00989338131045
 
 
 
 
 
 

  سورة البقرة ( من آية 58 ـ 80) 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : التبيان في تفسير القرآن ( الجزء الاول)   ||   تأليف : شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي


قوله تعالى: واذ قلنا ادخلوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة يغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين(58)

آية بلا خلاف.

القراء‌ة: قرأ نافع واهل المدينة يغفر بضم الياء وفتح الفاء. الباقون بفتح النون، وكسر الفاء. وادغم الراء في اللام وما جاء منه. والآيه معطوفة على ما تقدم. فكأنه قال واذكروا اذ قلنا. ادخلوا والدخول والولوج والاقتحام نظائر والفرق بين الدخول والاقتحام ان الاقتحام دخول على صعوبة.

اللغة: ونقيض الدخول: الخروج تقول: دخل يدخل دخولا.

وادخله ادخالا. وتداخل تداخلا، واستدخل استدخالا، وداخله مداخلة.

ويقال: في امره دخل أي فساد. دخل امره يدخل دخلا: أي فسد.

ودخلت الدار وغيرها دخولا و اوردت ابلي دخالا إذا اوردتها فادخلت بين كل بعيرين بعيرا ضعيفا بعد ما ابتعر أو تشرب دون ريها. وفلان دخيل بني فلان: اذا كان من غيرهم. واطلعت فلانا على دخلة امري: اذا بثتته مكتومك. والدخل طائر صغير. وفلان حسن المدخل، أو قبيح المدخل: أي المذهب في الامور. وكل لحمة على عصب فهي دخلة.

قال صاحب العين: فلان مدخول اذا كان في عقله دخل، أو في حسبه.

والمدخول: المهزول الداخل في جوفه الهزال. والدخلة: بطانة الامير.

يقال: فلان خبث الداخلة. وادخل في عار ويدخل فيه ونحو ذلك يصف شدة الدخول.

ودخيل الرجل: الذي يداخله في اموره كلها فهو له دخيل.

دخال والدخال: مداخلة المفاصل بعضها في بعض.

والدخولة معروفة والدخل: صغار الطير امثال العصافير مأواها الغيران، وبطون الاودية تحت الشجر الملتف وجمعه دخاخيل. والانثى دخلة.

واصل الباب: الدخول قال الرماني في حد الدخول: الانتقال إلى محيط.

وقد يقال: دخل في الامر: كما يقال دخل في الدار تشبيها ومجازا.

[262]

وقوله: " هذه القرية " إشارة إلى بيت المقدس - على قول قتادة، والربيع ابن أنس وقال السدي: هي قرية بيت المقدس: وقال ابن زيد: إنها أريحا قريب من بيت المقدس.

اللغة: والقرية والبلدة والمدينه نظائر.

قال ابوالعباس: اصله الجمع: ومنه المقراة: الحوض الذي تسقى فيه الابل. سمي مقراة، لجمع الماء فيه.

والمقراة: الجفنة التي يعد فيها الطعام للاضياف قال الشاعر: عظام المقاري جارهم لا يفزع.

ومنه قريت الضيف.

ومنه قريت الماء في الحوض.

ومنه قريت الشاة تقري وشاة قارية: إذا كانت تجمع الجرة في شدقها. وهو عيب عندهم شديد وكل ما قري فهو مقري: مثل المرقد كل ما رقدت فيه.

والقري: المسيل الذي يحمل الماء إلى الروضة.

وجمعه: قريان: كقضيب وقضبان قال الشاعر: ماء قري حده قري قال ابن دريد: قريت الضيف أفريه قرى. وقريت الماء في الحوض أقريه قريا. وقرى البعير: جرته في شدقه قريا. والقرية: اشتقاقها من قرى البعير جرته: أى جمعها. والجمع قرى - على غير قياس -.

وقال قوم من اهل اليمن: قرية: وقال صاحب العين: القرية والقيرية - لغتان - تقول: ما زلت استقري هذه الارض قربة قرية. والكسر لغة عانية. ومن هناك اجتمعوا على جمعها على القرى، حيث اختلفوا فحملوها على لغة من قال: كسوة وكسوة. والنسبة اليها قروي.

وام القرى: مكة وقوله: " وتلك القرى اهلكناهم لما ظلموا "(1) يعني بها: الكور والامصار والمدائن والقرى: الظهر من كل شئ، حتى الآكام وغيرها. والجمع الاقراء.

والقرى: الاحسان إلى الضيف. تقول: اقرى يقري الضيف قرى: اذا اضافه ضيافة وانزله نزالة.

والقرى جئ الماء في الحوض. والمدة تقرى في الجرح: أي تجتمع.

___________________________________

(1) سورة الكهف: آية 60.

[263]

وقوله: " وادخلو الباب "

المعنى: أي الباب الذي امرو بدخلولها.

وقال مجاهد والسدي: هو باب حطة من بيت المقدس. وهو الباب الثامن.

وقيل: باب القبة التي كان يصلي إليها موسى.

وقال قوم: باب القرية التي أمروا بدخولها.

قال أبوعلي: قول من قال: إنه باب القرية، لانه لم يدخلوا القرية في حياة موسى، لانه قال: " فبدل الذين ظلما قولا غير الذي قيل لهم ". والعطف بالفاء يدل على أن هذا التبديل منهم كان في أثر الامر فدل ذلك على أنه كان في حياة موسى.

ومعنى قوله: " سجدا " قال ابن عباس: ركعا. وهو شدة الانحناء. ومنه السجد من النساء: الفاترات الاعين.

وقال الاعشى: ولهوي إلى حور المدامع سجد وقال الآخر: ترى الاكم منه سجدا للحوافر(1) وقال غيره: ادخلوا خاضعين متواضعين.

قال اعشى قيس:

تراوح من صلوات الملي‍ *** - ك طورا سجودا وطورا جؤارا

وقوله: " حطة "

المعنى: قال الحسن، وقتادة واكثر أهل العلم: معناه حط عنا خطايانا.

وروي عن ابن عباس أنه قال: أمروا أن يستغفروا.

وروي عنه ايضا أنه قال: امروا أن يقولوا: هذا الامر حق: كما قيل لكم.

وقال عكرمة: امروا أن يقولوا لا إله إلا الله.

وكل هذه الاقوال محط الذنوب فيترحم لحطة عنها.

___________________________________

(1) الكامل 1: 258 في المطبوعة فيها. وهو غلط. والاكم: ج. 1 كام ج. أكمة وهي التل.

(2) ديوانه. راوح. عمل عملين في عمل. والجؤار رفع الصوت بالدعاء..

[264]

اللغة: وحطة مصدر مثل ردة وجدة من رددت وجددت.

قال صاحب العين: الحط: وضع الاحمال عن الدواب تقول: حططت عنها أحط حطا. وانحط انحطاطا. والحط والوضع والخفض نظائر.

والحط: الحدر من العلو: كقول امرئ القيس: كجلمود صخر حطه السيل من عل(1) يقال للنجيبة السريعة: حطت في سيرها وانحطت.

وتقول حط الله وزرك الذي انقض ظهرك.

وقال الشاعر: واحطط إلهي - بفضل منك - أوزاري والحطاطة: بثرة تخرج في الوجه تقبح اللون ولا تقرح.

وجارية محطوطة التنين: ممدودة حسنة والحط: حط الاديم بالمحط. وهي خشبة يصقل بها الاديم او ينقش.

وأصل الباب: الحط: وهو الحدر من علو.

وارتفعت " حطة " في الآية على قول الزجاج - على تقدير مساء لتنا حطة، وقال غيره: دخولنا الباب سجدا: حطة لذنوبنا كقوله: " وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا: معذرة " يعني موعظتنا بعذرة إلى ربكم.

ويجوز النصب في العربية على معنى حط عنا ذنوبنا حطة، كقولك: سمعا وطاعة يعني اسمع سمعا واطيع طاعة، كقولك: معاذ الله. يعني نعوذ بالله وهو أقوى لانه دعاء.

وقوله: " نغفر لكم "

اللغة: والغفران والعفو، والصفح نظائر.

يقال: غفر الله غفرانا. واستغفر استغفارا واغتفر اغتفارا.

قال أبوالعباس: غفر الله لزيد بمعنى: ستر غطى له على ذنوبه. والغفران انما هو التغطية.

يقال للسحابة فوق السحاب: الغفارة. وثوب ذو غفر: اذا كان له زئير يستر قبحه.

___________________________________

(1) معلقته، وصدر البيت: مكر مفر مقبل مدبر معا - يصف فرسه -.

[265]

ويقال: المغفر، لتغطية العنق.

ويقال غفرت الشئ: إذ واريته.

والمغفرة والغفيرة بمعنى (واحد).

والمغفرة: منزل(1) من منازل القمر. يسمى (بذلك) لخفائه.

وقال الزجاج: الغفر: التغطية. وكل ما وتفرع من هذا الباب فهذا معناه.

وقولهم: اللهم اغفر لنا. تأويله اللهم غط علينا ذنوبنا والله الغفور والغفار.

والمغفر ما يغطى به الرأس من الحديد وغيره.

وكذلك الغفارة وهي خرقة تلف على سية القوس: أي طرفها.

وغفارة: اسم رأس جبل.

والمغفورة والمغفارة. صمغ العرفط وقد اغفر الشجر: إذا ظهر ذلك فيه.

وفي الحديث: أن النبي " ص " دخل على عائشة. فقالت: يا رسول الله. أكلت مغافير؟ تعني هذا الصمغ.

ومنهم من يقول: مغاثير: كما قيل جدث، وجدف.

والغفر: شعر صغار دون الكبار. وريش دون الريش الكبار، لانه هو الذي يغطي الجلد.

والغفر: النكس من المريض.

يقال: صلح فلان من مرضه ثم غفر أي نكس.

ومنه قول ضرار. - وقيل إنه لحميل -:

خليلي إن الدار غفر لذي الهوى *** كما يغفر المحموم او صاحب الكلم

ومعناه: أن المحب إذا سلا عن حبيبه، ثم رأى داره جدد عليه حبه. فكأنه مريض نكس. وانما قيل النكس، لانه يغطي على العافية.

والغفر: شعر يكون في اللحيين. وقد غفر فلان، وقد غفرت المرأة: إذا انبت لها ذلك الشعر.

ومتاع البيت يقال له: الغفر، لانه يغطي على الخلل.

والغفر: الحوالق. ويقال جاء والجماء الغفير. وجاء‌وا جما غفيرا.

وجاء‌وا جماء الغفير: اي مجتمعين جمعا يغطي الارض.

والغفر: ولد الاروى: وهي انثى الوعل، لانها تأوي الجبال، فتستر عن الناس.

يقال لانثى الوعل، إذا كان معها ولدها: مغفر. كما يقال: لكل ذات طفل: مطفل.

ويقال: غفرت الامر تغفرة: إذا أصلحته بما ينبغي ان يصلح به. والمعنى: أصلحته بما غطى على جميع فساده.

والغفر: زئير الثوب. وثوب ذو غفر. وغفرت المتاع اذا جعلته في وعاء. وكل شئ غطيته، فقد سترته. ويقال إصبغ ثوبك فانه أغفر

___________________________________

(1) ثلاثة انجم صغار..

[266]

للوسخ: أي استر له.

وأصل الباب: التغطية وحد المغفرة: ستر الخطيئة برفع العقوبة والخطيئة، والزلة، والمعصية نظائر.

يقال: خطأ خطأ. واخطأ إخطاء. واستخطأه استخطاء. وخطأه تخطئة.

وتخاطى تخاطيا قال ابن دريد: الخطأ مقصور مهموز.

يقال خطأ الشئ خطأ: اذا لم يرده واصابه.

واخطأ يخطئ اخطاء: اذا اراده فلم يصبه.

والاول خاطئ والثاني مخطئ به. والخطيئه تهمز.

قال صاحب العين: الخطأ: ما لم يتعمد، ولكن يخطئ اخطاء وخطاء‌ة وتخطئة.

واصل الباب: الخطأ ومثله الزلل.

والخاطئ الذي قد زل عن الشئ في قصده - وان اتفق له ان يصيبه من غير أن يقصده، ولذلك لا يكون الخاطئ في الدين إلا عاصيا، لانه لم يقصد الحق وأما المخطئ فانما زل عن قصده. ولذلك يكون المخطئ من طريق الاجتهاد مصيبا لانه قصد الحق واجتهد في اصابته فصارالى غيره.

وحد الخطيئة: العدول عن الغرض المجرد.

وخطايا وزنها: فعائل. وتقديره خطائي، فقلبت الهمزة الاخيرة ياء على حركة ما قبلها، فصارت خطايي، ثم فعل بها ما فعل بمداري، حتى قيل مدارى فصارت: خطاء‌ى. فاستثقل همز بين ألفين، لانه بمنزلة ثلاث ألفات، فقلبت الهمزة ياء. وانما أعلت هذا الاعلال، لان الهمزة التي بعد الالف عرضت في جميع فعل القياس.

تقول: في جمع مرآة مراء‌ى، فلا تعل.

والخليل يقول: وزنه فعالى على قلب الهمزة.

القراء‌ة: من اختار النون من القراء، قال: لانه مطابق لما تقدم من قوله: " وظللنا " و " قلنا ". وانما اتفق القراء على خطاياكم هاهنا، واختلفوا في الاعراف وسورة نوح، لان اللتين في الاعراف ونوح كتبتا في المصحف بالياء بعد ألف، والتي في البقرة بألف.

وقوله: " وسنزيد المحسنين ".

فالزيادة التي وعدها الله المحسنين، هي تفضل يعطيه الله المحسنين، يستحقونها بوعده اياهم وهي زيادة على الثواب الذي يستحقونه بطاعته (تعالى).

[267]

اللغة: والفرق بين احسن اليه واحسن في فعله: ان أحسن اليه لا يكون إلا بالنفع له. واحسن في فعله ليس كذلك. ألا ترى انه لا يقال: أحسن الله اليه إلى أهل النار بتعذيبهم. ويقال: أحسن في تعذيبهم بالنار: يعني أحسن في فعله وفي تدبيره.

والاحسان، والانعام، والافضال نظائر.

وضد الاحسان: الاساء‌ة: يقال حسن حسنا: واحسن إحسانا. واستحسن استحسانا. وتحاسنوا تحاسنا. وحسنه تحسينا. وحاسنه محاسنة.

والمحسن والجمع محاسن: - المواضع الحسنة في البدن.

ويقال: رجل كثير المحاسن. وامرأة كثيرة المحاسن وامرأة حسناء. ولا تقول: رجل أحسن، وتقول: رجل حسان وامرأة حسانة. وهو المحسن جيدا.

والمحاسن في الاعمال: ضد المساوئ. تقول: أحسن فانك الحسان.

والحسنى: الجنة، لقوله: " للذين احسنوا الحسنى وزيادة ".

والحسنى: ضد السوء والحسن.

ضد القبيح والحسان: جمع حسن الحقوها بضدها، فقالوا: قباح وحسان. كما قالوا: عجاف وسمان.

واصل الباب: الحسن.

وهو على ضربين: حسن في النظر، وحسن في الفعل وكذلك القبح.

وحد الحسن من طريق الحكمة: هو الفعل الذي يدعو اليه العقل.

وحد القبح: الذي يزجر عنه العقل.

وحد الاحسان: هو النفع الحسن.

وحد الاساء‌ة: هو الضرر القبيح هذا لا يصح الا على قول من يقول: إن الانسان يكون محسنا إلى نفسه ومسيئا اليها. ومن لا يقول فذلك يريد فيه الواصل إلى الغير مع قصده إلى ذلك والاقوى في حد الحسن أن تقول: هو الفعل الذي اذا فعله العالم به على وجه، لم يستحق الذم فانه لا ينتقض بشئ.

وقوله: " وكلوا منها حيث شئتم رغدا " يعني من هذه القرية، حيث شئتم رغدا أي واسعا بغير حساب.

قد بينا معناه فيما مضى واختلاف الناس فيه.

[268]

قوله تعالى: فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فانزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون(59)

آية بلا خلاف.

معنى قوله: فبدل الذين ظلموا: غيروا.

وقوله: " الذين ظلموا " معناه: الذين فعلوا ما لم يكن لهم فعله.

وقوله: " غير الذي قيل لهم " يعني بذلك بدلوا قولا غير الذي امروا أن يقولوه. فقالوا بخلافه. فذلك هو التبديل والتغيير. وكان تبديلهم بالقول: انهم امروا ان يقولوا: حطة، وان يدخلوا الباب سجدا. وطؤطئ لهم الباب ليدخلوه كذلك فدخلوه يزحفون على اسائهم فقالوا: حطة في شعيره مشتهرين.

وقوله: " فانزلنا على الذين ظلموا " يعني: الذين فعلوا ما لم يكن لهم فعله في تبديلهم بالقول والفعل " رجزا ": اللغة: والرجز في لغة اهل الحجاز: العذاب.

وفي لغة غيرهم: الرجس، لان الرجس الشر.

ومنه قوله (ع) في الطاعون: إنه رجس عذب به بعض الامم وهو قول ابن عباس، وقتادة.

وقال ابوعبيدة: الرجز. والرجس لغتان مثل الردع، والسدع والبزاق والبساق.

وقال ابوالعالية: هو الغضب.

وقال ابوزيد: هو الطاعون، فقيل انه مات منهم في ساعة واحدة اربعة وعشرون الفا من كبرائهم وشيوخهم وبقي الابناء وانتقل العلم والعبادة اليهم.

وقوله: " من السماء " قال قوم: يعني ما فضاه الله عليهم من السماء وقال آخرون: أراد بذلك المبالغة في علوه بالقهر.

وقوله " يفسقون " مضمومة السين عليه جميع القراه وهو اشهر اللغات. وقد حكي في بعض اللغات بكسر السين

[269]

الآية: 60 - 69

قوله تعالى: واذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل اناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الارض مفسدين(60)

آية واحدة بلا خلاف.

