00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة آل عمران (من آية 1 ـ 36)  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : التبيان في تفسير القرآن (الجزء الثاني)   ||   تأليف : شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي

[388]

سورة آل عمران

مائتا آية في الكوفي.

روي عن ابن عباس وقتادة ومجاهد وجميع المفسرين أن هذه السورة مدنية وقيل ان من أولها إلى راس نيف وستين آية نزلت في قصة وفد نجران لما جاوء‌ا يحاجون النبي صلى الله عليه وآله في قول ابن اسحق والربيع.

الآية: 1 - 9

بسم الله الرحمن الرحيم

ألم(1) الله لا اله إلا هو الحي القيوم(2)

آيتان في الكوفي وآية واحدة في ماعداه.

القراء‌ة واللغة: وقرأ أبوجعفر والاعشى والبرجمي (ألم) بسكون الميم (الله) بقطع الهمزة وقرأ عمر بن الخطاب " الحي القيام " وهي لغة أهل الحجاز. ويقولون في الصواغ صياغ. الباقون (قيوم) وإنما فتحت الميم من (ألم الله) لاحد أمرين: أحدهما - استثقالا للكسر بعد الياء الساكنة، فصرف إلى الفتح، لانه أخف كما فعلوا في (كيف) (وأين).

وقال الزجاج، والفراء: ألقي عليها حركة الهمزة وهي الفتحة من قولك: الله.

وقال المبرد: هذا لا يجوز لانها ألف وصل تسقط في الدرج، فلا يجوز ذلك كما لا يجوز في (إن الكافرون) الفتح على الفاء حركة الهمزة.

[389]

قال الفراء: والفرق بين ذلك وبين الهجاء أنه لما كان ينوي به الوقف قوي بما بعده الاستيناف، فكانت الهمزة في حكم الثبات كما كانت في انصاف البيوت.

نحو قول الشاعر:

ولا يبادر في الشتاء وليدتي *** القدر تنزلها بغير جعال(1)

وأجاز الاخفش الكسر، وخالفه الزجاج، وقال: لايجوز لان قبل الهمزة ياء ساكنة قبلها كسرة، فلم يجز غير الفتح، كما لا يجوز في كيف. ويمكن الفرق بينهما بأن كيف موصولة وهذا مفصول جاز أن ينوي به الوقف. وقد بينا معنى (الله) وهو أنه الذي تحق له العبادة.

اللغة والمعنى: وقوله: (لاإله إلا هو) معناه لا تحق العبادة لسواه، وإنما كان كذلك لانه الذي يقدر على أصول النعم التي يستحق بها العبادة، ولان نعمة كل منعم فرع على نعمه، فصار لا تحق العبادة لسواه.

و (الحي) هو الذي لايستحيل لما هو عليه من الصفة كونه عالما قادرا.

قال الرماني: والعالم: مدرك لمعلومه والمدرك: هو المتبين للشئ على ما هو به من أي وجه صح تبيينه، فالرأي مدرك وكذلك العالم إلا أنه قد كثرت صفة الادراك على ما طريقه الاحساس من العباد، وهذا القول منه يدل على أنه كان يذهب مذهب البغداديين: في أن وصف القديم بأنه مدرك يرجع إلى كونه عالما من أن يكون له صفة زائدة. وهذا بخلاف مذهب شيخه ابي علي، والبصريين.

" والقيوم " قيل في معناه قولان.

أحدهما - القائم بتدبير عباده في مايضرهم وينفعهم، وهو قول مجاهد، والربيع، والزجاج، بدلالة قوله " قائما بالقسط "(2) و " قائم على كل نفس بما كسبت "(3).

___________________________________

(1) اللسان (جعل) في المطبوعة (وليدنا) بدل (وليدتي) الجعال، والجعالة - بضم الجيم وكسره - ما تنزل به القدر من خرقة وغيرها، والجمع جعل مثل كتاب وكتب.

(2) سورة آل عمران آية: 18.

(3) سورة الرعد آية: 35.

