّه تجاوز حدود الله وتعدي على قوانين الحقّ والعدل، ففي الحديث عن الإِمام جعفر بن محمّد الصّادق(عليه السلام) أنّه قال:

«الطّاغوت كلّ من يتحاكم إليه ممن يحكم بغير الحقّ».

والآية الحاضرة تنهى المسلمين عن أن يترافعوا في الحكم والقضاء إِلى مثل هؤلاء الحكام وتقول: (ألم تر إِلى الذين يزعمون أنّهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إِلى الطّاغوت وقد أمروا أن يكفروا به).

ثمّ يضيف القرآن قائلا: (ويريد الشّيطان أن يضلّهم ضلالا بعيداً) أي أنّ التحاكم إِلى الطاغوت فخّ الشيطان ليضل المؤمنين عن الصراط المستقيم.

وغير خفي أن الآية الحاضرة ـ شأنها شأن سائر الآيات القرآنية الاُخرى ـ تتضمّن حكماً عاماً، وتبيّن قانوناً خالداً لجميع المسلمين في جميع العصور والدهور. وتحذرهم من مراجعة الطواغيت، وطلب الحكم منهم، وإِنّ ذلك لا

____________________________

1 ـ تفسير المنار، ج 5، ص 222.

[298]

يناسب الإِيمان بالله والكتب السماوية، هذا مضافاً إِلى كونه يضل الإِنسان عن طريق الحقّ، ويلقيه في مجاهيل الباطل بعيداً عن الحق.

إِنّ مفاسد وتبعات مثل هذه الأقضية والأحكام، وأثرها في تحطيم كيان المجتمع البشري وتخريب علاقاته وروابطه وأُسسه ممّا لا يخفى على أحد، فهي أحد العوامل المؤثرة في إنحطاط المجتمعات وتأخرها.

* * *

[299]

الآيات

وَإِذاَ قِيْلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَآ أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَـفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودَاً(61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَـبَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَـناً وَتَوْفِيقاً(62) أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغاً(63)

التّفسير

نتائج حكم الطّاغوت:

في أعقاب النهي الشديد عن التحاكم إِلى الطاغوت وحكام الجور الذي مرّ في الآية السابقة جاءت هذه الآيات الثلاث تدرس نتائج أمثال هذه الأحكام والأقضية، وما يتمسك به المنافقون لتبرير تحاكمهم إِلى الطّواغيت وحكام الجور والباطل.

ففي الآية الأُولى يقول سبحانه: (وإذا قيل لهم تعالوا إِلى ما أنزل الله وإلى الرّسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً).

وفي الحقيقة يقول القرآن في هذه الآية: إِنّ التحاكم إِلى الطاغوت ليس خطأً عابراً يمكن أن يعالج ببعض التذكير، بل إِنّ الإِصرار على هذا العمل يكشف عن ضعف إيمانهم وروح النفاق فيهم، وإلاّ لوجب أن ينتبهوا ويثوبوا إِلى رشدهم على

[300]

دعوة رسول الإِسلام(صلى الله عليه وآله وسلم) لهم ويعترفوا بخطأهم: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرّسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً).

ثمّ في الآية الثّانية يبيّن هذه الحقيقة، وهي أن هولاء المنافقين عندما يتورطون في مصيبة كنتيجة لمواقفهم وأعمالهم، ويواجهون طريقاً مسدودة يعودون إِليك عن اضطرار ويأس: (فكيف إِذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثمّ جاؤوك ...).

ويحلفون في هذه الحالة أنّ هدفهم من التحاكم إِلى الآخرين لم يكن إِلاّ الإِحسان والتوصل إِلى الوفاق بين طرفي الدّعوي: (يحلفون بالله إِن أردنا إِلاّ إِحساناً وتوفيقاً).

وهنا لابدّ من الإِشارة إِلى نقطتين:

الأُولى: أن نرى ما هو المقصود من المصيبة التي تصيبهم؟

لا يبعد أن تكون المصيبة هي ما ينشأ من مضاعفات ومآسي وويلات من حكم الطواغيت، لأنّه لا شك في أن الحكم الصادر من الأشخاص غير الصالحين والظالمين وإِن كان ينطوي على منفعة آنية لأحد جانبي الدعوى، ولكن لا يمضي زمان إِلاّ ويوجب هذا الحكم ظهور الفساد وانتشار الظلم والجور، وسيادة الهرج والمرج وتبعثر الكيان الإِجتماعي، ولهذا فإِنّه سرعان ما تواجه هؤلاء المتحاكمين إِلى الطواغيت تبعات ومفاسد عملهم هذا، وسرعان ما يندمون على فعلهم هذا.

هذا ويحتمل بعض المفسّرين أنّ المراد من «المصيبة» هو الفضيحة التي تلحق بالمنافقين، أو المصائب التي تصيبهم بأمر الله سبحانه (كالمآسي والمحن الغير المتوقعة).

النّقطة الثّانية: إِنّ مقصود المنافقين من «الإِحسان» هل هو الإِحسان إِلى طرفي الدعوى، أو إِلى النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ يمكن أن يكون مرادهم كلا الأمرين، فهم تذرعوا

[301]

بحجج مضحكة لتحاكمهم إِلى الطاغوت والرجوع إِلى الأجانب، من جملتها أنّهم كانوا يقولون: إِنّ التحاكم إِلى الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يناسب شأنه ولا يليق بمقامه، لأنّ الغالب أن يحصل شجار وصياح في محضر القضاة ومن جانب المتداعيين، وذلك أمر لا يناسب شأن النّبي ولا يليق بمكانته ومحضره.

هذا مضافاً إِلى أنّ القضاء ينتهي دائماً إِلى الإِضرار بأحد الطرفين، ولذلك فهو يثير حفيظته وعداوته ضد القاضي والحاكم، وكأنّهم بأمثال هذه الحجج الواهية والأعذار الموهونة، كانوا يحاولون تبرئة أنفسهم وتبرير مواقفهم الباطلة، وادعاء أنّ تحاكمهم إِلى غير النّبي كان بهدف التخفيف عن النّبي.

وربّما اعتذروا لذلك قائلين: إِنّ هدفنا لم يكن مادياً في الأساس، بل كان التوصل إِلى وفاق بين المتداعيين.

ولكن كشف سبحانه في الآية الثّالثة النقاب عن وجههم، وأبطل هذه التبريرات الكاذبة وقال: (أُولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم).

ولكنّه سبحانه يأمر نبيّه مع ذلك أن ينصرف عن مجازاتهم وعقوبتهم فيقول: (فاعرض عنهم).

ولقد كان رسول الله يداري المنافقين ما أمكنه لأجل تظاهرهم بالإِسلام، لأنّه كان مأموراً بالتعامل معهم على حسب ظواهرهم، فلم يكن يجازيهم إِلاّ في بعض الموارد الإِستثنائية، لأنّهم كانوا بين صفوف المسلمين ـ في الظاهر ـ فكانت مجازاتهم يمكن أن تحمل على أنها نشأت من أغراض شخصية.

ثمّ إنّه سبحانه يأمر النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يعظهم، وأن ينفذ إِلى قلوبهم بالقول البالغ، والعظة المؤثرة، يذكرهم بنتائج أعمالهم: (وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغاً).

* * *

[302]

الآية

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُول إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَّحِيماً(64)

التّفسير

في الآيات السابقة شجب القرآن الكريم التحاكم إِلى حكّام الجور، وفي هذه الآية يقول سبحانه مؤكداً:

(وما أرسلنا من رسول إلاّ ليطاع بإذن الله) أي أنّنا بعثنا الأنبياء ليطاعوا بإِذن الله وأمره ولا يخالفهم أحد، لأنّهم كانوا رسل الله وسفراءه كما كانوا رؤساء الحكومة الإِلهية أيضاً، وعلى هذا يجب على الناس أن يطيعوهم من جهة بيان أحكام الله ومن جهة طريقة تطبيقها، ولا يكتفوا بمجرّد ادعاء الإِيمان.

ومن هذه العبارة يستفاد أنّ الهدف من إِرسال الرسل وبعث الأنبياء هو إِطاعة جميع الناس لهم، فإِذا أساء بعض الناس استخدام حريتهم ولم يطيعوا الأنبياء كان اللوم متوجهاً إِلى أنفسهم لا إِلى أحد. وبهذا تنفي الآية الحاضرة عقيدة الجبريين الذين يقولون: الناس صنفان: صنف كلّف بالطاعة من البدء، وصنف كلّف بالمعصية من البدء.

[303]

كما أنّه يستفاد من عبارة (بإِذن الله) أن كل ما عند الأنبياء من الله، أو بعبارة أُخرى: إِن وجوب طاعتهم ليس بالذات، بل هي ـ أيضاً ـ بأمر الله ومن ناحيته.

ثمّ إنّه سبحانه يترك باب التوبة والإنابة ـ عقيب تلك الآية ـ مفتوحاً على العصاة والمذنبين، وعلى الذين يراجعون الطواغيت ويتحاكمون إِليهم أو يرتكبون معصية بنحو من الأنحاء، ويقول: (ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرّسول لوجدوا الله تواباً رحيماً).

والجدير بالتأمل والإِنتباه إِنّ القرآن يقول بدل: عصوا أمر الله وتحاكموا إِلى الطاغوت: (إذ ظلموا أنفسهم) وهو إشارة إِلى أنّ فائدة الطاعة لأمر اللّه وأمر الرّسول تعود إِليكم أنفسكم، وإِن مخالفة ذلك نوع من الظلم توقعونه على أنفسكم، لأنّها تحطم حياتكم المادية، وتوجب تخلفكم وانحطاطكم من الناحية المعنوية.

إِنّ هذه الآية تجيب ضمناً على كل الذين يعتبرون التوسل برسول الله أو بالإِمام نوعاً من الشرك، لأنّ الآية تصرح بأن التوسل بالنّبي والإِستشفاع به إِلى الله، وطلب الإِستغفار منه لمغفرة المعاصي، مؤثر وموجب لقبول التوبة وشمول الرحمة الإِلهية.

فلو كانت وساطة النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ودعاؤه للعصاة المتوسلين به، والإِستشفاع به وطلب الإِستغفار منه شركاً، فكيف يمكن أن يأمر القرآن العصاة والمذنبين بمثل هذا الأمر؟

نعم، غاية ما في الباب أنّ على العصاة والمذنبين أنفسهم أن يتوبوا هم ويرجعوا عن طريق الخطأ، ثمّ يستفيدوا ـ لقبول توبتهم ـ من استغفار النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

ومن البديهي أنّ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ليس من شأنه أن يغفر الذنوب، بل شأنه في المقام أن يطلب من الله المغفرة خاصّة، وهذه الآية إِجابة مفحمة للذين ينكرون مشروعية أو فائدة هذه الوساطات.

[304]

هذا والمفلت للنظر أنّ القرآن الكريم لم يقل: استغفر لهم يا رسول الله، بل قال: (واستغفر لهم الرّسول) وهذا التعبير ـ لعلّه ـ إِشارة إِلى أن يستفيد النّبي من مقامه ومكانته ويستغفر للعصاة التائبين.

إِنّ هذا الموضوع (أي تأثير استغفار النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) للمؤمنين) ورد في آيات أُخرى من القرآن الكريم أيضاً مثل الآية (19) من سورة محمّد والآية (5) من سورة المنافقون والآية (114) من سورة التوبة التي تشير إلى استغفار إِبراهيم لأبيه (عمّه)، والآيات الاُخرى التي تنهي عن الإِستغفار للمشركين، ومفهومها جواز الإِستغفار للمؤمنين، كما يستفاد من بعض الروايات إِن الملائكة تستغفر لجماعة من المؤمنين المذنبين عند الله (سورة غافر الآية 77، وسورة الشورى الآية 5).

