00989338131045
 
 
 
 
 
 

  سورة البقرة ( من آية 103 ـ 126) 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : التبيان في تفسير القرآن ( الجزء الاول)   ||   تأليف : شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي


قوله تعالى: ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون(103)

آية بلا خلاف

الاعراب: الضمير في قوله: " ولو انهم آمنوا " عائد على الذين يتعلمون السحر.

قال الحسن: تعلموا ان ثواب الله خير لهم من السحر. وأما جواب لو فللنحويين فيه قولان. فالبصريون يذهبون إلى ان جوابه محذوف، وتقديره. ولاثيبوا. واوقع لمثوبة من عند الله موقعه. لدلالته عليه.

وقال بعضهم: التقدير ولو انهم آمنوا واتقوا لاثيبوا، ثم قال: " ولمثوبة من عندالله خير لو كانو يعلمون " أي لو كانوا يستعملون ما يعلمون. وليس انهم كانوا يجهلون ذلك، كما يقول الانسان لصاحبه - وهو يعظه: - ما أدعوك اليه خير لك لو كنت تعقل أو تنظر في العواقب والفكر فيها.

وقال الفراء: الجواب في " لمثوبة ". لان " لو " اشبهت لئن،(1) من حيث كان كل واحد منهما جزاء، فلما اشبهتها اجيبت بجوابها، فالمعنى لئن آمنوا لمثوبة.

فعلى القول الاول، لايجوز، لو أتاني زيد لعمرو خير منه. وعلى الثاني يجوز. ولو قلت لو اتاني زيد، لاكرامي خير له، جاز على الوجهين.

واللام التي في (لمثوبة) لام الابتداء، لانها دخلت على الاسم، كما دخلت في (علمت لزيد خير منك). ولو جاز هاهنا، لام القسم، لنصبت الاسم في علمت.

المعنى: فان قيل ما معنى قول الله تعالى " لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون " وهو خير علموا أولم يعلموا؟ قيل: لو كانوا يعلمون، لظهر لهم بالعلم ذلك، أي لعلموا أن ثواب الله خير من السحر.

وقال ابوعلي: المعني في ذلك الدلالة على جهلهم، والترغيب لهم في ان يعلموا ذلك، وان يطلبوا ما هو خير لهم من السحر - وهو ثواب

___________________________________

(1) في المطبوعة والمخطوطة (يكن) وهو تحريف فظيع.

[386]

الله الذي ينال بطاعته، واتباع مرضاته. وفيه دلالة على بطلان قول اصحاب المعارف، لانهم لو كانوا عارفين - على ما يقولونه، لما قال: " لو كانوا يعلمون ".

والمثوبة: الثواب - في قول قتادة والسدي والربيع - والثواب: هو الجزاء على العمل بالاحسان وهو منافع مستحقة يقاربها تعظيم وتبجيل.

اللغة: والمثوبة والثواب والاجر نظائر. ونقيض المثوبة العقوبة، يقال ثاب يثوب ثوبا وإثابة، واثابه اثابة، وثوابا، ومثوبة، واستثابة. وثوب تثويبا. والثواب في الاصل معناه: ما رجع اليك من شئ. تقول اعترت الرجل غشية، ثم ثابت اليه نفسه، ولذلك صار حق الثواب الجزاء، لانه العائد على صاحبه مكافأة ما فعل.

ومنه التثويب في الاذان وغيره: وهو ترجيع الصوت، ولا يقال، ذلك للصوت مرة واحدة.

ويقال ثوب الداعي اذا كرر دعاء‌ه إلى الحرب، أو غيرها.

ويقال انهزم القوم ثم ثابوا، أي رجعوا.

والثوب مشتق من هذا، لانه ثاب لباسا بعد أن كان قطنا، أو غزلا.

والثيب: التي قد تزوجت بوجه ما كان، ولا يوصف به الرجل إلا ان تقول ولد الثيبين وولد البكرين.

والمثابة: الموضع الذي يثوب اليه الناس.

قال الله تعالى: " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس " أي مجتمعا بعد التفرق.

ان لم يكن تفرقوا من هناك، فقد كانوا متفرقين ثابوا اليه.

ويقال ثاب الحوض ثئوبا اذا امتلا أو كاد يمتلئ.

وأصل الباب الثوب: الرجوع القراء‌ة: قرأ قتادة (لمثوبة) بسكون الثاء وفتح الواو - وهي لغة جازت على الاصل - كما قالوا: مشورة ومشورة - بفتح الواو وسكون الشين، وضم الشين وسكون الواو - والقراء على خلافه.

والعرب مجمعون على إلقاء الالف من قولهم: هذا خير منك، وشر منك، إلا بعض بني عامر يقولون: ما اريد خيرا اخير من ذا.

وقال بعضهم أيضا: هذا أشر من ذا - والوجه طرح الالف -

[387]

قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب اليم(104)

آية بلا خلاف

اللغة: المراعاة: التفقد للشئ في نفسه، أو احواله. والمراعاة، والتحفظ، والمحافظة، والمراقبة: نظائر.

ونقيض المراعاة الاغفال: يقال رعى يرعى رعيا، والرعي: ما تأكله الماشية من نبات الارض.

ورعى الله فلانا اذا حفظه.

ورعيت له عهده وحقه بعده، أو في من خلف. وارعيته سمعي اذا اصغيت اليه.

وراعيته نفسي: اذا لا حظته. وجمع الراعي: رعاء ورعاة ورعيان.

والرعاية: فعل الراعي، ويرعاها رعاية: اذا ساقها، وسرحها، وأراحها، فقد رعاها، وكل من ولي قوما فهو راعيهم - وهم رعيته - والمرعي من الناس: المسوس.

والراعي: السائس ويقال: فلان يراعي كذا: معناه ينظر إلى ما يصير اليه أمره.

ورعيت النجوم: أي رقبتها، واسترعاه الله خلقه، أي ولاه أمرهم ليرعاهم.

والارعاء: الابقاء على اخيك.

وتقول اراعينى سمعك أي اسمع يا فلان.

وكان المسلمون يقولون: يا رسول الله راعنا: أي استمع منا، فحرفت اليهود، فقالوا: يا محمد راعنا - وهم يلحدون إلى الرعونة - يريدون به النقيصة، والوقيعة، فلما عوتبوا قالوا: نقول كما يقول المسلمون، فنهى الله عن ذلك فقال: " يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا " ورجل ترعية: الذي لم تزل صنعته وصنعة آبائه الرعاية(1).

قال الشاعر:

يسوقها ترعية جاف فضل *** إن رتعت صلى وإلا لم يصل(2)

واصل الباب: الرعي: الحفاظ.

___________________________________

(1) في المطبوعة لم يزل صنعة وصنيعه امامة الرعاية.

(2) اللسان (فضل) وبه رواية اخرى يلضا: يتبعها بدل يسوقها.

وفي المخطوطة والمطبوعة هكذا:

يسوسها ترعية حاف فصل *** فان رعت صلا والا لم يصل

رجل فضل وامراة فضل: متفضل في ثوب واحد.

[388]

المعنى: وأما الآية فللمفسرين فيها ثلاثة أقوال: - قال ابن عباس ومجاهد: " لاتقولوا راعنا "، أي لاتقولوا: اسمع منا ونسمع منك.

وقال عطاء: " لاتقولوا راعنا "، أي لاتقولوا خلافا. وروي ذلك ايضا عن مجاهد. وهذا الاوجه له - إلا ان يراد (راعنا) بالتنوين. - وقيل: معناه ارقبنا.

قال الاعشى:

يرعي إلى قول سادات الرجال اذا *** ابدوا له الحزم أو ما شاء‌ه ابتدعا(1)

يعني يصغي.

وقال الاعشى ايضا:

فظلت أرعاها وظل يحوطها *** حتى دنوت اذا الظلام دنا لها(2)

والسبب الذي لاجله وقع النهي عن هذه الكلمة، قيل فيه خمسة أقوال: احدها - ما قاله قتادة وعطية: انها كلمه كانت تقولها اليهود على وجه الاستهزاء.

(الثاني) - وقال عطاء هي كلمة كانت الانصار تقولها في الجاهلية، فنهوا عنها في الاسلام.

(الثالث) - وقال ابوالعالية: ان مشركي العرب كانوا اذا حدث بعضهم بعضا، يقول احدهم لصاحبه ارعنا سمعا فنهوا عن ذلك.

(الرابع) - وقال السدي: كان ذلك كلام يهودي بعينه، يقال له: رفاعة ابن زيد. يريد بذلك الرعونة فنهي المسلمون عن ذلك.

___________________________________

(1) ديوانه: 86. ابتدع: احدث ما شاء.

(2) ديوانه: 27. في المخطوطة والمطبوعة (وضللت) بدل (فظللت) و (نحو دنوت) بدل (حتى دنوت).

[389]

(الخامس) - وقال ابوعلي قد بين الله عزوجل، انها كلمة كانت اليهود تلوي بها السنتهم - في قوله: - " من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ".(1) " ويقولون سمعنا وعصينا "(2) " اسمع غير مسمع وراعنا ليا بالسنتهم وطعنا في الدين "(3) وهو قول ابن عباس، وقتادة وقيل: " لاتقولوا راعنا " من المراعاة والمكافأة. فامروا أن يخاطبوا النبي صلى الله عليه وآله بالتوقير والتعظيم، اي لا تقولوا: راعنا سمعك، حتى نفهمك وتفهم عنا.

وقال ابوجعفر (ع) هذه الكلمة: سب(4) بالعبرانية - اليه كانوا يذهبون - قال الحسين بن علي المغربي فبحثتهم عن ذلك فوجدتهم يقولون راع رن(5) قال: على معنى الفساد والبلاء، ويقولون: (انا) بتفخيم النون، واشمامها بمعنى، لان مجموع اللفظين واللفظتين فاسد، لان فلما عوتبو على ذلك قالوا إنا نقول: كما يقول المسلمون. فنهي المسلمون عن ذلك. ولما كان معنى (راعنا) يراد به النظر قال: قولوا عوضها انظرنا، اي انظرنا الينا " واسمعوا ": ما يقوله لكم الرسول.

القراء‌ة: وروي عن الحسن انه كان يقرأ " راعنا " بالتنوين بمعنى لاتقولوا: قولا راعنا يعني من الرعونة، وهي الحمق، والجهل، وهذا شاذ لا يؤخذ به، وفي قراء‌ة ابن مسعود " راعنا " خطاب من جماعة لجماعة بمراعاتهم وهذا ايضا شاذ.

المعنى: ومعنى انظرنا يحتمل امرين: احدهما - انتظرنا نفهم ونتبين ما تعلمنا. والثاني - قال مجاهد: معناه ففهمنا، بين لنا يامحمد يقال منه: نظرت الرجل انظره

___________________________________

(1) سورة النساء: آية 45. والمائدة: 14.

(2) سورة البقرة: آية 93.

(3) سورة النساء: آية 45.

(4) في المخطوطة والمطبوعة (سبت). هكذا في المخطوطة والمطبوعة. ولم نجدها في باقي التفاسير.

[390]

نظرة، بمعنى انتظرته وارتقبته.

ومنه قوله: " انظرونا نقتبس "(1) اي انتظرونا وقيل معناه: اقبل علينا.

وقوله: " واسمعوا " يحتمل امرين: احدهما - قال الحسن والسدي: إن معناه اسمعوا ما ياتيكم به الرسول.

والثاني - ما قال ابوعلي: معناه اقبلوا ما يامركم به الرسول من قوله: سمع ألله لمن حمده، وسمع الله دعاك، وقبله.

وقال علقمة والحسن والضحاك: كل شئ من القرآن: " يا ايها الذين امنوا " فانه نزل بالمدينة.

قوله تعالى: ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين ان ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم(105)

آية واحدة بلا خلاف.

معنى ما يود: ليس يحب. يقال منه: وده يوده ودا، وودادا. والمودة المحبة.

" ولا المشركين " في موضع جر بالعطف على اهل الكتاب. وتقديره، ولا من المشركين.

وقوله: " ان ينزل " في موضع نصب بقوله: " يود ".

وانما ذموا على ذلك - وان كان ذلك ميل الطباع، - لان ذلك في دلالة على انهم فعلوا كراهية لذلك، وتعرضوا بذلك لعداوة المؤمنين. وكان الذم عليهم لذلك، ولو رفع " المشركين " عطفا على " الذين كفروا " كان جائزا ولكن لم يقرا به احد.

ومثله في احتماله الامرين قوله: " يا آيها الذين امنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم لهوا ولعبا من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم والكفار اولياء "(2). - بخفض الراء وفتحها - وقرئ بهما.

___________________________________

(1) سورة الحديد: آية 13.

(2) سورة المائدة: آية 60.

[391]

و " من " في قوله: " من خير " زائدة مؤكدة، كقولك: ما جاء‌ني من احد.

وموضعها رفع قال ابوذؤيب:

جزيتك ضعف الود لما استبنته *** وما ان جزاك الضعف من احد قبلي(1)

واما " من " في قوله: " من ربكم " فلابتداء الغاية.

والتي في قوله: " من اهل الكتاب " فللتنويع، مثل التي في قوله: " فاجتنبوا الرجس من الاوثان "(2).

قوله: " يختص برحمته من يشاء ".

المعنى: روي عن علي (ع) وابي جعفر الباقر (ع) انه أراد النبوة.

وبه قال الحسن، وابوعلي والرماني، والبلخي وغيرهم من المفسرين.

وقال " يختص بها من يشاء " من عباده.

وروي عن ابن عباس انه اراد دين اسلام.

وهذا بعيد، لانه تعالى وصف ذلك بالانزال، وذلك لا يليق الا بالنبوة.

اللغة: والاختصاص بالشئ هو الانفراد به. والاخلاص له مثله. وضد الاختصاص الاشتراك.

ويقال خص خصوصا، وتخصص: تخصصا.

وخصصه: تخصيصا، وكلمه خاصة من ذلك، وكلمة عامة ووسائط من ذلك.

ويقال: خصه بالشئ، يخصه خصا: اذا وصله به. وخصان الرجل. من يختصه من اخوانه.

والخصائص: الفرج والخصاصة: الحاجة. والخص شبه كوة تكون في قبة أو نحوها، اذا كان واسعا قدر الوجه.

وقال الراجز:

وان خصاص ليلهن استدا *** ركبن في ظلمائه ما اشتدا(3)

___________________________________

(1) اللسان (ضعف) قال الاصمعي: معناه اضعفت لك الود، وكان ينبغي أن يقول: ضعفي الود.

(2) سورة الحج: آية 30.

(3) اللسان (خصص) استد أي استتر بالغما.

[392]

شبه القمر بالخصاص. وكل خلل أو خروق تكون في السحاب او النخل، تسمى الخصاصة: والخصائص فرج بين الاثا في(1) وأصل الباب: الانفراد بالشئ.

فمنه الخصائص: الفرج انفراد كل واحد عن الآخر من غير جمع بينهما.

ويقال: اختصصته بالفائدة واختصصت بها انا، كقولك: افردته بها، وانفردت بها.

وتقدير الآية ما يحب الكافرون من اهل الكتاب، ولا المشركين بالله من عبدة الاوثان، ان ينزل عليكم شيئا من الخير الذي عنده، والخير الذي تمنوه الا ينزله الله عليهم ما اوحى إلى نبيه، وانزله عليه من الشرائع، والقرآن بغيا منهم، وحسدا.

" والله ذو الفضل العظيم " خير منه (تعالى) ان كل خيرنا له عباده في دينهم، ودنيا هم، فانه من عنده ابتداء، وتفضلا منه عليهم من غير استحقاق منهم ذلك عليه.

قوله تعالى: ما ننسخ من آية او ننسها نات بخير منها او مثلها الم تعلم ان الله على كل شئ قدير(106)

آية بلا خلاف.

القراء‌ة: قرأ ابن عامر، الا الداحوني عن هشام " ما ننسخ " بضم النون وكسر السين. الباقون يفتحها.

وقرأ ابن كثير وابوعمرو " ننساها " بفتح النون، والسين، واثبات الهمزة الساكنة بعد السين.

الباقون - بضم النون، وخفض السين بلا همزة.

اللغة: النسخ والبدل والخلف نظائر. يقال: نسخ نسخا، وانتسخ انتساخا، واستنسخ استنساخا، وتناسخوا تناسخا، وناسخ مناسخة.

___________________________________

(6) بين الاثافي أي بين الاصابع.

[393]

قال ابن دريد: كل شئ خلف شيئا، فقد انتسخه، ونسخت الشمس الظل، وانتسخ الشيب الشباب.

وقال صاحب العين: النسخ ان تزيل امرا كان من قبل يعمل به، ثم تنسخه بحادث غيره. كالآية نزل فيها امر، ثم يخفف الله عن العباد بنسخها بآية اخرى، فالآية الاولى منسوخة، والثانية ناسخة. وتناسخ الورثة أن تموت ورثة بعد ورثة واصل الميراث قائم لم يقسم، وكذلك تناسخ الازمنة من القرون الماضية. واصل الباب: الابدال من الشئ غيره.

وقال الرماني: النسخ الرفع، لشئ قد كان يلزمه العمل به إلى بدل، وذلك كنسخ الشمس بالظل لانه يصير بدلا منها - في مكانها - وهذا ليس بصحيح، لانه ينتقض بمن تلزمه الصلاة قائما ثم يعجز عن القيام، فانه يسقط عنه القيام لعجزه. ولا يسمى العجز ناسخا، ولا القيام منسوخا، وينتقض بمن يستبيح بحكم العقل عند من قال بالاباحة، فاذا ورد الشرع يحظره، لا يقال الشرع نسخ حكم العقل، ولا حكم العقل يوصف بانه منسوخ، فاذا الاولى في ذلك ما ذكرناه في اول الكتاب: وهو ان حقيقة كل دليل شرعي دل على ان مثل الحكم الثابت بالنص الاول غير ثابت فيما بعد على وجه لولاه لكان ثابتا بالنص الاول مع تراخيه عنه، فاذا ثبت ذلك، فالنسخ في الشرع: على ثلاثة اقسام. نسخ الحكم دون اللفظ، ونسخ اللفظ دون الحكم، ونسخهما معا.

فالاول - كقوله: " يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبون مأتين " إلى قوله: " الآن خفف الله عنكم وعلم ان فيكم ضعفا فان يكن منكم مأة صابرة يغلبون مأتين "(1)، فكان الفرض الاول وجوب ثبات الواحد للعشرة، فنسخ بثبوت الواحد للاثنين، وغير ذلك من الاي المنسوخ، حكمها، وتلاوتها ثابتة، كآية العدة، وآية حبس من يأتي بالفاحشة، وغير ذلك.

والثاني - كآية الرجم. قيل انها كانت منزلة فرفع لفظها وبقي حكمها.

والثالث - هو مجوز وان لم يقطع بانه كان.

وقد روي عن ابي بكر انه كان يقرأ لا ترغبوا عن آبائكم فانه كفر(2)

___________________________________

(1) سورة الانفال: آية 65، 66.

(2) في المطبوعة زيادة (بكم).

[394]

المعنى: واختلفوا في كيفية النسخ على أربعة اوجه: - قال قوم: يجوز نسخ الحكم والتلاوة من غير افراد واحد منهما عن الآخر.

- وقال آخرون: يجوز نسخ الحكم دون التلاوة.

- وقال آخرون: يجوز نسخ القرآن من اللوح المحفوظ، كما ينسخ الكتاب من كتاب قبله.

- وقالت فرقة رابعة: يجوز نسخ التلاوة وحدها، والحكم وحده، ونسخهما معا - وهو الصحيح - وقد دللنا على ذلك، وافسدنا سائر الاقسام في العدة في اصول الفقه.

وذلك ان سبيل النسخ سبيل سائر ما تعبد الله تعالى به، وشرعه على حسب ما يعلم من المصلحة فيه فاذا زال الوقت الذي تكون المصلحة مقرونة به، زال بزواله.