قوله: " واذا " متعلق بكلام محذوف. ويجوز ان يكون ذلك ما تقدم ذكره في الآيات المتقدمة من ضروب نعم الله على بني اسرائيل فكأنه قال: واذكروا إذ استسقى موسى لقومه: أي ساله إن يسقي قومه ماء تقول: سقيته من سقى السقة، واسقيته: دللته على الماء فنزل منزلة سؤال ذلك.

والمعنى الذي سال موسى اذا كان فيما ذكر من الكلام الظاهر دلالة على معنى فما نزل.

وكذلك قوله " فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا " من ماء فاستغنى بدلالة الظاهر على المنزول منه، لان معنى الكلام: قلنا اضرب بعصاك الحجر فضربه فانفجرت منه. فترك ذكر الخبر غير ضرب موسى الحجر اذا كان فيما ذكره دلالة على المراد.

وكذلك قوله: " قد علم كل اناس مشربهم " فترك ذكر منهم لدلالة الكلام عليه.

والانفجار، والانشقاق. والانبجاس أضيق منه فيكون أولا انبجاسا، ثم يصير انفجارا والعين من الاسماء المشتركة العين من الماء مشبهة بالعين من الحيوان بخروج الماء منها، كخروج الدمع من عين الحيوان وقد بينا ان اناسا لا واحد له من لفظه فيما مضى وإن الانسان لو جمع على لفظه لقيل اناسين واناسيه وقوم موسى هم بنو اسرائيل الذين قص الله عزوجل قصصهم في هذه الآيات.

وانما استسقى لهم ربهم الماء في الحال التي تاهوا فيها في التيه شكرا اليه الظما فامروا بحجر طوراني من الطور. فضربه موسى بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا لكل سبط عين معلومة ماؤها لهم.

وروي عن ابن عباس انه قال: ظلل عليهم الغمام في التيه وأنزل عليهم المن والسلوى وجعل لهم ثيابا لا تبلى ولا تتسخ وجعل بين ظهرانيهم حجر مربع وروي انه كان مثل شكل الرأس.

[270]

وامرموسى فضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا في كل ناحية منه ثلاثة عيون، ولا يرتحلون مرحلة إلا وجدوا ذلك الحجر بينهم في ذلك المكان الذي كان بينهم في المنزل الاول. وقيل إنهم كانوا ينقلونه معهم في الجوالق اذا احتاجوا إلى الماء.

ضربه موسى بالعصى فيه ففجر منه الماء وقال قوم بانه امر بان يضرب أي حجر شاء لا حجرا بعينه. والاول أظهر لان فيه لام التعريف.

والشين ساكنة في اثنتا عشرة عند جميع القراء. وكان يجوز كسرها في اللغة ولم يقرأ به احد.

والكسر لغة ربيعة، وتميم والاسكان: لغة اهل الحجاز واسد فاذا صغرت اثنتا عشرة قلت ثني عشرة واذا صغرت ثنى قلت ثنتي عشرة.

وروى فتحها محمد عن الاعمش. وهو غلط إلا إذا قيل عشرة مفرد فانه بفتح الشين.

فاما ما زاد على ذلك فالشين ساكنة، أو مكسورة إلا قولهم أحد عشر إذا بنيا معا. ونصب عينا على التمييز.

وعند الكوفيين على التفسير ولا ينبغي الوقف على احد الاسمين المجعولين اسما واحدا، دون الآخر: كقولك احد عشر، واثنا عشر، وما اشبه ذلك ولذلك يكره الوقف على العدد الاخير قبل ان يميزه، ويفسره وكذلك قوله: " خير ثوابا وخير مردا "(1) " ومل‌ء الارض ذهبا "(2) " وعدل ذلك صياما "(3) " وخير حافظا "(4) " واحسن ثوابا " واشباه ذلك ومن آيات الله العجيبة انفجار العيون من الحجر الصلد بعدد قبائل اسرائيل على وجه يعرف كل فرقة منهم شرب نفسه، فلا ينازعه فيه غيره.

وذلك من الامور الظاهرة. على أن فاعل ذلك هو الله تعالى وان ذلك لا يتم فيه حيلة محتال ولا كيد كائد. ومن استبعد ذلك من الملحدين فالوجه ان يتشاغل معه في الكلام في اثبات الصانع، وحدوث الصنعة، واثبات صفاته وما يجوز عليه، وما لايجوز فاذا ثبت ذلك سهل الكلام في ذلك. ومتى شك في ذلك، أو في شئ منه، كان الكلام معه في هذا الفرع ضربا

___________________________________

(1) سورة مريم: آية 77.

(2) سورة آل عمران: آية 91.

(3) سورة المائدة: آية 98.

(4) سورة يوسف آية 64.

[271]

من العناء لا وجه للتشاغل به.

وقوله هاهنا: " فانفجرت " لا ينافي قوله في الاعراف: " فانبجست " لان الانبجاس: هو الانفجار إلا أنه قليل وقيل: إنه لا يمتنع أن يكون أوله ما ينبجس، كان قليلا، ثم صار كثيرا، حتى صار انفجارا.

وقوله: " كلوا واشربوا من رزق الله " يعني من النعم التي عددها عليهم من المن والسلوى وغير ذلك.

وقوله: " ولا تعثوا في الارض مفسدين " أي لا تطغوا ولا تسعوا في الارض فسادا.

واصل العثا: شدة الفساد. يقال منه: عثا فلان في الارض إلى عاثية يعثأ. والجماعة يعثون.

وفيه لغتان أخريتان: احدهما - يعثو عثوا. ومن قرأ بهذه اللغة ينبغي أن يضم الثاء، ولم يقرأ به احد، واللغة الاولى: لغة اهل الحجاز.

وقال بنو تميم: عاث يعيث عيثا وعيوثا وعيثانا.

بمعنى واحد قال رؤبة بن العجاج:

وعاث فينا مستحل عائث *** مصدق أو تاجر مقاعث(1)

يعني بقوله: عاث فينا: افسد فينا.

وقيل: يعثو أصله العيث.

فقدموا بعض الحروف، واخروا بعضها. يقال: عثا يعثو.

وعاث يعيث وهو الفساد.

قال ابن اذينة الثقفي: وانما قال: " لا تعثوا في الارض مفسدين " وإن كان العيث لايكون إلا فسادا، لانه يجوز أن يكون فعلا ظاهره الفساد، وباطنه المصلحة: كخرق موسى السفينة، فبين ذلك العيث الذي هو الفساد ظاهرا وباطنا.

___________________________________

(1) ديوانه. مستحل: استباح الاموال.

مصدق: هو العامل الذي يجبي الحقوق من المسلمين.

قعث الشئ: استأصله في المخطوطة: " سحل " بدل مستحل " قاجر " بدل " تاجر " و " مباعث " بدل " مقاعث ".

[272]

قوله تعالى: وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الارض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو ادنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فان لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباء‌وا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله، ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون(61)

آية بلا خلاف.

القراء‌ة: قرأ اهل المدينة: النبيئين - بالهمز - الباقون بغير همزة. وترك الهمزة هو الاختيار.

اللغة: واختلفوا في اشتقاقه.

فقال بعضهم: من انبائك الامر: كأنه انبأ عن الله وأخبر عنه. فترك الهمز ذلك لكثرة ما يجزي.

وقال الكسائي: النبي: الطريق يراد به أنه علم وطريق إلى الحق. واصله من النبوة والنجوة: المكان المرتفع.

ومن قال: هو مشتق من الانباء، قال: جاء فعيل بمعنى مفعل: كما قال: سميع بمعنى مسمع.

كذلك قالوا: نبئ بمعنى منبأ، وبصير بمعنى مبصر. وابدل مكان الهمزة من النبئ الياء، فقالوا: نبي(1) هذا ويجمع النبي انبياء. وانما جمعوه كذلك، لانهم ألحقوا النبي بابدال الهمزة منه ياء. فالنعوت التي تأتي على تقدير فعيل من ذوات الياء والواو وذلك كقولهم: ولي واولياء.

ووصي واوصياء. ودعي وادعياء. لو جمعوه على اصله، والواحد بني ليعتل اليها، لان فعيلا تجمع فعلاء: كقولهم: سفيه وسفهاء وفقيه وفقهاء. وشريك وشركاء.

وقد سمع من العرب: النبآء. وذلك في لغة من همز النبي. ومن قول العباس بن مرداس السلمي في وصف النبي صلى الله عليه وآله ومدحه:

ياخاتم النبآء انك مرسل *** بالخير كل هدى السبيل هداكا(2)

___________________________________

(1) في المطبوعة " ما " زائدة في هذاالموضع.

(2) سيرة ابن هشام 4: 103 فاعل " هداك " هو الله سبحانه وتعالى في المخطوطة " الانبياء " بدل " النبآء وهو غلط وفي مجمع -. - البيان " النباء " بتشديد الياء. وعجزه في المخطوطة والمطبوعة هكذا: بالحق خير هدى الاله هداكا. ومثله في مجمع البيان.

[273]

فجمع على أن واحدهم نبئ - مهموز - وقد بعضهم: النبي والنبوة غير مهموزين، لانهما مأخوذان من النبوه. وهي مثل النجاة. وهما مأخوذان من المكان المرتفع. وكل يقول: إن اصل النبي: الطريق.

قال القطامي:

لما وردن نبيا واستتب بها *** مسحنفر كخطوط السيح منسحل(1)

قالوا: وسمي الطريق نبيا، لانه ظاهر مبين من النبوة قال ابوعلي الفارسي: قال ابوزيد: نبأت من ارض إلى أرض، وانا انبأ نباء ونبوء: إذا خرجت منها إلى أخرى.

وليس اشتقاق النبي من هذا - وان كان من لفظه - ولكنه من النبأ الذي هو الخبر. كأنه المخبر عن الله. فان قلت: لم لا يكون من النباوة ومما انشده ابوعثمان.

قال: انشديى ابن كيسان:

محض الضريبة في البيت الذي وضعت *** فيه النباوة حلوا غير ممذوق

او يجوز فيه الامرين؟ فتقول: إنه يجوز أن يكون من النباوة ومن النبأ كما أجيز في عضة أن يكون من الواو: كقوله وعضوات.

ومن الهاء كقوله: لها بعضاه الارض تهرير قال: ولبس ذلك كالعضة، لان سيبويه زعم أنهم يقولون في تحقير النبوة: كان مسيلمة بنبؤته نبيئة سوء.

وكلهم يقولون: تنبأ مسيلمة. ولو كان يحتمل الامرين جميعا، لما اجتمعوا على انبياء ولا على النبيئه.

فان قيل: فلم لا لا يستدل بقولهم: انبياء؟ قيل ما ذكرته لا يدل على تجويز الامرين، لان (انبياء) انما جاز، لان البدل لما الزم في نبئ، صار في لزوم البدل له: كقولهم عيد واعياد. فكما أن عيد لا يدل على أنه من الياء لكونه من عود الشئ. كذلك لا يدل انبياء على انه من النباوة، ولكن لما لزم البدل، جعل بمنزلة تقي واتقياء،

___________________________________

(1) الديوان: 4 والضمير في " وردن " للابل. وروايتة " واستتب بنا " ونبي: كثيب رمل في ديار بني تغلب. واستتب الامر: استوى. مسحنفر: صفة للطريق وهو الواسع. السيح: لباس مخطط. وسحلت الريح الارض: كشطت ما عليها.

والبيت في المخطوطة والمطبوعة هكذا:

لما وردت نبأ واسد لما *** مستحقر كخطوط النسج منسجل.

[274]

وصفي واصفياء.

فلما لزم، صار كالبرية، والخلية، ونحو ذلك، مما لزم الهمزة فيه حرف اللين بدلا من الهمزة، لما دل على أنه من الهمزة، وأنه لا يعترض عليه شئ وصار قول من حقق الهمزة في الشئ، كرد الشئ إلى الاصل المرفوع استعماله: نحو وذر وودع. فمن ثم كان التخفيف فيه الاكثر.

فاما ما روي في الحديث: من أن بعضهم قال: يا نبئ الله، فقال: لست بنبئ الله ولكني نبي الله قال: ابوعلي: اظن أن من اهل البقل من ضعف اسناده. ومما يقوي تضعيفه أن من مدح النبي " ص " فقال: يا خاتم النبآء لم يؤثر فيه انكار عليه. ولو كان في واحدة نكير، لكان في الجميع مثله، ثم بينا فيما مضى: أن الصبر كف النفس، وحبسها عن الشئ(1).

المعنى: فاذا ثبت ذلك. فكأنه قال: واذكروا إذ قلتم: يا معشر بني اسرائيل، لن نطيق حبس انفسنا على طعام واحد. وذلك الطعام هو ما اخبر الله عزوجل إذ أطعمهم في تيههم وهو السلوى في قول اهل التفسير وفي قول ابن منبه: الخبز النقي مع اللحم قيل: ادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت ألارض: من البقل، والقثأ، وما سماه الله مع ذلك وذكر انه سألوه لموسى وكان سبب مسألتهم ذلك ما رواه قتادة.

قال: كان القوم في البرية. وقد ظلل عليهم الغمام، وانزل عليهم المن والسلوى. فملوا ذلك وذكروا عينا كانت لهم بمصر فسألوا ذلك موسى. فقال الله تعالى: اهبطوا مصرا فان لكم ما سئلتم.

وانما قال مما تنبت الارض، لان (من) تدخل للتبعيض. ولو لم تدخل هاهنا لكانت المسألة تدخل على جميع ما تنبته الارض. فاتوا ب‍ (من) التي نابت مناب البعض حيث قامت مقامه، وفي الناس من قال: إن من هاهنا زائدة وانها تجري مجرى قولهم: ما جاء‌ني من احد والصحيح: الاول، لان من لا تزاد في الايجاب. وانما تزاد في النفي، ولان من المعلوم انهم ما ارادوا جميع ما تنبته الارض وجرى ذلك

___________________________________

(1) في تفسير سورة البقرة: آية 45. انظر 1: 201، 202..

[275]

مجرى قول القائل: أصبت اليوم من الطعام عند فلان. يريد أصبت شيئا منه.

وقوله " يخرج " جزم جواب الامر.

اللغة: والبقل، والقثاء معروفان. وفي القثاء لغتتان: ضم القاف، وكسرها. والكسر اجود. وهي لغة القرآن. وانما ذكر الله تعالى هذه الالفاظ وان لم تكن لائفة بفصاحة القرآن على وجه الحكاية عنهم.

واما القوم فقال ابن عباس وابو جعفر الباقر (ع) وقتادة والسدي: انه الحنطة.

وانشد ابن عباس: قول احيحه ابن الحلاج:

قد كنت اغنى الناس شخصا وافدا *** ورد المدينة عن زراعة قوم(1)

وقال الفراء: والجبائي والازهري: هو الحنطة والخبز: تقول العرب: فوموا بالتشديد اي اخبزوا لنا.

وقال قوم: في الحبوب التي تخبز وهو ماثور.

وقال ابن مجاهد وعطا وابن زيد: انه الخبز في قراء‌ة ابن مسعود. وهو قول الربيع بن انس والكسائي انه الثوم. وابدل الثاء فاء كما قالوا: جدث وجدف واثافي واثاثي.

قال: الفراء: وهذا اشبه بما بعده من ذكر البصل.

قال امية بن ابي الصلت:

فوق شرى مثل الجوابي عليها *** قطع كالوذيل في نفي فوم

وقال ايضا:

كانت منازلهم اذ ذاك ظاهرة *** فيها الفراديس والفومان والبصل(2)

قال الزجاج وهذا بعيد، لانه لايعرف الثوم بمعنى الفوم، لان القوم لا يجوز ان يطلبوا الثوم ولا يطلبون الخبز الذي هو الاصل. وايضا.

___________________________________

(1) هكذا في المطبوعة والمخطوطة ومجمع البيان.

وفي لسان العرب: لابي محجن الثقفي وروايته:

قد كنت أحسبني كأغنى واحد *** نزل المدينة عن زراعة فوم(2)

اللسان:

(فوم) وروايته كانت لهم جنة اذ ذاك ظاهرة *** فيها الفراديس والفومان والبصل

فراديس ج فردوس.

[276]

فلا خلاف أن الفوم: هو الطعام، وان كان كل حب يخبز منه يقال: له فوم.

وقوله: " أتستبدلون الذي هوادني بالذي هو خير "

المعنى: قيل فيه قولان: احدهما - الذي هو ادنى الطعامين بدلا من اجودهما. والثاني - الذي تتبدلون في زراعته وصناعته بما اعطاكم الله عفوا من المن والسلوى. وقرا بعضهم: ادنى مهموزا.

وقال بعض المفسرين: لولا الرواية لكان هو الوجه لانه من قولك: رجل دنئ من الدناء‌ة. وما كنت دنيئا ولكنك دنئت اي خسست واذا قرئ بلا همز فمعناه: القرب. وليس هذا موضعه، ولكنه موضع الخساسة. ولو كان ما سألوه أقرب اليهم، لما سألوه، ولا التمسوه. ويجوز أن يجعل ادنى واقرب بمعنى: ادون: كما تقول هذا شئ مقارب اى دون.

وحكى الازهري عن ابي زيد (الداني) بلا همز: الخسيس. والدنئ بالهمز: - الماجن(1).

وقوله: " اهبطوا مصرا " تقديره: فدعى موسى فاستجنا له، فقلنا لهم: اهبطوا مصرا. وقد تم الكلام، لان الله اجابهم بقوله: " فان لكم ما سألتم. وضربت.. " ثم استأنف حكم الذين اعتدوا في السبت، ومن قتل الانبياء فقال: " ضربت عليهم الذلة والمسكنة.

" القراء‌ة: ونون جميع القراء " مصرا ". وقرأ بعضهم بغير تنوين. وهي قراء‌ة ابن مسعود. بغير الف.