وخلاصة القول، إنّ هناك آيات كثيرة تكشف عن هذه الحقيقة وهي إنّ الأنبياء، أو الملائكة، أو المؤمنين الصادقين الطيبين بامكانهم أن يستغفروا لبعض العصاة، وإن استغفارهم مؤثر عند الله، وهذا هو أحد معاني شفاعة النّبي أو الملائكة أو المؤمنين الطيبين للعصاة والخاطئين، ولكن الشّفاعة كما قلنا تحتاج إلى أرضية وصلاحية وأهلية في العصاة أنفسهم.

والعجيب أنّه يستفاد من بعض ما قاله جماعة من المفسّرين أنّهم أرادوا اعتبار استغفار النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ في الآية الحاضرة ـ مرتبطاً بالتجاوزات الواقعة في شؤون النّبي خاصّة لا مطلق المعاصي والذنوب، وكأنّهم أرادوا أن يقولوا: لو أنّ أحداً ظلم النّبي أو أساء إليه وجب استحلاله واسترضاؤه ليغفر الله تلك الإِساءة ويتوب على ذلك التجاوز.

ولكن من الواضح البيّن أن إرجاع التحاكم إِلى غير النّبي ليس ظلماً شخصياً يهدف به شخص النّبي، بل هي مخالفة لمنصبه الإِلهي الخاص (أو بعبارة أُخرى) إنّها مخالفة للأمر الإِلهي، وحتى إِذا كان ذلك ظلماً شخصياً موجهاً إِلى شخص

[305]

النّبي ـ افتراضاً ـ فإِن القرآن لم يقصده ولم يركز عليه، بل ركز القرآن على هذا الموضوع وهو أن ذلك التحاكم مخالفة لأمر الله وتجاهل لإِرادته.

هذا مضافاً إِلى أنّنا لو ظلمنا أحداً كفانا رضاه، فما الحاجة إِلى طلب استغفاره، ودعائه للمسيء؟ بل وفوق ذلك كلّه، لو أننا فسّرنا الآية بمثل هذا التّفسير ـ فرضاً ـ فما الذي نقوله في تلك المجموعة الكبيرة من الآيات التي تشير إِلى استغفار الأنبياء، والملائكة والمؤمنين للعصاة والخاطئين؟

فهل المقام فيها مقام الحقوق الشخصية أيضاً؟

* * *

[306]

الآية

فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيَما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثمّ لاَ يَجِدُوا فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً(65)

سبب النّزول

وقع خصام بين الزّبير بن العوام ـ وهو من المهاجرين ـ وبين رجل من الأنصار على سقي نخيلهما التي كانت متقاربة في المكان، فترافعا إِلى النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ـ وحيث أن نخيل الزبير كانت أعلى مكاناً من نخيل الأنصاري، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)للزبير: «اسق ثمّ أرسل إِلى جارك» (وقد كانت هذه هي العادة في البساتين المتجاورة آنذاك) فغضب الأنصاري من حكم النّبي العادل هذا، وقال: يا رسول الله لئن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) انزعاجاً من موقف الأنصاري وكلامه، فنزلت الآية الحاضرة تحذر المسلمين من مثل هذه المواقف.

وقد ذكرت في بعض التفاسير أسباب أُخرى لنزول الآية تشابه ـ إِلى درجة كبيرة ـ ما ذكر في سبب النزول المتقدم (راجع تفسير التّبيان والطّبرسي، والمنار).

[307]

التّفسير

التّسليم أمام الحق:

الآية، وإِن ذكر لها سبب نزولها خاص ـ ولكننا أسلفنا غير مرّة أن أسباب النزول الخاصّة لا تنافي عمومية مفهوم الآيات، ولهذا يمكن اعتبار هذه الآية تكميلا لما جاء من البحث في الآيات السابقة.

ولقد أقسم الله ـ في هذه الآية ـ بأنّ الأفراد لا يمكن أن يمتلكوا إِيماناً واقعياً إِلاّ إِذا تحاكموا إِلى النّبي وقضائه، ولم يتحاكموا إِلى غيره (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك في ما شجر بينهم).

ثمّ يقول سبحانه: يجب عليهم، أن يتحاكموا إِليك فقط، ومضافاً إِلى ذلك ليرضوا بما تحكمه، سواءاً كان في صالحهم أو في ضررهم ولا يشعروا بأي حرج في نفوسهم فضلا عن أن لا يعترضوا، وبالتالي ليسلموا تسليماً.

(ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجاً ممّا قضيت ويسلموا تسليماً):

والإِنزعاج النفسي الباطني من الأحكام التي ربّما تكون في ضرر الإِنسان، وإن كان في الأغلب أمراً غير إختياري، إلاّ أنّه على أثر التربية الخلقية المستمرة يمكن أن تحصل لدى الإِنسان روح التسليم أمام الحق، والخضوع للعدالة، خاصّة بملاحظة المكانة لواقعية النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلا ينزعج من أحكام النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل ولا من أحكام العلماء الذين يخلفونه، وعلى كل فإِن المسلمين الواقعيين مكلفون دائماً بتنمية روح الخضوع للحق، والتسليم أمام العدل في نفوسهم.

إِن الآية الحاضرة تبيّن علائم الإِيمان الواقعي الراسخ في ثلاث مراحل:

1 ـ أن يتحاكموا إِلى النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ وحكمه النابع من الحكم الإِلهي ـ في ما اختلفوا فيه، كبيراً كان أم صغيراً، لا إِلى الطواغيت وحكام الجور والباطل.

2 ـ أن لا يشعروا بأي انزعاج أو حرج في نفوسهم تجاه أحكام الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وأقضيته العادلة التي هي ـ في الحقيقة ـ نفس الأوامر الإِلهية، ولا

[308]

يسيئوا الظن بهذه الأحكام.

3 ـ أن يطبقوا تلك الأحكام ـ في مرحلة تنفيذها ـ تطبيقاً كاملا ويسلموا أمام الحق تسليماً مطلقاً.

ومن الواضح أنّ القبول بأي دين وأحكامه في ما إِذا كانت في مصلحة الإِنسان وكانت مناسبة لمنافعه وتطلعاته، لا يمكن أن يكون دليلا على إِيمانه بذلك الدين، بل يثبت ذلك إِذا كانت تلك الأحكام في الإِتجاه المتعاكس لمنافعه وتطلعاته ظاهراً، وإِن كانت مطابقة للحق والعدل في الواقع، فإِذا قبل بمثل هذه الأحكام وسلم لها تسليماً كاملا كان ذلك دليلا على إِيمانه ورسوخ إعتقاده.

فقد روي عن الإِمام الصادق(عليه السلام) في تفسير هذه الآية: «لو أن قوماً عبدوا الله وحده لا شريك له وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وحجوا البيت وصاموا شهر رمضان ثمّ قالوا لشيء صنعه الله وصنع رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لم صنع هكذا وكذا، ولو صنع خلاف الذي صنع، أو وجدوا ذلك في قلوبهم لكانوا بذلك مشركين، ثمّ تلا هذه الآية (الحاضرة) ثمّ قال(عليه السلام): عليكم بالتسليم»(1).

ثمّ أنّه يستفاد من الآية الحاضرة مطلبان مهمّان ـ ضمناً:

1 ـ إِنّ الآية إحدى الأدلة على عصمة النّبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّ الأمر بالتسليم المطلق أمام جميع أحكامه وأوامره قولا وعملا، بل والتسليم القلبي والخضوع الباطني له أيضاً دليل واضح على أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يخطيء في أحكامه وأقضيته وتعليماته، ولا يتعمد قول ما يخالف الحق فهو معصوم عن الخطأ، كما هو معصوم عن الذنب أيضاً.

2 ـ إِنّ الآية الحاضرة تبطل كلّ اجتهاد في مقابل النص الوارد عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وتنفي شرعية كل رأي شخصي في الموارد التي وصلت إِلينا فيها أحكام صريحة من جانب الله تعالى ونبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم).

____________________________

1 ـ تفسير البرهان، ج 2، ص 389.

[309]

وعلى هذا الإساس فإِن ما نراه في التاريخ الإِسلامي من اجتهاد بعض الأشخاص في مقابل الأحكام الإِلهية والنصوص النبوية، وقولهم: قال النّبي كذا ونقول كذا، فليس أمامنا حياله إِلاّ أن نذعن بأنّهم عملوا على خلاف صريح هذه الآية، وخالفوا نصها.

* * *

[310]

الآيات

وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَـرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً(66) وَإِذاً لاََّتَيْنَـهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجْراً عَظِيماً(67) وَلَهَدَيْنَـهُمْ صِرَطاً مُّسْتَقِيماً(68)

التّفسير

تكميلا للبحث السابق حول أُولئك الذين يشعرون بضيق وحرج تجاه أحكام النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأقضيته العادلة بعض الأحيان ـ يشير القرآن هنا إِلى بعض التكاليف والفرائض الثقيلة في الأُمم السالفة فيقول: (ولو أنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم، أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إِلاّ قليل منهم).

أي أنّنا لم نكلّفهم بأية فريضة شاقة لا تتحمل، ولو أنّنا كنّا نكلّفهم بمثل ما كلّفنا به الأُمم السابقة (مثل اليهود الذين أمروا بأن يقتل بعضهم البعض الآخر كفارة لما إرتكبوه من عبادة العجل، أو يخرجوا من وطنهم المحبب إِليهم لذلك) كيف كانوا يتحملونه؟ إِنّهم لم يتحملوا حكماً بسيطاً أصدره النّبي في أمر سقي نخلات، ولم يسلموا لهذا القضاء العادل، فكيف ترى يمكنهم أن يقوموا بالمهمات العظيمة والمسؤوليات الجسيمة ويمروا بالإِختبارات الصعبة بنجاح، فلو أنّنا

[311]

أمرناهم بأن يقتلوا أنفسهم (أي يقتل بعضهم بعضاً) أو يخرجوا من وطنهم المحبب عندهم لما فعله إِلاّ قليل منهم.

إِنّ مسألة «الإِستعداد للقتل» تشبه ـ حسب قول بعض المفسّرين ـ مسألة «الخروج عن الوطن» من جهات عديدة، لأنّ البدن وطن الروح الإِنسانية تماماً كما أنّ الوطن مثل الجسم الإِنساني، فكما أنّ التغاضي عن ترك وطن الجسم أمر صعب، كذلك التغاضي عن الوطن الذي هو مسقط رأس الإِنسان ومحل ولادته ونشأته.

ثمّ إنّ الله سبحانه يقول: (ولو أنّهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً) أي لو أنّهم قبلوا نصائح النّبي ومواعظه لكان ذلك من مصلحتهم، ولكان سببا لتقوية أُسس الإِيمان عندهم.

والملفت للنظر أنّ القرآن يعبّر ـ في هذه الآية ـ عن الأحكام والأوامر الإِلهية بالموعظة، وهو إِشارة إِلى أنّ الأحكام المذكورة ليست أُموراً تصب في مصلحة المشرّع (أي الله) أو تجرله نفعاً، بل هي ـ في الحقيقة ـ نصائح ومواعظ نافعة لكم، ولهذا يقول ودون تأخير: (ولو أنّهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً) أي تقوية لإِيمانهم وترسيخاً لجذورها في نفوسهم.

ولابدّ أيضاً أن ننتبه إِلى هذه النقطة، وهي أنّ الله سبحانه يقول في ختام هذه الآية (وأشد تثبيتاً) أي كلّما اجتهد الإِنسان في السير في سبيل طاعة الله وتنفيذ أوامره ازدادت استقامته وازداد ثباته، وهذا يعني أن إِطاعة الأوامر الإِلهية نوع من الرياضة الروحية التي تحصل للإِنسان من تكرارها قوة وثبات أكبر واستحكام أكثر، على غرار ما يحصل للجسم نتيجة تكرار الرياضات الجسمية والتمارين الرياضية البدنية، فيصل الإِنسان ـ نتيجة ذلك ـ إِلى مرحلة لا يمكن لأية قدرة أن تغلب قدرته أو تخدعه أو تزعزعه.