[390]

الثاني - حكي عن محمد بن جعفر بن الزبير، واختاره الجبائي أنه الدائم. وأصل الوصف بقيوم الاستقامة. فعلى قول مجاهد يكون لاستقامة التدبير، وعلى القول الاخر لاستقامة الصفة بالوجود من حيث لايجوز عليه التغيير بوجه من الوجوه كما يجوز على ما يحول وينبدل. وتقول هذا معنى قائم في النفس أي موجود على الاستقامة دون الاضطراب.

وأصل " قيوم " قيووم على وزن فيعول فقلبت الواو الاولى ياء، لان ما قبلها ياء ساكنة، وأدغمت نحو سيد وميت. ولايجوز أن يكون وزنه فعولا لانه لو كان كذلك لكان قووما، فوصف الله تعالى بالحي القيوم يتضمن أنه يستحق العبادة من حيث أن هذه الصفة دلت على أنه القادر على ما يستحق به العبادة دون غيره، لان صفة قيوم صفة مبالغة لاتجوز إلا الله على المعنيين معا من معنى الموجود أو (القائم على) عموم الخلق بالتدبير.

قوله تعالى: نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والانجيل(3)

آية.

قيل في معنى قوله: " نزل عليك الكتاب بالحق " وجهان: أحدهما - بالصدق في أخباره وجميع دلالالة التي تقوم مقام الخبر في تعلقها بمدلولها على ما هو به، ففي جميع ذلك معنى التصديق. والثاني - بالحق أي بما توجبه الحكمة من الانزال كما أتى بما يوجبه الحكم من الارسال وهوحق من الوجهين.

وقوله: (مصدقا لما بين يديه) نصب على الحال ومعناه لما قبله من كتاب أو رسول في قول مجاهد وقتادة والربيع وجميع المفسرين. وإنما قيل لما قبله لما بين يديه، لانه ظاهر له كظهوره لما بين يديه.

وقيل في معنى " مصدقا " ههنا قولان: أحدهما - " مصدقا لما بين يديه " وذلك لموافقته ما تقدم الخبر به وفيه آية تدل على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وآله من حيث لايكون ذلك إلا من عند علام الغيوب.

[391]

الثاني - مصدقا أنه يخبربصدق الانبياء في ما أتوا به خلاف من يؤمن ببعض، ويكفر ببعض.

والتوراة ماخوذة من وريت بك زنادي إذا ظهر به الخبر كما يتقدح بالزناد النار فالاصل الظهور، فهي تورية لظهور الحق.

وقيل في وريها أقوال: أحدها - قال البصريون تورية فوعلة فقلبت (الواو) الاولى (تاء) لئلا يجتمع واوان أول الكلمة نحو حوقلة ودوخلة.

والثاني - قال الكوفيون: تفعلة على وزن تثقلة وتثقلة، وهوقليل جدا لايكاد يعرف تفعلة في الكلام.

الثالث - قال بعضهم هو تفعلة إلا أنه صرف إلى الفتح استثقالا للكسر في المعتل وهو بناء يكثر نحو توفية وتوقية وتوصية، وما أشبه ذلك.

قال الزجاج: وهذا ردئ لانه يجئ منه في توفية توفاة وهذا لايجوز.

والانجيل مأخوذ من النجل، وهو الاصل وقال الزجاج وزنه أفعيل من النجل باجماع أهل اللغة فسمي انجيلا لانه أصل من أصول العلم.

قوله تعالى: من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام(4)

المعنى: قوله: " من قبل " أي من قبل إنزال الكتاب فلما قطعه عن الاضافة نبأه على الضم.

وقوله: " هدى للناس " أي بيانا ودلالة لهم، وفي ذلك دلالة على أن الله تعالى هدى الكافر إلى الايمان، كما هدى المؤمن بقوله " للناس "، بخلاف ما تقوله المجبرة: إن الله ما هدى الكافر، وموضع (هدى) نصب على الحال من الكتاب.