وذلك مشروط بما في المعلوم من المصلحة به، وهذا القدر كاف في ابطال قول من ابى النسخ - جملة - واستيفاؤه في الموضع الذي ذكرناه.

وقد انكر قوم جواز نسخ القرآن، وفيما ذكرناه دليل على بطلان قولهم، وقد جاء‌ت اخبار متظافرة بانه كانت اشياء في القرآن نسخت تلاوتها، فمنها ما روي عن ابي موسى: انهم كانوا يقرؤون لو ان لابن آدم واديين من مال لا بتغى اليهما ثالث، لا يملا جوف ابن آدم إلا التراب. ويتوب الله على من تاب. ثم رفع.

وروي عن قتادة قال: حدثنا انس بن مالك أن السبعين من الانصار الذين قتلوا ببئر معونة: - قرأنا فيهم كتابا - بلغوا عنا قومنا انا لقينا ربنا، فرضي عنا وارضانا، ثم ان ذلك رفع. ومنها الشيخ والشيخة - وهي مشهورة -.

ومنها ما روي عن ابى بكر انه قال: كنا نقرأ: لاترغبوا عن آبائكم فانه كفر.

ومنها ما حكي: ان سورة الاحزاب كانت تعادل سورة البقرة - في الطول - وغير ذلك من الاخبار المشهورة بين اهل النقل.

[395]

والخبر على ضربين: احدهما - يتضمن معنى الامر بالمعروف - فما هذا حكمه - يجوز دخول النسخ فيه.

والآخر يتضمن الاخبار عن صفة الامر.(1) لا يجوز تغييره في نفسه، ولا يجوز ان يتغير من حسن إلى قبح أو قبح إلى حسن، فان ذلك لا يجوز دخول النسخ فيه. وقد بينا شرح ذلك في العدة.

والافعال على ثلاثة اقسام - احدها - لا يكون إلا حسنا.

وثانيها - لا يكون إلا قبيحا.

وثالثها - يحتمل الحسن والقبح بحسب ما يقع عليه من الوجوه:

فالاول - كارادة الافعال الواجبة، أو المندوبة التي لا يجوز تغيرها، كشكر المنعم، ورد الوديعة، والاحسان الخالص وغير ذلك.

والثاني - كارادة القبيح، وفعل الجهل.

والثالث - كسائر الافعال التي تقع على وجه، فتكون حسنة، وعلى آخر فتصير قبيحة.

فالاول، والثاني لايجوز فيه النسخ. والثالث يجوز فيه النسخ.

ومن قرأ ننسخ - بفتح النون - فمن نسخت الكتاب. فانا ناسخ، والكتاب منسوخ.

ومن قراء - بضم النون، وكسر السين - فانه يحتمل فيه امرين: احدهما - قال ابوعبيدة: ما ننسخك يا محمد. يقال نسخت الكتاب، وانسخه غيري. والاخر - نسخته جعلته ذا نسخ.

كما قال قوم للحجاج - وقد قتل رجلا -: أقبرنا فلانا أي جعله ذا قبر يقال قبرت زيدا: اذا دفنته واقبره الله: جعله ذا قبر كما قال: " ثم اماته فاقبره "(2) وقوله " أوننسأها " فالنس‌ء التأخير ونقيضه التقديم، يقال انسأت الابل عن الحوض أنسأها نسأ: اذا اخرتها عنه، وانتسأت عن الشئ -: اذا تباعدت عنه - انتساء ونسأت الابل في ظمئها فانا أنسؤها نسأ: اذا زدتها في ظمئها يوما أو يومين، أو اكثر من ذلك.

___________________________________

(1) في المطبوعة (صنعة الامر).

(2) سورة عبس: آية 21.

[396]

وظمؤها: منعها الماء.

ونسأت الماشية تنسأ نسأ: اذا سمنت.

وكل سمين ناسئ، تأويلها ان جلودها نسأت اي تأخرت عن عظامها، قاله الزجاج، قال غيره: انما قيل ذلك لانها تأخرت في المرعى حتى سمنت، ونسأت المرأة تنسئ نسأ اذا تأخر حيضها عن وقته، ورجي حملها، ويقال: انسأت فلانا البيع(1) ونسأ الله في اجل فلان، وانسأ الله اجله اذا أخر اجله.

والنسئ تأخر الشئ، ودفعه عن وقته، ومنه قوله تعالى: " انما النسئ زيادة في الكفر "(2) وهو ما كانت العرب تؤخر من الشهر الحرام في الجاهلية. ونسأت اللبن أنسؤه نسأ اذا اخذت حليبا وصببت عليه الماء، واسم ذلك: النسئ، والنسئ هذا سمي بذلك، لانه اذا خالطه الماء أخر بعض اجزاء اللبن عن بعض قال الشاعر:

سقوني النس‌ء ثم تكنفوني *** عداة الله من كذب وزور(3)

ويقال للعصاة المنساة، لانها ينسأ بها، أي يؤخر بها ما يساق عن مكانه، ويدفع بها الانسان عن نفسه ونسأت ناقتي اذا رفعتها في السير واصل الباب التأخير.

المعنى: وقال الحسن في قوله: " ما ننسخ من آية أو ننسها " ان نبيكم صلى الله عليه وآله أقرئ قرآنا ثم نسيه، فلم يكن شيئا. ومن القرآن ما قد نسخ وأنتم تقرأونه.

وقال ابن عباس " ما ننسخ من آية " أي ما نبدل من آية، ومن قرأ ننسأها بالهمز فان معناه نؤخرها(4) من قولك هذا الامر أنسؤه نساء اذا أخرته وبعته بنسأ أي بتأخير، وهو قول عطا وابن ابي نجيح، ومجاهد، وعطية وعبيد بن عمير.

وعلى هذا يحتمل نؤخرها امرين.

احدهما فلا ننزلها وننزل بدلا منها ما يقوم مقامها في المصلحة، أو ما يكون اصلح للعباد منها. وهذا ضعيف لانه لا فائدة في تأخير ما لايعرفه العباد، ولاعلموه ولا سمعوه.

___________________________________

(1) في المخطوطة والمطبوعة (المنع).

(2) سورة التوبة: آية 38.

(3) قائلة عروة بن الورد العبسي. اللسان (نسأ) في المخطوطة والمطبوعة (النسئ) بدل (النس‌ء) وهما لغتان.

(4) في المطبوعة (لو أخرها) وهو تحريف من الناسخ.

[397]

والثاني - نؤخرها إلى وقت ثان، فنأتي بدلا منها في الوقت المقدم، بما يقوم مقامها.

فاما من حمل ذلك، على معنى يرجع إلى النسخ، فليس يحسن لانه يصير تقديرها، ما ننسخ من آية او ننسخها. وهذا لايجوز.

ومعنى قوله: " نأت بخير منها او مثلها ".

المعنى: قيل فيه قولان: احدهما - قال ابن عباس نأت بخير منها لكم في التسهيل والتيسير، كالامر بالقتال الذي سهل على المسلمين بدلالة قوله " الان خفف الله عنكم "(1) او مثلها كالعبادة بالتوجه إلى الكعبة بعد ما كان إلى بيت المقدس. والوجه الثاني بخير منها في الوقت الثاني، اي هي لكم خير من الاولى في باب المصلحة، او مثلها في ذلك.

وهو قول الحسن وهذا الوجه اقوى، وتقديره كأن الآية الاولى في الوقت الثاني في الدعاء إلى الطاعة، والزجر عن المعصية، مثل الآية الاولى في وقتها. فيكون اللطف بالثانية، كاللطف بالاولى الا انه في الوقت الثاني يسهل بها دون الاولى.

وقال ابوعبيدة معنى " ننساها "(2) اي نمضيها فلا ننسخها قال طرفة:

امون كألواح الاران نسأتها *** على لاحب كانه ظهر برجد(3)

يعني امضيتها ومن قرأ " ننسها " بضم النون، وكسر السين يحتمل امرين: احدهما - ان يكون مأخوذا من النسيان إلا انه لا يجوز أن يكون ذلك

___________________________________

(1) سورة الانفال: آية 66.

(2) في المخطوطة (يستقيم).

(3) معلقته المشهورة، واللسان (أرن). في المخطوطة (وعنس) بدل (أمون) وفي المطبوعة (كالراح) بدل (كالواح). ومعنى الامون التي أمنت أن تكون ضعيفة، والاران: التابوت الذي تحمل فيه الموتى، واللاحب: الطريق الواضح، والبرجد: كساء من اكسية العرب.

[398]

من النبي صلى الله عليه وآله لانه لا يجوز ذلك من حيث ينفر عنه، ويجوز ذلك على الامة بان يؤمروا بترك قراء‌تها، وينسونها على طول الايام.

ويجوز ان ينسيهم الله (تعالى) ذلك وان كانوا جمعا كثيرا، ويكون ذلك معجزا بمعنى الترك من قوله: " نسوا الله فنسيهم "(1) والاول عن قتادة، والثاني عن ابن عباس وقال معناه: نتركها لا نبدلها.

وقال الزجاج: ننسها بمعنى نتركها خطأ، انما يقال: نسيت بمعنى تركت، ولا يقال انسيت بمعنى تركت وانما معنى ننساها نتركها، اي ان نامركم بتركها.

قال الرماني: انما فسر المفسرون على ما يؤول اليه المعنى لانه اذا امر بتركها، فقد تركها.

فان قيل: اذا كان نسخ الآية رفعها، وتركها فما معنى ذلك إلا ان يترك، ولم جمع بينهما؟ قيل: ليس معنى تركها الا ان يترك، وقد غلط الزجاج في توهمه ذلك، وانما معناه اقرارها، فلا ترفع، كما قال ابن عباس: يتركها، ولا نبدلها وانما قال: " الم تعلم ان الله على كل شئ قدير " تنبيها على انه يقدر على ايات وسور مثل القرآن ينسخ بها امره لنا فيه بما امرنا، فيقوم في النفع مقام المنسوخ. او اكثر.

وقال بعضهم: معنى " او " في الآية الواو، كان قال: ما ننسخ من ايه وننساها نات بخير منها، فعلى هذا زالت الشبهة.

فان قيل: اي تعلق بين هذه الآية وبين التي قبلها؟ قلنا: لما قال في الآية الاولى " ما يود الذين كفروا من اهل الكتاب ولا المشركين ان ينزل عليكم من خير من ربكم " دل في هذه الآية على انه جل وعز، لايخليهم من إنزال خير اليهم، خلاف ما يود اعداؤه لهم: فان قيل: هل يجوز نسخ القرآن بالسنة أم لا؟ قلنا فيه خلاف بين الفقهاء، ذكرناه في اصول الفقه، وبين اصحابنا ايضا فيه خلاف، إلا ان يقوى في النفس جواز ذلك.

وقد ذكرنا ادلة الفريقين، الشبه فيها في اصول الفقه - لايحتمل ذكرها هذا المكان. وانما اخرنا ذلك، لان تلاوة القرآن، والعمل بما فيه تابع للمصلحة، ولا يمتنع ان تتغير المصلحة، تارة في التلاوة فتنسخ، وتارة في الحكم فينسخ، وتارة فيهما فينسخان. وكذلك لايمتنع ان تكون المصلحة في ان تنسخ، تارة بقرآن، وتارة

___________________________________

(1) سورة التوبة: آية 68.

[399]

بالسنة المقطوع بها. فذلك موقوف على الادلة.

وقوله: " نأت بخيرمنها " لا يدل على ان السنة خير من القرآن، لان المراد بذلك نأت بخير منها من باب المصلحة. على ان قوله: " نات بخير منها " فمن اين ان ذلك الخبر يكون ناسخا. فلا متعلق في الآية يمنع من ذلك. والاولى جوازه. على ان هذا وان كان جائزا، فعندنا انه لم يقع، لانه لا شئ من ظواهر القرآن يمكن ان يدعى انه منسوخ بالسنة اجماعا، ولا بدليل يوجب العلم. واعيان المسائل فيها خلاف، نذكر ما عندنا فيه - اذا مررنا بتاويل ذلك.

واما ما روي عن ابن سعيد ابن المسيب من انه كان يقرأ (أو تنسها) بالتاء المعجمة من فوق، وفتح السين - فشاذ، لا نلتفت اليه، لانا قد بينا ان النبي " ص " لا يجوز عليه ان ينسى شيئا من وحي الله.

وكذلك ما روي عن ابي رحا العطاردي " ننسها " بضم النون الاولى، وفتح الاخرى، وتشديد السين - ذكرها شاذة.

وفي الآية دليل على ان القرآن غير الله، وان الله هو المحدث له، والقادر عليه، لان ما كان بعضه خيرا من بعض، او شرا من بعض، فهو غير الله لا محالة. وفيها دليل ان الله قادر عليه، وما كان داخلا تحت القدرة، فهو فعل، والفعل لا يكون إلا محدثا، ولانه لو كان قديما لما صح وجود النسخ فيه، لانه اذا كان الجميع حاصلا فيما لم يزل، فليس بعضه بان يكون ناسخا، والاخر منسوخا باولى من العكس.

فان قيل: لم قال: " ألم تعلم ان الله " او ما كان النبي " ص " عالما بان الله على كل شئ قدير؟ قلنا عنه جوابان: احدهما - ان معنى قوله: " الم تعلم " اما علمت؟ والثاني - انه خرج ذلك مخرج التقرير، كما قال: " أأنت قلت للناس "(1).

وفيه جواب ثالث - انه خطاب للنبي " ص " والمراد امته، بدلالة قوله بعد ذلك: " وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ".

___________________________________

(1) سورة المائدة آية 116.

[400]

قوله تعالى: ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والارض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير(107)

آية.

المعنى: " الولي " في الآية: هو القيم بالامر. من وليه الشئ. ومنه ولي عهد المسلمين.

ومعنى قوله: " من دون الله " سوى الله.

قال امية بن ابي الصلت:

يا نفس مالك دون الله من واقي *** وما على حدثان الدهر من باقي(2)

وفي قوله: " مالكم من دون الله من ولي ولا نصير " ثلاثة اوجه:

احدها - التحذير من سخط الله وعقابه اذ لا احد يمنع منه.

والثاني - التسكين لنفوسهم: ان الله ناصرهم دون غيره، اذ لا يعتد بنصر احد مع نصره.

والثالث - التفريق بين حالهم، وحال عباد الاوثان. مدحا وذما لاؤلئك.

وبهذا قال ابوعلي الجبائي، وإنما للنبي " ص " " الم تعلم ان الله له ملك السماوات والارض " وان كان النبي " ص " عالما بان له ملك كله، لامرين: احدهما - التقرير والتنبيه الذي يؤول إلى معنى الايجاب كما قال جرير:

ألستم خير من ركب المطايا *** واندى العالمين بطون راح؟

وانكر الطبري ان يدخل حرف الاستفهام على حرف الجحد بمعنى الاثبات والبيت الذي انشدناه، يفسد ما قاله، وايضا قوله: " أليس ذلك بقادر على ان يحيي الموتى "(2) وقوله: " أليس الله بكاف عبده "(3) وغير ذلك يفسد ما قاله.

___________________________________

(1) ديوانه: 43 في المطبوعة (راق) بدل (واق).

(2) سورة الانسان: آية 40.

(3) سورة الزمر: آية 36.

[401]

والوجه الثاني - انه خطاب للنبي صلى الله عليه وآله والمراد به امته كما قال: " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء "(1) وقال جميل بن معمر:

ألا ان جيراني العشية رائح *** دعتهم دواع من هوى ومنادح(2)

وانما يحسن ذلك، لان غرضه الخبر عن واحد فلذلك قال: رائح وقال أيضا:

خليلي فيما عشتما هل رأيتما *** قتيلا بكى من حب قاتله قبلي(3)

يريد قاتلته، فكنى بالمذكر بالمذكر عن المؤنث.

قال الكميت:

إلى السراج المنير احمد لا *** يعدلني رغبة ولا رهب(4)

عنه إلى غيره ولو رفع الن‍ *** اس الي العيون وارتقبوا(5)

وقيل افرطت بل قصدت ولو *** عنفنى القائلون او ثلبوا(6)

لج بتفضيلك اللسان ولو *** اكثر فيك الضجاج واللجب

(7) انت المصفى المحض المهذب في الن‍ *** سبة إن نص قومك النسب(8)

قالوا: انما خرج كلامه على وجه الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله، واراد به أهل بيته بدلالة قوله: ولو اكثر فيك الضجاج واللجب، لانه لا أحد يوصف من المسلمين بتعنيف مادح النبي صلى الله عليه وآله ولا باكثار الضجاج واللجب في إطناب القول فيه، وانما قال: " له ملك السموات " ولم يقل ملك، لانه اراد ملك السلطان والملكة دون الملك.

___________________________________

(1) سورة الطلاق: آية 2.

(2) لم نجده في ديوانه، منادح: البلاد الواسعة البعيدة.

(3) الامالي 2: 74 والاغاني 1: 117 و 7: 140. في المخطوطة والمطبوعة " أو " بدل " هل ".

(4) الهاشميات 34 والحيوان للجاحظ 170 - 171.

(5) " عنه إلى غيره " متعلق بقوله: " لا يعدلني.. " في البيت قبله.

(6) افرطت: جاوزت الحد.

قصدت: عدلت بين الافراط والتقصير.

الثلب: العيب والذم.

في المخطوطة والمطبوعة " العالمون " بدل " القائلون ".

(7) فيك - هنا -: بسببك ومن اجلك.

الضجاج: مصدر ضاجه - بتشديد الجيم - يضاجه مضاجة وضجاجا: المشاغبة مع الصياح.

واللجب ارتفاع الاصوات واختلاطها طلبا للغلبة.

(8) هذب الشئ: نقاه من كل ما يعيب. نص الشئ: رفعه وأبانه. يعني أبان فضلهم على غيرهم.

[402]

يقال من ذلك: ملك فلان على هذا الشئ يملكه ملكا وملكا وملكا. والنصير فعيل من قولك: نصرتك انصرك فأنا ناصر ونصير، وهو المؤيد والمقوي.

قوله تعالى: أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالايمان فقد ضل سواء السبيل(108)

آية بلا خلاف.

سبب النزول: اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية، فروي عن ابن عباس أنه قال: قال رافع بن خزيمة، ووهب بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وآله إئتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرأه، وفجر لنا انهارا، نتبعك ونصدقك، فانزل الله في ذلك من قولهما " أم تريدون ان تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل " وقال الحسن عنى بذلك المشركين من العرب لما سألوه فقالوا " أو تاتي بالله والملائكة قبيلا "(1) وقالوا: " او نرى ربنا "(2) وقال السدي: سالت العرب محمدا صلى الله عليه وآله أن ياتيهم بالله فيروه جهرة.

وقال مجاهد: سألت قريش محمدا أن يجعل لهم الصفا ذهبا. فقال نعم هو لكم كالمائدة لبني إسرائيل. فأبوا ورجعوا.

وقال ابوعلي: روي ان النبي صلى الله عليه وآله سأله قومه ان يجعل لهم ذات أنواط كما كان للمشركين ذات انواط وهي شجرة كانوا يعبدونها، ويعقلون عليها التمر، وغيره من الماكولات. كما سألوا موسى " اجعل لنا الها كما لهم الهة "(3) ومعنى " أم " في قوله: " أم تريدون " التوبيخ وإن كان لفظها لفظ الاستفهام كقوله تعالى " كيف تكفرون بالله "(4).

___________________________________

(1) سورة الاسراء: آية 92.

(2) سورة الفرقان: آية 21.

(3) سورة الاعراف: آية 137.

(4) سورة سورة البقرة: آية 38.

[403]

اللغة: وأم على ضربين: متصلة، ومنفصلة: فالمتصلة عديلة الالف وهي مفرقة لما جمعته اي.

كما ان او مفرقة لما جمعته احد تقول: اضرب ايهم شئت أزيدا ام عمرا ام بكرا.

