00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة البقرة : من آية 264 ـ آخر السورة 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : تفسير الصافي ( الجزء الأول)   ||   تأليف : المولى محسن الملقب بـ « الفيض الكاشاني »


(264) يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى
العياشي عنهما عليهما السلام نزلت في عثمان وجرت في معاوية وأتباعهما .
وعن الباقر عليه السلام بالمن والأذى لمحمد وآل محمد قال هذا تأويله .
كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر لا يريد به رضاء الله ولا ثواب الآخرة فمثله في انفاقه كمثل صفوان حجر أملس عليه تراب فأصابه وابل مطر عظيم القطر فتركه صلدا أملس نقيا من التراب لا يقدرون على شيء مما كسبوا لا ينتفعون بما فعلوه ولا يجدون ثوابه والله لا يهدي القوم الكافرين إلى الخير والرشاد وفيه تعريض بأن الرياء والمن والأذى على الانفاق من صفة الكفار ولابد للمؤمن أن يتجنب عنها .
(265) ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم القمي عن المن والأذى .
أقول : يعني يوطنون أنفسهم على حفظ هذه الطاعة وترك اتباعها مما يفسدها من المن والأذى والسمعة والرياء والعجب ونحوها بعد اتيانهم بها ابتغاء مرضات الله .
العياشي عن الباقر عليه السلام انها نزلت في علي عليه السلام .
كمثل جنة أي مثل نفقتهم في الزكاة كمثل بستان بربوة أي في موضع مرتفع فان شجره يكون احسن منظرا وأزكى ثمرا وأمنع من أن يفسده السيل بالوابل ونحوه أصابها وابل فآتت أكلها ثمرتها وقرئ بالتخفيف ثمرتها ضعفين مثلي ما كانت تثمر بسبب الوابل .
في المجمع عن الصادق عليه السلام معناه يتضاعف ثمرتها كما يتضاعف أجر من أنفق ماله ابتغاء مرضات الله فإن لم يصبها وابل فطل فمطر صغير القطر يكفيها لكرم منبتها والطل يقال لما يقع بالليل على الشجر والنبات ، قيل إن المعنى ان نفقات هؤلاء زاكية عند الله تعالى لا تضيع بحال وإن كانت تتفاوت باعتبار ما ينضم إليها من الأحوال ويجوز أن يكون التمثيل لحالهم عند الله تعالى بالجنة على الربوة ونفقاتهم الكثيرة والقليلة الزائدتين في زلفاهم بالوابل والطل والله بما تعملون بصير تحذير عن رياء وترغيب في الأخلاص .

( 297 )

(266) أيود أحدكم الهمزة فيه للانكار أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات جعل الجنة منها مع ما فيها من سائر الاشجار تغليبا لها لشرفهما وكثرة منافعهما ثم ذكر أن فيها من كل الثمرات ليدل على احتوائها على سائر انواع الأشجار ويجوز أن يكون المراد بالثمرات المنافع وأصابه الكبر أي كبر السن فان الفاقة والغالة في الشيخوخة أصعب وله ذرية ضعفاء صغار لا قدرة لهم على الكسب فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت الأعصار ريح عاصف ينعكس من الأرض إلى السماء مستديرة كعمود .
القمي عن الصادق عليه السلام من أنفق ماله ابتغاء مرضات الله ثم امتن على من تصدق عليه كمن كان له جنة كثيرة الثمار وهو شيخ ضعيف له اولاد صغار ضعفاء فتجئ ريح أو نار فتحرق ماله كله كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون فيها فتعتبرون بها .
(267) يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم من حلاله وجياده ومما اخرجنا لكم من الأرض ومن طيبات ما أخرجنا من الحبوب والثمار والمعادن .
في الكافي عن الصادق عليه السلام كان القوم قد كسبوا مكاسب سوء في الجاهلية فلما أسلموا أرادوا أن يخرجوها من أموالهم ليتصدقوا بها فأبى الله تبارك وتعالى الا أن يخرجوا من طيب ما كسبوا .
ولا تيمموا الخبيث تقصدوا الرديء منه من المال أو من الخبيث تنفقون تخصونه بالانفاق ولستم بآخذيه وحالكم أنكم لا تأخذونه في حقوقكم لرداءته إلا أن تغمضوا فيه الا أن تتسامحوا فيه فجاز من أغمض بصره عن بعض حقه إذا اغضّه .
في الكافي والعياشي عن الصادق عليه السلام قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أمر بالنخل أن يزكى يجيء قوم بألوان من التمر هو من اردى التمر يؤدونه من زكاتهم تمرة يقال له الجعرود والمعافارة قليلة اللحا بكسر اللام عظيمة النوى وكان بعضهم يجيء بها عن التمر الجيد فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تخرصوا هاتين التمرتين ولا تجيئوا منها بشيء وفي ذلك نزل ولا تيمموا الخبيث الآية ، قال والاغماض أن تأخذ هاتين التمرتين .

( 298 )

