سورة الحاقة من أول السورة ـ آخر السورة من ( ص 537 ـ آخر الجزء 18 )  

القسم : في تفسير القرآن   ||   الكتاب : الامثل في تفسير كتاب الله المنزل ( الجزء الثامن عش   ||   تأليف : سماحة آية الله العظمى الشيخ مكارم الشيرازي

[ 537 ]

 

سُورَة الحاقّة

مكيّة

وعَدَدُ آيَاتِها إثنتان وخمسُون آية

[ 539 ]

«سورة الحاقّة»

ملاحظة

تدور موضوعات سورة الحاقّة حول ثلاثة محاور:

المحور الأوّل: وهو أهمّ محاور هذه السورة، يرتبط بمسائل يوم القيامة وبيان خصوصياتها، وقد وردت فيه ثلاثة أسماء من أسماء يوم القيامة وهي: (الحاقّة) و (القارعة) و (الواقعة).

أمّا المحور الثاني: فتدور أبحاثه حول مصير الأقوام الكافرين، خصوصاً قوم عاد وثمود وفرعون، وتشتمل على إنذارات شديدة لجميع الكّفار ومنكري يوم البعث والنشور.

وتتحدّث أبحاث المحور الثالث حول عظمة القرآن الكريم، ومقام الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وجزاء المكذّبين.

فضيلة تلاوة سورة الحاقّة

جاء في حديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من قرأ سورة الحاقّة حاسبه الله حساباً يسيراً»(229).

وجاء في حديث آخر عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: (أكثروا من قراءة الحاقّة، فإنّ قراءتها في الفرائض والنوافل من الإيمان بالله ورسوله، ولم يسلب قارئها دينه حتّى يلقى الله)(230).

* * *

[ 540 ]

 

الآيات

الْحَآقَّةُ (1) مَا الْحَآقَّةُ (2) وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْحَآقَّةُ (3) كَذَّبَتْ ثُمُودُ وَعَادُ بِالْقَارِعَةِ (4) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيح صَرْصَر عَاتِيَة (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَال وَثَمَـنِيَةَ أَيَّام حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْل خَاوِيَة (7) فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَة (8)

التّفسير

الطغاة والعذاب الأليم:

تبدأ هذه السورة بعنوان جديد ليوم القيامة، يقول تعالى: ( الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة)(231) والمراد من الحاقّة هو اليوم الذي سيتحقّق حتماً.

ذهب أغلب المفسّرين إلى أنّ (الحاقّة) اسم من أسماء يوم القيامة، باعتباره قطعي الوقوع، كما هو بالنسبة لـ (الواقعة) في سورة (الواقعة)، وقد جاء في الآية (16) من هذه السورة الاسم نفسه، وهذا يؤكّد يقينية ذلك اليوم العظيم.

«ما الحاقّة»: تعبير لبيان عظمة ذلك اليوم، كما يقال: إنّ فلاناً إنسان، يا له

[ 541 ]

 

من إنسان، ويقصد من هذا التعبير وصف إنسانيّته دون تقييد حدّها.

والتعبير بـ ( ما أدراك ما الحاقّة) للتأكيد مرّة اُخرى على عظمة الأحداث في ذلك اليوم العظيم حتّى أنّ الباريء عزّوجلّ يخاطب رسوله الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّك لا تعلم ما هو ذلك اليوم؟(232).

وكما لا يمكن أن يدرك الجنين الذي في بطن اُمّه المسائل المتعلّقة بالدنيا، فإنّ أبناء الدنيا كذلك ليس بمقدورهم إدراك الحوادث التي تكون في يوم القيامة.

ويحتمل أنّ المقصود من (الحاقّة) هو الإشارة إلى العذاب الإلهي الذي يحلّ فجأة في هذه الدنيا بالمشركين والمجرمين والطغاة وأصحاب الهوى والمتمرّدين على الحقّ.

كما فسّرت (القارعة) التي وردت في الآية اللاحقة بهذا المعنى ـ أيضاً وبلحاظ أنّ هذا التّفسير يتناسب بصورة أكثر مع ما جاء في الآيات اللاحقة التي تتحدّث عن حلول العذاب الشديد بقوم عاد وثمود وفرعون وقوم لوط، فقد ذهب بعض المفسّرين إلى هذا الرأي أيضاً.

وجاء في تفسير (علي بن إبراهيم) قوله: إنّ (الحاقّة هي الحذر من نزول العذاب) وهو نظير ما جاء في الآية التالية: ( وحاقّ بآل فرعون سوء العذاب)(233)(234)

ثمّ تستعرض الآيات الكريمة اللاحقة مصير الأقوام الذين أنكروا يوم القيامة، وكذلك نزول العذاب الإلهي في الدنيا، حيث يضيف تعالى: ( كذّبت ثمود وعاد بالقارعة فأمّا ثمود فأهلكوا بالطاغية).

لقد كان (قوم ثمود) يسكنون في منطقة جبلية بين الحجاز والشام، فبعث الله

[ 542 ]

 

النبي صالح (عليه السلام) إليهم، ودعاهم إلى الإيمان بالله ... إلاّ أنّهم لم يستجيبوا له، بل حاربوه وتحدّوه في إنزال العذاب الذي أوعدهم به إن كان صادقاً، وفي هذه الحالة من التمرّد الذي هم عليه، سلّط الله عليهم (صاعقة مدمّرة) أنهت كلّ وجودهم في لحظات، فخربت بيوتهم وقصورهم المحكمة، وتهاوت أجسادهم على الأرض.

والنقطة الجديرة بالملاحظة هنا هي أنّ القرآن الكريم يعبّر عن عقاب هؤلاء الأقوام المتمردين بـ (العذاب الشديد)، وقد كان العذاب الشديد بصور متعدّدة حيث عبّر عنه بـ (الطاغية) كما جاء في الآية مورد البحث واُخرى بالـ (رجفة) كما جاء في سورة الأعراف الآية (78) وثالثة كان بصورة (صاعقة) كما ورد في سورة فصّلت الآية (13)، ورابعة كان على شكل (صيحة) كما جاء في سورة هود الآية (67).

وفي الحقيقة فإنّ جميع هذه التعابير ترجع إلى معنى واحد، لأنّ الصاعقة دائماً تكون مقرونة: بصوت عظيم، ورجفة على النقطة التي تقع فيها، وعذاب طاغ عظيم.

ثمّ تتطرّق الآية اللاحقة لتحدّثنا عن مصير (قوم عاد) الذين كانوا يسكنون في أرض الأحقاف الواقعة (في شبه جزيرة العرب أو اليمن) وكانوا ذوي قامات طويلة، وأجساد قوية، ومدن عامرة، وأراض خضراء خصبة، وحدائق نضرة .. وكان نبيّهم (هود) (عليه السلام) يدعوهم إلى الهدى والإيمان بالله ... إلاّ أنّهم أصرّوا على كفرهم وتمادوا في طغيانهم وتمرّدوا على الحقّ، فانتقم الله منهم شرّ إنتقام، وأقبرهم تحت الأرض بعد أن سلّط عليهم عذاباً شديداً مؤلماً، سنوضّح شرحه في الآيات التالية.

يقول تعالى: ( وأمّا عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية).

«صرصر» على وزن (دفتر) تقال للرياح الباردة أو المقترنة بصوت وضوضاء، أو المسمومة، وقد ذكر المفسّرون هذه المعاني الثلاث في تفسيرها، والجمع بين جميع هذه المعاني ممكن أيضاً.

«عاتية» من مادّة (عتو) على وزن (علو) بمعنى التمرّد على القانون الطبيعي للرياح وليست على أمر الله.

[ 543 ]

ثمّ تبيّن الآية التالية وصفاً آخر لهذه الرياح المدمّرة، حيث يقول تعالى: ( سخّرها عليهم سبع ليال وثمانية أيّام حسوماً).

«حسوماً» من مادّة (حسم) على وزن (رسم) بمعنى إزالة آثار شيء ما، وقيل للسيف (حسام) على وزن (غلام)، ويقال: (حسم) أحياناً لوضع الشيء الحارّ على الجرح للقضاء عليه من الأساس.

لقد حطّمت وأفنت هذه الريح المدمّرة في الليالي السبع والأيّام الثمانية جميع معالم حياة هؤلاء القوم، والتي كانت تتميّز بالاُبّهة والجمال، واستأصلتهم من الجذور(235).

ويصوّر لنا القرآن الكريم مآل هؤلاء المعاندين بقوله تعالى: ( فترى القوم فيها صرعى كأنّهم أعجاز نخل خاوية).

إنّه لتشبيه رائع يصوّر لنا ضخامة قامتهم التي إقتلعت من الجذور، بالإضافة إلى خواء نفوسهم، حيث أنّ العذاب الإلهي جعل الريح تتقاذف أجسادهم من جهة إلى اُخرى.

«خاوية» من مادّة (خواء) على وزن (حواء) في الأصل بمعنى كون الشيء خالياً، ويطلق هذا التعبير أيضاً على البطون الجائعة، والنجوم الخالية من المطر (كما في إعتقاد عرب الجاهلية)، وتطلق كذلك على الجوز الأجوف الفارغ من اللب.

