00989338131045
 
 
 
 
 
 

  سورة البقرة ( من آية 35 ـ 45) 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : التبيان في تفسير القرآن ( الجزء الاول)   ||   تأليف : شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي

قوله تعالى: وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولاتقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين(35)

آية بلا خلاف

السكون والثبوت والهدوء نظائر، ومثله الاستقرار والاطمئنان والثبات والمسكن والمأوى والمثوى بمعنى (واحد)، تقول: سكن يسكن سكونا إذ لبث في المكان وسكن إذا سكت سكن الريح، وسكن المطر، وسكن الغضب والسكن هم العيال وهم أهل البيت قال سلامة بن المجندل:

ليس بأسفى ولا أقنى ولا سغل *** يسقي دواء قفي السكن مربوب

والمسكن المنزل، والسكن السكان، والسكن ان يسكن إنسان منزلا بلا كراء والسكينة: الموادعة والوقار والسكن: الرحمة والبركة، كقوله: (إن صلاتك سكن لهم) والمسكين: الذي لا شئ له - عند ابي عبيدة -، والفقير: الذي له شئ وان كان قليلا قال الشاعر:

أما الفقير الذي كانت حلوبته *** وفق العيال فلم يترك له سيد

وقوله تعالى: (اما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر) قال ابوحاتم: أحسنه - أنهم كانوا شركاء في سفينة لايملكون سواها، فهذا يخالف أبا عبيدة وسكان السفينة معروف عربي اشتقاقه من انها تسكن به عن الحركة والاضطراب

[156]

ومعنى (اسكن أنت وزوجك الجنة): اجعله مأوى تأوي فيه وتسكن اليه، وقد اعظم الله النعمة على آدم بما اختصه من علمه، وأسجد له ملائكته واسكنه جنته، وتلك نعمة على ولده، فالزمهم الشكر عليها، والقيام بحقها والجنة التي اسكن فيها آدم، قال قوم: هي بستان من بساتين الدنيا، لان جنة الخلد لا يصل اليها إبليس ووسوسته، واستدل البلخي على انها لم تكن جنة الخلد بقوله تعالى حكاية عن ابليس لما اغوى آدم، قال له: (هل أدلك على شجرة الخلد؟) فلو كانت جنة الخلد لكان عالما بها، فلم يحتج إلى دلالة.

وقال الحسن البصري وعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء واكثر المعتزلة كأبي على والرماني وابي بكر بن الاخشيد وعليه اكثر المفسرين: انها كانت جنة الخلد، لان الالف واللام للتعريف وصار كالعلم عليها قالوا: ويجوز ان يكون وسوسة ابليس من خارج الجنة، فيسمعان خطابه ويفهمان كلامه، قالوا: وقول من يقول: ان جنة الخلد من يدخلها لا يخرج منها لا يصح، لان معنى ذلك إذا استقر اهل الجنة في الجنة للثواب، وأهل النار فيها للعقاب لا يخرجون منها، واما قبل ذلك فانها تغنى لقوله تعالى: (كل شئ هالك إلا وجهه) (وزوجك الجنة) الزوج: بطرح الهاء.

قال الاصمعي: هو أكثر كلام العرب، وقال الكسائي: اكثر كلام العرب بالهاء، وطرح الهاء لغة لازد شنوء‌ة، ولفظ القرآن لم يجئ إلا بطرح الهاء وقال المبرد: الوجه طرح الهاء من الزوجة وأنشد:

وأراكم لدى المحاماة عندي *** مثل صوت الرجال للازواج

جمع زوج، ولايجوز ان يكون جمع زوجة.

وقال الرماني: قول الاصمعى أجود، لان لفظ القرآن عليه، والعلة في ذلك انه لما كانت الاضافة تلزم الاسم في اكثر الكلام كانت مشبهة له، وكانت بطرح الهاء افصح وأخف مع الاستغناء بدلالة الاضافة عن دلالة هاء التأنيث.

وقوله تعالى: (وكلا) فالاكل والمضغ واللقم متقاربة، وضد الاكل

[157]

الازم وسأل عمر بن الخطاب الحارث بن كلدة طبيب العرب، فقال له: يا حار ما الدواء؟ فقال: الازم، أي ترك الاكل والاكلة مرة، والاكلة اسم كاللقمة والاكولة الشاة، والغنم التي ترعى للاكل لا للنسل، الاكال: أن يتأكل عود أو شئ وأكيل الرجل: مآكله واكيل الذئب: الشاة وغيرها إذا أردت المأكولة وإذا أردت به إسما قلت: اكيلة ذئب والمأكلة: ما جعل للانسان لا يحاسب عليه ورجل وامرأة أكول: كثير الاكل والمأكل كالمطعم والمشرب والمأكل: المطعم وأصل الباب الاكل وهو المضغ لذي الطعم ويقال الذي يشترك فيه الحيوان كله فيه سوى الملائكة المأكل والمنكح والمشرب و " الرغد " النفع الواسع الكثير الذي ليس فيه عناء.

وقال صاحب العين: عيش رغد ورغيد: رفيه وقوم رغد ونساء رغد

قال امرؤ القيس بن حجر:

بينما المرء تراه ناعما *** يأمن الاحداث في عيش رغد

والرغيدة: الزبدة في بعض اللغات وأرغد الرجل ما شيته: إذا تركها وسومها والمشيئة والارادة بمعنى واحد وكذلك المحبة والاختيار وان كان لها شروط ذكرناها في اصول " ولا تقربا " القرب والدنو والمجاورة متقاربة المعنى وضد البعد يقال: قرب يقرب قربا واقترب اقترابا.

قال صاحب العين: القرب طلب الماء يقال: قرب الماء يقرب وقد قربه قربا إذا طلبه ليلا ولا يقال لطالب الماء نهارا قارب والقراب للسيف والسكين والفعل منه: قربت قرابا وقيل قربت اقرابا والقربان: ما تقربت به إلى الله تعالى وقربان الملك وقرابينه: وزراؤه والقربى: حق ذي القرابة وقرب فلان اهله: اذا غشيها قربانا وماقربت هذا الامر ولافلانا قربانا وقربى والشجرة: كل ما قام على ساق من النبات وهو اسم يعم النخلة والكرمة وغيرهما وما لم يقم على ساق لا يسمى شجرا كالبقل والحشيش واما اليقطين كالقرع والبطيخ فقد سمي شجرا قال الله تعالى: " وانبتنا عليه شجرة من يقطين ".

قال صاحب العين: الشجرة واحدة تجمع على الشجر والشجرات والاشجار واخلتفوا

[158]

في الشجرة التي نهى الله آدم عنها فقال ابن عباس: هي السنبلة وقال ابن مسعود والسدي وجعفر بن زهير: هي الكرمة وقال ابن جريج هي التينة وروي عن علي (عليه السلام) انه قال: شجرة الكافور وقال الكلبي: شجرة العلم على الخير والشر.

وقال ابن جذعان: هي شجرة الخلد التي كان يأكل منها الملائكة والاقاويل الثلاثة الاولة اقرب " فتكونا من الظالمين " الظلم والجور والعدوان متقاربة وضد الظلم الانصاف وضد الجور العدل واصل الظلم انتقاص الحق لقوله تعالى: " كلتا الجنتين اتت اكلها ولم تظلم منه شيئا " أي لم تنقص وقيل: أصله وضع الشئ في غير موضعه من قولهم: من يشبه أباه فما ظلم أي فما وضع الشبه في غير موضعه وكلاهما مطرد وعلى الوجهين فالظلم اسم ذم ولا يجوزأن يطلق إلا على مستحق اللعن لقوله: " ألا لعنة الله على الظالمين " ولا يجوز اطلاقه على انبياء الله تعالى ولا الائمة المعصومين وظالم ومسئ وجائر: اسماء ذم وهو فاعل لما يستحق به الذم من الضرر وضدها عادل ومنصف ومحسن وهي من صفات المدح ويقول المعتزلة لصاحب الصغيرة: ظالم لنفسه ومن نفى الصغيرة عن الانبياء من الامامية قال: يجوز أن يقال: ظالم لنفسه اذا بخسها الثواب كقوله " ظلمت نفسي ".

وقوله: " إني كنت من الظالمين " حكاية عن يونس من حيث بخس نفسه الثواب بترك المندوب اليه والظلم هو الضرر المحض الذي لا نفع فيه أو عليه آجلا، ولا فيه دفع ضرر اعظم منه ولا هو واقع على وجه المدافعة، ولا هو مستحق فما هذه صفته يستحق به الذم اذا وقع من مختار عالم أو متمكن من العلم به.

وروي ان الله تعالى ألقى على آدم النوم، وأخذ منه ضلعا فخلق منه حواء وليس يمتنع أن يخلق الله حواء من جملة جسد آدم بعد أن لا يكون جزء، أو مما لا يتم كون الحي حيا إلا معه، لان ما هذه صفته لا يجوز أن ينقل إلى غيره، أو يخلق منه حي آخر من حيث يؤدي إلى أن لا يصل الثواب إلى مستحقه، لان المستحق لتلك الجملة باجمعها وهذا قول الرماني وغيره من المفسرين، ولذلك قيل للمرأة: ضلع اعوج وقيل سميت امرأة

[159]

لانها خلقت من المرء فأما تسميتها حواء: لما أدخل آدم الجنة واخرج منها إبليس ولعن وطرد فاستوحش: فخلقت ليسكن اليها فقالت له الملائكة تجربة لعلمه: ما اسمها؟ قال حواء قالوا لم سميت حواء؟ قال: لانها خلقت من شئ حي.

وقال ابن اسحاق: خلقت من ضلعه قبل دخوله الجنه، ثم دخلا جميعا الجنة لقوله تعالى: " يا آدم اسكن انت وزوجك الجنة " التي كان فيها آدم في السماء، لانه اهبطهما منها.

وقال ابومسلم محمد بن يحيى: هي في الارض، لانه امتحنهما فيها بالنهي عن الشجرة التي نهاهما عنها دون غيرها من الثمار و " حيث " مبنية على الضم كما تبنى الغاية: نحو من قبل ومن بعد، لانه منع من الاضافة (إلى المفرد) كما منعت الغاية من الاضافة إلى مفرد.

وقوله: " ولاتقربا هذه الشجرة " صيغته صيغة النهي والمراد به الندب عندنا لانه دل الدليل على أن النهي لا يكون نهيا إلى بكراهته للمنهي عنه والله تعالى لا يكره إلا القبيح والانبياء لا يجوز عليهم القبائح: صغيرها ولا كبيرها وقالت المعتزلة: إن تلك كانت صغيرة من آدم - على اختلافهم في انه كان منه عمدا أو سهوا أو تأويلا - وانما قلنا لا يجوز عليهم القبائح، لانها لو جازت عليهم لوجب أن يستحفوا بها ذما، وعقابا وبراء‌ة ولعنة، لان المعاصي كلها كبائر عندنا والاحباط باطل ولو جازذلك لنفر عن قبول قولهم وذلك لا يجوز عليهم كما لا يجوز كل منفر عنهم من الكبائر والخلق المشوهة والاخلاق المنفرة ولا خلاف أن النهي يتناول الا كل دون القرب كأنه قال: لا تقربا بالاكل لانه لا خلاف أن المخالفة وقعت بالاكل لا بالدنو منها ولذلك قال: " فاكلا منها فبدت لهما سوأتهما ".

وقوله: " فتكونا " يحتمل أن يكون جوابا للنهي فيكون موضعه نصبا وهو الاقوى ويحتمل أن يكون عطفا على النهي فيكون موضعه جزما وكلاهما جيد محتمل ومتى كان جوابا كان تقديره: إن قربتما كنتما من الظالمين، لانه يتضمن معنى الجواب واذا كان عطفا على النهي فكأنه قال: لا تكونا من الظالمين واجاز البصريون من اهل العدل أن يبتدئ الله الخلق في الجنة فينعمهم فيها تفضلا منه

[160]

لا على وجه الثواب، لان ذلك نعمة منه تعالى كما أن خلقهم وتكليفهم وتعريضهم للثواب نعمة منه، وله أن يفعل ما يشاء من ذلك.

وقال ابوالقاسم البلخي: لا يجوز خلقهم في الجنة ابتداء، لانه لو جاز ذلك، لما خلقهم في دار المحنة، ولما ابتلى من يعلم أنه يكفر ويصير إلى عذابه وانما لم يجز أن يخلقهم ابتداء في الجنة، لانه لو خلقهم فيها، لم يخل: إما أن يكونوا متعبدين بالمعرفة لله والشكر، أو لايكونوا كذلك فلو كانوا غير متبعبدين، كانوا مهملين ولذلك لا يجوز ولو كانوا متعبدين لم يكن بد من ترغيب وترهيب ووعد، ووعيد ولو كانوا كذلك كانوا على ما هم عليه في دار الدنيا وكان لابد من دار أخرى يجازون فيها ويخلدون واجاب عن ذلك الاولون بان قالوا: لو ابتدأ خلقهم في الجنة لاضطرهم إلى معرفته، والجأهم إلى فعل الحسن وترك القبيح ومتى راموا القبيح، منعوا منه فلا يؤدي ذلك إلى ما قاله: كالحور العين والاطفال والبهائم اذا حشرهم يوم القيامة.

فأزلهما الشيطان عنها فأخرجما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الارض مستقر ومتاع إلى حين(36)

آية بلا خلاف

القراء‌ة: قرأ حمزة وحده " وأزالهما " بألف وتخفيف اللام الباقون بتشديد اللام وحذف الالف.

اللغة: الزلة والمعصية والخطيئة والسيئة بمعنى واحد وضد الخطيئة الاصابة ويقال: زل زلة، وأزله إزلالا، واستزله استزلالا وقال صاحب العين: زل السهم عن النزع زليلا وزل فلان عن الصخر زليلا فاذا زلت قدمه، قلت: زل زلا فاذا زل في مقالة أو خطبة قلت: زل زلة.

قال الشاعر: هلا على غيري جعلت الزلة

[161]

وأزله الشيطان عن الحق: إذ أزاله والمزلة: المكان الدحض(1) والمزلة: الزلل في الدحض والزلل: مثل الزلة في الخطأ والازلال: الانعام وفي الحديث: (من أزلت إليه فليشكرها) بمعنى أسديت.