والعياشي عن الباقر عليه السلام كان أهل المدينة يأتون بصدقة الفطر إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفيه عذق يسمى الجعرود وعذق يسمى المعافارة كانا عظيم نواهما رقيق لحاهما في طعمهما مرارة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للخارص لا تخرص عليهم هذين اللونين لعلهم يستحيون لا يأتون بهما فأنزل الله ( يا أيها الذين آمنوا انفقوا ) إلى قوله ( تنفقون ) .
وفي المجمع عن أمير المؤمنين عليه السلام نزلت في قوم كانوا يأتون بالحشف فيدخلونه في تمر الصدقة .
أقول : الحشف ردي التمر وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال ان الله يقبل الصدقات ولا يقبل منها الا الطيّب . واعلموا أن الله غني عن إنفاقكم وإنما يأمركم به لانتفاعكم حميد بقبوله واثباته .
(268) الشيطان يعدكم الفقر في الانفاق في وجوه البر وفي انفاق الجيد من المال والوعد يستعمل في الخير والشر ويأمركم بالفحشاء ويغريكم على البخل ومنع الزكاة اغراء الأمر للمأمور والعرب تسمي البخيل فاحشا والله يعدكم في الانفاق مغفرة منه لذنوبكم وكفارة لها وفضلا وخلفا أفضل مما أنفقتم في الدنيا أو في الآخرة أو كلتيهما والله واسع واسع الفضل لمن انفق عليم بانفاقه .
(269) يؤتي الحكمة تحقيق العلم واتقان العمل من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب ذووا العقول الخالصة عن شوائب الوهم والهوى .
في الكافي والعياشي عن الصادق عليه السلام في هذه الآية قال طاعة الله ومعرفة الامام .
وعنه عليه السلام معرفة الامام واجتناب الكبائر التي أوجب الله عليها النار .
والعياشي عنه عليه السلام الحكمة المعرفة والفقه في الدين فمن فقه منكم فهو حكيم وما أحد يموت من المؤمنين أحب إلى إبليس من فقيه .

( 299 )

والقمي قال الخير الكثير معرفة أمير المؤمنين والأئمة .
وفي مصباح الشريعة عنه عليه السلام الحكمة ضياء المعرفة وميراث التقوى وثمرة الصدق ولو قلت ما أنعم الله على عباده بنعمة أنعم وأعظم وأرفع وأجزل وأبهى من الحكمة لقلت قال الله عز وجل ( يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر الا أولوا الأ لباب ) أي لا يعلم ما أودعت وهيأت في الحكمة الا من استخلصته لنفسي وخصصته بها والحكمة هي الكتاب وصفة الحكيم هي الثبات عند أوائل الأمور والوقوف عند عواقبها وهو هادي خلق الله إلى الله .
وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله ان الله تعالى آتاني القرآن وآتاني من الحكمة مثل القرآن وما من بيت ليس فيه شيء من الحكمة الا كان خرابا ألا فتفقهوا وتعلموا ولا تموتوا جهلاء ، وفي الخصال عنه عليه السلام رأس الحكمة مخافة الله .
وفيه وفي الكافي عنه عليه السلام انه كان ذات يوم في بعض أسفاره إذ لقيه ركب فقالوا السلام عليك يا رسول الله فالتفت إليهم وقال ما أنتم فقالوا مؤمنون قال فما حقيقة إيمانكم قالوا الرضا بقضاء الله والتسليم لأمر الله والتفويض إلى الله فقال رسول الله علماء حكماء كادوا أن يكونوا من الحكمة انبياء فان كنتم صادقين فلا تبنوا ما لا تسكنون ولا تجمعوا ما لا تأكلون واتقوا الله الذي إليه ترجعون .
(270) وما أنفقتم من نفقة قليلة أو كثيرة سراً وعلانية في حق أو باطل أو نذرتم من نذر في طاعة أو معصية فإن الله يعلمه فيجازيكم عليه وما للظالمين الذين ينفقون في المعاصي وينذرون فيها أو يمنعون الصدقات ولا يوفون بالنذر من أنصار من ينصرهم من الله ويمنع عنهم العقاب .
(271) إن تبدوا الصدقات فنعما هي فنعم شيئا ابداؤها وإن تخفوها وتؤتوها تعطوها مع الاخفاء الفقراء فهو خير لكم في الكافي عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى وان تخفوها قال هي سوى الزكاة ان الزكاة علانية غير سر .
وعنه عليه السلام قال كل ما فرض الله عليك فاعلانه أفضل من إسراره وما كان تطوعا

( 300 )

فإسراره أفضل من إعلانه ولو أن رجلا حمل زكاة ماله على عاتقه فقسمها علانية كان ذلك حسنا جميلا .
وعن الباقر عليه السلام في قوله عز وجل إن تبدوا الصدقات فنعما هي قال هي يعني الزكاة المفروضة قال قلت وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء قال يعني النافلة انهم كانوا يستحبون إظهار الفرائض وكتمان النوافل .
ويكفر اي الله يكفر أو الاخفاء وقرئ بالنون مرفوعا أومجزوما عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير ترغيب في الاسرار ومجانبة الرياء .
(272) ليس عليك هداهم لا يجب عليك أن تجعلهم مهتدين إلى الانهاء عّما نهوا عنه من المن والأذى والانفاق من الخبيث وغير ذلك وما عليك الا البلاغ ولكن الله يهدي من يشاء يلطف بمن يعلم أن اللطف ينفع فيه فينتهي عما نهى عنه وما تنفقوا من خير من مال فلأنفسكم فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيركم فلا تمنوا به على من تنفقونه عليه ولا تؤذوه وما تنفقون وليست نفقتكم إلا ابتغاء وجه الله الا لطلب ما عنده فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذي لا يتوجه بمثله إلى الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم ثوابه أضعافا مضاعفة ولا عذر لكم في أن ترغبوا عن الانفاق على أحسن الوجوه وأجملها وأنتم لا تظلمون لا تنقصون ثواب نفقتكم .
(273) للفقراء اعمدوا للفقراء أو صدقاتكم للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله أحصرهم الجهاد لا يستطيعون لاشتغالهم به ضربا في الأرض ذهابا بها للكسب .
في المجمع عن الباقر عليه السلام انها نزلت في أصحاب الصفة قيل كانوا نحوا من اربعمائة من الفقراء المهاجرين يسكنون صفة المسجد يستغرقون أوقاتهم بالتعلم والعبادة وكانوا يخرجون في كل سرية يبعثها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحسبهم الجاهل بحالهم وقرئ بفتح السين حيث وقع من تصاريف المستقبل أغنياء من التعفف من أجل تعففهم عن السؤال تعرفهم بسيماهم من صفرة الوجه ورثاثة الحال لا يسألون الناس إلحافا إلحاحا وهو أن يلازم المسؤول حتى يعطيه وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم ترغيب في الانفاق ولا سيما على هؤلاء .
(274) الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم

( 301 )

ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون .
في المجمع والجوامع عن ابن عباس نزلت في علي عليه السلام كان معه اربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سراً وبدرهم علانية قال وروى ذلك عن الباقر والصادق صلوات الله عليهما .
والعياشي عن ابي اسحاق قال كان لعلي بن ابي طالب اربعة دراهم لم يملك غيرها فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم علانية فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال يا علي ما حملك على ما صنعت قال انجاز موعد الله فأنزل الله الآية .
وفي الفقيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انها نزلت في النفقة على الخيل قال وروي انها نزلت في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه وكان سبب نزولها انها كان معه أربعة دراهم فتصدق بدرهم بالليل وبدرهم بالنهار وبدرهم في السر وبدرهم في العلانية فنزلت فيه هذه الآية قال والآية إذا نزلت في شيء فهي منزلة في كل ما يجري فيه والاعتقاد في تفسيرها انها نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام وجرت في النفقة على الخيل وأشباه ذلك .
وفي الكافي والعياشي عن الصادق عليه السلام انها ليست من الزكاة .
(275) الذين يأكلون الربا لا يقومون إذا بعثوا من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان الا كقيام المصروع من المس أي الجنون .
في المجمع والقمي عن الصادق عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما اسرى بي الى السماء رأيت قوما يريد أحدهم أن يقوم فلا يقدر أن يقوم من عظم بطنه فقلت من هؤلاء يا جبرائيل قال هؤلاء الذين يأكلون الربا لا يقومون الا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس وإذا هم بسبيل آل فرعون يعرضون على النار غدوا وعشيا يقولون ربنا متى تقوم الساعة .
والعياشي عنه عليه السلام قال آكل الربا لا يخرج من الدنيا حتى يتخبطه الشيطان ذلك العقاب بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا قاسوا أحدهما بالآخر وأحل الله البيع وحرم الربا إنكار لتسويتهم وإبطال للقياس .

( 302 )

في الكافي عن الصادق عليه السلام إنما حرم الله الربوا لئلا يمتنع الناس من اصطناع المعروف .
أقول : يعني بالمعروف القرض الحسن كما يأتي عند تفسير ( لا خير في كثير من نجواهم ) فمن جاءه بلغه موعظة من ربه زجر بالنهي فانتهى فاتّعظ وامتنع منه فله ما سلف لا يؤاخذ بما مضى منه ولا يسترد منه .
في الكافي عن أحدهما عليهما السلام وفي التهذيب عن الباقر عليه السلام والعياشي عنهما عليهما السلام قال الموعظة التوبة .
وفي الكافي والفقيه عن الصادق عليه السلام قال كل ربا أكله الناس بجهالة ثم تابوا فانه يقبل منهم إذا عرف منهم التوبة وقال لو أن رجلا ورث من أبيه مالا وقد عرف ان في ذلك المال ربا ولكن قد اختلط في التجارة بغير حلال كان حلالا طيبا فليأكله وإن عرف منه شيئا معزولا انه ربا فليأخذ رأس ماله وليرد الرّبوا وأيّما رجل أفاد (1) مالا كثيرا قد أكثر فيه من الربوا فجهل ذلك ثم عرفه بعد ذلك فأراد أن ينزعه فما مضى فله ويدعه فيما يستأنف وفي معناه أخبار كثيرة .
وأمره إلى الله يحكم في شأنه ومن عاد إلى تحليل الربوا والاستخفاف به بعد أن تبين له تحريمه فاولئك أصحب النار هم فيها خالدون .
في الكافي عن الصادق عليه السلام انه سئل عن الرجل يأكل الربوا وهو يرى أنه حلال . قال لا يضره حتى يصيبه متعمدا فإذا أصابه متعمدا فهو بالمنزلة التي قال الله عز وجل .
وفي الفقيه والعيون عن الرضا عليه السلام وهي كبيرة بعد البيان قال والاستخفاف بذلك دخول في الكفر ، قال بعض العارفين أكل الربوا أسوأ حالا من جميع مرتكبي الكبائر فان كل مكتسب له توكل فيما كسبه قليلا كان أو كثيرا كالتاجر والزارع والمحترف لم يعينوا أرزاقهم بعقولهم ولم يتعين لهم قبل الاكتساب فهم على غير معلوم في الحقيقة كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبى الله أن يرزق المؤمن الا من حيث لا يعلم وأما أكل الربوا فقد عين
____________
(1) أفاد بمعنى استفاد وفي الفقيه اراد مكان افاد وذلك اشارة إلى تحريم الربوا والبارز في ينزعه راجع إلى الربوا بمعنى الزائد ، وفي الفقيه نزع ذلك المال وهو أوضح « منه » .

( 303 )