ويضيف في الآية التالية: ( فهل ترى لهم من باقية)(236).

نعم لم يبق اليوم أي أثر لقوم عاد، بل حتّى مدنهم العامرة، وعماراتهم الشامخة ومزارعهم النضرة لم يبق منها شيء يذكر أبداً.

لقد بحثنا قصّة قوم عاد بصورة مفصّلة في التّفسير الأمثل، تفسير الآيات (58 ـ 60) من سورة هود.

* * *

[ 544 ]

الآيات

وَجَآءَ فِرْعُوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَـتُ بِالْخَاطِئَةِ (9) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً (10) إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَـكُمْ فِى الْجَارِيَةِ (11) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَعِيَةٌ (12)

التّفسير

أين الآذان الواعية؟

بعد ما استعرضت الآيات الكريمة السابقة الأحداث التي مرّت بقومي عاد وثمود، وتستمرّ هذه الآيات في التحدّث عن الأقوام الاُخرى كقوم (نوح) وقوم (لوط) لتكون درساً وعبرة لمن وعى وكان له قلب سليم .. يقول تعالى ( وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة).

الـ «خاطئة» بمعنى الخطأ و (لكليهما معنى مصدري) والمراد من الخطأ هنا هو الشرك والكفر والظلم والفساد وأنواع الذنوب.

الـ «المؤتفكات» جمع (مؤتفكة) من مادّة (ائتفاك) بمعنى الإنقلاب، وهي هنا إشارة إلى ما حصل في مدن قوم لوط، حيث إنقلبت بزلزلة عظيمة.

والمقصود بـ ( ومن قبله) هم الأقوام الذين كانوا قبل قوم فرعون، كقوم شعيب، وقوم نمرود الذين تطاولوا على رسولهم.

[ 545 ]

 

ثمّ يضيف تعالى: ( فعصوا رسول ربّهم فأخذهم أخذةً رابية).

لقد خالف الفراعنة (موسى وهارون) (عليهما السلام) وواجهوهما بمنتهى العنف والتشكيك والملاحقة .. وكذلك كان موقف أهل مدينة (سدوم) من لوط (عليه السلام) الذي بعث لهدايتهم وإنقاذهم من ضلالهم .. وهكذا كان ـ أيضاً ـ موقف أقوام آخرين من رسلهم حيث التطاول. والتشكيك والإعراض والتحدّي ..

إنّ كلّ مجموعة من هؤلاء الأقوام المتمردّين قد إبتلاهم الله بنوع من العذاب، وأنزل عليه رجزاً من السماء بما يستحقّون، فالفراعنة أغرقهم الله سبحانه في وسط النيل الذي كان مصدراً لخيراتهم وبركة بلدهم وإعمار أراضيهم وديارهم، وقوم لوط سلّط الله عليهم (الزلزال) الشديد ثمّ (مطر من الحجارة) ممّا أدّى إلى موتهم وفنائهم من الوجود.

«رابية» و (ربا) من مادّة واحدة، وهي بمعنى الإضافة، والمقصود بها هنا العذاب الصعب والشديد جدّاً.

لقد جاء شرح قصّة قوم فرعون في الكثير من سور القرآن الكريم، وجاءت بتفصيل أكثر في ما ورد من سورة الشعراء الآية (10 ـ 68) يراجع التّفسير الأمثل، وكذلك في سورة الأعراف من الآية (103 ـ 137) راجع التّفسير الأمثل، وكذلك في سورة طه من الآية (24 ـ 79) راجع التّفسير الأمثل.

وجاءت قصّة لوط أيضاً في الكثير من السور القرآنية من جملتها ما ورد في سورة الحجر الآية (61 ـ 77) في التّفسير الأمثل.

وأخيراً تعرّض بإشارة موجزة إلى مصير قوم نوح والعذاب الأليم الذي حلّ بهم، قال تعالى: ( إنّا لما طغا الماء حملناكم في الجارية).

إنّ طغيان الماء كان بصورة غطّى فيها السحاب ومن هنا جاء تعبير (طغى) حيث هطل مطر غزير جدّاً وكأنّه السيل ينحدر من السماء، وفاضت عيون الأرض، والتقت مياههما بحيث أصبح كلّ شيء تحت الماء (القوم وبيوتهم وقصور أكابرهم ومزارعهم وبساتينهم ...) ولم تنج إلاّ مجموعة المؤمنين التي كانت مع نوح (عليه السلام) في سفينته.

[ 546 ]

 

جملة (حملناكم) كناية عن حمل وإنقاذ أسلافنا وأجدادنا من الغرق، وإلاّ ما كنّا في عالم هذا الوجود(237).

ثمّ يبيّن الله سبحانه الغاية والهدف من هذا العقاب، حيث يقول تعالى: ( لنجعلها لكم تذكرة وتعيها اُذن واعية).

إنّنا لم نرد الإنتقام منكم أبداً، بل الهداية والخير والسعادة، كنّا نروم أن تكونوا في طريق الكمال والنضج التربوي والوصول إلى ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان المكرم.

«تعيها» من مادّة (وعى) على وزن (سعى) يقول (الراغب) في المفردات، و (ابن منظور) في لسان العرب: إنّها في الأصل بمعنى الإحتفاظ بشيء معيّن في القلب، ومن هنا قيل للإناء (وعاء) لأنّه يحفظ الشيء الذي يوضع فيه، وقد ذكرت هذه الصفة (الوعي) للآذان في الآيات مورد البحث، وذلك بلحاظ أنّها تسمع الحقائق وتحتفظ بها.

والإنسان تارةً يسمع كلاماً إلاّ أنّه كأن لم يسمعه، وفي التعبير السائد: يسمع باُذن ويخرجه من الاُخرى.

وتارةً اُخرى يسمع الكلام ويفكّر فيه ويتأمّله. ويجعل ما فيه خير في قلبه، ويعتبر الإيجابي منه مناراً يسير عليه في طريق حياته ... وهذا ما يعبّر عنه بـ (الوعي).

* * *

تعقيب

1 ـ فضيلة اُخرى من فضائل الإمام علي

(عليه السلام)

جاء في كثير من الكتب الإسلامية المعروفة ـ أعمّ من كتب التّفسير والحديث ـ أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال عند نزول الآية أعلاه ( وتعيها اُذن واعية): «سألت ربّي أن يجعلها اُذن علي»، وبعد ذلك كان يقول الإمام علي (عليه السلام):

[ 547 ]

 

«ما سمعت من رسول الله شيئاً قطّ فنسيته، إلاّ وحفظته»(238).

ونقل في (غاية المرام) ستّة عشر حديثاً في هذا المجال عن طريق الشيعة وأهل السنّة، كما ينقل (المحدّث البحراني) أيضاً في تفسير (البرهان) عن (محمّد بن عبّاس) ثلاثين حديثاً في هذا المجال نقلت عن طريق العامّة والخاصّة.

وهذه فضيلة عظيمة لقائد الإسلام العظيم الإمام علي (عليه السلام) حيث يكون موضع أسرار الرّسول، ووارث علمه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولهذا السبب فإنّ الجميع كانوا يرجعون إليه ـ الموافق له والمخالف ـ بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك عندما يواجهون المشاكل الإجتماعية والعلمية المختلفة، ويطلبون منه التدخّل في حلّها، كما تحدّثنا بذلك كتب التواريخ بشكل تفصيلي.

2 ـ التناسب بين (الذنب) و (العقاب)

وردت في الآيات أعلاه تعبيرات ملفتة للنظر، فتعبير (الطاغية) جاء في مورد العذاب الذي سلّط على قوم ثمود، وعبارة (العاتية) جاءت في مورد العذاب الذي حلّ بقوم عاد، وبالنسبة إلى ما أصاب قوم فرعون وقوم لوط فقد ورد تعبير (الرابية) كما وردت عبارة (طغى الماء) فيما يتعلّق بطبيعة العذاب الذي شمل قوم نوح .. والملاحظ من التعبيرات السابقة أنّها جميعاً تشترك في مفهوم واحد وهو: (الطغيان والتمرّد) وهو نتيجة طبيعية لما كانت عليه هذه الأقوام جميعاً أي إنّ عذاب هؤلاء الطغاة تحقّق بطغيان بعض المواهب الإلهية للناس أعمّ من الماء والهواء والتراب والنار.

كما أنّ هذه التعبيرات ـ أيضاً ـ تؤكّد على حقيقة مهمّة، وهي أنّ العقوبات التي نواجهها في الدنيا والآخرة ما هي إلاّ تجسيد لحقيقة أعمالنا، وأنّ أعمالنا نحن البشر تعود علينا خيراً كانت أم شرّاً.

* * *

[ 548 ]

 

الآيات

فَإِذَا نُفِخَ فِى الصُّورِ نَفْخَةٌ وَحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتِ الاَْرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَحِدَةً (14) فَيَوْمَئِذ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (15) وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِىَ يَوْمَئِذ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَآئِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذ ثَمَـنِيَةٌ (17)

التّفسير

الصّيحة العظيمة:

استمراراً لما تعرّضت له الآيات الاُولى من هذه السورة، والتي كانت تتعلّق بمسألة الحشروالقيامة، تعرض لنا هذه الآيات صورة عن الحوادث العظيمة في ذلك اليوم الرهيب باُسلوب محرّك ومؤثّر في النفوس كي تحيط الإنسان علماً بما ينتظره من حوادث ذات شأن كبير في ذلك الموقف الرهيب.

