00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة طه من أول السورة ـ آية 41 من ( ص 519 ـ نهاية الجزء التاسع )  

القسم : في تفسير القرآن   ||   الكتاب : الامثل في تفسير كتاب الله المنزل ( الجزء التاسع )   ||   تأليف : سماحة آية الله العظمى الشيخ مكارم الشيرازي

[519]

 

                                                سُورَة طـه

                                                     مكّية

                                    وعَدَدُ آيَاتِها مائة وخمس وثلاثونَ آية

[521]

 

«سورة طه»

فضل سورة طه

وردت روايات عديدة حول عظمة وأهمية هذه السورة في المصادر الإِسلامية.

فعن النّبي الأكرم الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إِن الله تعالى قرأ طه ويس قبل أن يخلق آدم بألفي عام، فلمّا سمعت الملائكة القرآن قالوا: طوبى لأُمّة ينزل هذا عليها، وطوبى لأجواف تحمل هذا، وطوبى لألسن تكلّم بهذا»(1).

وفي حديث آخر عن الإِمام الصادق(عليه السلام): «لا تدعوا قراءة سورة طه، فإنّ الله يحبّها، ويحبّ من قرأها، ومن أدمن قراءتها أعطاه الله يوم القيامة كتابه بيمينه، ولم يحاسبه بما عمل في الإِسلام، وأعطي في الآخرة من الأجر حتى يرضى»(2).

وفي حديث آخر عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «من قرأها أعطي يوم القيامة ثواب المهاجرين والأنصار»(3).

ونرى من اللازم أن نكرر هذه الحقيقة، وهي أنّ كل هذه المكافئات والهبات العظيمة التي وصلت إِلينا عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة(عليهم السلام) مقابل تلاوة سور القرآن،  لا تعني ولا تريد أن كل هذه النتائج تعود على الإِنسان بالتلاوة فقط، بل المراد أن

____________________________

1 ـ مجمع البيان، الجزء 7، ص 1.

2 ـ تفسير النور الثقلين، الجزء 3، ص 367.

3 ـ مجمع البيان، ج 7، ص 1.

[522]

تكون التلاوة مقدمة للتفكر والتدبر، التفكر الذي تتجلى آثاره في كل أعمال وأقوال الإِنسان، وإِذا أخذنا المحتوى الإِجمالي لهذه السورة بنظر الإِعتبار، فإِننا سنرى أنّ للرّوايات تناسباً كاملا مع محتوى هذه السورة.

محتوى السّورة

إنّ سورة (طه) برأي جميع المفسّرين نزلت في مكّة، وأكثر ما يتحدث محتواها عن المبدأ والمعاد كسائر السور المكّية، ويذكر نتائج التوحيد وتعاسات الشرك.

في القسم الأوّل، تشير هذه السورة إِشارة قصيرة إِلى عظمة القرآن، وبعض صفات الله الجلالية والجمالية.

أمّا قسم الثّاني الذي يتضمّن أكثر من ثمانين آية ـ فيتحدث عن قصة موسى(عليه السلام)، من حين بعثته، إِلى نهوضه لمقارعة فرعون الجبار وأعوانه، إِلى مواجهه السحرة وإِيمانهم. ثمّ إِغراق الله فرعون وأتباعه بصورة إِعجازية، ونجاة موسى والذين آمنوا به.

ثمّ تبيّن حادثة عبادة بني إِسرائيل للعجل، والمواجهة بين هارون وموسى وبين بني إِسرائيل.

وفي القسم الثّالث جاءت بعض المسائل حول المعاد، وجانب من خصوصيات القيامة.

وفي القسم الرّابع الحديث عن القرآن وعظمته.

وفي القسم الخامس تصف الآيات قصّة آدم وحواء في الجنّة، ثمّ حادثة وسوسة إِبليس، وأخيراً هبوطهما إِلى الأرض.

وفي القسم الأخير، تبيّن السورة المواعظ والنصائح، لكل المؤمنين، مع توجيه الخطاب في كثير من الآيات إِلى نبي الإِسلام(صلى الله عليه وآله وسلم).

* * *

[523]

الآيات

طه(1) مَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى(2) إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى(3) تَنزِيلا مِّمَّنْ خَلَقَ الأَْرْضَ وَالسَّمَوتِ الْعُلَى(4)الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى(5) لَهُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الأَْرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى(6) وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى(7) اللَّهُ لآَ إِلهَ إِلاَّ هَوَ لَهُ الأَْسْمَآءُ الْحُسْنَى(8)

سبب النّزول

وردت روايات كثيرة في سبب نزول الآيات الأُولى من هذه السورة، يستفاد من مجموعها أنّ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد نزول الوحي والقرآن كان يعبد الله كثيراً، وخاصّة أنّه كان يكثر القيام والوقوف في العبادة حتى تورمت قدماه، وكان من شدّة التعب أحياناً يستند في وقوفه على أحدى قدميه، ثمّ يستند على الأُخرى حيناً آخر، وحيناً على كعب قدمه، وآخر على أصابع رجله(1)، فنزلت الآيات المذكورة وأمرت النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن لا يحمل نفسه كل هذا التعب والمشقّة.

____________________________

1 ـ لمزيد الإِطلاع على هذه الرّوايات، راجع: تفسير نور الثقلين، والدر المنثور، بداية سورة طه.

[524]

التّفسير

لا تجهد نفسك إِلى هذا الحد:

مرّة أُخرى نواجه الحروف المقطعة في بداية هذه السورة، والتي تثير حبّ الاستطاع لدى الإِنسان :

لقد بحثنا في تفسير الحروف المقطعة في القرآن في بداية ثلاث سور بحثاً كافياً(1)، غير أنّنا نرى أن من اللازم أن نضيف هنا هذا المبحث، وهو أن من الممكن أن يكون لكل هذه الحروف المقطعة ـ أو على الأقل لقسم منها ـ معان ومفاهيم خاصّة، تماماً كالكلمة الواحدة التي تتضمّن محتوى معيناً.

إِنّنا نلاقي في كثير من الرّوايات وكلمات المفسّرين في بداية هذه السورة وسورة «يس» هذا البحث، وهو أن «طه» تعني: يا رجل، ونرى كلمة «طه» في بعض شعر العرب أيضاً، ولها معنى شبيه بـ (يا رجل) أو قريب منه، ويمكن أن تعود هذه الأشعار إِلى بداية ظهور الإِسلام، أو إِلى ما قبل الإِسلام(2).

وقد نقل لنا أحد المطلعين أن بعض علماء الغرب الملمين بالدراسات الإِسلامية، يعممون هذه النظرية على كل الحروف المقطعة في القرآن، ويعتقدون أن الحروف المقطعة في بداية كل سورة هي كلمة لها معنى خاص، أصبح بعضها متروكاً مع مرور الزمن، ووصل إِلينا البعض، وإِلاّ فإنّ من المستبعد أن مشركي العرب يسمعون الحروف المقطعة ولا يفهمون منها شيئاً، ولا يدركون لها معنى، ثمّ لا نراهم يسخرون ولا يستهزؤون منها، في حين أنّه لا يُرى ولا يلاحظ في أي من التواريخ أنّ هؤلاء الحمقى المتتبعين للعيوب والهفوات قد اتخذوا الحروف المقطعة وسيلة للقيام بردود فعل ضدها وضد الإِسلام.

وطبعاً من الصعب قبول هذا الرأي بصورة عامّة، وبالنسبة إِلى كل حروف

____________________________

1 ـ بداية سورة البقرة وآل عمران والأعراف من التّفسير الأمثل.

2 ـ تفسير مجمع البيان، ذيل الآية مورد البحث.

[525]

القرآن المقطعة، إِلاّ أنّه يمكن قبوله في البعض منها، وقد بُحث هذا الموضوع أيضاً في الكتب الإِسلامية.

وممّا يلفت النظر، وهو أنّنا نقرأ في حديث عن الإِمام الصادق(عليه السلام): «إِنّ طه من أسماء النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومعناه: يا طالب الحق الهادي إِليه» ويظهر من هذا الحديث أنّ طه مركب من حرفين رمزيين، فالطاء إِشارة إِلى طالب الحق، والهاء إِلى الهادي إِليه، ونحن نعلم أن استعمال الحروف الرمزية وعلامات الإِختصار فيما مضى وفي يومنا هذا أمر طبيعي وكثير الإِستعمال، خاصّة في عصرنا الحاضر فإنّه كثير التداول والإِستعمال جدّاً.

وآخر كلام في هذا الباب هو أنّ (طه) كـ (يس) قد أصبحت تدريجياً وبمرور الزمان اسماً خاصاً للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، حتى أنّهم يسمون آل النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) آل طه أيضاً، وعُبِّر عن الإِمام المهدي عجل الله فرجه في دعاء الندبة بـ (يا بن طه).

ثمّ تقول الآية: (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) فصحيح أن العبادة والتقرب إِلى الله عن طريق مناجاته من أفضل العبادات، إِلاّ أنّ لكل عمل حساباً ومقداراً، وللعبادة أيضاً مقدارها، فلا يجب أن تجهد نفسك بالعبادة حتى تتورم قدماك، وبالتالي ستضعف قوتك وتعجز عن التبليغ والجهاد.

وينبغي الإِلتفات إِلى أن «تشقى» مأخوذة من مادة الشقاء ضد السعادة، إِلاّ أنّ هذه المادة، وكما يقول الراغب في المفردات، تأتي أحياناً بمعنى المشقّة والتعب، والمراد في الآية هذا المعنى، كما يحكون ذلك أيضاً في أسباب النّزول.

ثمّ تبيّن الآية الأُخرى الهدف من نزول القرآن فتقول: (إِلاّ تذكرة لمن يخشى). إِنّ التعبير بـ «تذكرة» من جهة، وبـ «من يخشى» من جهة أُخرى يشير إِلى واقع  لا يمكن إِنكاره، وهو: إِن التذكرة توحي بأن أسس ومقومات كل التعليمات الإِلهية موجودة في أعماق روح الإِنسان وطبيعته، وتعليمات الأنبياء تجعلها مثمرة، وتوصلها إِلى حد النضج، كما نذكّر أحياناً بمطلب وأمر ما.

[526]

لا نقول: إِنّ الإِنسان كان يعلم كل العلوم من قبل وزالت من ذاكرته، وإن أثر التعليم في هذا العالم هو التذكير فحسب ـ كما ينقلون ذلك عن أفلاطون ـ بل نقول: إِنّ مادتها الأصلية قد أخفيت في طينة الآدمي (دققوا ذلك).