والمنفصلة غير المعادلة لالف الاستفهام قبلها لا يكون الا بعد كلام، لانها بمعنى بل والالف كقول العرب: إنها لابل ام شاة كانه قال: بل شاة هي.

ومنه قوله: " الم تنزيل الكتاب لاريب فيه من رب العالمين.

أم يقولون افتراه "(1) كانه قال: بل يقولون: افتراه.

وكذلك " أم تريدون " كانه قيل: بل تريدون وقال الاخطل.

كذبتك عينك ام رأيت بواسط *** غلس الظلام من الرباب خيالا(2)

وقال الفراء: إن شئت قلت قبله استفهام فترده عليه. وهو قوله: " ألم تعلم ان الله على كل شئ قدير " وقال الرماني في هذا بعد أن تكون على المعادلة ولابد ان يقدر له أم تعلمون خلاف ذلك " فتسألون رسولكم كما سئل موسى من قبل " والمعنى(3) أنهم يتخيرون الايات ويسالون المحالات. كما سئل موسى، فقالوا: " اجعل لنا إلها كما لهم الهة " وقالوا " لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة "(4) وهذا الوجه اختاره البلخي والمغربي وحكي عن بعضهم أن ذلك عطف على قوله: " افتؤمنون ببعض الكتاب "(5) وقيل ايضا لما قيل لهم قولوا: " انظرنا واسمعوا "(6) كان تقدير الكلام فهل تعقلون هذا ام تريدون ان تسألوا رسولكم.

___________________________________

(1) سورة الم - السجدة آية 3.

(2) ديوانه 41. واسط قرية غربي الفرات وهي من منازل بنى تغلب. الفلس ظلمة اخر الليل اذا اخطلطت بتباشير الصباح. في المطبوعة والمخطوطة " عكس " بدل " غلس ".

(3) في المخطوطة والمطبوعة " والمعنى عنهم بانهم ".

(4) سورة البقرة: آية 55.

(5) سورة البقرة: آية 85.

(6) سورة البقرة: آية 104.

[404]

وقوله: " سواء السبيل " معناه قصد الطريق - على قول الحسن - وسواء بالمد تكون على ثلاثة اوجه بمعنى قصد وعدل، وبمعنى وسط. كقوله: " خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم "(1) وقوله: " فاطلع فرآه في سواء الجحيم "(2) اي وسطها قال حسان:

ياويح انصار النبي ونسله *** بعد المغيب في سواء الملحد(3)

وتكون بمعنى غير كقولك للرجل اتيت سواك أي غيرك.

ومعنى ضل هاهنا الذهاب عن الاستقامة قال الاخطل:

كنت القذى في موج اكدر مزبد *** قذف الاتي به فضل ضلالا(4)

أي ذهبت يمينا وشمالا والسبيل والطريق والمذهب نظائر ويقال: اسبل اسبالا وسبله تسبيلا. والسبيل يذكر ويؤنث، والجمع السبل.

والسابلة: المختلفة في الطرقات في حوائجهم، والجمع السوابل.

وسبل سابل كقولهم شعر شاعر.

والسبلة ما على الشفة العليا من الشعر بجمع الشاربين وما بينهما والسبل المطر المسبل والمسبولة هي سنبلة الذرة والارز ونحوه اذا مالت ويقال للزرع اذا سنبله: سنبلة ويقال اسبلت اسبالا: اذا ارخيته.

واسبل الرجل ازاره: اذا ارخاه من الخيلاء قال الشاعر: واسبل اليوم من برديك اسبالا وأصل الباب الاسبال: وهو الحد.

والسؤال: هو الطلب ممن يعلم معنى الطلب أمرا من الامور.

ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها والتعلق بينهما انه لما دل الله بما تقدم من الآيات على تدبير الله لهم فيما ياتي به من الآيات وما ينسخه فكانه قال:

___________________________________

(1) سورة الدخان: آية 47.

(2) سورة الصافات: آية 55.

(3) ديوانه: 98. وروايته " رهطه " بدل نسله وفى المخطوطة كما اثبتنا وفي المطبوعة " قبله ". والقصيدة يرثي بها رسول الله " ص " المغيب من غيب: وارى. اللحد: القبر.

(4) ديوانه: 50 القذى: ما يكون فوق الماء من اوساخ.

وقوله: (اكدر): بحر كدر بعد صفاء مزيد: بحر هائج يقذف بالزيد. الاتي السيل. ورواية الديوان: (في لج اكدر).

[405]

ام لا ترضون بذلك فتخيروا الآيات وتسألوا المحالات " كما سئل موسى " لان الله تعالى انما يأتي بالآيات على ما يعلم فيها من المصلحة، فاذا اتى بآية تقوم بها الحجة فليس لاحد الاعتراض عليها، ولا له اقتراح غيرها. لانه تعنت اذ قد صح البرهان بها.

وقوله: " ومن يتبدل الكفر بالايمان " معناه من يستبدل الكفر يعني الجحود بالله وباياته بالتصديق بالله وبايآياته وبالاقرار به.

وقال بعضهم عبر بالكفر هاهنا عن الشدة وبالايمان عن الرخاء وهذا غير معروف في اللغة ولا العرف الا ان يراد بذلك الثواب والعقاب اللذان يستحقان عليهما فيكون له وجه في التنزيل.

قوله تعالى: ود كثير من اهل الكتاب لو يردونكم من بعد ايمانكم كفارا حسدا من عند انفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بامره ان الله على كل شئ قدير(109)

آية واحدة.

المعنى بقوله: " ود كثير من اهل الكتاب " عن الحسن - النصارى واليهود.

وقال الزهري، وقتادة: كعب بن الاشراف، وعن ابن عباس حي بن اخطب، وابوياسر بن اخطب. وحسدا نصب على أحد أمرين: أحدهما - على الجملة التي قبله بدلا من الفعل. كانه قال: حسدوكم حسدا كانه قال: نحسدك حسدا. والآخر: ان يكون مفعولا. كانه قال: يردونكم لاجل الحسد كما تقول: جئته خوفا منه.

تقول حسدت احسد حسدا، وحسدتك على الشئ، وحسدتك الشئ بمعنى واحد.

قال الشاعر:

فقلت إلى الطعام فقال منهم *** فريق نحسد الانس الطعاما(1)

___________________________________

(1) اللسان: " حسد ". وروايته " زعيم " بدل " فريق ".

قال ابن بري: الشعر لشمر بن ذي الحرث الضبى وربما روي لتأبط شرا.

وانكر ابوالقاسم الزجاجي رواية من روى " عموا صباحا " واستدل على ذلك بأن هذا البيت من قطعة كلها من روي الميم. قال ابن برى.

قد وهم ابوالقاسم في هذا أو لم تبلغه هذه الرواية لان الذمي يرويه عموا صباحا يذكره مع ابيات كلها على روي الحاء وهي للخرع بن سنان الغساني.

ومن جملة الابيات:

نزلت بشعب واد الجن لما *** رأيت الليل قد نشر الجناحا

- باختصار عن اللسان -

[406]

ورجل حاسد وحسود، وحساد. والحسد هو الاسف بالخير على من له خير.

واشد الحسد التعرض للاغتمام بكون الخير لاحد. وقد يكون الحاسد متمنيا لزوال النعمة عن المحسود وان لم يكن يطمع في تحول تلك النعمة. والصفح هو التجاوز عن الذنب. والصفح، والعفو، والتجاوز بمعنى واحد.

يقال صفح صفحا وتصفح تصفحة، وتصافحوا تصافحا والصفحة ما كان من ظاهر الشئ.

يقال لظاهر جلد الانسان: صفحة، وكذلك هو من كل شئ.

ومن هذا صافحته: اي لقيت صفحة كفه صفحة كفي.

وفي الحديث النشيج للرجال والتصفح للنساء: اي التصفيق. فانما هو لانها تضرب بصفحة كف على صفحة الاخرى.

وانشد الاصمعي:

كأن مصفحات في ذراه *** وانواحا عليهن المآلى(2)

المآلي جمع مئلاة وهي خرقة تمسكها النايحة تقلص بها دمعتها. والصفاح من السيوف العراض واحدها صفحة وصفحة.

وقال:

ضربناهم حتى اذا ارفض جمعهم *** علوناهم بالمرهفات الصفائح

وصفحت عنه قيل فيه قولان: احدهما - اني آخذه بذنبه. وابديت له مني صفحة جميلة. (الثاني) وقيل بل لم ير مني ما يقبض صفحته.

وتقول صفحت الورقة: اي تجاوزتها إلى غيرها. ومنه تصفحت الكتاب، وقد تصفح الكتاب، وقد يتصفح الكتاب من لا يحسن ان يقرأ. ويسمى الصفح

___________________________________

(1) اللسان " صفح " وقد نسب البيت إلى لبيد. وفي المطبوعة والمخطوطة " بايديها " بدل " عليهن " المصفحات - بكسر الفاء وتشديدها - نساء يصفقن بايدبهن في ماتم.

وروي " مصفحات " - بفتح الفاء وتشديدها - اريد بها السيوف العريضة.

[407]

من المصحف وغيره من الدفاتر من الصفحة. ومنه " فاصفح الصفح الجميل "(1).

وقوله: " فاعفوا واصفحوا " قال الحارث بن هشام:

وصفحت عنهم والاحبة فيهم *** طمعا لهم بعقاب يوم سرمد

اي لم احاربهم لافبض صفاحهم، او اريهم ذلك في نفسي.

ويقال نظر اليهم صفحا بقدر ما ابدي صفحته لم يتجاوز. والصفاح موضع سمي بذلك، لانه صخور مستوية تبدو صفائحها. وأصل الباب صفحة الشئ وهي ظاهره.

وقوله: " من عند انفسهم "

قال الزجاج: متعلق ب‍ " ود كثير " لابقوله: " حسدا "، لان حسد الانسان، لايكون من غير نفسه. وقد يجوز ان يتصل بقوله: " حسدا " على التوكيد. كما قال تعالى: " ولاطائر يطير بجناحية "(2) ويحتمل وجها آخرا وهو ان اليهود كما يضيفون الكفر والمعاصي إلى الله تعالى، فقال الله: " من عند انفسهم " تكذيبا لهم انها من عند الله.

وقوله: " من بعد ما تبين لهم الحق "

قال قتادة: من بعد ما تبين لهم ان محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله والاسلام دين الله. وهو قول الربيع والسدي وابن زيد، وروى عن ابن عباس مثله.

وقال بن عباس: ان قوله: " فاعفوو اصفحوا حتى يأتي الله بامره " منسوخة بقوله: " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم "(3).

وقال قتادة نسخت بقوله: " قاتلوا المشركين الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر " الآية.

وبه قال الربيع والسدي.

وروي عن ابي جعفر محمد بن علي: انه قال: لم يؤمر رسول الله صلى الله عليه وآله بقتل، ولا اذن له فيه حتى نزل جبرائيل (ع) بهذه الآية " اذن للذين يقاتلون بانهم ظلموا "(4) وقلده سيفا.

___________________________________

(1) سورة الحجر: آية 85.

(2) سورة الانعام: آية 38.

(3) سورة التوبة: آية 6.

(4) سورة الحج: آية 39.

[408]

وقوله: " حتى يأتي الله بأمره " قال ابوعلي: " بامره " لكم يعاقبهم او يعافيهم هو على ذلك، ثم اتى بامره فقال: " قاتلوا الذين لايؤمنون بالله "(1)

وقوله: " ان الله على كل شئ قدير " قيل فيه ثلاثة اقوال: قال ابوعلي: انه قدير على عقابهم اذ هو " على كل شئ قدير ".

وقال الزجاج: قدير على ان يدعو إلى دينه بما احب مما هو الاليق بانجائكم اي فيأمر بالصفح تارة وبالعقاب اخرى على حسب المصلحة.

والثالث - انه لما امر بالامهال، والتأخير في قوله: " فاعفوا واصفحوا " كأن فيه تعلق النفس بالعافية في ذلك، فقال امهلوهم فانهم لا يعجزون الله، ولا يفوتونه، اذ هو " على كل شئ قدير ". وانما امرهم بالصفح، والعفو وان كانوا مضطهدين مقهورين مقموعين، من حيث ان كثيرا من المسلمين كانوا عزيزين في عشائرهم، وأقوامهم يقدرون على الانتصار والانتقام من الكفار، فامرهم الله تعالى بان يعفوا وإن قدروا حتى يأتي الله بامره.

الآية: 110 - 119

قوله تعالى: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لانفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير(110)

آية واحدة بلا خلاف.

ان قيل ما المقتضي لذكر الصلاة والزكاة هاهنا، قلنا: انه تعالى لما اخبرهم بشدة عداوة اليهود لهم وامرهم بالصفح عنهم قال: " اقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " فان في ذلك معونة على الصبر مع ما تجزون بهما من الثواب والاجر، كما قال في موضع آخر: " واستعينوا بالصبر والصلاة ".

وقوله: " وما تقدموا " معنى (ما) الجزاء وجوابه " تجدوه ". ومثله " ما

___________________________________

(1) سورة التوبة: آية 30.

[409]

يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها " والخير المذكور في الآية هو العمل الصالح الذي يرضاه الله.

ومعنى " تجدوه " اى تجدوا ثوابه.

وكذا قال الربيع كما قال ابن نجا: وسبحت المدينة لا تلمها(1) اي سبحت اهل المدينة.

وقوله: " ان الله بما تعملون بصير " معناه انه لا يخفى عليه شئ من اعمالكم. جازاكم على الاحسان بما تستحقونه من الثواب، وعلى الاساء‌ة بما تستحقونه من العقاب، فاعملوا عمل من يدري انه يجازيه من لا يخفى عليه شئ من عمله، ففي ذلك دلالة على الوعد، والوعيد، والامر والزجر، وان كان خبرا عن غير ذلك في اللفظ.

قوله تعالى: وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك امانيهم قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين(111)

آية بلا خلاف.

المعنى: قوله: " هودا " يريد يهودا فحذف الياء المزادة ووحد كان، لان لفظة (من) قد تكون للواحد وتكون للجماعة والعرب تقول: من كان صاحباك. ولا يجوز الوقف على قوله: " وقالوا " بل يجب صلته بقوله: " لن يدخل الجنة " الآية.

فان قيل كيف جمع بين اليهود والنصارى في الحكاية مع افتراق مقالتهما في المعنى، وكيف يحكي عنهما ما ليس يقول لهما؟ قلنا: فعل ذلك للايجاز والاختصار وتقديره: قالت اليهود: لن يدخل الجنة الا من كان يهوديا، وقالت النصارى، لن يدخل الجنة الا من كان نصرانيا، فادرج الخبر عنهما للايجاز من غير اخلال، اذ شهرة حالهما تغني عن البيان.

___________________________________

(1) وعجز البيت: رأت قمرا بسوقهم نهارا.

[410]

ومثله في الادراج، والجمع من غير تفصيل قوله: " قلنا اهبطوا "(1) وانما كانت الصورة إهبط لا بليس، ثم قيل اهبطا لادم وحواء فحكاه على المعنى وتقدير الكلام.

وقال بعض اهل الكتاب: لن يدخل الجنة الا من كان هودا.

وقال بعضهم: لن يدخل الجنة الا من كان نصارى: والبعض الثاني غير الاول الا انه لما كان اللفظ واحدا أجمع مع الاول.

قال حسان بن ثابت:

فمن يهجو رسول الله منكم *** ويمدحه وينصره سواء(2)

تقديره ومن يمدحه وينصره.

غير انه لما كان اللفظ واحدا أجمع مع الاول، وصار كانه اخبار به عن جملة واحدة. وانما كان(3) حقيقة عن بعضين متفرقين.

ومثله " هو الذي خلقكم من نفس واحدة "(4) يعني آدم، ثم قال " وجعل منها زوجها "(5) اي من النفس بمعنى الجنس فهو في اللفظ على مخرج الراجع إلى النفس الاولى.

وفي تحقيق المعنى لغيرها وهذا قول اكثر المفسرين السدي وغيره وفي معنى(6) هود ثلاثة اقوال.

احدها - انه جمع هائد وهود كحائل وحول وعائد وعود وعائط وعوط وهو جمع المذكر والمؤنث على لفظ الواحد. والهائد: التائب الراجع إلى الحق.

والوجه الثاني - ان يكون مصدرا يصلح للواحد والجمع. كما يقال: رجل فطر، وقوم فطر ونسوة فطر ورجل صوم وقوم صوم.

والثالث - ان يكون معناه إلا من كان يهوديا الا ان الياء الزائدة حذفت. ورجع إلى معنى الاصل من اليهود.

ومعنى " امانيهم " قال المؤرخ: اباطيلهم - بلغة قريش - وقال قتادة: اماني يتمنونها على الله كاذبة وبه قال الربيع.

___________________________________

(1) سورة البقرة: آية 36.

(2) ديوانه من قصيدة يذم بها أبا سفيان حين علم أن أبا سفيان هجا رسول الله " ص " ومطلعها:

ألا ابلغ أبا سفيان عني *** فانت مجوف بخب هواء

(3) في المطبوعة " كان " ساقطة. " 4، 5 " سورة الاعراف: آية 188.

(6) في المطبوعة " معنى " ساقطة.

[411]

وقيل ايضا معناه تلك أقاويلهم وتلاوتهم كما قال " لا يعلمون الكتاب الا اماني "(1) اي تلاوة.

ومعنى " هاتوا " احضروا.

وهو وإن كان على لفظ الامر المراد به الانكار والتعبير. وتقديره ان آتيتم ببرهان صحت مقالتكم. ولن ياتوا به، لان كل مذهب باطل فلا برهان عليه.

اللغة: والبرهان والحجة والدلالة والبيان بمعنى واحد، وهو ما أمكن الاستدلال به على ما هو دلالة عليه مع قصد فاعله إلى ذلك.

وفرق الرماني بين الدلالة والبرهان بأن قال: الدلالة قد تنبئ عن معنى فقط، لاتشهد بمعنى اخر، وقد تنبئ عن معنى يشهد بمعنى اخر، والبرهان ليس كذلك، لانه بيان عن معنى ينبئ عن معنى اخر، وهذا الذي ذكره لايسلم له لانه محض الدعوى وبه قال الحسن، ومجاهد والربيع والسدي.

المعنى: " هاتوا برهانكم " اي حجتكم.

وفي الآية دلالة على فساد التقليد لانه لو جاز التقليد، لما ألزم القوم ان ياتوا فيما قالوه ببرهان. وقد يجوز في العربية امانيهم بالتخفيف على ما ذكره الزجاج. والثقيل اجود.

قوله تعالى: بلى من اسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون(112)

آية بلا خلاف.

- فان قيل: اليس بلى انما تكون في جواب الاستفهام مثل قوله " الست بربكم قالوا بلى " فكيف دخلت هاهنا؟ قلنا إنما جاز ذلك لانه يصلح ان يكون تقديره أما

___________________________________

(1) سورة البقرة: آية 78.

[412]

يدخل الجنة احد فقيل " بلى من اسلم وجهه الله " لان ماتقدم يقتضي هذا السؤال، ويصلح ان يكون جوابا للجحد على التكذيب - كقولك: ما قام زيد فيقول: بلى قد قام، ويكون التقدير هاهنا ليس الامر كما قال الزاعمون " لن يدخل الجنة الا من كان هودا او نصارى " ولكن " من اسلم وجهه لله وهو محسن " فهو الذي يدخلها وينعم فيها، أو بلى من اخلص نفسه لطاعة الله.

ومعنى اسلم يحتمل امرين: احدهما - اسلم إلى كذا بمعنى صرفه اليه كقولك اسلمت الثوب اليه، والثاني - اسلم له بمعنى اخلص له من قولك: قد سلم الشئ لفلان اذ اخلص له.

ومنه قوله: " ورجلا سلما لرجل "(1) اي خالصا وقال زيد ابن عمرو بن نفيل:

واسلمت نفسي لمن اسلمت *** له المزن تحمل عذبا زلالا(2)

وانما جاز اسلم وجهه لله على معنى اسلم نفسه لله على مجرى كلام العرب في استعمال وجه الشئ، وهم يريدون نفس الشئ، إلا انهم ذكروه باللفظ الاشرف الابنه ودلوا عليه به.