يقول تعالى في البداية: ( فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة).

لقد بيّنا فيما سبق أنّ ممّا يستفاد من القرآن الكريم أنّ نهاية عالم الدنيا وبداية عالم الآخرة تكون بصوت مفاجىء عظيم، وذلك ما عبّر عنه بـ (نفخة الصور).

ولهذا السبب استعمل البوق في الماضي والحاضر للإستفادة منه في جمع وتهيئة الجيوش، وكذلك في الإعلان عن موعد الإستراحة، حيث يتمّ العزف بألحان مختلفة حسب طبيعة الموضوع. الذي يعلن عنه، فالعزف للنوم والإستراحة يختلف عن

[ 549 ]

 

عزف التجمّع والتهيّؤ للحركة والتدريب ...

إنّ مسألة انتهاء هذا العالم، وبداية العالم الجديد عالم الآخرة، هي عند الله بسيطة وهيّنة في مقابل قدرته العظيمة، فبأمر واحد وفي لحظة مفاجئة ينتهي ويفنى من في السموات والأرضين، وبأمر آخر يلبس سبحانه الجميع لباس الحياة ويستعدّون للحساب، وهذا هو مقصود الآية الكريمة.

لقد تحدّثنا بصورة مفصّلة حول خصوصيات (الصور) وكيفية (النفخ) فيه، وعدد النفخات، والفاصلة الزمنية بين كلّ نفخة، وذلك في تفسير سورة (الزمر) الآية 68 من التّفسير الأمثل، لذا لا نرى ضرورة لتكرار ذلك.

والشيء الوحيد الذي نذكّر به هنا هو (نفخة الصور) وكما أشرنا أعلاه فهي (نفختان): (نفخة الموت)، و (نفخة الحياة الجديدة)، لكن هل المقصود في هذه الآية الكريمة هو (النفخة الاُولى) أم (الثانية)؟ فهذا ما لا يوجد فيه رأي موحّد بين المفسّرين، لأنّ الآيات التي ستأتي لاحقاً بعضها يتناسب مع نفخة الموت، والآخر يتناسب مع نفخة الحياة والحشر، إلاّ أنّ منطوق الآيات بشكل إجمالي في رأينا تتناسب أكثر مع النفخة الاُولى التي تحصل فيها نهاية عالم الدنيا.

ثمّ يضيف تعالى: ( وحملت الأرض والجبال فدكتّا دكة واحدة).

«دكّ» كما يقول الراغب في المفردات، وفي الأصل بمعنى (الأرض المستوية) ولأنّ الأرض غير المستوية تحتاج إلى الدك حتّى تستوي، لذا استعمل هذا المصطلح في الكثير من الموارد بمعنى «الدق الشديد».

كما يستفاد من مصادر اللغة أنّ أصل معنى (دك) هو (الدقّ والتخريب) ولازم ذلك الإستواء، لذا استعمل هذا المصطلح في هذا المعنى أيضاً(239).

وعلى كلّ حال فإنّ المقصود من هذه الكلمة ـ في الآية مورد البحث ـ هو الدقّ الشديد للجبال والأراضي اللامستوية بعضها ببعض بحيث تستوي وتتلاشى فيها جميع التعرجات.

[ 550 ]

 

ثمّ يضيف تعالى: ( فيومئذ وقعت الواقعة).

في ذلك اليوم العظيم لا تتلا شى فيه الأرض والجبال فحسب، بل يقع حدث عظيم آخر، وذلك قوله تعالى: ( وانشقت السماء فهي يومئذ واهية) وذلك بيان لما تتعرّض له، الأجرام السماوية العظيمة من إنفلاقات وتناثر وتلاشي، حيث تضطرب هذه الأجرام الهائلة وتتحوّل فيها النظام إلى فوضى والتماسك إلى ضعف، والإستحكام إلى خواء بشكل عجيب. وذلك من خلال حركات وتحوّلات مرعبة جدّاً، كما يعبّر القرآن الكريم عن ذلك بقوله تعالى: ( فإذا انشقت السماء فكانت وردةً كالدهان) الرحمن / 37.

وبعبارة اُخرى فإنّ الأرض والسماء الحاليتين تتدمران وتنتهيان، ويحدث عالم جديد على أنقاض العالم السابق يكون أكمل وأتمّ وأعلى من عالمنا الدنيوي.

( والملك على أرجائها).

«أرجاء» جمع (رجا) بمعنى جوانب وأطراف شيء معيّن، و (الملك) هنا بالرغم من ذكرها بصيغة المفرد، إلاّ أنّ المقصود بها هو الجنس والجمع.

إنّ ملائكة الرحمن ـ في الآية أعلاه ـ يصطفون على جوانب وأطراف السماوات ينتظرون تلقّي أمر الواحد الأحد لإنجازه بمجرد الإشارة، وكأنّهم جنود جاهزون لما يؤمرون به.

ثمّ يقول تعالى: ( ويحمل عرش ربّك فوقهم يومئذ ثمانية).

إنّ حملة العرش بالرغم من أنّهم لم يشخّصوا بصورة صريحة في هذه الآية وهل هم من الملائكة أم من جنس آخر؟ إلاّ أنّ ظاهر تعبير الآية الكريمة أنّهم من الملائكة، ومن غير المعلوم أنّ المقصود بـ (ثمانية) هل هم ثمانية ملائكة؟ أم ثمانية مجاميع من الملائكة؟ سواء كانت هذه المجاميع صغيرة أو كبيرة.

جاء في الروايات الإسلامية أنّ حملة العرش في عالم الدنيا أربعة أشخاص أو أربع (مجاميع) إلاّ أنّهم في يوم القيامة يكونون ضعف ذلك، كما نقرأ ذلك في حديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: (إنّهم اليوم أربعة، فإذا كان

[ 551 ]

 

يوم القيامة أيّدهم الله بأربعة آخرين فيكونون ثمانية)(240).

أمّا ما يتعلّق بحقيقة العرش، وماهية الملائكة، فذلك كما يلي:

المقصود بـ (العرش) كما هو واضح ليس تختاً ممّا يكون للسلاطين، ولكنّه ـ كما بيّنا سابقاً في تفسير كلمة (العرش) ـ بأنّها تعني (مجموعة عالم الوجود) حيث أنّه عرش حكومة الله سبحانه، ويدبّر حكومته تعالى من خلاله بواسطة الملائكة الذين هم جاهزون لتنفيذ أمره سبحانه.

وجاء في رواية اُخرى أنّ حملة العرش في يوم القيامة أربعة من الأوّلين، وأربعة من الآخرين، والأشخاص الأوّلون الأربعة هم: (نوح) و (إبراهيم)، و (موسى)، و (عيسى)، أمّا الأشخاص الآخرون الأربعة فهم (محمّد) و (علي) و (الحسن)، و (الحسين)(241).

وهذا الحديث من الممكن أن يكون إشارة إلى مقام شفاعتهم للأوّلين والآخرين، والشفاعة ـ عادةً ـ تكون لمن هم أهل لها، وممّن لهم لياقة لنيلها، ومع ذلك فإنّه يوضّح المفهوم الواسع للعرش.

أمّا إذا كان حملة العرش ثمانية مجاميع، فمن الطبيعي أن تتعهّد المجاميع للقيام بهذه المهمّة، سواء كان هؤلاء من الملائكة أو الأنبياء أو الأولياء، وممّا تقدّم نلاحظ أنّ قسماً من تدبير نظام وشؤون ذلك اليوم هو من مهمّة الملائكة وقسم من الأنبياء، حيث أنّ الجميع جاهزون لتنفيذ أمر الله، ويتحرّك بإرادته تعالى.

هنالك آراء في أنّ الضمير في (فوقهم) هل يرجع إلى «البشر»؟ أم إلى (الملائكة)؟ وبما أنّ الحديث في الجملة السابقة كان حول الملائكة، فإنّ الضمير يرجع إليهم حسب الظاهر، وبهذه الصورة فإنّ الملائكة تحيط بالعالم من جميع جهاته، ولهذا فإنّ المقصود بـ (من فوقهم) هو (العلو من حيث المقام).

وهنالك احتمال بأنّ حملة عرش الله هم أشخاص أعلى وأفضل من الملائكة،

[ 552 ]

 

 وتماشياً مع هذا الإحتمال فإنّ ما جاء في الحديث السابق منسجم معه، حيث ورد فيه أنّ حملة عرش الله هم ثمانية من الأنبياء والأولياء.

وبما أنّ الحوادث المتعلّقة بيوم القيامة ليست واضحة لنا نحن سكنة هذا العالم المحدود، لذا فليس بمقدورنا إذاً إدراك المسائل المتعلّقة بحملة العرش في ذلك اليوم. إنّ الذي نتحدّث به عن هذه الاُمور ما هو إلاّ شبح يتراءى لنا من بعيد في ظلّ الآيات الإلهية، وإلاّ فلا تتمّ رؤية الحقيقة بدون معايشة الواقع(242).