وقال قتادة، والسدي، ومجاهد، وابن زيد: لانه اراد مصرا من غير تعيين لان ما سألوه من البقل والقثاء لا يكون إلا في الامصار، وقال الحسن وابوالعالية، والربيع: إنه اراد مصر فرعون الذي خرجوا منه، وقال ابومعلم

___________________________________

(1) في المطبوعة (الماجر). والماجن: خبيث البطن والفرج..

[277]

محمد بن بحر: اراد بيت المقدس لقوله " ادخلوا الارض المقدسة التي كتب الله لكم ".

اللغة: وروي ذلك عن ابن زيد. واما اشتقاق مصر فقال بعضهم هو من القطع لانقطاعه بالعمارة.

ومنهم من قال هو مشتق من الفصل بينه وبين غيره.

قال عدي ابن زيد:

وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به *** بين النهار وبين الليل قد فصلا(1)

ومن نون أراد مصرا من الامصار غير معين. ويجوز أيضا أن يريد مصرا بعينه الذي خرجوا منه. وإنما نون إتباعا للمصحف، لان في المصحف بألف: كما قرأ: " قواريرا قواريرا "(2) منونا اتباعا لخط المصحف. ومن لم ينون اراد مصر بعينها لا غير. وكل ذلك محتمل.

وقوله: " ضربت عليهم الذلة والمسكنة " استئناف كلام. بما فعل الله بهم يعني بالذين اعتدوا في السبت، وقتلوا الانبياء.

ومعنى " ضربت ": أي فرضت ووضعت عليهم الذلة، والزموها من قول القائل: ضرب الامام الجزية على اهل الذمة. وضرب فلان على عبده الخراج. وضرب الامير على الجيش البعث. يريد بجميع ذلك ألزم ذلك. وبه قال الحسن، وقتادة.

وقيل: معنى " ضربت عليهم ": أي حلوا بمنزلة الذل والمسكنة. مأخوذ من (ضرب القباب).

قال الفرزدق في جرير:

ضربت عليك العنكبوت بنسجها *** وقضى عليك به الكتاب المنزل

___________________________________

(1) اللسان: مادة (مصر). وروايته (جعل) بدل (جاعل)(2) سورة الانسان: آية 15. 16.

[278]

وأما " الذلة ": فقال الحسن وقتادة، وغيره: (يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون)(1) (والذلة) مشتق من قولهم: ذل فلان يذل ذلا وذلة.

واما المسكنة: فهي مصدر التسكين.

يقال: ما فيهم أسكن من فلان. وما كان سكينا، ولكن تمسكن تمسكنا.

ومنهم من يقول: تسكن تسكنا. والمسكنة هاهنا مسكنة الفاقة والحاجة: وهي خشوعها وذلها. تقول: ما في بني فلان اسكن من فلان: أي افقر منه. وهو قول ابي العالية والسدي.

وقال ابن زيد: المعني يهود بني اسرائيل. أبدلهم الله (تعالى بالعز ذلا، وبالنعمة بؤسا، وبالرضا عنهم غضبا، جزاء منه بما كفروا بآياته، وقتلهم(2) انبياء‌ه ورسله اعتداء وظلما.

وقوله: " وباعوا بغضب من الله ": أي انصرفوا ورجعوا. ولا يقال: باء إلا موصولا: إما بخير واما بشر. واكثر ما يستعمل في الشر.

كذا قال الكسائي.

ويقال: باء بدينه يبوء به بوء ومنه قوله تعالى: " أريد أن تبوء باثمي واثمك " يعني ترجع. بما قد صار عليك دوني فمعنى الكلام: ارجعوا منصرفين متحملين غضب الله.

وروي أن رجلا جاء برجل إلى النبي " ص "، فقال: هذا قاتل أخي، وهو بواء به: أي مقتوله به ومنه قول ليلى الاخيلية:

فان تكن القتلى بواء فانكم *** فتى ما قتلتم آل عوف بن عامر

وقال الزجاج: أصل ذلك التسوية. ومعنى ذلك أنهم تساووا بغضب من الله ومنه ما روي عن عبادة بن الصامت.

قال: جعل الله تعالى الانفال إلى نبيه، فقسمها بينهم على بواء أي: على سواء بينهم في القسم.

ومنه قول الشاعر:

فيقتل خيرا بامرئ لم يكن به *** بواء ولكن لا نكايل بالدم

والاصل: الرجوع. على ما ذكرناه.

وقال قوم: هو الاعتراف، ومعناه:

___________________________________

(1) ما بين القوسين زدناهم عن تفسير الطبري.

ومنه: الذلة الصغار انظر سورة التوبة 29 في المطبوعة والمخطوطة حصل سقط في هذا المكان وهذا ما فيهما (أى يجزيه الصغاد مشتق من..).

(2) في المطبوعة (وقتله).

[279]

انهم اعترفوا بما يوجب عليهم غضب الله.

ومنه قول الشاعر:

إني ابوبعثرتي وخطيئتي *** ربي وهل إلا إليك المهرب

وأما الغضب.

قال قوم: ما حل بهم من البلاء والنقمة في دار الدنيا بدلا من الرخاء والنعمة.

وقال آخرون: هو ما بينا لهم في الآخرة من القاب على معاصيهم.

وقوله: " ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله " إشارة إلى ما تقدم ذكره من ضرب الذلة والمسكنة، وإحلال غضبه بهم، لانه يشتمل على جميع ذلك ومعنى " بأنهم " أي لاجل أنهم كانوا يكفرون بآيات الله، فعلنا(1) بهم ما فعلنا من انواع العذاب.

وقوله: " يقتلون النبيين بغير الحق " لا يدل على أنه قد يصح أن يقتلوهم بحق، لان هذا خرج مخرج الصفة لقتلهم. وانه لا يكون إلا ظلما بغير حق: كما قال: " ومن يدع مع الله إله آخر لا برهان له به "(2) وكما قال: " رب احكم(3) بالحق ".

وكما قال الشاعر: على لا حب لا يهتدي بمناره ومعناه ليس هناك منار يهتدى به. ومثله كثير.

وقوله: " ذلك بما عصوا " إشارة إلى ما انزل الله من الذلة والمسكنة بما عصوا من قتلهم الانبياء وعدوهم في السبث وغير ذلك.

وقيل معناه: نقض العهد. وكانوا يعتقدون في قتل الانبياء.

انه روي انهم كانوا اذا قتلوا النبي في أول النهار قامت سوق بقتلهم في آخره.

وانما خلى الله بين الكافرين، وقتل الانبياء، لينالوا من رفيع المنازل مالم ينالوه بغيره وليس ذلك بخذلان لهم كما فعل بالمؤمن من أهل طاعته.

وقال الحسن: ان الله تعالى ما امر نبيا بالحرب الا نصره. فلم يقتل: وانما خلى بينه وبين قتل من لم يؤمر(4) بالقتال من الانبياء. والذي نقوله: إن النبي

___________________________________

(1) في المطبوعة (فعلناه).

(2) سورة المؤمنون آية 118.

(3) سورة الانبياء آية 112.

(4) في المخطوطة والمطبوعة " يؤمن ".

[280]

ان كان لم يؤد الشرع، لا يجوز أن يمكن الله من قتله، لانه لو مكن(1) فقتل لادى إلى ان تزاح علل المكلفين فيما لهم من الالطاف، والمصالح فاذا أدوا الشرع، جاز حينئذ أن يخلي بينهم، وبين من قتلهم، لانه لا يجب المنع منه.

وروى ابوهريرة عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: اختلف بنو اسرائيل بعد موسى بخمسمائة سنة، حتى كثر منهم أولاد السبايا واختلفوا بعد موسى بماتي سنة والاعتداء تجاوز الحد الذي حده الله لعباده إلى غيره وكل متجاوز حد شئ إلى غيره فقد تعداه إلى ما تجاوز اليه فمعنى الكلام فعلت بهم ما فعلت من ذلك بما عصوا امري وتجاوزوا حده إلى ما نهيتهم عنه.

قوله تعالى: ان الذين امنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم اجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون(62)

آية واحدة.

القراء‌ة: قرأ نافع بترك الهمز من الصابئين، وجميع القراء الباقون يهمزون اما " الذين آمنوا " وهم المصدقون برسول الله صلى الله عليه وآله بما اتاهم من الحق من عند الله. واما الذين هادوا فهم اليهود.

اللغة: ومعنى هادوا: تابوا.

يقال: هاد القوم يهودون هودا، وهيادة وقال ابن جريج: إنما سميت اليهود يهودا، لقولهم: انا هدنا اليك.

قال أعرابي يؤخذ بقوله: على ما قال ابوعبيدة: فاني من مدحه هائد أي تائب.

وقيل: انما سموا يهودا، لانهم نسبوا إلى يهوذا أكبر أولاد يعقوب فعربت الذال دالا.

وقال زهير: في معنى الرجوع:

___________________________________

(1) في المخطوطة والمطبوعة " مكنه ".

[281]

سوى مرجع لم يات فيه مخافة *** ولا رهقا من عابد متهود(1)

أي تائب فسميت اليهود يهودا، لتوبتهم من عبادة العجل.

واصل الهود:(2) الطمانينة. ويخبر به عن لين السير. ومنه الهوادة: وهي السكون.

قال الحسين بن علي المغربي انشدني ابورعاية السلمي، وهو من افصح بدوي أطاف بنا، واغزرهم رواية:

صباغتها من مهنة الحي بالضحى *** جياد المداري حالك اللون اسودا

اذا نفضتة مال طورا بجيدها *** وتمثاله طورا باغيدا فودا

كما مال قنوا مطعم هجرية *** اذا حركت ريح ذرى النخل هودا

المطعم: النخلة. شبه شعرها باقناء البسر. هود تحرك تحريكة لينة.

قال زهير: ولارهقا من عايد متهود وليس اسم يهود مشتقا من هذا.

والنصارى جمع نصران كقولهم سكران وسكارى. ونشوان ونشاوى.

هذا قول سيبويه: قال الشاعر:

تراه اذا كان العثي محنفا *** يضحي لديه وهو نصران شامس(3)

وقد سمع في الانثى نصرانة قال الشاعر:

وكلتاهما خرت واسجد رأسها *** كما سجدت نصرانة لم تحنف(4)

وقد سمع في جمعهم انصار بمعنى النصارى قال الشاعر:

لما رأيت نبطا انصارا *** شمرت عن ركبتي الازارا

كنت لهم من النصارى جارا

والمشهور أن واحد النصارى نصري: مثل بعير مهري ومهارى. وانما سموا نصارى، لنصرة بعضهم بعضا. دليله الآيات التي ذكرناها. وقيل انما سموا بذلك

___________________________________

(1) اللسان: هود. وروايته: سوى ربع لم يأت فيها مخافته. الخ وفي مجمع البيان " مربع " بدل مرجع.

(2) في المطبوعة " اليهود ".

(3) لم نعرف قائله. " محنفا " صار إلى الحنيفية. شامس: مستقبل الشمس.

(4) اللسان: نصر وروايته " فكلتاهما " و " لسجدت " وفي تفسير الطبري دار المعارف - تعليقة الاستاذ محمود محمد شاكر ذكر البيت في مادة صنف من اللسان وهو غلط والصحيح ما ذكرنا.

في المطبوعة والمخطوطة " جرت " بدل " خزت " وهو تحريف.

البيت الاول اللسان: نصر والكل في امالي الشجري: 79 و 371..

[282]

لانهم نزلوا ارضا يقال لها: ناصرة. وكان يتزلها عيسى فنسب اليها، فقيل عيسى الناصري، ثم نسب اصحابه اليه فقيل النصارى، وهذا قول ابن عباس، وقتادة، وابن جريج.

وقيل: إنهم سموا بذلك، لقوله: " من انصاري إلى الله "(1) والصابئون جمع صابئ: وهو من انتقل من دينه إلى دين آخر كالمرتد من اهل الاسلام. وكل خارج من دين كان عليه إلى آخر يسمى صابئا قال ابوزيد: صبا فلان في دينه يصبا صبوا اذ كان صابئا وصبأ تاب الصبي يصبوا صبوا: اذا كان طلع.

وقال الزجاج: صبأت النجوم: اذا ظهرت.

وقال ابوزيد: صبوت اليهم تصبأ صبأ وصبوء: إذا طلعت عليهم، وكان معنى الصابئ التارك دينه الذي شرع له إلى دين غيره: كما قال: ان الصابئ على القوم تارك لارضه ومنتقل إلى سواها. فالدين الذي فارقوه هو تركهم التوحيد إلى عبادة لنجوم، أو تغطيتها.

وقال نافع هو مأخوذ من قولهم: صبا يصبوا اذا مال إلى الشئ، واحبه ولذلك لم يهمز قال الشاعر: صبوت اياديب وانت كبير قال ابوعلي الفارسي: هذا ليس بجيد، لانه قد يصبو الانسان إلى دين فلا يكون منه مدين به مع صبوه اليه فاذا كان هذا هكذا، وكان الصابئون منتقلين من دينهم الذي اخذ عليهم إلى سواه، وجب ان يكون مأخوذا من صبأت الذي هو الانتقال.

ويكون الصابئون على قلب الهمزة، وقلب الهمزة على هذا الحد، لا يجيزه سيبويه إلا في الشعر ويجيزه غيره فهو على قول من اجاز ذلك. وممن اجاز ذلك ابوزيد. وحكي عنه انه قال لسيبويه: سمعت قربت واخطيت قال فكيف تقول في المضارع قلت: اقرأ فقال حسبك أو نحو هذا.

قال ابوعلي يريد سيبويه ان قريت مع اقرأ لا ينبغي، لان قريت اقرأ على الهمز وقريت على القلب، فلا يجوز ان تغير بعض الامثله دون بعض. فدل على ان القائل لذلك غير فصيح، فانه غلط في لغته.

وقال قتادة والبلخي: الصابئون قوم معرفون لهم مذهب ينفردون به، من عبادة النجوم.

___________________________________

(1) سورة؟؟؟ آية 14.

[283]

وهم مقرون بالصانع وبالمعاد وببعض الانبياء.

وقال مجاهد والحسن وابن ابي نجيح: الصابئون بين اليهود والمجوس لا دين لهم.

وقال السدي: هم طائفة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور وقال الخليل: هم قوم دينهم شبيه بدين النصارى إلا ان قبلتهم نحو مهب الجنوب. خيال منصف النهار، ويزعمون انهم على دين نوح.

وقال ابن زيد: الصابئون هو اهل دين من الاديان كانو بالجزيرة: جزيرة الموصل، يقولون لا إله إلا الله ولم يؤمنوا برسول الله " ص "، فمن اجل ذلك كان المشركون يقولون للنبي " ص " واصحابه: هؤلاء الصابئون: يشبهونهم بهم.

وقال آخرون: هم طائفة من اهل الكتاب.

والفقهاء باجمعهم يجيزون اخذ الجزية منهم. وعندنا لا يجوز ذلك، لانهم ليسو اهل الكتاب.

وقوله: " من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم اجرهم عند ربهم ".

المعنى: تقول: من صدق بالله وأقر بالبعث بعد الممات يوم القيامة وعمل صالحا واطاع الله فلهم اجرهم عند ربهم: يعني ثواب عملهم الصالح فان قيل: فاين تمام قوله: ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين - قيل تمامه جملة قوله تعالى: من آمن بالله واليوم الآخر: لان معناه: من أمن منهم بالله واليوم الآخر، وترك ذكر منهم لدلالة الكلام عليه.

ومعنى الكلام: ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من يؤمن منهم بالله واليوم الآخر فلهم اجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم.

وقوله: " من آمن بالله واليوم الآخر ".

الاعراب: في الناس من قال: هو خبر عن الذين هادوا والنصارى والصابئين: لان الذين آمنوا كانوا مؤمنين فلا معنى حينئذ ان يقول من آمن وهو نفسهم.

[284]

ومنهم من قال: هو راجع إلى الكل ويكون رجوعه على الذين آمنوا على وجه الثبات على الايمان والاستدامة، وترك التبديل والاستبدال به. وفى الدين هادوا والنصارى والصابئين: استئناف ايمان بالنبي " ص " وما جاء به.

وقوله: " من آمن بالله " فوحد الفعل ثم قال فلهم اجرهم، لان لفظة (من) وان كانت واحدة، فمعناها يكون للواحد والجمع والانثى والذكر. فان ذهب إلى اللفظ وحد. وان ذهب إلى المعنى جمع كما قال: " ومنهم من ينظر اليك افأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون "(1) فجمع مرة مع الفعل لمعناه ووحد اخرى على اللفظ.

قال الشاعر:

ألما بسلمى عنكما إن عرضتما *** وقولا لها: عوجي على من تخلفوا(2)

فجمع الفعل لانه جعل من بمنزلة الذين وربما كان لاثنين وهو ابعد وما جاء فيه.

قال الفرزدق:

تعال فان عاهدتني لا تحونني *** نكن مثل من ياذئب يصطحبان(3)

قوله: " من آمن بالله واليوم الآخر "

النزول: قال السدي: نزلت في سلمان الفارسي واصحابه النصارى الذين كان قد تنصر على ايديهم قبل مبعث رسول الله " ص ". وكانوا قد أخبروه بأنه سيبعث، وانهم يؤمنون به إن أدركوه.

وروي عن ابن عباس: أنها منسوخة بقوله تعالى: " ومن يبتغ غير الاسلام دينا، فلن يقبل منه "(4).

وهذا بعيد، لان النسخ لا يجوز أن يدخل في الخبر الذي يتضمن الوعيد. وانما يجوز دخوله فيما طريقه الاحكام الشرعية التي يجوز تغييرها

___________________________________

(1) سورة يونس آية: 43.

(2) ديوان امرئ القيس. ومنهم من نسبه لرجل من كندة. في المخطوطة والمطبوعة (عظيما) بدل (عرضتما).

(3) ديوانه. الكامل 1. 216 من قصيدة قالها عندما اسنتضافه الذئب فأقراه في المخطوطة والمطبوعة " تعيش " بدل " تعال " وفي بعض المصادر الاخرى " تعشى ".

(4) سورة آل عمران آية: 85.