ثمّ إنّه سبحانه يبيّن ـ في الآية الثّانية ـ الفائدة الثّالثة من فوائد التسليم لأوامر

[312]

الله وطاعته إِذ يقول: (وإِذاً لأتيناهم من لدناً أجراً عظيماً) أي إِذاً لأعطيناهم ـ مضافاً إِلى ما ذكرناه ـ أجراً من عندنا عظيماً، لا يعرف منتهاه ولا يدرك مداه.

ثمّ في آخر آية من هذه الآيات يشير سبحانه إِلى رابع نتيجة إِذ يقول: (ولهديناهم صراطاً مستقيماً).

ومن الواضح البيّن أنّ المراد من هذه «الهداية» ليس هو الإِرشاد إِلى أصل الدين، بل المراد الطاف جديدة يمن بها الله سبحانه على مثل هؤلاء العباد الصالحين بعنوان الثواب والهداية الثانوية، فهو يشبه ما أُشير إِليه في الآية (17) من سورة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) إِذ قال: (والذين اهتدوا زادهم هدى).

وقد روي أنّه عندما نزل قوله: (ولو إِنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم ...)قال رجل من المسلمين: والله لو أمرنا لفعلنا فالحمد لله الذي عافانا.

فلما بلغ هذا الكلام إِلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:

«إِنّ من أمتي لرجالا الإِيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي»(1).

* * *

____________________________

1 ـ تفسير في ظلال القرآن، ج 2، ص 428.

[313]

الآيتان

وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّـلِحِينَ وَحَسُنَ أَوْلَـئِكَ رَفِيقاً(69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ وَكَفَى بِاللهِ عَلِيماً(70)

سبب النّزول

كان أحد الصّحابة يدعى «ثوبان» شديد الحبّ لرسول الله قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه فقال له النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم): يا ثوبان ما غير لونك؟ فقال: يا رسول الله ما من مرض ولا وجع غير أني إِذا لم أرك اشتقت إِليك حتى ألقاك، ثمّ ذكرت الأخرة فأخاف أنّي لا أراك، وإِنّي إِن أدخلت الجنّة كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإِن لم أدخل الجنّة فذاك حتى لا أراك أبداً.

فنزلت الآيتان الحاضرتان تبشران أمثال هذا بأنّ المطيعين سيكونون مع النّبيين ومن اختارهم الله وأنعم عليهم في الجنّة.

ثمّ أن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «والذي نفسي بيده لا يؤمنن عبد حتى أكون أحبّ إِليه من نفسه وأبويه وأهله وولده والناس أجميعن» أي يكون مسلماً لتعاليمي وأوامري، تسليماً كاملا.

[314]

التّفسير

رفقاء الجنّة:

في هذه الآية يبيّن القرآن ميزة أُخرى من ميزات من يطيع أوامر الله تعالى والنّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي الحقيقة مكملة للميزات التي جاء ذكرها في الآيات السابقة، وهي صحبة الذين أتمّ الله نعمه عليهم ومرافقتهم: (ومن يطع الله والرّسول فأُولئك مع الذين أنعم الله عليهم ...).

وكما أسلفنا في سورة الحمد فإِنّ الذين أنعم الله عليهم هم الذين ساروا في الطريق المستقيم ولم يرتكبوا أي خطأ، ولم يكن فيهم أي انحراف.

ثمّ يشير ـ لدى توضيح هذه الجملة، وتحديد من أنعم الله عليهم ـ إِلى أربع طوائف يشكلون في الحقيقة الأركان الأربعة لهذا الموضوع وهم:

1 ـ الأنبياء: أي رسل الله تعالى الذين كانوا طليعة السائرين في سبيل هداية الناس ودعوتهم إِلى الصراط المستقيم (من النّبيين).

2 ـ الصّادقون: وهم الذين يصدقون في القول ويصدقون إِيمانهم بالعمل الصالح، ويثبتون أنّهم ليسوا مجرّد أدعياء الإِيمان، بل مؤمنون بصدق بأوامر الله وتعاليمه (والصّديقون).

ومن هذا التعبير يتّضح أنّه ليس بعد مقام النبوة أعلى من مقام الصدق، والصدق هذا لا ينحصر في الصدق في القول فقط، بل هو الصدق في الفعل والعمل ... الصدق في الممارسات والمواقف، وهو لذلك يشمل الأمانة والإِخلاص أيضاً، لأن الأمانة هي الصدق في العمل كما أن الصدق أمانة في القول، وفي المقام ليس هناك صفة بعد الكفر أقبح من الكذب والنفاق والخيانة في القول والعمل (ويجب الإِنتباه ـ هنا ـ إِلى أن الصدّيق صيغة مبالغة وهي بمعنى الصادق كله، ظاهراً وباطناً).

وقد فسّر «الصدّيق» في بعض الروايات والأخبار بعلي(عليه السلام) والأئمّة من أهل

[315]

البيت النّبوي(عليهم السلام)، وهذا التّفسير كما قلنا في ما سبق من باب بيان المصداق الأكمل والأوضح لهذه الآيات، فلا تفيد الحصر والقصر.

3 ـ الشّهداء: الذين قتلوا في سبيل الله وفي سبيل العقيدة الإِلهية الطاهرة، أو الذين يشهدون على الناس وأعمالهم في الأخرة (والشّهداء)(1).

4 ـ الصّالحون: وهم الذين بلغوا بأعمالهم الصالحة والمفيدة وبإِتّباع الأنبياء وأوامرهم إِلى مراتب عالية ومقامات رفيعة (والصّالحين).

ولهذا فسّر «الصّالحون» في رواياتنا وأحاديثنا، بالصفوة المختارة من أصحاب الأئمّة(عليهم السلام) وهذا هو أيضاً من باب بيان أظهر المصاديق وأوضحها كما أسلفنا في تفسير الصديقين.

والنقطة الجديرة بالتذكير هنا هي أن ذكر هذه المراحل الأربع يمكن أن يكون إِشارة إِلى أنّه لابدّ لبناء المجتمع الإِنساني الصالح والسليم من: أن يبدأ الأنبياء ـ وهم القادة والهداة بحق الهداية، ثمّ يتبعهم المبلغون الصادقون بالقول والعمل، وهم الصاديقون الذين يصدق عملهم قولهم وفعلهم دعواهم فينشروا الحقائق في كل مكان، ثمّ بعد مرحلة البناء الفكري والإِعتقادي هذه، يقوم جماعة في وجه العناصر الفاسدة ومن يريدون الوقوف في طريق الحقّ، فيضحون بأنفسهم ويقدمون أجسادهم وحياتهم قرابين للحقّ والعدل، فيكون حاصل هذه الجهود والمساعي ظهور الصّالحين واستقرار المجتمع الطاهر السليم.

ومن الواضح البيّن أنّ على الصالحين أيضاً أن يقوموا بهذه الواجبات الثلاث أي عليهم أن يقودوا، ويبلغوا، ويضحوا لكي يبقوا على جذوة الحق متقدة، وعلى مشعل العدل مضيئاً للأجيال اللاحقة.

____________________________

1 ـ الشهيد في أصل اللغة هو من يشهد، غاية ما هناك أن الإِنسان قد يشهد على حق بكلامه، وقد يشهد بعمله وقتله في سبيل أهدافه الطاهرة.

[316]

كما أنّه يستفاد من الآيات الحاضرة ضمناً هذه الحقيقة، وهي أنّ مسألة مرافقة الصالحين وصحبة الرفقاء الطيبين لها من الأهمية بحيث تعتبر في الآخرة الجزء المكمل للنعم الإِلهية الكبرى التي يمنّ الله بها على المطيعين في الجنّة، فهم علاوة على كل ما يحصلون عليه من نعم وميزات سيحظون بمرافقة رفقاء كالأنبياء والصّديقين والشّهداء والصّالحين.

ولعلنا في غنى عن التذكير بأن معاشرة المطيعين لهذه الطوائف الأربع ليس معناه أنّهم في منزلتهم ورتبتهم، وإِنّهم في درجتهم من جميع الجهات، بل يعني أن لكل واحد منهم ـ مع معاشرة بعضهم لبعض ـ سهماً خاصاً (يتناسب ومقامه) من المواهب والألطاف الإِلهية، فهم كأشجار بستان واحد ووروده وأعشابه، فهي مع كونها مجتمعة متجاوزة ومع أنّها تستفيد برمتها من ضوء الشمس والمطر، ولكنها ليست متساوية في حجم الإِستفادة من تلك العناصر، كما أنّها ليست متساوية في القيمة.

ثمّ يبيّن سبحانه في الآية اللاحقة أهمية هذا الإِمتياز الكبير (أي مرافقة تلك الصفوة المختارة) إِنّ هذه الهبة من جانب الله، وهو عليم بأحوال عباده ونواياهم ومؤهلاتهم: (ذلك الفضل من الله، وكفى بالله عليماً)، فلا يخطىء في الإِثابة والجزاء حيث أن «ذلك» إِشارة إِلى البعيد لهذا يوحي في هذه الموارد إِلى أهمية المقام وعلوه.

* * *

[317]

الآية

يَـأَيِّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَات أَوِ انفِرُوا جَمِيعاً(71)

التّفسير

الحذر الدّائم:

«الحذر» يعني اليقظة والتأهب والترقب لخطر محتمل، كما يعني أحياناً الوسيلة التي يستعان بها لدفع الخطر.

أمّا كلمة «ثُبات» فتفيد معنى المجموعات المتفرقة، ومفردها «ثبة» من مادة «ثبي» أي جمع.

والقرآن يخاطب عامّة المسلمين في الآية المذكورة أعلاه، ويقدم لهم اثنتين من التعاليم اللازمة لصيانة وجود المسلمين والمجتمع الإِسلامي تجاه كل خطر يهدد هذا الوجود.

ففي البداية تأمر الآية المؤمنين بالتمسك باليقظة والبقاء في حالة التأهب من أجل مواجهة العدو، وتحذرهم من الغفلة عن هذا الامر: (يا أيّها الذين آمنوا خذوا حذركم ...).

ثمّ تأمر الآية بالإِستفادة من الأساليب والتكتيكات المختلفة في مواجهة

[318]

العدو، من ذلك الزحف على شكل مجموعات إن تطلب الأمر مثل هذا الأسلوب، أو على شكل جيش موحّد مترابط إِن استدعت المواجهة هجوماً شاملا منسجماً، وفي كلتا الحالتين لابدّ من المواجهة الجماعية (فانفروا ثُبات أو انفروا جميعاً).

ذهب بعض المفسّرين إِلى أن معنى «الحذر» في الآية هو «السلاح» لا غير، بينما للحذر معنى واسع لا يقتصر على السلاح، ثمّ أن الآية (102) من هذه السورة تدل بوضوح على أنّ الحذر غير السلاح حيث يقول تعالى: (... أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم ...) وجواز وضع السلاح (في الصلاة) مع أخذ الحذر يدل على أنّ الحذر لا يعنى السلاح بالذات.

الآية الكريمة هذه تشتمل على أمر عام مطلق لجميع المسلمين في كلّ العصور والأزمنة، ويدعو هذا الأمر المسلمين إِلى الإِلتزام باليقظة والإِستعداد الدائم لمواجهة أي طارىء من جانب الأعداء ولحماية أمن الأُمّة، وذلك عن طريق التحلّي بالإِستعداد المادي والمعنوي الدائمين.