وممّا يجدر ملاحظته أنّ في (النفخة الاُولى للصور) يموت ويفنى جميع من في السموات والأرض، وبناءً على هذا فإنّ مسألة بحث «حملة العرش» مرتبط «بالنفخة الثانية»، حيث يتمّ إحياء الجميع، وبالرغم من أنّه لم يأت ذكر للنفخة الثانية في الآية أعلاه، إلاّ أنّ ذلك يتّضح من خلال القرائن، والمطالب التي سترد في الآيات اللاحقة تتعلّق بالنفخة الثانية أيضاً(243).

* * *

[ 553 ]

 

الآيات

يَوْمَئِذ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ (18) فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ اقْرَءُوا كِتَـبِيهْ (19) إِنِّى ظَنَنتُ أَنِّى مُلَـق حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِى عِيشَة رَّاضِيَة (21) فِى جَنَّة عَالِيَة (22)قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِى الاَْيَّامِ الْخَالِيَةِ (24)

التّفسير

ياأهل المحشر: اقرؤا صحيفة أعمالي

قلنا في تفسير الآيات السابقة أنّ (نفخ الصور) يحدث مرّتين.

الاُولى: عندما يأمر تعالى بنهاية العالم وموت الأحياء وتلاشي الوجود.

والثانية: بحدوث العالم الجديد، عالم الآخرة حيث البعث والنشور ...، وكما ذكرنا فإنّ بداية الآيات تخبرنا عن النفخة الاُولى، ولم تستعرض تفاصيل النفخة الثانية.

واستمراراً للحديث في هذا الصدد، وخصوصيات العالم الجديد الذي سيكون عند النفخة الثانية، تحدّثنا هذه الآيات عن شيء من ذلك حيث يقول تعالى: ( يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية).

«تعرضون» من مادّة (عرض) بمعنى عرض شيء معيّن، بضاعة أو غيرها.

[ 554 ]

وممّا لا شكّ فيه أنّ جميع ما في الوجود ـ بشراً وغيره ـ هو بين يدي اللّه سبحانه، سواء في هذه الدنيا أو في عالم الآخرة، إلاّ أنّ هذا الأمر يظهر ويتّضح بصورة أشدّ في يوم القيامة، كما في مسألة حاكمية الله المطلقة والدائمة على عالم الوجود، حيث تتّضح في يوم القيامة أكثر من أي وقت آخر.

إنّ جملة: ( تخفى منكم خافية) يمكن أن تكون إشارة إلى أنّ الأسرار الخاصّة بالإنسان وما يحاول إخفاءه يتحوّل في ذلك اليوم إلى حالة من الظهور والوضوح كما يقول تعالى: ( يوم تبلى السرائر)(244)

في ذلك اليوم لن يقتصر الوضوح والظهور على أعمال البشر الخفيّة فحسب، بل على صفات وروحيات وأخلاقيات ونيّات الجميع فإنّها هي الاُخرى تبرز وتظهر، وهذا أمر عظيم جدّاً، بل إنّه أعظم من إنفجار الأجرام السماوية وتلاشي الجبال ـ كما يقول البعض ـ حيث الفضيحة الكبرى للطالحين، والعزّة والرفعة للمؤمنين بشكل لا نظير له، يوم يكون الإنسان عرياناً ليس من حيث الجسم فقط، بل أعماله وأسراره الخفية تكون على رؤوس الأشهاد، نعم لا يبقى أمر مخفي من وجودنا وكياننا أجمع في ذلك اليوم العظيم.

ويمكن أن يكون المراد هو الإشارة للإحاطة العلمية لله تعالى بجميع المخلوقات، ولكن التّفسير الأوّل أنسب.

لذا يقول سبحانه بعد ذلك: ( فأمّا من اُوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرأوا كتابيه)(245).

إنّ الفرحة تملؤه بصورة لا مثيل لها، حتّى يكاد يطير من شدّة فرحته، حيث أنّ كلّ ذرّة من ذرّات وجوده تغمرها الغبطة والسعادة والشكر لله سبحانه على هذه النعم والتوفيق والهداية التي منّ الله بها عليه ويصرخ (الحمد لله).

ثمّ يعلن بافتخار عظيم فيقول: ( إنّي ظننت أنّي ملاق حسابيه)(246).

[ 555 ]

 

«ظنّ» في مثل هذه الموارد تكون بمعنى (اليقين) إنّه يريد أن يقول: إنّ ما تفضّل به الله تعالى عليّ كان بسبب إيماني بهذا اليوم، والحقيقة أنّ الإيمان بالحساب والكتاب يمنح الإنسان روح التقوى، والتعهّد والإحساس بالمسؤولية، وهذا من أهمّ عوامل تربية الإنسان.

ثمّ يبيّن الله تعالى في الآيات اللاحقة جانباً من جزاء وأجر هؤلاء الأشخاص حيث يقول: ( فهو في عيشة راضية)(247).

وبالرغم من أنّ الجملة أعلاه تجسّد كلّ ما يستحقّ أن يقال في هذا الموضوع، إلاّ أنّه سبحانه يضيف للتوضيح الأكثر: ( في جنّة عالية).

إنّ الجنّة التي تكون عالية ورفيعة بشكل لم ير أحد مثلها قطّ، ولم يسمع بها، ولم يتصور مثلها.

( قطوفها دانية)(248).

حيث لا جهد مكلّف ولا مشقّة ولا صعوبة في قطف الثمار، ولا عائق يحول من الإقتراب للأشجار المحمّلة بالثمار، وجميع هذه النعم في متناول الأيدي بدون إستثناء.

وفي آخر آية ـ مورد البحث ـ يوجّه الباريء عزّوجلّ خطابه المملوء بالحبّ والمودّة والإعتزاز إلى أهل الجنّة بقوله: ( كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيّام الخالية).

وهكذا كانت هذه النعمة العظيمة التي منحها الله لهؤلاء المتقين جزاء أعمالهم الصالحة التي ادّخروها ليوم كان فيه الحساب الحقّ، وأرسلوها سلفاً أمامهم، وإنّ الأعمال الخيّرة والمحدودة هي التي أثمرت هذه الثمار الكبيرة حيث ظلّ الرحمة الإلهية واللطف الربّاني.

* * *

[ 556 ]

 

ملاحظات

1 ـ تفسير آخر لكلمة (العرش)

جاء في حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «حملة العرش ـ والعرش العلم ـ ثمانية، أربعة منّا، وأربعة ممّن شاء الله»(249).

وجاء أيضاً في حديث آخر لأمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: «فالذين يحملون العرش، هم العلماء، الذين حمّلهم الله علمه»(250).

ونقرأ في حديث عن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) أنّه قال: «العرش ليس هو الله، والعرش اسم علم وقدرة»(251).

إنّ ما يستفاد من هذه الأحاديث ـ بشكل عام ـ أنّ للعرش تفسيراً آخر بالإضافة إلى التّفسير السابق الذي ذكرناه سابقاً ـ وهو (صفات الله) ـ صفات مثل (العلم) و (القدرة)، وبناءً على هذا، فإنّ حملة العرش الإلهي هم حملة علمه، وكلّما كان الإنسان أو الملك أكثر علماً، كان له سهم أكبر في حمل العرش العظيم.

ومن هنا فإنّ هذه الحقيقة تتبلور بصورة أفضل وهي: أنّ العرش ليس تختاً جسمانياً يشبه تخوت السلاطين، بل له معان عديدة كنائية مختلفة إذا استعمل منسوباً إلى الله تعالى.

2 ـ مقام الإمام علي

(عليه السلام) وشيعته

جاء في روايات عديدة أنّ الآية: ( فأمّا من اُوتي كتابه بيمينه ..) نزلت في حقّ الإمام علي (عليه السلام) وشيعته(252).

3 ـ جواب على سؤال

والسؤال المطروح هو: هل أنّ دعوة المؤمنين لأهل المحشر لقراءة كتاب حسابهم وصحيفة أعمالهم ـ طبقاً لما جاء في الآية الكريمة: ( فأمّا من اُوتي كتابه بيمينه

[ 557 ]

 

فيقول هاؤم اقرأوا كتابيه) ـ تعني أنّ صحيفة أعمالهم خالية من أي ذنب؟

وفي مقام الجواب يمكن أن نستفيد من بعض الأحاديث منها حديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث يقول: «يدني الله العبد يوم القيامة، فيقرره بذنوبه كلّها، حتى إذا راى أنّه قد هلك قال اللّه تعالى: إنّي استرتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، ثمّ يعطى كتاب حسناته بيمينه»(253).

وقال البعض أيضاً: إنّ الله تعالى يبدّل سيّئات المؤمنين في ذلك اليوم إلى (حسنات) وبذلك لا تبدو أي نقطة سوداء في صحائف أعمالهم.

* * *

[ 558 ]

 

الآيات

وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـبَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَـلَيْتَنِى لَمْ أُوتَ كِتَـبِيَهْ (25)وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَـلَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّى مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّى سُلْطَـنِيَهْ (29)

التّفسير

ياليتني متّ قبل هذا:

كان الحديث في الآيات السابقة عن (أصحاب اليمين) حيث صحائف أعمالهم بأيديهم اليمنى، ويوجّهون نداءهم إلى أهل المحشر بكلّ فخر للإطلاع على صحيفة أعمالهم وقراءتها، ثمّ يدخلون جنّات الخلد حيث تكون مستقرّهم الأبدي.