وقوله: (وأنزل الفرقان) يعني به القرآن وإنما كرر ذلك لما اختلفت دلالات صفاته وإن كانت لموصوف واحد لان لكل صفة منها فائدة غير الاخرى لان الفرقان هو الذي يفرق به بين الحق والباطل فيما يحتاج إليه من أمور الدين في الحجج،

[392]

والاحكام، وذلك كله في القرآن وقيل أراد بالفرقان النصر ووصفه بالكتاب يفيد ان من شأنه أن يكتب. وقد بينا لذلك نظائر في الشعر وغيره في ما تقدم.

وقوله: (إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد) قرن بالوعيد لما بين الله الحجج الدالة على توحيده، وصفاته: أعقب ذلك بوعيد من يخالف في ذلك ويجحده ليتكامل به التكليف.

وقوله: (والله عزيز ذو انتقام) معناه أنه قادر لايتمكن أحد من منعه من عذاب من يريد عذابه لانه " عزير ذو انتقام " وإنما كان منيعا لانه قادر لنفسه لا يعجزه شئ.

اللغة: وأصل الاعزاز الامتناع، ومنه أرض عزاز ممتنعة السكون لصعوبتها، ومنه قولهم من عز، بز: أي من غلب سلب لان الغالب يمتنع من الضيم، والنقمة، العقوبة: نقم ينقم نقما ونقمة ويقال نقمت، ونقمت عليه أي أردت له عقوبة، وانتقم منه انتقاما أي عاقبه عاقبا وأصل الباب: العقوبة. ومنه النعمة خلاف النقمة.

قوله تعالى: إن الله لا يخفى عليه شئ في الارض ولافي السماء(5)

آية.

المعنى: لما ذكر الله تعالى الوعيد على الاخلال بمعرفته مع نصب الادلة على توحيده وصفاته اقتضى أن يذكر أنه لايخفى عليه شئ في الارض، ولا في السماء، فيكون في ذلك تحذير من الاغترار بالاستسرار بمعصيته، لان المجازي لا تخفى عليه خافية، فجرى ذلك موصولا بذكر التوحيد في أول السورة، لانه من الصفات الدالة على مالا تحق إلا له.

[393]

فان قيل لم قال: (لايخفى عليه شئ في الارض ولا في السماء) ولم يقل لا يخفى عليه شئ على وجه من الوجوه إذ كان أشد مبالغة؟ قيل: ليعلمنا أن الغرض علم ما يستسر به في الارض أو في السماء. ولان الافصاح بذكر ذلك أعظم في النفس وأهول في الصدر مع الدلالة على أنه عالم بكل شئ إلا أنه على وجه التصرف في العبارة عن وجوه الدلالة.

فان قيل: لم قال " لايخفى عليه شئ " ولم يقل عالم بكل شئ في الارض والسماء؟ قيل لان الوصف بأنه " لايخفى عليه شئ " يدل على أنه يعلمه من كل وجه يصح أن يعلم منه مع ما فيه من التصرف في العبارة، وإنما قلنا: لايخفى عليه شئ من حيث كان عالما لنفسه. والعالم للنفس يجب أن يعلم كل ما يصح أن يكون معلوما.

وما يصح أن يكون معلوما لانهاية له، فوجب أن يكون عالما به وإنما يجوز أن يعلم الشئ من وجه دون وجه، ويخفى عليه شئ من وجه دون وجه من كان عالما بعلم يستفيده: - العلم حالا بعد حال -. فأما من كان عالما لنفسه، فلا يجوز أن يخفى عليه شئ بوجه من الوجوه.

قوله تعالى: هو الذي يصوركم في الارحام كيف يشاء لاإله إلا هو العزيز الحكيم(6)

آية واحدة.

اللغة: التصوير: جعل الشئ على صورة لم يكن عليها. والصورة: هيئة يكون عليها الشئ بالتأليف. والفرق بين الصورة والصيغة أن الصيغة: عبارة عما وضع في اللغة لتدل على أمر من الامور، وليس كذلك الصورة، لان دلالتها على جعل جاعل قياسية.

والارحام: جمع رحم وأصله.