وكلمة «الحذر» أيضاً تستوعب بمعانيها الواسعة ـ كل أنواع الوسائل المادية والمعنوية الدفاعية التي يتحتم على المسلمين اتباعها، من ذلك التعرف على قدرة العدو من حيث العدّة والعدد، وأساليبه الحربية، والإِستراتيجية، ومدى فاعلية أسلحته، وكيفية مواجهتها والإِحتماء من خطرها وخطر العدوّ نفسه، وبذلك يكون المسلمون قد أوفوا من حيث العمل بما يتطلبه منهم أمر «الحذر» من الإِستعداد والتأهب واليقظة لمواجهة أي خطر طارىء.

ويشتمل أمر «الحذر» أيضاً على الإِستعداد النفسي والثقافي والإِقتصادي، لتعبئة كافة الإِمكانيات البشرية، والإِستفادة من أقوى أنواع الأسلحة وأكثرها تطوراً في الوقت المطلوب، وكذلك الإِلمام بصور إستخدام هذا السلاح وأساليبه، فإِذا كان المسلمون يلتزمون بهذا الأمر ويطبقونه على حياتهم لاستطاعوا أن

[319]

يجنّبوا أنفسهم وأُمّتهم الفشل والتقهقر والهزيمة على مدى تاريخهم المليء بالأحداث.

والشيء الآخر الذي يفهم من هذه الآية الكريمة، هو اختلاف أساليب مواجهة العدو بحسب ما تقتضيه الضرورة، ويعينه الظرف، ويحدد موقع العدو ـ فلو كان هذا الموقع يتطلب مقابلة العدو بجماعات منفصلة، لوجب استخدام هذا الأسلوب مع كل ما يحتاج إِليه من عدد وعدّة وغير ذلك، وقد يكون موقع العدو بصورة تقتضي مواجهة العدو في هجوم عام ضمن مجموعة واحدة متماسكة، وعند هذا يجب أن يعدّ المسلمون العدّة اللازمة والعدد الكافي لمثل هذا الهجوم الشامل.

ومن هنا يتّضح أنّ إصرار البعض على أن يكون للمسلمين أُسلوب كفاحي واحد دون اختلاف في التكتيك لا يقوم على منطق ولا تدعمه التجارب، إِضافة إِلى أنّه يتنافى مع روح التعاليم الإِسلامية.

لعل الآية ـ أعلاه ـ تشير أيضاً إِلى أنّ المسألة الهامّة هي تحقيق الأهداف الواقعية سواء تطلب الأمر أن يسلك الجميع أُسلوباً واحداً، أو أن ينهجوا أساليب متنوعة.

ويفهم من كلمة «جميعاً» أنّها تعني أنّ المسلمين كافّة مكلّفون بالمشاركة في أمر مواجهة العدو، ولا يختص هذا الحكم بطائفة معينة.

* * *

[320]

الآيتان

وَإِنَّ مِنكُمْ لَـمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَـبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً(72) وَلِئِنْ أَصَـبَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اللهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَـلَيْتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً(73)

التّفسير

بعد صدور الأمر العام إِلى المسلمين بالجهاد والإِستعداد لمقابلة العدوّ في الآية السابقة تبيّن هاتان الآيتان موقف المنافقين من الجهاد، وتفضح تذبذبهم، فهم يصرّون على الإِمتناع عن المشاركة في صفوف المجاهدين في سبيل الله... (وإِن منكم(1) لمن ليبطّئن(2)...).

وحين يعود المجاهدون من ميدان القتال أو حين تصل أنباء معاركهم، فإِن

____________________________

1 ـ ينبغي الإِلتفات إِلى أنّ الإية أعلاه تخاطب المؤمنين، لكنّها تتطرق إِلى المنافقين أيضاً، كما أنّ عبارة «منكم» جعلت المنافقين جزءاً من المؤمنين، وما ذلك إلاّ لأنّ المنافقين كانوا دائماً متغلغلين بين المؤمنين، ومن هنا فهم يحسبون على الظاهر جزءاً منهم.

2 ـ «ليبطئن» من «البطء» في الحركة، وهو فعل لازم ومتعد كما ذكر علماء اللغة، أي أنّهم يبطؤون في حركتهم ويدعون الآخرين إِلى البطء، ولعل استعمال الفعل في باب التفعيل هنا يعني أنّه متعد فقط، أي أنّهم يدفعون أنفسهم إِلى البطء تارةً، ويدفعون الآخرين إِلى ذلك تارةً أُخرى.

[321]

كان قد أصابهم مكروه في قتالهم يتحدث المنافقون بابتهاج بأنّ الله قد أنعم عليهم نعمة كبيرة إِذ لم يشاركوا المجاهدين في ذلك القتال، ويفرحون لعدم حضورهم في مشاهد الحرب الرهيبة (فإِن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله عليّ إِذ لم أكن معهم شهيداً ...).

وحين تصل الأخبار بانتصار المسلمين المجاهدين ونيلهم المغانم، يتبدل موقف هؤلاء المنافقين فتبدو الحسرة عليهم ويظهر الندم على وجوههم، ويشرعون ـ وكأنّهم غرباء لا تربطهم بالمسلمين أية رابطة ـ بترديد عبارات التأسف: (ولئن أصابكم فضل من الله ليقولنّ كأن لم تكن بينكم وبينه مودّة ياليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً).

في الآية إِشارة إِلى المفهوم المادي للنصر في نظر المنافقين، فالذي يرى الشهادة والقتل في سبيل الله مصيبةً وبلاءً، ويخال النجاة من القتل أو الشهادة في هذه السبيل نعمة إِلهية، لا ينظر إِلى النصر والفوز إِلاّ من خلال منظار كسب الغنائم والمتاع المادي لا غير.

هؤلاء المتلونون الموجودون ـ مع الأسف ـ في كل المجتمعات، سرعان ما يغيرون أقنعتهم تجاه ما يواجهه المؤمنون من نصر أو هزيمة، هؤلاء لا يشاركون المؤمنين في معاناتهم ولا يساعدونهم في الملمات، لكنّهم يتوقعون أن يكون لهم في الإِنتصارات السّهم الأوفى، وأن يحصلوا على ما يحصل عليه المجاهدون المؤمنون من إمتيازات.

* * *

[322]

الآية

فَلْيُقَـتِلْ فِى سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا بِالاَْخِرَةِ وَمَن يُقَـتِلْ فِى سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْيَغْلِبْ فَسَوْفَ نَؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً(74)

التّفسير

إِعداد المؤمنين للجهاد:

بعد أن أوضحت الآية السابقة إِحجام المنافقين عن مشاركة المجاهدين في القتال تتوجه الآية (74) والتي تليها ـ بلغة مشجعة مشوقة ـ إِلى المؤمنين فتدعوهم إِلى الجهاد في سبيل الله، ونزول هذه الآيات حين كان الإِسلام مهدداً من قِبَلِ مختلف الأعداء ـ سواء من الداخل أو الخارج ـ يدل على أهميتها في تربية الروح الجهادية لدى المسلمين.

وتوضح الآية في بدايتها أنّ أعباء الجهاد يجب أن تكون على عاتق أُولئك النفر الذين باعوا حياتهم الدنيوية المادية الزائلة، مقابل فوزهم بالحياة الأُخروية الخالدة: (فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ...) أي أن المجاهدون الحقيقيون هم وحدهم المستعدون للدخول في هذه الصفقة، بعد أن إنكشفت لهم دناءة الحياة المادية (وهو ما يفهم من لفظ الدنيا)، فهؤلاء أدركوا أن هذه الحياة لا قيمة لها تجاه الحياة الأبدية الخالدة، أمّا الذين يرون الأصالة في

[323]

الحياة المادية الدنيئة، ويعتبرونها أرفع وأكبر من الأهداف الإِلهية المقدسة والأهداف الإِنسانية السامية، فلا يمكن أن يكونوا أبداً مجاهدين صالحين.

وتستمر الآية مبينة أنّ مصير المجاهدين الحقيقيين الذين باعوا الحياة الدنيا بالآخرة واضح لا يخرج عن حالتين: إمّا النصر على الاعداء، أو الشهادة في سبيل الله، وهم في كلتا الحالتين ينالون الأجر والثواب العظيم من الله تعالى (... ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجراً عظيماً) وبديهي أن جنوداً كهؤلاء لا يفهمون معنى الهزيمة، فهم يرون النصر إِلى جانبهم في الحالتين: سواء تغلّبوا على العدو، أو نالوا الشهادة في سبيل الله، ومثل هذه المعنويات كفيلة بأن تمهد الطريق للإِنتصار على العدو، ويعتبر التاريخ خير شاهد على أنّ هذه المعنويات هي العامل في إنتصار المسلمين على أعداء فاقوهم عدداً وعُدّة.

ويؤكّد هذا الأمر حتى المفكرون من غير المسلمين ممن كتبوا عن إنتصارات المسلمين السريعة التي حققوها في عصر الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وفي العصور التالية، فهؤلاء المفكرون يرون أن منطق الفوز بإِحدى الحسنيين أحد العوامل الحاسمة في تقدم المسلمين.

يقول مؤرخ غربي مشهور في كتاب له في هذا المجال: إِنّ المسلمين لم يكونوا ليخافوا الموت في سبيل دينهم الجديد، لما وعدوا به من هبات إِلهية في الآخرة، وأنّهم لم يعتقدوا بأصالة خلود هذه الحياة الدنيا، ولذلك فهم قد تنازلوا عن هذه الحياة في سبيل العقيدة والهدف(1).

والجدير ذكره هنا هو أنّ هذه الآية ـ وآيات أُخرى من القرآن الكريم ـ اعتبرت الجهاد أمراً مقدساً إِذا كان في سبيل الله، ومن أجل إِنقاذ البشر، وإِحياء مبادىء الحق والعدالة والطهارة والتقوى، على عكس الحروب التي تشن بهدف التوسع وبدافع من التعصب والتوحش والإِستعمار والإِستغلال.

* * *

____________________________

1 ـ راجع غوستاف لوبون، تاريخ الحضارة الإِسلامية والعربية.

[324]

الآية

وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَـتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ والْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَنِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً(75)

التّفسير

الإِستعانة بالعواطف والمشاعر الإِنسانية:

كانت الآية السابقة تطالب المؤمنين بالجهاد معتمدة على إِيمانهم بالله واليوم الآخر، وقد اعتمدت أيضاً قضية الربح والخسارة في سياق دعوتها إِلى الجهاد، أمّا هذه الآية فتستند في دعوتها الجهادية إِلى العواطف والمشاعر الإِنسانية وتستثيرها في هذا الإِتجاه ـ فهي تخاطب مشاعر المؤمنين وعواطفهم بعرض ما يتحمله الرجال والنساء والأطفال المضطهدون من عذاب وظلم بين مخالب الطغاة الجبارين، وتطالب المؤمنين ـ مستثيرة عواطفهم في هذا الإِتجاه ـ عن طريق عرض المشاهد المأساوية التي يعاني منها المستضعفون وتدعوهم إِلى الجهاد في سبيل الله من أجل إِنقاذ هؤلاء المظلومين فتقول الآية: (وما لكم لا

[325]

تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين(1) من الرجال والنّساء والولدان ...).

ولأجل إثارة المشاعر أكثر، تنبّه الآية المؤمنين بأنّ المستضعفين المذكورين لكثرة معاناتهم من البطش والإِرهاب والإِضطهاد قد إنقطع أملهم في النجاة ويئسوا من كل عون خارجي، فأخذوا يدعون الله لإِخراجهم من ذلك المحيط الرهيب المشحون بأنواع البطش والرعب والظلم الفاحش: (الذين يقولون ربّنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها) ويطلب المستضعفون من الله ـ أيضاً ـ أن يرسل لهم من يتولى الدفاع عنهم وينجيهم من الظالمين بقولهم: (واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً).