إِنّ تعبير «من يخشى» يبيّن أن نوعاً من الإِحساس بالمسؤولية، والذي سمّاه القرآن بالخشية، إِذا لم يكن موجوداً في الإِنسان، فسوف لا يقبل الحقائق، لأنّ قابلية القابل شرط في حمل ونمو كل بذرة وحبة. وهذا التعبير في الحقيقة شبيه بما نقرؤه في أوّل سورة البقرة: (هدى للمتقين).

ثمّ تتطرق الآيات إِلى التعريف بالله تعالى المنزل للقرآن، لتتضح عظمة القرآن من خلال معرفته، فتقول: (تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى)(1).

إِنّ هذا التعبير في الحقيقة إِشارة إِلى ابتداء وانتهاء نزول القرآن، انتهاؤه إِلى الأرض وابتداؤه من السماوات، وإِذا لم تُصف هنا كلمة «وما بينهما» ـ كما في بعض الآيات الأُخرى من القرآن ـ فربّما كان لهذا السبب، وهو أنّ الهدف كان بيان الإِبتداء والإِنتهاء.

على كل حال، فإِنّ من المعلوم أنّ الله الذي عمت قدرته وتدبيره وحكمته كل أرجاء الأرض السماء، إِذا أنزل كتاباً، فكم سيكون غني المحتوى، وجنيّ الثمر؟!

ثمّ تستمر في تعريف الله المنزل للقرآن فتقول: (الرحمن على العرش استوى) وكما قلنا سابقاً في تفسير الآية: (ثمّ استوى على العرش)(2)، فإِنّ كلمة عرش تقال للشيء الذي له سقف، وأحياناً تطلق على نفس السقف، أو على الأسرة المرتفعة القوائم كأسرة وكراسي السلاطين، وفي قصة سليمان نقرأ:

____________________________

1 ـ هناك بحث بين المفسّرين في محل (تنزيلا) من الإِعراب، غير أن الأصح أنّها مفعول مطلق لفعل مجهول محذوف، وكان التقدير: نُزل تنزيلا ممن خلق الأرض.

2 ـ الأعراف، 54.

[527]

(أيّكم يأتيني بعرشها)(1).

من البديهي أنّ الله سبحانه ليس له عرش، ولا محكومة كحكام البشر، بل المراد من عرش الله كل عالم الوجود الذي يعتبر عرشه، وبناء على هذا فإنّ قوله تعالى: (استوى على العرش) كناية عن تسلط الله، وإحاطته الكاملة بعالم الوجود، ونفوذ أمره وتدبيره في جميع أنحاء العالم.

وأساساً فإنّ كلمة «عرش» في لغة العرب، كناية عن القدرة غالباً، فنقول مثلا: إِن فلاناً قد أنزلوه من العرش، أو أزاحوه عنه، فهذا يعني أنّهم قد أنهوا حكمه وقدرته، أو نقول: ثل عرشه.

وعلى كل حال، فإنّ من السخف أن يتوهم الإِنسان من هذا التعبير جسمية الله سبحانه.

ثمّ تتحدث عن مالكية الله بعد حاكميته فتقول: (له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى).

«الثرى» في الأصل بمعنى التراب الرطب، ولما كانت قشرة الأرض ـ فقط ـ هي التي تجف نتيجة لأشعة الشمس وهبوب الرياح، وتبقى الطبقة السفلى ـ غالباً ـ رطبة، فإنّه يقال لهذه الطبقة: ثرى، وعلى هذا فإن (وما تحت الثرى) تعني أعماق الأرض وجوفها، وكلها مملوكة لمالك الملك وخالق عالم الوجود.

إِلى هنا بُينت ثلاثة أركان من أركان صفات الله: الركن الأوّل: «خالقيته»، والثّاني: «حاكميته»، والثّالث: «مالكيته».

وأشارت الآية التالية إِلى الرّكن الرّابع، أي: «العالمية»، فقالت: (وإِن تجهر بالقول فإنّه يعلم السر وأخفى). وهناك نقاش وبحث بين المفسّرين في المراد من «أخفى» هنا:

فذهب بعضهم إِلى أنّ السر هو أن يتحدث إِنسان مع آخر بصورة خفية،

____________________________

1 ـ النمل، 38.

[528]

وأخفى: هو أن يحتفظ الإِنسان بذلك القول والأمر في قلبه ولا يحدث به أحداً.

وذهب آخرون: إن «السر» هو ما أضمره الإِنسان في قلبه، و«أخفى» هو الذي لم يخطر على باله، إِلاّ أنّ الله سبحانه مطلع عليه وعالم به.

وقال ثالث: إِنّ «السر» هو ما يقوم به الإِنسان من عمل في الخفاء، وأخفى: هي النية التي في قلبه.

وقال رابع: إِن (السر) يعني أسرار الناس، و(أخفى) هي الأسرار التي في ذات الله المقدسة.

في حديث عن الإِمامين الباقر والصادق(عليهما السلام): «السر ما أخفيته في نفسك، وأخفى ما خطر ببالك ثمّ أُنسيته»(1). إِنّ هذه الحديث يمكن أن يكون إِشارة إِلى أن ما يتعلمه الإِنسان يودع في مخزن الحافظة، غاية الأمر أن ارتباط الإِنسان قد ينقطع أحياناً مع زاوية من هذا المخزن، فتنتج حالة النسيان، ولذلك فإنّه إِذا ما تذكر ذلك المنسي بطريقة ما، فسيرى هذا المطلب واضحاً ومعروفاً لديه، وبناء على هذا فإن ما ينساه الإِنسان هو أخفى أسراره التي أُخفيت في زوايا الحافظة، وقُطع ارتباطه بها بصورة مؤقتة، أو دائمة.

ولكن لا مانع على كل حال من أن تُجمع كل هذه التفاسير التي ذكرت أعلاه في مفهوم الكلمة ومعناها الواسع. وعلى هذا فقد رُسمت صورة واضحة عن علم الله اللامتناهي، وعرف مُنزل القرآن من مجموع الآيات أعلاه معرفة إِجمالية في الأبعاد الأربعة: الخلقة، والحكومة، والمالكية، والعلم.

والآية التالية ربّما تشير إِلى ما ذكرنا: (الله لا إله إلاّ هو له الأسماء الحسنى). وكما قلنا في تفسير الآية (80) من سورة الأعراف، فإنّ التعبير بالأسماء الحسنى قد ورد مراراً وتكراراً في الآيات القرآنية، وفي كتب الحديث ومن البديهي أن كل أسماء الله حسنة، ولكن لما كانت لبعض أسماء الله وصفاته أهمية أكبر، فقد

____________________________

1 ـ مجمع البيان، ذيل الآيه مورد البحث.

[529]

سمّيت بالأسماء الحسنى.

ونقرأ في كثير من الرّوايات التي وصلتنا عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة(عليهم السلام) أن لله (99) إسماً، وكل من دعاه بهذه الأسماء يستجاب دعاؤه، وكل من أحصاها فهو من أهل الجنّة. ويلاحظ هذا المضمون أيضاً في مراجع الحديث المعروفة عند أهل السنة أيضاً.

ويبدو أنّ المراد من إِحصاء هذه الأسماء هو التخلق بصفاتها، لا مجرّد ذكر ألفاظها، ولا شك أن من تخلق بصفة العالم والقادر، أو الرحيم والغفور وأمثالها، وسطعت في وجوده أشعة وقبسات من هذه الصفات الإِلهية العظيمة، فإنّه من أهل الجنة، وممن يستجاب دعاؤه.

ولمزيد الإِيضاح راجع الآية (180) من سورة الأعراف من هذا التّفسير.

* * *

[530]

الآيات

وَهَلْ أَتَـكَ حَدِيثُ مُوسَى(9) إِذْ رَءَا نَاراً فَقَالَ لأَِهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّى ءَانَسْتُ نَارَاً لَّعَلِّى ءَاتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَس أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً(10) فَلَمَّآ أَتَـهَا نُودِىَ يـمُوسَى(11) إِنِّى أَنَاْ رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً(12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى(13) إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ لآَ إِلَـهَ إِلآَّ أَنَا فَاعْبُدْنِى وَأَقِمِ الصَّلَـوةَ لِذِكْرِى(14) إِنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْس بِمَا تَسْعَى(15) فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى(16)

التّفسير

نار في الجانب الآخر من الصحراء!

من هنا تبدأ قصّة نبي الله الكبير موسى(عليه السلام)، وتفصيل الجوانب المهمّة من هذه القصة المليئة بالأحداث سيأتي في أكثر من ثمانين آية، لتكون تهدئة ومواساة وتسلية لخاطر النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين الذين كانوا يعانون خلال تلك الفترة في

[531]

مكّة ضغوطاً شديدةً من الأعداء، ليعلموا أن هذه القوى الشيطانية لا طاقة لها في مقاومة قدرة الله، وأنّ كل هذه الخطط والمؤامرات رسم على الماء.

وكذلك ليعتبروا بهذه الواقعة المليئة بالعبر والمواعظ، ويستمروا في طريقهم في توحيد الله وعبادته، ومحاربة فراعنة وسحرة كل عصر وزمان، وكذلك مجاهدة الإِنحرافات الداخلية والرغبات المنحرفة .. تلك العبر التي تستطيع أن يكون دليلا ومرشداً لهم في مسيرتهم الجهادية.

ويمكن تقسيم مجموع الآيات التي تحدثت عن موسى وبني إِسرائيل والفراعنة في هذه السورة إِلى أربعة أقسام:

القسم الأوّل: يتحدث عن بدايه نبوة موسى وبعثته، وأوّل ومضات الوحي، وبتعبير آخر: فإنّ البحث يدور حول مرحلة قصيرة المدة غنية المحتوى وقضاها موسى في الوادي المقدس في تلك الصحراء المظلمة المقفرة.

القسم الثّاني: يتحدث عن دعوة موسى وأخيه هارون لفرعون ـ وملئه ـ إِلى دين التوحيد، ثمّ اشتباكهما بالأعداء.

القسم الثّالث: يبحث عن خروج موسى وبني إِسرائيل من مصر، وكيفية نجاتهم من قبضة فرعون وأتباعه، وغرق هؤلاء وهلاكهم.