مكسبه ورزقه وهو محجوب عن ربه بنفسه وعن رزقه بتعيينه لا توكل له اصلا فوكله الله إلى نفسه وعقله وأخرجه من حفظه وكلائته فاختطفته الجن وخبّلته فيقوم يوم القيامة ولا رابطة بينه وبين الله عز وجل كسائر الناس من المرتبطين به بالتوكل فيكون كالمصروع الذي مسه الشيطان فيتخبطه لا يهتدي إلى مقصده .
(276) يمحق الله الربا يذهب بركته ويهلك المال الذي يدخل فيه .
في الفقيه والكافي سئل الصادق عليه السلام عن هذه الآية قيل وقد أرى من يأكل الربوا يربو ماله قال فأي محق أمحق من درهم ربوا يمحق الدين وإن تاب منه ذهب ماله وافتقر ويربي الصدقات يضاعف ثوابها ويبارك فيما أخرجت منه .
العياشي عن الصادق عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنه ليس شيء الا وقد وكل (1) به ملك غير الصدقة فان الله يأخذه بيده ويربَّيه كما يربي أحدكم ولده حتى تلقاه يوم القيامة وهي مثل أُحد وفي معناه أخبار كثيرة .
وفي الحديث النبوي ما نقص مال من صدقة والله لا يحب كل كفار مصر على تحليل المحرمات أثيم منهمك في ارتكابه .
(277) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون .
(278) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا واتركوا بقايا ما شرطتم على الناس من الربوا إن كنتم مؤمنين بقلوبكم فان دليله امتثال ما أمرتم به .
في المجمع عن الباقر عليه السلام أن الوليد بن المغيرة كان يربي في الجاهلية وقد بقي له بقايا على ثقيف فأراد خالد بن الوليد المطالبة بها بعد أن أسلم فنزلت .
والقمي لما نزلت الذين يأكلون الربوا قام خالد بن الوليد فقال يا رسول الله ربا أبي في
____________
(1) وفي رواية ان الله يقول ليس شيء الا وكلته به ان يقضيه غيري الا الصدقة فأنا اتلقفها حتى الرجل والمرأة يتصدق بتمرة وشق تمرة اربيها كما يربى الرجل فلوه وفصيله فيلقى يوم القيامة وهي مثل احد واعظم من احد والفلو ولد الفرس والفصيل ولد الناقة إذا فصل عن امه « منه » .

( 304 )

ثقيف وقد أوصاني عند موته بأخذه فأنزل الله . (279) فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله فاعلموا بها من أذن بالشيء إذا علم به وقرئ بمد الألف وكسر الذال من الايذان بمعنى الاعلام فانهم إذا علموا بدون العكس فهو آكد والتنكير للتعظيم .
في الكافي عن الصادق عليه السلام درهم ربا أشد عند الله من سبعين زنية كلها بذات محرم .
وزاد القمي في بيت الله الحرام وقال الربوا سبعون جزءا أيسره مثل أن ينكح الرجل أمه في بيت الله الحرام .
وفي الفقيه والتهذيب عن أمير المؤمنين عليه السلام لعن رسول الله الربوا وآكله وبايعه ومشتريه وكاتبه وشاهديه .
وإن تبتم من الإرتباء واعتقاد حله فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون المديونين بأخذ الزيادة ولا تظلمون بالمطل والنقصان منها .
(280) وإن كان ذو اعسار ان وقع في غرمائكم ذواعسار فنظرة فانظار أي فانظروه إلى ميسرة وقرئ بضم السين إلى وقت يسار وأن تصدَّقُوا وقرئ بتخفيف الصاد تتصدقوا بالإبراء خير لكم أكثر ثوابا من الانظار إن كنتم تعلمون في الكافي عن الصادق عليه السلام قال صعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنبر ذات يوم فحمد الله وأثنى عليه وصلى على أنبيائه ثم قال أيها الناس ليبلغ الشاهد منكم الغائب الا ومن أنظر منكم معسرا كان له على الله في كل يوم صدقة بمثل ماله حتى يستوفيه ثم قال أبو عبد الله عليه السلام وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وإن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون انه معسر فتصدقوا عليه بما لكم عليه ، وعنه عليه السلام قال من أراد أن يظله الله يوم لا ظل إلا ظله قالها ثلاثا فهابه الناس أن يسألوه فقال فلينظر معسرا أو ليدع له من حقه ، وعنه عليه السلام قال خلوا سبيل المعسر كما خلاه الله .
____________
(1) اراد ان يبن ان المعسر إذا صار بحيث انظاره فهل لانظاره مدة معلومة إذا لم يكن له منتظر « منه » .

( 305 )

وعنه عليه السلام انه جاء إليه رجل فقال له يا ابا عبد الله قرض إلى ميسرة فقال له أبو عبد الله عليه السلام إلى غلة تدرك فقال الرجل لا والله قال فالى تجارة تؤوب قال لا والله قال فالى عقدة تباع فقال لا والله فقال أبو عبد الله عليه السلام فأنت ممن جعل الله له من أموالنا حقا ثم دعا بكيس فيه دراهم فأدخل يده فيه فناوله منه قبضة .
وفيه وفي العياشي عن الرضا عليه السلام انه سئل عن هذه النظرة التي ذكرها الله عز وجل في كتابه لها حد يعرف إذا صار هذا المعسر لابد له من أن ينظر وقد أخذ مال هذا الرجل وأنفقه على عياله وليس له غلة ينتظر إدراكها ولا دين ينتظر محله ولا مال غائب ينتظر قدومه قال نعم ينتظر بقدر ما ينتهي خبره إلى الامام فيقضي عنه ما عليه من سهم الغارمين إذا كان أنفقه في طاعة الله فان كان أنفقه في معصية الله فلاشيء له على الامام قيل فما لهذا الرجل الذي ائتمنه وهو لا يعلم فيما أنفقه في طاعة الله أم في معصيته الله قال يسعى له فيما له فيرده وهو صاغر .
القمي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ما من غريم ذهب بغريمه إلى وال من ولاة المسلمين واستبان للوالي عسرته الا برئ هذا المعسر من دينه وصار دينه على والي المسلمين فيما في يديه من أموال المسلمين .
(281) واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله تأهبوا لمصيركم إليه وقرئ بفتح التاء وكسر الجيم ثم توفى كل نفس ما كسبت من خير أو شر وهم لا يظلمون بنقص ثواب أو تضعيف عقاب .
في المجمع عن ابن عباس انها آخر آية نزل بها جبرائيل .
(282) يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إذا تعاملتم نسيئة إلى أجل مسمى معلوم فاكتبوه لأنه أوثق وادفع للنزاع .
وفي العلل عن الباقر عليه السلام ان الله عز وجل عرض على آدم اسماء الأنبياء وأعمارهم قال فمرّ بآدم اسم داود النبي فإذا عمره في العالم أربعون سنة فقال آدم يا رب ما أقل عمر داود وما أكثر عمري يا رب ان انا ازددت داود ثلاثين سنة أتثبت ذلك له قال نعم يا آدم قال فاني قد زدته من عمري ثلاثين سنة فأنفذ ذلك وأثبتها له عندك واطرحها من عمري قال أبو