الآية ـ في الواقع ـ نشير إِلى أنّ الله قد استجاب دعاء المستضعفين، فهذه الرسالة الإِنسانية الكبرى قد أوكلت إِليكم أنتم أيّها المسلمون المخاطبون، فقد أصبحتم أنتم «الولي» المرتقب وأنتم «النصير» من قبل الله تعالى لإِنقاذ المستضعفين، من هنا عليكم أن تنهضوا بهذه المسؤولية وتستثمروا هذه المكانة الكبرى المناطة إِليكم ولا تضيعوها.

والآية هذه يستفاد منها أيضاً عدّة أُمور، هي:

1 ـ إِنّ الجهاد في سبيل الله وكما أُشير إِليه من قبل ـ ليس من أجل إنتزاع الأموال والسلطة والثروات من أيدي الأخرين، كما أنّه لا يستهدف إِيجاد أسواق لإستهلاك البضائع أو لفرض عقائد خاصّة بالقوّة، بل أنه يستهدف نشر الفضيلة والإِيمان والدفاع عن المظلومين والمضطهدين من النساء والرجال والولدان، ومن هذا المنطلق يتّضح أنّ للجهاد هدفين شاملين جامعين أشارت الآية إِليهما، أحدهما «ربّاني»، وآخر «إِنساني» يكمل أحدهما الآخر، ولا ينفصلان، بل

____________________________

1 ـ إنّ الفرق بين المستضعف والضعيف واضح وجلي، فالضعيف هو من كان معدوم القدرة والقوّة، والمستضعف هو من أصابه الضعف بسبب ظلم وجور الآخرين، سواء كان الإِستضعاف فكرياً أم ثقافياً أم كان أخلاقياً أو اقتصادياً أم سياسياً أم إجتماعياً، فالعبارة هنا جامعة شاملة تستوعب جميع أنواع الإِستضعاف.

[326]

كلاهما يعودان إِلى حقيقة واحدة.

2 ـ إِنّ الإِسلام يرى أن المحيط السالم الذي يمكن للإِنسان أن يعيش فيه، هو ذلك المحيط الذي يوفّر الحرية للإِنسان، ويضمن له العمل بما يعتقد دون مانع أو أذى، ويرى الإِسلام ـ أيضاً ـ أنّ المحيط الذي يسوده الكبت والإِرهاب والقمع، ولا يستطيع المسلم فيه إِظهار عقيدته أو إِعلان إِسلامه، فهو محيط لا يجدر بالإِنسان المسلم أن يبقى فيه، لذلك فإِن الآية تنقل عن المؤمنين دعاءهم إِلى الله لكي يخلصهم من مثل هذا الجو المليء بالقمع والإِرهاب.

وعلى الرغم من أن مكّة كانت ملجأ وملاذاً للمهاجرين، فإِنّ تفشي الظلم فيها جعل المؤمنين يدعون الله لإِنقاذهم من ظلم أهل هذه المدينة، وييسر لهم سبيلا إِلى الخروج منها.

3 ـ وفي نهاية الآية نرى أنّ المؤمنين الذين يعانون من محيطهم الظالم، يسألون الله أن يبعث لهم من يتولى شؤونهم، وأن يمدهم ـ أيضاً ـ بمن ينصرهم على الظالمين ويخلصهم من مخالبهم، ويفهم من هذه الآية أهمية القيادة الصالحة، وأهمية قدرة هذه القيادة في إنقاذ المظلومين وضرورة إمتلاكها من العدد والعدّة ما يمكنها من القيام بسمؤوليتها الخطيرة هذه.

بذلك نستنتج من الآية العناصر التي يجب أن تتوفر في كل قيادة إِسلامية، وهي كمايلي:

أ ـ أن تكون القيادة صالحة (بما في كلمة الصلاح من شمولية)

ب ـ أن تكون قوية مقتدرة (أن تملك العدد والعدّة الكافيين، بالإِضافة إِلى الخطط العسكرية التي تضمن نجاح استخدام القوّة الموجودة).

4 ـ تبيّن الآية أنّ المؤمنين يطلبون حاجاتهم من الله العلي القدير وحده، ولا يلجأوون إِلى غيره في حوائجهم، حتى أنّهم يسألون الله أن يمدهم بمن يتولى الدفاع عنهم وينصرهم على الظالمين.

* * *

[327]

الآية

الَّذِينَ ءَامَنُوا يُقَـتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَـتِلُونَ فِى سَبِيلِ الطَّـغُوتِ فَقَـتِلُوا أَوْلِيَآءَ الشَّيْطَـنِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَـنِ كَانَ ضَعِيفاً(76)

التّفسير

لقد أوضحت الآيات السابقة قضية الجهاد، وأبرزت عناصره والمخاطبين به ودوافعه، وفي هذه الآية نلاحظ أنّها تحث المجاهدين على القتال، وتبيّن أهدافهم، مؤكّدة أنّهم يقاتلون في سبيل الله ولمصلحة عباد الله، وأن الكافرين يقاتلون في سبيل الطاغوت المتجبر: (الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت) أي أنّ الحياة في كل الأحوال لا تخلو من الكفاح والصراع، غير أن جمعاً يقاتلون في طريق الحق، وجمعاً يقاتلون في طريق الشيطان والباطل.

لذلك تطلب الآية من أنصار الحق أن ينبروا لقتال أنصار الشيطان دونما رهبة وخوف: (فقاتلوا أولياء الشيطان).

كما توضح هذه الآية حقيقة مهمّة، هي أنّ الطاغوت والقوى المتجبرة ـ مهما إمتلكت من قوة ظاهرية ـ ضعيفة في نفسها وجبانة في باطنها، وبهذا تطمئن الآية

[328]

المؤمنين كي لا يخافوا من هؤلاء الطواغيت مهما أُوتوا من عدّة أو عدد، لأنّهم خالون من الهدف فارغون من الإِيمان، ولذلك كانت خططهم كلها ضعيفة خاوية كقدرتهم ولأنّهم لا يعتمدون على منشأ القدرة الأزلية الأبدية الذي هو الله العزيز القدير، بل يعتمدون على قدرة الشيطان الضعيفة الجوفاء: (إِنّ كيد الشيطان كان ضعيفاً).

أما سبب قوة المؤمنين من أنصار الحق فيعود إِلى أنهم يسيرون في طريق أهداف وحقائق تنسجم مع قانون الخليقة والوجود، وتتمتع بالصفة الأزلية الأبدية، فهم يجاهدون في سبيل تحرير الإِنسان ومحو آثار الظلم والعدوان بينما الطاغوت وأنصاره يقاتلون من أجل منافعهم الشخصية أو يعملون في خدمة الطواغيت والمستكبرين من أجل إستغلال البشر إِرضاءاً لشهواتهم الفانية الزائلة، الأمر الذي يدفع في النهاية بالمجتمع إِلى الإِنحطاط والزّوال، لأنّ عمل الطواغيت يتناقض وسرّ الوجود ويتعارض مع قوانين الفطرة والطبيعة، هذا من جهة، ومن جهة أُخرى فإن المؤمنين باعتمادهم على القوى الروحية يتمتعون بثقة عالية بالنفس وبهدوء باطني يمهّد لهم سبيل النصر والفوز على العدو، بل ويهبهم القوّة والقدرة على الإِندفاع لمواجهة الأعداء، بينما العدو والكافر لا يعتمد على أساس قوي أبداً.

وتجدر الملاحظة هنا أنّ الآية قرنت الطاغوت بالشيطان، وهذا يدل على أن القوى الطاغوتية المتجبرة إِنّما تستمد القوة والعون من منبع ضعيف يتمثل في القوى الشيطانية والجوفاء.

هذا المضمون تذكره ـ أيضاً ـ الآية (27) من سورة الأعراف: (إنّا جعلنا الشّياطين أولياء للذين لا يؤمنون).

* * *

[329]

الآية

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَءَاتُوا الزَّكَوةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلاَ أَخَّرْتَنَآ إِلَى أَجَل قَرِيب قُلْ مَتَـعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالأَخِرَةُ خَيْرٌ لِّـمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلا(77)

سبب النّزول

روى جمع من المفسّرين كالشّيخ الطوسي في التبيان، والقرطبي وصاحب المنار عن ابن عباس أنّ نفراً من المسلمين كانوا أثناء وجودهم في مكّة قبل الهجرة يعانون من ضغط المشركين وإذاءهم، فجاءوا إِلى النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وطلبوا منه أن يسمح لهم بقتال الأعداء فأجابهم النّبي في حينه أنّه لم يؤمر بالجهاد.

ومضت أيّام على طلب هؤلاء، حتى هاجر المسلمون إِلى المدينة وتهيأت هناك ظروف وشروط الجهاد المسلح، وأمر الله المسلمين بالجهاد، فأخذ بعض من أُولئك النفر الذين كانوا يصرّون على النّبي للسماح لهم بالجهاد وقتال الأعداء في مكّة يظهرون الكسل والتهاون في تنفيذ الأمر الإِلهي، ولم يبدوا أي حماس أو رغبة في الجهاد، كما كانوا يظهرون ذلك في مكّة، فنزلت هذه الآية وهي تحثّ

[330]

المسلمين على الجهاد وتؤنب المتهاونين والمتقاعسين عن هذا الواجب الحسّاس.

وقد تطرقت الآية الكريمة إِلى عدد من الحقائق في هذا الصدد.

التّفسير

قوم بضاعتهم الكلام دون العمل:

تتحدث الآية بلغة التعجب من أمر نفر أظهروا رغبة شديدة في الجهاد خلال ظرف غير مناسب، وأصرّوا على السماح لهم بذلك، وقد صدرت الأوامر لهم ـ حينئذ ـ بالصبر والإِحتمال، ودعوا إِلى إِقامة الصلاة، وأداء الزكاة، وبعد أن سنحت الفرصة وآتت الظروف للجهاد بصورة كاملة وأمروا به، إستولى على هؤلاء النفر الخوف والرعب، وانبروا يعترضون على الأمر الإِلهي ويتهاونون في أدائه.

تقول الآية: (ألم تر إِلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلمّا كتب عليهم القتال إِذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشدّ خشية ...) فكان هؤلاء في اعتراضهم على أمر الجهاد يقولون صراحة: لماذا أسرع الله في إِنزال أمر الجهاد؟ ويتمنون لو أخر الله هذا الأمر ولو قليلا! أو يطلبون أن يناط أمر الجهاد للأجيال القادمة(1) (وقالوا ربّنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إِلى أجل قريب ...).

والقرآن الكريم يردّ على هؤلاء أوّلا من خلال عبارة: (يخشون الناس كخشية الله أو أشدّ خشية) أي أن هؤلاء بدل أن يخافوا الله القادر القهار، أخذتهم الرّجفة واستولى عليهم الرعب من إِنسان ضعيف عاجز، بل أصبح خوفهم من هذا

____________________________

1 ـ تدل بعض الأحاديث أنّ هذا النفر من المسلمين كان قد سمع بحديث نهضة المهدي المنتظر، فكان البعض منهم يترقب أن يؤخر الجهاد إِلى زمن المهدي(عليه السلام)، تفسير نور الثقلين، الجزء الأوّل، ص 518.

[331]

الإِنسان أكبر من خشيتهم الله العلي القدير.