القسم الرّابع: ويتحدث حول الإِتجاهات الإِنحرافية الشديدة لبني إِسرائيل عن دين التوحيد إِلى الشرك، وقبول وساوس السامري، ومواجهة موسى الحازمة لهذا الإِنحراف.

ونعود الآن إِلى الآيات مورد البحث، والتي ترتبط بالقسم الأوّل. فهذه الآيات تقول بتعبير رقيق وجذاب: (وهل أتاك حديث موسى)؟ ومن البديهي أن هذا الإِستفهام ليس هدفه تحصيل الخبر، فهو سبحانه مطلع على جميع الأسرار، بل هو «استفهام تقريري»، وبتعبير آخر فإنّ هذا الإِستفهام، مقدمة لبيان خبر مهم، كما نقول في مكالماتنا اليومية حينما نريد أن نبدأ بذكر خبر مهم: أسمعت هذا

[532]

الخبر الذي ...؟

ثمّ تقول: (إِذا رأى ناراً فقال لأهله امكثوا إِنّي أنست ناراً لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى) فبملاحظة أن «القبس» يعني الشعلة القليلة التي تؤخذ من النار، وبملاحظة أن مشاهدة النار في الصحاري تدل عادة على أن جماعة قد اجتمعوا حولها، أو أنّهم وضعوها على مرتفع حتى لا تضل القوافل الطريق في الليل، وأيضاً بملاحظة أن «مكثوا» ـ من مادة مكث ـ تعني التوقف القصير، فمن مجموع هذه التعابير يستفاد أن موسى وزوجته وابنه كانوا يقطعون الصحراء في ليلة ظلماء .. ليلة كانت مظلمة وباردة كان موسى قد ضل الطريق فيها، فجلبت انتباهه شعلة نار من بعيد، وبمجرد رؤيتها قال لأهله: قفوا هنا قليلا فقد رأيت ناراً سأذهب إِليها حتى آتيكم منها بقبس، أو أجد الطريق بواسطة النار أو من اجتمع حولها.

ونقرأ في التواريخ أنّ موسى(عليه السلام) عندما انتهت مدّة عقده مع «شعيب» في «مدين»، حمل زوجته وابنه وأغنامه وسار من مدين إِلى مصر، فضلّ الطريق، وكانت ليلة مظلمة، فتفرقت أغنامه في الصحراء، فأراد أن يشعل ناراً في ذلك الليل البارد ليتدفأ هو وأهله، وحاول إشعال النار فلم يفلح، وفي هذه الأثناء عصفت بزوجته آلام الوضع!

لقد حاصره سيل من الحوادث الصعبة .. وفي هذه الأثناء لاح لعينيه ضياء من بعيد، إِلاّ أنّه لم يكن ناراً، بل كان نوراً إِلهياً، وظن موسى أنّه نار، فسعى نحوها علّه يجد من يهديه في تلك الصحراء إِلى الطريق، أو يأخذ لأهله جذوة منها(1).

والآن لنسمع بقية الحادثة من القرآن الكريم:

(فلمّا أتاها نودي يا موسى إنّي أنا ربّك فاخلع نعليك إِنّك بالواد المقدس طوى). ويستفاد من الآية (30) من سورة القصص، أن موسى قد سمع هذا النداء

____________________________

1 ـ مجمع البيان، ذيل الآية مورد البحث.

[533]

من جهة شجرة كانت هناك: (نودي من شاطىء الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إِني أنا الله رب العالمين) يستفاد من مجموع هذين التعبيرين أن موسى لما اقترب شاهد النار في داخل الشجرة ـ ويقول المفسّرون أنّها كانت شجرة العناب ـ وهذا بنفسه كان قرينة واضحة على أن هذه النار ليست ناراً عادية، بل إِنّ هذا النور الإِلهي الذي ليس لم يحترق الشجرة وحسب، بل إِنّه منسجم معها ومعروف، ألا وهو نور الحياة!

وقد هام موسى لدى سماعه هذا النداء المحيي للروح: (إِنّي أنا ربّك)وأحاطت بكل وجوده لذة لا يمكن وصفها، فمن هذا الذي يتحدث معي؟ إنّه ربّي الذي جللني بالفخر الكلمة (ربّك) ليُعْلمني بأنّي قد تربيت وترعرعت منذ نعومة أظفاري وإِلى الآن في ظل رحمته وعنايته، وأصبحت مهيئاً لرحمة عظيمة.

لقد أُمر أن يخلع نعليه، لأنّه قد وضع قدمه في أرض مقدسة .. الأرض التي تجلى فيها النور الإِلهي، ويسمع فيها نداء الله، ويتحمل مسؤولية الرسالة، فيجب أن يخطو في الأرض بمنتهى الخضوع والتواضع، وهذا هو سبب خلعه النعل عن رجله.

بناء على هذا، فإنّ البحث المفصل الذي بحثه بعض المفسّرين حول خلع النعل ـ ونقلوا أقوالا عن المفسّرين ـ يبدو زائداً. طبعاً لقد نقلت روايات في باب تأويل هذه الآية سنبحثها في مقطع البحوث.

إِنّ التعبير بـ (طوى) إِمّا لأنّ اسم تلك الأرض كان أرض طوى، كما قال ذلك أغلب المفسّرين، ولأن «طوى» في الأصل بمعنى الإِحاطة، وهنا كناية عن أن البركات المعنوية التي أحاطت هذه الأرض من كل جانب، ولهذا عُبر عنها في الآية (30) من سورة القصص بأنّها «البقعة المباركة».

ثمّ سمع هذا الكلام من نفس المتكلم: (وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى)ومن بعدها تلقى موسى أوّل جمله من الوحي على شكل ثلاثة أُمور: (إِنّني أنا

[534]

الله لا إِله إِلاّ أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري) شرعت هذه الآية في بيان أهم أصل لدعوة الأنبياء في هذه الآية، ألا وهو مسألة التوحيد، وبعدها ذكرت موضوع عبادة الله الواحد كثمرة لشجرة الإِيمان والتوحيد، ثمّ أصدرت له أمر الصلاة بعد ذلك، وهي تعني أكبر عبادة وأهم ارتباط بين الخلق والخالق، وأكثر الطرق تأثيراً في عدم الغفلة عن الذات المقدسة.

إِنّ هذه الأوامر الثلاثة، مع أمر الرسالة الذي ورد في الآية السابقة، ومسألة المعاد التي تأتي في الآية التالية، تشكّل مجموعة كامله ومضغوطة من أصول الدين وفروعه، وتكملها بالأمر بالإِستقامة الذي سيأتي في آخر الآيات مورد البحث.

ولما كان المعاد هو الأصل والأساس الثّاني، فبعد ذكر التوحيد وأغصانه وفروعه، أضافت الآية التالية: (إِنّ الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تعسى).

في هذه الجملة نقطتان يجب الإِلتفات إِليهما:

الأُولى: إن معنى جملة (أكاد أخفيها): يقرب أن أخفي تاريخ قيام القيامة، ولازم هذا التعبير أنّي لم أخفه من قبل، ونحن نعلم بصريح كثير من آيات القرآن، أن أحداً لم يطلع على تاريخ القيامة، كما في الآية (187) من سورة الأعراف حيث نقرأ: (يسألونك عن الساعة أيّان مرساها قل إِنّما علمها عند ربّي).

لقد بحث المفسّرون هذا الموضوع، فالكثير منهم يعتقد أن هذا التعبير نوع من المبالغة ومعناه: إِن وقت بدء وقيام القيامة مخفي ومجهول إِلى الحد الذي أكاد أخفيه حتى عن نفسي. وقد وردت في هذا الباب رواية أيضاً، ويحتمل أن هذه الفئة من المفسّرين قد اقتبسوا رأيهم من تلك الرّواية.

والتّفسير الآخر هو أن مشتقات (كاد) لا تعني دائماً الإِقتراب، بل تأتي أحياناً بمعنى التأكيد، ولذلك فإِنّ بعض المفسّرين فسر (أكاد) بـ (أريد) وقد جاء

[535]

هذا المعنى صريحاً في بعض متون اللغة(1).

والنقطة الأُخرى: إِنّ علّة إِخفاء تاريخ القيامة حسب الآية، هي: (لتجزى كل نفس بما تسعى) وبتعبير آخر: فإِنّ كون الساعة مخفية سيوجد نوعاً من حرية العمل للجميع. ومن جهة أُخرى فإِن وقتها لما لم يكن معلوماً بدقة، ويحتمل أن يكون في أي وقت وساعة، فإِنّ نتيجة هذا الخفاء هي حالة الإِستعداد الدائم والتقبل السريع للبرامج التربوية، كما قالوا في فلسفة إِخفاء ليلة القدر: إِن المراد أن يحيى الناس كل ليالي السنة، أو كل ليالي شهر رمضان المبارك، ويتوجهوا إِلى الله سبحانه.

وأشارت الآية الأخيرة إِلى أصل اساس يضمن نتفيذ كل البرامج العقائدية والتربوية، فتقول: (فلا يصدنّك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه) والاّ فسوف ثملك (فتردى) فاصمد في مقابل الكافرين ووساوسهم وعراقيلهم، ولا تدع للخوف من كثرتهم و مؤامرتهم وخططهم الخبيثة إِلى قبلك سبيلا، ولا تشك مطلقاً في أحقية دعوتك وأصالة دينك نتيجة هذه الضوضاء.

الملفت للنظر أنّ جملة «لا يؤمن» وردت هنا بصيغة المضارع، وجملة «واتبع هواه» بصيغة الماضي، وهي في الحقيقة إِشارت إِلى هذه النكتة، وهي أن عدم إِيمان منكري القيامة ينبع من أتباع هوى النفس، فهم يريدون أن يكونوا أحراراً ويفعلون ما تشتهي أنفسهم، فأي شيء أحسن من أن ينكروا القيامة حتى لا تُخدش حرية ميولهم وأهوائهم!

* * *

____________________________

1 ـ نقرأ في قاموس اللغة، مادة كاد: وتكون بمعنى أراد، أكاد أخفيها: أريد.

[536]

بحوث

1 ـ المراد من قوله تعالى: ( فاخلع نعليك)

وكما قلنا، فإِن ظاهر الآية أنّ موسى(عليه السلام) قد أمر بخلع نعليه احتراماً لتلك الأرض المقدسة، وأن يسير بكل خضوع وتواضع في ذلك الوادي ليسمع كلام الحق، وأمر الرسالة.

إِلاّ أنّ بعض المفسّرين قالوا تبعاً لبعض الرّوايات: إِنّ سبب ذلك هو أن جلد ذلك النعل كان من جلد حيوان ميت.