( 306 )

جعفر عليه السلام فأثبت الله عز وجل لداود في عمره ثلاثين سنة وكانت له عند الله مثبتة فذلك قوله عز وجل يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب ، قال فمحا الله ما كان عنده مثبتا لآدم وأثبت لداود ما لم يكن عنده مثبتا قال فمضى عمر آدم فهبط ملك الموت لقبض روحه فقال له آدم يا ملك الموت انه قد بقي من عمري ثلاثون سنة فقال له ملك الموت يا آدم ألم تجعلها لابنك داود النبي وطرحتها من عمرك حين عرض عليك أسماء الأنبياء من ذريتك وعرضت عليك أعمارهم وأنت يومئذ بوادي الدخياء فقال له آدم ما اذكر هذا قال فقال له ملك الموت يا آدم لا تجحد ألم تسأل الله عز وجل أن يثبته لداود ويمحوها من عمرك فأثبتها لداود في الزبور ومحاها من عمرك في الذكر قال آدم حتى أعلم ذلك ، قال أبو جعفر عليه السلام : وكان آدم صادقا قال لم يذكر ولم يجحد فمن ذلك اليوم أمر الله تبارك وتعالى العباد أن يكتبوا بينهم إذا تداينوا وتعاملوا إلى أجل لأجل نسيان آدم وجحوده ما على نفسه .
وفي الكافي ما يقرب منه في روايتين على اختلاف في عدد ما يزيد على عمر داود وزاد شهادة جبرائيل وميكائيل على آدم .
وليكتب بينكم كاتب بالعدل لا يزيد على ما يجب ولا ينقص ولا يأب كاتب لا يمتنع احد من الكتّاب أن يكتب كما علمه الله مثل ما علمه الله من كتبه الوثائق ولا يأب أن ينفع الناس بكتابته كما نفعه الله بتعليمها كقوله واحسن كما أحسن الله اليك فليكتب تأكيدا ومتعلق بكما علمه الله وليملل الذي عليه الحق لأنه المقر المشهود عليه والاملال والأملاء واحد وليتق الله ربه أي المملي أو الكاتب ولا يبخس ولا ينقص منه من الحق أو مما أملى عليه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها ناقص العقل أو مبذرا أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو في تفسير الامام يعني ضعيفا في بدنه لا يقدر أن يمل أو ضعيفا في فهمه وعلمه لا يقدر أن يمل ويميز الالفاظ التي هي عدل عليه وله من الألفاظ التي هي جور عليه أو على حميمه أو لا يستطيع أن يمل هو بمعنى أن يكون مشغولا في مرمة لمعاش أو تزود لمعاد أو لذة في غير محرم فان تلك الأشغال التي لا ينبغي للعاقل أن يشرع في غيرها .
وفي التهذيب عن الصادق عليه السلام السفيه الذي يشتري الدرهم بأضعافه والضعيف الأبله .

( 307 )

والعياشي عنه السفيه الشارب الخمر والضعيف الذي يأخذ واحدا باثنين فليملل وليه النائب عنه والقيم بأمره بالعدل بأن لا يحيف على المكتوب له ولا المكتوب عليه واستشهدوا على الدين شهيدين من رجالكم أحراركم دون عبيدكم فان الله قد شغل العبيد بخدمة مواليهم عن تحمل الشهادات وعن أدائها وليكونوا من المسلمين منكم فان الله شرف المسلمين العدول بقبول شهاداتهم وجعل ذلك من الشرف العاجل لهم ومن ثواب دنياهم قبل أن يصلوا إلى الآخرة كذا في تفسير الامام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
أقول : لا ينافيه تقييد الاستشهاد بالأحرار لاشتغال العبيد بالخدمة قبول شهادة العبيد إذا استشهدوا وكانوا عدولا كما يثبت عن أهل البيت عليهم السلام فإن لم يكونا يعني الشهيدين رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء قال عليه السلام يعني ممن ترضون دينه وأمانته وصلاحه وعفته وتيقظه فيما يشهد به وتحصيله وتمييزه فما كل صالح مميز ولا محصل ولا كل محصل مميز صالح وإن من عباد الله لمن هو أهل لصلاحه وعفته لو شهد لم يقبل شهادته لقلة تميزه فإذا كان صالحا عفيفا مميزا محصلا مجانبا للمعصية والهوى والميل والتحامل فذلك الرجل الفاضل فبه فتمسكوا وبهداه فاقتدوا وإن انقطع عنكم المطر فاستمطروا به وإن امتنع نبات فاستخرجوا به النبات وان تعذر عليكم الرزق فاستدروا به الرزق فان ذلك ممن لا يخيب طلبه ولا ترد مسألته أن تضل إحداهما وقرىء بكسر الهمزة فتذكر وقرئ مرفوعا وبالتخفيف والنصب من الاذكار إحداهما الاخرى في تفسير الامام عن امير المؤمنين عليه السلام إذا ضلت احداهما عن الشهادة ونسيتها ذكرتها الأخرى فاستقامتا في أداء الشهادة .
أقول : وهو من قولهم ضل الطريق إذا لم يهتد وهذه علة لاعتبار العدد قال عليه السلام عدل الله شهادة امرأتين بشهادة رجل لنقصان عقولهن ودينهن .
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام في عدة أخبار اربعة لا يستجاب لهم دعوة أحدهم رجل كان له مال فأدانه بغير بينة يقول الله عز وجل ألم آمرك بالشهادة ، وعنه عليه السلام من ذهب حقه على غير بينة لم يؤجر .
ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا في الكافي والعياشي عن الصادق عليه السلام في عدة