ثمّ يواجه القرآن هؤلاء بهذه الحقيقة: لو أنّهم استطاعوا بعد تركهم الجهاد أن يوفّروا لأنفسهم ـ فرضاً ـ حياة قصيرة رغيدة هانئة، فإنّهم سيخسرون هذه الحياة لأنّها زائلة لا محالة، بينما الحياة الأبدية التي وعد الله بها عباده المؤمنين المجاهدين الذين يخشونه ولا يخشون سواه، هي خير من تلك الحياة الزائلة، وإِن المتقين سيلقون فيها ثوابهم كاملا غير منقوص دون أن يصيبهم أي ظلم، (قل متاع الحياة الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا)(1).

من الضروري الإِلتفات إِلى عدة نقاط في تفسير هذه الآية، وهي:

1 ـ لماذا أُمرت أُولئك النفر بإِقامة الصلاة وأداء الزكاة دون غيرهما من الفرائض الكثيرة الاُخرى؟

والجواب على هذا السؤال يتلخص في أنّ الصلاة هي سر الإِتصال بالله سبحانه عزّ وجل، والزكاة تعتبر مفتاحاً لباب الإِتصال بعباد الله، وعلى هذا الأساس فقد صدرت الأوامر للمسلمين بأن يعدّوا أنفسهم وأرواحهم ومجتمعهم للجهاد في سبيل الله، عن طريقة إِقامة الصلة الوثيقة بينهم وبين الله وعباده، وبعبارة أُخرى أن يسعوا إِلى بناء أنفسهم وإِعدادها، وبديهي أن أي جهاد يحتاج بالضرورة إِلى إِعداد النفس والروح، وإِلى توثيق عُرى التلاحم الإِجتماعي، وبدون ذلك لا يمكن إِحراز أي إنتصار.

والإِنسان يقوي صلته بالله من خلال الصلاة ويربّي بها روحه ومعنوياته، فيكون بذلك مستعداً لتقديم أغلى التضحيات بما في ذلك التضحية بالنفس، كما أنّ الزكاة هي الوسيلة الوحيدة لرأب كل صدع إِجتماعي، بالإِضافة إِلى كونها دعماً إِقتصادياً في سبيل إِعداد ذوي الخبرة والتجربة والعُدة الحربية، وما

____________________________

1 ـ الفتيل يعني الشعيرة الرفيعة جداً الموجودة بين فلقتي نواة التّمر، وقد تطرقنا إِلى شرح ذلك في الآية (49) من سورة النساء وفي هذا المجلد من تفسيرنا هذا.

[332]

يحتاجه المسلمون في قتال الأعداء ليكونوا على استعداد لمواجهة العدو إِذا صدر الأمر إِليهم بذلك.

2 ـ المعروف أنّ حكم الزكاة ورد في آيات نزلت في المدينة (أي أنّها آيات مدنية) ولم يكلف المسلمون بأداء الزكاة في مكّة ـ فكيف إِذن يمكن القول إِن هذه الآية تتحدث عن وضع المسلمين في مكّة؟

يجيب على هذا السؤال الشيخ الطوسي(رحمه الله) في تفسير «التّبيان» فيقول: إِنّ المقصود بالزكاة الواردة في هذه الآية هو الزكاة المستحبة التي كانت معروفة في مكّة، أي أنّ القرآن المجيد كان يحثّ المسلمين حتى في مكّة على تقديم المساعدات المالية إِلى مستحقيها ولدعم إقتصاد المجتمع الإِسلامي الجديد في مكّة.

3 ـ وتشير هذه الآية الكريمة إِلى حقيقة مهمة، هي أنّ المسلمين في مكّة كان لهم منهج، ثمّ أصبح لهم في المدينة منهج آخر، ففي مكّة انشغل المسلمون ببناء شخصيتهم الإِسلامية بعد أن تحرروا من أدران الجاهلية، فكان سعي النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في مكّة منصباً على تربية هؤلاء الذين نبذوا عبادة الأصنام ليجعل منهم أناساً يسترخصون النفس والنفيس في مواجهة ما يعترض سبيل المسلمين من تحديات، فما أحرزه المسلمون من إنتصارات باهرة في المدينة المنورة، كان حصيلة عملية بناء الشخصية الإِسلامية، هذه العملية التي تعهدت بها رسالة الإِسلام في مكّة.

لقد تعلم المسلمون الكثير في مكّة ومارسوا تجارب جمّة واكتسبوا استعداداً روحياً ومعنوياً عظيماً خلال العهد المكي، ودليل هذا الأمر هو نزول قرابة التسعين سورة ـ من مجموع سور القرآن الكريم البالغة مائة وأربع وعشرة سورة ـ في مكّة، وقد تناولت هذه السور في الغالب الجوانب العقائدية التربوية الخاصّة بإِعداد الشخصية الإِسلامية ـ أمّا في المدينة فقد انصرف المسلمون إِلى

[333]

تشكيل الحكومة الإِسلامية وإِقامة أُسس المجتمع الإِسلامي السليم.

ويدل هذه ـ أيضاً ـ على عدم نزول حكم الجهاد والزكاة الواجبين في العصر المكي لأنّ الجهاد من واجبات الحكومة الإِسلامية مثل تشكيل بيت المال فإِنّه من شؤون الحكومة الإِسلامية أيضاً.

* * *

[334]

الآيتان

أَيْنََما تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بِرُوج مُّشَيَّدَة وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَـذِهِ مِنْ عِندِ اللهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَـذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ االلهِ فَمَالِ هَـؤُلاَءِ الْقَوْمِ لاَيَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً(78) مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَة فَمِنَ اللهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَة فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَـكَ لِلنَّاسِ رَسُولا وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً(79)

التّفسير

نستنتج من الآيات السابقة واللاحقة أنّ هاتين الآيتين تقصدان مجموعة من المنافقين تسللوا إِلى صفوف المسلمين، وقد قرأنا في الآيات السابقة أن هؤلاء قد أبدوا الخوف والقلق من المشاركة في مسؤولية الجهاد، وقد ظهر عليهم الضجر والإِستياء حين نزول حكم الجهاد، فردّ عليهم القرآن الكريم وأنبّهم لموقفهم هذا بقوله: (قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى)(1) موضحاً أن الحياة بكل زخارفها سرعان ما تزول، وإِنّ ما يناله المؤمنون الذين يخشون الله

____________________________

1 ـ الآية 77 من نفس السورة.

[335]

ولا يعصونه من الخير والثواب هو خير من كل ما في هذه الدنيا من خيرات.

وفي هذا المقطع القرآني ردّ آخر على أُولئك المنافقين، حيث بيّن أن الموت آتيهم يوماً لا محالة، حتى إِذا تحصنوا في قلاع عالية ومنيعة بحسب ظنّهم، ومادام الموت يدرك الإِنسان بهذه الصورة أليس من الخير له أن يموت على طريق مثمر وصحيح كالجهاد؟!

وممّا يلفت الإِنتباه أنّ القرآن الكريم يطلق في مواقع متعددة اسم «اليقين» على الموت، كما في الآية (99) من سورة الحجر، والآية (48) من سورة المدثر ـ ومعنى هذه العبارة القرآنية هو أن الإِنسان مهما كانت عقيدته ـ يؤمن بوجود الموت إِيماناً لا يخامره فيه شك مطلقاً، ومهما أنكر المرء من حقائق لا يستطيع إنكار الموت الذي يشهده بأم عينه أو يسمع عنه كل يوم، والإِنسان الذي يحب الحياة ويخال أن الموت هو الفناء الذي لا حياة بعده أبداً يخاف من ذكر الموت ويفر من مظاهره.

الآيتان الأخيرتان تؤكدان حقيقة عدم جدوى الفرار من الموت، فهو يدرك الإِنسان يوماً ما لا محالة، وهو حقيقة قطعية يقينية في عالم الوجود.

وعبارة (يدرككم) الواردة في الآية الأُولى تعني الملاحقة، واللاحق هو الموت الذي يدرك الإِنسان، وتوحي بأنّ الفرار لا ينقذ الإِنسان من هذا المصير الحتمي.

وتؤكد الحقيقة المذكورة الآية الثّامنة من سورة الجمعة إِذ تقول: (قل إنّ الموت الذي تفرّون منه فإِنّه ملاقيكم).

إِذن ليس من العقل والمنطق أن يدرك الإِنسان هذه الحقيقة ويفر بعد ذلك من ميدان الجهاد، ويحرم نفسه أشرف ميتة وهي الشهادة في سبيل الله، فيموت على فراشه فلو عاش الإِنسان بعد فراره من الجهاد أيّاماً أو شهوراً أو سنوات لتكرر ما فعل ولتكررت أمامه المشاهد الماضية، فهل من العقل أن يحرم الإِنسان نفسه

[336]

لأجل هذه المتكررات من الثواب الأبدي الذي يناله المجاهد في سبيل الله؟!

وهنا أمر ثان يجب الإِنتباه له في الآية الأُولى من هاتين الآيتين، وهو عبارة (بروج مشيدة)(1) التي تؤكد أنّ الموت لا تحول دونه القلاع والحصون المنيعة العالية، والسرّ في هذا الأمر هو أنّ الموت الطبيعي لا يداهم الإِنسان من خارج وجوده ـ خلافاً لما يتصورون ـ ولا يحتاج إِلى اجتياز القلاع والحصون، بل يأتي من داخل وجود الإِنسان حيث تقف أجهزة الإِنسان عن العمل بعد نفاذ قدرتها المحدودة على البقاء.

نعم، الموت غير الطبيعي يأتي الإِنسان طبعاً من خارج وجوده، وبذلك قد تنفع القلاع والحصون في تأخير هذا النوع من الموت عنه.

ولكن ماذا ستكون النهاية والنتيجة؟ هل بمقدور القلاع والحصون أن تحول دون وصول الموت الطبيعي الذي سيدرك الإِنسان ـ دون شك ـ في يوم من الإيّام؟!

من أين تأتي الإِنتصارات والهزائم؟

يشير القرآن في هاتين الآيتين إِلى وهم آخر من أوهام المنافقين، حين يوضح أن هؤلاء إِذا أحرزوا نصراً أو غنموا خيراً قالوا: إِنّ الله هو الذي أنعم عليهم بذلك، وزعموا أنّهم أهل لهذه النعمة: (وإِن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله).

أمّا إِذا مني هؤلاء بهزيمة أو لحقهم أذى في ميدان القتال، ألقوا اللوم على النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وافتروا عليه بقولهم إِنّ ما نالهم من سوء هو من عنده، متهمين خططه

____________________________

1 ـ «مشيدة» في الاصل من مادة «شيد» على وزن فيل، بمعنى الجص والمواد الاُخرى التي تستخدم لتقوية البنيان، وبما أن أكثر المواد استعمالا في البناء في تلك الازمنة هو الجص فان هذه الكلمة تطلق عليه عادة، فيكون معنى «بروج مشيدة» هو القلاع الرصينة والمتينة، وقد تستعمل ويراد بها المرتفعة والعالية. وذلك أيضاً لنفس السبب لانّه من دون استخدام الجص لم يكن بالامكان بناء تلك الابنية المرتفعة.

[337]

العسكرية بالضعف، من ذلك ما حدث في غزوة أُحد، تقول الآية: (وإِن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ...).

ويحتمل بعض المفسّرين أن تكون هذه الآية قد نزلت بشأن اليهود، ويرون أنّ المقصود بالحسنة والسيئة ـ هنا ـ هو ما كان يحدث من وقائع سارة وضارة، حيث كان اليهود حين بعثة النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ينسبون كلّ حدث سار ونافع إِلى الله، ويعزون حدوث الوقائع الضّارة إِلى وجود النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بين ظهرانيهم، بينما اتصال الآية بالآيات السابقة والتالية ـ التي يدور الحديث فيها عن المنافقين ـ يدل على أنّ المقصود في هذه الآية الأخيرة هم المنافقون.