إِنّ هذا الكلام إِضافة إِلى أنّه يبدو بعيداً بحد ذاته، لأنّه لا دليل على أن موسى(عليه السلام) كان يستعمل مثل هذه الجلود والنعال الملوثة، فإِن الرّواية التي رويت عن الناحية المقدسة، صاحب الزمان ـ أرواحنا له الفداء ـ تنفي هذا التّفسير نفياً شديداً(1). ويلاحظ في التوراة الحالية أيضاً، سفر الخروج، الفصل الثّالث، نفس التعبير الذي يوجد في القرآن.

البعض الآخر من الرّوايات يشير إِلى تأويل الآية وبطونها: «فاخلع نعليك: أي خوفيك: خوفك من ضياع أهلك، وخوفك من فرعون»(2).

وفي حديث آخر عن الإِمام الصادق(عليه السلام) فيما يتعلق بهذا الجانب والزمن من حياة موسى(عليه السلام) حيث يقول: «كن لما لا ترجوا أرجى منك لما ترجو، فإن موسى بن عمران خرج ليقبس لأهله ناراً فرجع إِليهم وهو رسول نبي»(3)! وهي إِشارة إلى أن الإِنسان كثيراً ما يأمل أن يصل إِلى شيء لكنه لا يصل إِليه، إِلاّ أن أشياء أهم  لا أمل له في نيلها تتهيأ له بفضل الله.

وقد نقل هذا المعنى أيضاً عن أمير المؤمنين علي(عليه السلام)(4).

____________________________

1 ـ تفسير نور الثقلين، ج 3، ص 373.

2 ـ المصدر السابق، ص 374.

3 ـ المصدر السابق.

4 ـ سفينة البحار، الجزء الأول، ص 513.

[537]

2 ـ جواب عن سؤال،

يطرح بعض المفسّرين هنا سؤالا، وهو: كيف ومن أين علم موسى أنّ الصوت الذي يسمعه صادرٌ من الله سبحانه وتعالى؟ ومن أين تيقن أن الله كلّفه بهذه المهمّة؟

وهذا السؤال يمكن طرحه في شأن سائر الأنبياء أيضاً، ويمكن الإِجابة عنه بطريقين:

الأوّل: إِنّه يحصل للأنبياء في تلك الحالة نوع من المكاشفة الباطنية والإِحساس الداخلي تبلغهم وتوصلهم إِلى القطع واليقين الكامل، وتزيل عنهم كل أنواع الشك والشبهة.

والثّاني: إِنّ من الممكن أن تكون بداية الوحي مقترنة بأُمور خارقة للعادة، لا يمكن أن تقع وتتمّ إِلا بقوة الله، كما أن موسى(عليه السلام) شاهد النار في الشجرة الخضراء، ومن هذا فهم أن المسألة إِلهية وإِعجازية.

وينبغي أن نذكّر بهذا الموضوع أيضاً، وهو أن سماع كلام الله سبحانه وبلا واسطة، لا يعني أن لله حنجرة وصوتاً، بل إِنّه يخلق بقدرته الكاملة أمواج الصوت في الفضاء، ويتكلم مع أنبيائه عن هذا الطريق، ولما كانت نبوة موسى(عليه السلام) قد بدأت بهذه الكيفية، فقد لقب بـ (كليم الله).

3 ـ الصلاة أفضل وسيلة لذكر الله

أشير في الآيات ـ محل البحث ـ إِلى واحدة من أهم أسرار الصلاة، وهي أن الإِنسان يحتاج في حياته في هذا العالم ـ وبسبب العوامل المؤدية إِلى الغفلة ـ إِلى عمل يذكّره بالله والقيامة ودعوة الأنبياء وهدف الخلق في فترات زمنية مختلفة، كي يحفظه من الغرق في دوامة الغفلة والجهل، وتقوم الصلاة بهذه الوظيفة المهمّة.

إِنّ الإِنسان يستيقظ في الصباح من النوم .. ذلك النوم الذي عزله عن كل

[538]

موجودات العالم، ويريد أن يبدأ نشاطه الحياتي، فقبل كل شيء يتوجه إِلى الصلاة، ويصفي قلبه وروحه بذكر الله، ويستمد منه القوّة والمدد، ويستعد للجد والسعي الممتزج بالصدق والمودة.

وعندما يغرق في زحمة الأعمال اليومية، وتمضي عدة ساعات وقد نسي ذكر الله، وفجأة يحين الظهر، ويسمع صوت المؤذن: الله أكبر! حي على الصلاة! فيتوجه إِلى الصلاة ويقف بين يدي ربّه ويناجيه، وإِذا كان غبار الغفلة قد استقر على قلبه فإِنّه يغسله بهذه الصلاة، ومن هنا يقول الله سبحانه لموسى في أوّل الأوامر في بداية الوحي: (وأقم الصلاة لذكري).

وممّا يجلب الإِنتباه أنّ هذه الآية تقول: (وأقم الصلاة لذكري) أمّا الآية (28) من سورة الرعد فتقول: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) والآيات (27 ـ 30) من سورة الفجر تقول: (يا أيّتها النفس المطمئنة ارجعي إِلى ربّك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي) وإِذا جعلنا هذه الآيات الثلاثة جنباً إِلى جنب فسنفهم جيداً أن الصلاة تذكر الإِنسان بالله، وذكر الله يجعل نفسه مطمئنة، ونفسه المطمئنة ستوصله إِلى مقام العباد المخلصين والجنّة الخالدة.

* * *

[539]

الآيات

وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَـمُوسَى(17) قَالَ هِىَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِى وَلِىَ فِيهَا مَئَارِبُ أُخْرَىْ(18) قَالَ أَلْقِهَا يـمُوسَى(19) فَأَلْقَـهَا فَإِذَا هَىِ حَيَّةٌ تَسْعَى(20) قَالَ خُذْهَا  وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُْوْلَى(21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوء ءَايَةً أُخْرَى(22) لِنُرِيَكَ مِنْ ءَايـتِنَا الْكُبْرَى(23)

التّفسير

عصا موسى واليد البيضاء:

لا شك أنّ الأنيباء يحتاجون إِلى المعجزة لإِثبات ارتباطهم بالله، وإِلاّ فإنّ أي واحد يستطيع أن يدعي النّبوة، وبناء على هذا فإِن معرفة الأنبياء الحقيقيين من المزيفين لا يتيسر إِلاّ عن طريق المعجزة. وهذه المعجزة يمكن أن تكون بذاتها دعوة وكتاباً سماوياً للنّبي، ويمكن أن تكون أُموراً أُخرى من قبيل المعجزات الحسية والجسمية، إِضافة إِلى أن المعجزة مؤثرة في نفس النّبي، فهي تزيد من عزيمته وإيمانه وثباته.

على كل حال، فإِن موسى(عليه السلام) بعد تلقيه أمر النّبوة، يجب أن يتلقى دليلها

[540]

وسندها أيضاً، وهكذا تلقّى موسى(عليه السلام) في تلك الليلة المليئة بالذكريات والحوادث معجزتين كبيرتين من الله، ويبيّن القرآن الكريم هذه الحادثة فيقول: (وما تلك بيمينك يا موسى

إِنّ هذا السؤال البسيط المقترن باللطف والمحبة، إِضافة إِلى أنّه بثّ الطمانينة في نفس موسى(عليه السلام) الذي كان غارقاً حينئذ في دوامة من الاضطراب والهيجان فإنّه كان مقدمة لحادثة مهمّة.

فأجاب موسى: (قال هي عصاي) ولما كان راغباً في أن يستمر في حديثه مع محبوبه الذي فتح الباب بوجهه لأوّل مرّة، وربّما كان يظن أيضاً أن قوله: (هي عصاي) غير كاف، فأراد أن يبيّن آثارها وفوائدها فأضاف: (أتوكأ عليها وأهش(1) به على غنمي) أي أضرب بها على اغصان الشجر فتتساقط اوراقها لتأكلها الاغنام (ولي فيها مآرب(2) أُخرى).

من المعلوم ما للعصا لأصحابها من فوائد، فهم يستعملونها أحياناً كسلاح للدفاع عن أنفسهم أمام الحيوانات المؤذية والأعداء، وأحياناً يصنعون منها مظلة في الصحراء تقيهم حرّ الشمس، وأحياناً أُخرى يربطون بها وعاء أو دلواً ويسحبون الماء من البئر العميق.

عل كل حال، فإِنّ موسى غط في تفكير عميق: أي سؤال هذا في هذا المجلس العظيم، وأي جواب أعطيه؟ وماذا كانت تلك الأوامر؟ ولماذا هذا السؤال؟

وفجأة (قال ألقها يا موسى فألقاها فإِذا حية تسعى). «تسعى» من مادة السعي أي المشي السريع الذي لا يصل إِلى الركض.

____________________________

1 ـ «أهش» من مادة هشّ ـ بفتح الهاء ـ أي ضرب أوراق الشجر وتساقطها.

2 ـ «مآرب» جمع مأربة، أي الحاجة والمقصد.

[541]

وهنا صدر الأمر لموسى (قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأُولى)(1).

وفي الآية (31) من سورة القصص نقرأ: (ولّى مدبراً ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف).

وبالرغم من أن خوف موسى هنا قد أثار التساؤل لدى بعض المفسّرين بأن هذه الحالة كيف تناسب موسى مع الشجاعة التي عهدناها لدى موسى، وأثبتها عملياً طوال عمره عند محاربته الفراعنة؟ إِضافة إِلى صفات وشروط الأنيباء بصورة عامّة.

إِلاّ أنّ الجواب عن هذا السؤال يتّضح بملاحظة نكتة واحدة، وهي أن من الطبيعي أن كل إِنسان، مهما كان شجاعاً وغير هياب، إِذا رأى فجأة قطعة خشب تتحول إِلى حية عظيمة وتتحرك بسرعة، فلابدّ أن يرتبك ويخاف ولو لمدّة قصيرة ويسحب نفسه جانباً توقياً، إِلاّ أن يكون هذا المشهد قد تكرر أمامه مراراً، ورد الفعل الطبيعي هذا لا يكون نقطة ضعف ضد موسى أبداً. ولا تنافي الآية (39) من سورة الأحزاب حيث تقول: (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إِلاّ الله) فإِن هذا الخوف طبيعي ومؤقت وسريع الزوال أمام حادثة لم تحدث من قبل قط، وخارق للعادة.