[285]

وقال قوم: إن حكمها ثابت.

والمراد بها: ان الذين آمنوا بأفواههم، ولم تؤمن قلوبهم من المنافقين هم واليهود، والنصارى، والصابئين إذا آمنوا بعد النفاق، واسلموا عند العناد، كان لهم أجرهم عند ربهم: كمن آمن في أول الاسلام من غير نفاق، ولا عناد، لان قوما من المسلمين قالوا: إن من أسلم بعد نفاقه، وعناده كان أجره اقل وثوابه انقص.

وأخبر الله بهذه الآية أنهم سواء في الاجر والثواب.

واولى الاقاويل ما قدمنا ذكره.

وهو المحكي عن مجاهد والسدي: ان الذين آمنوا من هذه الامة، والذين هادوا، والنصارى، والصابئين من آمن من اليهود، والنصارى، والصابئين بالله واليوم الآخر، فلهم اجرهم عند ربهم ولاخوف عليهم ولا هم يحزنون، لان هذا اشبه بعموم اللفظ. والنخصيص ليس عليه دليل.

وقد استدلت المرجئة بهذه الآية على أن العمل الصالح، ليس من الايمان، لان الله تعالى أخبرهم عنهم بأنهم آمنوا، ثم عطف على كونهم مؤمنين. أنهم إذا عملوا الصالحات ما حكمها.

قالوا: ومن حمل ذلك على التأكيد أو الفضل، فقد ترك الظاهر. وكل شئ يذكرونه مما ذكر بعد دخوله في الاول مما ورد به القرآن: نحو قوله: " فيهما فاكهة ونخل ورمان "(1).

ونحو قوله: " وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم، منك ومن نوح "(2).

ونحو قوله: " والذين كفروا وكذبوا بآياتا ".

وقوله: " الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله "(3).

قالوا: جميع ذلك مجاز. ولو خلينا والظاهر، لقلنا: إنه ليس بداخل في الاول.

فان قالوا: أليس الاقرار، والتصديق من العمل الصالح؟ فلابد لكم من مثل ما قلناه، قلنا عنه جوابان: احدهما - ان العمل لا يطلق الا على افعال الجوارح، لانهم لا يقولون: عملت بقلبي، وانما يقولون: عملت بيدي او برجلي.

والثاني - ان ذلك مجاز، وتحمل عليه الضرورة. وكلامنا مع الاطلاق.

___________________________________

(1) سورة الرحمان آية 8.

(2) سورة الاحزاب آية 7.

(3) سورة محمد آية 1.

[286]

وقوله: " فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ": يعني لا خوف عليهم مما قدموا عليه من اهوال القيامة. ولا هم يحزنون على ما خلفوا وراء‌هم من الدنيا عند معاينتهم ما اعد لهم من الثواب، والنعيم المقيم عنده وقبل: انه لا يحزنون من الموت.

قوله تعالى: واذ اخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون(63)

آية بلا خلاف.

تقديره: واذكروا إذ أخذنا ميثاقكم.

اللغة: الميثاق: المفعال من الوثيقة، واما بيمين، واما بعهد وغير ذلك من الوثائق. والميثاق الذي اخذه الله هو الذي ذكره في قوله: " واذ اخذنا ميثاق بني اسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين احسانا "(1) في الآيات التي ذكر بعدها.

ويحتمل ان يكون اراد الميثاق الذي اخذ الله على الرسل في قوله: " واذ اخذنا من النبيين ميثاقهم "(2).

وقوله: " واذ اخذ الله ميثاق النبيين لما اتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاء‌كم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال اقررتم واخذتم على ذلكم اصري "(3) وقد بينا ان اخذ العهد هو ما نصب لهم من الحجج الواضحة، والبراهين الصحيحة الدالة على توحيده، وعدله، وصدق انبيائه ورسله.

وافسدنا ما يقوله اهل الحشو: من استخراج الذرية من ظهر آدم، واخذ العهد عليهم بما لا يحتاج إلى اعادته.

وقوله: " ورفعنا فوقكم الطور ".

قال مجاهد: الطور هو الجبل. وكذلك هو في اللغة.

وقال العجاج:

دانى جناحيه من الطور فمر *** تقضي البازي اذا البازي كسر(4)

___________________________________

(1) سورة البقرة آية 83.

(2) سورة الاحزاب: آية 7.

(3) سورة آل عمران: آية 187.

(4) ديوانه دانى جناحيه: ضم جناحيه.

تقضى: اصلها تقضض، وتقضض الطائر: هوى في طيرانه.

والبازي: ضرب من الصقور: كسر الطائر جناحية ضمهما قليلا يريد النزول..

[287]

وقيل: إنه اسم جبل بعينه. ناجى الله عليه موسى بن عمران.

ذهب اليه ابن عباس وابن جريج.

وقيل: انه من الجبال التي تنبت دون ما لا تنبت(1).

رواه الضحاك عن ابن عباس وقال قتادة " ورفعنا فوقكم الطور " قال: الطور الجبل اقتلعه فرفعه فوقهم.

فقال: " خذوا ما اتيناكم بقوة " وقال مجاهد: الطور اسم جبل بالسريانية وقال قتادة: بالعربية.

وقال قوم من النحويين: معنى خذوا تقديره ورفعنا فوقكم الطور وقلنا لكم خذوا ما اتيناكم يعني التوراة بقوة. اي بجد ويقين، لاشك فيه والا قذفناه(2) عليكم كما تقول: اوجبت عليه قم(3) اي اوجبت عليه فقلت(4) قم.

وقال الفراء: اخذ الميثاق: قول بلا حاجة بالكلام إلى اضمار قول.

فيكون من كلامين. غير انه ينبغي لكل ما خالف القول من الكلام الذي هو بمعنى القول، أن تكون معه أن كما قال تعالى: " انا ارسلنا نوحا إلى قومه ان انذر قومك "(5) قال ويجوز حذف أن ومعنى " ما اتيناكم " أي اعطيناكم لان الايتاء هو الاعطاء. يعني ما امرناكم به في التوراة. " بقوة ": أي بجد ويقين على ما بيناه.

وهو قول ابن عباس وقتادة، والسدي.

وقال ابوالعالية والربيع بن انس: بطاعة الله وقال مجاهد: إنه العمل بما فيه وحكي عن ابن الجران معناه: القبول: وقال: ابوعلي: " بقوة " معناه: بالقدرة التي جعلنا فيكم. وذلك دلالة على ان القدرة قبل الفعل.

ومعنى اذكروا ما فيه.

قال قوم: احفظوه، لاتنسوه.

وقال آخرون: اعملوا بما فيه ولا تتركوه.

والمعنى في ذلك ان ما اتيناكم فيه من وعد ووعيد، وترغيب وترهيب اعتبروا به، واقبلوه وتدبروه، كي اذا فعلتم ذلك تتقوني وتخافوا عذابي بالاصرار على ضلالتكم فنتهوا إلى طاعتي فتنزعوا عما انتم عليه من المعصية.

___________________________________

(1) وهذا معنى اصطلاحي منقول عن ابن عباس كما ترى لا كما توهمه الاستاذ محمود محمد شاكر في حاشيته على تفسير الطبري 2، 157. هذا نص حاشيته " هذا قول لم أجده في كتب اللغة في مادته.

"(2) في المخطوطة والمطبوعة " قدمناه " وهو تصحيف.

(3 و 4) في المطبوعة " قمر ".

(5) سورة نوح آية 1.

[288]

قوله تعالى: ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين(64)

آية.

قوله توليتم: اعرضتم ووزنه: تفعلتم من قولهم ولاني فلان دبره: اذا استدبر عنه وجعله خلف ظهره. ثم يستعمل ذلك في كل تارك طاعة آمر ومعرض بوجهه.

يقال: فلان تولى عن طاعة فلان، ويتولى عن مواصلته وصداقته، ومنه قوله: " فلما اتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهو معرضون "(1) يعني خالفوا ما وعد الله من قوله: " لئن اتانا الله امن فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين "(2) ونبذوا ذلك وراء ظهورهم فصار معنى الآية انكم نبذتم العهد الذي اخذناه عليكم بعد اعطائكم المواثيق.

وكنى بذلك عن جميع ما تقدم ذكره في الآية، ثم قال: " فلولا فضل الله عليكم " يعني فلولا ان فضل الله عليكم بالتوبة بعد نكثكم الميثاق الذي واثقتموه اذ رفع فوقكم الطور فاجتهدتم في طاعته، واداء فرائضه، وانعم عليكم بالاسلام، وبرحمته التي رحمكم بها، فتجاوز عن خطيئتكم بمراجعتكم(3) طاعة ربكم لكنتم من الخاسرين.

وهذا وان كان خطابا لمن كان بين ظهراني مهاجر رسول الله " ص " فانما هو خبر عن اسلافهم. فاخرج الخبر مخرج الخبر عنهم. على نحو ما مضى ذكره.

وقال قوم: الخطاب في هذه الآية انما اخرج باضافة الفعل إلى المخاطبين والفعل لغيرهم لان المخاطبين انما كانوا يتولون من كان فعل ذلك من اوائل بني اسرائيل، فصيرهم الله منهم، من اجل ولايتهم لهم.

وقال بعضهم: انما قال لهم ذلك، لان سامعيه كانوا عالمين.

وان الخطاب خرج مخرج الخطاب للاحياء من بني اسرائيل، واهل الكتاب - وان كان المعنى في ذلك انما هو خبر عما مضى من اسلافهم - ومثل ذلك قول الشاعر:

___________________________________

(1) سورة التوبة: آية 77.

(2) سورة التوبة آية 76.

(3) في المطبوعة " ثم احفتكم " والمخطوطة " احفتكم " وهو تحريف فاحش.

[289]

اذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة *** ولم تجدي من ان تقري به بدا(1)

فقال: اذا ما انتسبنا. واذا تقتضي من الفعل مستقبلا.

ثم قال: لم تلدني فاخبر عن ماض، لان الولادة قد مضت لان السامع فهم معناه - والاول اقوى وقال ابوالعالية: فضل الله الاسلام ورحمته القرآن.

وقوله: " فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين ".

لا يدل على ان الذين خسروا، لم يكن عليهم فضل الله لان فضل الله شامل لجميع الخلائق، لان ذلك دليل خطاب. وليس ذلك بصحيح عند الاكثر، والذي يكشف عن ذلك، ان الواحد منا قد يعطي اولاده وعبيده يتفضل على جميعهم ثم يبذره بعضهم ويبقى فقيرا. ويحفظه آخر فيصير غنيا، ويحسن ان يقول للغني منهم لولا فضلي عليك لكنت فقيرا. ولا يدل على انه لا يتفضل على الذي هو فقير.

واذا كان كذلك كان تأويل الآية انه لولا اقداري لكم على الايمان وازاحة علتكم فيه حتى فعلتم ايمانكم، لكنتم من الخاسرين. وانما جعل الايمان فضلا فيؤتيه الذين به ينجون ولم يكونوا خاسرين من حيث كان هو الداعي اليه والمقدر عليه، والمرغب اليه.

ويحتمل ان يكون المعنى: ولولا فضل الله عليكم بامهاله اياكم بعد توليكم عن طاعته حتى تاب عليكم برجوع بعضكم عن ذلك وتوبته لكنتم من الخاسرين.

ويحتمل ان يكون اراد بهذا الفضل في وقت رفع الجبل فوقهم باللطف والتوفيق الذي تابوا عنده حتى زال عنهم العذاب وسقوط الجبل، ولولا فضل الله: لسقط الجبل.

قوله تعالى: ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين(65)

آية.

المعنى: علمتم أي عرفتم هاهنا.

___________________________________

(1) معاني الفراء. قائله زائدة بن صعصعة الفقعسي.

[290]

فقوله: علمت اخاك ولم اكن اعلمه: أي عرفته ولم اكن اعرفه كقوله تعالى: " واخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم "(1) يعني لا تعرفونهم الله يعرفهم. والذين نصب، لانه مفعول به.

اعتدوا: أي ظلموا وجاز واما حدلهم، وكانوا امروا ألا يعدوا في السبت، وكانت الحيتان تجتمع، لامنها في السبت فحبسوها في السبت واخذوها في الاحد.

واعتدوا في السبت، لان صيدها هو حبسها وقال قوم: بل اعتدوا فصادوا يوم السبت وسمي السبت سبتا لان السبت هو القطعة من الدهر فسمي بذلك اليوم، هذا قول الزجاج وقال ابوعبيدة: سمي بذلك: لانه سبت خلق فيه كل شئ: اي قطع وقوع.

وقال قوم سمي بذلك لان اليهود يسبتون فيه: اي يقطعون الاعمال.

وقال آخرون: سمي بذلك، لما لهم فيه من الراحة، لان اصل السبت هو السكون والراحة.

ومن ذلك قوله: " وجعلنا نومكم سباتا "(2)، وقيل للنائم مسبوت لاستراحته وسكون جسده فسمي به اليوم، لاستراحة اليهود فيه.

وقوله: " فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ".

اخبار عن سرعة فعله ومسخه اياهم. لا أن هناك امرا كما قال للسموات والارض " اتيا طوعا او كرها قالتا اتينا طائعين "(3). ولم يكن هناك قول، وانما اخبر عن تسهل الفعل عليه وتكوينه له بلا مشقة، بلفظ الامر.

ومعنى الآية على ما قاله اكثر المفسرين: انه مسخهم قردة في صورة القردة سواء.

وحكي عن ابن عباس: انه قال: لم يعش مسخ قط اكثر من ثلاثة ايام. ولم يأكل ولم يشرب.

وقال مجاهد: إن ذلك مثل ضربه الله، كما قال: " كمثل الحمار يحمل اسفارا "(4). ولم يمسخهم قردة.

وحكي عنه ايضا: انه قال مسخت قلوبهم فجعلت كقلوب القردة لا تقبل وعظا ولا تقي زجرا.

وهذان القولان منافيان لظاهر

___________________________________

(1) سورة الانفال آية: 61.

(2) سورة عم آية: 9.

(3) سورة حم - السجدة آية: 11.

(4) سورة الجمعة آية: 5.

[291]

التأويل: لما عليه اكثر المفسرين من غير ضرورة داعية اليه.

وقوله: " خاسئين ": اي مبعدون، لان الخاسئ هو المبعد المطرود كما يخسأ الكلب.

تقول: منه خسأه اخسؤه خس‌ء وخسيا هو يخسو خسوا.

يقال: خسأته فخسأ وانخسأ.

قال الراجز: كالكلب ان قلت له اخسا انخسا(1) اي إن طردته، انطرد.

وقال مجاهد معناه، اذلاء صاغرين.

والمعنى قريب.

وفي هذه الآيات احتجاج من الله تعالى بنعمه المترادفة واخبارا للرسول عن عناد اسلافهم وكفرهم مرة بعد اخرى مع ظهور الايات والعلامات، تعزية له " ص " وتسلية له عند ما رأى من جحودهم، وكفرهم وليكون وقوفه على ما وقف عليه من اخبارهم حجة عليهم وتنبيها لهم وتحذيرا ان يحل بهم مما حل بمن تقدمهم من آبائهم واسلافهم.

قوله تعالى: فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين(66)

آية بلا خلاف

المعنى: الضمير في قوله: " فجعلناها " يحتمل ان يكون راجعا إلى العقوبة او القردة فكأنه قال: جعلنا القردة، اي ما حل بها من التشويه وتغيير الخلفة، دلالة على ان من تقدمهم او تأخر عنهم. فمن فعل مثل فعلهم يستحق من العقاب مثل الذي نزل بهم نكالا لهم جميعا وموعظة للمتقين: اي تحذيرا وتنبيها، لكيلا يواقعوا من المعاصي ما واقع أولئك فيستحقوا ما استحقوا - نعوذ بالله من سخطه - ويحتمل ان تكون (الهاء) راجعة إلى الحيتان.

ويحتمل ان تكون راجعة إلى القرية التي اعتدوا اهلها فيها.

ويحتمل ان تكون (الهاء) راجعة إلى الامة الذين اعتدوا وهم

___________________________________

(1) لسان العرب: خسأ. وروايته. ان قيل له..

[292]

اهل ايلة: قرية على شاطئ البحر. وروي ذلك عن ابي جعفر " ع ".

وقوله: " نكالا " قال ابن عباس: عقوبة. وقال غيره: ينكل بها من يراها.

وقيل: انها شهرة، لان النكال: الاشتهار بالفضيحة، ذكر ذلك الجبائي. وليس بمعروف.

والنكال الارهاب للغير واصله المنع، لانه مأخوذ من النكل وهو القيد، وهو ايضا اللجام وكلاهما مانع.

وقوله: " لما بين يديها وما خلفها ".

روي عن عكرمة عن ابن عباس: انه اراد ما بين يديها وما خلفها من القرى.

وروي عن الضحاك عن ابن عباس انه: اراد ما بين يديها يعني: من بعدهم من الامم.

وما خلفها الذين كانوا معهم باقين.

وقال السدي (ما بين يديها): من ذنوبها (وما خلفها) يعني: عبرة لمن يأتي بعدهم من الامم.

وقال قتادة (لما بين يديها) ذنوبها (وما خلفها): عبرة لمن يأتي خلفهم: بعدهم من الامم وقال قتادة لما بين يديها ذنوب القوم وما خلفها الحيتان التي اصابوها وقال مجاهد: ما بين يديها ما مضى من خطاياهم.

وما خلفها من خطاياهم: التي اهلكوا بها (وموعظة للمتقين). خص المتقين بها - وان كانت موعظة لغيرهم -، لانتفاع المتقين بها دون الكافرين. كما قلناه في غيره. كقوله: " هدى للمتقين ".

واصل النكال العقوبة تقول: نكل فلان ينكل تنكلا ونكالا قال عدي بن زيد:

لا يسخط المليك ما يصنع العب‍ *** - د ولا في نكاله تنكير(1)

واقوى التأويلات ما رواه الضحاك عن ابن عباس: من انها كناية عن العقوبة والمسخة التي مسخها القوم، لان في ذلك اشارة إلى العقوبة التي حلت بالقوم - وان كانت باقي الاقوال ايضا جائزة.