ومهما يكن من أمر، فإنّ القرآن الكريم يردّ على هؤلاء مؤكداً إنّ الإِنسان المسلم الموحد الذي يؤمن صادقاً بالله ويعبده ولا يعبد سواه، إِنّما يعتقد بأنّ كل الوقائع والأحداث والإِنتصارات والهزائم هي بيد الله العليم الحكيم، فالله هو الذي يهب الإِنسان ما يستحقه ويعطيه بحسب قيمته الوجودية، وفي هذا المجال تقول الآية: (قل كلّ من عندالله).

والآية ـ هذه ـ تحمل في آخرها تقريعاً وتأنيباً للمنافقين الذين لا يتفكرون ولا يمعنون في حقائق الحياة المختلفة، حيث تقول: (فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً).

وبعد هذا ـ في الآية التالية ـ يصرّح القرآن بأنّ كل ما يصيب الإِنسان من خيرات وفوائد وكل ما يواجهه الكائن البشري من سرور وإنتصار هو من عند الله، وإِن ما يحصل للإِنسان من سوء وضرر وهزيمة أو خسارة فهو بسبب الإِنسان نفسه تقول الآية: (ما أصابك من حسنة فمن عند الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ...) وتردّ الآية في آخرها على أُولئك الذين كانوا يرون وجود النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)سبباً لوقوع الحوادث المؤسفة فيما بينهم فتقول: (وأرسلناك للنّاس رسولا وكفى بالله شهيداً).

[338]

جواب على سؤال مهم:

السّؤال المهم الذي يتبادر إِلى الذهن حين قراءة هاتين الآيتين الأخيرتين هو: لماذا نسب الخير والشر في الآية الأُولى كلّه لله؟ ولماذا حصرت الآية التالية الخير ـ وحده ـ لله، ونسبت الشرّ إِلى الإِنسان؟

حين نمعن النظر في الآيتين تواجهنا عدّة أُمور، يمكن لكل منها أن يكون هو الجواب على هذا السؤال.

1 ـ لو أجرينا تحليلا على عناصر تكوين الشر لرأينا أنّ لها اتجاهين: أحدهما إِيجابي والآخر سلبي، والإِتجاه الأخير هو الذي يجسد شكل الشر أو السيئة ويبرزه على صورة «خسارة نسبية» فالإِنسان الذي يقدم على قتل نظيره بسلاح ناري أو سلاح بارد يكون قد ارتكب بالطبع عملا شريراً وسيئاً، فما هي إِذن عوامل حدوث هذا العمل الشرير؟

إِنّها تتكون من: أوّلا: قدرة الإِنسان وعقله وقدرة السلاح والقدرة على الرمي والتهديف الصحيحين واختيار المكان والزمان المناسبين، وهذه تشكل عناصر الإِتجاه الإِيجابي للقضية، لأنّ كل عنصر منها يستطيع في حدّ ذاته أن يستخدم كعامل لفعل حسن إِذا استغل الإِستغلال الحكيم، أمّا الإِتجاه السلبي فهو في استغلال كل من هذه العناصر في غير محله، فبدلا من أن يستخدم السلاح لدرء خطر حيوان مفترس أو للتصدي لقاتل ومجرم خطير، يُستخدم في قتل إِنسان بريء، فيجسد بذلك فعل الشر، وإِلاّ فإِنّ قدرة الإِنسان وعقله وقدرته على الرمي والتهديف، وأصل السلاح وكل هذه العناصر، يمكن أن يستفاد منها في مجال الخير.

وحين تنسب الآية الأُولى الخير والشرّ كلّه لله، فإِن ذلك معناه أنّ مصادر القوّة جميعها بيد الله العليم القدير حتى تلك القوّة التي يساء استخدامها، ومن هذا المنطلق تنسب الخير والشرّ لله، لأنّه هو واهب القوى.

[339]

والآية الثّانية: تنسب «السيئات» إِلى الناس إنطلاقاً من مفهوم «الجوانب السلبية» للقضية ومن الإِساءة في استخدام المواهب الإِلهية.

تماماً مثل والد وهب ابنه مالا ليبني به داراً جديدة، لكن هذا الولد بدلا من أن يستخدم هذا المال في بناء البيت المطلوب، اشترى مخدرات ضارة أو صرفه في مجالات الفساد والفحشاء، لا شك أنّ الوالد هو مصدر هذا المال، لكن أحداً لا ينسب تصرف الابن لوالده، لأنه أعطاه للولد لغرض خيري حسن، لكن الولد أساء استغلال المال، فهو فاعل الشرّ، وليس لوالده دخل في فعلته هذه.

2 ـ ويمكن القول ـ أيضاً ـ بأنّ الآية الكريمة إِنّما تشير إِلى موضوع «الأمر بين الأمرين».

وهذه قضية بحثت في مسألة الجبر والتفويض، وخلاصة القول فيها أنّ جميع وقائع العالم خيراً كانت أم شرّاً ـ هي من جانب واحد تتصل بالله سبحانه القدير لأنّه هو الذي وهب الإِنسان القدرة والقوّة وحرية الإِنتخاب والإِختيار، وعلى هذا الأساس فإِنّ كل ما يختاره الإِنسان ويفعله بإِرادته وحريته لا يخرج عن إِرادة الله، لكن هذا الفعل ينسب للإِنسان لأنّه صادر عن وجوده، وإِرادته هي التي تحدد اتجاه الفعل.

ومن هنا فإِنّنا مسؤولون عن أعمالنا، واستناد أعمالنا إِلى الله ـ بالشكل الذي أوضحناه ـ لا يسلب عنّا المسؤولية ولا يؤدي إِلى الإِعتقاد بالجبر.

وعلى هذا الأساس حين تنسب «الحسنات» و«السيئات» إِلى الله سبحانه وتعالى، فلفاعلية الله في كل شيء، وحين تنسب السيئة إِلى الإِنسان فلإِرادته وحريته في الإِختيار.

وحصيلة هذا البحث إِنّ الآيتين معاً تثبتان قضية الأمر «الأمر بين الأمرين» (تأمل بدقّة)!

3 ـ هناك تفسير ثالث للآيتين ورد فيما أثر عن أهل البيت(عليهم السلام)، وهو أنّ

[340]

المقصود من عبارة السّيئات جزاء الأعمال السيئة وعقوبة المعاصي التي ينزلها الله بالعاصين، ولما كانت العقوبة هي نتيجة لأفعال العاصين من العباد، لذلك تنسب أحياناً إِلى العباد أنفسهم وأحياناً أُخرى إِلى الله، وكلا النسبتين صحيحتان، إذ يمكن القول في قضية إِنّ القاضي هو الذي قطع يد السارق، كما يجوز أن يقال إِنّ السارق هو السبب في قطع يده لارتكابه السرقة.

* * *

[341]

الآيتان

مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَآ أَرْسَلْنَـكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً(80) وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِى تَقُولُ وَاللهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلا(81)

التّفسير

سنّة النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بمنزلة الوحي:

توضح الآية الأُولى موضع النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من الناس وحسناتهم وسيئاتهم وتؤكد أوّلا بأن إِطاعة النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) هي في الحقيقة طاعة لله: (ومن يطع الرّسول فقد أطاع الله ...) أي لا إنفصال بين طاعة الله وطاعة الرّسول، وذلك لأن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يخطو أية خطوة خلافاً لإِرادة الله ... كل ما يصدر منه من فعل وقول وتقرير إِنّما يطابق إِرادة الله سبحانه وتعالى ومشيئته.

ثمّ تبيّن إنّ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ليس مسؤولا عن الذين يتجاهلون ويخالفون أوامره، كما أنه ليس مكلّفاً بإِرغام هؤلاء على ترك العصيان، بل إِن مسؤولية النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)هي الدعوة للرسالة الإِلهية التي بعث بها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإِرشاد الضالين والغافلين تقول الآية: (ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً).

[342]

وتجدر الإِشارة هنا إِلى أن كلمة «حفيظ» صفة مشبهة باسم الفاعل، وتدل على ثبات واستمرار الصفة في الموصوف، بخلاف اسم الفاعل «حافظ»، فعبارة «حفيظ» تعني الذي يراقب ويحافظ بصورة دائمة مستمرة، ويستدل من الآية على أن واجب النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) هو قيادة الناس وهدايتهم وإِرشادهم، ودعوتهم إِلى اتّباع الحقّ واجتناب الباطل، ومكافحة الفساد، وحين يصر البعض على اتّباع طريق الباطل والإِنحراف عن جادة الحقّ، فلا النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مسؤول عن هذه الإِنحرافات، ولا المطلوب منه أن يراقب هؤلاء المنحرفين في كل صغيرة وكبيرة، كما ليس المطلوب منه(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يستخدم القوة لإِرغام المنحرفين على العدول عن انحرافهم، ولايمكنه بالوسائل العادية القيام بمثل هذه الأعمال.

وعلى هذا الأساس، فإِنّ الآية قد تكون ـ أيضاً ـ إِشارة إِلى غزوات كغزوة أُحد حيث كان النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مكلّفاً ـ فقط ـ بتجنيد الإِمكانيات المتوفرة من الناحية العسكرية في إِعداد خطة للدفاع عن المسلمين حيال هجمات الأعداء، وبديهي أن تكون إِطاعة الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الأمر إِطاعة لله، ولو افترضنا أنّ أفراداً عصوا الرّسول في هذا المجال وأدى عصيانهم إِلى تراجع المسلمين، فالعاصون ـ وحدهم ـ هم المسؤولون عن ذلك، وليس الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم).

والأمر المهم الآخر في هذه الآية هو أنّها واحدة من أكثر آيات القرآن دلالة على حجّية السنّة النّبوية الشّريفة، فهي حكم بوجوب الاذعان للأحاديث الصحيحة المروية عنه(صلى الله عليه وآله وسلم)، واستناداً إِلى هذه الآية لا يجوز لأحد القول بقبول القرآن وحده وعدم قبول أحاديث وسنّة النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّ الآية صريحة بأن إِطاعة أقوال النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأحاديثه المروية عنه بطرق صحيحة، هي بمثابة إطاعة الله.

ومن المنطلق نفسه تثبت حقيقة أُخرى، هي ضرورة إطاعة أئمة أهل بيت النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهي ما أكد عليها حديث «الثقلين» الوارد في المصادر الإِسلامية السنية والشيعية، وفيه بيّن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ صراحة ـ حجية أحاديث أئمة أهل

[343]

البيت(عليهم السلام)، ومنه نستنتج أنّ إِطاعة أوامرهم هي إِطاعة للرسول وبالنتيجة إِطاعة لله تعالى، ولما كانت أحاديث أئمة أهل البيت(عليهم السلام) بمثابة أحاديث النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلا يستطيع أحد أن يقول: إِنّي أقبل القرآن وأرفض أحاديث أهل البيت(عليهم السلام)، فذلك نقض للآية المذكورة أعلاه وللآيات المشابهة.

ولذلك نقرأ في الأحاديث التي أوردها صاحب تفسير البرهان في تفسير هذه الآية مايؤكّد هذه الحقيقة:

إِنّ الله وهب نبيّه حقّ الأمر والنهي في الآية المذكورة، والنّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بدوره وهب هذا الحق لعلي بن أبي طالب(عليه السلام) وسائر الأئمّة(عليهم السلام) من بعده، والناس ملزمون بإِطاعة أوامر هذه النخبة الطاهرة(عليهم السلام)، لأن أوامر ونواهي النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)والأئمّة من أهل بيته الكرام هي أوامر ونواهي الله، وطاعتهم طاعة لله، وهم لا يأتون بشيء من عند أنفسهم وكل ما جاؤوا به للمسلمين هو من عند الله.(1)

أمّا الآية الثّانية ففيها إِشارة إِلى وضع نفر من المنافقين أو المتذبذبين من ضعاف الإِيمان، الذين يتظاهرون حين يحضرون عند النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمين بأنّهم مع الجماعة، ويظهرون الطاعة للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ليدفعوا بذلك الضرر عن أنفسهم وليحموا مصالحهم الخاصّة، بدعوى الإِخلاص والطاعة للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)(ويقولون طاعة).