قال كثير:

وإني - وإن صدت - لمثن وصادق *** عليها بما كانت إلينا أزلت(2)

ويقال: أزللت إلى فلان نعمة، فأنا أزلها إزلالا فالاصل في ذلك الزوال والزلة: زوال عن الحق ومعنى " أزالهما "(3): نحاهما من قولك: زلت عن المكان: اذا تنحيت منه والوجه ما عليه القراء(4) لان هذا يؤدي إلى التكرار، لانه قال بعد ذلك " فأخرجهما " فيصير تقدير الكلام: فأخرجهما الشيطان عنها فأخرجهما وذلك لا يجوز ويحسن أن يقول: استزلهما فأخرجهما.

ومن قرأ: " أزالهما "، أراد المقابلة بين قوله: " أزالهما " وبين قوله: " اسكن "، لان معناه: اسكن واثبت انت وزوجك وتقديره: اثبتا، فأراد أن يقابل ذلك فقال: " فأزالهما " فقابل الزوال بالثبات وإنما نسب الازلال والاخراج إلى الشيطان لما وقع ذلك بدعائه ووسوسته وإعوائه ولم يكن إخراجهما(5) من الجنة على وجه العقوبة، لانا قد بينا أن الانبياء لا يجوز عليهم القبائح على حال ومن أجاز عليهم العقاب، فقد أعظم الفرية وقبح(6) الذكر على الانبياء وإنما أخرجهم من الجنة، لانه تغيرت المصلحة لما تناول من الشجرة، واقتضى التدبير والحكمة تكليفه في الارض وسلبه ما ألبسه الله (تعالى) من لباس الجنة وقال قوم: إن إلباس الله له ثياب الجنة كان تفضلا وللمتفضل أن يمنع ذلك تشديدا للمحنة كما يفقر بعد الغنى، ويميت بعد الاحياء، ويسقم بعد الصحة فان قيل: كيف وصل إبليس إلى آدم حتى أغواه ووسوس اليه وآدم كان

___________________________________

(1) الدحض بفتح الحاء وسكونها، من الامكنة: الزلق ج: دحاض.

(2) في المطبوعة والمخطوطه (عليا) بدل (عليها) الديوان.

(3) على قراء‌ة حمزة.

(4) أي بتشديد اللام.

(5) في المخطوطة (باخراجهما).

(6) وفتح خ ل.

[162]

في الجنة، وابليس قد أخرج منها حين تأبي من السجود؟ قيل: عن ذلك أجوبة: إحدها - ان آدم كان يخرج إلى باب الجنة، وابليس لم يكن ممنوعا من الدنو منه، وكان يكلمه ويغويه.

(الثاني) - وقال آخرون: انه كلمهما من الارض بكلام فهماه(1) منه وعرفاه.

(والثالث) - قال قوم: إنه دخل في فقم الحية، وخاطبها من فقمها والفقم: جانب الشدق.

(والرابع) - قال قوم: راسلهما بالخطاب وظاهر الكلام يدل على أنه شافههما بالخطاب.

(والخامس) - وقال قوم: يجوز أن يكون قرب من السماء فكلمهما.

فأما ما روي عن سعيد بن المسيب: - أنه كان يخلف ولا يستثني، أن آدم ما أكل من الشجرة وهو يعقل، ولكن حواء سقته الخمر حتى إذا سكر، قادته اليها فأكل - فانه خبر ضعيف وعند اصحابنا، أن الخمرة كانت محرمة في سائر الشرائع ومن لم يقل ذلك، يقول: لو كان كذلك، لما توجه العتب على آدم، ولا كان عاصيا بذلك والامر بخلاف ذلك وانما قلنا ذلك: لان النائم غير مكلف في حال نومه، لزوال عقله، وكذلك المغمى عليه، وكذلك السكران وانما يؤاخذ السكران بمايفعله في شرعنا، لما ثبت تحريم ما يتناوله اسم المسكر والا فحكمه حكم النائم عقلا وقد قلنا: إن أكلهما من الشجرة كان على وجه الندب، دون أن يكون ذلك محظورا عليهما، لكن لما خالفا في ترك المندوب اليه تغيرت المصلحة، واقتضت إخراجهما من الجنة وقد دللنا على ذلك في ما مضى.

(والسادس) - وقال قوم: تعمد ذلك.

(والسابع) - وقال قوم آخرون: نهي عن جنس الشجرة، واخطأ.

(والثامن) - وقال قوم: إنه تأول(2) النهي الحقيقي، فحمله على الندب

___________________________________

(1) في المخطوطة (وتكلما منه وعرفاه).

(2) في المخطوطة والمطبوعة (ناول)

[163]

وأخطأ وقد قدمنا ما عندنا فيه فان قيل: كيف يكون ذلك ترك الندب مع قوله: " فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه "؟

قلنا التوبة: - قيل - الرجوع ويجوز ان يرجع تارك الندب عن ذلك،...(1) يكون تائبا ومن قال: وقعت معصيته محبطة...(2) بها يخرج عن الاصرار كما لحد(3)..(4) الاولى اسقطت العقاب...(5) وابليس يقول لهما: " مانها كما ربكما عن هذه الشجرة الا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما: اني لكما لمن الناصحين " قيل: ما قبلا ذلك من إبليس، ولو قبلاه لكانت المعصية أعظم فلما لم يعاتبهما الله على ترك ذلك، دل على أنهما لم يقبلا وهذا جواب من يقول: انه كان صغيرا،(6) أو كان ناسيا وعلى ما قلناه - أن ذلك كان ندبا لا يحتاج إلى ذلك، بل دليل العقل أمننا من وقوع قبيح من آدم، والانبياء فلو كان صريحا، لتركنا ظاهره لقيام الدليل على خلافه على أنه لا يمنع أن يقاسمهما: إنه لمن الناصحين في ترك الندب وإنما ظاهر النهي تركه يوجب أن يصيرا من الخالدين.

وقوله " مما كانا فيه " يحتمل أن يكون أراد: من لباسهما حتى بدت لهما سوآتهما ويحتمل أن يكون من الجنة، حتي أهبطا ويحتمل أن يكون أراد: من الطاعة ألى المعصية.

اللغة: وقوله: " اهبطوا " فالهبوط والنزول والوقوع نظائر ونقيض الهبوط والنزول الصعود يقال: هبط يهبط: اذا انحدر في هبوط من صعود والهبوط اسم كالحدور، وهو الموضع الذي يهبط من اعلى إلى اسفل والهبوط: المصدر.

قال ابن دريد: هبطته واهبطته والعداوة، والبراء‌ة، والمباعدة، نظائر وضد العدو، الولي والعدو:

___________________________________

(1) في الاصل بياض.

(2) بياض.

(3) (لحد) هكذا في الاصل.

(4) بياض.

(5) بياض.

(6) في المخطوطة (صغيرا وكان) وفي المطبوعة (صغيرا ولو كان).

[164]

الحضر(1) - خفيف - والعدو: - ثقيل - يقال في التعدي وقرئ: " فيسبوا الله عدوا - وعددوا - بغير علم "(2) والعدوان: الظلم والعدوى: طلبك إلى وال ليعديك على من ظلمك - أي ينتقم لك - والعدو اسم جامع للواحد والانثين والجمع والمذكر والمؤنث فاذا جعلته نعتا، قلت: الرجلان عدواك، والرجال اعداؤك، والمرأتان عدوتاك، والنسوة عدواتك وأصل الباب: المجاوزة يقال: لا يعدونك هذا الامر - أي يتجاوزنك

المعنى: وقوله: " اهبطوا " انما قال بالجمع، لانه يحتمل اشياء: احدها - أنه خاطب آدم وحواء وابليس، فيصلح ذلك، وان كان ابليس أهبط من قبلهما يقال: أخرج جمع من الجيش - وان خرجوا متفرقين - اختار هذا الزجاج والثاني - أنه أراد آدم وحواء والحية والثالث - آدم وحواء وذريتهما والرابع - قال الحسن: إنه أراد آدم وحواء والوسوسة وظاهر القول وان كان أمرا فالمراد به التهديد كما قال: " اعملوا ما شئتم ".

وقوله: " مستقر " قرار، لقوله: " جعل لكم الارض قرارا " وقيل: مستقر في القبور والاول أقوى وأحسن اللغة: والقرار: الثبات، والبقاء مثله وضد القرار الانزعاج وضد الثبات الزوال وضد البقاء الفناء ويقال: قر قرارا والاستقرار: الكون من وقت واحد على حال " والمستقر " يحتمل أن يكون بمعنى الاستقرار، ويحتمل أن يكون بمعنى المكان الذي يستقر فيه

___________________________________

(1) الحضر، بضم الحاء وتسكين الضاد: الاسم من أحضر الفرس أي عدا.

(2) سورة الانعام آية: 108.

[165]

وقوله: " ومتاع إلى حين " والمتاع والتمتع والتلذذ والمتعة متقاربة المعنى وضدها التألم يقال: أمتعه به إمتاعا، وتمتع تمتعا، واستمتع استمتاعا، ومتعه تمتيعا، ومتع النهار متوعا - وذلك قبل الزوال - والمتاع من أمتعة البيت: ما يتمتع به الانسان من حوائجه وكل شئ تمتعت به فهو متاع ومنه متعة النكاح، ومتعة المطلقة، ومتعة الحج.

وقوله: " إلى حين " فالحين، والمدة والزمان، متقاربة والحين الهلاك حان يحين وكل شئ لم يوفق للرشاد، فقد حان حينا والحين: الوقت من الزمان وجمعه أحيان وجمع الجمع، أحايين ويقال: حان يحين حينونة وحينت الشئ: جعلت له حينا وحينئذ يبعد قولك: الآن فاذا باعدوا بين الوقتين، باعدوا ب‍ (إذ) فقالوا: حينئذ والحين: يوم القيامة وأصل الباب، الوقت والحين: وقت الهلاك ثم كثر، فسمي الهلاك به والحين: الوقت الطويل

المعنى: وقيل: ال‍ " حين " في الآية يعني الموت وقيل إلى يوم القيامة وقيل: إلى أجل وقال ابن سراج: إذا قيل: " ولكم في الارض مستقر ومتاع " لظن أنه غير منقطع فقال: " إلى حين " انقطاعه والفرق بين قول القائل: هذا لك حينا، وبين قوله: إلى حين أن إلى تدل على الانتهاء، ولابد أن يكون له ابتداء وليس كذلك الوجه الآخر.

معنى قوله: " بعضكم لبعض عدو " قال الحسن: يعني بني آدم، وبني إبليس وليس ذلك بأمر على الحقيقة، بل هو تحذير، لان الله لا يأمر بالعداوة وفي الآية دلالة على أن الله تعالى لا يريد المعصية ولايصد أحدا عن طاعته، ولا يخرجه عنها ولا تنسب المعصية إليه، لانه نسب ذلك إلى الشيطان، وهو يتعالى عما عاب به الابالسة والشياطين

[166]

فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم(37)

آية

قرأ إبن كثير (آدم) بنصب الميم (كلمات) برفع التاء.

اللغة: يقال: لقي زيد خيرا فيتعدى الفعل إلى مفعول واحد ومنه قوله فاذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب "(1)

وقوله: " إذا لقيتم فئة فاثبتوا "(2) و " لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا "(3) فاذا ضعفت العين تعدى إلى مفعولين تقول: لقيت زيدا خيرا قال الله تعالى: " ولقاهم نضرة وسرورا "(4) وتقول: لقيت بعض متاعك على بعض، فتعديه إلى مفعول واحد لانه بناء مفرد لا لانه منقول ليتعدى إلى مفعولين وتقول: لقيته لقية واحدة في التلاقي واللقيان(5) ولقيته لقاء ولقيانا ولقاة.

وقوله: " تحيتهم يوم يلقونه سلام "(6) معناه يلقون ثوابه بخلاف قوله: " يلقون غيا "(7)

المعنى: ومعنى " تلقى آدم من ربه كلمات " تعلمها يقال: تلقيت هذا من فلان أي قبله فهمي من لفظه قال أبوعبيدة: قال أبومهدية: - وتلا عليه آيات(8) من القرآن قال: نلقيتها من عمي تلقاها من أبي هريرة، تلقاها من رسول الله صلى الله عليه وآله وأصل الملاقاة الملاصقة، لكنه كثر حتى قيل: لاقى فلان فلانا: إذا قاربه، وإن لم يلاصقه وكذلك تلاقى الجيشان، وتلاقى الفرسان ويقال: تلاقى الخطان أي تماسا وتقول: تلقيت الرجل بمعنى استقبلته وتلقاني: استقبلني فعلى هذا يجوز في العربية رفع ادم، ونصبه، مع رفع الكلمات والاختيار قراء‌ة الاكثر، لان معنى التلقي ههنا القبول فكأنه قال: قبل(9) آدم من ربه كلمات وانما

___________________________________

(1) سورة محمد: آية 4.

(2) سور الانفال آية 46.

(3) سورة الكهف: آية 63.

(4) سورة الدهر: آية 11.

(5) في المخطوطة (والقتال).

(6) سورة الاحزاب: 44.

(7) سورة مريم: 59.

(8) في المخطوطة (الآية).

(9) في المخطوطة (لقي).

[167]

جاز نصب آدم، لان الافعال المتعدية إلى المفعول به على ثلاثة اقسام:

احدها يجوز ان يكون الفاعل له مفعولا به والمفعول به فاعلا نحو اكرم بشر بشرا وشتم زيد عمرا.

(ثانيها) ومنها لا يكون المفعول به فاعلا، نحو: أكلت الخبز، وسرقت درهما، وأعطيت دينارا، وأمكنني الغرض.

(وثالثها) ما يكون اسناده إلى الفاعل في المعنى كاسناد إلى المفعول، نحو: أصبت ونلت، وتلقيت تقول: نالني خير، ونلت خيرا، وأصابني خير، وأصبت خيرا ولقيني زيد، ولقيت زيدا وتلقاني، وتلقيته.