ثمّ أشارت الآية التالية إلى المعجزة المهمّة الثّانية لموسى، فأمرته: (واضمم يدك إِلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أُخرى)(2).

وبالرغم من أنّ للمفسّرين في تفسير جملة (واضمم يدك إِلى جناحك ... )أقوالا مختلفة، إلاّ أنّه بملاحظة الآية (32) من سورة القصص، والتي تقول: (أسلك يدك في جيبك) والآية (12) من سورة النمل، والتي تقول: (وأدخل يدك

____________________________

1 ـ «السيرة» ـ كما يقول الراغب في المفردات ـ بمعنى الحالة الباطنية، سواء غريزية أو إِكتسابية والبعض فسرها هنا بمعنى الهيئة والصورة.

2 ـ آية منصوبة على أنّها اسم حال محل الحال، والحال لضمير مستتر في (تخرج).

[542]

في جيبك)سيستفاد أن موسى كان مأموراً أن يدخل يده في جيبه ويوصلها إِلى تحت إِبطه، لأنّ الجناح في الأصل جناح الطير، ويمكن أن تكون هنا إِشارة إِلى تحت الإِبط.

كلمة (بيضاء) من البياض، وجملة (من غير سوء) إِشارة إِلى أن بياض يدك ليس نتيجة مرض البرص وأمثاله، بدليل أن لها لمعاناً وبريقاً خاصاً يظهر في لحظة ويختفي في لحظة أُخرى.

إِلاّ أنّه يستفاد من بعض الرّوايات أنّ يد موسى قد صارت في تلك الحالة نورانية بشكل عجيب، وإِذا كان كذلك فيجب أن نقبل أن لجملة (من غير سوء)معنى آخر غير الذي قلناه، أي إِن لها نورانية لا عيب فيها، فلا تؤذي عيناً،  ولا يرى فيها بقعة سوداء، ولا غير ذلك.

وتقول الآية الأخيرة، وكنتيجة لما مر بيانه في الآيات السابقة: (لنريك من آياتنا الكبرى) ومن المعلوم أن المراد من الآيات الكبرى هو تلكما المعجزتان المهمتان اللتان وردتا أعلاه، وما احتمله بعض المفسّرين من أنّها إِشارة إِلى المعجزات التي سيضعها الله سبحانه تحت تصرف موسى فيما بعد يبدو بعيداً جداً.

* * *

بحوث

1 ـ معجزتان كبيرتان

لا شك أنّ ما ذكر أعلاه من تبدل عصا موسى إِلى حية عظيمة تسعى، وقد عبرت الآية (107) من سورة الأعراف عنها بـ (ثعبان) وكذلك البريق الخاص لليد في لحظة قصيرة ثمّ رجوعها إِلى الحالة الأُولى، ليسَ أمراً طبيعياً، أو نادراً، أو قليل الوقوع، بل إِن كلا الأمرين يعتبر خارقاً للعادة لا يمكن أن يقع بدون

[543]

الإِستناد إِلى قوة فوق قوة البشر، أي قوة الله عزّوجلّ.

إِنّ من يؤمن بالله، ويعتقد أن علمه وقدرته غير محدودة، لا يقدر على إِنكار هذه الأُمور، أو ينسبها إِلى الخراقة كالماديين.

المهم في المعجزة هو عدم استحالتها عقلا، وهذا الأمر يصدق هنا كاملاً، فلا يوجد أي دليل عقلي على نفي تبدل العصا إِلى ثعبان عظيم.

أليس العصا والحية العظيمة كانتا تراباً في الماضي السحيق؟ من الطبيعي أن المدة قد استغرقت ملايين أو مئات الملايين من السنين حتى ظهرت على شكل هذه الموجودات. لا تفاوت في هذه المسألة سواء قلنا بتكامل الأنواع أو ثبوتها، لأن أخشاب الأشجار والحيوانات قد خلقت جميعاً من التراب على كل حال. غاية ما في الأمر أن العمل الإِعجازي هنا اختصر كل تلك المراحل التي كان يجب أن تطوى خلال سنين طويلة في لحظة واحدة، وفي مدّة قصيرة جدّاً، فهل يبدو مثل هذا الأمر محالا؟

من الممكن أن أكتب باليد كتاباً ضخماً في سنة، فإِذا وجد شخص يستند ويعتمد على الإِعجاز ويؤدي هذا العمل في ساعة أو أقل، فإنّ هذا ليس محالا عقلياً، بل هو خارق للعادة. (دققوا ذلك).

على كل حال، فإِنّ القضاء العجول حول المعجزات، ونسبتها ـ لا سمح الله ـ إِلى الخرافات أمر بعيد عن المنطق والعقل. الشيء الوحيد الذي يحفز ويثير هذه الأفكار أحياناً، هو أنّنا قد اعتدنا على العلل والمعلولات الطبيعية، إِلى الحد الذي اعتقدنا أنّها من الضروريات، وكل ما يخالفها فهو مخالف للضرورة، في حين أن هذه العلاقة بين العلة والمعلول أمر طبيعي، وليس له صفة الضرورية، ولا مانع من أن يظهرها عامل أقوى من الطبيعة بشكل آخر(1).

____________________________

1 ـ تحدثنا أيضاً حول هذا الموضوع ذيل الآية (107) من سورة الأعراف.

[544]

2 ـ قابليات الأشياء الخارقة

من المسلّم أن موسى الذي اختار لنفسه عصا الرعي تلك، لم يكن يصدق أن هذا الموجود البسيط يستطيع القيام بمثل هذا العمل العظيم بأمر الله، ويحطم قوّة الفراعنة، إِلاّ أنّ الله سبحانه قد أراه أن نفس هذه الآلة البسيطة تستطيع أن توجِد مثل تلك القوة الخارقة.

إِنّ هذا ـ في الواقع ـ درس لكل البشر بأن لا يستصغروا أي شيء، فإن كثيراً من الموجودات التي ننظر إِليها باحتقار تحتوي في باطنها على قدرات عظيمة نحن غافلون عنها وغير مطلعين عليها.

3 ـ ماذا تقول التوراة حول هذا الموضوع؟

في الآيات أعلاه قرأنا أنّ موسى(عليه السلام) عندما أخرج يده من جيبه كانت بيضاء مضيئة لا عيب فيها، ويمكن أن تكون هذه الجملة من أجل نفي التعبير الذي يلاحظ في التوراة المحرفة، فقد ورد في التوراة: (وقال الله له أيضاً: الآن ضع يدك إِلى جنبك، فوضع يد إِلى جنبه، وأخرجها فإِذا يده مبروصة كالثلج)(1).

إِن كلمة «المبروص» مأخوذة من البرص، وهو نوع من الأمراض، ومن المسلم أن استعمال هذا التعبير هنا خطأ وغير مناسب.

* * *

____________________________

1 ـ التوراة، سفر الخروج، الفصل الرابع، الجملة 6.

[545]

الآيات

اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى(24) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِى صَدْرِى(25)وَيَسِّرْ لِى أَمْرِى(26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِى(27) يَفْقَهُوا قَوْلِى(28) وَاجْعَل لِّى وَزِيراً مِّنْ أَهْلِىْ(29) هـرُونَ أَخِى(30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِى(31) وَأَشْرِكْهُ فِى أَمْرِى(32) كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً(33)ونَذْكُرَكَ كَثِيراً(34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً(35) قَالَ قَدْ أُتِيتَ سُؤْلَكَ يـمُوسى(36)

التّفسير

موسى وطلباته القيمة:

إِلى هنا وصل موسى إِلى مقام النبوة، وتلقى معاجز مهمّة تسترعي الإِنتباه، إِلاّ أنّه من الآن فصاعداً صدر له أمر الرسالة .. رسالة عظيمة وثقيلة جدّاً .. الرسالة التي تبدأ بإِبلاغ أعتى وأخطر شخص في ذلك المحيط، فتقول الآية: (اذهب إِلى فرعون إِنّه طغى).

أجل .. فمن أجل إِصلاح بيئة فاسدة، وإيجاد ثورة شاملة يجب البدء برؤوس الفساد وأئمّة الكفر .. أُولئك الذين لهم تأثر في جميع أركان المجتمع، ولهم حضور في كل مكان، بأنفسهم أو أفكارهم أو أنصارهم .. أُولئك الذين

[546]

تركزت كل الوسائل والمنظمات الإِعلامية والإِقتصادية والسياسية في قبضتهم، فإِذا ما أصلح هؤلاء، أو قلعت جذورهم عند عدم التمكن من إِصلاحهم، فيمكن أن يؤمن خلاص ونجاة المجتمع، وإلاّ فإنّ أي إِصلاح يحدث فإِنّه سطحي ومؤقت وزائل.

والملفت للنظر أن دليل وجوب الإبتداء بفرعون ذُكر في جملة قصيرة: (إِنّه طغى) حيث جمع في كلمة (طغيان) كل شيء .. الطغيان وتجاوز الحدود في كل أبعاد الحياة، ولذلك يقال هؤلاء الأفراد: طاغوت.

ومضافاً إلى أنّ موسى(عليه السلام) لم يستوحش ولم يخف من هذه المهمّة الثقيلة الصعبة، ولم يطلب من الله أي تخفيف في هذه المهمة، فإنّه قد تقبلها بصدر رحب، غاية ما في الأمر أنّه طلب من الله أسباب النصر في هذه المهمة. ولما كان أهم وأول أسباب النصر الروح الكبيرة، والفكر الوقاد، والعقل المقتدر، وبعبارة أُخرى: رحابة الصدر ، فقد (قال رب اشرح لي صدري).

نعم إِنّ أوّل رأسمال لقائد ثوري هو رحابة الصدر، والصبر الطويل، والصمود والثبات، والشهامة وتحمل المشاكل والمصاعب، ولذلك فإِنّنا نقرأ في حديث عن أمير المؤمنين(عليه السلام): «آلة الرياسة سعة الصدر»(1). وقد بحثنا الصدر ومعناه في ذيل الآية (125) من سورة الأنعام.

ولما كان هذا الطريق مليئاً بالمشاكل والمصاعب التي لا يمكن تجازوها إلاّ بلطف الله، فقد طلب موسى من الله في المرحلة الثّانية أن تُيسر له أُموره وأعماله، وأن تذلل هذه العقبات التي تعترضه، فقال: (ويسر لي أمري).