أمّا هذه الآيات فتستعرض الطرف المقابل لأصحاب اليمين وهم (أصحاب الشمال) وتقدّم مقارنة بين المجموعتين، حيث يقول تعالى: ( وأمّا من اُوتي كتابه بشماله، فيقول ياليتني لم اُوت كتابيه)(254).

( ولم أدر ما حسابيه ياليتها كانت القاضية)(255).

[ 559 ]

 

نعم، في ذلك اليوم العظيم، يوم البعث ويوم البروز والظهور، يوم الحساب والمحكمة الإلهية العظيمة، حيث تتوضّح وتنكشف حقيقة الأعمال القبيحة والسيّئة للإنسان .. وعندما يواجهها يبدأ يجأر ويصرخ ويطلق الزفرات الساخنة المتلاحقة من الأعماق على المصير السيء الذي أوصل نفسه إليه، والشرّ الذي جلبه عليها، ويتمنّى أن يقطع علاقته بماضيه الأسود تماماً، ويتمنّى أن يموت ويفنى ويتخلّص من هذه الفضيحة الكبيرة المهلكة، ويعبّر عن هذا الشعور قوله تعالى: ( ويقول الكافر ياليتني كنت تراباً)(256)

وذكرت تفاسير اُخرى ـ أيضاً ـ لمعنى قوله: ( ياليتها كانت القاضية) منها أنّ المقصود من (القاضية) هي الموتة الاُولى، يعني ياليتنا لم نحي مرّة اُخرى ونبعث من جديد، في حين كان أقبح شيء في نظرهم هو الموت، ويتمنّى هؤلاء أن لو استمرّ موتهم ولم يواجهوا الخزي في حياتهم الثانية في المحكمة الإلهية العادلة.

وقيل أنّ المقصود من «القاضية» (نفخة الصور) الاُولى حيث عبّر عنها بـ (القارعة) أيضاً، ويعني ذلك تمنّيهم عدم حدوث النفخة الثانية، لذا فهم يقولون: ياليت لم تكن هذه النفخة، إلاّ أنّ التّفسير الذي تحدّثنا عنه في البداية أنسب من الجميع.

ثمّ يضيف تعالى مستعرضاً إعتراف المجرمين بذنوبهم فيقول: ( ما أغنى عنّي ماليه) فالأموال التي كنت أجمعها في الدنيا لم تنقذني الآن ولم تعنّي ولم تدفع عنّي الأهوال أو تحلّ مشاكلي.

( هلك عنّي سلطانيه) فليست أموالي لم تسعفني في هذه الشدّة، بل أنّ قدرتي ومقامي وسلطتي هي الاُخرى هلكت وزالت عنّي.

وخلاصة الأمر: إنّ الأموال والمقام والسلطان والقوّة .. كلّها لم تفدني ولم تدفع عنّي ما أنا ملاقيه من عقاب على ما أسرفت في السابق، وقد وقفت بين يدي محكمة العدل الإلهي، وأنا لا أملك أي قوّة تنفعني في هذا اليوم، فقد ذهبت قدرتي، وقطع أملي من كلّ شيء، وتعطّلت بي الأسباب. وهكذا يكون المجرمون في نهاية الذلّ والخزي والندم، ولات ساعة مندم.

اعتبر البعض معنى الـ (سلطان) هنا هو الدليل والبرهان الذي يكون عاملا في الإنتصار، وبذلك يكون تفسير الآية، أنّ المذنب يقول في ذلك اليوم: إنّي لا أملك

[ 560 ]

 

 أي دليل وحجّة أستطيع بها تبرير أعمالي في حضرة الباريء عزّوجلّ.

وقيل أيضاً أنّ المراد من (السلطان) هنا ليس السلطة الحكومية، ذلك لأنّ الداخلين إلى جهنّم ليسوا جميعاً سلاطين أو اُمراء، بل إنّ المراد هو سلطة الإنسان على نفسه وحياته وإرادته، ولكن بما أنّ الكثير من أهل النار كانوا يتمتعون بسلطة ونفوذ في عالم الدنيا، أو أنّهم كانوا من أصحاب الأموال .. لذا يمكن إعتبار وجهة النظر هذه صحيحة حسب الظاهر.

* * *

ملاحظة

بعض القصص المثيرة:

نقلت في هذا المجال قصص كثيرة تؤكّد على المفاهيم العامّة التي احتوتها الآيات الكريمة أعلاه، كموضع شاهد وعبرة وتأييد لما ذهبت إليه الآيات المباركات، لتكون درساً لاُولئك الذين جعلوا (المال والسلطان) همّهم الأوّل، وانغمسوا حتّى الأذقان في الغفلة والغرور والذنوب من أجلهما، ومن جملتها ما يلي:

1 ـ نقل في (سفينة البحار) عن كتاب (النصائح) ما نصّه: (عندما اشتدّ مرض هارون الرشيد في خراسان أمر بإحضار طبيب من طوس، ثمّ أوصى أن يعرض إدراره مع إدرار قسم من المرضى والأصحاء على الطبيب، ففحص الطبيب قناني الإدرار الواحدة بعد الاُخرى، حتّى وصل إلى القنينة التي فيها إدرار هارون الرشيد، وبدون أن يعلم من صاحب إدرار هذه القنينة قال: قولوا لصاحب هذه القنينة أن يوصي، لأنّ قواه قد انهدّت وبنيته قد هدمت، فعند سماع هارون هذا الكلام يئس من حياته، وتلا هذه الأبيات الشعرية:

إنّ الطبيب بطبّه ودوائه لا يستطيع دفاع نَحْب قد أتى

ما للطبيب يموت بالداء الذي قد كان يبرىء مثله فيما مضى

وفي هذه الأثناء سمع الناس يتداولون خبر موته، ولكي يبطل مفعول هذه الإشاعة، أمر باستحضار دابة، وطلب أن يركب عليها، وعندما امتطى الدابة ضعفت أرجلها عن حمله، قال: أنزلوني، فإنّ الذي أشاع هذه الشائعة قد صدق. ثمّ أمر بجلب أكفان له، واختار كفناً منها نال إعجابه، وقال احضروا لي قبراً بالقرب من فراشي هذا، ثمّ نظر إلى قبره، وتلا هذه الآيات: ( ما أغنى عنّى ماليه، هلك عنّي

[ 561 ]

 

سلطانيه)(257).

2 ـ ونقل ـ أيضاً ـ في نفس المصدر عن العالم الكبير (الشيخ البهائي) ما نصّه هكذا: (كان هنالك رجل كثير الحساب لنفسه واسمه (توبة)، حوّل عمره البالغ ستّين عاماً إلى أيّام فكان مجموعها (21500) وعند ذلك قال: ياويلي إذا لم أكن قد أذنبت في اليوم إلاّ ذنباً واحداً فإنّ مجموع ذنوبي الآن يربو على واحد وعشرين ألف ذنب؟ فكيف اُلاقي ربّي بواحد وعشرين ألف ذنب؟ وبينما هو في هذه الحال إذ صرخ صرخة سقط على أثرها على الأرض وسلّم روحه إلى بارئها)(258).

3 ـ ورد في كتاب «اليتيمة» للثعالبي أنّه لمّا حانت وفاة عضد الدولة لم يتحرّك لسانه إلاّ بهذه الآية «ما أغنى عنّي ماليه هلك عنّي سلطانيه».

* * *

[ 562 ]

 

الآيات

خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِى سِلْسِلَة ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ (33)وَلاَ يُحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَـهُنَا حَمِيمٌ(35) وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِين (36) لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخَـطِئُونَ(37)

التّفسير

خذوه فغلّوه:

إستمراراً للآيات السابقة التي كانت تتحدّث عن (أصحاب الشمال) الذين يستلمون صحائف أعمالهم بأيديهم اليسرى، فتنطلق الآهات والأنّات، ويتمنّى أحدهم الموت ـ يشير تعالى في الآيات أعلاه إلى قسم من العذاب الذي يلاقونه يوم القيامة فيقول: ( خذوه فغلّوه).

«غلّوه» من مادّة (غلّ)، وكما قلنا سابقاً أنّ المراد هو السلسلة التي كانوا يربطون بها أيدي وأرجل المجرمين إلى أعناقهم مقترن بالكثير من المشقّة والألم.

( ثمّ الجحيم صلّوه ثمّ في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه).

«السلسلة» في الأصل مأخوذة من مادّة (تسلسل) بمعنى الإهتزاز والإرتعاش، لأنّ حلقات السلسلة الحديدية تهتزّ وتتحرّك.

التعبير بـ (سبعون ذراعاً) يمكن أن يكون من باب (الكثرة) إذ أنّ العدد

[ 563 ]

 

سبعين كثيراً ما يستعمل للكثرة، كما يمكن أن يكون المقصود هو العدد (سبعون) نفسه، وعلى كلّ حال، فإنّ مثل هذا الزنجير يطوق به المجرمون بحيث يربطون به من كلّ جانب.