وقال تعالى: " وقد بلغني الكبر "(1) وقال: " وقد بلغت من الكبر عتيا "(2) فعلى هذا الرفع والنصب في المعنى واحد في الآية وإنما اجيز رفع آدم، لان عليه الاكثر وشواهده اكثر كقوله " تلقونه بالسنتكم "(3) واسند الفعل إلى المخاطبين والمفعول به كلام متلقى كما أن الذي تلقى آدم كلام متلقى وكما اسند الفعل إلى المخاطبين فجعل التلقي لهم كذلك يلزم ان يسند الفعل إلى آدم، فيجعل التلقي له دون الكلمات.

واما على ما قال ابوعبيدة معناه قبل الكلمات، فالكلمات مقبولة، فلا يجوز غير الرفع في آدم ومثل هذا في جواز اضافته تارة إلى الفاعل، واخرى إلى المفعول كقوله: " لا ينال عهدى الظالمين "(4) وفي قراء‌ة ابن مسعود: " لا ينال عهدي الظالمون " والكلمات جمع كلمة والكلمة: اسم جنس لوقوعه على الكثير والقليل يقولون:

قال امرؤ القيس في كلمته يعني في قصيدته وقال قس(5) في كلمته يعنون في خطبته فوقوعها على الكثير نحو ما قلناه ووقوعها(6) على القليل.

قال سيبويه: قال قد اوقعها على الاسم المفرد، والفعل المفرد، والحرف المفرد فأما الكلام فان سيبويه قد استعمله فيما كان مؤلفا من هذه الكلم فقال: لو قلت: إن تضرب ناسا لم يكن كلاما وقال ايضا: انما، فقلت، ونحوه، ما كان كلاما (بل)(7) ولا

___________________________________

(1) سورة آل عمران: آية 4.

(2) سورة مريم: آية 7.

(3) سورة النور: آية 15.

(4) سورة البقرة: آية 124.

(5) في المخطوطة (قيس).

(6) في المطبوعة (وقوعها).

(7) في المخطوطة والمطبوعة بدون (بل) ولايستقيم السياق بدونها.

[168]

واوقع الكلام على المتألف والذي حرره المتكلمون ان حد الكلام ماانتظم من حرفين فصاعدا من هذه الحروف المنقولة، إذا وقع ممن يصح منه او من قبله الافادة ثم ينقسم قسمين: مفيد، ومهمل فالذي أراد سيبويه أنه لا يكون كلاما، أنه لا يكون مفيدا وذلك صحيح فأما تسميته بأنه كلام، صحيح وكيف ولا يكون صحيحا، وقد قسموه إلى قسمين: مهمل، ومفيد، فأدخلوا المهمل الذي لايفيد في جملة الكلام والكلمة والعبارة، والابانة، نظائر وبينها فروق.

والفرق بين الكلمة والعبارة، أن الاظهر في الكلمة هي الواحدة من جملة الكلام - وان قالوا في القصيدة أنها الكلمة - والعبارة تصلح للقليل والكثير وأما الابانة فقد تكون بالكلام، والحال، وغيرهما من الادلة: كالاشارة والعلامة، وغير ذلك وأما النطق فيدل على إدارة اللسان بالصوت، وليس كذلك الكلام ولهذا يقولون: ضربته فما تكلم، ولا يقولون: فما نطق، اذا كان صاح وكذلك لا يجوز أن يقال في الله: إنه ناطق وأما اللفظ فهو من قولك: لفظت الشئ: اذا أخرجته من فمك وليس في الكلام مثل ذلك.

ويقال: كلمته تكليما وكلاما(1) وتكلم تكلما ولذلك لا يجوز أن يقال فيه تعالى لفظ، ولا أنه لافظ والكلم: الجرح والجمع: الكلوم يقال: كلمته أكلمه كلمما، فأنا كالم، وهو مكلوم وكليمك: الذي يكلمك ويقال: كلمة وكلمة(2) لغة تميمية، وقيل إنها حجازية وتميم حكي عنها كلمة بكسر الكاف وتسكين اللام، وحكي تسكين اللام مع فتح الكاف وأصل الباب أنه أثر دال والكلم أثر دال على الجارح والكلام أثر دال على المعنى الذي تحته والمتكلم: من رفع ما سميناه كلاما بحسب دواعيه وأحواله وربما(3) عبر عنه بأنه الفاعل للكلام وليس المتكلم من حله(4) الكلام، لان الكلام يحل اللسان والصدر ولا يوصفان بذلك وقد بينا فساد الكلام النفسي(5) في كتاب العدة، في أصول

___________________________________

(1) في المخطوطة (تكلما وتكلما) .

(2) ي المخطوطة " وكلم ".

(3) في المخطوطة " قديما ".

(4) في المخطوطة " من جملة ".

(5) في المخطوطة " النفسي " ساقطة.

[169]

الفقه وقلنا: إن اختصر ذلك، هل هو إلا الخبر، أو ما معناه معنى الخبر، وإن كان لكل قسم معنى يخصه؟

المعنى: والكلمات التي تلفاها آدم قال الحسن، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد: " ربنا ظلمنا أنفسنا وإن تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين "(1) فان في ذلك اعترافا بالخطيئة، ولذلك وقعت موقع الندم وحقيقته الانابة.

وحكي عن مجاهد أنه قال: هو قول آدم: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين اللهم لا إله إلا انت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فارحمني، إنك أنت خير(2) الراحمين اللهم(3) لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي، فتب علي إنك أنت التواب الرحيم.

وروى مثل ذلك عن أبي جعفر عليه السلام وحكي عن ابن عباس: أن آدم قال لربه إذ عصاه: أرأيت أن تبت وأصلحت؟ فقال له تعالى: إني راجعك إلى الجنة وكانت هذه الكلمات وروي في أخبارنا: أن الكلمات هي توسله بالنبي عليه السلام وأهل بيته وكل ذلك جائز قوله " فتاب عليه ".

اللغة: فالتوبة، والانابة، والاقلاع، نظائر في اللغة وضد التوبة: الاصرار يقال: تاب يتوب توبة، وتوابا واستنابة والله تعالى يوصف بالتواب ومعناه أنه يقبل التوبة عن عباده وأصل التوبة: الرجوع عما سلف، والندم على ما فرط والله تعالى تائب على العبد بقبول توبته والعبد تائب إلى الله بمعنى نادم على معصيته والتائب: صفة مدح لقوله(4): " التائبون العابدون "(5) والتوبة شرطها

___________________________________

(1) سورة الاعراف: آية 22 و 148.

(2) في المخطوطة " أرحم ".

(3) في المخطوطة " اللهم " ساقطه.

(4) في المخطوطة " كقوله ".

(5) سورة التوبة: آية 113

[170]

الندم على ما مضى من القبيح، والعزم على أن لا يعود إلى مثله من القبيح، لان هذه التوبة هي المجمع على سقوط العقاب عندها، وما عداها فمختلف فيه وقد يقول القائل: قد تبت من هذا الامر أي(1) عزمت على ألا أفعله، وصرت بمنزلة التائب، وذلك مجاز وكل معصية لله تعالى فانه يجب التوبة منها، والتوبة يجب قبولها، لانها طاعة فأما إسقاط العقاب عنده فتفضل منه تعالى.

وقالت المعتزلة ومن وافقها: وذلك واجب وقد بينا الصحيح من ذلك في شرح الجمل والتوبة اذا كانت من ترك ندب عندنا تصح وتكون على وجه الرجوع إلى فعله وعلى هذا تحمل توبة الانبياء كلهم في جميع ما نطق به القرآن، لانه قد بينا أنه لايجوز عليهم فعل القبيح والمطبوع على قلبه له توبة وبه قال أهل العدل وقالت البكرية لا توبة له وهو خطأ، من قبل انه لايصح تكليفه إلا وهو متمكن من أن يتخلص من ضرر عقابه وذلك لايتم إلا بأن يكون له طريق إلى إسقاط عقابه وقد وعد الله بذلك - وإن كان تفضلا - إذا حصلت التوبة واختلفوا في التوبة من الغصب، هل تصح مع الاقامة على منع المغصوب؟

فقال قوم: لاتصح: وقال آخرون: تصح - وهو الاقوى - إلا أن يكون فاسقا بالمنع، فيعاقب(2) عقاب المانع، وإن سقط عنه عقاب الغصب والصحيح أن القاتل عمدا تصح توبته وقال قوم: لا تصح والتوبة من القتل الذي يوجب القود، قال قوم: لا تصح إلا بالاستسلام لولي المقتول، وحصول الندم، والعزم على أن لا يعود وقال قوم آخرون: تصح التوبة من نفس القتل، ويكون فاسقا بترك الاستسلام وهذا هو الاقوى، واختاره الرماني فاما التوبة من قبيح بفعل آخر، فلا تصح على أصلنا كالتائب من الالحاد بعبادة المسيح وقال قوم: تصح وأجراه مجرى معصيتين يترك باحداهما الاخرى، فانه لا يؤاخذ بالمتروكة وقال قوم: التوبة من اعتقاد جهالة إذا كان صاحبها لا يعلم انها معصية بأنه يعتقد انه لا محجوج إلا عارف، فانه يتخلص من ضرر تلك المعصية إذا رجع عنها إلى المعرفة، وإن لم يوقع معها توبة وقال

___________________________________

(1) في المخطوطة " يعين " بدل أي.

(2) في المطبوعة والمخطوطة " يعاقب " بدون الفاء.

[171]

آخرون: لا يتخلص إلا بالتوبة، لانه محجوج فيه، مأخوذ بالنزوع عن الاقامة عليه، وهو الاقوى فأما ما نسي من الذنوب، فانه يجري مجرى التوبة منه على وجه الجملة وقال قوم: لايجري وهو خطأ، لانه ليس عليه في تلك الحال اكثر مما عمل فأما ما نسي من الذنوب مما لو ذكر، لم يكن عنده معصية وهل يدخل في الجملة إذا اوقع التوبة من كل خطيئة؟ قال قوم: يدخل فيها وقال آخرون لايدخل فيها، لكنه يتخلص من ضرر(1) المعصية، لانه ليس عليه اكثر مما علم في تلك الساعة والاول اقوى، لان العبد إذا لم يذكر صرف توبته إلى كل معصية هي في معلوم الله معصية فأما المشرك إذا كان يعرف قبل توبته بفسق - إذا تاب من الشرك - هل يدخل فيه التوبة من الفسق في الحكم، وإن لم يظهر التوبة منه؟ قال قوم: لايزول عنه حكم الفسق، وهو قول اكثر المعتزلة وقال قوم: يزول عنه حكم الفسق.

وقال الاخشيد: القول في هذا باجتهاد والذي يقوى في نفسي انه يزول، لان الاسلام الاصل فيه العدالة إلى ان يتجدد منه بعد الاسلام ما يوجب تفسيقه فأما التوبة من قبيح مع الاقامة على قبيح آخر، يعلم ويعتقد قبحه، فعند اكثر من تقدم صحيحة.

وقال ابوهاشم، واصحابه: لا تصح وقد قلنا ما عندنا في ذلك، في شرح الجمل واعتمد الاولون على ان قالوا: كما يجوز ان يمتنع من قبيح لقبحه، ويفعل قبيحا آخرا، وإن علم قبحه كذلك جاز ان يندم من القبيح، مع المقام على قبيح آخر يعلم قبحه وهذا إلزام صحيح معتمد واختلفوا في التوبة عند ظهور اشراط الساعة، هل تصح ام لا؟ فقال الحسن: يحجب عنها عند الآيات الست.

ورواه عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: بادروا الاعمال قبل ست: طلوع الشمس من مغربها: والدجال، والدخان ودابة الارض، وخويصة أحدكم يعني الموت، وأمر العامة يعني القيامة.

وقال قوم: لاشك أن بعض الآيات يحجب، وباقيها محجوز.

وهو الاقوى.

وقوله: " فتاب عليه " يعني قبل توبته، لانه لما عرضه للتوبة، بما ألقاه

___________________________________

(1) في المخطوطة " ضرب ".

[172]

من الكلمات فعل التوبة، وقبلها الله تعالى منه (وقيل تاب عليه أي وفق للتوبة وهداه اليها)(1) قال اللهم تب علي أي وفقني للتوبة. (فلقنه الكلمات حتى قالها فلما قالها قبل توبته).(2)

وقوله: " إنه هو التواب الرحيم " إنما ذكر الرحيم، ليدل بذلك على أنه متفضل بقبول التوبة، ومنعم به، وأن ذلك ليس هو على وجه الوجوب، على ما يقوله المخالف.

ومن خالف في ذلك يقول: لما ذكر التواب بمعنى الغفار باسقاط العقوبة، وصل ذلك بذكر النعمة، ليدل على أنه مع إسقاط العقوبة، لايخلي العبد من النعمة الحاصلة ترغيبا له، وفي الانابة والرجوع اليه بالتوبة.

" وتواب " بمعنى أنه قابل التوبة. لايطلق إلا عليه تعالى، ولا يطلق في الواحد منا. وإنما قال: " فتاب عليه ". ولم يقل فتاب عليهما، لانه اختصر، كما قال: " والله ورسوله أحق أن يرضوه "(3) ومعناه أن يرضوهما.

كذلك معنى الآية فتاب عليهما ومثل ذلك قوله: " وإذا رأوا تجارة أولهوا انفضوا اليها "(4).

وقال الشاعر:

رماني بأمر كنت منه ووالدي *** بريئا، ومن جول الطوي رماني(5)

وقال آخر:

نحن بما عندنا وأنت بما *** عندك راض والرأي مختلف(6)

وحكي عن الحسن، انه قال: لم يخلق الله آدم إلا للارض، ولو لم يعص لخرج على غير تلك الحال.

وقال غيره: يجوز ان يكون خلقه للارض إن عصى ولغيرها ان لم يعص وهو الاقوى لان ما قاله لا دليل عليه.

وروي عن قتادة: ان اليوم الذي قبل الله توبة آدم فيه يوم عاشوراء ورواه ايضا اصحابنا

___________________________________

(1) و(2) زنا ما بين القوسين وهو موجود في مجمع البيان ص 89 م 1 تفسير نفس الآية والسياق هنا يقتضي ذلك.

(3) سورة التوبة: آية 64.

(4) سورة الجمعة آية 11.