كما قال عزوجل: " كل شئ هالك إلا وجهه "(3) أي إلا هو.

وقال: " كل من عليها فان ويبقى وجه ربك "(4) وقال الاعشى:

أؤول الحكم على وجهه *** ليس قضائي بالهوى الجائر(5)

يعني على ما هو من صحته، وصوابه.

وقال ذو الرمة:

فطاوعت همي وانجلى وجه بازل *** من الامر لم يترك خلاجا بزولها(6)

___________________________________

(1) سورة الزمر آية 29.

(2) سيرة ابن هشام 1: 246 المزن واحدته مزنة: وهو السحاب عامة.

وقيل: المزن: السحاب البيضاء.

(3) سورة القصص آية: 88.

(4) سورة الرحمان: آية 27.

(5) ديوانه: 143. رقم القصيدة 18. اول الحكم إلى اهله: رده اليهم. الجائر: المنحرف عن الصواب.

في المطبوعة والمخطوطة " وأول " بدل " أؤول ". " ب‍ " ديوانه: 56 من قصيدة يمدح بها عبيد الله بن عمر بن عبيد الله بن معمر التميمي طاوعت همي: طاوعت ما همت به نفسي.

وقوله: بازل من الامر هذا مثل.

يقال: بزل ناب البعير يزولا اي انشق وظهر.

وخطة بزلاء: تفصل بين الحق والباطل. والخلاج: الشك والتردد.

والبيت في المطبوعة هكذا:

فطاعت هي وانجل اوجه نازل *** من الامر لم يترك خلاجا تزولها

وفي المخطوطة قريب من هذا

[413]

يريد انجلى البازل من الامر.

وقال ابن عباس: اسلم وجهه لله: اخلص عمله لله.

وقال الربيع: اخلص لله.

وقال الحسن: يعني بوجهه: وجهه في الدين.

وقيل معناه استسلم لامر الله.

ومن الوجه يقال: توجه توجها، وواجه مواجهة، وتواجهوا تواجها.

والجهة: النحو.

تقول: كذا على وجه كذا، والوجهة القبلة شبهها في كل وجهة: اي كل وجه استقبلته، واخذت فيه. وتقول توجهوا اليك، ووجهوا اليك.

كل يقال: غير أن قولك: توجهوا اليك على معنى ولو اليك وجوههم. والتوجه الفعل اللازم.

والوجاه والتجاه لغتان: وهو ما استقبل شئ شيئا تقول دار فلان تجاه دار فلان.

والمواجهة: استقبالك بكلام او بوجه.

وأصل الباب الوجه مستقبل كل شئ ووجه الانسان: محياه.

ونقيض الوجه القفاء.

ويقال: وجه الكلام، تشبيها بوجه الانسان، لانه اول ما يبدو منه، ويعرف به.

وقد يقال في الجواب: هذا وجه وذلك خلف، تشبيها ايضا من جهة الحسن، لان الغالب في الوجه انه احسن.

ويقال: هذا وجه الرأي الذي يبدوا منه، ويعرف به.

والوجه من كل شئ: اول ما يبدو، فيظهر بظهور ما بعده.

وقوله: " وهو محسن " في موضع نصب، لانه في موضع الحال.

وانما قال: " فله اجره " على التوحيد، ثم قال: " ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون " على الجمع لان (من) لفظها لفظ الواحد، ومعناها الجمع، فمرة تحمل على اللفظ: واخرى على المعنى كما قال: " ومنهم من يستمع اليك "(1) وفي موضع اخر " ومنهم من يستمعون اليك "(2).

وقال الفرزدق:

تعال فان عاهدتني لا تخونني *** نكن مثل من ياذئب يصطحبان(3)

___________________________________

(1) سورة انعام: آية 25 وسورة محمد: آية 16.

(2) سورة يونس: آية 42.

(2) انظر 1: 248.

[414]

فثنى واللفظ واحد لاجل المعنى.

فان قيل اذا كان قد ذكر " فلهم اجرهم عند ربهم " فلم قال: " ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون " قيل عن ذلك جوابان: احدهما - الدلالة على انهم على يقين لا على رجاء يخاف معه ألا يكون الموعود به.

والثاني - الفرق بين حالهم، وبين حال اهل العقاب الذي يخافون ويحزنون.

قوله تعالى: وقالت اليهود ليست النصارى على شئ وقالت النصارى ليست اليهود على شئ وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون(113)

آية بلا خلاف.

النزول: اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية فقال ابن عباس: انه لما قدم اهل نجران من النصارى على رسول الله " ص " اتتهم احبار يهود، فتنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وآله فقال رافع بن خويلد: ما انتم على شئ، وكفر بعيسى وبالانجيل، فقال رجل من من اهل نجران من النصارى: ما أنتم على شئ وجحد بنبوة موسى، وكفر بالتوراة فأنزل الله في ذلك الآية إلى قوله: " فيما كانوا فيه يختلفون ".

وقال الربيع: هؤلاء اهل الكتاب الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله.

المعنى: ومعنى الآية احد شيئين: احدهما - حل الشبهة بانه ليس في تلاوة الكتاب معتبر في الانكار، لما لم يؤت على انكاره، ببرهان فلا ينبغي ان تدخل الشبهة بانكار اهل الكتاب لملة اهل الاسلام

[415]

اذ كل فريق من اهل الكتاب قد انكر ما عليه الآخر، ثم بين أن سبيلهم كسبيل من لا يعلم الكتب في الانكار لدين الاسلام من مشركي العرب، وغيرهم ممن الكتاب له فيهم، وجحدهم لذلك سواء اذ لا حجة معهم يلزم بها تصديقهم، لا من جهة سمع ولا عقل.

والوجه الآخر - الذم لمن انكر ذلك من اهل الكتاب على جهة العناد، اذ قد ساوى المعاند منهم للحق الجاهل به في الدفع له، فلم ينفعه علمه، بل حصل على مضرة الجهل كما حصل عليه من لا علم له به.

فان قيل: اذا كانت اليهود انما قالت: ليست النصارى على شئ في تدينها في التوراة فكيف قال: " كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم " وأهل الحق ايضا يقولون مثل قولهم؟ قيل: إن المعنى " كذلك قال الذين لا يعلمون الكتاب ". اي فقد ساووا في ذلك من لا كتاب له. وكما لا حجة في جحد هؤلاء كذلك لا حجة في جحدهم، ولم يساووا أهل الحق فيه، لانهم قالوه عن علم.

والمعني بقوله: " كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم " - في قول السدي - هم العرب الذين قالوا: ليس محمد صلى الله عليه وآله على شئ.

وقال الربيع: قالت النصارى: مثل قول اليهود قبلهم، ووجه هذا القول، اي فقد ساووكم يا معشر اليهود في الانكار " وهم لا يعلمون ".

وقال عطاء: هؤلاء الذين لا يعلمون امم كانت قبل اليهود والنصارى، وقبل التوراة والانجيل.

اللغة " والقيامة " مصدر إلا انه صار كالعلم على وقت بعينه، وهو الوقت الذي بعث الله عزوجل فيه الخلق، فيقومون من قبورهم إلى محشرهم.

تقول: قام يقوم قياما وقيامة: مثل عاد يعود عيادا وعيادة، وصانه صيانة، وعاده عيادة.

المعنى: وقوله: " فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون " يحتمل امرين:(1)

___________________________________

(1) أثبت ثلاثة أمور.

[416]

احدهما - قال الحسن حكمه فيهم ان يكذبهم جميعا ويدخلهم النار.

وقال ابوعلي: حكمه الانصاف من الظالم المكذب بغير حجة ولا برهان للمظلوم المكذب.

وقال الزجاج: حكمه ان يريهم من يدخل الجنة عيانا.

وهذا هو حكم الفصل في الآخرة فاما حكم العقل في الدنيا فالحجة التي دل الله بها على الحق من الباطل في الديانة.

قوله تعالى: ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها إسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أو يدخلوها إلا خائفين(114)

آية واحدة.

المعنى: اختلف المفسرون في المعنى بهذه الآية، فقال ابن عباس، ومجاهد، واختاره الفراء انهم الروم، لانهم كانوا غزوا بيت المقدس، وسعوا في خرابه حتى كانت أيام عمر، فاظهر الله عليهم المسلمين، وصاروا لا يدخلونه إلا خائفين: وقال الحسن وقتادة والسدي: هو بخت نصر خرب بيت المقدس.

قال قتادة: واعانه عليه النصارى.

وقال قوم: عنى به سائر المشركين، لانهم يريدون صد المسلمين عن المساجد، ويحبونه.

وقال ابن زيد، والبلخي، والجبائي والرماني: المراد به مشركي العرب.

وضعف هذا الوجه الطبري من بين المفسرين بان قال: إن مشركي قريش لم يسعوا قط في تخريب المسجد الحرام. وهذا ليس بشئ، لان عمارة المساجد بالصلاة فيها وخرابها بالمنع من الصلاة فيها.

وقد روي انهم هدموا مساجد كان أصحاب النبي يصلون فيها بمكة، لما هاجر النبي واصحابه.

وقال: وهو ايضا لا يتعلق بما قبله من ذم أهل الكتاب كما يتعلق اذا عنى به النصارى، وبيت المقدس.

فيصير الكلام منقطعا، فيقال له: قد جرى ذكر لغير أهل الكتاب من المشركين في قوله: " كذلك قال الذين لايعلمون " وهذا أقرب من اليهود والنصارى، ولان ذلك كله ذم: فمرة

[417]

يوجه إلى اليهود، ومرة إلى النصارى، ومرة إلى عباد الاوثان وغيرهم من أهل الشرك.

فان قيل: كيف قال: " مساجد الله " بالجمع وهو أراد المسجد الحرام، أو بيت المقدس؟ قيل عنه جوابان: احدهما - ان كل موضع منه مسجد، كما يقال لكل موضع من المجلس العظيم مجلس. فيكون اسما يصلح ان يقع على جملته، وعلى كل موضع سجود فيه.

(والثاني) - قال الجبائي لانه يدخل فيه المساجد التي بناها المسلمون للصلاة بالمدينة.

وقوله: " ممن منع "

اللغة: والمنع، والصد والحيلولة نظائر. وضد المنع الاطلاق.

يقال: منع منعا. وامتنع امتناعا. وتمنع تمنعا. وتمانع تمانعا. ومانعة ممانعة.

وقال صاحب العين: المنع: ان يحول بين الرجل وبين الشئ يريده.

وتقول: منعته فامتنع.

ورجل منيع لايخلص اليه وهو في عز ومنعة يخفف ويثقل.

وامرأة منيعة ممتنعة لا تؤاتى على فاحشة وقد تمنعت مناعة.

وكذلك الحصن وغيره تقول: منع مناعا: اذا لم يرم ومناع، أي امنع.

قال الشاعر:

مناعها من ابل مناعها *** ألا ترى الموت لدى اوباعها(1)

المعنى: ومساجد الله قد بينا ان منهم من (قال) أراد المسجد الاقصى، ومنهم من (قال) أراد المسجد الحرام، ومنهم من قال: أراد جميع المساجد.

وروي عن زيد بن علي عن أبيه عليهما السلام انه أراد جميع الارض، لقوله

___________________________________

(1) لم نجد هذا البيت في مصادرنا ووجدنا بيتا يشبهه في شواهد سيبويه 1: 123 ولم ينسبه وهو !

تراكها من ابل تراكها *** أما ترى الموت لدى أوراكها

وهذا ايضا موجود في الكامل للمبرد: 413.

[418]

عليه السلام: جعلت لي الارض مسجدا وترابها طهورا.

وقوله: " وسعى في خرابها "

اللغة: والسعي والعدو والركض نظائر. وضد السعي الوقف.

تقول: سعى(1) سعيا، واستسعى استسعاء وتساعوا تساعيا.

قال صاحب العين: السعي عدو دون الشديد. وكل عمل من خير أو شر، فهو السعي يقال: فلان يسعى على عياله أي يكسب لهم يقولون: ان السعي الكسب والعمل.

قال الشاعر:

سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا *** فكيف لو قد سعى عمرو عقالين(2)

عقال صدقة عام.

والساعية ان تسعى بصاحبك إلى وال من فوقه.

والسعاية ما يستسعى به العبد من ثمن رقبته اذا اعتق بعضه، وهو ان يكلف من العمل ما يؤدي عن نفسه ما بقي ويقال سعى للسلطان اذا ولي الصدقة وساعي الرجل الامة: اذا فجربها. ولا تكون المساعاة إلا في الاماء.

واصل الباب: السعي: العدو.

وقوله: " في خرابها " فالخرب، والهدم، والنقض نظائر ونقيض الخراب العمارة.

يقال: خرب خرابا واخربه إخرابا. وتخرب تخربا وخربه تخريبا. والخرب الذكر من الحبارى والجمع الخربان.

قال الشاعر:

ما رأينا خربا ينفر عنه البيض صقر

لا يكون المهر جحشا لا يكون الجحش مهر

والخربة: سعة خرق الاذن.

قال ذو الرمة:

كأنه حبشي يبتغي أثرا *** أو من معاشر في آذانها الخرب(3)

___________________________________

(1) في المطبوعة سعى ساقطة.

(2) انظرا: 300 فثمت ايضاح واف.

(3) اللسان (خرب) يصف نعاما شبهه برجل حبشي، لسوادة.

وقوله (يبتغي اثرا) لانه مدلى الرأس وفي آذانها الخرب: يعني السند.

وقيل الخربة سعة خرق الاذن في المطبوعة (اشرا) بدل (أثرا) و (جشي) بدل (حبشي).

[419]

والخربة: عروة المزادة وكذلك كل بيت مستدير.

والخارب: اللص.

وما رأينا من فلان خربة أي فسادا في دينه أو شينا. والخارب من شدائد الدهر.

قال الشاعر:

ان بها اكتل أو رزاما *** خوير بين ينقفان الها ما(1)

والرزام: الهزال.

والخروبة شجرة الينبوت. والخرابة: سرقة الابل.

قال الاصمعي لا يكادون يسمون الخارب إلا سارق الابل وأصل الباب: الخراب ضد العمران.

وقوله: " ومن اظلم " رفع لانه خبر الابتداء وتقديره أي أحد اظلم.

وقوله: " ان يذكر " يحتمل وجوها من النصب قال الاخفش: يجوز ان يكون على حذف (من)، وتقديره من ان يذكر، ويجوز أن يكون على البدل من " مساجد الله "، وقال الزجاج: يجوز على معنى كراهية أن يذكر. وعلى الوجوه كلها العامل فيه (منع)

المعنى: ومعنى قوله: " اولئك ما كان لهم ان يدخلوها إلا خائفين " فيها خلاف.

قال قتادة: هم اليوم كذلك لا يوجد نصراني في بيت المقدس إلا انهك(2) ضربا، وابلغ اليه في العقوبة.

وبه قال السدي.

وقال ابن زيد: نادى رسول الله صلى الله عليه وآله ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.

وقال الجبائي بين الله انه ليس لهؤلاء المشركين دخول المسجد الحرام، ولا دخول المساجد فان دخل منهم داخل إلى بعض المساجد، كان على المسلمين اخراجه منه إلا ان يدخل إلى بعض الحكام

___________________________________

(1) اللسان (خرب) الاكتل والكتال: هما شدة العيش. والرزام الهزال.

قال ابو منصور: اكتل ورزام - بكسر الراء - رجلان خاربان أي لصان.

وقوله: خوربان أى هما خاربان وصغرهما وهما اكتل ورزام، ونصب خوربين على الذم. والجمع خراب.

في المطبوعة والمخطوطة (خربيان) بدل (خويربين) و (نفقان) بدل (ينقفان)

(2) في المطبوعة " الا ازهك " بدل " الا انهك ".

[420]

بخصومة بينه وبين غيره إلى بعض القضاة، فيكون دخوله خائفا من الاخراج على وجة الطرد بعد انفصال خصومته، ولا يقعد مطمئنا كما كان يقعد المسلم. وهو الذي يليق بمذهبنا، ويمكن الاستدلال به على ان الكفار لا يجوز أن يمكنوا من دخول المساجد على كل حال.

فأما المسجد الحرام خاصة، فان المشركين يمنعون من دخوله، ولا يتركون ليدخلوه لحكومة، ولا غيرها، لان الله تعالى قد امر بمنعهم من دخوله بقوله: " ما كان للمشركين ان يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر "(1) يعني المسجد الحرام.

وقال الزجاج: أعلم الله ان أمر المسلمين يظهر على جميع من خالفهم حتى لا يمكن دخول مخالف إلى مساجدهم إلا خائفا.

وهو كقوله: " ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون "(2) كأنه قيل: أولئك ما كان لهم ان يدخلوها إلا خائفين، لاعزاز الله الدين واظهاره المسلمين.

قوله تعالى: لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم(114)

آية.

المعنى: قال قتادة: معناه انهم " يعطون الجزية عن يدوهم وهم صاغرون ".

وقال السدي: خزيهم في الدنيا انهم اذا قام المهدي، وفتحت قسطنطينية قتلهم، فلذلك خزيهم في الدنيا ان يقتلوا ان كانوا حربا، ويؤدون الجزية ان كانوا ذمة.

وقال الجبائي: الخزي لهؤلاء الكفار الذين امر بمنعهم من دخول المساجد على سبيل ما يدخلها المؤمنون.

وقوله: " ولهم في الآخرة عذاب عظيم " قال الفراء: يقول فيما وعد الله المسلمين من فتح الروم وان لم يكن بعد - والناس على خلافه، في ان معنى الآخرة

___________________________________

(1) سورة التوبة: آية 19.

(2) سورة التوبة: آية 34.

[421]

يوم القيامة. كأنه قيل: لهم في الآخرة عذاب جهنم.

قوله تعالى: ولله المشرق والمغرب فاينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم (115)

آية بلا خلاف.

اللغة: المشرق والشرق: اسمان لمطلع الشمس، والمغرب، والغرب: اسمان لغربها.

يقال: شرق شروقا، واشرق إشرقا، وتشرق تشريقا.

والمشرقان والمغربان: مشرقا الشتاء والصيف، ومغرباهما.

والمشارق مطالع الشمس في كل يوم حتى تعود إلى المشرق الاول في الحول.

وشرقت الشمس: اذا طلت، واشرقت: اذا اضاء‌ت.

وتقول: لا افعل ذلك ماذر شارق: أي ما طلع قرن الشمس.

وشرق يشرق شرقا: اذا اغتص.

وقال عدي بن زيد:

لو بغير الماء حلقي شرق *** كنت كالغصان بالماء اعتصاري(1)

والمشرقة(2) حيث يقعد المشرق في وجه الشمس.

قال الشاعر:

تحبين الطلاق وأنت عندي *** بعيش مثل مشرقة الشتاء(3)

وشرق الثوب بالصبغ: اذا احمر واشتدت حمرته، ولطمه فشرق الدم في عينه: اذا احمرت.

وتقول: اشرورقت عينه، واغرورقت.

وناقة شرقاء: اذا شقت أذنها(4) بنصفين طولا، وكذلك الشاة.

وأيام التشريق أيام مشرق اللحم في الظل.

___________________________________

(1) اللسان شرق و (عصر) الشرق بالماء والريق: كالغصص بالطعام.

الاعتصار: ان يغص الانسان بالطعام فيعتصر بالماء: وهو أن يشربه قليلا قليلا.

(2) المشرقة فيها اربع لغات - بضم الراء، وفتحها - وشرقة - بتسكين الراء - ومشراق.

(3) لم نجد هذا البيت في مصادرنا ولم نعرف قائله.

وفي اللسان (شرق) بيت يشبهه وهو:

تريد بن الفراق وأنت مني *** بعيش مثل مشرقة الشمال

(4) في المطبوعة (وفاقه شرقا اذا شقتانها).