___________________________________

(1) يقول: لا يغضب الملك ما يسع عبده من العفو والصفح، وان عاقب فما في عقوبته ما يستنكر..

[293]

قوله تعالى: واذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين(67)

آية بلا خلاف.

القراء‌ة: قرأ ابوعمرو ونافع والكسائي وابن عامر: هزوا مثقلا، وكذلك كفوا مثقلة. وقرأ آخر مخففا. وعاصم يثقلهن ويخففهن. وحمزة يخففهن ثلاثهن(1).

الاعراب واللغة: قوله: " واذ " معطوفة على قوله واذكروا نعمتي التي انعمت عليكم: واذكروا اذ قال موسى لقومه.

واهل الحجاز يثقلون هذه الكلمات.

وبنو أسد وتميم وعامة قيس يخففونهن ومن لا يحصى ممن تجاوزهم يقولون عن مكان أن اذا كانت الهمزة مفتوحة: يجعلونها عينا ويقولون اشهد عن رسول الله فاذا كسروها رجعوا إلى لغة اهل الحجاز إلى الهمزة.

المعنى: وهذه الآية فيها توبيخ للمخاطبين من بني اسرائيل في نقض اوائلهم الميثاق والذي اخذه الله عليهم بالطاعة لانبيائه.

فقال: واذكروا ايضا من نكثهم ميثاقي اذ قال موسى لقومه: إن الله يأمركم ان تذبحو بقرة قالوا اتتخذنا هزوا.

والهزء والسخرية واللعب نظائر.

قال الراجز:

قد هزئت مني ام طيلسة *** قالت اراه معدما لا شئ له(2)

اي سخرت ولعبت ولا يجوز أن يقع من انبياء الله عزوجل فيما يؤدونه هزوا ولا لعب.

___________________________________

(1) لا يوجد في المتن الا مثلان.

(2) قائله: صخير بن عمير التميمي. ومنهم من كسب القصيده كلها للاصمعى. امالي القالي 2: 284. وروايته: تهزأ مني أخت آل طيسلة.

[294]

وظنوا في امره اياهم عن الله: بذبح - البقرة - عند نذرائهم في القتيل - انه هازئ لاعب ولم يكن لهم ذلك.

وحذفت الفاء من قوله: أتتخذنا هزوا - وهو جواب - للاستغناء ما قبله من الكلام عنه وحسن السكوت على قوله إن الله يأمركم ان تذبحوا بقرة فجاز لذلك اسقاط الفاء من قوله.

فقالوا كما حسن اسقاطها في قوله: " فما خطبكم ايها المرسلون قالوا انا ارسلنا "(1) ولم يقل فقالوا.

ولو قيل بالفاء لكان حسنا. ولو كان ذلك على كلمة واحدة لم تسقط منه الفاء ألا ترى انك اذا قلت: قمت ففعلت، لم يجز اسقاط الفاء لانها عطف لا استفهام يوقف عليه.

فقال موسى حينئذ: اعوذ بالله ان اكون من الجاهلين. يعني السفهاء الذين يردون على الله الكذب والباطل. وكان السبب في امر موسى لقومه بذبح البقرة ما ذكره المفسرون أن رجلا من بني اسرائيل كان غنيا ولم يكن له ولد وكان له قريب يرثه قيل انه اخوه وقيل انه ابن اخيه وقيل ابن عمه واستبطأ موته فقتله سرا والفاه في موضع بعض الاسباط وادعى قتله على احدهم فاحتكموا إلى موسى فسأل من عنده من ذلك علم فقال انت نبي الله وانت اعلم منا فقال ان الله يأمركم ان تذبحوا بقرة فلما سمعوا ذلك منه وليس في ظاهره جواب عما سألوا عنه قالوا اتتخذنا هزوا قال اعوذ بالله أن اكون من الجاهلين لان الخروج عن جواب السائل المسترشد إلى الهزء جهل.

وقال بعضهم وانما امروا بذبح البقرة دون غيرها لانها من جنس ما عبدوه من العجل ليهون عليهم ما كانوا يرونه من تعظيمهم وليعلم باجابتهم زوال ما كان في نفوسهم من عبادته والبقرة اسم الانثى.

والثور للذكر: مثل ناقة وجمل، وامرأة ورجل، فيكون تأنيثه بغير لفظه.

والبقرة: مشتق من الشق: يقولون: بقر بطنه: إذا شقه، لانها تشق الارض في الحرث.

___________________________________

(1) سورة الذاريات آية 31، 32..

[295]

قوله تعالى: قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون(68)

آية.

الفارض: الكبيرة المسنة. وبه قال الجمهور.

يقال منه: فرضت البقرة تفرض فروضا. وفرضت تفرض فراضة: إذا أسنت.

قال الشاعر:

لعمري لقد اعطيت جازك فارضا *** تساق إليه ما تقوم على رجل(1)

وقيل: إن الفارض: التي قد ولدت يطونا كثيرة. فيتسع لذلك جوفها، لان معنى الفارض، في اللغة الواسع. وهو قول بعض المتأخرين.

واستشهد بقول الراجز:

يارب ذي ضغن علي فارض *** له قروء كقروء الحائض(1)

ومنه قول الراجز:

هدلاء كالوطب تجاه الماخض *** له زجاج ولهاة فارض(2)

ويقال لحية فارض: إذا كانت عظيمة.

قال الشاعر:

شيب اصداغي فرأسي ابيض *** محامل فيها رجال فرض(3)

أي ذو أسنان: وقال الجبائي: الفارض: التي لم تلد بطونا كثيرة، فيتسع لذلك بطنها.

قال الرماني وهذا غلط لا يعرف.

والبكر: الصغيرة التي لم تحمل.

والبكر من اناث البهائم وبني آدم: ما لم يفتحله الفحل. - مكسورة الباء - والبكر: - بفتح الباء - الفتي من الابل.

___________________________________

(1) قائله علقمة بن عوف. اللسان (فرض) وروايته. (ضيفك) بدل (جارك) و (تجر) بدل (تساق).

(2) اللسان: " فرض " وروايته: يارب مولى حاسد مباغض وبين البيتين اللذين اثبتهما الشيخ " قده " هذا البيت: علي ذي ضغن وضب فارض.

(3) الثاني في اللسان: " زجج " والزجاج. وهو الحديدة التي تركب في اسفل الرمح. اللهاة: لحمة حمراء.

(4) لرجل من فقيم اللسان. " فرض " واحدهم فارض..

[296]

والعوان: النصف التي قد ولدت بطنا أو بطنين قال الفراء: يقال من العوان: عونت المرأة تعوينا - بالفتح والتشديد - وعونت: إذا بلغت ثلاثين سنة.

وقال أبوعبيدة: إنما قال: " عوان بين ذلك " ولم يقل بينهما، لانه أخرجه على لفظة واحدة، على معنى هذا الكلام الذي ذكرناه.

قال رؤبة في صفة العير:

فيه خطوط من سواد وبلق *** كأنها في الجلد توليع البهق(1)

قال ابوعبيدة: إن أردت الخطوط، فقل: كأنها، وان اردت السواد والبلق، فقل: كانهما.

فقال: كان ذلك وذاك.

قال الفراء: إنما يصح ان يكنى عن الاثنين بقولهم ذاك في الفعلين خاصة. ولا يجوز في الاسمين. ألا ترى، انهم يقولون: اقبالك وادبارك يشق علي، لانهما مشتقان من فعل. ولم يقولوا: أخوك وابوك يزورني حتى تقول: يزوراني.

وقال الزجاج تقول: ظننت زيدا قائما فيقول القائل ظننت ذلك وذاك.

قال الشاعر في صفة العوان:

خرجن عليه بين بكر عويرة *** وبين عوان بالعمامة ناصف(2)

بين ذلك يعني بين الكبيرة والصغيرة.

هو اقوى ما يكون من البقر واحسنه قال الاخطل:

وما بمكة من شمط محفلة *** وما بيثرب من عون وابكار(3)

ويقال بقرة عوان، وبقر عون.

قال الاخفش: لا فارض، ولا بكر. ارتفع ولم ينتصب كما ينتصب النفي لان هذه صفة في معنى البقرة والنفي المنصوب، لا يكون صفة من صفتها. انما هو اسم مبتدأ وخبره مضمر. وهذا مثل قولك: عبدالله لا قائم ولا قاعد. أدخلت لا للنفي وتركت الاعراب على حاله، لو لم يكن فيه لا، ثم قال: " عوان " فوقع على الابتداء. كأنه قال: هي عوان. ويقال ايضا: عوانة.

قال الاعشى:

بكميت عرفاء محمرة مخف *** عربها عوانة اوفاق

___________________________________

(1) اللسان: (بهق) وروايته (الجسم) بدل (الجلد).

(2) لم نجده في مراجعنا.

(3) ديوانه 19. وروايته وما بزمزم من شمط محلقة.. يقصد حالقين رؤوسهم وقد -. - تخللوا من احرامهم: أي قضوا حجهم، الشمط ج اشمط: وهو الذي خالط سواد شعره بياض الشيب " وشمط محفله " يقال منه: رجل ذو حفيل، وذو حفلة: ذو جد واجتهاد. فعلى ما اثبته الشيخ قدس سره، المعنى: انهم جادون في العبادة.

[297]

قوله تعالى: قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين(69)

آية بلا خلاف.

الاعراب: لونها: رفع لان ما ليست زائدة، بل هي بمعنى أي: كأنهم قالوا: أي شئ لونها؟ وقوله: " يبين ": جزم لانه جواب الامر بغير ياء.

ومعنى الآية: أن قوم موسى قالوا: ياموسى أدع لنا ربك يبين لنا ما لون البقرة التي امرنا بذبحها.

واما قوله: " صفراء " قال الحسن المراد به: سوداء شديدة السواد.

تقول العرب: ناقة صفراء أي سوداء.

قال الشاعر:

تلك خيلي منه وتلك ركابي *** هن صفر ألوانها كالزبيب(1)

يعني ركابي هن سود.

غير أن هذا - وان وصفت به الابل، فليس مما توصف به البقر. مع ان العرب لا تصف السواد بالفقوع. وانما تصفه بالشدة وبالحلوكة ونحوها.

تقول: اسود حالك وحائك وحنكوك وغربيب ودجوجي، ولا تقول: فاقع.

وقال أكثر المفسرين: إنها صفراء اللون من الصفرة المعروفة وهذا الصحيح، لانه الظاهر، ولانه قال: " فاقع لونها " وهو الصافي ولا يوصف السواد بذلك - على ما بيناه - فاما ما ابيض فيؤكدونه بأنه ناصع، واخضر ناضر واصفر فاقع.

وقال سعيد بن جبير: المعنى في الآية: بقرة صفراء القرن والظلف.

وقال مجاهد: صفراء اللون كله: وهو الظاهر لانه قال: فاقع لونها. فوصف جميع اللون بذلك.

وقال ابن عباس: أراد بذلك صفراء شديدة الصفرة.

___________________________________

(1) للاعشى الكبير.

اللسان: " صفر " وروايته " اولادها " بدل " الوانها ".

الركاب: الابل التي يسار عليها. والزبيب من العنب معروف.

[298]

وقال غيره: خالص وقال ابوالعالية وقتادة: الصافي.

وقوله: " تسر الناظرين "

فالسرور: ما يسر به القلب. والفرح ما فرحت به العين وقيل معناه: تعجب الناظرين.

ومن القراء من اختار الوقف على قوله: " صفراء " والصحيح ان الوقف انما يجوز عند تمام النعت كله وقال قوم: النمام عند قوله: " فاقع " ويقال فقع لونها يفقع - بالتشديد وضم الياء - ويفقع - بالتخفيف وفتح الياء - فقوعا اذا خلصت صفرته.

الآية: 70 - 79

قوله تعالى: قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ماهي ان البقر تشابه علينا وانا إن شاء الله لمهتدون(70)

آية واحدة.

القراء‌ة: القراء كلهم على تخفيف الشين مفتوحة الهاء.

وقرأ الحسن: بتشديد الشين، وضم الهاء، وقرأ الاعمش إن البقر متشابه.

وكذا هو في مصحف ابن مسعود والمعمول على ما عليه القراء وما هو في المصحف المعروف.

تقدير الكلام، قال قوم موسى لما امروا بذبح البقرة لموسى. وترك ذكر موسى، لدلالة الكلام عليه.

اللغة: واهل الحجاز يؤنثون البقر.

فيقولون: هذه بقر وكذلك النخل. وكل جمع كان واحده بالهاء، وجمعه بطرح الهاء، فانهم يؤنثون ذلك وربما ذكروا ذلك قال الله تعالى " كأنهم اعجاز نخل خاوية "(1) - بالتأنيث - وفي موضع آخر: " كأنهم اعجاز نخل منقعر "(2) والاغلب عليهم التأنيث. واهل نجد يذكرون وربما انثوا. والتذكير الغالب.

فمن ذكر نصب الهاء من " تشابه " يعني التبس واشتبه. ومن انث رفع الهاء لانه يريد يتشابه علينا. والبقر، والباقر، والجامل، والجمال بمعنى واحد.

وقرأ بعضهم إن الباقر تشابه علينا. وهو شاذ.

___________________________________

(1) سورة الحاقة آية 7.

(2) سورة القمر آية 20.

[299]

قال الشاعر:

وما ذنبه ان عافت الماء باقر *** وما ان تعاف الماء الا لتضربا(1)

وقال آخر:

مالي رأيتك بعد اهلك موحشا *** خلقا كحوض الباقر المتهدم

وقال آخر: لهم جامل لا يهدأ الليل سامره(2) يريد الجمال.

والذي ذهب اليه ابن جريج، وقتادة ورووه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله انهم امروا بادنى بقرة، لكنهم لما شددوا على انفسهم، شدد الله عليهم: وايم الله، لو انهم لم يستثنوا ما تبينت لهم إلى آخر الدهر يعني انهم لو لم يقولوا وانا ان شاء الله لمهتدون بتعريف الله ايانا، وبما شاء له الله من اللطف والزيادة في البيان.

وكل من اختار تاخير بيان المجمل عن حال الخطاب استدل بهذه الآية على جواز ذلك.

وسنبين ذلك فيما بعد ان شاء الله.

قوله تعالى: قال إنه يقول انها بقرة لا ذلول تثير الارض ولا تسقي الحرث مسلمة لاشية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون(71)

آية بلا خلاف.

المعنى: ان البقرة التي امرتكم بذبحها، لا ذلول أي لم يذللها العمل باثارة الارض باظلافها.

ولا تسقي الحرث.

معناه: ولا يستقى عليها الماء، فيسقى الزرع. كما يقال للدابة التي قد ذللها الركوب والعمل.

تقول دابة ذلول بين الذل - بكسر الذال - وفي مثله من بني آدم رجل ذليل بين الذل والمذلة.

قال الزجاج: يحتمل أن يكون اراد ليست بذلول وهي تثير الارض.

ويحتمل: انها ليست ذلولة، ولا مثيرة الارض قيل: إنها كانت وحشية في قول الحسن مسلمة. معناه: من السلامة. يقال منها سلمت تسلم، فهي مسلمة من الشية.

___________________________________

(1) ميمون بن قيس - الاعشى الكبير - اللسان: " ثور ".

(2) اللسان: (جمل) قائله الحطيئة. وصدر البيت: فان تك ذا مال كثير فانهم..

[300]

لاشية فيها لا بياض فيها، ولا سواد.

وقال قتادة مسلمة من العيوب: وبه قال الربيع.

وقال ابن جريج: لا عوان فيها.

قال المؤرخ: لاشية فيها: أي لا وضح فيها بلغة اردشنوه والذي قال اهل اللغة " لاشبة فيها ": اي لا لون يخالف لون جلدها واصله: وشى الثوب واصله تحسين عيوب الشئ، يكون فيه بضروب مختلفة من الوان سداه، ولحمته يقال منه: وشيت الثوب: اشيه شية ووشيا. ومنه قيل للساعي بالرجل إلى السلطان، أو غيره واش لكذبه عليه عنده. وتحسينه كذبه عنده بالاباطيل يقال: وشيت به وشاية.

قال كعب بن زهير:

يسعى الوشاة بجنبيها وقولهم *** انك يابن سلمى لمقتول(1)

يعني: انهم يتقولون الاباطيل، ويخبرونه انه إن الحق بالنبي صلى الله عليه وآله قتله وقال بعض اهل اللغة ان الوشي: العلامة واصله: شية من وشيت، لكن لما اسقطت منها الواو وابدلت مكانها الهاء في اخرها: كما قالوا: وزنته زنة ووعدته عدة. وكذلك وشيته شية.

وقالوا: " الآن جئت بالحق " موصولة الهمزة واذا ابتدأت، قطعت الالف الاولى، لان الف الوصل إذا ابتدئ بها قطعت.

قال الفراء: والاصل الاوان. فحذفت الواو. والالف واللام دخلتا في آن لانهما ينوبان عن الاشارة.

المعنى انت إلى هذا الوقت تفعل هذا. فلم تعرب الآن كما لم تعرب هذا.

ومن العرب من يقول " قالوا الآن جئت بالحق " ويذهب الوصل ويفتح اللام، ويحذف الهمزة التي بعد اللام. ويثبت الواو في (قالوا) ساكنا، لانه انما كان يذهبه لسكون اللام. واللام قد تحركت، لانه حول عليها حركة الهمزة قال الشاعر:

وقد كنت تخفي حب سمراء حقبة *** فبح لان منها بالذي انت بايح

المعنى: ومعنى قوله: " الآن جئت بالحق " يحتمل امرين: احدهما - الان بينت الحق. وهو قول قتادة. وهذا يدل على انه كان فيهم

___________________________________

(1) ديوانه. الجناب: الناحية. في المطبوعة " بحسنها " بدل " بحنها ".