(5) قال ابن بري: البيت لابن أحمر قال: وقيل هو للازرق بن طرفة بن العمرد " بفتح العين وفتح الميم وتشديده " الفراصي الجول: حانب البئر. الطوي: البئر، لانها تطوى بالحجارة.

ومعنى البيت: رماني بأمر عاد عليه قبحه، لان الذي يرمي من جول البئر يعود ما رمى به عليه ويروى: ومن اجل الطوي قال وهو الصحيح - لسان العرب -.

(6) البيت لقيس بن الخطبم، شاعر جاهلي، قتل أبوه وهو صغير فلما بلغ قتل قاتل أبيه ونشأت بسبب ذلك حروب بين قومه وبين الخزرج وله ولد اسمه ثابت وهو من الصحابة، شهد مع علي - ع - صفين والجمل والنهروان

[173]

قوله تعالى: قلنا اهبطوا منها جميعا فاما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (38)

آية بلا خلاف

المعنى: قد بينا معنى الهبوط فيما مضى(1) بما فيه كفاية وقال الجبائي: الهبوط الاول: هو الهبوط من الجنة إلى السماء، وهذا الهبوط من السماء إلى الارض وقد يستعمل في غير النزول من مكان عال إلى أسفل.

يقال هبط فلان إلى أرض كذا، اذا أتاها، وإن لم يرد به النزول الذى فيه. إلا أن فيه إيماء إلى هبوط المنزل.

قال لبيد:

كل بني حرة مصيرهم *** قل وإن أكثروا من العدد

إن يغبطوا يهبطوا وإن *** أمروا يوما فهم للفناء والفند

الفند: الهرب. والاتيان، والمجئ، والاقبال، نظائر ونقيضه: الذهاب والانصراف.

ويقال: أتى، اتيانا، وأتى أتيا، وتأتى، تأتيا وأتى تأتية وآتيت فلانا على أمره مؤاتاة ولا يقال أتية الا في لغة قبيحة لتيم ودخلت (ما) في قوله مع " ان " التي للجزاء، ليصح دخول النون التي للتوكيد في الفعل ولو أسقطت (ما) لم يجز دخول النون، لانها لا تدخل في الخبر الواجب الا في القسم، أو ما أشبه القسم كقولك: زبد ليأتينك ولو قلت بغير اللام، لم يجز وكذلك تقول: بعين ما أرينك ولو قلت: بعين أرينك، بغير ما لم يجز فدخول (ما) ههنا كدخول اللام في أنها تؤكد أول الكلام وتؤكد النون آخره.

___________________________________

(1) في آية " 36 " البقرة.

[174]

والامر، والنهي، والاستفهام، تدخل النون فيه وان لم يكن معه (ما) اذا كان الامر والنهي، مما تشتد الحاجة إلى التوكيد فيه والاستفهام مشبه به اذا كان معناه اخبرني والنون انما تلحق للتوكيد، فلذلك كان من مواضعها قال الله تعالى: " ولا تقولن لشئ اني فاعل ذلك غدا "(1) فان قيل: اين جواب اما؟ واين جواب من؟ قيل: الجزاء وجوابه بمنزلة المبتدا والخبر، لان الشرط لايتم الا بجوابه، كما لا يتم المبتدأ الا بخبره ألا ترى، انك لو قلت: إن تقم، وسكتت، لم يجز كما لو قلت: زيد، لم يكن كلاما، حتى نأتي بالخبر.

ولك أن تجعل خبر المبتدأ جملة، وهي أيضا مبتدأ وخبر، كقولك: زيد أبوه منطلق.

وكذلك (إن) التي للجزاء، إذا كان الجواب بالفاء، ووقع بعد الفاء الكلام مستأنفا، صلح أن يكون جزاء، وغير جزاء تقول: إن تأتي فأنت محمود ولك أن تقول: إن تأتني. فمن يكرمك أكرمه. وإن تأتني فمن يبغضك فلا وضيعة عليه.

وقوله: " إما يأتينكم " شرط، وجوابه الفاء. وما بعد قوله: " فمن "، شرط آخر، وجوابه الذي بعده من قوله: " فلا خوف عليهم ". وهو نظير المبتدأ والخبر الذي يكون خبره مبتدأ وخبرا. وهذا في مقدمات القياسات، يسمى الشرطية المركبة وذلك أن المقدم فيها إذا وجب، وجب التالي المرتب عليه.

و " الهدى " المذكور في الآية يحتمل أمرين: أحدهما - البيان والدلالة. والآخر - الانبياء والرسل وعلى القول الاخير يكون قوله: " قلنا اهبطوا " لآدم وحواء وذريتهما. كما قال: " فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين "(2) أي أتينا فينا من الخلق طائعين.

وقوله: " فمن تبع هداي ".

___________________________________

(1) سورة الكهف آية 24.

(2) حم السجدة آية 12.

[175]

اللغة: فالاتباع، والاقتداء، والاحتذاء، نظائر ونقيض الاتباع: الابتداع تقول: تبعه تباعا وأتبعه إتباعا وتابعه متابعة وتتبع تتبعا واستتبع استتباعا والتابع: التالي ومنه التتبع والتبيع: ما تبع أثر شئ فهو يتبعه والتتبع فعلك شيئا بعد شئ تقول: تتبعت عليه آثاره وفي الحديث: القادة والاتباع والقادة: السادة والاتباع القوم الذين يتبعونهم. والفوائم، يقال لها تبع. والتبيع من ولد البقر: العجل، لانه تبع أمه يعدو. وثلاثة أتبعة - الجمع - وبقرة متبع: خلفها تبيع وخادم متبع: معها ولدها يتبعها حيثما أقبلت وأدبرت.

وأتبع فلان فلانا وأتبعه الشيطان: إذا تتبعه يريد به شرا كما تبع فرعون موسى. قال الله تعالى: " فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين "(1).

وفلان يتبع فلانا: إذا تتبع مساوئه في مهلة والتتابع من الاشياء: إذا فعل هذا في أثر هذا بلا مهلة ومنه تتابعت الامطار، وتتابعت الاشياء والتبع الظل وأصل الباب كله الاتباع وهو أن يتلو شئ شيئا قوله " فلا خوف عليهم ".

اللغة: فالخوف والجزع، والفزع نظائر ونقيض الخوف: الامن تقول: خافه، يخافه خوفا وأخافه إخافة وتخوف تخوفا وخوفه تخويفا وطريق مخوف: يخافه الناس وطريق مخيف: تخيف الناس والتخوف: التنقص يقال: تخوفناهم: تنقصناهم ومنه قوله: " أو يأخذهم على تخوف "، أي على تنقص وأصل الباب: الخوف الذي هو الفزع والخوف كله من الضرر يقال: فلان يخاف الاسد، أي يخاف ضرره ويخاف الله، أي يخاف عقابه والحزن، والهم، والغم نظائر ونقيضه السرور يقال: حزن حزنا وحزنه حزنا وتحزن تحزنا وحزن

___________________________________

(1) سورة الاعراف آية 174

[176]

تحزينا والحزن، والحزن، لغتان وحزنني، وأحزنني، لغتان وأنا محزون ومحزن وإذا أفردوا الصوت أو الامر، قالوا: محزن لا غير والحزن من الارض والدواب: ما فيه خشونة والانثى: حزنة والفعل: حزن، حزونة وقولهم: كيف حشمك وحزانتك؟ أي كيف من تتحزن بأمره وأصل الباب: غلظ الهم وقوله: " فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون "

المعنى: عمومه يقضي أنه لا يلحقهم خوف أهوال القيامة وهو قول الجبائي وقال ابن أخشيذ: لا يدل على ذلك، لان الله تعالى وصف القيامة بعظم الخوف قال الله تعالى: " إن زلزلة الساعة شئ عظيم "... إلى قوله " شديد "(1) ولانه روي أنه يلجم الناس العرق، وغير ذلك من الشدائد وهذا ليس بمعتمد لانه لايمتنع أن يكون هؤلاء خارجين من ذلك الغم وأما الحزن، فلا خلاف أنه لا يلحقهم ومن أجاز الخوف، فرق بينه وبين الحزن، لان الحزن إنما يقع على ما يغلظ ويعظم من الغم والهم، فلذلك لم يوصفوا بذلك ولذلك قال تعالى: " لايحزنهم الفزع الاكبر "(2) لان ما يلحقهم لا يثبت، ويزول وشيكا قالوا: ويدلك على أن الحزن ما ذكرنا، أنه مأخوذ من الحزن، وهو ما غلط من الارض فكان ما غلظ من الهم فأما لحوق الحزن والخوف في دار الدنيا، فلا خلاف أنه يجوز أن يلحقهم، لان من المعلوم، أن المؤمنين لا ينفكون منه. و " هداي " بتحريك الياء.

وروي عن الاعرج " هداي " بسكون الياء وهي غلط، إلا أن ينوى الوقف وإنما كرر " اهبطوا " لان احدهما كان من الجنة إلى السماء والثاني من السماء إلى الارض عند أبي علي وقيل: المعنى واحد، وكرر تأكيدا وقيل: هو على تقدير اختلاف حال المعنى، لا اختلاف الاحوال كما يقول: اذهب

___________________________________

(1) سورة الحج آية 1.

(2) سورة الانبياء آية 13.

[177]

مصاحبا، وإذهب سالما معافى وكأنه على تقدير ذهاب يجامع ذهابا - وإن كانت حقيقة واحدة وإنما كرر " اما " في قوله: إما شاكرا وإما كفورا "(1) ولم يكرر ههنا، لانها هناك للعطف، وههنا للجزاء. وإنما هي (إن) ضم اليها (ما) كقوله: " وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء "(2) وهداي: مثل هواي. وهي لغة قريش، وعامة العرب وبعض بني سليم يقولون: هوي: مثل: علي، ولدي.

قال أبوذؤيب:(3)

سبقوا هوي واعنقوا لهواهم *** فتخرموا ولكل جنب مصرع(4)

وروي هدي(5) في الآية عن الجحدى، وابن أبي إسحاق، وعيسى والصواب ما عليه القراء والفرق بين هوي ولدي وعلي، وهو أن إلي وعلي ولدي مما يلزمها الاضافة، وليست بمتمكنة ففصلوا بينها وبين الاسماء المتمكنة، كما فصلوا بين ضمير الفاعل وضمير المفعول، حين قالوا: ضربت فسكنوا لاجل التاء، ولم يسكنوا في ضربك، وإذا الفاعل يلزم الفعل.

قوله تعالى: والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون(39)

آية

قد بينا فيما مضى معنى الكفر والتكذيب، فلا وجه لاعادته والاستدلال بهذه الآية - على أن من مات مصرا على الكفر، غير تائب منه، فكذب بآيات ربه، فهو مخلد في نار جهنم - صحيح، لان الظاهر يفيد ذلك، والاستدلال بها، على أن عمل الجوارح من الكفر، من حيث قال: " وكذبوا

___________________________________

(1) سورة الدهر: آية 3.

(2) سورة الانفال آية 59.

(3) الهذلى اسمه خويلد بن خالد بن محرث بن زبيد بن مخزوم ينتهي نسبه لنزار، وهو أحد المخضرمين ممن أدرك الجاهلية والاسلام.

(4) لسان العرب. العنق: ضرب من السير السريع تخرموا استأصلوا والبيت من قصيدة يرثي بها ابناء‌ه الخمسة الذين هلكوا في عام واحد.

(5) في المطبوعة والمخطوطة (هوي).

[178]

بآياتنا " فبعيد، لان التكذيب نفسه - وإن لم يكن كفرا، وهو لا يقع الا من كافر - فهو دلالة عليه كالسجود للشمس وغيره.

وقوله: " أصحاب " فالاصطحاب، والاجتماع، والاقتران، نظائر وكذلك الصاحب والقرين ونقيضه: والافتراق يقال صحبه صحبة وأصحبه إصحابا واصطحبوا اصطحابا وتصاحبوا تصاحبا واستصحبوا استصحابا وصاحبه مصاحبة والصحب: جماعة والصحب، والاصحاب جماعة الصاحب(1) ويقال أيضا: الصحبان والصحبة، والصحاب والصحابة: مصدر قولك: صحبك الله يعني بالسلامة وأحسن صحابتك ويقال للرجل عند التوديع: معانا مصاحبا ومصحوب، ومصاحب ومن قال: مصاحب معان، فانما معناه: أنت المصاحب المعان والصحبة: مصدر صحب يصحب وقد أصحب الرجل: إذا صار صاحبا ويقال: قد أصحب الرجل، وقد أشطأ: إذ بلغ ابنه مبلغ الرجال، الذى صار ابنه مثله وأشطأ الزرع: إذا لحقته فراخه ويقال له: الشطأ.

قال أبوعبيدة، وابن دريد: قوله: " ولاهم منا يصحبون "(2) أى لا يحفظون وأديم مصحب: إذا دبغته وتركت عليه بعض الصوف والشعر وأصل الصحبة: المقارنة والصاحب(3) هو الحاصل مع آخر مدة، لانه إذا اجتمع معه وقتا واحدا، لايقال: صاحب، ولكن يقال: صحبه وقتا من الزمان ثم فارقه والفريق بين المصاحبة، والمقارنة، أن في المصاحبة دلالة على المبالاة، وليس ذلك حاصلا في المقارنة واتباع الرئيس: اصحابه و " آيات الله " دلائله، وكتبه التي أنزلها على أنبيائه والآية: الحجة والدلالة، والبيان، والبرهان واحد في أكثر المواضع، - وإن كان بينها فرق في الاصل - لانك تقول دلالة هذا الكلام كذا ولا تقول: آيته، ولا علامته وكذلك تقول: دلالة هذا الاسم، ولا تقول: برهانه

___________________________________

(1) في المطبوعة والمخطوطة (الصحب).

(2) سورة الانبياء آية 43.

(3) في المخطوطة والمطبوعة (السحاب).