وقال بعض المفسّرين: إنّ هذه السلاسل الطويلة ليست لشخص واحد. بل لمجاميع يربط كلّ منها بسلسلة، وذكر هذه العقوبة بعد ذكر الغلّ في الآيات السابقة يتناسب أكثر مع هذا المعنى.

«ذراع»: بمعنى الفاصلة بين الساعد ونهاية الأصابع، (وقياسها بحدود نصف متر) وكانت وحدة الطول المستعملة عند العرب، وهي قياس طبيعي، وقال البعض إنّ (الذراع) الوارد في الآية الكريمة هو غير الذراع المتعارف عليه، حيث أنّ كلّ وحدة منه تمثّل فواصل عظيمة، ويربط بهذا الزنجير جميع أهل جهنّم.

ونكرّر هنا مرّة اُخرى قولنا أنّ المسائل المرتبطة بالقيامة لا نستطيع تصويرها بالكامل بواسطة بياننا نحن سكّان الدنيا، إلاّ أنّنا نعكس شبحاً ـ فقط ـ من خلال ما جاء في الآيات والروايات.

التعبير بـ (ثمّ) في هذه الآية يوضّح لنا أنّ المجرمين بعد دخولهم في النار يربطون بالسلسلة ذات السبعين ذراعاً، وهذه عقوبة جديدة لهم. كما يوجد إحتمال أنّ هذه السلاسل الفردية أو الجماعية تكون قبل الدخول في جهنّم، و (ثم) جاءت للتأخير في الذكر.

وتتطرق الآيتان التاليتان لبيان السبب الرئيسي لهذا العذاب العسير، فيقول تعالى: ( إنّه كان لا يؤمن بالله العظيم).

وكلّما كان الأنبياء والأولياء ورسل الله تعالى يدعونه للتوجّه إلى (الواحد الأحد) لم يكن ليقبل، ولذا فإنّ إرتباطه بالخالق كان مقطوعاً بصورة تامّة.

( ولا يحضّ على طعام المسكين).

وبهذا الشكل فإنّ هؤلاء قد قطعوا علاقتهم مع (الخلق) أيضاً.

وبهذا اللحاظ فإنّ العامل الأساسي لبؤس هؤلاء المجرمين هو قطع علاقتهم مع (الخالق) و (الخلق).

[ 564 ]

 

ويستفاد من التعبير السابق ـ بصورة واضحة ـ أنّه يمكن تلخيص أهمّ الطاعات والعبادات وأوامر الشرع بهذين الأساسين: (الإيمان) و (إطعام المسكين) وهذا يمثّل إشارة إلى الأهميّة البالغة لهذا العمل الإنساني العظيم والحقيقة كما يقول البعض: إنّ أردأ العقائد هو (الكفر) كما أنّ أقبح الرذائل الأخلاقية هو (البخل).

والطريف في التعبير أنّه لم يقل (كان لا يطعم)، بل قال: كان لا يحثّ الآخرين على الإطعام، إشارة إلى:

أوّلا: إنّ حلّ مشكلة المحتاجين وإشباع الجائعين لا يمكن أن يتغلّب عليها شخص واحد، بل يجب دعوة الآخرين أيضاً للمساهمة بمثل هذا العمل، ليعمّ الخير والفضل والإحسان جميع الناس.

ثانياً: قد يكون الشخص عاجزاً عن إطعام المساكين، ولكن الجميع بإمكانهم حثّ الآخرين على ذلك.

ثالثاً: محاربة صفة البخل، حيث أنّ من صفات البخيل أنّه يمتنع عن العطاء والبذل، ولا يرغب أو يرتاح لبذل وعطاء الآخرين أيضاً.

وينقل أنّ شخصاً من القدماء كان يأمر زوجته بأن تطبخ طعاماً أكثر من حاجتهم لإعطاء المساكين، ثمّ كان يقول: (أخرجنا نصف السلسلة من أعناقنا وذلك بالإيمان بالله، والنصف الآخر بالإطعام)(259).

ثمّ يضيف تعالى: ( فليس له اليوم ههنا حميم) أي صديق مخلص وحميم ( ولا طعام إلاّ من غسلين) أي القيح والدم.

والجدير بالملاحظة هنا هو أنّ (الجزاء) و (العمل) لهؤلاء الجماعة متناسبان تماماً، فبسبب قطع علاقتهم بالله، فليس لهم هنالك من صديق ولا حميم، كما أنّ سبب إمتناعهم عن إطعام المحتاجين فإنّ طعامهم في ذلك اليوم لن يكون إلاّ القيح والدم، لأنّهم حرموا المساكين من الإطعام وتركوهم نهباً للجوع والألم في الوقت الذي كانوا يتمتّعون لسنين طويلة بألذّ وأطيب الأطعمة.

يقول الراغب في المفردات: «غسلين» غسالة أبدان الكفّار في النار، إلاّ أنّ المتعارف عليه أنّ المقصود به هو الدم والقيح النازل من

[ 565 ]

 

 أجسام أهل النار، ويحتمل أنّ (الراغب) قد قصد هذا المعنى أيضاً.

كما أنّ التعبير بـ (الطعام) يناسب هذا المعنى كذلك.

وهنا يطرح سؤال، وهو متعلّق بما ورد في الآية الكريمة في قوله تعالى: ( ليس لهم طعام إلاّ من ضريع)(260)، وقد فسّروا (الضريع) بأنّه نوع من الشوك.

وكذلك ما ورد بهذا الشأن في قوله تعالى: ( إنّ شجرة الزقّوم طعام الأثيم)(261)، وقد فسّروا (الزقوم) بأنّه نبات مرّ غير مستساغ الطعم ذو رائحة نتنة حيث يكثر وجود مثل هذا النبات في أرض (تهامة) وهو مرّ وحارق وذو صمغ.

والسؤال هو: كيف يمكن الجمع بين هذه الآيات والآية مورد البحث؟

قال البعض في الجواب: إنّ هذه الكلمات الثلاث (الضريع، والزقوم، والغسلين) إشارة إلى موضوع واحد وهو (نبات خشن غير مستساغ الطعم يكون طعام أهل النار).

وقيل: إنّ أهل النّار في طبقات مختلفة، وإنّ كلّ صنف من هذه النباتات والأطعمة يكون غذاء لمجموعة منهم، أو طبقة من طبقاتهم.

وقيل: إنّ غذاء أهل النار هو (الزقوم والضريع)، وشرابهم (الغسلين)، والتعبير بـ (الطعام) عن الشراب في هذه الآية ليس بالجديد.

ويضيف سبحانه في آخر آية مورد البحث في قوله تعالى للتأكيد: ( لا يأكله إلاّ الخاطئون).

قال بعض المفسّرين: إنّ (خاطىء) تقال للشخص الذي يرتكب خطأً عمداً، أمّا (المخطىء) فتطلق على من ارتكب خطأ بصورة مطلقة (عمداً أو سهواً) وبناءً على ما تقدّم فإنّ طعام أهل جهنّم خاصّ للأشخاص الذين سلكوا درب الشرك والكفر والبخل والطغيان تمردّاً وعصياناً وعمداً.

* * *

[ 566 ]

 

ملاحظة

بداية وضع الحركات على حروف القرآن الكريم:

أخرج «البيهقي» في شعب الإيمان عن «صعصعة بن صوحان» قال: جاء أعرابي إلى علي بن أبي طالب فقال: كيف هذا الحرف «لا يأكله إلاّ الخاطون» كلّ والله يخطو؟ (أي إنّ جميع الناس تخطو وتمشي فهل انّ الجميع سوف يأكل من هذا الطعام؟) فتبسّم علي وقال: ياأعرابي (لا يأكله إلاّ الخاطئون) قال: صدقت والله ياأمير المؤمنين ما كان الله ليسلّم عبده، ثمّ التفت علي (عليه السلام) إلى أبي الأسود فقال: «إنّ الأعاجم قد دخلت في الدين كافّة فضع للناس شيئاً يستدلّون به على صلاح ألسنتهم، فرسم لهم الرفع والنصب والخفض»(262).

* * *

[ 567 ]

 

الآيات

فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُول كَرِيم (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرِ قَلِيلا مَّا تُؤْمِنُونَ(41) وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِن قَلِيلا مَّا تَذَكَّرُونَ (42) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَـلَمِينَ(43)

التّفسير

القرآن كلام الله قطعاً:

بعد الأبحاث التي مرّت بنا في الآيات السابقة حول القيامة وما أعدّه الله سبحانه للمؤمنين والكفّار، يبيّن الباريء عزّوجلّ في هذه الآيات بحثاً وافياً حول القرآن والنبوّة، ليكون البحثان (النبوّة) و (المعاد) كلا منهما مكمّلا للآخر.

يقول الراغب في البداية: ( فلا اُقسم بما تبصرون وما لا تبصرون).

المعروف أنّ كلمة (لا) زائدة وللتأكيد في مثل هذه الموارد، ولكن ذهب البعض إلى أنّ (لا) تعطي معنى النفي أيضاً، ويعني ذلك أنّني لا اُقسم بهذا الأمر، لأنّه أوّلا: لا توجد ضرورة لمثل هذا القسم. وثانياً: يجب أن يكون القسم باسم الله، إلاّ أنّ هذا القول ضعيف، والمناسب هو المعنى الأوّل، إذ ورد في القرآن الكريم قسم باسم الله وبغيره في الكثير من الآيات.