[301]

من يشك في ان موسى (ع) ما بين الحق.

وقال عبدالرحمان: يريد انه حين بينها لهم، قالوا هذه بقرة فلان.

الآن جئت بالحق وهو قول من حوزانه قبل ذلك لم يجئ بالحق على التفصيل - وإن تى به على وجه الجملة -

وقوله: (فذبحوها وما كادوا يفعلون) يحتمل امرين: احدهما - كادوا لا يفعلون اصلا، لغلاء ثمنها، لانه حكي عن ابن عباس ومحمد ابن كعب انهم اشتروها بمل‌ء جلدها ذهبا من مال المقتول. وقيل بوزنها عشر مرات.

والثاني - ما قال عكرمة ووهب كادوا ألا يفعلوا خوفا من الفضيحة على انفسهم في معرفة القاتل منهم، قال عكرمة ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير.

اللغة: ومعنى كاد: هم ولم يفعل.

ولا يقال كاد أن يفعل. وانما يقال كاد يفعل، قال الله ما كادوا يفعلون قال الشاعر: قد كاد من طول البلى ان يمصحا(1) يقال مصح الشئ اذا فني وذهب. يمصح مصوحا.

وانشد الاصمعي:

كادت النفس ان تفيض عليه *** اذ ثوى حشو ريطة وبرود(2)

ولا يجئ منه إلا فعل يفعل وتثنيتها.

وقال بعضهم: قد جاء‌ت بمعنى إيقاع الفعل لا بمعنى الهم والقرب من ايقاعه، وانشد قول الاعشى: قد كاد يسمو إلى الجرباء وارتفعا الجرباء: السماء: أي سما وارتفع وقال ذو الرمة:

لو أن لقمان الحكيم تعرضت *** لعينيه مي سافرا كاد يبرق(3)

أي لو تعرضت لعينيه أي دهش وتحير.

وروي عن ابي عبدالله السلمي انه قرأ لا ذلول بفتح اللام غير منون وذلك لا يجوز لانه ليس المراد النفي وانما المراد

___________________________________

(1) اللسان: " مصح ". مصح الشئ مصوحا: ذهب وانقطع.

(2) اللسان: " نفس ". النفس: الروح. الريطة: الملاء‌ة لا برودج يرد وهو الثوب المخطط.

(3) اللسان: " برق " برق يبرق بروقا: تحير.

[302]

بها بقرة غير ذلول وعندنا انه يجوز في البقرة غير الذبح. فان نحر مختارا لم يجز اكله وفيه خلاف، ذكرناه في خلاف الفقهاء.

قد استدل اصحابنا بهذه الآيات على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة.

فان قالوا ان الله امرهم بذبح بقرة هذة الصفات كلها لها، ولم يبين ذلك في اول الخطاب حتى سألوا عنه وراجعوا فيه، فبين حينئذ المراد لهم شيئا بعد شئ. وهذا يدل على جواز تأخير البيان.

فان قيل ولم زعمتم ان الصفات المذكورة في البقرة الاولى التي امروا بذبحها، وما الذي تنكرون انهم امروا بذبح البقرة أي بقرة كانت فلما راجعوا تغيرت المصلحة فأمروا بذبح بقرة اخرى هي لا فارض ولا بكر فلما راجعوا تغيرت المصلحة، فأمروا بذبح بقرة صفراء فاقع لونها فلما راجعوا تغيرت المصلحة فأمروا بذبح بقرة لا ذلول تثير الارض ولا تسقي الحرث مسلمة لاشية فيها.

وانما يصح لكم لو كانت الصفات المذكورة كلها مرادة في البقرة الاولى.

قلنا هذا باطل، لان الكناية في قوله: " قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ماهي " لا يجوز ان تكون كناية إلا عن البقرة التي تقدم ذكرها وامروا بذبحها، لانه لم يجر في الكلام ما يجوز ان تكون هذه الكناية عنه إلا البقرة، ويجري ذلك مجرى ان يقول واحد لغلامه: اعطني تفاحة فيقول الغلام ماهي؟ بينها فلا يصرف واحد من العقلاء هذه الكناية إلا إلى التفاحة المأمور باعطائه اياها.

ثم يقال بعد ذلك انها بقرة لا فارض ولا بكر وقد علمنا ان الهاء في قوله: انه يقول كناية عنه تعالى، لانه لم يتقدم ما يجوز ان يكون كناية عنه إلا اسمه تعالى.

وكذا يجب ان يكون قوله انها كناية عن البقرة المتقدم ذكرها وإلا فما الفرق بين الامرين؟ وكذلك الكلام في الكناية الثانية والثالثة سواء.

ولا خلاف بين المفسرين ان الكناية في الآية من اولها إلى آخرها: كناية عن البقرة المأمور بها في الاول.

وقالت المعتزلة: انها كناية عن البقرة التي تعلق التكليف المستقبل بها.

ولا خلاف بين المفسرين ان جميع الصفات المذكورات للبقرة اعوز اجتماعها للقوم حتى توصلوا إلى اجتماع بقرة لها هذه الصفات كلها بمل‌ء جلدها ذهبا.

[303]

وروي اكثر من ذلك.

ولو كان الامر على ما قاله المخالف لوجب ان لا يعتبروا فيما ببتاعونه إلا الصفات الاخيرة دون ما تقدمها، وتلغي الصفات المتقدمة اجماعهم على ان الصفات كلها معتبرة. دليل على ان الله تعالى أخر البيان.

فان قيل لم عنفوا على تأخيرهم امتثال الامر الاول مع ان المراد بالامر الاول تأخر؟ ولم قال فذبحوها وما كادوا يفعلون؟ قلنا ما عنفوا بتأخير امتثال الامر الاول: وليس في الظاهر ما يدل عليه بل كان البيان يأتي شيئا بعد شئ كما طلبوه من غير تعنيف فلا قول يدل على انهم بذلك عصاة.

فاما قوله: في اخر القصة: " فذبحوها وما كادوا يفعلون ".

فانما يدل على انهم كادوا يفرطون في اخر القصة، وعند تكامل البيان. ولايدل على انهم فرطوا في اول القصة.

ويقوي ذلك قوله تعالى بعد جمع الاوصاف: " الان جئت بالحق " اي جئت به على جهة التفصيل. وان كان جاء‌هم بالحق مجملا.

وهذا واضح بحمد الله، وقد استوفينا الكلام في هذه الآية وغيرها في العدة في اصول الفقه مالا مزيد عليه.

قوله تعالى: واذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون(72)

آية

تقدير الآية: واذكروا إذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها.

وهو عطف على قوله: " واذكروا نعمتي التي انعمت عليكم ".

وهو متقدم على قوله: " واذ قال موسى لقومه ان الله يأمركم ان تذبحوا بقرة " لانهم انما امروا بذبح البقرة بعد تدارئهم في امر المقتول.

ومعنى ادارأتم: اختلفتم واصله تدارأتم. فادغمت التاء في الدال بعد ان سكنت، وجعلوا قبلها ألفا لتمكن النطق بها.

قال ابوعبيدة: اداراتم: بمعنى اختلفتم فيها. من التدارؤ، ومن الدرء وقيل الدراء: العوج: اي اعوججتم عن الاستقامة،

[304]

ومنه قول الشاعر:

فنكب عنهم درء الاعادي *** وداووا بالجنون من الجنون

اي اعوجاج الاعادي وقال قوم: الدرء المدافعة. ومعناه تدافعتم في القتل.

ومنه قوله: " ويدرأ عنها العذاب ".

وقال رؤبة ابن العجاج:

ادركتها قدام كل مدره *** بالدفع عني درء كل عنجه(1)

ويقال: فلان لا يداري ولا يماري اي: لا يخالف.

ومنه قوله: " والله مخرج ما كنتم تكتمون " اي: مظهر ما كنتم تسرون من القتل.

قوله تعالى : فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون(73)

آية بلا خلاف.

روي ابن سيرين عن ابي عبيدة السلماني قال: كان رجل من بنى اسرائيل عقيما، وله مال كثير. فقتله وارثه وجره، فقدمه على باب اناس آخرين، ثم اصبح يدعيه عليهم حتى تسلح هؤلاء وهؤلاء، وارادوا ان يقتتلوا(2) فقال ذووا النهى: أتقتتلون(3) وفيكم نبي الله؟ فامسكوا حتى اتوه، فامرهم أن يذبحوا بقرة، فيضربوه ببعضها.

فقالوا: اتتخذنا هزوا.

قال: اعوذ بالله ان اكون من الجاهلين.

قال: فوجدوها عند رجل.

فقال: لا ابيعها إلا بمل‌ء جلدها(4) ذهبها.

وكان بارا بابيه. فعوضه الله عن ذلك وجازاه عن بره بابيه، اذ باع البقرة بمل‌ء جلدها ذهبا فضربوه ببعضها. فتكلم.

فقال: قتلني فلان، ثم عاد ميتا فلم يورث قاتل بعده.

واختلفوا (في البعض من البقرة المضروب به القتيل)(5).

فقال الفراء: ضرب بذنبها.

وقال البعض اقل من النصف.

وقال ابن زيد: ضرب ببعض ارابها.

وقال ابوالعالية: ضرب بعظم من عظامها.

وقال السدي: ضرب

___________________________________

(1) ديوانه. المدره: هو المدافع العتجة ذو الكبر والعظم. ومنه العنجهية.

(2 و 3) في المطبوعة (تقتلون).

(4) في المطبوعة (الا بمل‌ء ذهبا).

(5) ما بين القوسين زدناهم عن " مجمع البيان " ليتم المعنى.

وهذه عبارة التبيان مخطوطته ومطبوعته " في أي موضع ضرب من القتيل. ".

[305]

بالبضعة التي بين الكتفين.

وقال مجاهد، وعكرمة، وقتادة: ضرب بفخذ البقرة.

والهاء في قوله فاضربوه كناية عن القتيل والهاء في قوله: ببعضها كناية عن البقرة.

وهذه الاقاويل كلها محتملة الظاهر. والمعلوم ان الله تعالى امر ان يضرب القتيل ببعض البقرة. ولا يضر الجهل بذلك البعض بعينه، وانما امرهم بذلك لانهم اذا فعلوه احيي الميت.

فيقول فلان قتلني: فيزول الخلف، والتداري بين القوم.

والقديم تعالى، وان كان قادرا على الاخبار بذلك فان هذا اظهر. والاخبار به أعجب لانه معجز خارق للعادة.

والتقدير في الآية فقلنا اضربوه ببعضها فضربوه فحيي كما قال: " اضرب بعصاك الحجر فانفلق " تقديره فضرب، فانفلق.

وكذلك قوله: " يحيي الموتى " فيه اضمار كانه قال: فقلنا اضربوه ببعضها فحيي كذلك يحيي الله الموتى. اي اعلموا ان ما عاينتموه ان الله قادر على ان يحيي الموتى للجزاء، والحساب الذي اوعدكم به.

ولما ضربوه ببعض البقرة، احياه الله تعالى، فقال: قتلني ابن اخي ثم قبض. وكان اسمه عاميل. فقال بنو اخيه والله ما قتلناه وكذبوا الحق بعد معاينته.

وانما جعل سبب احيائه الضرب بموات لا حياة فيه، لئلا يلتبس على ذي شبهة ان الحياة انتقلت اليه مما ضرب به لتزول الشبهة، وتتأكد الحجة.

وقوله: " كذلك يحيي الله الموتي "

يحتمل ان يكون حكاية عن قول موسى لقومه. ويحتمل ان يكون خطابا من الله تعالى لمشركي قريش.

وقوله: " لعلكم تعقلون " اي لتعقلوا.

وقد كانوا عقالا قبل ذلك، لان من لا عقل له، لا تلزمه الحجة، لكنه اراد تنبيههم، وان يقبلوا ما يدعون اليه، ويطيعوه ويعرفوه حق معرفته.

[306]

قوله تعالى: ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة او اشد قسوة وان من الحجارة لما يتفجر منه الانهار وان منها لما يشقق فيخرج منه الماء وان منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون(74)

آية واحدة بلا خلاف.

قرأ ابن كثير وحده هاهنا عما يعملون بالياء الباقون بالتاء.

الخطاب بقوله: " قلوبكم " قيل فيمن يتوجه اليه قولان:

احدهما - انه اريد بنواخى المفتول حين انكروا قتله بعد ان سمعوه منه عند احياء الله تعالى له، انه قتله فلان. هذا قول ابن عباس.

والثاني - قول غيره: أنه متوجه إلى بني اسرائيل كلهم. قال: وقوله: " من بعد ذلك " اي من بعد آيات الله كلها التي اظهرها على يد موسى.

وعلى الوجه الاول يكون ذلك اشارة إلى الاحياء.

ومعنى " قست قلوبكم " اي: غلظت ويبست وعتت.

اللغة: القسوة: ذهاب اللين، والرحمة والخشوع، والخضوع.

ومنه يقال: قسا قلبه يقسو قسوا وقسوة وقساوة.

وقوله من بعد ذلك اي من بعد احياء الميت لكم ببعض من اعضاء البقرة بعد ان تدارأوا فيه واخبرهم بقاتله، والسبب الذى من اجله قتله.

وهذه آية عظيمة كان يجب على من شاهد هذا ان يخضع ويلين قلبه. ويحتمل ان يكون من بعد احياء الميت.

والآيات الاخرى التي تقدمت كمسخ القردة والخنازير ورفع الجبل فوقهم وانبجاس الماء من الحجر وانفراق البحر وغير ذلك. وانما جاز ذلك وان كانوا جماعة. ولم يقل ذلكم، لان الجماعة: في معنى الجمع والفريق. فالخطاب في لفظ الواحد ومعناه جماعة.

قوله: " فهي كالحجارة "

يعني قلوبهم، فشبهها بالحجارة في الصلابة واليبس والغلظ والشدة: اي اشد صلابة، لامتناعهم بالافرار اللازم من حقه الواجب من طاعته بعد مشاهدة الآيات.

ومعنى " أو " في الآية: يحتمل امور: احدها ذكره الزجاج: فقال هي بمعنى التخيير كقولك جالس الحسن او ابن

[307]

سيرين ايهما جالست جائز، فكانه قال: ان شبهت قلوبهم بالحجارة جاز، وان شبهتها بما هو اصلب كان جائزا.

والثاني ان تكون " او " بمعنى الواو. وتقديره: فهي كالحجارة واشد قسوة، كما قال: " وارسلناه إلى مأة الف او يزيدون "(1) ومثله قول جرير:

نال الخلافة او كانت له قدرا *** كما اتى ربه موسى على قدر(2)

وقال توبة ابن الحمر:

وقد زعمت ليلى باني فاجر *** لنفسي تقاها او عليها فجورها اي وعليها.

ومثله قوله تعالى: " ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن او آباء بعولتهن "... الآية(3).

والثالث - ان يكون المراد الابهام على المخاطبين كما قال ابوالاسود الدؤلي:

احب محمدا حبا شديدا *** وعباسا وحمزة والوصيا

فان يك حبهم رشدا اصبه *** ولست بمخطئ إن كان غيا(4)

وأبوالاسود لم يكن شاكا في حبهم ولكن ابهم على من خاطبه.

وقيل لابي الاسود حين قال ذلك: شككت قال كلا ثم استشهد بقوله تعالى: " قل الله وإنا واياكم لعلى هدى او في ظلال مبين "(5) افتراه كان شاكا حين اخبر بذلك.

والرابع - ان يكون اراد بل اشد قسوة، ومثله " وارسلناه إلى مأة الف او يزيدون " اي بل يزيدون، ولا تكون بل للاضراب عن الاول بل مجرد العطف.

والخامس - انها كالحجارة، أو اشد قسوة عندكم.

والسادس - ان يكون اراد مثل قول القائل اطعمتك حلوا وحامضا وقد اطعمه النوعين جميعا.

___________________________________

(1) سورة الصافات آية: 147.

(2) ديوانه: والممدوح هو عمر ابن عبدالعزيز. وروايته (اذ كانت). وقد مر في 1: 92.

(3) سورة النور آية: 31.

(4) ديوانه: والاغاني " 1130 ورواية الديوان " وفيهم اسوة ان كان غيا ".

(5) سورة سبأ آية: 25.

[308]

وهو انه لم يشك انه اطعمه الطعمين معا فكأنه قال: فهي كالحجارة او اشد قسوة. ومعناه ان قلوبهم لا تخرج من احد هذين المثلين. اما ان تكون مثلا للحجارة القسوة. واما ان تكون اشد منها. ويكون معناه على هذا بعضها كالحجارة قسوة وبعضها اشد قسوة من الحجارة. وكل هذه الاوجه محتملة واحسنها الابهام على المخاطبين. ولا يجوز ان يكون المعنى الشك، لان الله تعالى عالم لنفسه لا يخفى عليه خافية.

وكذلك في امثال ذلك نحو قوله: " فكان قاب قوسين او ادنى " وغير ذلك وانشدوا في معنى او يراد به بل قول الشاعر:

بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى *** فصورتها او انت في العين املح.

الاعراب: يريد بل انت. والرفع في قوله: " أو اشد قسوة " يحتمل امرين: احدهما - ان يكون عطفا على معنى الكاف التي في قوله: كالحجارة، لان معناها، فهي مثل الحجارة. والآخر: ان يكون عطفا على تكرير هي، فيكون التقدير فهي كالحجارة او هي اشد قسوة من الحجارة. وقرئ بنصب الدال شاذا فيكون نصبه على ان موضعه الجر بالكاف وانما نصب على انه وزن افعل لا ينصرف.

وقوله: " وان من الحجارة لما يتفجر منه الانهار ".

المعنى: معناه ان من الحجارة ما هو انفع من قلوبهم الفاسية، يتفجر منها انهار، وان منها لما يهبط من خشية الله، والتقدير ان من الحجارة حجارة يتفجر منها انهار الماء فاستغنى بذكر الانهار عن ذكر الماء. وكرر قوله منه للفظ ما.