[179]

و " أصحاب النار " هم الملازمون لها كما تقول: أصحاب الصحراء يعني القاطنين فيها، الملازمين لها والخلود معرب من العرف، يدل على الدوام لانهم يقولون: ليست الدنيا دار خلود، وأهل الجنة مخلدون يريدون الدوام فأما في أصل الوضع، فانه موضوع لطول الحبس فان قيل: لم دخلت الفاء في قوله: " والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فاولئك لهم عذاب مهين " في سورة الحج ولم يقل ههنا في قوله: " أولئك أصحاب النار "؟ قيل: لان ما دخلت فيه الفاء من خبر (الذي وأخواته) مشبه بالجزاء ومالم يكن فيه فاء، فهو على أصل الخبر وإذا قلت: مالي، فهو لك، جاز على وجه، ولم يجز على وجه فان أردت أن معنى (ما) الذي، فهو جائز وإن أردت أن مالي تريد به المال، ثم تضيفه إليك، كقولك: غلامي لك، لم يجز، كما لم يجز، غلامي، فهو لك.

الاعراب: وموضع(1) أولئك: يحتمل ثلاثة أشياء: أحدها - أن يكون بدلا من الذين، أو يكون عطف بيان، وأصحاب النار: بيان عن أولئك، مجراه(2) مجرى الوصف والخبر، هم فيها خالدون والثاني - أن يكون ابتداء وخبرا في موضع الخبر الاول والثالث - أن يكون على خبرين بمنزلة خبر واحد، كقولهم: حلو(3)، حامض

___________________________________

(1) في المخطوطة (ووضع).

(2) في المخطوطة (فأجراه).

(3) في المخطوطة (كقولهم: حلو وحامض) وفي المطبوعة (كقوله حلو وحامض).

[180]

الآية: 40 - 49

قوله تعالى: يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم واوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون(40)

آية بلا خلاف

" يا " حرف نداء " بني ": جمع ابن والابن، والولد، والنسل، والذرية متقاربة المعاني إلا أن الابن يقع على(1) الذكر، والولد يقع على الذكر والانثى والنسل والذرية تقع على جميع ذلك وأصله، من البناء وهو وضع الشئ على الشئ والابن مبني على الاب تشبيها للبناء على الاصل، لان الاب أصل والابن فرع ويقال: تبنى تبنيا، وبنى بناء، وابتنى ابتناء، وباناه مباناة. والبنوة: مصدر الابن - وإن كان من البناء(2) كما قالوا: الفتوة: مصدر الفتى وثنوا الفتى: فتيان ويقال: فلان ابن فلان، على التبني ولا يطلق ذلك الا على ما كان من جنسه وشكله تشبيها بالابن الحقيقي ولهذا لايقولون: تبنى زيد حمارا، لما لم يكن من جنسه ولا تبنى شاب شيخا لما لم يكن ذلك فيه والفرق بين اتخاذ الابن وبين(3) اتخاذ الخليل، أن اتخاذ الخليل، يكون به خليلا على الحقيقة، لان بالمحبة والاطلاع على الاسرار المهمة يكون خليلا على الحقيقة وليس كذلك الابن لان البنوة في الحقيقة، إنما هي الولادة للابن و " بني " في موضع نصب، لانه منادى مضاف و " إسرائيل " في موضع جر، لانه مضاف إليه وفتح، لانه أعجمي لا ينصرف، لان (إسرا) معناه: عبدو (ئيل) هو الله بالعبرانية فصار مثل عبدالله وكذلك جبرائيل، وميكائيل ومن حذف الالف من جبرائيل، حذفه للتعريب(4) كما يلحق(5) الاسماء التغيير إذا أعربت، فيلخصون حروفها على العربية وفي " اسرائيل " خمس لغات:

حكى الاخفش: إسرال، بكسر الهمزة من غير ياء وحكي: أسرال، بفتح الهمزة ويقول بعضهم: إسريل، فيميلون وحكى

___________________________________

(1) في المخطوطة (يقع على) ساقطه.

(2) في المطبوعة (من الياء).

(3) في المطبوعة (وبين) ساقطة.

(4) في المخطوطة (للتعريف).

(5) في المخطوطة (كما لا يلحق).

[181]

قطرب اسرال، من غير همز ولا ياء، واسراين، بالنون والخامس - إسرايل، قراء‌ة إلياس وحمزة وحده مد بغير ألف

المعنى: وقال أكثر المفسرين: إن المعنى، يا بني إسرائيل، أحبار اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله " ص " وهو المحكي عن ابن عباس وقال الجبائي: المعني به بنو إسرائيل من اليهود والنصارى ونسبهم إلى الاب الاعلى، كما قال: " يا بني آدم خذو زينتكم عند كل مسجد "(1)

اللغة: قوله، " اذكروا " فالذكر، والتنبيه، والتيقظ نظائر ونقيضه: التغافل يقال: ذكره يذكره ذكرا وأذكره إذكارا واستذكره استذكارا وتذكره تذكرا وذكره تذكارا واذكر اذكارا.

وقال صاحب العين: الذكر: الحفظ للشئ تذكره تقول: هو مني على ذكر والذكر: جري الشئ على لسانك تقول: جرى منه ذكر والذكر: الشرف، والصيت لقوله: " وإنه لذكر لك ولقومك "(2) والذكر: الكتاب الذي فيه تفصيل الدين وكل كتاب من كتب الانبياء ذكر والذكر: الصلاة، والدعاء وقيل: كانت الانبياء إذا حزنهم أمر فزعوا إلى الذكر أي الصلاة، يقومون فيصلون وذكر الحق: هوالصك والذكرى: هو اسم للتذكير والذكر: ذكر الرجل معروف والجمع: الذكرة ولهذا سمي ما ينسب اليه، المذاكير ولا يفرد وإن أفرد فمذكر، مثل مقدم ومقاديم والذكر: خلاف الانثى وجمعه: ذكور، وذكران ومن الدواب، ذكورة لا غير والذكر من الحديد: أيبسه وأشده ولذلك يسمى السيف، مذكر وامرأة مذكرة، وناقة مذكرة: إذا كانت خلقتها تشبه خلقة الذكر، وأشبهته في شمائلها وامرأة مذكار: إذا أكثرت ولادة الذكور وعكسه: مئناث ويقال

___________________________________

(1) سورة الاعراف آية 3.

(2) الزحزف آية 44

[182]

للحبلى: أيسرت، وأكثرت أي يسر عليها، وولدت ذكورا والذكر: ضد النسيان ورجل ذكر: شهم من الرجال، ماهر في أموره واصل الباب: الذكر الذي هو التنبيه على الشئ والذكر: الوصف بالمدح والثناء أو بالمدح والهجاء.

وقوله: " نعمتي " المراد بها الجماعة كما قال تعالى: " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها "(1) والنعمة وإن كانت على أسلافهم جاز أن تضاف اليهم كما يقول القائل إذا فاخره غيره: هزمناكم يوم ذي قار، وقتلناكم يوم الفجار، وبددنا جمعكم يوم النار والمراد بذلك، جميع النعم الواصلة اليهم، مما اختصوا به، دون آبائهم، أو اشتركوا فيه معهم، وكان نعمة على الجميع فمن ذلك تبقية آبائهم حتى تناسلوا، فصاروا من أولادهم ومن ذلك، خلقه اياهم على وجه يمكنهم الاستدلال على توحيده، والوصول إلى معرفته، فيشكروا نعمه، ويستحقوا ثوابه ومن ذلك ما لا يحلون في كل وقت من منفعة ودفع مضرة فالقول الاول هو التذكير بالنعمة عليهم في أسلافهم والقول الثاني: تذكير جميع النعم عليهم والنعم التي على أسلافهم، ما ذكر في قوله تعالى: " واذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم اذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وأتاكم مالم يؤت أحدا من العالمين "(2). وقوله: " أوف بعهدكم " قي موضع جزم، لانه جواب الامر.

اللغة: قال صاحب العين: تقول وفيت بعهدك وفاء ولغة أهل تهامة: أوفيت بعهدك وهي القرآن قال الشاعر في الجمع بين اللغتين:

أما ابن عوف فقد أوفى بذمته *** كما وفى بقلاص النجم حاديها

يعني به الدبران وهو التالي وتقول: وفى، يفي وفاء وأوفى، يوفي ايفاء واستوفى، استيفاء وتوفى، توفيا ووفى، توفية وتوافى، توافيا ووافاه موافاة وكل شئ بلغ تمام الكلام فقد وفى وتم وكذلك درهم واف، لانه

___________________________________

(1) سورة ابراهيم آية 34. وسورة النحل: آية 18.

(2) سورة المائدة: آية 22.

[183]

درهم وفى مثقالا وكيل واف ورجل وفا: ذو وفاء وأوفى فلان على شرف من الارض اذا أشرف فوقها وتقول: أوفيته حقه ووفيته اجره والوفاة: المنية توفى فلان، وتوفاه الله: اذا قبض نفسه واصل الباب: الوفاء وهذا هو الاتمام ومن اكرم اخلاق النفس الوفاء ومن ادونها وارذلها الغدر

المعنى: ومعنى قوله: " اوفوا بعهدي اوف بعهدكم " قال ابن عباس: اوفوا بما امرتكم من طاعتي، ونهيتكم عن معصيتي في النبي صلى الله عليه وآله وغيره: " اوف بعهدكم " اي ارضى عنكم، وادخلكم الجنة وسمي ذلك عهدا، لانه تقدم بذلك اليهم في الكتب السابقة كما قال: " يعرفونه كما يعرفون ابناء‌هم وان فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون "(1) والعهد: هوالعقد عليهم في الكتاب السابق بما امروا به، ونهوا عنه قال بعضهم: انما جعله عهدا، لتأكيده بمنزلة العهد الذي هو اليمين قال الله تعالى: " واذ اخذ الله ميثاق الذين اوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه "(2).

وقال الحسن: العهد الذي عاهدهم عليه حيث قال: " خذوا ما آتيناكم بقوة " اي بجد " واذكروا ما فيه " اي ما في الكتاب في قوله: " ولقد اخذ الله ميثاق بني اسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي... إلى آخر الآية "(3).

وقال الجبائي: جعل تعريفه إياهم نعمه عهدا عليهم وميثاقا لانه يلزمهم القيام بما يأمرهم به من شكر هذه النعمة، كما يلزمهم الوفاء بالعهد، والميثاق الذي يأخذ عليهم والقول الاول أقوى، لان عليه أكثر المفسرين، وبه يشهد القرآن قوله: " وإياي "

الاعراب: " وإياي " ضمير منصوب ولا يجوز أن يكون منصوبا بقوله: " فارهبون "، لانه مشغول كما لا يجوز في قولك: زيدا فاضربه أن يكون

___________________________________

(1) سورة البقرة: آية 146.

(2) سورة آل عمران: آية 187.

(3) سورة المائدة 13.

[184]

منصوبا بقوله: فاضربه لكنه يكون منصوبا بفعل دل عليه ما هو مذكور في اللفظ تقديره: وإياي ارهبوا ولا يظهر ذلك، للاستغناء عنه بما يفسره، وإن صح تقديره: ولا يجوز في مثل ذلك الرفع على أن يكون الخبر " فارهبون " إلا على تقدير محذوف كما أنشد سبيويه:

وقائلة: خولان فانكح فتاتهم *** وأكرومة الحيين خلو كما هيا

تقديره: وقائلة: هذه خولان وعلى هذا، حمل قوله: " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما "(1). وقوله: " والزاني والزانية فاجلدوا كل واحد منهما "(2) تقديره مما يتلى عليكم، السارق والسارقة وفيما فرض عليكم، الزانية والزاني.

وقوله: " فارهبون ".

اللغة: فالرهبة، والخشية، والمخافة، نظائر وضدها: الرغبة تقول: رهب رهبة: وأرهبه: إرهابا، ورهبه، ترهيبا واسترهب، استرهابا ويقال: رهب فلان يرهب رهبا، ورهابا، ورهبة: اذا خاف من شئ ومنه اشتقاق الراهب والاسم: الرهبة ومن أمثالهم: رهبوت خير من رحموت أي ترهب خير من أن ترحم والترهب: التعبد في صومعة الجمع: الرهبان والرهبانية: خطباء والفرق بين الخوف والرهبة: أن الخوف هو الشك في أن الضرر يقع أم لا والرهبة: معها العلم بأن الضرر واقع عند شرط، فان لم يحصل ذلك الشرط، لم يقع واختير تحريك الياء في قوله: " نعمتي التي أنعمت " لانه لقيها ألف ولام فلم يكن بد من اسقاطها أو تحريكها، وكان التحريك أولى، لانه أدل على الاصل وأشكل بما يلزم اللام في الاستئناف، من فتح ألف الوصل، واسكان الياء في قوله: " يا عبادي الذين اسرفوا " أجود، لان من حق الاضافة، ألا تثبت في النداء واذا لم تثبت فلا سبيل إلى تحريكها وقوله: " فبشر عبادي الذين يستمعون " الاختيار حذف الياء، لانه رأس آية ورؤوس الآي لا يثبت فيها

___________________________________

(1) سورة المائدة: آية 41.

(2) سورة النور: آية 20.

[185]

الياء، لانها فيه اصل ينوى فيها الوقف كما يفعل ذلك في القوافي ومثل قوله: " نعمتي التي " قوله: " أخي اشدد " في ان الاختيار تحريك الياء، وان كان مع الالف واللام اقوى، لما تقدم ذكره مع المشاكلة والراد إلى الاصل وفي " اخي اشدد ": سبب واحد، وهو انه ادل على الاصل واجمعوا على اسقاط الياء من قوله " فارهبون " الا ابن كثير، فانه اثبتها في الوصل دون الوقف والوجه حذفها لكراهية الوقف على الياء وفي كسر النون دلالة على ذهاب الياء.