[422]

وقال صاحب العين: كانوا يشرقون اللحم تلك الايام في الشمس.

وقوله: " فاخذتهم الصيحة مشرقين "(1) أي حيث طلعت عليهم الشمس.

والشرق طائر من الطيور الصوائد. مثل الصقر، والشاهين وقال الشاعر:

قد اغتدى والصبح ذو بريق *** بملحم احمر سو ذنيق

أجدل أو شرق من الشروق(2) وكل شئ طلع من الشمس يقال: شرق يشرق.

وفي الحديث: لا تشريق إلا في مصر، ومسجد جامع، أي لاصلاة عيد، لانها وقت طلوع الشمس.

واصل الباب الطلوع. والمغرب والمغيب نظائر.

تقول: غرب يغرب غروبا، واغترب اغترابا واستغرب استغرابا، وغرب تغريبا. وسمي الغراب غرابا لبعده ونفوره(3) وانه أشد الطيور خوفا وأصل الباب الحد والتباعد حتى بلغ النهاية.

ومن هذا مغرب الشمس. والرجل الغريب المتباعد.

وشطت غربة النوى أي بعد المتنائي: وهو أبعد البعد.

وغرب السيف والسهم: حده سمي بذلك، لانه يمضي فلا يرد، فهو مأخوذ من الابعاد.

ويقال لموضع الرداء: غارب.

وقولهم للدابة: مغرب: اذا ابيضت حدقته، واهدابه. شبيه بابيضاض الشمس عند الغروب.

وقولك للرجل: أغرب معناه أبعد.

وثوبي غربي: اذا لم تستحكم حمرته. مأخوذ من الدابة الغرب.

وتقول: اصابه حجر غرب: اذا أتاه من حيث لا يدري.

وأتاه حجر غرب: اذا رمى غيره فاصابه.

ويقال: إقطع غرب لسان فلان عني: أي اقطع حدة لسانه.

وناقة ذات غرب، أي حدة الغرب.

والغرب: الدمع الحار الفاسد.

وقال الكميت: أبى غرب عينيك إلا انهمالا وجمعه غروب.

___________________________________

(1) سورة الحجر آية 73.

(2) اللسان " شرق " ولم ينسبها الملحم - بفتح الحاء - من يطعم اللحم - بفتح العين - السوذق، والسوذنيق والسوذانق، وربما قالوا: ذيذونق: الشاهين، وهو طائر كالصقر وجميع مادة " سوذق " فارسية معربة.

وفي المخطوطة والمطبوعة هكذا:

قد اعتدى والصبح ذو نبيق *** لمسلحم اكلب شوذنيق

(3) في المطبوعة " عن أبا لبعده ونقول ".

[423]

والغرب دلو ضخم يتخذ من جلد تام.

والغرب: ما قطر من الماء من الدلاء من الحوض، والبئر ويقال: اغرب الحوض: اذا سال من جوانبه وفاض والغرب: جنس من الشجر خارج عن حد ما يحمل بحمل، أو طيب ريح، أو صلابة.

وغاية مغربة: أي بعيدة.

والغرب: الفضة.

وقيل: انه جام من فضة.

وقيل: انه الذهب.

قال الشاعر: كما دعدع سافي الاعاجم الغربا(1) والغارب: اعلى الموج.

والغارب: ما بين يدي السنام.

وعنقاء مغرب: موضوع على طائر لا يعرف حده والغربيب: الاسود الشديد السواد.

وأصل الباب: الغرب: الحد.

واللام في قوله: " ولله المشرق " لام الملك وأصلها لام الاضافة وهي على ثمانية اوجه: الملك، والفعل، والعله، والولادة، والاختصاص، والاستغاثة، ولام كي. وهي لام الغرض(2) ولام العاقبة.(3)

فلام الملك كقولك: له مال، والفعل: له كلام، والعلة:(4) هو اسود لما فيه السواد، ولام الولادة:(5) أب له ولد له أخ، والاختصاص: له علم، وله ارادة(6) والاستغاثة يالبكر، ولام كي: " وليرضوه وليقترفوا ماهم مقترفون "،(7) ولام العاقبة: " فالتقطة آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا " فهذه وجوه لام الاضافة.

وانما قيل: " ولله المشرق والمغرب " بالتوحيد وله جميع المشارق والمغارب لاحد امرين:

___________________________________

(1) اللسان (غرب). قائله الاعشى. و (كما) زائدة من الصدر والبيت:

قد عد عاسرة الركاء كما *** دعدع ساقي الاعاجم الغربا

والغرب: جام الفضة.

قال ابن بري هذا البيت للبيد وليس للاعشى كما زعم الجوهري.

(2) في المطبوعة (كلام الفرض).

(3) في المطبوعة " الغايية "(4) في المطبوعة (يعله).

(5) في المطبوعة " له " ساقطة.

(6) في المطبوعة " وله ارادة في ارادة ".

(7) سورة الانعام: آية 123.

[424]

احدهما - انه اخرج ذلك مخرج الجنس، فدل على الجمع، كما قيل اهلك الناس الدينار والدرهم.

والآخر - انه على الحذف. كأنه قيل المشرق الذي تشرق منه الشمس كل يوم، والمغرب الذي تغرب فيه كل يوم.

وانما خص الله تعالى ذكر ذلك هاهنا لاحد امور:

احدها - قال ابن عباس: واختاره الجبائي انه رد على اليهود لما انكروا تحويل القبلة إلى الكعبة، وقال: ليس هو في جهة دون جهة، كما تقول المشبهة.

والثاني: قال ابن زيد وقتادة، كان للمسلمين التوجه بوجوههم إلى الصلاة حيث شاؤوا ثم نسخ ذلك بقوله: " فول وجهك شطر المسجد الحرام "(1) وانما كان النبي صلى الله عليه وآله اولا اختار التوجه إلى بيت المقدس، وقد كان له التوجه إلى حيث شاء.

وقال آخرون: كان ابن عمر يصلي حيث توجهت به راحلته في السفر تطوعا، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يفعل ذلك ويتاول عليه الآية.

وقيل: نزلت في قوم صلوا في ظلمة وقد خفيت عليهم جهة القبلة، فلما اصبحوا اذا هم صلوا إلى غير القبلة، فانزل الله هذه الآية. وهذا قول عبدالله بن عامر عن ابيه. والنخعي والاول اقوى الوجوه.

وقوله: " فثم وجه الله " المراد بالوجه، فيه اختلاف.

قال الحسن، ومجاهد: المراد به، فثم جهة القبلة، وهي الكعبة، لانه يمكن التوجه اليها من كل مكان.

قال ابن بيض:

أي الوجوه انتجعت قلت لها *** لاي وجه إلا إلى الحكم

متى يقل صاحبا يرادفه *** هذا ابن بيض بالباب يبتسم

وقيل: معناه فثم وجه الله، فادعوه كيف توجهتم.

___________________________________

(1) سورة البقرة: آية 150.

[425]

وقال آخرون، واختاره الرماني والجبائي: فثم رضوان الله.

كما يقال: هذا وجه العمل، وهذا وجه الصواب وكانه قال: الوجه الذى يؤدي إلى رضوان الله.

وتقدير الآية واتصالها بما قبلها، كأنه قال: لا يمنعكم تخريب من خرب المساجد ان تذكروه حيث كنتم من أي وجه، وله المشرق والمغرب، والجهات كلها.

المعنى: وقوله: " والله واسع عليم " قال قوم: معناه غني، فكانه قيل: واسع المقدور.

وقال الزجاج: يدل على التوسعة للناس فيما رخص لهم في الشريعة، وكانه قيل: واسع الرحمة، وكذلك رخص في الشريعة.

ومعنى القول الاول انه غني عن طاعتكم، وانما يريدها لمنفعتكم.

وقال الجبائي: معناه واسع الرحمة.

اللغة: والسعة والفسحة والمباعدة نظائر. وضد السعة الضيق يقال: وسع يسع سعة، وأوسع إيساعا، وتوسع توسعا، واتسع اتساعا، ووسع توسعة، والواسع: جدة الرجل وقدرة ذات يده، فرحمة الله وسعت كل شئ وانه ليسعنى ما وسعك.

وتقول: وسعت الوعاء فاتسع فعل لازم. وكذلك اتوسع.

وسع الفرس سعة ووساعة، فهو وساع.

وأوسع الرجل: اذا كان ذا سعة في المال، فهو موسع، وموسع عليه.

وتقول سير وسيع ووساع.

وفي القرآن " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها "(1) أي طاقتها واصل الباب: السعة نقيض الضيق.

المعنى: ومعنى عليم انه عالم يوجه الحكمة، فبادروا إلى ما أمركم به من الطاعة.

وقيل واسع الرحمة عليم ابن يضعها على وجوه الحكمة.

ومعنى (ثم) هناك تقول لما قرب من المكان: هنا، وما تراخى: ثم وهناك.

___________________________________

(1) سورة البقرة: آية 286.

[426]

الاعراب: وانما بني، لان فيه معنى الاشارة إلى المكان لابهامها، وبني على الحركة لالتقاء الساكنين، وفتح لخفة الفتحة في المضاعف.

وقوله: " فاينما تولوا " جزم باينما. والجواب فثم وجه الله. " وثم " موضعه النصب لكنه بني على الفتح.

وقوله: " اينما " تكتب موصولة في اربعة مواضع ليس في القرآن غيرها.

هذه واحدة، وفي النحل " اينما يوجهه "(1) وفي الاحزاب " ملعونين اينما ثقفوا "(2) وفى الشعراء " اينما كنتم تعبدون "(3) ومن الناس من يجعل معها التي في النساء " اينما تكونوا يدرككم الموت "(4) وكلها على القياس إلا التي في الشعراء، فان قياسها ان تكتب مفصولة، لان (ما) اسم موصول بما بعده بمعنى الذي.

قوله تعالى: وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والارض كل له قانتون(116)

آية واحدة بلا خلاف.

القراء‌ة: قرأ ابن عامر وحده: " قالوا " بلا واو.

المعنى: والمعنى بهذه الآية النصارى وقال قوم: النصارى، ومشركوا العرب معا، من حيث قالوا: الملائكة بنات الله، وقالت النصارى: المسيح بن الله - هذا قول الزجاج. - وفي هذه الآية دلالة على انه لا يجوز الولد على وجه من الوجوه،

___________________________________

(1) آية 76.

(2) آية 61.

(3) آية 92.

(4) آية 77.

[427]

لانه اذا كان جميع ما في السماوات والارض ملكا له، فالمسيح عبد مربوب، وكذلك الملائكة المقربون، لان الولد لا يكون إلا من جنس الوالد، ولا يكون المفعول إلا من جنس الفاعل، وكل جسم فعل لله فلا مثل له ولا نظير على وجه من الوجوه (تعالى الله) عن صفات(1) المخلوقين.

وقوله: " كل له قانتون ".

الاصل في القنوت الدوام. وينقسم اربعة اقسام: الطاعة، كقوله: " كل له قانتون " أي مطيعون والقنوت الصلاة كقوله: " يامريم اقنتي لربك واسجدي واركعي "(2). والقنوت: طول القيام.

وروي عن جابر بن عبدالله قال: سئل النبي صلى الله عليه وآله أي الصلاة أفضل فقال: طول القنوات. ويكون القنوت السكوت، كما قال زيد بن ارقم: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت " وقوموا لله قانتين "(3) فامسكنا عن الكلام.

وقيل في " قانتون " هاهنا ثلاثة أقوال: (الاول) قال مجاهد: معناه مطيعون، وطاعة الكافر في سجود ظله.

وقال ابن عباس: مطيعون.

الثاني - قال السدي: كل له مطيعون يوم القيامة.

وقال الربيع: كل له قائم يوم القيامة.

الثالث - قال الحسن: كل قائم له بالشهاده عبدة.

وقالت فرقة رابعة - وهو الاقوى -: كل دائم على حالة واحدة بالشهادة بما فيه من آثار الصنيعة، والدلالة على الربوبية.

وزعم الفراء: انها خاصة لاهل الطاعة، بدلالة انا نجد كثيرا من الخلق غير طائعين.

وعلى ما اخترناه لا يحتاج إلى التخصيص.

___________________________________

(1) في المطبوعة " طبقات ".

(2) سورة آل عمران: آية 43.

(3) سورة البقرة: آية 238.

[428]

اللغة: وأما القنوت في اللغة فقد يكون بمعنى الطاعة.

تقول: قنت يقنت قنوتا، فهو قانت: اذا اطاع وقال صاحب العين: القنوت في الصلاة دعاء(1) بعد القراء‌ة في آخر الوتر، يدعو قائما.

ومنه قوله: " امن هو قانت أناء الليل ساجدا أو قائما "(2).

والقنوت، والدعاء: قيام في هذا الموضع.

وقيل في قوله: " وقوموا لله قانتين "(3) أي خاشعين.

وقال ابن دريد: القنوت: الطاعة.

وقال ابوعبيدة: القانتات: الطائعات، والقنوت في الصلاة: طول القيام - على ما قاله المفسرون - في قوله: " وقوموا لله قانتين ".

واصل الباب: المداومة على الشئ.

قوله تعالى: بديع السماوات والارض وإذا قضى أمرا فانما يقول له كن فيكون (117)

آية بلا خلاف.

القراء‌ة: قرأ ابن عامر " فيكون " نصبا. الباقون بالرفع.

اللغة: بديع بمعنى مبدع. مثل أليم بمعنى مؤلم، وسميع بمعنى مسمع. وبينهما فرق لان في بديع مبالغة ليس في مبدع، ويستحق الوصف في غير حال الفعل على الحقيقة. بمعنى ان من شأنه الانشاء، لانه قادر عليه، ففيه معنى مبدع.

___________________________________

(1) في المطبوعة " دعة ".

(2) سورة الزمر: آية 9.

(3) سورة البقرة: آية 238.

[429]

وقال السدي: تقول ابتدعها، فخلقها ولم يخلق قبلها شيئا(1) تتمثل به.

والابداع، والاختراع، والانشاء نظائر.

وضد الابتداع الاحتذاء على مثال.

يقال: أبدع إبداعا وابتدع ابتداعا، وبدع تبديعا.

وقال ابن دريد: بدعت الشئ: اذا انشأته: والله " بديع السماوات والارض " أي منشئهما.

وبدعت الركي،(2) اذا استنبطتها، وركي بديع: أي جديد الحضر. ولست ببدع في كذا. أي لست بأول من أصابه هذا.

ومنه قوله: " ما كنت بدعا من الرسل "(3). وكل من احدث شيئا، فقد ابدعه.

والاسم: البدعة وأبدع بالرجل: اذا كلت راحلته، وانقطع به.

وقوله: " ما كنت بدعا من الرسل " أي ما كنت بأول مرسل.

والبدعة: ما ابتدع من الدين، وغيره، وجمعها بدع.

وفي الحديث: كل بدعة ضلالة.

وتقول جئت بأمر بديع، أي مبتدع عجيب وأبدعت الابل: اذا تركت في الطريق من الهزل.

وأصل الباب: الانشاء.

المعنى: وقوله: " اذا قضى امرا " يحتمل أمرين: أحدهما - اذا خلق امرا. كما قال " فقضاهن سبع سماوات في يومين "(4) أي خلقهن - وهو اختيار البلخى، والرماني، والجبائي. والثاني: حتم بان يفعل أمرا وحكم.

وقيل احكم امرا، كما قال ابوذؤيب:

وعليهما مسرودتان قضاهما *** داود أو صنع السوابغ تبع(5)

___________________________________

(1) في تفسير الطبري - دار المعارف المصرية - 2: 541 " ابتدعها فخلقها ولم يخلق شئ فيتمثل به " ومثله في الدار الثمين 1: 11 وفي مطبوعة بولاق من التفسير المذكور كما أثبتنا.

(2) الركي، جمع ركية: البئر تحفر.

(3) سورة الاحقاف: آية 9.

(4) - سورة حم - السجدة: آية 12.

(5) ديوانه: 19.

واللسان " صنع " من قصيدة يرثي بها أولاده حين ماتوا بالطاعون ومسرودتان: درعان من السرد وهو الخرز والنسج.

تبع: اسم لكل ملك من ملوك حمير الصنع: الحاذق والامرأة: صناع.

[430]

اللغة: قضاهما: احكمهما، والقضاء والحكم نظائر.

يقال: قضى يقضي قضاء، واقتضى اقتضاء، وتقاضيا تقاضيا، واستقضى استقضاء، وتقض تقضيا وقض تقضية، وقاضاه مقاضاة، وانقضى انقضاء.

قال صاحب العين: قضى يقضي قضاء، وقضية: يعني حكم.

وتقول: قضى اليه عهدا معناه اوصى اليه.

ومنه قوله: " وقضينا إلى بني اسرائيل "(1). " وقضى عليها الموت "(2) أي اتى عليه. والانقضاء فناء الشئ، وذهابه. وكذلك التقضي. وأصل الباب: القضاء.

والفصل والقضاء ينصرف على وجوه: منها الامر كقوله تعالى: " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه "(3) أي أمر. ومنه الخلق كقوله: " قضاهن سبع سماوات "(4) أي خلقهن. ومنه الاخبار، والاعلام، كقوله: " وقضينا إلى بني اسرائيل في الكتاب "(5) أي اخبرناهم ومنه الفصل: قضى القاضي بين الخصمين أي فصل الامر بينهما.

المعنى: ومعنى قوله: " فانما يقول له كن فيكون " قيل فيه قولان: أحدهما - انه بمنزلة المثل ومعناه ان منزلة الفعل له في السهولة، وانتفاء التعذر كمنزلة ما يقال له كن فيكون كما يقال قال فلان برأسه كذا وقال بيده: اذا حرك رأسه وأومى بيده، ولم يقل شيئا في الحقيقة وقال ابوالنجم:

___________________________________

(1) - سورة اسرى: آية 4.

(2) - سورة الزمر: آية 42.

(3) - سورة الاسرى: آية 23.

(4) - سورة - حم - السجدة: آية 12.

(5) سورة الاسراء: آية 4.

[431]

اذ قالت الانساع للبطن الحقى *** قدما فآضت كالفنيق المحنق(1)

وقال عمرو بن حممة الدوسي(2):

فاصبحت مثل النسر طارت فراخه *** اذا رام تطيارا يقال له: قع(3)

وقال آخر:

امتلا الحوض وقال قطنى *** مهلا رويدا قد ملات بطني(4)

وقال آخر:

فقالت له العينان سمعا وطاعة *** وحدرتا كالدر لما يثقب(5)

و قال العجاج:(6) يصف ثورا:

وفيه كالاعواض للعكور *** فكر ثم قال في التفكير

ان الحياة اليوم في الكرور والوجه الآخر أنه علامة جعلها الله للملائكة اذا سمعوها، علموا انه احدث امرا. وكلاهما حسن والاول أحسن وأشبه في كلام العرب في عادة الفصحاء.

ونظيره قوله تعالى: " فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا اتينا طائعين "(7) وهو الذي اختاره البلخي، والرماني، واكثر المفسرين. وقد قيل في ذلك اقوال فاسدة، لا يجوز التعويل عليها:

___________________________________

(1) اللسان (حنق) ذكر البيتين. وفي (قول) البيت الاول فقط. وروايته " قد قالت " بدل " اذ قالت ".

يصف الشاعر ناقة انضاها السير.

الانساع: جمع نسع - بكسر النون وسكون السين - وهو السير: خيط من الجلد.

ولحق البطن: ضمر.

وآض: صار ورجع الفنيق: الجمل الفحل.

والمحنق: الضامر القليل اللحم.

(2) في المطبوعة " عمر بن حمد السدوسي " والصحيح ما أثبتناه. وهو احد المعمرين زعمو أنه عاش ثلاثمئة وتسعين سنة وهو ايضا أحد حكام العرب.

(3) الحماسة للبحتري: 205.