وبعد أن ينصرف الناس من عند النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ويختلي هؤلاء بأنفسهم يتجاهلون عهودهم في إطاعة النّبي ويتآمرون في ندواتهم الخاصّة ـ السرية الليلية ـ على أقوال النّبي: (فإِذا برزوا من عندك بيّت طائفة منهم غير الذي تقول ...).

نعرف من هذه الآية أنّ المنافقين في زمن الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا لا يألون جهداً في التآمر على النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكانوا يخططون في إجتماعاتهم السرّية للوقوف

____________________________

1 ـ تفسير البرهان، ج 1، ص 396.

[344]

بوجه الدعوة.

ولكن الله يأمر نبيّه بأن لا يلتفت إِلى مكائد هؤلاء، وأن لا يخافهم ولا يخشى خططهم وأن يتجنب الإِعتماد عليهم في مشاريعه، بل يتوكل على الله الذي هو خير ناصر ومعين: (فاعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا).

* * *

[345]

الآية

أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَـفاً كَثِيراً(82)

التّفسير

خلوّ القرآن من الإِختلاف دليل حي على إِعجازه:

هذه الآية تخاطب المنافقين وسائر الذين يرتابون من حقيقة القرآن المجيد، وتطلب منهم ـ بصيغة السؤال ـ أن يحققوا في خصائص القرآن ليعرفوا بأنفسهم أنّ القرآن وحي منزل، ولو لم يكن كذلك لكثر فيه التناقص والإِختلاف، وإِذا تحقق لديهم عدم وجود الإِختلاف، فعليهم أن يذعنوا أنّه وحي من الله تعالى.

والتّدبر من مادة «دبر» وهو مؤخر الشيء وعاقبته «والتدبر» المطلوب في هذه الآية هو البحث عن نتائج آثار الشيء، والفرق بين التدبر والتفكر هو أنّ الأخير يعني التحقيق في علل وخصائص الموجود، أمّا التدبر فهو التحقيق في نتائجه وآثاره.

ونستدل من هذه الآية على عدّة أُمور:

1 ـ إِنّ الناس مكلّفون بالبحث والتحقيق في أُصول الدين والمسائل المشابهة لها، مثل صدق دعوى النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وحقانية القرآن، وأن يتجنّبوا التقليد

[346]

والمحاكاة في مثل هذه الحالات.

2 ـ إِنّ القرآن ـ خلافاً لما يظن البعض ـ قابل للفهم والإِدراك للجميع، ولو كان على غير هذه الصورة لما أمر الله بالتدبر فيه.

3 ـ أحد الأدلة التي تثبت أنّ القرآن حقّ، وأنّه منزل من الله الحكيم العليم خلوه المطلق من كل تناقض أو إختلاف.

ولتوضيح هذه الحقيقة نقول:

الجوانب الروحية للإِنسان تتغير باستمرار، «قانون التكامل» ـ في الظروف العادية الخالية من الأوضاع الإِستثنائية ـ يستوعب الإِنسان وجوانبه الروحية وأفكاره، وبمرور الأيّام يتغير بموجب هذا القانون كلام الإِنسان وفكره وأحاديثه.

لو أمعنا النظر فيما يكتبه الكتاب، لما وجدنا مؤلفات الكاتب الواحد على نمط واحد، بل أن بداية كل كتاب تختلف أيضاً عن نهايته.

هذا التغيير يزداد سرعة حين يعيش الإِنسان في خضم أحداث كبرى كالتي تصاحب إِرساء قواعد ثورة فكرية وإجتماعية وعقائدية شاملة، الشخص الذي يعيش مثل هذه التحولات الإِجتماعية الكبرى لا يستطيع أن يسيطر على وحدة كلامه، ولا يمكنه أن يوجد إنسجاماً كاملا في أقواله، خاصّة إِذا كان هذا الشخص غير متعلم، وكان ناشئاً في بيئة إجتماعية متخلفة.

والقرآن كتاب نزل خلال مدّة (23) عاماً بحسب ما يحتاجه الناس من تربية وتوجيه في الظروف المختلفة، وموضوعات القرآن متنوعة، فهو لا يشبه كتاباً عادياً متخصصاً في بحث إِجتماعي أو سياسي أو فلسفي أو حقوقي أو تاريخي، بل هو يتحدث تارة عن التوحيد وأسرار الخليقة، وتارةً يطرح القوانين والأحكام والآداب والسنن، وتارةً يقص علينا أخبار الأُمم السابقة، وتارة يتناول المواعظ والنصائح والعبادات وإرتباط العبد بخالقه.

[347]

وكما يقول (غوستاف لوبون): القرآن ـ كتاب المسلمين السماوي ـ لا يقتصر على التعاليم الدينية، بل يتناول ـ أيضاً ـ الأحكام السياسية والإِجتماعية للمسلمين.

مثل هذا الكتاب ـ بهذه الخصائص ـ لا يمكن أن يكون ـ عادة ـ خالياً من التناقض والتضاد والإِختلاف والتأرجح، أمّا حين نرى هذا الكتاب ـ مع كل ذلك ـ متناسقاً متوازناً في آياته خالياً من كل تضاد وإختلاف نستطيع أن نفهم ـ بوضوح ـ أنّ هذا الكتاب ليس وليد فكر بشري، بل هو من قبل الله تعالى، كما تذكر الآية الكريمة أعلاه.

* * *

[348]

الآية

وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الاَْمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِى الاَْمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْ لاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَـنَ إِلاَّ قَلِيلا(83)

التّفسير

نشر الإِشاعات:

تشير هذه الآية إِلى حركة منحرفة أُخرى من حركات المنافقين أو ضعاف الإِيمان، تتمثل في سعيهم إِلى تلقف أي نبأ عن إنتصار المسلمين أو هزيمتهم، وبثّه بين الناس في كل مكان، دون التحقيق والتدقيق في أصل هذا النبأ أو التأكد من مصدره، وكان الكثير من هذه الأنباء لا يتعدى إِشاعةً عمد أعداء المسلمين إِلى بثّها لتحقيق أهدافهم الدنيئة وليسيئوا إِلى معنويات المسلمين ويضروا بهم، (وإِذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به..).

بينما كان من واجب هؤلاء أن يوصلوا هذه الأخبار إِلى قادتهم كي يستفيدوا من معلومات هؤلاء القادة وفكرهم ولكي يتجنبوا دفع المسلمين إِلى حالة من الغرور حيال إنتصارات خيالية وهمية، أو إِلى إضعاف معنوياتهم بإِشاعة أنباء عن هزيمة لا حقيقة لها، (ولو ردّوه إِلى الرّسول وإِلى أُولي الأمر منهم لعلمه الذين

[349]

يستنبطونه منهم ...).

«يستنبطونه» من مادة «نبط» التي تعني أوّل ما يستخرج من ماء البئر أو الينبوع، والإِستنباط استخراج الحقيقة من الأدلة والشواهد والوثائق، سواء كانت العملية في الفقه أو الفلسفة أو السياسة أو سائر العلوم.

(أُولي الأمر) في الآية هم المحيطون بالأُمور القادرون على أن يوضحوا للناس ما كان حقيقياً منها وما كان إِشاعة فارغة. وهم النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وخلفاؤه من أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) بالدّرجة الأُولى.

ويأتي من بعدهم العلماء المتخصصون في هذه المسائل.

روي عن الإِمام محمّد بن علي الباقر(عليه السلام) في تفسير (أُولي الأمر) في هذه الآية قال: «هم الأئمّة» كما في تفسير نور الثقلين، وهناك روايات أُخرى أيضاً في هذا المجال بنفس المضمون.

ولعل هناك من يعترض على هذه الرّوايات قائلا: إِنّ الأئمّة من أهل البيت(عليهم السلام) لم يكونوا موجودين في زمن نزول هذه الآية، ولم يتعين أحد منهم في ذلك الوقت بمنصب الإِمامة أو الولاية، فكيف يمكن القول بأنّهم هم المعنيون بهذه الآية؟

والجواب على هذا الإِعتراض: هو أنّ هذه الآية مثل سائر الآيات القرآنية الاُخرى لا تقتصر على زمن الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فقط، بل تحمل حكماً عاماً يشمل كل الأزمنة والقرون التالية لمواجهة الإِشاعات التي يبثّها الأعداء أو البُسطاء من المسلمين بين الأُمّة.

أضرار إختلاق الإِشاعة ونشرها:

لقد اُبتليت المجتمعات البشرية وعانت الكثير من المصائب والنكبات الرهبية، بسبب بروز ظاهرة إختلاق الإِشاعة ونشرها بين الأفراد حيث كانت تؤثر تأثيراً سلبياً كبيراً على معنويات أفراد المجتمع، وتضعف فيهم الروح الإِجتماعية وروح التفاهم والتعاون بين أبناء المجتمع الواحد.

[350]

وتبدأ الإِشاعة بأن يختلق منافق كذبة، ثمّ ينشرها بين أفراد مغرضين أو بسطاء، ليقوموا بدورهم بالترويج لها بين أبناء المجتمع دون التحقيق فيها، بل يهولونها ويفرعونها ممّا يؤدي إِلى استنزاف مقدار كبير من طاقات الناس وأفكارهم وأوقاتهم، وإِلى إِثارة القلق والإِضطراب بينهم، وكثيراً ما تؤدي الإِشاعة إِلى زعزعة الثقة بين أفراد المجتمع، وتؤدي إِلى خلق حالة من اللامبالاة والتردد في أداء المسؤوليات.

ومع أنّ بعض المجتمعات التي تعاني من الكبت والإِرهاب تعمد إِلى الإِشاعة كأُسلوب من الكفاح السلبي، إنتقاماً من الحكومات الطاغية الجائرة، فالإِشاعة بحدّ ذاتها تعتبر خطراً كبيراً على المجتمعات السليمة، فإِذا إتجهت الإِشاعة إِلى الأفراد الكفوئين من المفكرين والخبراء والعاملين في المرافق الهامّة للمجتمع، فإِنّها ستؤدي إِلى حالة من البرود في نشاطات هؤلاء، وقد تصادر مكانتهم الإِجتماعية، وتحرم المجتمع من خدماتهم.

من هنا كافح الإِسلام بشدة «إختلاق الإِشاعات» والإِفتراء والكذب والتهمة، مثل ما حارب نشر الإِشاعات كما في هذه الآية.

وتؤكد الآية في ختامها على أنّ الله قد صان المسلمين بفضله ولطفه وكرمه من آثار إِشاعات المنافقين والمغرضين وضعاف الإِيمان، وأنقذهم من نتائجها وعواقبها الوخيمة، ولولا الإِنقاذ الإِلهي ما نجى من الإِنزلاق في خط الشيطان إِلاّ قليلا: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتّبعتم الشيطان إِلاّ قليلا) أي أنّ النّبي وأصحاب الرأي والعلماء المدققين هم وحدهم القادرون على أن يكونوا مصونين من وساوس الشائعات ومشيعيها، أمّا أكثرية المجتمع فلابدّ لها من القيادة السليمة لتسلم من عواقب اختلاق الشائعات ونشرها(1).

* * *

____________________________

1 ـ يتبيّن ممّا قلناه أن عبارة «إِلاّ قليلا» هي إستثناء من ضمير «اتبعتم» ولا يوجد في الآية تقديم أو تأخير (تأمل بدقّة).




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (90)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (4)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (6)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 191

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 7951639

  • التاريخ : 26/08/2019 - 07:42

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net