قوله تعالى: وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون (41)

آية واحدة بلا خلاف

المعنى: " آمنوا " معناه صدقوا، لانا قد بينا ان الايمان هو التصديق " بما انزلت " يعني بما انزلت على محمد " ص " من القرآن. وقوله: " مصدقا " يعني ان القرآن مصدق لما مع اليهود من بني اسرائيل من التوراة وامرهم بالتصديق بالقرآن، واخبرهم ان فيه تصديقهم بالتوراة، لان الذي في القرآن من الامر بالاقرار بنبوة محمد " ص "، وتصديقه نظير الذي في التوراة والانجيل وموافق لا تقدم من الاخبار به، فهو مصداق ذلك الخبر وقال قوم: معناه انه مصدق بالتوراة والانجيل الذي فيه الدلالة على انه حق والاول الوجه، لان على ذلك الوجه حجة عليهم، دون هذا الوجه

الاعراب: ونصب " مصدقا " على الحال من الهاء المحذوفة، كأنه قال: انزلته مصدقا ويصلح ان ينصب ب‍ " آمنوا " كأنه قيل: آمنوا بالقرآن مصدقا والمعني بقوله: " آمنوا " اهل الكتاب من بني اسرائيل، لانه في ذكرهم وفيه احتجاج عليهم، اذ جاء بالصفة التي تقدمت بها بشارة موسى وعيسى عليهما

[186]

السلام وهو امر بالاقرار بالنبوة، وماجاء‌ت به من الشريعة.

اللغة: وانما وحد " كافرا " في قوله: " ولا تكونوا أول كافر "، وقبله جمع، لما ذكره الفراء والاخفش: وهو أنه ذهب مذهب الفعل، كأنه قال: أول من كفر به ولو أراد الاسم لما جاز إلا الجمع ومثل ذلك قول القائل للجماعة: لا تكونوا أول رجل يفعل ذلك.

قال المبرد: هذا الذي ذكره الفراء خارج عن المعنى المفهوم، لان الفعل ههنا والاسم سواء إذا قال القائل: زيد أول رجل جاء فمعناه أول الرجال الذين جاؤوا رجلا رجلا، ولذلك قال: أول كافر، وأول مؤمن ومعناه: أول الكافرين وأول المؤمنين لافصل بينهما في لغة ولا قياس إلا ترى أنك تقول: رأيت مؤمنا، ورأيت كافرا كما تقول: رأيت رجلا لا يكون إلا ذلك، لانك انما رأيت واحدا، كما تقول: رأيت زيدا أفضل مؤمن، وزيد أفضل حر، وزيد افضل رجل، وانبل غلام، وليس بين ذلك اختلاف ولكن جاز ولا تكونوا اول قبيل كافر به، واول حزب كافر به، وهو مما يسوغ فيه النعت، ويبين به الاسم، لانك تقول: جاء‌ني قبيل صالح، وجاء‌ني حي كريم، فينعت به الجمع، اذا كان الجمع اسما واحدا لجميعه كقولك: نفر، وقبيل، وحزب، وجمع ولا تقول: جاء‌ني رجل كريم، وانت تريد برجل نفرا كما تقول: نفر كريم، لان النعت جار على المنعوت والاسم منفرد بنفسه ونظير قوله: " اول كافر " قول الشاعر:

فاذا هم طعموا فألام طاعم *** واذا هم جاعوا فشر جياع(1)

المعنى: ومعنى قوله: " ولا تكونوا أول كافر به " قال قوم: يعني بالقرآن من أهل الكتاب: لان قريشا كفرت به قبلهم بمكة وقيل: معناه: لا تكونوا أول كافر به أي لا تكونوا أول السابقين بالكفر فيه فيتبعكم الناس أي لا تكونوا أئمة في الكفر به وقيل: لا تكونوا اول كافر به اي اول جاحد به إن صفته في كتابكم

___________________________________

(1) لرجل جاهلي معاني القرآن للفراء طعموا: شبعوا.

[187]

اللغة: والاول والسابق والمتقدم نظائر ويقال اول وآخر واول وثان والاول: هو الموجود قبل الآخر والاول قبل كل شئ يناقض الوصف بانه محدث ويعلم ذلك ضرورة والهاء في قوله: " به " قيل فيه ثلاثة اقوال: احدها - انه يعود إلى " ما " في قوله: " بما انزلت " وهو الاجود والثاني - لاتكونوا اول كافر به اي بمحمد " ص " والثالث - اول كافر بما معكم، من كتابكم، لانهم إذا جحدوا ما فيه من صفة النبي صلى الله عليه وآله فقد كفروا به والاول قول ابن جريج وانما كان هو الاجود لانه اشكل بما تقدم والثاني قول ابي الغالية والثالث حكاه الزجاج وقواه بأنهم كفروا بالقرآن وانما قيل: ولا تكونوا اول كافر بكتابكم اي صفة محمد صلى الله عليه وآله فيه.

وقال الرماني: وإنما عظم اول الكفر لانهم إذا كانوا ائمة فيه وقدوة في الضلالة كان كفرهم اعظم كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله: من سن سنة حسنة فله اجرها واجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة وليس في نهيه عن ان يكونوا اول كافر دلالة على انه يجوز ان يكونوا آخر كافر، لان المقصود من الكلام النهي عن الكفر على كل حال وخص الاول بالذكر لما قدمنا من عظم موقعه كما.

قال الشاعر:

من اناس ليس في اخلاقهم *** عاجل الفحش ولا سوء الجزع

وليس يريد ان فيهم فحشا آجلا.

وقوله: " ثمنا قليلا " فالثمن والعوض والبدل نظائر وبينها فرق فالثمن: هو البدل في البيع من العين او الورق واذا استعمل في غيرهما كان مشبها بهما ومجازا والعوض: هو البدل الذى ينتفع به كائنا ما كان واما البدل: فهو الجعل للشئ مكان غيره ويقال: ثمنه تثمينا وثامنه مثامنة ويجمع الثمن اثمانا واثمنا ويروى بيت زهير:

[188]

وعزت اثمن البدن جمع ثمن ومن روى أثمن البدن: أراد الثمينة منها أي أكثرها ثمنا والثمن جزء من الثمانية اجزاء، من اي مال كان وثوب ثمين: اذا كان كثير الثمن والفرق بين الثمن والقيمة، أن الثمن قد يكون وفقا، وقد يكون بخسا، وقد يكون زائدا والقيمة لا تكون الا مساوية المقدار للمثمن من غير نقصان ولا زيادة وكل ماله ثمن فهو مال وليس كل ملك له ثمن والقليل، والحقير، واليسير، نظائر وضده: الكثير تقول: قل، يقل، قلة واقل منه، اقلالا واستقل استقلالا وتقلل، تقللا وقلله، تقليلا وقليل، وقلان، بمعنى (واحد) ورجل قليل أي قصير وقل الشئ: اقله والقلة، والقل لغتان والقلة: راس كل شئ والرجل يقل شيئا: يحمله وكذلك يستقله واستقل الطائر: اذا ارتفع وقلة الجبل: اعلاه وهى قطعة تستدير في اعلاه وهي القلة والقلة التي جاء‌ت في الحديث مثل: قلال هجر قيل إنها جرار عظام والقلة: النقصان من العدد وقيل في الصغر.

وقوله: " ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا " فأدخل (الباء) في الآيات دون الثمن وفي سورة يوسف، في الثمن في قوله: " وشروه بثمن بخس "(1) قال الفراء: إنما كان كذلك، لان العوض كلها، أنت مخير فيها في إدخال الباء إن شئت قلت: اشتريت الثوب بكساء وأن شئت قلت: اشتريت بالثوب كساء أيهما جعلته ثمنا لصاحبه، جاز فاذا جئت إلى الدراهم والدنانير، وضعت الباء في الثمن كقوله: " بثمن بخس "، لان الدراهم ثمن أبدا.

وروي عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: " ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا " قال عليه السلام: كان ليحيى بن أخطب وكعب بن اشرف، وآخرين منهم مأكلة على يهود في كل سنة وكرهوا بطلانها بأمر النبي " ص " فحرفوا لذلك آيات من التوراة فيها صفته وذكره، فذلك الثمن القليل الذي أريد به في الآية

___________________________________

(1) سورة يوسف: آية 20.

[189]

وتقييده ب‍ " لا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا " لا يدل على أنه إذا كان كثيرا يجوز مشترى به، لان المقصود من الكلام، أن أي شئ باعوا به آيات الله كان قليلا، وانه لا يجوز أن يكون له ثمن يساويه كقوله: " ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به "(1) انما أراد بذلك نفي البرهان عنه على كل حال، وأنه لا يجوز أن يكون عليه برهان ومثله قوله: " يقتلون النبيين بغير حق "(2) وانما اراد ان قتلهم لا يكون إلا بغير الحق نظائر ذلك كثيرة.

ومثله قول الشاعر: على لا حب لا يهتدى بمناره وانما اراد: لا منار هناك فيهتدى به.

ولذلك نظائر نذكرها إذا انتهينا اليه إن شاء الله.

قوله تعالى: ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون(42)

آية واحدة بلا خلاف

اللغة: اللبس، والستر، والتغطية، والتعمية، نظائر والفرق بين التعمية، والتغطية ان التعمية قد تكون بالنقصان والزيادة، والتغطية تكون بالزيادة وضد الستر: الكشف وضد اللبس: الايضاح يقال: لبس، لبسا وألبسه، إلباسا والتبس، التباسا وتلبس، تلبسا ولبسه، تلبيسا ولابسه، ملابسة واللباس ما واريت به جسدك ولباس التقوى: الحياء والفعل: لبس، يلبس واللبس: خلط الامور بعضها ببعض إذا التبست واللبوس: الدروع وكل شئ تحصنت به فهو لبوس قال الله تعالى: " وعلمناه صنعة لبوس لكم "(3).

قال الشاعر:

إلبس لكل حالة لبوسها *** إما نعيمها وإما بؤسها

وثوب لبيس وجمعه: ألبس واللبسة: ضرب من اللباس والفعل: لبس

___________________________________

(1) سورة المؤمنون: آية 18.

(2) سورة آل عمران: آية 21.

(3) سورة الانبياء آية 80.

[190]

يلبس، لبسا، ولبسة واحدة ويقال: لبست الامر ألبسه: إذا عميته ومنه قوله: " وللبسنا عليهم ما يلبسون "(1) ولا بست الرجل ملابسة: إذا عرفت دخلته وفي فلان ملبس: إذا كان فيه مستمع وفي أمره لبسة: أي ليس بواضح وأصل اللبس الستر: قال الاخطل:

وقد لبست لهذا الدهر أعصره *** حتى تجلل راسي الشيب فاشتعلا(2)

والفرق بين اللبس، والاخفاء، والريب، والاشكال أن الاخفاء يمكن أن يدرك معه المعنى ولايمكن إدراك المعنى مع اللبس والريب معه تهمة المشكوك فيه والاشكال قد يدرك معه المعنى، إلا أنه بصعوبة، لاجل التعقيد وأسباب الالباس كثيرة: منها - الاشتراك ومنها - الاختلاف ومنها - الاختزال وهو: حذف مقدمه وشرطه، أو ركنه ومنها - الاختلاط، والبسط وهو: المنع من إدراك الشئ، تشبيها بما يمنع من إدراكه بالستر والتغطية.

ومنه قول النبي " ص " للحارث بن خوط: ياحار، إنه ملبوس عليك إن الحق لا يعرف بالرجال إعرف الحق تعرف أهله والبطلان، والفساد، والكذب، والزور، والبهتان، نظائر وضد الحق: الباطل يقال: بطل، بطولا وبطلا، وبطلانا: إذا تلف وأبطلته، إبطالا: إذا أتلفته والبطل، والباطل، واحد وبطل الرجل، بطولة إذا صار بطلا ويقال: رجل بطل ولا يقال: إمرأة بطلة وبطل، بطالة: إذا هزل، وكان بطالا والا باطل: جمع إبطالة وأبطولة والباطل: ضد الحق وأبطلته: جعلته باطلا وأبطل فلان: أذا جاء بباطل والبطل: الشجاع الذي يبطل جراحاته، لايكترث لها، ولا تكفه عن نجدته وأصل الباطل، الخبر الكذب ثم كثر حتى قيل لكل فاسد ويقال: فعل باطل أي قبيح وبناء باطل أي منتقض وزرع باطل أي محترق تالف

___________________________________

(1) سورة الانعام: آية 9.

(2) ديوانه واعصر ج عصر ولبس له اعصره: عاش وقلبى خيره وشره وتجلل الشيب الرأس علاه والمطبوعة ولمخطوطة (تخلل).

[191]

المعنى: ومعنى لبسهم الحق بالباطل: أنهم آمنوا ببعض الكتاب، وكفروا ببعض، فخلطوا الحق بالباطل، لانهم جحدوا صفة محمد " ص " فذلك الباطل، وأقروا بغيره مما في الكتاب على ما هو به، وذلك حق وقال ابن عباس: لاتخلطوا الصدق بالكذب وقال الحسن: كتموا صفة محمد " ص " ودينه، وهو الحق وأظهروا دين اليهودية والنصرانية.

وقال ابن زيد: الحق: التوراة التي أنزلها الله على موسى والباطل: مالبسوه بأيديهم واللبس في الآية: قيل معناه: التعمية وقيل: خلط الحق بالباطل، عن ابن عباس ومنه قوله: " وللبسنا عليهم ما يلبسون " أي لخلطنا عليهم ما يخلطون قال العجاج:

لما لبسن الحق بالتجني *** عيين واستبدلن زيدا مني(1)

وقال بعضهم: الحق: إقرارهم بأن محمدا " ص " مبعوث إلى غيرهم والباطل إنكارهم أن يكون بعث إليهم وهذا ضعيف، لانه إن جاز ذلك على نفر يسير، لم يجز على الخلق الكثير، مع إظهار النبي " ص " وتكذيبهم فيه، وإقامة الحجة عليهم.

الاعراب: وقوله: " وتكتموا الحق " يحتمل أمرين من الاعراب أحدها - الجزم على النفي، كأنه قال: لا تلبسوا الحق، ولا تكتموه والآخر - النصب على الظرف، كأنه قال: لاتجمعوا اللبس والكتمان كما قال الشاعر:

لاتنه عن خلق وتأتي مثله *** عار عليك إذا فعلت عظيم(2)

ومثله: لا يسعني شئ، ويعجز عنك وعند الخليل وسيبويه، والاخفش، ينصب مثل ذلك، باضمار أن ويكون تقدير الكلام: لا يكن منكم لبس الحق

___________________________________

(1) ديوانه.

(2) هذا البيت روي في عدة قصائد لعدة شعراء نسب للاخطل ونسب للمتوكل الليثي ونسب لسابق البربري ونسب للطرماح ونسب لابي الاسود الدؤلي.