(4) اللسان " قطط " البيتان. و " قول " البيت الاول فقط.

(5) اللسان " قول " وروايته " قالت " بدل " فقالت " وبالفاء اتم للوزن. وفي مجمع البيان " وقالت " بالواو.

(6) في المطبوعة " ضعيف " زائدة في هذا الموضع.

(7) سورة - حم - السجدة: آية 11.

[432]

ان الامر خاص في الموجودين الذين قيل لهم " كونوا قردة خاسئين "(1) ومن جرى مجراهم، لانه لا يؤمر المعدوم عندهم. ومنها انه أمر للمعدوم من حيث هو لله معلوم، فصح أن يؤمر فيكون.

ومنها - ان الآية خاصة في الموجودات من اماتة الاحياء واحياء(2) الموتى وما جرى مجرى ذلك من الامور.

وانما قلنا بافساد هذه الاقوال، لانه لا يحسن ان يؤمر إلا من كان عاقلا مميزا يقدر على ما أمر به، ويتمكن من فعله. وجميع ما ذكروه بخلافه. لان المعدوم ليس بحي، ولا عاقل. ولايصح امره. ومن كان موجودا لا يجوز ان يؤمر أن يكون قردة، لان المعاني التي تكون بها كذلك، ليس في مقدوره.

كذلك القول في الاماتة والاحياء وتأويل قوله: " كونوا قردة خاسئين " قد بيناه فيما مضى.

فقال بعضهم: إنه أمر للموجود في حال كونه لاقبله ولا بعده، وانه مثل قوله: " ثم اذا دعاكم دعوة من الارض اذا انتم تخرجون "(3) وان دعاء الله إياهم لا يتقدم خروج القوم من قبورهم، ولا يتأخر عنه.

وهذا فاسد لان من شرط حسن الامر أن يتقدم المأمور به.

وكذلك القول في الدعاء، فلا يسلم ما قالوه.

وتأويل ما استشهدوا به على ما بيناه في الآية سواء في انه اخبار عن تسهيل الفعل وسرعة وقوعه، وارادته، لا ان يكون هناك دعاء على الحقيقة، ثم يلزم على جميع ما ذكروه ان تكون الاشياء مطيعة لله تعالى لان الطاعة هي مانعة الامر من الاشياء التي قالها: كوني بأن فعلت نفسها، ويلزم ان يكون لها عقل وتمييز وكل ذلك فاسد.

فاما من استدل بهذه الآية ونظائرها على ان كلام الله قديم من حيث انه لو كان محدثا لاقتضى ألا يحصل إلا (بكن). والكلام في (كن) كالكلام فيه إلى أن ينتهي إلى (كن) قديمة. وهو كلام الله القديم. فهذا باطل لانا قد بينا معنى الآية، فلا يصح ما قالوه. على ان الآية تقتضى حدوث كلامه من

___________________________________

(1) سورة البقرة: آية 65.

(2) واحياء ساقطة من المطبوعة.

(3) سورة الروم: آية 25.

[433]

حيث أخبر ان المكونات تكون عقيب (كن) لان الفاء توجب التعقيب، فاذا كانت الاشياء محدثة، فما يتقدمها بوقت واحد لا يكون إلا محدثا فبطل ما قالوه.

وايضا فانه قال: " اذا قضى امرا " ومعناه خلق فبين انه يخلق الامر وقوله: " كن " أمر يوجب أن يكون محدثا. ودلت الآية على نفي الولد عن الله من وجهين.

احدهما - ان الذي ابتدع السماوات والارض من غير مثال هو الذي ابتدع المسيح من غير والد.

والآخر - ان من هذه صفته، لايجوز عليه اتخاذ الولد، كما لا يجوز صفات النقص عليه (تعالى) عن ذلك.

واذا حملنا الآية على وجود المثال، فوجود الخلق هو كقوله: " كن " إلا انه خرج على تقدير فعلين، كما يقال: اذا تكلم فلان بشئ، فانما كلامه مباح، واذا أمر بشئ فانما هو حتم، وكما قال: تاب فاهتدى فتوبته هي اهتداؤه، فلا يتعذر أن يقال: كن قبله، أو معه. ومتى حملنا ذلك على انه علامة للملائكة فانه يحتمل ان يكون معه، ويحتمل ان يكون قبله. كما تقول: اذا قدم زيد، قدم عمرو. فانه يحتمل ان يكون وقتا للامرين معا إلا أنه اشبه الشرط، كقولك: ان جئتني اعطيتك. ولذلك دخلت الفاء في الجواب، كما تجئ في الشرط، كقوله: " ان يسرق فقد سرق اخ له من قبل "(1) وكذلك تحتمل الآية الامرين:

الاعراب: ورفع قوله: " فيكون " يحتمل أمرين: احدهما - ان يكون عطفا على يقول. والآخر - على الاستئناف أي فهو يكون. ونصبه على جواب الامر، فلا يجوز، لانه انما يجب الجواب بوجود الشرط. فما كان على فعلين في الحقيقة، كقولك إأتني فأكرمك، فالاتيان غير الاكرام، فأما " كن فيكون " فالكون الحاصل هو الكون المأمور به، ومثله انما اقول له إأتني، فيأتيني.

وقال ابوعلي الفارسي: يجوز ذلك

___________________________________

(1) سورة يوسف: آية 77.

[434]

على وجه: وهو على ان لفظه لما كن لفظ الامر، نصب كما نصب في جواب الامر، فان كان الامر بخلافه - كما قال ابوالحسن في نحو قوله تعالى " قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة "(1) ويجوز ذلك في الآي على انه اجري مجرى جواب الامر - وان لم يكن جوابا له في الحقيقة - وقد يكون اللفظ على شئ، والمعنى على غيره نحو قولهم: ما أنت وزيد، والمعنى لم تؤذيه. وليس ذلك في اللفظ، ومثله " فلا تكفر فيتعلمون "(2) ليس فيتعلمون جوابا لقوله: " فلا تكفر " ولكن معناه يعلمون أو يعلمان، فيتعلمون منهما غير أن قوله " فلا تكفر " نهي على الحقيقة. وليس قوله " كن " امرا على الحقيقة، فمن هاهنا ضعفت هذه القراء‌ة.

قوله تعالى: وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الايات لقوم يوقنون(118)

آية بلا خلاف.

المعنى: المعني بهذه الآية في قول مجاهد: النصارى.

وقول ابن عباس: اليهود.

وفي قول الحسن وقتادة: مشركوا العرب.

وكل ذلك يحتمل. غير انه لمشركي العرب أليق، لانه يشاكل ما طلبوا حين قالوا: " لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا " إلى قوله: " هل كنت إلا بشرا رسولا "(3) ويقوي ذلك قوله: " وقال الذين لا يعلمون ": الكتاب. فبين أنهم ليسوا أهل كتاب.

من اختار ان المراد بها النصارى قال: لانه قال قبلها " وقالوا اتخذ الله ولدا "(4) وهذا

___________________________________

(1) سورة ابراهيم: آية 31.

(2) سورة البقرة: آية 102.

(3) سورة البقرة: آية 119.

(4) سورة البقرة: آية 116.

[435]

لا دلالة فيه، ولا يمتنع ان يذكر قوما، ويخبر عنهم، ثم يستأنف قوما آخرين، فيخبر عنهم على ان مشركي العرب قد اضافوا إلى الله البنات فدخلوا في جملة من قال: " اتخذ الله ولدا ".

ومعنى قوله: " لولا " هلا، كما قال الاشهب بن رميلة:

تعدون عقر النيب أفضل مجدكم *** بنى ضو طرى لولا الكمي المقنعا(1)

أي هلا تعقرون الكمي المقنعا.

وانما قال: " أو تأتينا آية " وقد جاء‌تهم الآيات، لانهم طلبوا آية، كما ان آية الرسل توافق دعوتهم، ويكلمهم الله كما كلمهم الله.

والمعني بقوله " كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم " اليهود على قول مجاهد.

وعلى قول قتادة والسدي والربيع: اليهود والنصارى.

والضمير في قوله: " تشابهت قلوبهم " يعني كناية عن قلوب اليهود والنصارى - على قول مجاهد - وعلى قول الربيع وقتادة: عن العرب واليهود والنصارى وغيرهم، فقوله " تشابهت قلوبهم " يعني في الكفر، بالاعتراض على انبياء الله بالجهل، لان اليهود قالت لموسى: " أرنا الله جهرة " وقالت النصارى للمسيح: " أنزل علينا مائدة من السماء ".

وقالت العرب لمحمد صلى الله عليه وآله: حول لنا الصفا ذهبا، وغير ذلك.

وكذلك قال الله تعالى: " أتوا صوابه "(2) وروي عن ابن إسحاق انه قرأ " تشابهت " - بتشديد الشين - خطأ، لان ذلك انما يجوز في المضارع.

بمعنى تتشابه - فتدغم احدى التاء‌ين في الشين - هكذا قال الفراء، وغيره من أهل العلم.

وقوله: " قد بينا الآيات لقوم يوقنون " معناه أيقن بها قوم من حيث دلتهم على الحق، فالواجب على كل هؤلاء ان يستدلوا بها، ليصلوا إلى اليقين كما وصل غيرهم اليه بها.

___________________________________

(1) وقيل انه لجرير وهو مذكور في ديوانه: 338. وروايته افضل سعيكم. وقد مر في 1: 319.

والبيت من قصيدة طويلة في مناقضة جرير والفرزدق. والكمي: الشجاع.

(2) سورة الذاريات: آية 51.

[436]

اللغة: واليقين والعلم والمعرفة نظائر في اللغة.

ونقيضه الشك، والجهل.

تقول أيقن ايقانا، وتيقن تيقنا، واستيقن استيقانا.

وقال صاحب العين: اليقين النفس.

قال الشاعر:

وما بالذي ابصرته العيو *** ن من قطع يأس ولا من يقن(1)

واليقين: علم يثلج به الصدر، ولذا يقولون: أجد برد اليقين، ولا يقولون: وجد برد العلم.

فان قيل: لم لم يؤتوا الآيات التي طلبوها، لتكون الحجة أأكد قلنا: اظهار الآيات يعتبر فيه المصالح، وليس بموقوف على اقتراح العباد. ولو علم الله ان ما اقترحوا من الآيات فيه مصلحة، لاظهرها، فلما لم يظهرها، علمنا انه لم يكن فيها مصلحة لنا اصلا.

قوله تعالى: إنا ارسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم (119)

آية بلا خلاف.

القراء‌ة: قرأ نافع " لا تسأل ". بفتح التاء وجزم اللام. على النهي، وروي ذلك عن ابي جعفر محمد بن علي الباقر (ع)، وابن عباس.

ذكر ذلك الفراء، والبلخي الباقون على لفظ الخبر على مالم يسم فاعله.

المعنى: معنى قوله: " ولا تسأل عن أصحاب الجحيم " تسلية للنبي صلى الله عليه وآله فقيل له

___________________________________

(1) اللسان " يقن " اليقن - بفتح الياء والقاف -: اليقن. في المطبوعة " يقين " بدل " يقن " وفي المخطوطة " تيقين ".

[437]

" انما انت بشير ونذير " ولست " تسأل عن أصحاب الجحيم " ومثله قوله: " فلا تذهب نفسك عليهم حسرات " وقوله " ليس عليك هداهم "(1) وقوله " عليه ما حمل وعليكم ما حملتم "(2)

الاعراب: وموضع " تسأل " يحتمل أمرين: احدهما - ان يكون استئنافا ولا موضع له. والآخر - ان يكون حالا، فيكون موضعه نصبا. ذكر ذلك الزجاج، لانه قال: " أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا " غير مسئول عن اصحاب الجحيم. ومن فتح التاء على الخبر.

تقديره: غير سائل. وانكر قوم الحال.

واعتلوا ان في قراء‌ة أبي: " وما تسأل " وفي قراء‌ة عبدالله: " ولن تسأل " وهذا غير صحيح، لان ليس قياس (لا) قياس لن(3) وما، لانه يجوز أرسلناك لا سائلا، ولا يجوز ما سائلا. ولذلك احتمل مع لا الحال، ولن يحتمل مع ما ولن، لان للا(4) تصرفا ليس لهما فيجوز ان يعمل ما قبلها في ما بعدها، ولا يجوز ذلك فيهما.

تقول: جئت بلا خبر، ولا يجوز بما خبر. والجحيم النار بعينها اذا شبت وقودها.

قال امية بن ابي الصلت:

اذا شبت جهنم ثم زادت *** واعرض عن قوابسها الجحيم(5)

فصار كالعلم على جهنم.

وقال صاحب العين: الجحيم: النار الشديدة التأجج، والالتهاب كما اججوا نار ابراهيم.

وهي تجحم جحوما(6) يعني توقدت جمرتها وجاحم الحرب: شدة القتل في معركتها.

وقال سعيد بن مالك بن ضبيعة.

___________________________________

(1) سورة البقرة: آية 272.

(2) سورة النور: آية 54.

(3) (لن) ساقطة من المطبوعة.

(4) في المطبوعة (لانه لا).

(5) ديوانه 53. وروايته (فارت) بدل (زادت).

(6) في المطبوعة " حجواما ".

[438]

والحرب لا يبقى لجا *** حمها التخيل والمراح(1)

إلا الفتى الصبار في الن‍ *** - جدات والفرس الوقاح

والجحمة: العين بلغة حمير قال الشاعر:

أيا جحمتا بكي على أم مالك *** اكيلة قلوب بأعلى المذانب(2)

وجحمتا الاسد: عيناه.

وتقول: جحمت النار جحما: اذا اضطرمت.

وجمر جاحم: اذا اشتد اشتعاله.

ومنه اشتقاق الجحيم. واصل الباب الالتهاب.

ومنه الاجحم: الشديد حمرة العين شبه بالنهار في حمرتها. الحرب تشبه بالتهاب النار.

المعنى: وفي الآية دلالة على انه لا يؤخذ احد بذنب غيره قريبا كان منه أو بعيدا. كما بين الله انه لا يطالب احد بذلك غيره. وان كان قد فرض على النبي " ص " ان يدعوا إلى الحق، ويزجر عن الباطل. وليس عليه ان يقبل المدعو.

ومن قرأ بلفظ النهي.

قال الزجاج: يحتمل أمرين: أحدهما - ان يكون امره بترك المسألة.

والآخر - ما قاله الاخفش: ان يكون المعنى علي تفخيم ما أعد لهم من العقاب.

كما يقال لا تسال عن فلان أي قد صار إلى امر عظيم.

وقال قوم: لو كان على النهي: لقال فلا " بالفاء "، لانه يصير بمنزلة الجواب كأنه يدل على لانا ارسلناك إلا بالحق ولا تسأل عن اصحاب الجحيم.

ولا يحتاج بالرفع إلى الفاء، واذا كان على الرفع فظاهر الكلام الاول يقتضيه اقتضاء الاحوال، أو اقتضاء البيان الذي يجري مجرى الحجاج على من اعترض بان فعل

___________________________________

(1) اللسان " حجم " في المخطوطة والمطبوعة " الخيل " بدل " التخيل ".

(2) اللسان " جحم قال ابن بري صواب انشاده بما قبله وما بعده:

اتيح لها القلوب من ارض فرقرى *** وقد يجلب الشر البعيد الجوالب

أيا جحمتي بكي على أم مالك *** اكيلة قليب ببعض المذانب

فلم يبق منها غير نصف عجانها *** وشنطرة منها واحدي الذوائب

القلوب: الذئب.

[439]

الداعي إلى الايمان لايحل موقعه الا بان يقبل المدعو اليه.

واما ايصاله ما تقدم على الجزم، فانما هو على معنى التغليظ لشان الجحيم، ليزحر(1) بذلك عن ترك اتباعه صلى الله عليه وآله والتصديق بما اتى به من البشارة.

قال أبوعلي الفارسي إنما تلزم الفاء اذا كان الكلام الاول علة فيما بعد ذلك، كقولك اعطيك فرسا فلا تسأل شيئا اخرا والآية بخلاف ذلك.

وفي الناس من قال: القراء‌ة بالجزم مردودة، لانه لم يتوجه له اتصال الكلام، ولا كيف جاء بالواو دون الفاء.

وقد بينا الاتصال. فاما المجئ بالواو فلانه لم يرد الدلالة على معنى الجواب، ولكن عطف جملة على جملة تتعلق بها وتقتضي على ما انطوى عليه معناها.

ومعنى الحق في قوله: " انا ارسلناك بالحق " الاسلام، بشيرا من اتبعك عليه بالثوب نذيرا من خالفك فيه بالعقاب.

وقيل: " إنا ارسلناك بالحق " يعني على الحق.

كما قال: " خلق الله السماوات والارض بالحق "(2) كأنه قال: على انهما حق لاباطل.

الآية: 120 - 129

قوله تعالى: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت اهواء‌هم بعد الذي جاء‌ك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير(120)

قيل في معنى هذه الآية قولان: احدهما - ان النبي " ص " كان مجتهدا في طلب ما يرضيهم، ليقبلوا إلى الاسلام ويتركوا القتال، فقيل له: دع ما يرضيهم إلى ما امر الله به من مجاهدتهم.

والآخر - قال الزجاج: كانوا يسألونه " ع " الهدنة والمسالمة ويرونه انه ان امهلهم اسلموا. فاعلمه الله انهم لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم.

وهذه الآية تدل انه لايصح ارضاء اليهود ولا النصارى على حال، لانه تعالى علقه بان اليهود

___________________________________

(1) في المطبوعة (ليرجم).

(2) سورة ابراهيم آية: 19.

 

[440]

لا يرضون عنه حتى يكون " ص " يهوديا، والنصارى لا يرضون عنه حتى يكون نصرانيا، فاستحال ان يكون يهوديا نصرانيا في حال واستحال إرضاؤهم بذلك.

اللغة: والرضا والمحبة، والمودة نظائر وضد الرضا الغضب.

ويقال رضي يرضى رضاء.

وارضاه إرضاء، وارتضاه ارتضاء، واسترضاه وترضاه ترضيا، وتراضوا تراضيا، والرضي والمرضي بمعنى واحد.

والرضا مقصور من بنات الواو بدلالة الرضوان تقول: رجل رضى ورجال رضى وامرأة ونساء رضى.

وأصل الباب الرضى نقيض الغضب.

وقوله: " حتى تتبع ملتهم " فالملة، والنحلة، والديانة نظائر.

وتقول وجد فلان ملة وملاله. وهو عدوى الحمى.

ومللت الشئ أمله ملالة ومللا: إذا سئمته ومللت الخبزة املها ملا: اذا دفنتها في الجمر والجمر بعينه الملة.

وقال صاحب العين: الملة الرماد والجمر وكل شئ تمله في الجمر فهو مملول.

قال الشاعر في وصف الحرباء: كأن ضاحيه بالنار مملول(1) والمملول(2) الممتل من الملة.

وطريق ممل مليل: قد سلك حتى صار معلما وملة رسول الله " ص " الامر الذي اوضحه.

وامتل الرجل اذا اخذ في ملة الاسلام: اي قصدها ما امل منه.

والامل املال الكتاب، ليكتب. والمليلة من الحمى.

المعنى: وقوله: " قل إن هدى الله هو الهدى " معناه هو الذي يهدي إلى الجنة. لا اليهودية، ولا النصرانية.

___________________________________

(1) البيت من قصيدة لكعب بن زهير. اللسان (ملل).

يقول كأن ما ظهر منه للشمس مشوي بالملة من شدة حره.

يقال: أطعمنا خبز ملة، واطعمنا خبزة مليلا، ولا يقال اطعمنا ملة. في المطبوعة.

كإن صاحبه في النار مملوك. هو تحريف فاحش.

وفي المخطوطة. كان صاحبه في النار مملول. والصحيح ما ذكرناه.

(2) في المطبوعة " والمملوك ".