اللغة: والتفجر: التفعل من فجر الماء: وذلك اذا نزل خارجا من منبعه وكل سائل

[309]

شخص خارجا من موضعه، ومكانه فقد انفجر. ماء كان او دماء او حديد او غير ذلك.

قال عمر بن لحاء:

ولما أن قربت إلى جوير *** ابى ذو بطنه إلا انفجار(1)

يعني خروجا وسيلانا.

وقوله: " وان منها لما يشقق فيخرج منه الماء "

تشقق الحجارة انصداعها واصله يتشقق، لكن التاء ادغمت في الشين فصارت شينا مشددة.

وقوله: " فيخرج منه الماء ".

المعنى: يعني فيخرج منه الماء فيكون عينا نابعة لا انها جارية حتى يكون مخالفا للاول.

وقال الحسين بن علي المغربي: الحجارة الاولى حجارة الجبال تخرج منها الانهار. والثانية حجر موسى الذي ضربه فانفجر منه عيون، فلا يكون تكرارا.

وقوله: " وان منها لما يهبط من خشية الله ".

قال ابوعلي والمغربي: معناه بخشية الله، كما قال: يحفظونه من امر الله اي بامر الله.

قال وهي حجارة الصواعق والبرد.

والكناية في قوله منها قيل فيها قولان: احدهما: انها ترجع إلى الحجارة، لانها اقرب مذكور.

وقال قوم: انها ترجع إلى القلوب لا إلى الحجارة. فيلون معنى الكلام. وان من القلوب لما يخضع من خشية الله، ذكره ابن بحر وهو احسن من الاول.

ومن قال بالاول اختلفوا فيه.

فمنهم من قال: إن المراد بالحجارة الهابطة البرد النازل من السحاب. وهذا شاذ، لم يذكره غير ابي علي الجبائي.

وقال الاكثر إن المراد بذلك الحجارة الصلبة، لانها اشد صلابة.

وقالوا في هبوطها وجوها: احدها - ان هبوط ما يهبط من خشية الله تفيئ ظلاله. وثانيها انه الجبل الذي صار دكا تجلى له ربه.

___________________________________

(1) طبقات فحول الشعراء 369. والاغاني 8. 72 وروايته الا " انحدارا " " وذو بطنه " كناية عما يشمأز من ذكره.

[310]

وثالثها - قاله مجاهد: إن كل حجر تردى من رأس جبل فهو من خشية الله ورابعها - ان الله تعالى اعطى بعض الجبال المعرفة، فعقل طاعة الله تعالى، فاطاعه كالذي روي في حنين الجذع.

وما روي عن النبي " ص " انه قال: إن حجرا كان يسلم علي في الجاهلية إني لا اعرفه الآن.

وهذا الوجه فيه ضعف، لان الجبل ان كان جمادا، فمحال ان يكون فيه معرفة الله. وان كان عارفا بالله وبنيته بنية الحي فانه لا يكون جبلا. وأما الخبر عن النبي (ع) فهو خبر واحد. ولو صح، لكان معناه ان الله تعالى احيا الحجر فسلم على النبي " ص " ويكون ذلك معجزا له " ع ".

واما حنين الجذع فان الله تعالى خلق فيه الحنين، فكان بذلك خارقا للعادة، لانه اذا استند اليه النبي " ص " سكن واذا تنحى عنه، حن.

وقال قوم: يجوز ان يكون الله تعالى بنى داخله بنية حي، فصح منه الحنين وقال قوم: معنى " يهبط من خشية الله " إنه يوجب الخشية لغيره بدلالته على صانعه. كما قيل ناقة تاجرة. اذا كانت من نجابتها وفراهتها، تدعو الناس إلى الرغبة فيها: كما قال جرير بن عطية:

واعور من نبهان اما نهاره *** فاعمى، واما ليله فبصير(1)

فجعل الصفة لليل والنهار. وهو يريد صاحبه النبهاني الذي يهجوه بذلك من اجل انه كان فيهما على ما وصفه به.

والذي يقوى في نفسي ان معنى الآية الابانة عن قساوة قلوب الكفار، وان الحجارة ألين منها، لو كانت تلين لشئ، للانت وتفجرت منها الانهار، وتشققت منها المياه، وهبطت من خشية الله. وهذه القلوب لا تلين مع مشاهدتها الآيات التي شاهدتها بنو اسرائيل: وجرى ذلك مجرى ما يقوله تعالى: " لو انزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله "(2) ومعناه لو انزلنا هذا القرآن على جبل، وكانت الجبال ما تخشع لشئ ما، لرأيته خاشعا متصدعا وكقوله تعالى: " ولو ان قرأنا سيرت به الجبال أو قطعت به الارض "(3) إلى آخرها سواء. وادخلت هذه اللامات فيها تأكيدا للخبر.

___________________________________

(1) ديوانه: 206.

(2) سورة الحشر آية: 21.

(3) سورة الرعد آية: 33.

[311]

ويجوز في قوله " فهي كالحجارة " اسكان الهاء وقد قرئ به، لان الفاء مع الهاء قد جعلت الكلمة بمنزلة تخذ فتحذف الكسرة استثقالا.

المعنى: والمعنى في الآية: انه تعالى لما اخبر عن بني اسرائيل وما انعم عليهم به، واراهم من الآيات، وغير ذلك، فقال مخبرا عن عصيانهم، وطغيانهم " ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة، أو اشد قسوة " ثم اخبر تعالى انه لا امتناع عند الحجارة مما يحدث فيها من امره، وان كانت قاسية، بل هي متصرفة على مراده لا يعدم شئ مما قدر فيها. وبنو اسرائيل مع كثرة نعمه عليهم وكثرة ما أراهم من الآيات، يمتنعون من طاعته، ولا تلين قلوبهم لمعرفة حقه، بل تقسو وتمتنع من ذلك.

وقوله: " وإن منها لما يهبط من خشية الله "

أي عند ما يحدث فيها من الآية الهائلة: كالزلازل وغيرها، واضاف الخشية إلى الحجارة. وان كانت جمادا على مجاز اللغة والتشبيه.

والمعنى في خشوع الحجارة انه يظهر فيها ما لوظهر في حي مختار قادر، لكان بذلك خاشعا. وهو ما يرى من حالها. وانها منصرفة لا متناع عندها مما يراد بها. وهو كقوله: " جدارا يريد ان ينقض "(1) لان ما ظهر فيه من الميلان، لو ظهر من حي لدل على انه يريد أن ينقض، ليس ان الجدار يريد شيئا في الحقيقة، ومثله " وإن من شئ الا يسبح بحمده "(2) وقوله: " ولله يسجد من في السموات ومن في الارض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس "(3) وقوله: " والنجم والشجر يسجدان "(4)

وقال زيد الخيل:

بجمع تظل البلق في حجراته *** ترى الا كم فيه سجدا للحوافر(5)

فجعل ما ظهر في الاكم من آثار الحوافر، وقلة امتناعها عليها، مدافعتها لها كما يدافع الحجر الصلب الحديد الصلب سجودا لها، ولو أن الاكم كانت في صلابة

___________________________________

(1) سورة الكهف آية 78.

(2) سورة الاسرى آية 44.

(3) سورة الحج آية 18.

(4) سورة الرحمان آية 6.

(5) زيد الخيل بن مهلهل الطائي الفارس المشهور. والبلق جمع ابلق وبلقاء: الفرس المحجلة.

والحجرات جمع حجرة: الناحية والباء " بجمع " متعلقة ببيت سابق، هو:

بني عامر تعرفون اذا غدا *** ابومكنف قد شد عقد الدوابر.

[312]

الحديد حتى يمتنع من الحوافر، ولا تؤثر فيها، ولا تذهب يمينا ولا شمالا، ولا تظاهر بكثرة تزداد الحوافر عليها، ما جاز ان يقال: انها تسجد للحوافر.

وقال ابن حمزة:

وعرفت من شرفات مسجدها *** حجرين طال عليهما القصر

ركب الخلاء فقلت اذ بكيا *** ما بعد مثل بكاهما صبر

وقال جرير:

لما اتى خبر الزبير تواضعت *** سور المدينة والجبال الخشع

فصيرها متواضعة.

والعرب يفهم بعضها مراد بعض بهذه الاشياء. فمن تعلق بشئ من هذا ليطعن به، فانما يطعن على لغة العرب بل على لغة نفسه من اهل أي لغة كان. فان هذا موجود متعارف في كل لغة، وعند كل جيل.

وقوله: " وما الله بغافل عما تعملون "

من قرأ بالتاء، قال: الخطاب متوجه إلى بني اسرائيل فكأنه قال: وما الله بغافل يا معشر المكذبين بآياته والجاحدين بنبوة محمد " ص " عما تعملون. ومن قرأ بالتاء فكان الخطاب لغيرهم والكناية عنهم. والغفلة عن الشئ تركه على وجه السهو والنسيان فأخبرهم الله تعالى انه غير غافل عن اعمالهم السيئة ولاساه عنها.

قوله تعالى: أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون(75)

آية بلا خلاف.

[313]

المعنى: الالف في قوله أفتطمعون ألف استفهام والمراد به الانكار، كقوله: " ألم يأتكم نذير قالوا بلى "(1) فاذا كان في الاول نفيا، كان الجواب بلى واذا لم يكن نفيا كان الجواب لا.

وهذا خطاب لامة النبي " ص " فكأنه قال: أفتطمعون أيها المؤمنون أن يؤمنوا لكم من طريق النظر والاعتبار، ونفي التشبيه، والانقياد للحق وقد كان فريق منهم: أي ممن هو في مثل حالهم من اسلافهم يسمعون كلام الله ثم يعلمون انه الحق، ويعاندون فيحرفونه ويتأولونه، على غير تأويله.

وقوله: " وقد كان فريق منهم "

والفريق جمع كالطائفة لا واحد له من لفظه وهو فعيل من الفرق سمي به الجمع كما سميت الجماعة بالحزب من التحزب قال اعشى بن تغلبة:

اخذوا فلما خفت ان يتفرقوا *** فريقين منهم مصعد ومصوب(2)

وقوله: " منهم "

يعني من بني اسرائيل، وانما جعل الله الذين كانوا على عهد موسى ومن بعد: من بني اسرائيل من اليهود الذين قال الله تعالى لاصحاب محمد " ص " افتطمعون أن يؤمنوا لكم، لانهم كانوا آباؤهم واسلافهم، فجعلهم منهم اذ كانوا عشائرهم وفرقهم واسلافهم.

وقوله: " يسمعون كلام الله "

قال قوم منهم مجاهد والسدي: إنهم علماء اليهود يحرفون التوارة، فيجعلون الحلال حراما والحرام حلالا ابتغاء لاهوائهم واعانة لمن يرشوهم.

وقال ابن عباس والربيع وابن اسحاق والبلخي: انهم الذين اختارهم موسى من قومه، فسمعوا كلام الله فلم يمتثلوا امره، وحرفوا القول في اخبارهم لقومهم حتى رجعوا اليهم وهم يعلمون انهم قد حرفوا.

وهذا اقوى التأويلين، لانه تعالى اخبر عنهم بانهم يسمعون كلام الله والذين سمعوا كلام الله. بلا واسطة هم الذين كانوا مع موسى. فاما هؤلاء فانما سمعوا ما يضاف إلى كلامه بضرب من العرف دون حقيقة الوضع. ومن قال بهذا. قال: هم الذين سمعوا كلام الله الذي اوحى الله إلى موسى.

وقال قوم هو التوراة التي علمها علماء اليهود.

وقوله: " ومن بعد ما عقلوه وهم يعلمون ".

قيل فيه وجهان: احدهما - وهم يعلمون انهم يحرفونه. والثاني - من بعد ما تحققوه وهم يعلمون ما في تحريفه من العقاب.

___________________________________

(1) سورة الملك: آية 8 و 9.

(2) ديوانه. اجد السير: انكمش فيه واسرع.

مصعد: مبتدئ في الصعود إلى نجف والحجاز.

ومصوب: منحدر في رجوعه إلى العراق.

[314]

والذي يليق بمذهبنا في الموافاة أن نقول: ان معناه وهم يعلمون انهم يحرفونه.

فان قيل فلماذا اخبر الله عن قوم بانهم حرفوا وفعلوا ما فعلوا من المعاندة ما يجب أن يؤيس من ايمان من هو في هذا الوقت، وأي علقة بين الموضوعين والحالين؟ قيل: ليس كلما يطمع فيه يؤيس منه على وجه الاستيقان بانه لا يكون، لان الواحد من افناء العامة(1) لا يطمع ان يصير ملكا.

ومع ذلك لا يمكن القطع على كل حال ان ذلك لايكون ابدا. ولكن لا يطمع فيه لبعده، والله تعالى نفى عنهم الطمع ولم يؤيسهم على القطع والثبات وانما لم يطمع فيهم لبعد ذلك من الوهم منهم مع احوالهم التي كانوا عليها. وشبههم باسلافهم المعاندين، وقد كانوا قادرين على ان يؤمنوا وكان ذلك منه جائزا. وهؤلاء الذين عاندوا - وهم يعلمون - كان قليلا عددهم، يجوز على مثلهم التواطؤ والاتفاق وكتمان الحق، وانما يمتنع ذلك في الجمع العظيم والخلق الكثير، لامر يرجع إلى اختلاف الدواعي. فأما على وجه التواطؤ والعمد فلا يمتنع فيهم ايضا، فيبطل بذلك قول من نسب فريقا إلى المعاندة دون جميعهم وان كانوا باجمعهم كفارا.

قوله تعالى: وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون(76)

آية.

هذه الآية فيها اخبار عمن رفع الله الطمع في ايمانهم من يهود بني اسرائيل الذين كانوا بين اظهرهم فقال: افتطمعون ايها المؤمنون ان يؤمنوا لكم، وهم القوم الذين كان فريق منهم يسمعون كلام، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون، وهم الذين اذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا: أي صدقنا بمحمد صلى الله عليه وآله وبما صدقتم به واقررنا بذلك. فأخبر الله بانهم تخلقوا باخلاق المنافقين وسلكوا منهاجهم.

___________________________________

(1) اي لا يعلم ممن هو.

[315]

" واذا خلا بعضهم إلى بعض ": أي اذا خلا بعض هؤلاء اليهود الذين وصف الله صفتهم، إلى بعض منهم فصاروا في خلاء الناس، وذلك هو الموضع الذي ليس فيه غيرهم، قالوا - يعني بعضهم لبعض -: اتحدثونهم بما فتح الله عليكم.

وقال ابن عباس بما فتح الله عليكم أي بما ألزمكم الله به. فيقول له آخرون انما نستهزئ بهم ونضحك.

وروى سعيد ابن جبير عن ابن عباس ان معناه قالوا لا تحدثوا العرب بهذا. فانكم قد كنتم تستفتحون به عليهم. فانزل الله هذه الآية: أي تقرون بانه نبي وقد علمتم انه قد اخذ له الميثاق عليكم باتباعه وهو يخبركم بانه النبي الذي كنا ننتظره ونجده في كتابنا. اجحدوه ولا تقروا به لهم.

فقال الله تعالى: " اولا يعلمون ان الله يعلم ما يسرون وما يعلنون "(1)

وقال ابوالعالية: اتحدثونهم بما فتح الله عليكم: اي بما انزله في كتابكم من بعث محمد صلى الله عليه وآله وبه قال قتادة وقال مجاهد: ذلك قول يهود بني قريظة حين سبهم النبي صلى الله عليه وآله بانهم اخوة القردة والخنازير. قالوا من حدثك بهذا - حين ارسل اليهم عليا (ع) فاذوا محمدا صلى الله عليه وآله - فقال: يااخوة القردة والخنازير قال بعضهم لبعض: ما اخبره بهذا إلا منكم اتحدثونهم بما فتح الله عليكم، ليكون لهم حجة عليكم؟

وقال السدي: هؤلاء ناس آمنوا من اليهود ثم نافقوا وكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذبوا به فقال بعضهم لبعض: اتحدثونهم بما فتح الله عليكم من العذاب ليحاجوكم به، ليقولوا نحن احب إلى الله منكم واكرم عليه منكم؟ ومثله روي عن ابي جعفر " ع " واصل الباب الفتح في لغة العرب: القضاء والنصرة والحكم.

يقال اللهم افتح بيني وبين فلان: أي احكم بيني وبينه، ومنه قوله تعالى: " ويقولون متى هذا الفتح "(2) يعني هذا القضاء فقال تعالى: " قل يوم الفتح(3) يعني يوم القضاء.

وقال الشاعر:

ألا ابلغ بني عصم رسولا *** فاني عن فتاحتكم غني(4)

___________________________________

(1) سورة البقرة آية 77.

(2) سورة آلم السجدة آية 28.

(3) سورة آلم السجدة آية 29.

(4) ينسب للاشعري الجعفي ومحمد بن حمران بن ابي حمران. أمالي القالي: 281.

اللسان: " فتح " وبنو عصم هم رهط عمروبن معديكرب الزبيدي..

[316]

ويقال للقاضي الفتاح قال الله تعالى: " ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وانت خير الفاتحين "(1) يعني احكم به.

ويقال فتح بمعنى علم، فقال افتح على هذا أي اعلمني بما عندك فيه. واذا كان معنى الفتح ما وصف فقد بان ان معنى الآية. اتحدثونهم بما حكم الله عليكم وقضاه فيكم، ومن حكمه ما أخذ به ميثاقهم من الايمان بمحمد " ص " بما بينه في التوراة ومن قضائه انه جعل منهم القردة والخنازير.

فاذا ثبت ذلك، فان اقوى التأويلات: قول من قال: اتحدثونهم بما فتح الله عليكم من بعث محمد " ص " وصفته في التوارة، وانه رسول الله " ص " إلى خلقه.