جملة ( بما تبصرون وما لا تبصرون) لها معنىً واسع، حيث تشمل كلّ ما

[ 568 ]

 

يراه البشر وما لا يراه، وبعبارة اُخرى تشمل كلّ عالم (الشهود) و (الغيب).

وقد ذكرت إحتمالات اُخرى لتفسير هاتين الآيتين، منها: أنّ المقصود من عبارة ( بما تبصرون) هو عالم الخلقة، ومن ( وما لا تبصرون) هو الخالق عزّوجلّ.

وقيل إنّ المقصود بالاُولى هو النعم الظاهرية، وفي الثانية النعم الباطنية. أو أنّ المقصود بهما: البشر والملائكة على التوالي، أو الأجسام والأرواح، أو الدنيا والآخرة.

إلاّ أنّ سعة مفهوم هاتين العبارتين يمنع من تحديدهما. وبناء على هذا فإنّ كلّ ما يدخل في دائرة المشاهدة وما هو خارج عنها مشمول للقسم، إلاّ أنّه يستبعد شمولهما للباريء عزّوجلّ، بلحاظ أنّ جعل الخالق مقترناً بالخلق أمر غير مناسب، خصوصاً مع تعبير (ما) الذي جاء في الآية الكريمة والذي يستعمل في الغالب لغير العاقل.

ويستفاد ضمناً من هذا التعبير بصورة جيّدة أنّ الاُمور والأشياء التي لا يراها الإنسان كثيرة جدّاً، وقد أثبت العلم الحديث هذه الحقيقة، وهي أنّ المحسوسات التي تحيطنا تشمل دائرة محدودة من الموجودات ـ والأشياء غير المحسوسة ـ سواء في مجال الألوان والأصوات والأمواج والمذاقات وغيرها ـ هي في الواقع أوسع دائرة من الاُمور الحسيّة.

فالنجوم التي يمكن رؤيتها في مجموع نصفي الكرة الأرضية بحدود خمسة آلاف نجمة، طبقاً لحسابات علماء الفلك، أمّا النجوم التي لا يمكن رؤيتها بالعين المجرّدة فهي تعدّ بالمليارات.

والأمواج الصوتية التي تستطيع اُذن الإنسان سماعها هي أمواج محدودة، أمّا الأمواج الصوتية الاُخرى التي لا تستطيع الاُذن سماعها فتقدّر بالآلاف.

وبالنسبة للألوان التي نستطيع رؤيتها فهي سبعة ألوان معروفة، وقد أصبح من المسلّم اليوم وجود ما لا نهاية له من الألوان الاُخرى، كلون ما وراء البنفسجي، وما دون الأحمر، حيث لا يمكن أن تراها أعيننا.

أمّا عدد الحيوانات المجهرية التي لا ترى بالعين المجرّدة فهي كثيرة جدّاً إلى

[ 569 ]

 

 حدّ أنّها ملأت جميع العالم، إذ توجد في قطرة الماء أحياناً آلاف الآلاف منها، فما أضيق تفكير من يضع نفسه في إطار المحسوسات المادية فقط، ويبقى جاهلا لاُمور كثيرة لا تستطيع الحواس أن تدركها، أو أنّه ينكرها أحياناً؟

لقد أثبتت الدلائل العقلية والتجريبية أنّ عالم الأرواح عالم أوسع بكثير من عالم أجسامنا، فلماذا نحبس أنفسنا وعقولنا في إطار المحسوسات؟

ثمّ تستعرض الآية اللاحقة جواب هذا القسم العظيم، حيث يقول تعالى بأنّ هذا القرآن هو قول رسول كريم: ( إنّه لقول رسول كريم).

والمقصود من الرّسول هنا ـ بدون شكّ ـ هو الرّسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) وليس جبرائيل، لأنّ الآيات اللاحقة تبيّن هذا المعنى بوضوح.

والسبب في نسبة القرآن إلى الرّسول بالرغم من أنّنا نعرف أنّه قول الله تعالى، لأنّ الرّسول مبلّغ عنه، وخاصّة أنّ الآية ذكرت كلمة «رسول» وهذا يعني أنّ كلّ ما يقوله الرّسول فهو قول مرسله، بالرغم من أنّه يجري على لسان الرّسول، ويسمع من فمه الشريف.

ثمّ يضيف تعالى: ( وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون(263) ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون).

تنفي هاتان الآيتان ما نسبه المشركون والمخالفون من تهم باطلة لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إذ كانوا يقولون أحياناً: إنّه (شاعر) وإنّ هذه الآيات من شعره، كما كانوا يقولون أحياناً: إنّه (كاهن) وإنّ الذي يقوله هو (كهانة) لأنّ الكهنة أشخاص كانوا يتنبّؤن بأسرار الغيب أحياناً، وذلك لإرتباطهم بالجنّ والشياطين، وكانوا يطلقون عن قصد كلاماً مسجعاً وجملا موزونة.

ولأنّ القرآن الكريم أيضاً كان يتنبّأ ويتحدّث عن اُمور غيبية، وإنّ ألفاظه وعباراته لها نظام خاصّ، لذا اتّهم الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه التّهم،

[ 570 ]

 

في حين أنّ الفرق بين الإثنين كالفرق بين الأرض والسماء.

لقد نقل البعض في سبب نزول هذه الآية أنّ (أبا جهل) نسب قول الشعر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّ (عقبة) أو (عتبة) هو الذي نسب الكهانة إلى رسولنا الكريم وكذلك الآخرون أيضاً كانوا يردّدون هذه التّهم.

وفي الحقيقة فإنّ للقرآن الكريم ألفاظاً منسجمة، وتعابير ذات نظم جميل تسحر الآذان وتبعث الإطمئنان في الأرواح. إلاّ أنّ هذا ليس له أي إرتباط مع شعر الشعراء، ولا مع سجع الكاهنين.

الشعر في الغالب وليد الخيال، ومعبّر عن الأحاسيس الجياشة في النفوس، والعواطف الملتهبة، ولهذا فإنّه يجسّد حالة عدم الإستقرار وعدم التوازن صعوداً ونزولا، شدّة وإنخفاضاً، في الوقت الذي نلاحظ أنّ القرآن الكريم، وهو يمثّل قمّة الروعة والجاذبية، فإنّه كتاب إستدلالي ومنطقي في عرضه للمفاهيم، وعقلاني في محتواه، وما فيه من التنبّؤ المستقبلي لا يشكّل قاعدة أساسية للقرآن الكريم، بالإضافة إلى أنّها صادقة جميعاً بخلاف ما عليه تنبّؤ الكهنة.

التعبير بـ ( قليلا ما تؤمنون) و ( قليلا ما تذكرون) هو توبيخ ولوم للأشخاص الذين يسمعون الوحي السماوي مقروناً بدلائل واضحة، إلاّ أنّهم يعتبرونه (شعراً) أحياناً، و (كهانة) أحياناً اُخرى. وقليلا ما يؤمنون.

ويقول سبحانه في آخر آية ـ مورد البحث ـ كتأكيد على هويّة القرآن الربانية: ( تنزيل من ربّ العالمين)(264).

وبناءً على هذا فإنّ القرآن الكريم ليس بشعر ولا كهانة، وليس هو إنتاج فكر الرّسول، ولا قول جبرائيل .. بل إنّه كلام الله سبحانه، حيث نزل بواسطة الوحي على القلب الطاهر لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وجاء هذا المعنى بعبارات مختلفة إحدى عشرة مرّة في القرآن الكريم.

* * *

[ 571 ]

 

الآيات

وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الاَْقَاوِيلِ (44) لاََخَذْنَا مِنْهُ بِالْيـَمِينِ(45)ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَد عَنْهُ حَـجِزِينَ (47)وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ (49)وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَـفِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (52)

التّفسير

استمراراً للأبحاث المتعلّقة بالقرآن الكريم، تستعرض الآيات التالية دليلا واضحاً يؤكّد يقينية كون القرآن من الله سبحانه، حيث يقول: ( ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثمّ لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين)(265).

«أقاويل»: جمع (أقوال) و (أقوال) بدورها جمع (قول) وبناء على هذا فإنّ أقاويل جمع الجمع، والمقصود منها هنا هو الحديث الكذب.

«وتقوّل» من مادّة (تقوّل) على وزن (تكلّف) بمعنى الحديث المصطنع الذي لا أساس له من الصحّة والحقيقة.

[ 572 ]

 

جملة ( لأخذنا منه باليمين) تعني: لأخذنا من يده اليمنى ولعاقبناه وجازيناه وكلمة «اليمين» هنا كناية عن القدرة، وذلك بلحاظ أنّ الإنسان الذي ينجز أعمالا معيّنة بيده اليمنى يتمتّع بقدرة وقوّة أفضل.

كما أورد بعض المفسّرين إحتمالات اُخرى أيضاً في تفسير هذه الآية، أعرضنا عن ذكرها بلحاظ كونها غير مشهورة ولا موزونة.

«وتين» بمعنى (عرق القلب) والمقصود به هو الشريان الذي عن طريقه يصل الدم إلى جميع أعضاء جسم الإنسان، وإذا قطع فإنّ الإنسان يتعرّض للموت فوراً، وهذا تعبير عن أسرع عقوبة يمكن أن يعاقب بها الإنسان.