[441]

وقيل ان معناه الدعاء إلى هدى الله الذي يكذب قولهم " لن يدخل الجنة إلا من ان هودا او نصارى "(1) وهي الادلة الواضحة على ان المطيع لله هو الذي يفوز بثوابه في الجنة، لامن ذكروه من العصاة له.

وهذه الآية تدل على ان من علم الله منه انه لا يعصي، يتناوله الوعيد والزجر، لانه تعالى علم ان النبي " ص " لا يعصي ولا يتبع اهواء‌هم، وفيها دلالة على ان كل من اتبع الكفار على كفرهم ماله من الله من ولي ولا نصير، لانه اذا وجب ذلك في متبع واحد، وجب ذلك في الجميع.

الاعراب: " حتى تتبع " نصب بحتى وحكى الزجاج عن الخليل وسيبويه، وجميع البصريين أن الناصب للفعل (أن) بعد حتى، لان حتى تخفض الاسم في قوله: " حتى مطلع الفجر "(2) ولا يعرف في العربية حرف يعمل في اسم وفعل، ولا ما يكون خافضا لاسم، يكون ناصبا لفعل. فصار ذلك مثل قولك جاء زيد ليضربك، فانها تنصب الفعل باضمار (ان) لكونها جارة للاسم.

قوله تعالى: ألذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون(121)

آية بلا خلاف.

المعنى: المعني بهذه الآية - في قول قتادة واختيار الجبائي - اصحاب النبي صلى الله عليه وآله الذين آمنوا بالقرآن وصدقوا به.

وقال ابن زيد: هو من آمن بالنبي صلى الله عليه وآله من بني اسرائيل. والكتاب على قوله: التوراة.

ومعنى قوله: " يتلونه حق تلاوته " قال ابن عباس: يتبعونه حق اتباعه،

___________________________________

(1) سورة البقرة: آية 111.

(2) سورة الفجر: آية 7.

[442]

ولا يحرفونه، ثم يعملون بحلاله ويقفون عند حرامه.

ومثله قوله: " والقمر اذا تلاها "(1) اي تبعها.

به قال ابن مسعود، ومجاهد وقتادة، وعطاء.

وروي عن ابي عبدالله (ع) حق التلاوة الوقوف عند ذكر الجنة والنار يسأل في الاولى، ويستجير من الاخرى.

وقال قوم " يتلونه حق تلاوته " يقرؤنه حق قراء‌ته.

اللغة والتلاوة: في اللغة على وجهين: احدهما - القراء‌ة. والثاني - الاتباع. والاول اقوى، وعليه اكثر المفسرين ولا يجوز ان يقال: يتلونه حق التلاوة على مذهب الكوفيين، كما لا يجوز يتلونه: اي التلاوة، لان ايا اذا كانت مدحا وقع على النكرة، ولم يقع على المعرفة.

فلايجوز مررت بالرجل حق الرجل كما لا يجوز مررت بالرجل اي الرجل. وكما لا يجوز مررت بابي عبدالله ابي زيد. وانما جاز تلاوته. كما يجوز رب رجل واخيه.

وقال بعض البصريين يجوز مررت بالرجل حق الرجل.

ولا يجوز مع اي لان ايا تدل على اليعيض. ليس كذلك حق. فاما مررت بالرجل كل الرجل فجائز عند الجميع، لان اصله التوكيد، فترك على حاله.

المعنى: والمعني بقوله " ومن يكفر به " اليهود - على قول ابن زيد - والاولى ان يكون ذلك محمول على عمومه في جميع الكفار. وبه قال الجبائي واكثر المفسرين.

___________________________________

(1) سورة الشمس: آية 2.

[443]

قوله تعالى: يا بنى إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين(122)

آية واحدة.

هذا خطاب من الله لبني اسرائيل الذين كانوافي عهد رسول الله " ص " امرهم الله ان يذكروا نعمته التي انعم بها عليهم.

اللغة: والنعمة: النفع يستحق به الشكر. والانعام والاحسان والافضال نظائر.

ونقيض النعمة: النقمة: وهو الضرر المستحق.

المعنى: ومعنى قوله: " واني فضلتكم على العالمين " يعني عالمي زمانهم. وتفضيله اياهم بان جعل فيهم النبوة والحكم وهذه الآية قد تقدم ذكر مثلها في رأس نيف واربعين.

وقيل في سبب تكريرها ثلاثة اقوال: احدها - ان نعم الله لما كانت الاصل الذى به يجب شكره، وعبادته ذكر بها، ليقبلوا إلى طاعته واتباع امره، وليكون مبالغة في استدعائهم إلى ما يلزمهم لربهم التظاهر بالنعم عليهم.

والثاني - انه لما ذكر الكتاب وعنى به التوراة، وكان فيه الدلالة على شأن عيسى ومحمد " ص " في النبوة والبشارة المتقدمة، ذكرهم عزوجل بما انعم عليهم من ذلك، وفضلهم كما جاء " فبأى آلاء ربكما تكذبان "(1) بعد نعم ذكرهم بها، ثم عدد نعما اخر، وقال فيها " فبأى آلاء ربكما تكذبان(2) اى فبأى هذه تكذبان وكل تقريع جاء، فانما هو موصول بتذكير نعمه غير الاول. والثالث غير الثاني. وهكذا إلى آخر السورة.

وكذلك الوعيد - في سورة المرسلات - بقوله: " ويل يومئذ للمكذبين "(3) انما هو بعد الدلالة على اعمال يعظم التكذيب بما تدعو اليه الادلة.

___________________________________

(1 و 2) سورة الرحمان من آية 13 إلى 77.

(3) سورة الطور آية 11، وسورة المرسلات من آية 15 إلى 49، وسورة المطففين آية 10.

[444]

الثالث - انه مقدمة لما بعده، لانه تعالى اراد وعظهم ذكرهم قبل ذلك بالنعم عليهم، لانه استدعاء إلى قبول الوعظ لهم(1).

وقيل: فيه وجه رابع. وهو انه لما تباعد بين الكلامين حسن التنبيه والتذكير. وموضع " التي " نصب بالعطف على نعمتي.

قوله تعالى: واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون(123)

آية بلا خلاف.

ومثل هذه الآية ايضا تقدم. وبينا ما فيها، فلا معنى للتكرار. وبينا ان العدل هو الفدية. وقيل هو المثل.

ويقال هذا عدله، اي مثله والعدل، هو الحمل وبينا قول من يقول: إن الشفاء لا تكون إلا لمرتكبي الكبائر: اذا ماتوا مصرين.

فان قلنا ظاهر الآية متروك بالاجماع، لانه لا خلاف ان هاهنا شفاعة نافعة والآية تقتضي نفيها، وان خصوا بانها لاتنفع المصرين، وانما ينفع التائبين؟ قلنا: لنا ان نخصها بالكافرين دون فساق(2) المسلمين.

واما قوله: " لا يشفعون " الا لمن ارتضى فنتكلم عليه اذا انتهينا اليه.

ومن قال: إنه ليس يعني ان يشفع لها شافع فلا تنفع شفاعته، لكنه يريد لا تأتي بمن يشفع لها.

كما قال الشاعر: على لا حب لا يهتدى بمناره وإنما اراد به لا منار هناك فيهتدى به لا يضرنا، لانا لانقول: إن هناك شفاعة تحصل ولا تنفع بل نقول: إن الشفاعة اذا حصلت من النبي، وغيره فانها تنفع لا محالة.

وكذلك عند المخالف، وان قلنا: انها تنفع في اسقاط المضار وقالوا: هم في زيادة المنافع. غير ان اتفقنا(3) على انها تحصل لا محالة ولسنا ممن ينفي حصول الشفاعة اصلا.

___________________________________

(1) في المخطوطة " لهم فيه ".

(2) في لمطبوعة " فلق " وهو تحريف.

(3) في المطبوعة " انقضا ".

[445]

قوله تعالى: واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فاتمهن قال اني جاعلك للناس اماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين(124)

آية بلا خلاف.

القراء‌ة: اسكن الياء من عهدي حمزة وحفص إلا ابن ساهي.

وكتب في بعض المصاحف " ابراهم " بغير ياء وفي اكثرها بالياء.

قال بعض الجرهميين: نحن ورثنا على احد (ابراهم)(1).

وقرأ ابن عامر ابراهام في خمسة وثلاثين موضعا في القرآن كله: في البقرة خمسة عشرة موضعا.

وهو جميع ما فيها. تقدير الآية واذكرو إذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات.

المعنى: والابتلاء هو الاختبار - وهو مجاز هاهنا لان حقيقته الامر من الله تعالى بخصال الايمان فسمي ذلك اختبارا، لان ما يستعمل بالامر منا في مثل ذلك على جهة الاختبار والامتحان، فجرى تشبيها بما يستعمله اهل اللغة عليه.

وقال بن الاخشاذ: إنما ذلك على انه جل ثناؤه يعامل العبد معاملة المختبر الذي لايعلم لانه لو جازاهم بعمله فيهم، كان ظالما لهم. والكلمات التي ابتلى الله ابراهيم بها فيها خلاف فيروى في بعض الروايات عن ابن عباس، و؟

قال قتادة، وابوالخلد: انه أمره(2) اياه بعشرة سنن(3) خمس في الرأس، وخمس في الجسد. فاما التي في الرأس فالمضمضة والاستنشاق والفرق وقص الشارب، والسواك. واما التي في الجسد: فالختان وحلق

___________________________________

(1) استدل بهذا على " ابراهم " - بدون ياء - وفي المطبوعة والمخطوطه بالياء. وهو غلط.

(2) في المخطوطة والمطبوعة " أمن ".

(3) في المطبوعة " سنين ".

[446]

العانة، وتقليم الاظفار، ونتف الابطين والاستنجاء.

وفي احدى الروايتين عن ابن عباس أنه ابتلاه من شرائع الاسلام بثلاثين شيئا عشرة منها في براء‌ة " التابئون العابدون الحامدون.

إلى اخرها " وعشرة في الاحزاب: " ان المسلمين والمسلمات إلى اخرها " وعشرة في سورة المؤمنين: إلى قوله " والذين هم على صلاتهم يحافظون " وعشرة في سأل سائل إلى قوله: " والذين هم على صلاتهم يحافظون " فجعلها اربعين سهما وفي رواية ثالثة عن ابن عباس انه امره بمناسك الحج: الوقوف بعرفة والطواف والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار(1) والافاضه.

قال الحسن: ابتلاه الله بالكوكب وبالقمر وبالشمس، وبالختان وبذبح انبه، وبالنار، وبالهجرة وكلهن وفى لله فيهن.

وقال مجاهد: ابتلاه الله بالآيات التي بعدها وهي " اني جاعلك للناس اماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين " وقال الجبائي: أراد بذلك كلما كلفه(2) من طاعاته العقيلة والشرعية.

وقوله: (فاتمهن) معناه وفى بهن على قول الحسن وقال قتادة والربيع: عمل بهن، فاتمهن.

وقال البلخي: الضمير في اتمهن راجع إلى الله. وهو اختيار الحسين بن علي المغربي.

قال البلخي: الكلمات هي الامامة على ما قال مجاهد.

قال: لان الكلام متصل، ولم يفصل بين قوله: " اني جاعلك للناس اماما " وبين ما تقدمه بواو، فاتمهن الله بان اوجب بها الامامة له بطاعته، واضطلاعه، ومنع ان ينال العهد الظالمين من ذريته، واخبره بان منهم ظالما فرضي به وأطاعه وكل ذلك ابتلاء واختبار.

اللغة: والتمام والكمال والوفاء نظائر. وضد التمام النقصان.

يقال: تم تماما، وأتم إتماما. واستتم استتماما. وتمم تتميما وتتمة.

وتتمة كل شئ: ما يكون تمامه بغايته كقولك: هذه الدراهم تمام هذه المأة. وتتمة هذه المأة.

التم: الشئ التمام. تقول جعلته لك تماما

___________________________________

(1) ورمي الجمار ساقطة من المطبوعة.

(2) كلفه ساقطة من المطبوعة.

[447]

أي بتمامه، والتميمة: قلادة، من سيور. وربما جعلت فيه العوذ، تعلق على الصبيان. والليلة التمام اطول ليلة في السنة.

ويقال: بل ليل التمام لثلاث عشرة، لانه يستبان فيها نقصانها من زيادتها(1).

ويقال: بل ليلة اربع عشرة، لانه يتم فيها القمر، فيصير بدرا.

ويقال حملته لتمام - بفتح التاء وكسرها - والتمام في لغة تميم هو التمام.

وقال ابن دريد: امرأة حبلى متم(2) وولد الغلام اتم، وتمام. وبدر تمام، وليل تمام - بالكسر فيهن - وما بعد هذا فهو تمام - بالفتح -. وأصل الباب التمام، وهو الكمال.

المعنى: وقوله: " من ذريتي " معناه واجعل من ذريتي من يؤتم به، ويقتدى به - على قول الربيع وأكثر المفسرين. وقال بعضهم معناه انه سأل لعقبه ان يكونوا على عهده، وورثته.

كما قال: " واجنبني وبني ان نعبد الاصنام "(3) فأخبره الله ان في عقبه الظالم المخالف له، وذريته بقوله: " لا ينال عهدي الظالمين " والاول اظهر.

وقال الجبائي قوله: " ومن ذريتي " سؤال منه لله أن يعرفه هل في ذريته من يبعثه نبيا، كما بعثه هو، وجعله إماما.

وهذا الذي قاله ليس في الكلام ما يدل عليه، بل الظاهر خلافه. ولو احتمل ذلك لم يمتنع ان يضيف إلى مسألة منه لله ان يفعل ذلك بذريته مع سؤاله تعريفه ذلك.

اللغة: والذرية، والنسل والولد نظائر. واراد ابراهيم (ع) هذا.

وقال بعضهم: عبر بالذرية عن الآباء.

وقال تعالى: " وآية لهم انا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون "(4) اي آباء‌هم.

وهذا ليس بواضح. وبعض العرب ذرية - بكسر

___________________________________

(1) هكذا عبارة المخطوطة والمطبوعة. وفي لسان العرب " تمم " هي ثلاث ليال لا يستبان زيادتها من نقصانها.

(2) في المخطوطة والمطبوعة " ميتم ".

(3) سورة ابراهيم: آية 35.

(4) سورة يس: آية 41.

[448]

الذال - وبها قرأ زيد بن ثابت.

قال صاحب العين الذر: صغار النمل. واحده ذرة، والذر اخذك الشئ بأطراف اصابعك.

تقول: ذررت الدواء اذره ذرا. وكذلك الملح وغيره.

واسم الدواء - الذي يتخذ للعين - ذرور.

والذريرة: ذات قصب الطيب، وهو قصب يجاء به من الهند كأنه قصب النشاب(1).

والذرارة ما تناثر(2) من الشئ الذي تذره.

والذرية: فعلية من ذررت، لان الله تعالى ذرهم في الارض، فنثرهم فيها.

كما ان السريرة من سررت.

والجمع الذراري، والسراري وما أشبهه وإن خففت، جاز.

والذرور ذروة الشمس، فهو يذر ذرورا وذلك اول طلوعها، وسقوطها إلى الارض، أو الشجر.

وتقول ذر قرن الشمس اي طلع. وأصل الباب الذر وهو التفرقة.

وقوله: " لا ينال عهدي " والنيل واللحاق والادراك نظائر.

والنيل والنوال: ما نلته من معروف انسان.

واناله معروفه، ونوله: اعطاه نوالا.

قال طرفة:

إن تنوله فقد تمنعه *** وتريه النجم يجري بالظهر(3)

وقولهم: نولك ان تفعل ذلك، ومعناه حقك ان تفعل.

والنول خشبة الحائك الذي ينسج الوسائد عليه ونحوها.

واذانه المنصوبة ايضا تسمى النوال.

وأصل الباب النيل، وهو اللحوق.

المعنى: والمراد بالعهد هاهنا فيه خلاف.

قال السدي واختاره الجبائي: إنه اراد النبوة.

وقال مجاهد: هو الامامة وهو المروي عن ابي جعفر، وابي عبدالله (ع) قالوا: لايكون الظالم إماما.

وقال ابوحذيفة: لا اتخذ إماما ضالا في الدنيا.

وقيل: معناه الامر بالوفاء له فيما عقده من ظلمه.

وقال ابن عباس: فاذا عقد عليك في ظلم، فانقضه.

وقال الحسن: ليس لهم عند الله عهد يعطيهم عليه خيرا في الآخرة، فأما في الدنيا، فقد يعاهدون فيوفى لهم. وكأنه على هذا التأويل طاعة يحتسب بها في الآخرة.

___________________________________

(1) في المطبوعة " النشاء ".

(2) في المطبوعة " ما تناش ".

(3) اللسان " نول ".

[449]

وقوله: " لا ينال عهدي الظالمين " يدل على انه يجوز ان يعطي ذلك بعض ولده اذا لم يكن ظالما، لانه لو لم يرد ان يجعل احدا منهم إماما للناس، كان يجب أن يقول في الجواب لا ولا ينال عهدي ذريتك.

وكان يجوز ان يقول في العربية: لا ينال عهدي الظالمون، لان ما نالك فقد نلته.

وروي ذلك في قراء‌ة ابن مسعود إلا أنه في المصحف (بالياء).

تقول نالني خيرك، ونلت خيرك.

واستدل اصحابنا بهذه الآية على ان الامام لا يكون إلا معصوما من القبائح، لان الله تعالى نفى ان ينال عهده - الذي هو الامامة - ظالم، ومن ليس بمعصوم فهو ظالم: إما لنفسه، أو لغيره.

فان قيل: انما نفى ان يناله ظالم - في حال كونه كذلك -: فاما اذا تاب وأناب، فلا يسمى ظالما، فلا يمتنع أن ينال.

قلنا: اذا تاب لا يخرج من أن تكون الآية تناولته - في حال كونه ظالما - فاذا نفي ان يناله، فقد حكم عليه بانه لا ينالها، ولم يفد انه لا ينالها في هذه الحال دون غيرها، فيجب ان تحمل الآية على عموم الاوقات في ذلك، ولاينالها وإن تاب فيما بعد.

واستدلوا بها ايضا على أن منزلة الامامة منفصلة من النبوة، لان الله خاطب ابراهيم (ع) وهو نبي، فقال له: انه سيجعله إماما جزاء له على اتمامه ما ابتلاه الله به من الكلمات، ولو كان إماما في الحال، لما كان للكلام معنى، فدل ذلك على ان منزلة الامامة منفصلة من النبوة.

وانما أراد الله أن يجعلها لابراهيم (ع) وقد أملينا رسالة مقررة في الفرق بين النبي، والامام، وان النبي قد لا يكون إماما على بعض الوجوه، فاما الامام فلا شك انه يكون غير نبي.

واوضحنا القول في ذلك، من أراده وقف عليه من هناك وابراهيم، وابراهم لغتان، واصله ابراهام فحذفت الالف استخفافا.

قال الشاعر: عذت بما عاذبه إبراهم(1)

وقال امية: مع ابراهم التقي وموسى.

___________________________________

(1) قائله عبدالمطلب. اللسان (برهم) وتتمة الرجز:

مستقبل القبلة وهو قائم *** اني لك اللهم عان راغم.

[450]

وقوله تعالى: وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى وعهدنا إلى ابراهيم واسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود (125)

آية واحدة.

القراء‌ة: قرأ نافع وابن عامر " واتخذوا " على لفظ الخبر. الباقون بلفظ الامر.

المعنى: قوله: " واذ جعلنا " عطف على قوله " وإذ ابتلى ابراهيم ربه " وذلك معطوف على قوله: " يا بني اسرائيل اذكروا نعمتي التي انعمت عليكم " " واذكروا إذ ابتلى ابراهيم ربه " " واذا جعلنا البيت مثابة " والبيت الذي جعله مثابة هو البيت الحرام.

اللغة: والبيت في اللغة، والمنزل، والمأوى نظائر.

يقال: بات يبيت بيتوتة، وبيته مبايتة.

وتبيت تبيتا. وتبايتوا تبايتا.