وروي عن ابي جعفر " ع " انه قال: كان قوم من اليهود ليسوا بالمعاندين المتواطئين، اذا لقوا المسلمين، حدثوهم بما في التوراة من صفة محمد " ص " فنهاهم كبراؤهم عن ذلك، وقالوا: لاتخبروهم بما في التوراة من صفة محمد " ص " فيحاجوكم به عند ربكم، فنزلت الآية.

ومعنى قوله: " افلا تعقلون " افلا تفهمون ايها القوم أن اخباركم محمد " ص " واصحابه، بما تحدثونهم به واقراركم لهم بما تقرون لهم من وجودكم بعث محمد في كتبكم وانه نبي مبعوث حجة عليكم عند ربكم يحتجون بها عليكم.

وقال ابوعبيدة " بما فتح الله عليكم " أي بما من عليكم واعطاكم ليحاجوكم به.

وقال الحسن: في قوله " ليحاجوكم به عند ربكم " أي في ربكم فيكونوا اولى منكم اذا كانت حجتهم عليكم.

قال الحسن: ثم رجع إلى المؤمنين فقال: " افلا تعقلون " ايها المؤمنون فلا تطمعوا في ذلك.

قوله تعالى: أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون(77)

آية بلا خلاف.

المعنى: معناه: اولا يعلمون ان الله يعلم سرهم وعلانيتهم، فكيف يستخيرون أن

___________________________________

(1) سورة الاعراف آية: 89.

[317]

يسروا إلى اخوانهم النهي عن التحدث بما هو الحق وليسوا كسائر المنافقين، وان كانوا يسرون الكفر فانهم غير عالمين بان الله يعلم سرهم وجهرهم، لانهم جاحدون له. وهؤلاء مقرون. فهم من هذه الجهة ألوم واعجب شأنا واشد جزاء.

وقال قتادة في " اولا يعلمون ان الله يعلم ما يسرون " من كفرهم وتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وآله اذا خلا بعضهم إلى بعض. " وما يعلنون " اذا لقوا اصحاب محمد " ص " قالوا آمنا يغرونهم بذلك.

ومثله روي عن ابي العالية.

قوله تعالى: ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون(78)

آية بلا خلاف.

القراء‌ة: قرأ ابوجعفر المدني: اماني مخففا والباقون بالتشديد.

المعنى: قوله: " ومنهم " يعني هؤلاء اليهود الذين قص الله قصتهم في هذه الآيات وقطع الطمع في ايمانهم.

وقال اكثر المفسرين: سموا اميين، لانهم لا يحسنون الكتابة، ولا القراء‌ة.

يقال منه: رجل امي بين الامية.

ومنه قوله " ع " أما امة اميون لا يكتب ولا يحسب وانما سمي من لا يحسن الكتابة اميا لاحد امور.

قال قوم: هو مأخوذ من الامة أي هو على اصل ما عليه الامة من انه لا يكتب. لا يستفيد الكتابة بعد اذ لم يكن يكتب الثاني - ان الامة: الخلقة. فسمي اميا لانه باق على خلقته.

ومنه قول الاعشى:

وان معاوية الا كرمي‍ *** - ن حسان الوجوه طوال الامم(1)

والثالث - انه مأخوذ من الام. وانما اخذ منه، لاحد امرين: احدهما - لانه على ما ولدته امه من انه لا يكتب.

___________________________________

(1) اللسان " امم " الامم جمع امة يريد طوال القامات. في المخطوطة والمطبوعة " معونة " بدل " معاوية ".

[318]

والثاني - نسب إلى امه، لان الكتابة كانت في الرجال دون النساء فنسب من لا يكتب من الرجال إلى امه، لجهلها دون ابيه.

وقال ابوعبيدة الاميون هم الامم الذين لم ينزل عليهم كتاب.

والنبي الامي: الذي لا يكتب، وانشد لتبع:

له امة سميت بالزبو *** ر امية هي خير الامم

وروي عن ابن عباس: ان الاميين قوم لم يصدقوا رسولا ارسله الله عزوجل ولا كتابا انزله، وكتبوا كتابا بايديهم، وقالوا: لقوم جهال هذا من عند الله.

وقال: قد اخبر انهم يكتبون بايديهم، ثم سماهم اميون لجحودهم كتاب الله عزوجل ورسله. والوجه الاول اوضح في اللغة.

وهذا الوجه مليح لقوله في الآية الثانية " فويل للذين يكتبون الكتاب بايديهم " فأثبت انهم يكتبون ومن قال بالاول يحتاج، ان يجعل هذا مستأنفا لغير من تقدم ذكره، أو لبعضهم.

وقوله: " لا يعلمون الكتاب " أي لا يعلمون ما في الكتاب الذي انزله الله عزوجل، ولايدرون ما أودعه من حدوده وأحكامه وفرائضه، كهبئة البهائم. وانما هم مقلدة لا يعرفون ما يقولون. والكتاب المعني به التوراة. وانما ادخل عليه لام التعريف، لانه قصد به قصد كتاب معروف بعينه.

ومعنى الآية فريق لا يكتبون ولا يدرون ما في الكتاب الذي عرفتموه، والذي هو عندكم، وهم ينتحلونه، ويدعون الاقرار به من احكام الله عزوجل وفرائضه وما فيه من حدوده التي بينها فيه إلا اماني.

قال ابن عباس ومجاهد إلا قولا يقولون بافواههم كذبا.

وقال قتادة الاماني انهم يتمنون على الله ما ليس لهم.

وقال آخرون: الاماني احاديث.

وقال الكسائي والفراء وغيرهما: معناه إلا تلاوة، وهو المحكي عن ابي عبيدة على ما رواه عنه عبدالملك بن هشام، وكان ثقة.

وضعف هذا الوجه الحسين بن علي المغربي، وقال هذا لا يعرف في اللغة. ومن صححه استدل بقوله تعالى: " اذا القى تمنى الشيطان في امنيته "(1).

___________________________________

(1) سورة الحج آية 52.

[319]

قال كعب بن مالك:

تمنى كتاب الله اول ليلة *** واخره لا في حمام المقادر

وقال آخر:

تمنى كتاب الله بالليل خاليا *** تمني داود الزبور على رسل

وقال ابومسلم محمد بن بحر الاصفهاني: الاماني التقدير.

قال الشاعر:

ولا تقولن لشئ سوف افعله *** حتى يبين ما يمني لك الماني

أي ما يقدر لك المقدر " وإلا " هاهنا استثناء منقطع.

ومعناه لكن اماني وكل موضوع يعلم ان ما بعد إلا خارج عن الاول فهو بمعنى لكن، كقوله " ما لهم به من علم إلا اتباع الظن " وكقولهم ما في الدار واحد إلا حمارا، والا وتدا قال الشاعر:

ليس بيني وبين قيس عتاب *** غير طعن الكلى وضرب الرقاب(1)

وقال آخر:

حلفت يمينا غير ذي مثنوية *** ولا علم إلا حسن ظن بصاحب(2)

معناه لكن حسن ظني بصاحبي.

ومثله (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ)(3).

ومثله (لا عاصم اليوم من امر الله إلا من رحم)(4).

ولولا ولوما وهلا وإلا الثقيلة بمعنى واحد قال الشاعر:

تعدون عقر النيب افخر مجدكم *** بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا(5)

يعني هلا.

وقال آخر:

اتيت بعبد الله في القيد موثقا *** فهلا سعيدا ذا الجناية والعذر

___________________________________

(1) قائله: عمر وبن الايهم التغلبي، وقيل اسمه: عمر وقيل هو اعشى تغلب.

(2) قائله: نابغة بني ذبيان. ديوانه. مثنوية: استثناء.

(3) سورة النساء آية 91.

(4) سوره هود آية 43.

(5) قائله: جرير، من قصيدة يهحو بها الفرزدق. عقر الناقة: ضرب قوائمها. النيب ج ناب: الناقة المسنة. ضوطرى: الرجل الضخم اللئيم. والضوطرى: الامرأة الحمقاء. الكمي: الشجاع.

[320]

ثم قال آخر:

وما شيخوني غير اني ابن غالب *** واني من الاثرين عند الزغايف

واحدهم زغيف: وهو التابع.

وكل موضوع حسن ان يوضع فيه مكان إلا (لكن) فاعلم انه مكان استثناء منقطع. ولو قيل هاهنا ومنهم اميون لا يعلمون الكتاب لكن يتمنون لكان صحيحا.

والاماني واحدها امنية مثقل ومن خفف الياء قال، لان الجمع يكون على غير واحده بنقصان أو زيادة. والاماني كلهم يخففونها لكثرة الاستعمال، وكذلك الاضاحي.

واولى التأويلات قول ابن عباس ومجاهد: من ان الاميين الذين وصفهم الله بما وصفهم به في هذه الآية، وانهم لا يفقهون من الكتاب الذي انزل اليه على موسى شيئا لكنهم متخرصون الكذب. ويقولون: الباطل. والتمني في الموضوع تخلق الكذب وتخرصه. يقال منه تمنيت اذا افتعلته وتخلقته.

ومنه ما روي عن بعض الصحابة انه قال: ما تعنيت ولا تمنيت أي ما تخرصت الباطل، ولا تخلقت الكذب والافك، ويقوي ذلك قوله في آخر الآية: (وان هم إلا يظنون) فبين أنهم يتمنون ما يتمنون من الكذب ظنا لا يقينا، ولو كان المعنى انهم يتلونه لما كانوا ظانين وكذلك لو كانوا يتمنونه، لان الذي يتلوه اذا تدبر علمه، ولا يقال فيمن يقرأ كتابا لم يتدبره، وتركه انه ظان لما يتلوه إلا ان يكون شاكا فيما يتلوه ولا يدري أحق هو ام باطل، ولم يكن القوم الذين عاصروا النبي صلى الله عليه وآله من اليهود شاكين في التوراة انها من عند الله، وكذلك التمني.

لا يجوز ان يقال: هو ظان بتمنيه، لان التمني من المتمني اذا وجد لا يقال فيه شاك فيما هو عالم به، لانه ينافي العلم. والمتمني في حال وجود تمنيه لا يجوز ان يقال هو يظن تمنيه.

وقوله: (وان هم إلا يظنون) قال جميع المفسرين معناه يشكون.

والذي اقوله ان المراد بذلك نفي العلم عنهم، وقد ينتفي العلم تارة بالشك وتارة بالظن. واما في الحقيقة فالظن غير الشك، غير ان المعنى متفق عليه هاهنا..

[321]

قوله تعالى: فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون(79)

آية بلا خلاف.

اللغة والاعراب: قال الزجاج: الويل كلمة يستعملها كل واقع في هلكة. واصله في اللغة العذاب والهلاك وارتفع بالابتداء، وخبره الذين. ولو كان في غير القرآن، لجاز بالنصب على معنى جعل الله ويلا للذين.

والرفع على معنى ثبوت الويل للذين، ومثله الويح والويس اذا كان بعدهن لام رفعتهن. واما التعس والبعد وما اشبههما فهو نصب ابدا. فان اضفت ويل وويح وويس نصب من غير تنوين. تقول ويل زيد وويس زيد.

ولا يحسن في التعس والبعد الاضافة بغير لام فلذلك لم ترفع. وقد نصب قوم مع اللام فيقولون ويلا لزيد، ويحا لخالد.

قال الشاعر:

كسا اللؤم تيما خضرة في جلودها *** فويلا لتيم من سرابيلها الخضر(1)

المعنى: قال ابن عباس: " الويل " في الآية العذاب.

وقال الاصمعي هو التقبيح.

ومنه قوله: " ولكم الويل مما تصفون ".

وقال المفضل: معناه الحزن.

وقال قوم: هو الهوان والخزي، ومنه قول الشاعر:

يا زبرقان اخا بني خلف *** ما انت ويل ابيك والفخر(2)

وقال ابوسعيد الخدري: الويل واد في جهنم.

وقال عثمان بن عفان: هو جبل في النار.

___________________________________

(1) قائله جرير. اللسان: (ويل).

(2) البيت للمخبل اللسان: (ويل) وروايته (ويب) بدل (وبل). ومعنى ويب: التصغير والتحقير..

[322]

وقوله: " يكتبون الكتاب بايديهم "

معناه انهم يقولون كتبته، ثم يضيفونه إلى الله، كقوله " خلقت بيدي "(1) " وعملت ايدينا "(2) أي نحن تولينا ذلك ولم نكله إلى احد من عبادنا. ومثله رأيته بعيني وسمعته باذني ولفيته بنفسي. والمعنى في جميع ذلك التأكيد، ولانه قد يأمر غيره بالكتابة، فتضاف اليه مجازا.

فلذلك يقول الامي كتبت إلى آل فلان بكذا، وهذا كتابي اليك، وكما تقول: حملت إلى بلد كذا. وانما امرت بحمله. فاعلمنا الله تعالى انهم يكتبونه بايديهم، ويقولون هو من عندالله، وقد علموا يقينا اذا كتبوه بايديهم انه ليس من عند الله.

وفي الآية دلالة على ابطال قول المجبرة، لانه تعالى عابهم بهذا القول، اذ نسبوا ما كتبوه من التحريف إلى انه من عند الله، وجعل عليهم الويل. واذا كان تحريفه من الكتاب - ليس من عند الله، من جهة القول والحكم - فليس ذلك منه من جهة القضاء والحكم ولا التقدير والمشيئة.

وقال ابن السراج: معنى " بايديهم " أي من تلقاء انفسهم.

وقوله " ليشتروا به ثمنا قليلا ".

قال قوم: أي انه عرض الدنيا لانه قليل المدة، كما قال تعالى: " قل متاع الدنيا قليل "(3) ذهب اليه ابوالعالية.

وقال آخرون: إنه قليل لانه حرام.

وروي عن ابي جعفر (ع)، وذكره ايضا جماعة من اهل التأويل أن أحبار اليهود كانت غيرت صفة النبي صلى الله عليه وآله ليوقعوا الشك للمستضعفين من اليهود.

وقوله: " ويل لهم مما كانوا يكسبون "

يقولون مما يأكلون به الناس السفلة وغيرهم. واصل الكسب العمل الذي يجتلب به نفع أو يدفع به ضرر، وكل عامل عملا بمباشرة منه لما عمل. ومعناه هاهنا الاحتراف فهو كاسب لما عمل.

قال لبيد ابن ربيعة:

لمغفر قهد تنازع شلوه *** غبس كواسب لا يمن طعامها(4)

___________________________________

(1) سورة ص: آية 75.

(2) سورة يس: آية 71.

(3) سورة النساء: آية 76.

(4) معلقته. اللسان: (عفر) في المخطوطة والمطبوعة (بمعفر فهد) بدل (لمعفر قهد). وفي المطبوعة (غبش) بدل (غبس).

والمعفر: الذي القي في العفر، وهو التراب. والقهد : ولد البقر. والشلو: العضو من اللحم. وغبس: غبر ولا يمن طعامها: تكسب طعامها بنفسها..

[323]

وقيل الكسب عبارة عن كل عمل بجارحة يجتلب به نفع، أو يدفع به مضرة ومنه قيل للجوارح من الطير: كواسب.

الآية: 80 - 89

قوله تعالى: وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون(80)

آية بلا خلاف.

المعنى: قوله: " وقالوا " يعني اليهود الذين قالوا لن تمسنا النار، ولن ندخلها إلا اياما معدودة. وانما لم يبين عددها في التنزيل، لانه تعالى اخبر عنهم بذلك، وهم عارفون بعدد الايام التي يوقتونها في النار، فلذلك نزل تسمية عدد الايام، وسماها معدودة، لما وصفنا.

وقال ابوالعالية وعكرمة والسدي وقتادة: هي أربعون يوما. ورواه الضحاك عن ابن عباس.

ومنهم قال: انها عدد الايام التي عبدوا فيها العجل.

وقال ابن عباس: إن اليهود تزعم انهم وجدوا في التوراة مكتوبا ان ما بين طرفي جهنم مسيرة اربعين سنة، وهم يقطعون مسيرة كل سنة في يوم واحد، فاذا انقطع المسير، انقطع العذاب وهلكت النار.

وقال مجاهد وسعيد بن جبير عن ابن عباس: إنها سبعة ايام، لان عمر الدنيا سبعة آلاف سنة، وانهم يعذبون بعدد كل ألف سنة يوما واحدا من ايام الآخرة، وهو كألف سنة من ايام الدنيا.

ولما قالت اليهود ما قالت من قولها: لن تمسنا النار إلا اياما معدودة على ما بيناه، قال الله تعالى لنبيه: " قل اتخذتم عند الله عهدا " بما تقولون من ذلك أو ميثاقا، فالله

[324]

لا ينقض عهده " ام تقولون على الله ما لاتعلمون " من الباطل جهلا وجراء‌ة عليه القراء‌ة: وفي القراء من قرأ " أوتخذتم " بادغام الذال في التاء.

ومنهم من لم يدغم. واصل أتخذتم أأتخذتم. دخلت ألف الاستفهام على ألف القطع من نفس الكلمة، فكره اجتماعهما فحذفت الاصلية، وبقيت التي للاستفهام، لانها لمعنى - وهي وان كانت للاستفهام في الاصل - فالمراد بها هاهنا النكير، والتوبيخ، والاعلام لهم ولغيرهم أن الامر بخلاف ما قالوه، وانهم يقولون بغير علم.

والدليل على انها ألف استفهام كونها مفتوحة. ولو كانت اصلية لكانت مكسورة في إتخذتم، ولذلك يدخل بينهما المد كما قالوا في " آلله اذن لكم "(1)، لان قوله: " اذن الله " لو اخبر بها لكانت مفتوحة. ولو لم تدخل المدة لاشتبهت ألف الاستفهام بهمزة الخبر، وليس كذلك هاهنا، لان الفتحة تختص للاستفهام وفي الخبر تكون مكسورة. وفي المفتوحتين لابد من الجمع بين الهمزتين.

ومنهم من يفصل بينهما بمدة. ومنهم من لا يفصل، نحو قوله " أأمنتم من في السماء "(2)

 





 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 200

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 9087002

  • التاريخ : 30/09/2020 - 18:22

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net