[192]

وكتمانه ودل " تلبسوا " على اللبس و " تكتموا " على الكتمان كما تقول: من كذب كان شرا له فكذب دليل على الكذب فكأنه قال: من كذب كان الكذب شرا له قوله: " وأنتم تعلمون "

المعنى: قال قوم: هو متوجه إلى رؤساء أهل الكتاب، ولذلك وصفهم بأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه للتلبيس على أتباعهم - قالوا - وهذا تقبيح لما يفعلونه وكذلك قوله: " وتكتمون الحق " أي تتركون الاعتراف به، وأنتم تعرفونه أي تجحدون ما تعلمون وجحد المعاند أعظم من جحد الجاهل ومن قال هذا، لا يلزمه ما يتعلق به أهل التعارف، من هذه الآية، من قولهم: إن الله أخبر أنهم يكتمون الحق وهم يعلمون، لانه إذا خص الخطاب بالرؤساء - وهم نفر قليل - فقد جوز على مثلهم العناد والاجتماع على الكتمان وإنما يمنع مع ذلك في الجماعة الكثيرة، لما يرجع إلى العادات، واختلاف الدواعي كما قيل في الفرق بين التواطي والاتفاق في العدد الكثير وقال بعضهم: وأنتم تعلمون البعث والجزاء فان قيل: كيف يصح ذلك على أصلكم الذي تقولون: إن من عرف الله لا يجوز أن يكفر؟ وهؤلاء إذا كانوا كفارا، وماتوا على كفرهم كيف يجوز أن يكونوا عارفين بصفة محمد، وأنه حق، بما معهم من التوراة وذلك مبني على معرفة الله، وعندكم ما عرفوا الله؟

قيل: إن الله الذي يمنع أن يكفر من عرف الله، إذا كان معرفته على وجه يستحق بها الثواب، فلا يجوز أن يكفر، لانه يؤدي إلى اجتماع الثواب الدائم على إيمانه، والعقاب الدائم على كفره والاحباط باطل وذلك خلاف الاجماع ولا يمتنع أن يكونوا عرفوا الله على وجه لا يستحقون به الثواب لان الثواب إنما يستحق، بأن يكونوا نظروا من الوجه الذي وجب عليهم فأما إذا نظروا بغير ذلك، فلا يستحقون الثواب، فيكونوا على هذا عارفين بالله وبالكتاب الذي أنزله على موسى، وعارفين بصفات النبي " ص " لكن لا يؤمنون مستحقين الثواب

[193]

وعلى هذا يجوز أن يكفروا وفي الناس من قال: استحقاقهم الثواب على إيمانهم، مشروط بالموافاة فاذا لم يوافوا به، لم يستحقوا الثواب فعلى هذا أيضا، يجوز أن يكونوا عارفين، وإن لم يكونوا مستحقين لثواب يبطل بالكفر والمعتمد الاول وقال قوم: الآية متوجهة إلى المنافقين منهم وكان خلطهم الحق بالباطل ما أظهروا بلسانهم من الاقرار بالنبي " ص " بما يستبطنونه من الكفر وهذا يمكننا الاعتماد عليه، ويكون قوله: " وأنتم تعلمون " معناه أنكم تعلمون أنكم تظهرون خلاف ما تبطنونه وهذا أسلم من كل وجه على أصلنا ويمكن أن يقال: معنى قوله: " وأنتم تعلمون " أي عند أنفسكم، لانهم إذا كانوا يعتقدون أنهم عالمون بالتوراة، وبأنه من عند الله، وفيها ذكر النبى، فهم عالمون عند انفسهم بنبوته، لكن يكابرون.

قوله تعالى: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين(43)

آية بلا خلاف

اللغة: الصلاة في أصل اللغة: الدعاء قال الاعشى:

عليك مثل الذي صليت فاغتمضي *** نوما فان لجنب المرء مضطجعا

أي دعوت وقال آخر:

وقابلها الريح في دنها *** وصلى على دنها وارتسم(1)

أي ودعا وقيل: أصلها: اللزوم من قول الشاعر:

لم أكن من جناتها علم الله، واني لحرها اليوم صال

أي ملازم لحرها وكان معنى الصلاة، ملازمة العبادة على الحد الذى أمر

___________________________________

(1) مر الكلام في هذا البيت 1: 56.

[194]

الله عزوجل وقيل: أصلها: الصلا وهو عظم العجز لرفعه في الركوع والسجود من قول الشاعر:

فآب مصلوه بغير جلية *** وغودر بالجولان حزم ونائل(1)

اي الذين جاؤوا في صلا السابق والقول الاول أقرب إلى معنى الصلاة في الشرع وقد بينا معنى إقامة الصلاة فيما مضى، فلا وجه لا عادته.

وقوله: " وآتو الزكاة " فالزكاة والنماء، والزيادة، نظائر في اللغة ونقيض الزيادة: النقصان ويقال: زكا، يزكو زكاء وتزكى، تزكية قال صاحب العين: الزكاة، زكاة المال، وهو تطهيره ومنه زكى، يزكي، تزكية والزكاة: زكاة الصلاح تقول: رجل تقي زكي ورجال أتقياء أزكياء والزرع زكا زكاء - ممدود - وكل شئ يزداد وينمو، فهو يزكو زكاء وتقول: هذا لا يزكو بفلان أي لا يليق به قال الشاعر:

المال يزكو بك مستكثرا *** يختال قد أشرق للناظر

ومصدر الزكاة: ممدود ويقال: إن فلانا لزكا النقد أي حاضره وعتيده والزكا: الشفع قال الشاعر:

كانوا خسا أو زكا من دون أربعة *** لم يخلقوا وجدود الناس تعتلج(2)

والخسا، الوتر وأصل الباب: النمو، والزكاة تنمي المال بالبركة التى يجعل الله فيه وسمي بالزكاة في الشريعة، ما يجب إخراجه من المال، لانه نماء ما ينقى ويثمر وقيل: بل مدح لما ينقى، لانه زكي أي مطهر كما قال: " أقتلت نفسا زكية بغير نفس "(3) أي طاهرة.

وقوله: " واركعوا " فالركوع، والانحناء والانخفاض نظائر في اللغة يقال: ركع، ورفع

___________________________________

(1) في التفسير الكبير (وآب مضلوه) من اضل القوم ميتهم: اذا واروه في قبره، وفيه بدل (يغير جلية) بعين جلية: والشعر للنابغة

(2) اللسان مادة (خسا) وقد نقله القراء عن الدبيرية زكا: تقوله العرب للزوج وخسا للفرد: تعتلج تضطرع

(3) سورة الكهف آية: 74.

[195]

قال الشاعر:

لا تهين الفقير علك أن *** تركع يوما والدهر قد رفعه(1)

قال أبوزيد: الراكع: الذي يكبو على وجهه ومنه الركوع في الصلاة قال الشاعر:

وأفلت حاجب فوق العوالي *** على شقاء تركع في الظراب(2)

والركعة: الهوة في الارض - لغة يمانية - قال صاحب العين: كل شئ ينكب لوجهه، فتمس ركبته الارض أولا تمس، بعد أن يطأطئ راسه، فهو راكع قال الشاعر:

ولكني أنص العيس تدمى *** أياطلها وتركع بالحزون(3)

وقال لبيد:

أخبر أخبار القرون التي مضت *** أدب كأني كلما قمت راكع

وقيل: إنه مأخوذ من الخضوع ذهب اليه المفضل بن سلمة والاصمعي قال الشاعر:

لا تهين الفقير علك أن *** تركع يوما والدهر قد رفعه

والاول أقوى، لان هذا مجاز مشبه به وقوله: " واركعوا مع الراكعين " إنما خص الركوع بالذكر من أفعال الصلاة لما قال بعض المفسرين: إن المأمورين هم أهل الكتاب، ولا ركوع في صلاتهم وكان الاحسن ذكر المختص دون المشترك، لانه أبعد عن اللبس وقيل: لانه يعبر بالركوع عن الصلاة يقول القائل: فرغت من ركوعي أي من صلاتي وانما فعل ذلك، لانه أول ما يشاهد مما يدل على أن الانسان في الصلاة، لانا بينا أن أصل الركوع الانحناء فان قيل: كيف أمروا بالصلاة والزكاة وهم لا يعرفون حقيقة ما في الشريعة؟ قيل: إنما أمروا بذلك، لانهم أحيلوا فيه على بيان الرسول

___________________________________

(1) قائل هذا البيت الاضبط بن قريع الاسدي.

(2) شقاء: مؤنث الاشق وفرس اشق: يشتق في عدوه يمينا وشمالا الظراب ج ظرف - بفتح الظاء وكسر الراء وهي الرابية.

(3) انص العيس: استحثها اياطل: ج ايطل وهي الخاصرة ارض حزون: غليظة.

[196]

اذ قال: " ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا "(1) ولذلك جاز أن يأمرهم بالصلاة على طريق الجملة، ويحيلهم في التفصيل إلى بيان الرسول " ص " وقد بينا ما ورد الشرع به، من الصلاة والزكاة، وفرائضها وسننها في كتاب النهاية والمبسوط وغيرهما من كتبنا في الفقه، فلا نطول بذكره في هذا الكتاب وقد ورد في القرآن على طريق الجملة آي كثير:

نحو قوله: " أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " وقوله " وأقيموا الصلاة ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا "(2) وقوله: " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى "(3) وقوله: " قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون "(4) ويمكن الاستدلال بهذه الآيات على وجوب الصلوات، وعلى صلاة الجنائز، وصلاة العيدين، وعلى وجوب الصلاة على النبي وآلة في التشهد، لانه عام في جميع ذلك.

فان قيل: قوله: " وأقيموا الصلاة " قد ثبت أن هذا خطاب لاهل الكتاب، وليس في صلاتهم ركوع، فكأنه أمرهم بالصلاة على ما يرون هم، وأمرهم بضم الركوع إليها وعلى معنى قوله: " اركعوا " - أي صلوا نقول: إن ذلك تأكيد ويمكن أن يقال: فيه فائدة وهو أن يقال: إن قوله: " أقيموا الصلاة " إنما يفيد وجوب إقامتها ويحتمل أن يكون إشارة إلى صلاتهم التي يعرفونها ويمكن أن يكون إشارة إلى الصلاة الشرعية فلما قال: " واركعوا مع الراكعين " يعني مع هؤلاء المسلمين الراكعين، تخصصت بالصلاة في الشرع، ولا يكون تكرارا، بل يكون بيانا وقيل: قوله: " واركعوا مع الراكعين " حث على صلاة الجماعة، لتقدم ذكر الصلاة المنفردة في أول الآية

___________________________________

(1) سورة الحشر: آية 7.

(2) سورة النساء: آية 102.

(3) سورة البقرة: آية 238.

(4) سورة المؤمنون: آية 1.

[197]

قوله تعالى: أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون(44)

آية

المعنى: كل طاعة لله تعالى، فلا خلاف أنها تسمى برا واختلفوا في المراد بهذه الآية فقال ابن عباس: المراد به التمسك بكتابهم، فكانوا يأمرون أتباعهم، ويتركون هم التمسك به، لان جحدهم النبي " ص " هو تركهم التمسك به وقال قتادة: كانوا يأمرون الناس بطاعة النبي " ص " ويخالفون ذلك وقال قوم: إن معناه: أنهم كانوا يأمرون ببذل الصدقة، ويضنون بها وقال بعضهم: البر: الصدق من قولهم: صدق، وبر ومعناه: أنهم يأمرون بالصدق ولا يصدقون.

اللغة: والبر - في أصول اللغة - والصلة، والاحسان، نظائر يقال هو بار وصول محسن وضد البر: العقوق وقال ابن دريد: البر ضد العقوق ورجل بار وبر بمعنى واحد وبرت يمينه: إذا لم يحنث وبرحجه وبر - لغتان - والبر: خلاف البحر والبر: - معروف - أفصح من الحنطة والقمح واحدة برة قال الهذلي:

لادر دري إن أطعمت نازلهم *** قرف الحني وعندي البر مكنوز

الحني: ردي المقل خاصة ومن أمثالهم: لايعرف الهر من البر واختلفوا في هذا المثل فقال الرماني: الهر: السنور.

والبر: الفارة في بعض اللغات أو دويبة تشبهها وقال الاخفش: معناه: لا يعرف من يبره ممن يهر عليه وقوم بررة أبرار والمصدر البر ويقال: صدق وبر وبرت يمينه أي صدقت وكانت العرب تقول: فلان يبرر به أي يطيعه قال الراجز:

[198]

لاهم إن بكرا دونكا *** يبرك الناس ويفجرونكا

والابرار: الغلبة يقال أبر عليهم فلان قال طرفة: ويبرون على الآي البر البربرة: كثرة الكلام، والجلبة باللسان وأصل الباب كله: البر وهو: اتساع الخير والفرق بين البر والخير، أن البر يدل على القصد، والخير قد يقع على وجه السهولة.

قوله: " وتنسون انفسكم ".

اللغة: فالنسيان، والغفلة، والسهو، نظائر وضد النسيان: الذكر تقول: نسي نسيانا وأنساه، إنساء وتناساه، تناسيا وفلان نسي، كثير النسيان والنسي، والمنسي، الذي ذكره الله تعالى: " وكنت نسيا منسيا "(1) وسمي الانسان إنسانا، إشتقاقا من النسيان وهو في الاصل: إنسيان وكذلك إنسان العين والجمع: أناسي والنسا: عرق سيق بين الفخذين، فيستمر في الرجل وهما نسيان والجمع: أنساء وهو في الفخذ يسمى في الساق: الطفل وفي البطن: الحالبين(2) وفي الظهر: الابهر وفى الحلق: الوريد وفي القلب: الوتين وفي اليد: الاكحل وفي العين: الناظر يقال: هو بهر الجسد، لانه يمد جميع العروق وأصل الباب: النسيان ضد الذكر وقوله: " نسوا الله فنسيهم "(3) أي تركوا طاعته: فترك ثوابهم ويقال: آفة العلم النسيان والمذاكرة تحيي العلم وحد النسيان: غروب الشئ عن النفس بعد حضوره لها والفرق بين النسيان والسهو، أن السهو يكون ابتداء وبعد الذكر والنسيان لا يكون إلا بعد الذكر والنسيان، والذكر معا، من فعل الله تعالى، لان الانسان يجتهد أن يذكر شيئا فلا يذكره

___________________________________

(1) سورة مريم آية: 32.