والبيت من أبيات الشعر ومن بيوت الناس.

والبيت من بيوتات العرب: احياؤها(1).

وبيت فلان أبياتا تبيتا اذا بناها.

البيتوتة: الدخول في الليل.

تقول: بت افعل كذا، وبالنهار ظللت(2) وباتوا بيتوتة حسنة.

وأباتهم الله إباتة. وأباتهم الامر بياتا كل ذلك دخول الليل. وليس من النوم في شئ وما عنده بيت ليلة. ولا بيتة ليلة بكسر الباء يعني القوت. والله يكتب ما يبيتون عمل الليل وبيت الفوم اذا اوقعت فيهم ليلا. والمصدر البيت. والاسم: البيات.

ومنه قوله: " بأسنا بياتا " ويسمى البيت من الشعر بيتا لضمه الحروف والكلام كما يضم البيت أهله وامرأة الرجل: بيته.

___________________________________

(1) في المطبوعة والمخطوطة (أخيارها).

(2) في المطبوعة (وتاليها وظللت).

[451]

قال الراجز:

مالي اذا اخذتها صأيت(1) *** أكبر غيرني أم بيت

وماء بيوت اذا بات ليلة في إنائه واصل الباب البيت: المنزل وقوله: " مثابة " في معناه خلاف.

قال الحسن يثيبون اليه كل عام، أي ليس هو مرة في الزمان فقط.

وقال ابن عباس: معناه أنه لا ينصرف عنه احد، وهو يرى انه قد قضى منه وطرا، فهم يعودون اليه.

وقال ابوجعفر (ع): يرجعون اليه لا يقضون منه وطرا وبه قال مجاهد.

وحكي الخازئي(2) ان معناه يحجون(3) اليه فيثابون عليه.

وقال الجبائي يثوبون اليه: يصيرون اليه اللغة: والفرق بين مثابة ومثاب، ان الاخفش قال: مثابة للمبالغة لما كثرمن يثوب اليه.

كما قيل علامة ونسابة وسيارة وقال الفراء والزجاج: معناهما واحد. كالمقامة والمقام بمعنى واحد. ووزن مثابة مفعلة واصلها مثوبة. من ثاب يثوب مثابة، ومثابا.

وثوابا: اذا رجع فنقلت حركة الواو إلى الياء ثم قلبت على ما قبلها.

قال ورقة بن نوفل في صفة الحرم:

مثاب لافناء القبائل كلها *** تخب اليه اليعملات الطلائح(4)

___________________________________

(1) اللسان (بيت) وآمالي الشريف المرتضى 1: 378. ولم ينسبهما.

في المخطوطة والمطبوعة: البر قد عالني أم بيت صأي يصئي ويصأى صئيا - بكسر الصاد وضمها وفتحها - الفرخ: صاح.

وكذا العقرب ومنه المثل " يلذع ويصئي " يضرب لمن يظلم ويشكو.

(2) في المخطوطة الحارثي.

(3) في المطبوعة (الحجون).

(4) اللسان (ثوب) وروايته (الذوامل) بدل " الطلائح " وقد نسبه لابي طالب " رض " وفي تفسير الطبري 3: 26 وفي تفسير أبي حيان 1: 380 ايضا برواية التبيان الا أن ابي حيان نصب (مثابا) وافناء القبائل: اخلاطهم.

والخبب: ضرب سريع من العدو. واليعملات: ج. يعملة وهي الناقة السريعة المطبوعة على العمل.

اشتق اسمها من العمل. وطلائح ج. طليح: الناقة التي اجهدها السير.

[452]

ومنه ثاب اليه عقله، أي رجع اليه بعد عزوبه.

وقوله " وأمنا " فالامن مصدر قولك أمن يأمن أمنا. وانما جعله أمنا بان حكم ان من عاذبه والتجأ لايخاف على نفسه مادام فيه بما جعله في نفوس العرب من تعظيمه فكان من فيه آمنا على ماله ودمه ويتخطف الناس من حوله كما قال: " أولم يروا انا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم "(1) ولعظم حرمته ان من جنى جناية والتجأ اليه لا يقام عليه الحد حتى يخرج لكن يضبق عليه في المطعم والمشرب، والبيع والشراء، حتى يخرج منه، فيقام عليه الحد. فان احدث فيه ما يوجب الحد أقيم عليه فيه، لانه هتك حرمة الحرم. ولان الله تعالى جعل الاشهر الحرم لا يحل فيها القتال، والقتل وكل ذلك بسبب البيت الحرام، فهو آمن بهذه الوجوه.

القراء‌ة والاعراب: وقوله: " واتخذوا من مقام ابراهيم " اكثر القراء على لفظ الامر. إلا ابن عامر ونافع فانهما قرأ اعلى لفظ الخبر من فعل ماض ويحتمل ان يكون اللفظ معطوفا على قوله: " واذكروا " كانه قال يا بني اسرائيل اذكروا نعمتي، واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى.

المعنى: وقال الربيع بن انس: من الكلمات التي ابتلى ابراهيم ربه قوله: " واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى " وكأنه قال: " اني جاعلك للناس إماما " وقال: " اتخذوا من مقام ابراهيم مصلى " وقيل: انه معطوف على " واذ جعلنا البيت " لان معناه واذكروا اذا جعلنا البيت واتخذوا وقيل: انه معطوف على معنى " جعلنا البيت مثابة للناس " لان فيه معنى ثوبوا اليه واتخذوا.

وظاهر قوله: واتخذوا انه عام لجميع المكلفين إلا من خصه الدليل وعليه اكثر المفسرين.

___________________________________

(1) سورة العنكبوت: آية 67.

[453]

وقال ابوعلي الفارسي: وجه قراء‌ة من قرأ، على الخبر انه عطف على ما أضيف اليه اذ كأنه قال واذ اتخذوا قال.

وتقوية قوله ان ما بعده خبر، وهو قوله " وعهدنا إلى ابراهيم واسماعيل ".

المعنى: المعنى بقوله: " من مقام " قيل فيه اربعة أقوال: احدها - قال ابن عباس الحج كله مقام ابراهيم.

(ثانيها) - وقال عطا مقام ابراهيم عرفة والمزدلفة والجمار.

(ثالثها) - وقال مجاهد: الحرم كله مقام ابراهيم.

(رابعها) - وقال السدي: مقام ابراهيم هو الحجر الذى كانت زوجة اسماعيل وضعته تحت قدم ابراهيم حين غسلت رأسه.

فوضع ابراهيم رجله عليه وهو راكب فغسلت شقه ثم رفعته من تحته وقد غابت رجله في الحجر فوضعته تحت الشق الآخر فغسلته فغابت ايضا رجله فيه فجعلها الله من شعائره، فقال " واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى " وبه قال الحسن، وقتادة، والربيع، واختاره الجبائي، والرماني، وهو الظاهر في اخبارنا، وهو الاقوى، لان مقام ابراهيم اذا اطلق(1) لايفهم منه إلا المقام المعروف الذي هو في المسجد الحرام.

وفي المقام دلالة على نبوة ابراهيم (ع)، لان الله تعالى جعل الصخرة تحت قدمه كالطين حتى دخلت قدمه فيها - وكان ذلك معجزة له -.

وقيل في معنى قوله " مصلى " ثلاثة أقوال: قال مجاهد: مدعى مأخوذ من صليت بمعنى دعوت.

وقال الحسن والجبائي: قبلة.

وقال قتادة والسدي: أمروا أن يصلوا عنده. وهو المروي في أخبارنا.

وبذلك استدلوا على أن صلاة الطواف فريضة مثله، لان الله تعالى أمر بذلك والامر يقتضي الوجوب، وليس هاهنا صلاة يجب اداؤها عنده غير هذه بلا خلاف.

___________________________________

(1) في المطبوعة (انطلق وفى المخطوطة (انطلق).

[454]

وقوله: " عهدنا إلى ابراهيم واسماعيل " أي أمرنا ان طهرا.

قال الجبائي: أمرا أن يطهراه من فرث ودم كان يطرحه عنده المشركون قبل ان يصير في يد ابراهيم ويجوز أن يريد طهراه من الاصنام، والاوثان التي كانت عليه للمشركين قبل أن يصير في يد ابراهيم.

وبه قال قتادة، ومجاهد.

وقال السدي طهراه ببنائكما له على الطهارة، كما قال: " أفمن اسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير "(1) اللغة: والطائف والدائر والجائل نظائر.

طاف يطوف طوافا اذا دار حول الشئ.

وأطاف به اطافة: اذا ألم به.

وطوف تطويفا.

والطوف: خشب أو قصب يجمع بعضه إلى بعض، يركب عليه في البحر.

والطوفان مصدر طاف يطوف طوفا.

فاما طاف بالبيت فهو طواف.

وأطاف به اذا احاط به.

والطائف: العاس.

والطوافون المهاليك كقوله: (طوافون عليكم)(2) والطائف: طائف الجن والشيطان.

وكل شئ يغشى القلب من وسواسه فهو طيفه.

والطائفة من كل شئ قطعة.

تقول: طائفة من الناس، وطائفة من الليل.

قال الله تعالى (طائفة من الذين معك)(3) واصل الباب الطوف: الدور.

المعنى: ومعنى " الطائفين " هاهنا قيل فيه قولان: احدهما - ما قال سعيد بن جبير: " الطائفين " من أتاه من غربة.

والثاني - قال عطا واختاره الجبائي، وغيرهم: الطائفون بالبيت. - وهو الاصح -

وقوله: " والعاكفين " هاهنا قيل فيه اربعة أقوال:

___________________________________

(1) سورة التوبة: آية 110.

(2) سورة النور: آية 58.

(3) سورة المزمل: آية 20.

[455]

الاول - قال عطا واختاره الجبائي: انهم المقيمون بحضرته.

والثاني - قال مجاهد وعكرمة: انهم المجاورون.

والثالث - قال سعيد بن جبير، وقتادة: انهم أهل البلد الحرام.

والرابع - قال ابن عباس: هم المصلون.

والاول أقوى، لانه المفهوم من اطلاق هذه اللفظة.

قال النابغة(1)

عكوف على ابياتهم يثمدونها *** رمى الله في تلك الاكف الكوانع(2)

اللغة: والعكف واللزوم والدوام على الشئ نظائر.

تقول عكف يعكف، عكفا وعكوفا، اذا الزم الشئ وأقام عليه فهو عاكف، وعكف الطير بالقتيل.

والعاكف المعتكف في المسجد، قلما يقولون عكف، وان قيل كان صوابا، وانما يقولون: اعتكف.

ويقال للنظم اذا نظم فيه الجوهر: عكف تعكيفا.

والمعكوف: المحبوس واصل الباب العكف وهو اللزوم.

المعنى: والمعني بقوله: " والركع السجود " قال قتاده وعطا: هم الذين يصلون عند الكعبة، يركعون عندها، ويسجدون.

وقال الحسن: " الركع السجود " جميع

___________________________________

(1) هو نابغة بنى ذبيان.

(2) ديوانه، اللسان (رمي) روايتهما (قعودا) بدل (عكوف) (والانوف) بدل (الاكف) وفي بعض المصادر الاخري (عكوفا) بدل (عكوف) وفي بعض الروايات (يثمدونهم) بدل " يثمدونها ".

وهذا البيت من أبيات قالها لزرعة بن عامر.

حين بعثت بنو عامر إلى حصن ابن حذيفة، وابنه عيينة بن حصن: أن اقطعوا حلف ما بينكم وبين بني أسد، والحقوهم ببني كنانة، ونحالفكم ونحن بنو ابيكم.

وكان عيينة هم بذلك، فقالت بنو ذبيان: اخرجوا من فيكم من الحلفاء، ونخرج من فينا ! فأبوا، فقال النابغة: هذه الابيات، فمدح بني أسد، وذم بني عبس، ونقص بني سهم ومالك من غطفان وعبد بن سعيد بن ذبيان. وهاجم بهذا البيت الجميع و " يثمدنها " الضمير عائد إلى الابيات. أي يلازمون بيوتهم، يسترزقونها، لان معنى الثمد الاسترزاق. وهو هزء بهم.

" الكوانع " جمع كانع: وهو الخاضع الذمي تدانى وتصاغر.

[456]

المؤمنين، وبه قال الفراء. وهو الاقوى، لانه العموم.

فان قيل: كيف امر الله تعالى ان يطهر بيته ولم يكن هناك بيت بعد؟ قيل: معناه ابنيالي بيتا مطهرا - في قول السدي - وقال عطا: معناه طهرا مكان البيت الذي تبنياه فيما بعد.

وفي الآية دلالة على ان الصلاة جوف البيت جائزة.

قوله تعالى: وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير (126)

آية.

المعنى: التقدير واذكروا إذ قال ابراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا.

فان قيل: هل كان الحرم آمنا قبل دعوة ابراهيم (ع)؟ قيل فيه خلاف: قال مجاهد عن ابن عباس، وابوشريح الخزاعي: كان آمنا لقول النبي صلى الله عليه وآله حين فتح مكة هذه حرم حرمها الله يوم خلق السماوات والارض، وهو الظاهر في رواياتنا.

وقال قوم: كانت قبل دعوة ابراهيم كسائر البلاد، وانما صارت حرما بعد دعوته (ع) كما صارت المدينة.

لما روي ان النبي صلى الله عليه وآله قال: ان ابراهيم (ع) حرم مكة، واني حرمت المدينة.

وقال بعضهم: كانت حراما والدعوة بوجه غير الوجه الذي صارت به حراما بعد الدعوة والاول يمنع الله إياها من الاضطلام، والانتقام، كما لحق غيرها من البلاد، وبما جعل في النفوس من تعظيمها، والهيبة لها.

[457]

والوجه الثاني - بالامر على ألسنة الرسل.

فأجابه الله إلى ما سأل. وانما سأل أن يجعلها آمنا من الجدب، والقحط لانه أسكن أهله بواد غير ذي زرع، ولاضرع. ولم يسأله أمنه من انتقال، وخسف، لانه كان آمنا من ذلك.

وقال قوم: سأله الامرين على ان يديمهما له. وان كان احدهما مستأنفا، والآخر كان قبل.

ومعنى قوله: " بلدا آمنا " أي يأمنون فيه.

كما يقال: ليل نائم أي النوم فيه.

اللغة: والبلد والمصر والمدينة نظائر. ورجل بليد اذا كان بعيد الفطنة. وكذلك يقال للدابة التي تقصر عن نظائرها. وأصل البلادة التأثير.

ومن ذلك قولهم لكركرة البعير: بلدة لانه اذا برك تأثرت(1).

والبلد: الاثر في الجلد، وغيره. وجمعه أبلاد.

وانما سميت البلاد من قولك.

بلد او بلدة، لانها مواضع مواطن الناس وتأثيرهم والبلد: المقبرة ويقال: هو نفس القبر قال حفاف:

كل امرئ نازل أحبته *** ومسلم وجهه إلى البلد

" ولا اقسم بهذا البلد " يعني بمكة والتبلد نقيض التجلد.

وهو استكانة وخضوع.

وتبلد الرجل: اذا نكس وضعف في العمر، وغيره حتى في السجود.

والبلدة: منزل من منازل القمر.

وأصل الباب البلد، وهو الاثر في الجلد، وغيره.

المعنى: " وقوله " فأمتعه قليلا " يعني بالرزق الذي أرزقه إلى وقت مماته.

وقيل فأمتعه بالبقاء في الدنيا.

قال الحسن: فامتعه بالامن والرزق إلى خروج محمد صلى الله عليه وآله فيقتله إن أقام على كفره. أو يجليه(2) عنها.

وقد قرئ في الشواذ فامتعه على وجه الدعاء

___________________________________

(1) في المطبوعة (اذا ترك أخرت).

(2) في المطبوعة (الجلية) بدل (يجليه).

[458]

بصورة الامر، ثم اضطره بمثل ذلك على ان يكون ذلك سؤالا من ابراهيم ان يمتع الكافر قليلا ثم يضطره بعد ذلك إلى عذاب النار والاول اجود لانه قراء‌ة الجماعة، هذا مروي عن ابن عباس.

القراء‌ة: والراء مفتوحة في هذه القراء‌ة وكان يجب ان تكسر كما يقال مد ومد ولم يقرأ به أحد وقرأ: ابن عباس وحده " فأمتعه قليلا " من المتعة على الخبر الباقون بالتشديد بدلالة قوله: " متعناهم إلى حين ".

اللغة: والفرق بين متعت وامتعت ان التشديد يدل على تكثير الفعل، وليس كذلك التخفيف.

وفعلت وافعلت يجئ على خمسة اقسام: احدها - ان يكونا بمعنى واحد كقولهم: سميت واسميت ويجئ على التكثير والتقليل ويجئ على النقص كقولك: فرطت: قصرت.(1) وافرطت: جاوزت.

والرابع - توليت الفعل وتركته حتى يقع: كقوله " يخربون بيوتهم " اي يهدمون. فاما اخربت فمعناه(2) تركت المنزل وهربت منه حتى خرب.

والخامس - ان ينفرد احدهما عن الآخر. كقولك: كلمت لا يقال فيه افعلت واجسلت ولا يقال: منه فعلت.

المعنى: ومعنى " ثم أضطره " ادفعه إلى عذاب النار وأسوقه اليها. والاضطرار هو الفعل في الغير على وجه لايمكنه الانفكاك منه، اذا كان من جنس مقدوره، ولهذا لايقال فلان مضطر إلى كونه - وان كان لايمكنه دفعه عن نفسه - لما لم يكن الكون من جنس مقدوره.

ويقال هو مضطر إلى حركة الفالج وحركة العروق، لما كانت الحركة من جنس مقدورة.

___________________________________

(1) في المطبوعة (فبصرت).

(2) المطبوعة فمتعناه.

[459]

وقوله: " وبئس المصير " هو الحال التي يؤدي اليها اولها.

اللغة: وصار وحال وآل نظائر. يقال صار يصير مصيرا، قياسه رجع يرجع مرجعا(1) وصيرة تصييرا قال صاحب العين: صير، كل امر مصيرة والصيرورة مصدر صار يصير صيرورة.

وقال بعضهم: صيور الامر اخره.

قال الكميت يمدح هشام ابن عبدالملك:

ملك لم يصنع الله منه *** بدء أمر ولم يضع صيورا

وصارة الجبل: رأسه.

والصير: الشق.

وفي الحديث من نظر في صير باب ففقئت عينه فهي هدر.

وصير البقر: موضع يتخذه للحظيرة.

واذا كان للغنم فهو زريبة واصل الباب: المصير، وهو المآل.

المعنى: ومعنى الآية سأل سؤال عارف بالله مطيع له، وهو ان يرزق من الثمرات من آمن بالله، واليوم الاخر، فاجاب الله ذلك، ثم أعلمه انه يمنع من كفر به، لاجل الدنيا، ولايمنعه من ذلك كما يتفضل به على المؤمن، ثم يضطره في الآخرة، إلى عذاب النار، وبئس المصير.

وهي كما قال: نعوذ بالله منها.

وقوله في الآية " قليلا " يحتمل ان يكون صفة للمصدر كما قال متاعا حسنا فوصف به المصدر، وليس لاحد ان يقول كيف يوصف به المصدر، وهو فعل يدل على التكثير، وكيف يستقيم وصف الكثير بالقليل في قوله " فامتعه " وهلا كانت قراء‌ة ابن عامر ان حج على هذا وذلك ايضا إنما وصفه بانه قليل من كان آخره إلى نفاد، ونقص، وفناء.

كما قال " متاع الدنيا قليل " ويجوز ايضا ان يكون صفة للزمان.

كما قال: " عما قليل ليصبحن نادمين " يعني بعد زمان قليل وعن ابي جعفر " ع " في قوله: " وارزقهم من الثمرات " اي تحمل اليهم من الآفاق.

___________________________________

(1) في المطبوعة (رجعا).




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 200

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 9087143

  • التاريخ : 30/09/2020 - 19:21

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net