ثمّ طلب موسى أن تكون له قدرة على البيان بأعلى المراتب فقال: (واحلل عقدة من لساني) فصحيح أن امتلاك الصدر الرحب أهم الأُمور والأسس، إلاّ أنّ بلورة هذا الأساس تتمّ إِذا وجدت القدرة على إِراءته وإِظهاره بصورة كاملة،

____________________________

1 ـ نهج البلاغة، الكلمات القصار، الحكمة 176.

[547]

ولذلك فإِنّ موسى بعد طلب انشرح الصدر، ورفع الموانع والعقبات، طلب من الله حل العقدة من لسانه.

خاصّة وأنّه بيّن علة هذا الطلب فقال: (يفقهوا قولي) فهذه الجملة في الحقيقة تفسير للآية التي قبلها، ومنها يتّضح أنّ المراد من حلّ عقدة اللسان لم يكن هو التلكؤ وبعض العسر في النطق الذي أصاب لسان موسى(عليه السلام) نتيجة احتراقه في مرحلة الطفولة ـ كما نقل ذلك بعض المفسّرين عن ابن عباس ـ بل المراد عقد اللسان المانعة من إِدراك وفهم السامع، أي أريد أتكلم بدرجة من الفصاحة والبلاغة والتعبير بحيث يدرك أي سامع مرادي من الكلام جيداً.

والشاهد الآخر على هذا التعبير هي الآية (34) من سورة القصص: (وأخي هارون هو أفصح مني لساناً). واللطيف في الأمر أن «أفصح» من مادة فصيح، وهي في الأصل كون الشيء خالصاً من الشوائب، ثمّ أُطلقت على الكلام البليغ المعبر الخالي من الحشو والزيادات.

وعلى كل حال، فإِنّ القائد والقدوة والموفق والمنتصر هو الذي يمتلك إِضافة إِلى سعة الفكر وقدرة الروح، بياناً أخاذاً بليغاً خالياً من كل أنواع الإِبهام والقصور.

ولما كان إِيصال هذا الحمل الثقيل ـ حمل رسالة الله، وقيادة البشر وهدايتهم، ومحاربة الطواغيت والجبابرة ـ إِلى المحل المقصود يحتاج إِلى معين ومساعد، ولا يمكن أن يقوم به إِنسان بمفرده، فقد كان الطلب الرابع لموسى من الله هو: (واجعل لي وزيراً من أهلي).

«الوزيز» من مادة الوزر، وهي في الأصل تعني الحمل الثقيل، ولما كان الوزراء يتحملون كثيراً من الأحمال الثقيلة على عاتقهم، فقد أطلق عليهم هذا الإِسم، وكذلك تطلق كلمة الوزير على المعاون والمساعد.

أمّا لماذا طلب موسى أن يكون هذا الوزير من أهله؟ فسببه واضح، لأنّه

[548]

يعرفه جيداً، ومن جهة أُخرى فإنّه أحرص من غيره، فكم هو جيد وجميل أن يستطيع الإِنسان أن يتعاون مع شخص تربطه به علائق روحية وجسمية؟!

ثمّ يشير إِلى أخيه، فيقول: (هارون أخي) وهارون ـ حسب نقل بعض المفسّرين ـ كان الأخ الأكبر لموسى، وكان يكبره بثلاث سنين، وكان طويل القامة، جميلا بليغاً، عالي الإِدراك والفهم، وقد رحل عن الدنيا قبل وفاة موسى بثلاث سنين(1).

وقد كان نبيّاً مرسلا كما يظهر من الآية (45) من سورة المؤمنون: (ثمّ أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين). وكذلك كانت له بصيرة بالأُمور وميزاناً باطنياً لتمييز الحق من الباطل، كما ورد في الآية (48) من سورة الأنبياء: (ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء). وأخيراً فقد كان نبيّاً وهبه الله لموسى من رحمته: (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيّاً)(2)، فقد كان يسعى جنباً إِلى جنب مع أخيه في أداء هذه الرسالة الثقيلة.

صحيح أن موسى(عليه السلام) عندما طلب ذلك من الله في تلك الليلة المظلمة في الوادي المقدس حيث حُمّل الرسالة، كان قد مضى عليه أكثر من عشر سنين بعيداً عن وطنه، إلاّ أنّ ارتباطه ـ عادة ـ بأخيه لم يقطع بصورة كاملة، بحيث أنّه يتحدث بهذه الصراحة عنه، ويطلب من الله أن يشاركه في هذا البرنامج الكبير.

ثمّ يبيّن موسى(عليه السلام) هدفه من تعيين هارون للوزارة والمعونة فيقول: (أشدد به أزري) و«الأزر» أخذت في الأصل من مادة الإِزار، أي اللباس، وتطلق خاصّة على اللباس الذي يشد ويعقد وسطه، ولذلك قد تطلق هذه الكلمة على الظهر أو القوّة والقدرة لهذا السبب.

ويطلب، من أجل تكميل هذا المقصد والمطلب: (واشركه في أمري)

____________________________

1 ـ مجمع البيان ذيل الآية.

2 ـ مريم، 53.

[549]

فيكون شريكاً في مقام الرسالة، وفي إِجراء وتنفيذ هذا البرنامج الكبير، إلاّ أنّه يتبع موسى على كل حال، فموسى إِمامه ومقتداه.

وفي النهاية يبيّن نتيجة هذه المطالب فيقول: (كي نسبحك كثيراً ونذكرك كثيراً إِنّك كنت بنا بصيراً) وتعلم حاجاتنا جيداً، ومُطَّلِع على مصاعب هذا الطريق أكثر من الجميع، فنحن نطلب منك أن تعيننا على طاعتك، وأن توفقنا وتؤيدنا في أداء واجباتنا ومسؤولياتنا الملقاة على عاتقنا.

ولما كان موسى لم يهدف من طلباته المخلصة هذه إلاّ الخدمة الأكثر والأكمل، فإِنّ الله سبحانه قد لبى طلباته في نفس الوقت (قال قد أُتيت سؤلك يا موسى).

إِنّ موسى في الواقع طلب كل ما كان يلزمه في هذه اللحظات الحساسة الحاسمة التي يجلس فيها لأوّل مرّة على مائدة الضيافة الإِلهية ويطأ بساطها، والله سبحانه كان يحب ضيفه أيضاً، حيث لبّى كل طلباته وأجابه فيها في جملة قصيرة تبعث الحياة، وبدون قيد وشرط ثمّ وبتكرار اسم موسى أكمل له الإِستجابة وحلاوتها وأنزال كل إِبهام عن قلبه، وأي تشويق وافتخار أن يكرر المولى اسم العبد؟

* * *

بحوث

1 ـ شروط قيادة الثورة

لا شك أنّ تبديل البنية في نظام المجتمعات البشرية، وتغيير القيم المادية والملحدة إلى القيم المعنوية والإِنسانية، وخاصّة إِذا كان الطريق يقع في طريق الفراعنة العنودين، ليس بالعمل الهين، بل يحتاج إِلى استعداد روحي وجسمي، وقدرة على التفكير، وقوة في البيان، واستمرار الإِمدادات الإِلهية، ووجود

[550]

الصاحب الذي يطمأن إِليه. وهذه هي الأُمور التي طلبها موسى(عليه السلام) في بداية الرسالة من ربّه.

إِن هذه المطالب تبيّن بنفسها أنّ موسى(عليه السلام) كان يمتلك روح الوعي والإِستعداد حتى قبل النبوة، وتبيّن أيضاً هذه الحقيقة، وهي أنّه كان واقفاً على أبعاد مسؤوليته جيداً، وكان يعلم بأنّه ماذا يجب أن يستعمل في الساحة في تلك الظروف، وأي سلاح هو الأمضى، ليمتلك القدرة على مقارعة الاجهزة الفرعونية، وهذا نموذج وقدوة لكل القادة الربانيين في كل عصر وزمان، ولكل السائرين في هذا الطريق.

2 ـ مقارعة الطغاة

لا شك أنّ لفرعون نقاطاً وصفات منحرفة كثيرة، فقد كان كافراً، عابداً للأصنام، ظالماً، مستبداً وو .. إلاّ أنّ القرآن طرح من بين كل هذه الإِنحرافات مسألة الطغيان (إِنّه طغى) لأن روح الطغيان والتمرد في مقابل أمر الحق عصارة وخلاصة كل هذه الإِنحرافات وجامع لها.

ويتّضح بصورة ضمنية أنّ هدف الأنبياء في الدرجة الأُولى هو مقارعة الطواغيت والمستكبرين، وهذا في الواقع عكس التحليل الذي يذكره الماركسيون حول الدين تماماً، حيث زعموا أنّ الدين في خدمة الطغاة والمستعمرين الماضين.

إِنّ كلام هؤلاء قد يصح في شأنه المذاهب المصطنعة التخديرية، إلاّ أنّ تاريخ الأنبياء الحقيقيين ينفي بصراحة تامة ظنون هؤلاء الواهية في شأن الأديان والمذاهب، خاصّة وإِن ثورة موسى بن عمران شاهد ناطق في هذا المجال.

[551]

3 ـ كل عمل يحتاج إِلى تخطيط ووسائل

الدرس الآخر الذي نستفيد من حياة موسى وجهاده العظيم، هو أنّه حتى الأنبياء، ومع امتلاكهم للمعجزات، كانوا يستعينون بالوسائل العادية الطبيعية، من البيان البليغ والمؤثر، ومن طاقات المؤمنين بهم الفكرية والجسمية، في سبيل تقدم عملهم وتطوره، فليس صحيحاً أن ننتظر المعاجز في حياتنا دائماً، بل يجب تهيئة البرامج وأدوات العمل، والإِستمرار في التقدم بالطرق والوسائل الطبيعية، فإِذا ما واجهتنا عقدة ومعضلة، فيجب أن ننتظر اللطف الإِلهي هناك.

4 ـ التسبيح والذكر

لقد جعل موسى الهدف النهائي من طلباته ـ كما في الآيات محل البحث ـ هو: (كي نسبحك كثيراً ونذكرك كثيراً) ومعلوم أنّ التسبيح يعني تنزيه الله عن تهمة الشرك والنواقص الإِمكانية، ومعلوم أيضاً أنّ مراد موسى(عليه السلام) لم يكن تكرار جملة «سبحان الله» مراراً، بل كان الهدف إِيجاد حقيقة التسبيح في ذلك المجتمع الملوث في ذلك الزمان، فيقتلعوا الأصنام، ويهدموا معابد الأوثان، وتُغسل الأدمغة من أفكار الشرك، وترفع النواقص المادية والمعنوية.