( 308 )

أخبار في هذه الآية قال لا ينبغي لأحد إذا ما دعي إلى الشهادة ليشهد عليها أن يقول لا أشهد لكم وفي بعضها قال في آخره فذلك قبل الكتاب وفي بعضها هي قبل الشهادة ومن يكتمها بعد الشهادة .
وعن الكاظم عليه السلام فيها إذا ما دعاك الرجل تشهد له على دين أو حق لم ينبغ لك أن تقاعس عنه .
وفي تفسير الامام عن أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الآية من كان في عنقه شهادة فلا يأب إذا دعي لإقامتها وليقمها ولينصح فيها ولا تأخذه فيها لومة لائم وليأمر بالمعروف ولينه عن المنكر ، قال في خبر آخر ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا أنزلت فيمن إذا دعي لاقامة اسماع الشهادة فأبى ونزلت فيمن امتنع عن أداء الشهادة إذا كانت عنده ولا تسأموا ولاتملوا أن تكتبوه صغيرا كان الحق أو كبيرا إلى أجله إلى وقت حلوله الذي أقر به المديون ذلكم أقسط عند الله أعدل وأقوم للشهادة وأثبت لها واعون على إقامتها وأدنى ألا ترتابوا وأقرب في أن لا تشكوا في جنس الدين وقدره وأجله والشهور ونحو ذلك إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم إلا أن تتبايعوا يدا بيد فليس عليكم جناح ألا تكتبوها لبعده عن التنازع والنسيان وأشهدوا إذا تبايعتم لأنه أحوط ولا يضار كاتب ولا شهيد يحتمل البنائين وهو نهى لهما عن ترك الاجابة والتحريف والتغيير في الكتب والشهادة أو نهي عن الضرار بهما مثل أن يعجلا عن مهم ويكلفا الخروج عما حد لهما أو لا يعطي الكاتب جعله والشهيد مؤنة مجيئه حيث كان وإن تفعلوا الضرار وما نهيتم عنه فإنه فسوق بكم خروج عن الطاعة لا حق بكم واتقوا الله في مخالفة أمره ونهيه ويعلمكم الله أحكامه المتضمنة لمصالحكم والله بكل شيء عليم قيل كرر لفظة الله في الجمل الثلاث لاستقلالها فان الأولى حث على التقوى والثانية وعد بانعامه والثالثة تعظيم لشأنه ولأنه ادخل في التعظيم من الكناية .
القمي في البقرة خمسماءة حكم وفي هذه الآية خاصة خمسة عشر حكما .
(283) وإن كنتم على سفر أي مسافرين ولم تجدوا كاتبا فرهان فالذي يستوثق به رهان وقرئ فرهن بضمتين وكلاهما جمع رهن هو بمعنى مرهون مقبوضة في الكافي عن

( 309 )

الصادق عليه السلام لا رهن الا مقبوضا .
أقول : وليس الغرض تخصيص الارتهان بحال السفر ولكن السفر لما كان مظنة لإعواز الكتب والاشهاد امر المسافر بأن يقيم الارتهان مقام الكتابة والإشهاد على سبيل الارشاد إلى حفظ المال فإن أمن بعضكم بعضا بعض الدائنين بعض المديونين بحسن ظنه به فليؤد الذي أؤتمن وهو الذي عليه الحق أمانته سمى الدين أمانه لايتمانه عليه بترك الارتهان منه وليتق الله ربه في الخيانة وإنكار الحق وفيه من المبالغات ما لا يخفى ولا تكتموا الشهادة خطاب للشهود ومن يكتمها مع علمه بالمشهود به وتمكنه من أدائها فإنه آثم قلبه يعني أن كتمان الشهادة من آثام القلوب ومن معاظم الذنوب .
في الفقيه عن الباقر عليه السلام قال كافر قلبه وفي حديث مناهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونهى عن كتمان الشهادة وقال من كتمها أطعمه الله لحمه على رؤوس الخلائق وهو قول الله عز وجل ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فانه آثم قلبه والله بما تعملون عليم تهديد .
(284) لله ما في السماوات وما في الأرض خلقا وملكا وإن تبدوا ما في أنفسكم من خير أو شر أو تخفوه يحاسبكم به الله في نهج البلاغة وبما في الصدور يجازي العباد .
أقول : لا يدخل فيما يخفيه الانسان الوساوس وحديث النفس لأن ذلك مما ليس في وسعه الخلو منه ولكن ما اعتقده وعزم عليه .
في الكافي عن الصادق عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وضع عن أمتي تسع خصال الخطأ والنسيان وما لا يعلمون وما لا يطيقون وما اضطروا إليه وما استكرهوا عليه والطّيرة والوسوسة في التفكر في الخلق والحسد ما لم يظهر بلسان أو يد .
والعياشي عنه عليه السلام في هذه الآية قال حقيق على الله أن لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من حبهما .
فيغفر لمن يشاء مغفرته ويعذب من يشاء تعذيبه والله على كل شيء قدير فيقدر على المحاسبة .