(2) عرقان يكتنفان بالسرة.

(3) سورة التوبة: آية 68.

[199]

المعنى: ومعنى قوله: " وتنسون أنفسكم " أي تتركونها وليس المراد بذلك ما يضاد الذكر، لان ذلك من فعل الله لا ينهاهم عنه فان قيل: إذا كان الواجب عليهم مع ترك الطاعة والاقامة على المعصية، الامر بالطاعة، والنهي عن المعصية، فكيف قيل لهم هذا القول؟

قلنا: في أمرهم بالطاعة، ونهيهم عن المعصية تعظيم لما يرتكبونه من معصية الله تعالى، لان الزواجر كلها، كلما كانت أكثر، كانت المعصية أعظم ففي نهيهم لغيرهم، زواجر فهو توبيخ على عظيم ما ارتكبوا من ذلك.

وقوله: " وانتم تتلون الكتاب "

اللغة: فالتلاوة، والقراء‌ة، والدراسة، نظائر يقال: فلان يتلو تلاوة، فهو تال أي تابع والمتالي: الامهات إذا تلاهن الاولاد والواحد: متل وناقة متلية: وهي التي تنتج في آخر النتاج وأصل الباب: الاتباع فتسمى التلاوة بذلك، لا تباع بعض الحروف فيها بعضا والفرق بين التلاوة والقراء‌ة، أن أصل القراء‌ة جمع الحروف، وأصل التلاوة، اتباع الحروف وكل قراء‌ة تلاوة، وكل تلاوة قراء‌ة وحد الرماني: التلاوة: ما به صوت يتبع فيه بعض الحروف بعضا

المعنى: والكتاب الذي كانوا يتلونه التوراة - على قول ابن عباس وغيره وقال أبومسلم كانوا يأمرون العرب باتباع الكتاب الذى في أيديهم، فلما جاء‌هم كتاب مثله، لم يتبعوه.

وقوله: " أفلا تعقلون "

اللغة: فالعقل، والفهم، واللب، والمعرفة، نظائر يقال فلان عاقل فهيم أديب ذو معرفة، وضد العقل: الحمق يقال: عقل الشئ عقلا، وأعقله غيره إعقالا

[200]

ويقال: اعتقله، اعتقالا وانعقل، انعقالا وقيل لابن عباس: أنى لك هذا العلم؟ قال: قلب عقول، ولسان سؤول ويقال: عقلت بعد الصبا أي عرفت الخطأ الذي كنت فيه.

وقال صاحب العين: العقل: ضد الجهل يقال: عقل الجاهل: إذا علم وعقل المريض بعد ما هجر وعقل المعتوه ونحوه والعقال: الرباط ويقال: عقلت البعير أعقله، عقلا: إذا شددت يده بالعقال وإذا أخذ صدقة الابل تامة لسنة يقال: أخذ عقالا وعقالين لسنتين، وعقلا لجماعة.

وقال الشاعر:

سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا *** فكيف لو قد سعى عمرو عقالين

لا صبح الناس أوبادا وما وجدوا *** يوم التحمل في الهيجا جمالين(1)

قال المبرد: يقال للمصدق إذا أخذ من الصدقة ما فيها ولم يأخذ ثمنه: أخذ عقالا وإذا أخذ قيمته: قيل: أخذ نقدا والعقيلة من النساء: التي قد عقلت في بيتها أي حبست في بيتها وخدرت والجمع: عقائل والدرة عقيلة البحر وعقيلة كل شئ: أكرمه وعقل القتيل: إذا أوديت ديته من القرابة، لا من القبائل والعقل في الرجل: اصطكاك الركبتين والعقل: ثوب أحمر تتخذه نساء العرب والمعقول: هذا العقل عند قوم قال الراعي:

حتى إذا لم يتركوا لعظامه *** لحما ولا لفؤاده معقولا

والعقل، والمعقل: وهو الحصن وجمعه: عقول والعاقول من النهر والوادي ومن الامور أيضا: الملتبس، وما اعوج منه وعقل الدواء بطنه أي حبسه وقولهم لا يعقل حاضر لباد قال ابن دريد: معناه أن القتيل إذان بالبادية، فان أهلها يتعاقلون بينهم الدية، ولا يلزمون أهل الحضر من بني اعمامهم شيئا وفي الحديث انا لا نتعاقل المضيع يعني ما سهل من الشجاج(2)، بل يلزم الجاني وعاقلة الرجل: بنو عمه الادنون، لانهم كالمعقل له وأصل الباب العقل الذي هو العقد والعقل مجموع علوم لاجلها يمتنع من كثير من القبائح يعقل كثيرا من الواجبات.

وقال الرماني: العقل هو العلم الاول الذي يزجر عن قبيح الفعل وكل من كان زاجره

___________________________________

(1) الشعر لعمرو بن العداء الكلبي لسان العرب وروايته "؟ " بدل " الناس " السبد: بقايا النبت اوباد: ج وبد وهو الفقر والبؤس وجمالين يريد؟ الشجاج واحدها الشجة وهي الجرح في الرأس والوجه.

[201]

أقوى، كان عقله أقوى وقيل: العقل: معرفة يفصل بها بين القبيح والحسن في الجملة وقيل: العقل: قوة يمكن معها الاستدلال بالشاهد على الغائب وهذه العبارات قريبة المعاني مما ذكرناه والفرق بين العقل والعلم، أن العقل قد يكمل لمن فقد بعض العلوم، كفقد من كمل عقله العلم بأن هذه الرمانة حلوة أو حامضة ولا يكمل العلم لمن فقد بعض عقله فان قيل: اذا كان العقل مختلفا فيه، فكيف يجوز أن يستشهد به؟

قيل الاختلاف في ماهية العقل، لا يوجب الاختلاف في قضاياه ألا ترى أن الاختلاف في ماهية العقل - حتى قال بعضهم معرفة، وقال بعضهم قوة - لايوجب الاختلاف في أن الالف أكثر من الواحد، وأن الموجود غير المعدوم، وغير ذلك من قضايا العقل.

قوله تعالى: واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين (45)

آية واحدة

قال الجبائي: هذا خطاب للمؤمنين دون أهل الكتاب وقال الطبري، والرماني: هو خطاب لاهل الكتاب، ويتناول المؤمنين على وجه التأديب والاقوى أن يكون خطابا لجميع من هو بشرائط التكليف، لفقد الدلالة على التخصيص، واقتضاء العموم ذلك فمن قال: إنه خطاب لاهل الكتاب، قال: لانه قال: واستعينوا على الوفاء بعهدي الذي عاهدتكم في كتابكم عليه: من طاعتي، واتباع أمري واتباع رسولي، وترك ما نهبتكم عنه، والتسليم لامري ولمحمد " ص " بالصبرو الصلاة.

اللغة: وأصل الصبر: هو منع النفس محابها، وكفها عن هواها ومنه الصبر على المصيبة، لكفه نفسه عن الجزع وقيل لشهر رمضان: الصبر، لصبر صائمه عن الطعام والشراب نهارا وصبرت إياهم صبرة: حبسه لهم، وكفه إياهم عنه، كما يصبر الرجل القتيل، فيحبسه عليه، حتى يقتله صبرا يعني حبسه عليه، حتى قتله

[202]

والمقتول: مصبور والقاتل: صابر والصبر والبث، والحبس، نظائر والصبر: ضد الجزع.

وأنشد أبوالعباس:

فان تصبرا، فالصبر، خير معيشة *** وإن تجزعا، فالامر ماتريان

ويقال: صبر صبرا وتصبر تصبرا واصطبر، اصطبارا وتصابر تصابرا وصابره مصابرة.

قال صاحب العين: الصبر: نصب الانسان للقتل فهو مصبور يقال: صبروه أي نصبوه للقتل ويقال: صبرته أي حلفته بالله جهد نفسه وكل من حبسته لقتل أو يمين، فهو قتل صبر ويمين صبر والصبر: عصارة شجر معروف والصبار: تمر الهند وصبر الاناء ونحوه: نواحية وأصبار القبر: نواحيه والصبرة من الحجارة: ما اشتد وغلظ والجمع: الصبار وأم صبار: هي الداهية الشديدة وصبر كل شئ: أعلاه وصبير القوم: الذي يصبر معهم في أمرهم وصبر الخوان: رقاقة غليظة تبسط تحت ما يؤكل من الطعام وتقول: اشتريت الشئ بلا صبر أي بلا كيل والصبير: الكفيل واصل الباب: الصبر الذي هو الحبس

المعنى: والصبر خلق محمود، أمر الله تعالى به ودل عليه، فقال: " واصبر وما صبرك إلا بالله "(1) وقال: " واصبروا وصابروا "(2) وقال: " وبشر الصابرين "(3) وقال: " واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الامور "(4) وفى الحديث: اقتلوا القاتل، واصبروا الصابر وذلك فيمن أمسكه حتى قتله آخر فأمر بقتل القاتل، وحبس الممسك والصبر المأمور به في الآية، قيل: فيه قولان:

أحدهما - الصبر على طاعته واجتناب معصيته والثاني - أنه الصوم وفي الصلاة ههنا قولان: أحدهما - الدعاء.

والثاني - أنها الصلاة الشرعية ذات الركوع والسجود وكان النبي صلى الله عليه وآله إذا أحزنه أمر، استعان بالصلاة والصوم.

___________________________________

(1) سورة النحل: آية 127.

(2) سورة آل عمران: آية 200.

(3) سورة البقرة: آية 155.

(4) سورة لقمان آية 17.

[203]

ووجه الاستعانة بالصلاة، لمكان ما فيها من تلاوة القرآن والدعاء والخضوع لله تعالى، والاخبات فان في ذلك معونة على ما تنازع اليه النفس من حب الرياسة والانفة من الانقياد إلى الطاعة والضمير في قوله: " وإنها لكبيرة " عائد على الصلاة عند أكثر المفسرين.

وقال قوم: عائد إلى الاجابة للنبي (عليه السلام وهذا ضعيف، لانه لم يجر للاجابة ذكر ولا هي معلومة، إلا بدليل غامض وليس ذلك كقوله " أنا أنزلناه " لان ذلك معلوم ورد الضمير على واحد، وقد تقدم ذكر شيئيين فيه قولان:

أحدهما: - انها راجعة إلى الصلاة دون غيرها على ظاهر الكلام، لقربها فيه ولانها الاهم والافضل ولتأكيد حالها وتفخيم شأنها وعموم فرضها والآخر - ان يكون المراد الاثنين وان كان اللفظ واحدا كقوله: " والله رسوله احق ان يرضوه "(1) قال الشاعر:

اما الوسامة او حسن النساء فقد *** اوتيت منه أوان العقل محتنك(2)

وقال البرجمي:

فمن يك امسى بالمدينة رحله *** فاني وقيار بها لغريب(3)

وقال ابن احمد:

رماني بأمر كنت منه ووالدي *** بريا ومن طول الطوي رماني(4)

وقال آخر: نحن بما عندنا وانت بما عندك راض والرأي مختلف(5) وقوله " واذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا اليها " قال قوم: اللفظ واحد والمراد به اثنان وقال الفراء: راجع إلى التجارة لان تجارة جاء‌ت فضربوا بالطبل فانصرف الناس اليها والاستعانة في الآية المامور بها على ما تنازع اليه نفوسهم من حب الرياسة وغلبة الشهوة للذة العاجلة والاستعانة بالصبر على المشقة بطاعة الله ومعنى (الكبيرة) ههنا أي ثقيلة - عند الحسن والضحاك وأصل ذلك ما يكبر ويثقل على الانسان

___________________________________

(1) سورة التوبة: آية 63.

(2) احتنك الشئ: استولى عليه.

(3) وروى (وقيارا).

(4) مر القول في هذا البيت.

(5) في هذين البيتين 1: 172.

[204]

حمله، كالاحمال الجافية التي يشق حملها، فقيل لما يصعب على النفس، وان لم يكن من جهة الحمل - يكبر عليها تشبيها بذلك.

وقوله: " الا على الخاشعين ".

اللغة: فالخشوع، والخضوع، والتذلل، والاخبات، نظائر وضد الخضوع: الاستكبار يقال: خشع خشوعا وتخشع تخشعا قال صاحب العين: خشع الرجل يخشع خشوعا: إذا رمى ببصره الارض واختشع: إذا طأطأ رأسه كالمتواضع والخشوع قريب المعنى من الخضوع، إلا أن الخضوع في البدن، والاقرار بالاستخدام(1) والخشوع في الصوت والبصر قال الله تعالى: " خاشعة أبصارهم " و " خشعت الاصوات للرحمن "(2) أي سكنت وأصل الباب: من اللين والسهولة من قولهم: نقا خاشعا: للارض التي غلبت عليها السهولة والخاشع: الارض التي لا يهتدى إليها بسهولة، لمحو الرياح آثارها والخاشع، والمتواضع، والمتذلل، والمسكين، بمعنى واحد قال الشاعر:

لما أتى خبر الزبير تواضعت *** سور المدينة والجبال الخشع(3)

وخاشع: صفة مدح، لقوله: " والخاشعين والخاشعات " وإنما خص الخاشع بأنها لا تكبر عليه، لان الخاشع قد تواطأ ذلك له: بالاعتياد له، والمعرفة بماله فيه، فقد صار بذلك، بمنزلة مالا يشق عليه فعله، ولا يثقل تناوله وقال الربيع بن أنس: " الخاشعين " في الآية: الخائفون

___________________________________

(1) وفي نسخة: " الاستحياء ".

(2) سورة طه آية: 108.

(3) البيت لجرير، الديوان ص: 345 استشهد به سيبويه على ان تاء التأنيث جاء‌ت للفعل لما أضاف " سور " إلى المدينة وهي مؤنث، وهو بعض منها.




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 200

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 9087160

  • التاريخ : 30/09/2020 - 19:34

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net