وفسّر البعض (الوتين) بأنّه العرق الذي يكون القلب معلّقاً به، أو العرق الذي يوصل الدم إلى الكبد، أو أنّه عرق النخاع الذي هو في وسط العمود الفقري، إلاّ أنّ التّفسير الأوّل أصحّ من الجميع حسب الظاهر.

«حاجزين» جمع (حاجز) بمعنى المانع.

وقد يتساءل البعض قائلا: إذا كان الموت الفوري والهلاك الحتمي هو عقوبة كلّ من يكذب على الله سبحانه، فهذا يستلزم هلاك جميع من يدّعي النبوّة كذباً وبسرعة، وهذا ما لم يلاحظ في حياتنا العملية، حيث بقي الكثير منهم لسنين طويلة. بل حتّى معتقداتهم الباطلة بقيت أيضاً فترة زمنية من بعدهم.

الجواب يتّضح جليّاً بالإنتباه إلى ما يلي: وهو أنّ القرآن الكريم لم يقل بأنّ الله يهلك كلّ مدّع يدّعي النبوّة .. بل إنّه سبحانه خصّص هذه العقوبة لشخص الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما لو إنحرف عن طريق الحقّ، فسوف لن يهمل لحظة واحدة، لأنّه يكون سبباً لضياع الرسالة وضلال الناس(266).

[ 573 ]

 

أمّا الأشخاص الذين يدّعون ادّعاءات باطلة، وليس لديهم أي دليل عليها، فليس هنالك ضرورة لأن يهلكهم الله فوراً، لأنّ بطلان ادّعاءاتهم واضح لكلّ من يطلب الحقّ، إلاّ أنّ الأمر يلتبس ويصعب حينما يكون الإدّعاء بالنبوّة مقترناً بأدلّة ومعاجز دامغة كما هو بالنسبة للنبي الإلهي، فإنّ ذلك ممّا يؤدّي إلى الإنحراف عن طريق الحقّ.

ومن هنا يتّضح بطلان ادّعاء بعض (الفرق الضالّة) لإثبات ما يقوله أسيادهم من خلال الإستشهاد بهذه الآية المباركة. فلو صحّ ذلك لكان (مسيلمة الكذّاب) وكلّ مدّع كاذب من أمثاله يستطيعون إثبات إدّعاءاتهم من خلال الإستدلال بهذه الآية أيضاً.

ويذكّر سبحانه مرّة اُخرى في الآية اللاحقة مؤكّداً ما سبق عرضه في الآيات السابقة ( وإنّه لتذكرة للمتّقين). إنّ كتاب الله هذا أنزله للأشخاص الذين يريدون أن يطهّروا أنفسهم من الذنوب، ويسيروا في طريق الحقّ، ويبحثوا عن الحقيقة، ويسعوا للوصول إليها، أمّا من لم يصل إلى هذا الحدّ من صفاء النظرة وتقوى النفس، فمن المسلّم أنّه لن يستطيع أن يستلهم تعاليم القرآن الكريم ويتذوّق حلاوة معرفة الحقّ المبين.

إنّ التأثير العميق الفذّ للقرآن الكريم الذي يحدثه في نفوس سامعيه وقارئيه، هو بحدّ ذاته علامة على إعجازه وحقّانيته.

ثمّ يضيف تعالى: ( وإنّا لنعلم أنّ منكم مكذّبين).

إنّ وجود المكذّبين المعاندين لم يكن مانعاً أبداً من الدليل على عدم حقّانيتهم.

إنّ المتّقين وطلاّب الحقّ يتّعظون به، ويرون فيه سمات الحقّ، وإنّه عون لهم في الوصول إلى طريق الله سبحانه.

وبناء على هذا فكما يجدر بالإنسان ـ بل يجب عليه ـ أن يفتح عينه للإستفادة من إشعاع النور، فإنّ عليه كذلك أن يفتح عين قلبه للإستفادة من نور القرآن العظيم.

ويضيف في الآية اللاحقة: ( وإنّه لحسرة على الكافرين).

[ 574 ]

 

إنّ هؤلاء الكفرة الذين يتحدّون القرآن الكريم اليوم ويكذّبونه، فإنّهم غداً حيث (يوم الظهور) و (يوم البروز) وهو وفي نفس الوقت (يوم الحسرة) يدركون مدى عظمة النعمة التي فرّطوا بها بسبب لجاجتهم وعنادهم، وما جلبوه لأنفسهم من أليم العذاب، ذلك اليوم الذي يشاهدون فيه ما عليه المؤمنون من نعيم ونعمة، وعندئذ تكون المقارنة بين هؤلاء وبين من غضب الله عليهم، فعند ذلك سيعضّون أصابع الندم، يقول تعالى: ( ويوم يعضّ الظالم على يديه يقول ياليتني اتّخذت مع الرّسول سبيلا)(267).

ولكي لا يتصور أحد أنّ التكذيب والتشكيك كان بلحاظ غموض وإبهام مفاهيم القرآن الكريم، فيضيف في الآية اللاحقة: ( وإنّه لحقّ اليقين).

التعبير بـ (حقّ اليقين) في إعتقاد بعض المفسّرين هو في قبيل (إضافة شيء إلى نفسه) لأنّ (الحقّ) هو (اليقين) نفسه و (اليقين) هو (عين الحقّ) وذاته، وذلك كما يقال: (المسجد الجامع) أو (يوم الخميس)، ويقال له بإصطلاح النحاة (إضافة بيانية) إلاّ أنّ الأفضل أن يقال في مثل هذه الإضافة: إضافة (الموصوف إلى الصفة).

يعني أنّ القرآن الكريم هو (يقين خالص) أو بتعبير آخر أنّ لليقين مراحل مختلفة، حيث يحصل أحياناً بالدليل العقلي كما في حصول اليقين بوجود النار من خلال مشاهدة دخّان من بعيد، لذا يقال لمثل هذا الأمر (علم اليقين).

وحينما نقترب أكثر ونرى إشتعال النار باُمّ أعيننا، فعند ذلك يصبح اليقين أقوى ويسمّى عندئذ بـ (عين اليقين).

وعندما يكون اقترابنا أكثر فأكثر ونصبح في محاذاة النار أو في داخلها ونلمس حرارتها بأيدينا، فإنّ من المسلّم أنّ هذه أعلى مرحلة من مراحل اليقين، وتسمّى بـ (حقّ اليقين).

والآية أعلاه تقول: إنّ القرآن الكريم في مثل هذه المرحلة من اليقين، ومع هذا فإنّ عديمي البصيرة ينكرونه ويشكّكون فيه.

[ 575 ]

 

وأخيراً يقول سبحانه في آخر آية ـ مورد البحث، والتي هي آخر آية من سورة (الحاقّة) ـ ( فسبّح باسم ربّك العظيم).

والجدير بالملاحظة ـ هنا ـ أنّ مضمون هذه الآية والآية السابقة قد جاء بتفاوت يسير مع ما ورد في سورة الواقعة، وهذا التفاوت هو أنّ الآية وصفت القرآن الكريم هنا بأنّه (حقّ اليقين) أمّا في نهاية سورة (الواقعة) فكان الحديث عن المجاميع المتباينة للصالحين والطالحين في يوم القيامة.

* * *

ملاحظة

وصف القرآن الكريم في هذه الآيات المباركة بأوصاف أربعة وهي «تنزيل» و «تذكرة» و «حسرة» و «حقّ اليقين». حيث يقول في البداية: ( تنزيل من ربّ العالمين)، ثمّ يقول: ( وإنّه لتذكرة للمتّقين) ثمّ يقول تعالى: ( وإنّه لحسرة على الكافرين) ويضيف في آخر وصف له بقوله: ( وإنّه لحقّ اليقين).

وذلك أنّ الآية الاُولى موجّهة لجميع البشر، والثانية مختصّة بالمتّقين والآية الثالثة تعني الكافرين، والرابعة خاصّة بالمقرّبين.

اللهمّ: إنّك تعلم إنّه لا شيء أفضل من اليقين، فارزقنا منه ما يكون معه إيماننا مصداقاً لحقّ اليقين.

ربّنا: إنّ يوم القيامة هو يوم الحسرة، فلا تجعلنا في ذلك اليوم من الذين يتحسّرون لكثرة ذنوبهم، بل من قلّة طاعاتهم على الأقل ..

ربّنا: آتنا صحيفة أعمالنا بيدنا اليمنى، وادخلنا في جنّة عالية في عيشة راضية.

آمين ربّ العالمين

نهاية سورة الحاقّة

ونهاية المجلد الثّامن عشر

* * *

 




 
 

  أقسام المكتبة :
  • القرآن الكريم (1)
  • في تفسير القرآن (83)
  • أبحاث حول القرآن (22)
  • كتب تعليمية ومناهج (9)
  • علوم القرآن (13)
  • النغم والصوت (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • الرسم القرآني (14)
  • مناهج وإصدارات دار السيدة رقية (24)
  • التدبر في القرآن (5)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 10

  • عدد الكتب : 179

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 5329317

  • المتواجدون الآن :

  • التاريخ : 20/02/2017 - 15:40

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net