(285) آمن الرسول بما أنزل إليه شهادة وتنصيص من الله على الاعتداد بايمانه والمؤمنون قيل اما عطف على الرسول وما بعده استئناف واما استئناف بافراد الرسول وافراد ايمانه تعظيما لشأنه وشأن إيمانه .
أقول : وللافراد وجه آخر يأتي في الحديث .
كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وقرئ وكتابه في الغيبة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال ليلة اسري بي إلى السماء قال العزيز جل ثناؤه آمن الرسول بما انزل إليه من ربه قلت والمؤمنون قال صدقت يا محمد لا نفرق بين أحد من رسله يقولون ذلك والمراد نفي الفرق في التصديق وقرئ لا يفرق بالياء واحد في معنى الجمع لوقوعه في سياق النفي ولذا دخل عليه بين وقالوا سمعنا أجبنا وأطعنا أمرك غفرانك اغفر غفرانك أو نطلب غفرانك ربنا وإليك المصير المرجع بعد الموت وهو اقرار منهم بالبعث لا يكلف الله نفسا فيما افترض الله عليها رواه العياشي عن أحدهما عليهما السلام إلا وسعها الا ما يسعه قدرتها فضلا ورحمة .
وفي التوحيد عن الصادق صلوات الله عليه ما أمر العباد الا دون سعتهم وكل شيء امر الناس بأخذه فهم متسعون له ما لا يتسعون له فهو موضوع عنهم ولكن الناس لا خير فيهم لها ما كسبت من خير وعليها ما اكتسبت من شر لا ينتفع بطاعتها ولا يتضرر بمعاصيها غيرها ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا أي لا تؤاخذنا بما أدى بنا إلى نسيان أو خطأ من تفريط أو من قلة مبالاة ربنا ولا تحمل علينا إصرا حملا ثقيلا يأصر صاحبه أي يحبسه في مكانه يعني به التكاليف الشاقة كما حملته على الذين من قبلنا يعني به ما كلف به بنو إسرائيل من قتل الأنفس وقطع موضع النجاسة وغير ذلك ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به من العقوبات النازلة بمن قبلنا واعف عنا وامح ذنوبنا واغفر لنا واستر عيوبنا ولا تفضحنا بالمؤاخذة وارحمنا تعطف بنا وتفضل علينا أنت مولانا سيدنا ونحن عبيدك فانصرنا على القوم الكافرين بالقهر لهم والغلبة بالحجة عليهم فان من حق المولى أن ينصر مواليه على الأعداء .
العياشي عن أحدهما عليهما السلام في آخر البقرة قال لما دعوا أجيبوا .
والقمي عن الصادق عليه السلام ان هذه الآية مشافهة الله لنبيه صلى الله عليه وآله

( 311 )

وسلم لما أسري به إلى السماء قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما انتهيت إلى سدرة المنتهى وإذا الورقة منها تظل أمة من الامم وكنت من ربي كقاب قوسين أو أدنى كما حكى الله عز وجل فناداني ربي تبارك وتعالى ( آمن الرسول بما انزل إليه من ربه ) فقلت أنا مجيبه عني وعن أمتي والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين احد من رسله فقلت سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير فقال الله لا يكلف الله نفسا الا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت فقلت ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا فقال الله لا اؤاخذك فقلت ربنا ولا تحمل علينا اصرا كما حملته على الذين من قبلنا فقال الله لا أحملك فقلت ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا انت مولينا فانصرنا على القوم الكفرين فقال الله تبارك وتعالى قد أعطيت ذلك لك ولامتك فقال الصادق عليه السلام ما وفد إلى الله وتعالى احد أكرم من رسول الله حين سأل لأمته هذه الخصال .
والعياشي ما في معناه في حديث بدون قوله فقال الصادق عليه السلام إلى آخر الحديث .
وفي الاحتجاج عن الكاظم عليه السلام عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السلام في حديث يذكر فيه مناقب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال انه لما أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مسيرة شهر وعرج به في ملكوت السموات مسيرة خمسين الف عام في أقل من ثلث ليلة حتى انتهى إلى ساق العرش فدنا بالعلم فتدلى وقد دلى له من الجنة رفرف أخضر وغشّى النور بصره فرأى عظمة ربه عز وجل بفؤاده ولم يرها بعينه فكان كقاب قوسين بينها وبينه أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى فكان فيما أوحى إليه الآية التي في سورة البقرة قوله تعالى ( لله ما في السموات وما في الأرض وان تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير ) وكانت الآية قد عرضت على الأنبياء من لدن آدم على نبينا وعليه السلام إلى أن بعث الله تبارك اسمه محمدا صلى الله عليه وآله وسلم وعرضت على الامم فأبوا أن يقبلوها من ثقلها وقبلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعرضها على أمته فقبلوها فلما رأى الله عز وجل منهم القبول على انهم لا يطيقونها فلما أن سار إلى ساق العرش كرر عليه الكلام ليفهمه فقال آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه فأجاب مجيبا عنه وعن أمته فقال والمؤمنون

( 312 )

كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين احد من رسله فقال جل ذكره لهم الجنة والمغفرة على أن فعلوا ذلك فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أما إذا فعلت ذلك بنا فغفرانك ربنا وإليك المصير يعني المرجع في الآخرة ، قال فأجابه الله عز وجل ثناؤه وقد فعلت ذلك بك وبأمتك ، ثم قال عز وجل اما إذا قبلت الآية بتشديدها وعظم ما فيها وقد عرضتها على الأمم فأبوا أن يقبلوها وقبلتها أمتك فحق عليّ أن أرفعها عن امتك وقال لا يكلف الله نفسا الا وسعها لها ما كسبت من خير وعليها ما اكتسبت من شر ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما سمع ذلك اما إذا فعلت ذلك بي وبأمتي فزدني قال سل قال ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا قال الله تعالى لست اؤاخذ امتك بالنسيان والخطأ لكرامتك عليّ وكانت الأمم السالفة إذا نسوا ما ذكروا به فتحت عليهم أبواب العذاب وقد رفعت ذلك عن أمتك وكانت الامم السالفة إذا أخطأوا أخذوا بالخطأ وعوقبوا عليه وقد رفعت ذلك عن أمتك لكرامتك عليّ فقال النبي (ص) اللهم إذا أعطيتني ذلك فزدني فقال الله تعالى له سل قال : ( ربنا ولا تحمل علينا اصرا كما حملته على الذين من قبلنا ) يعني بالإصر الشدائد التي كانت على من كان قبلنا فأجابه الله إلى ذلك فقال تبارك وتعالى اسمه قد رفعت عن امتك الآصار التي كانت على الامم السالفة كنت لا أقبل صلواتهم الا في بقاع من الأرض معلومة اخترتها لهم وإن بعدت وقد جعلت الأرض كلها لأمتك مسجدا وطهورا فهذه من الآصار التي كانت على الأمم قبلك فرفعتها عن أمتك وكانت الأمم السالفة إذ أصابهم اذى من نجاسة قرضوها من أجسادهم وقد جعلت الماء طهورا لأمتك فهذه من الآصار التي كانت عليهم فرفعتها عن أمتك وكانت الامم السالفة تحمل قرابينها (1) إلى بيت المقدس فمن قبلت ذلك منه ارسلت إليه نارا فأكلته فرجع مسرورا ومن لم أقبل ذلك منه رجع مثبورا (2) وقد جعلت قربان أمتك في بطون فقرائها ومساكينها فمن قبلت ذلك منه أضعفت ذلك له أضعافا مضاعفة ومن لم أقبل ذلك منه رفعت عنه عقوبات الدنيا وقد رفعت ذلك عن أمتك وهي من الآصار التي كانت على الامم من قبلك وكانت الامم السالفة صلاتها مفروضة عليها في ظلم الليل وأنصاف النهار وهي من الشدائد التي كانت عليهم فرفعت عن أمتك وفرضت عليهم صلواتهم في أطراف الليل والنهار وفي أوقات نشاطهم وكانت
____________
(1) القربان بالضم ما يتقرب به إلى الله تعالى ج قرابين « ق » .
(2) قوله تعالى مثبوا أي مهلكا وقيل ملعونا مطرودا « مجمع » .
( 313 )

الامم السالفة قد فرضت عليهم خمسين صلاة في خمسين وقتا وهي من الآصار التي كانت عليهم فرفعتها عن أمتك وجعلتها خمسا في خمسة أوقات وهي إحدى وخمسون ركعة وجعلت لهم أجر خمسين صلاة وكانت الأمم السالفة حسنتهم بحسنة وسيئتهم بسيئة وهي من الآصار التي كانت عليهم فرفعتها عن أمتك وجعلت الحسنة بعشر والسيئة بواحدة وكانت الامم السالفة إذا نوى أحدهم حسنة ثم لم يعملها لم تكتب له وإن عملها كتبت له حسنة وإن أمتك إذا هم أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة وإن عملها كتبت له عشرا وهي من الآصار التي كانت عليهم فرفعتها عن أمتك وكانت الأمم السالفة إذا هم أحدهم بسيئة ثم لم يعملها لم تكتب عليه وإن عملها كتبت عليه سيئة وإن أمتك إذا هم أحدهم بسيئة ثم لم يعملها كتبت له حسنة وهذه من الآصار التي كانت عليهم فرفعت ذلك عن أمتك وكانت الأمم السالفة إذا أذنبوا كتبت ذنوبهم على أبوابهم وجعلت توبتهم من الذنوب ان حرمت عليهم بعد التوبة أحب الطعام إليهم وقد رفعت ذلك عن أمتك وجعلت ذنوبهم فيما بيني وبينهم وجعلت عليهم ستورا كثيفة أو قبلت توبتهم بلا عقوبة ولا أعاقبهم بأن احرم عليهم أحب الطعام إليهم وكانت الامم السالفة يتوب أحدهم من الذنب الواحد ماءة سنة أو ثمانين سنة أو خمسين سنة ثم لا أقبل توبته دون أن اعاقبه في الدنيا بعقوبة وهي من الآصار التي كانت عليهم فرفعتها عن أمتك وان الرجل من امتك ليذنب عشرين سنة أو ثلاثين سنة أو أربعين سنة أو ماءة سنة ثم يتوب ويندم طرفة عين فاغفر له ذلك كله فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم اللهم إذا أعطيتني ذلك كله فزدني قال سل قال ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به قال تبارك اسمه قد فعلت ذلك بك وبأمتك وقد رفعت عنهم عظيم بلايا الأمم وذلك حكمي في جميع الامم أن لا اكلف خلقا فوق طاقتهم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم واعف عنا واغفر لنا وارحمنا انت مولانا ، قال الله عز وجل قد فعلت ذلك بتائبي أمتك قال فانصرنا على القوم الكفرين قال الله جل اسمه ان امتك في الأرض كالشامة البيضاء في الثور الأسود هم القادرون وهم القاهرون يستخدمون ولا يستخدمون لكرامتك عليّ وحق عليّ أن أظهر دينك على الأديان حتى لا يبقى في شرق الأرض وغربها دين الا دينك أو يؤدون إلى أهل دينك الجزية .
في ثواب الأعمال عن السجاد عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله

( 314 )

وسلم من قرأ أربع آيات من أول البقرة وآية الكرسي وآيتين بعدها وثلاث آيات من آخرها لم ير في نفسه وماله شيئا يكرهه ولا يقربه الشيطان ولا ينسى القرآن .
وعن جابر عنه صلى الله عليه وآله وسلم في حديث قال قال الله تبارك وتعالى واعطيت لك ولأمتك كنزا من كنوز عرشي فاتحة الكتاب وخاتمة سورة البقرة .
وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم انزل الله آيتين من كنوز الجنة كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي سنة من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل .
وفي رواية من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة كفتاه .
وفي ثواب الأعمال عن الصادق عليه السلام من قرأ سورة البقرة وآل عمران جاءتا يوم القيامة تظلانه على رأسه مثل الغمامتين أو مثل الغيابتين يعني المظلتين .



 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (11)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 201

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 12235709

  • التاريخ : 26/03/2023 - 06:22

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net