وبعد تنزيه المجتمع عن هذه المفاسد، عليهم أن يحيوا في القلوب ذكره تعالى وذكر صفاته، ويجعلون الصفات الإِلهية تشع في أرجاء المجتمع، والتأكيد على كلمة «كثيراً» توحي بأنّه كان يريد أن يجعل هذا الأمر عاماً، وأن يخرجه من الإِختصاص بدائرة محدودة.

5 ـ الرّسول الأعظم يكرر مطالب موسى

يستفاد من الرّوايات الواردة في كتب أهل السنة والشيعة أنّ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قد طلب من الله نفس تلك المطالب التي طلبها موسى(عليه السلام) من الله من أجل تقدم عمله،

[552]

مع فارق، هو أنّه وضع اسم علي(عليه السلام) مكان اسم هارون، وقال: «اللهم إِنّي أسألك بما سألك أخي موسى أن تشرح لي صدري، وأن تيسر لي أمري، وأن تحل عقدة من لساني، يفقهوا قولي، واجعل لي وزيراً من أهلي، علياً أخي، أشدد به أزري، وأشركه في أمري، كي نسبحك كثيراً، ونذكرك كثيراً».

وقد نقل هذا الحديث السيوطي في تفسير «الدر المنثور»، والعلاّمة الطبرسي في «مجمع البيان»، وكثيرون وغيرهم من كبار علماء الفريقين باختلاف في العبارات.

وهذا الحديث يشبه حديث المنزلة، حيث قال(صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي(عليه السلام): «ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إِلا أنّه لا نبي بعدي».

وهذا الحديث قد ورد في كتب العامّة المعتمدة، وكما قال المحدث البحراني في كتابه «غايه المرام»; إِنّ هذا الحديث قد ورد بمائة طريق عن أهل السنة، وبسبعين طريق من طرق الشيعة»، فهو معتبر إِلى الحدّ الذي لا يدع أي مجال للشك فيه، أو لإِنكاره.

وقد بحثنا حول حديث المنزلة بحثاً ضافياً في ذيل الآية (142) من سورة الأعراف، والذي نعتبر ذكره ضرورياً هنا، هو أن بعض المفسّرين ـ كالآلوسي في «روح المعاني» ـ مع قبوله أصل الرّواية، إلاّ أنّه أشكل في دلالتها، وقالوا: إِن جملة (أشركه في أمري) لا تثبت غير الإِشتراك في أمر إرشاد ودعوة الناس إِلى الحق!

إلاّ أنّ من الواضح أن مسألة الإِشتراك في الإرشاد، وبتعبير آخر: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونشر الدين، واجب على كل فرد من المسلمين، وهذا لم يكن شيئاً يطلبه النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي(عليه السلام) .. إِن هذا توضيح للواضحات،  ولا يمكن تفسير دعاء النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك مطلقاً.

ومن جهة أُخرى، فإِنّا نعلم أن الأمر لم يكن الإِشتراك في النّبوة، وبناء على

[553]

هذا نخلص إِلى هذه النتيجة، وهي أن المطلوب مقام خاص غير النّبوة، وهل يمكن أن يكون إلاّ الولاية الخاصّة؟! أليس ذلك هو الخلافة بالمفهوم الخاص الذي تقول به الشيعة؟ وجملة «وزيراً» أيضاً تؤيد وتقوي ذلك.

وبتعبير آخر، فإِنّ هناك واجبات لا يقوم بها كل الأفراد، وهي حفظ دين النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من كل أنواع التحريف والإِنحراف، وتفسير أي إِبهام يبديه البعض في محتوى الدين، وقيادة الأُمّة في غيبة النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعده، والمساعدة المؤثرة جداً في تحقيق أهدافه.

إِن هذا هو الشيء الذي طلبه النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: «أشركه في أمري» لعلي(عليه السلام)من الله سبحانه.

ومن هنا يتّضح أن وفاة هارون قبل موسى لا توجد إِشكالا في هذا البحث، لأنّ الخلافة والنيابة تكون أحياناً في زمان غيبة القائد كما تولاها هارون عند غياب موسى، وتكون أحياناً بعد وفاته كما كان علي(عليه السلام) بعد وفاة النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكلاهما لهما نفس القدر المشترك والجامع الواحد، وإِن كانت المصاديق متفاوتة. (دققوا ذلك).

* * *

[554]

الآيات

وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى(37) إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى(38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِى التَّابُوتِ فَاقذِفِيهِ فِى الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الَْيمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّى وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً منِّى وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِى(39) إِذْ تَمْشِى أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَـكَ إِلَى أُمِّكَ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنـكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّـكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِى أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَر يَـمُوسى(40) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى(41)

التّفسير

الربّ الرحيم:

يشير الله سبحانه في هذه الآيات إِلى فصل آخر من فصول حياة موسى(عليه السلام)، والذي يرتبط بمرحلة الطفولة ونجاته من قبضة الفراعنة. وهذا الفصل وإِن كان من ناحية التسلسل التاريخي قبل فصل الرسالة والنّبوة، إلاّ أنّه ذكر كشاهد على شمول عناية الله عزّوجل لموسى(عليه السلام) من بداية عمره، وهي في الدرجة الثّانية من

[555]

الإهمية بالنسبة إِلى الرسالة، فيقول أوّلا: (ولقد مننا عليك مرّة أُخرى)(1).

وبعد ذكر هذا الإِجمال تتطرق الآيات إِلى الشرح والتفصيل، فتقول: (إِذ أوحينا إِلى أمك ما يوحى) وهو إِشارة إِلى أنّنا قد علّمنا أُمّه كل الطرق التي تنتهي إِلى نجاة موسى(عليه السلام) من قبضة الفراعنة، لأنّه يستفاد من سائر آيات القرآن أن فرعون شدّد ارهابه على بني إِسرائيل للتصدّي لقوتهم وعصيانهم المحتمل، أو أنّه ـ على رأي بعض المفسّرين والمؤرخين ـ كان قد أمر بقتل أبنائهم وإِبقاء البنات للخدمة، لكي يمنع ولادة ولد من بني إِسرائيل كان قد أخبره المنجمون أنّه يثور عليه ويزيل ملكه.

من الطبيعي أن جواسيس وعيون فرعون كانوا يراقبون بشدة محلات بني إِسرائيل وبيوتهم، وكانوا لا يدعون ذكراً يولد إِلاّ وقتلوه.

وذهب بعض المفسّرين إِلى أن فرعون كان يريد تحطيم قوّة بني إِسرائيل من جهة، وكان من جهة أُخرى غير راغب في انقراض نسلهم تماماً، لأنّه كان يعتبرهم عبيداً يصلحون للخدمة، ولذلك كان قد أمر بأنّ يتركوا الأولاد سنة ويذبحونهم سنة أُخرى، فكان أن ولد موسى في العام الذي يقتل فيه الأولاد!

على كل حال، فإِنّ هذه الأُم أحسّت بأن حياة وليدها في خطر، وإِخفاؤه مؤقتاً سوف لا يحل المشكلة .. في هذه الأثناء ألهمها الله ـ الذي رشّح هذا الطفل لثورة كبيرة ـ أن أودعيه عندنا، وانظري كيف سنحافظ عليه، وكيف سنرده إِليك؟ فألقى في قلب الأُمّ: (أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم).

«اليم» هنا يعني نهر النيل العظيم الذي يطلق عليه أحياناً اسم البحر لسعته وكثرة مياهه.

____________________________

1 ـ كما قلنا سابقاً أيضاً فإِنّ «المنة» في الأصل من المن، وهو يعني الأحجار الكبيرة التي كانوا يزنون بها، ولذلك فإِن كل نعمة كبيرة ونفيسة يقال عنها: إِنّها منة. والمراد في الآية هو هذا المعنى، وهذا المعنى مفهوم جميل وايجابي للمنّة، إلاّ أنّ الإِنسان إِذا عظّم عمله الصغير بكلامه، وذكرّ الطرف الآخر به، فإنّه مصداق حي للمنة السلبية المذمومة.

[556]

والتعبير بـ (اقذفيه في التابوت) ربما كان إشارة إِليها أن ارفعي ولدك بكل شجاعة وبدون أي خوف أو ارتياب، وضعيه في الصندوق، وألقيه في نهر النيل، ولا تدعي للخوف سبيلا إِلى نفسك.

كلمة «التابوت» تعني الصندوق الخشبي، ولا يعني دائماً الصندوق الذي توضع فيه الأموات كما يظن البعض، بل إِنّه له معنى واسعاً، حيث تطلق أحياناً على الصناديق الأُخرى أيضاً، كما قرأنا ذلك في قصة طالوت وجالوت في ذيل الآية (248) من سورة البقرة(1).

ثمّ تضيف: (فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له) والملفت أن كلمة «عدو» قد تكررت هنا، وهذا في الحقيقة تأكيد على عداء فرعون لله، ولموسى وبني إِسرائيل، وأشارت إِلى أن الشخص الذي انغمس إِلى هذا الحد في العداء هو الذي سيتولى في النهاية تربية موسى ليعلم البشر الضعيف أنّه ليس عاجزاً عن التمرد على أمر الله وحسب، بل إِنّ الله سيربيه على يد عدوه وفي أحضانه! وعندما يريد أن يفني المتمردين الظالمين فسيفنيهم ويبيدهم بأيديهم، ويحرقهم بالنار التي يوقدونها بأنفسهم، فأي قدرة عجيبة قدرته تعالى؟!

ولما كان موسى(عليه السلام) يجب أن يُحفظ في حصن أمين في هذا الطريق المليء بالمخاطر، فقد ألقى الله قبساً من محبّة عليه، إِلى الحد الذي لم ينظر إِليه أحد إِلا ويعشقه، فلا يكف عن قتله وحسب، بل لا يرضى أن تنقص شعرة من رأسه، كما يقول القرآن في بقية هذه الآيات: (وألقيت عليك محبّة منّي) فأي درع عجيب هذا الحب! إِنّه لا يرى بالعين، ولكنه أقوى من الحديد والفولاذ!!

يقولون: إِنّ قابلة موسى كانت من الفراعنة، وكانت مصممة على رفع خبر ولادته إِلى فرعون، إلاّ أنّه لما وقعت عينها على عين المولود الجديد، فكأن ومضة برقت من عينه وأضاءت أعماق قلبها، وطوّقت محبته رقبتها، وابتعدت

____________________________

1 ـ راجع المجلد الثّاني من التّفسير الأمثل ذيل الآية (248) من سورة البقرة.

[557]

عن رأسها كل الأفكار السيئة.

ونقرأ في حديث عن الإِمام الباقر(عليه السلام) في هذا الباب: «فلمّا وضعت أم موسى موسى نظرت إِليه وحزنت عليه واغتمت وبكت وقالت: تذبح الساعة، فعطف الله الموكلة بها عليه، فقالت لأم موسى: ما لك قد اصفر لونك؟ فقالت: أخاف أن يذبح ولدي، فقالت: لا تخافي وكان موسى لا يراه أحد إِلا أحبه»(1)، وكان درع المحبة هذا هو الذي حفظه تماماً في بلاط فرعون.

وتقول الآية في النهاية: (ولتصنع على عيني) فلا شك في أنّه لا تخفى ذرة عن علم الله في السماء ولا في الأرض، وكل شيء حاضر بين يديه، إلاّ أنّ هذا التعبير إِشارة إِلى العناية الخاصّة التي أولاها الله سبحانه لموسى وتربيته.

وبالرغم من أنّ بعض المفسّرين اعتقد أنّ جملة (ولتصنع على عيني)مقصورة على مرحلة رضاعة موسى وأمثالها، إلاّ أنّ من المعلوم أن لهذه الجملة معنى واسعاً، تدخل فيه كل أنواع التربية والعناية، وصنع موسى(عليه السلام) من أجل حمل راية الرسالة مع عناية الله الخاصّة.

ويستفاد بوضوح من القرائن الموجودة في هذه الآيات، والآيات المشابهة لها في القرآن، وممّا جاء في الرّوايات والتواريخ، أنّ أُمّ موسى(عليه السلام) قد ألقت الصندوق الذي كان فيه موسى وهي في حالة من الخوف والقلق، وحملته أمواج النيل، وأخذ قلب أم موسى يخفق من مشاهدة هذا المنظر، إلاّ أنّ الله قد ألهم قلبها أن لا يدع للهم والحزن إِليه طريقاً، فهو سبحانه سيعيده إِليها في النهاية سالماً.

وكان قصر فرعون قد بني على جانب شط النيل، ويحتمل أن فرعاً من هذا النهر العظيم كان يمر داخل قصره، فحملت أمواج المياه الصندوق إِلى ذلك الفرع الصغير، وبينما كان فرعون وزوجته على حافة الماء ينظرون إِلى الأمواج، وإذا بهذا الصندوق الغريب يلفت انتباههما، فأمر جنوده أن يخرجوا الصندوق من

____________________________

1 ـ نور الثقلين، ج 3، ص 378.

[558]

الماء، فلمّا فتحوا الصندوق شاهدوا بكامل العجب مولوداً جميلا فيه، وهو شيء لم يكن بالحسبان.

وهنا تنبه فرعون إِلى أن هذا الوليد ينبغي أن يكون من بني إِسرائيل، وإِنما لاقى هذا المصير خوفاً من جلاوزته، فأمر بقتله، إلاّ أنّ زوجته ـ التي كانت عقيماً ـ تعلقت جدّاً بالطفل، فقد نفذ النور الذي كان ينبعث من عيني الطفل إِلى زوايا قلبها، وجذبها إِليه، فضربت على يد فرعون وطلبت منه أن يصرف النظر عن قتله، وعبرت عن هذا الطفل بأنّه (قرّة عين)، بل وتمادت في طلبها، فطلبت منه أن يتخذاه ولداً ليكون مبعث أمل لهما، ويكبر في أحضانهما، وأصرّت على طلبها حتى أصابت سهامها، وحققت ما تصبو إِليه.

غير أن الطفل جاع، وأراد لبناً، فاخذ يبكي ويذرف الدموع، فرق قلب امرأة فرعون لهذه الدموع والبكاء واهتز، ولا محيص من أن يبحث الخدم عن مرضعة له، إلاّ أنّهم كلما جاؤوه بمرضعة لم يقبل ثديها، لأن الله سبحانه كان قد قدر أن يعيده إِلى أُمّه، فهب المأمورون للبحث من جديد، وكانوا يطرقون الأبواب بحثاً عن مرضع جديدة.

والآن نقرأ بقية القصة على ضوء الآيات الشريفة:

نعم يا موسى، فإِنّا كنّا قدرنا أن تتربى بأعيننا وعلمنا (إِذا تمشي أختك) بأمر أمُك لتراقب مصيرك، فرأت جنود فرعون: (فتقول هل أدلكم على من يكفله)وربّما أضافت بأن هذه المرأة لها لبن نظيف، وأنا مطمئنة بأن هذا الرضيع سيقبلها.

فاستبشر الجنود على أمل أن يجدوا ضالتهم عن هذا الطريق، فذهبوا معها، فأطلعت أُخت موسى ـ والتي كانت تظهر نفسها بمظهر الشخص الغريب والمجهول ـ أُمّها على الأمر، فجاءت أُمّه إِلى بلاط فرعون، من دون أن تفقد سيطرتها على أعصابها، بالرغم من أن أمواجاً من الحب والأمل كانت قد أحاطت بكل قلبها، واحتضنت الطفل، فلمّا شم الطفل رائحة أُمّه، وكانت رائحة

[559]

مألوفة لديه، التقم ثديها كأنّه تضمن لذة الروح وحلاوتها، واشتغل الطفل بشرب اللبن بلهفة وعشق شديدين، فانطلقت صرخات الفرح من الحاضرين، وبدت آثار الفرح والسرور على زوجة فرعون.

يقول البعض: إِنّ فرعون تعجب من هذه الحادثة، وقال: من أنت إِذ قبل هذا الطفل لبنك في حين أنّه ردّ جميع الأُخريات؟ فقالت الأم: إِني امرأة طيبة الريح واللبن، ولا يرفض لبني أي طفل!

عل كل حال فقد أمرها فرعون بالإِهتمام بالطفل، وأكدت زوجته كثيراً على حفظه وحراسته، وأمرت أن يعرض عليها الطفل بين فترة وأُخرى.

هنا تحقق ما قاله القرآن: (فرجعناك إِلى أُمّك كي تقرّ عينها ولا تحزن)ولتستطيع تربيته بدون خوف من جلاوزة فرعون. ويستفاد من هذه العبارة أن فرعون أودع الطفل أمه لتذهب به إِلى بيتها، إلاّ أنّ من الطبيعي أن ابن عائلة فرعون! الذي تعلقت به امرأته وأحبته حباً شديداً، يجب أن يعرض عليها بين فترة وأُخرى.

ومرّت السنون والاعوام، وتربى موسى(عليه السلام) وسط هالة من لطف الله ومحبته، وفي محيط آمن، وشيئاً فشيئاً أصبح شاباً. وكان ذات يوم يمر من طريق فرأى رجلين يتشاجران، أحدهما من بني إِسرائيل والآخر من الأقباط ـ (وهم المصريون قوم فرعون) ـ ولما كان بنو إِسرائيل يعيشون دائماً تحت ضغط الأقباط الظالمين وأذاهم، هبّ موسى لمعونة المظلوم الذي كان من بني إِسرائيل، ومن أجل الدفاع عنه وجه ضربة قاتلة إِلى ذلك القبطي، فقضت عليه.

فتأثر موسى مما حدث وقلق، لأن حراس فرعون علموا في النهاية من الذي قام بعملية القتل هذه، فنشطوا للبحث عنه ومطاردته. إلاّ أنّ موسى، وحسب إشارة بعض أصدقائه عليه، خرج متخفياً من مصر، وتوجه إِلى مدين، فوجد محيطاً وجواً آمناً في ظل النّبي «شعيب»، والذي سيأتي شرح حاله في تفسير

[560]

سورة القصص إِن شاء الله تعالى

هنا حيث يقول القرآن الكريم: (وقتلت نفساً فنجيناك من الغم وفتناك فتوناً) فبعد حادثة القتل اختبرناك كثيراً والقينا بك في اتون الحوادث والشدائد (فلبثت سنين في أهل مدين) وبعد اجتياز هذا الطريق الطويل، والإِستعداد الروحي والجسمي، والخروج من دوامة الأحداث بشموخ وانتصار (فقد جئت على قدر يا موسى). أي حيث لاستلام مهمّة الرسالة في زمان مقدّر إِلى هذا المكان.

إِن كلمة «قدر» ـ برأي كثير من المفسّرين ـ تعني الزمان الذي قدر فيه أن يُنتخب موسى للرسالة. إلاّ أنّ البعض اعتبرها بمعنى المقدار، كما جاء هذا المعنى في بعض الآيات القرآنية، كالآية (21) من سورة الحجر، وطبقاً لهذا التّفسير سيكون معنى الآية: يا موسى إِنك قد نشأت وأصبحت ـ بعد تحمل هذه المصاعب والإِمتحانات وعشت سنين في بيت نبي كبير كشعيب ـ ذا قدر ومقام وشخصية، وحصلت على استعداد لتلقي الوحي.

ثمّ يضيف: (واصطنعتك لنفسي) فمن أجل مهمّة تلقي الوحي الصعبة، ومن أجل قبول الرسالة، ومن أجل هداية العباد وإِرشادهم ربّيتك واختبرتك في الحوادث الصعبة ومشاقّها، ومنحتك القوة والقدرة، والآن حيث ألقيت هذه المهمّة الكبرى على عاتقك، فإِنك مؤهل من جميع الجوانب.

«اصطناع» من مادة «صنع» بمعنى الأصرار والاقدام الاكيد على اصلاح شيء (كما يراه الراغب في مفرداته). ويعني إنّني قد اصلحتك من كل الجهات وكأنني اريدك لي وهذا الكلام هو أكثر ما يمكن أن يقال في تصوير محبّة الله لهذا النّبي العظيم، وذهب البعض أنّه يشبه ما قاله الحكماء من: إِنّ الله إِذا أحبّ عبداً تفقده كما يتفقد الصديق صديقه.

نهاية المجلد التّاسع

* * *

 




 
 

  أقسام المكتبة :
  • القرآن الكريم (1)
  • في تفسير القرآن (84)
  • أبحاث حول القرآن (22)
  • كتب تعليمية ومناهج (9)
  • علوم القرآن (13)
  • النغم والصوت (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • الرسم القرآني (14)
  • مناهج وإصدارات دار السيدة رقية (24)
  • التدبر في القرآن (4)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 10

  • عدد الكتب : 179

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 6002945

  • المتواجدون الآن :

  • التاريخ : 24/07/2017 - 01:26

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net