الرحمة، وذلك لانها مما يتراحم به ويتعاطف يقولون: وصلتك رحم.

أصل الصورة: الميل يقولون صاره يصوره: إذا أماله، فهي صورة لانها مائلة إلى بنية بالشبه لها.

[394]

المعنى: وقوله (كيف يشاء) معناه كيف يريد والمشيئة هي الارادة ومعنى " يصوركم في الارحام كيف يشاء " من ذكر أو أنثى أو أبيض أو أسود أو تام أو ناقص إلى غير ذلك ماتختلف به الصور، وفيه حجة على النصارى في ادعائهم إلهية المسيح وذلك إن الله تعالى صوره في الرحم كما شاء، فهو لذلك عبد مربوب.

وقوله: (لاإله إلا هو العزيز الحكيم) معناه أنه تعالى لما ذكر ما يدل عليه من قوله: (هو الذي يصوركم في الارحام كيف يشاء) ذكر الدليل والمدلول عليه وإنما ذكر " العزيز الحكيم " تحذيرا بعد ذكر الدليل ليعلم أنه عزيز لايتهيأ لاحد منعه من عقوبة من يريد عقابه حكيم في فعل العقاب وفي جميع أفعاله.

 

قوله تعالى: هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب واخر متشابهات فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا اولوا الالباب(7)

المعنى: قوله: (هو الذي أنزل عليك الكتاب) يعني القرآن (منه آيات محكمات) هن أم الكتاب وأخر متشابهات) فالمحكم هو ما علم المراد بظاهره من غير قرينة تقترن إليه ولادلالة تدل على المراد به لوضوحه، نحو قوله: " إن الله لايظلم

[395]

الناس شيئا "(1) وقوله: " لا يظلم مثقال ذرة "(2) لانه لايحتاج في معرفة المراد به إلى دليل.

والمتشابه: مالا يعلم المراد بظاهره حتى يقترن به ما يدل على المراد منه.

نحو قوله: " وأضله الله على علم "(3) فانه يفارق قوله: " وأضلهم السامري "(4) لان اضلال السامري قبيح وإضلال الله بمعنى حكمه بأن العبد ضال ليس قبيح بل هو حسن.

واختلف أهل التأويل في المحكم، والمتشابه على خمسة أقوال: فقال ابن عباس: المحكم الناسخ، والمتشابه المنسوخ.

الثاني - قال مجاهد: المحكم ما لا يشتبه معناه، والمتشابه ما اشتبهت معانيه. نحو قول: " وما يضل به إلا الفاسقين "(5) ونحو قوله: " والذين اهتدوا زادهم هدى "(6).

الثالث - قال محمد بن جعفر بن الزبير، والجبائي: إن المحكم ما لا يحتمل إلا وجها واحدا، والمتشابه ما يحتمل وجهين فصاعدا.

الرابع - قال ابن زيد: إن المحكم: هو الذي لم تتكرر ألفاظه. والمتشابه هو المتكرر الالفاظ.

الخامس - ما روي عن جابر أن المحكم: ما يعلم تعيين تأويله، والمتشابه مالا يعلم تعيين تأويله. نحو قوله: " يسألونك عن الساعة أيان مرساها "(7).

وقوله: (هن أم الكتاب) معناه أصل الكتاب الذي يستدل به على المتشابه، وغيره من أمور الدين. وقيل في توحيد أم الكتاب قولان: أحدهما - أنه قدر تقدير الجواب على وجه الحكاية كأنه قيل: ما أم الكتاب؟ فقيل هن أم الكتاب كما يقال: من نظير زيد؟ فيقال: نحن نظيره. الثاني - أن يكون ذلك

___________________________________

(1) سورة يونس آية: 44.

(2) سورة النساء آية: 39.

(3) سورة الجاثية آية: 22.

(4) سورة طه آية: 85.

(5) سورة البقرة آية: 26.

(6) سورة محمد آية: 7.

(7) سورة الاعراف آية: 186، وسورة النازعات آية: 42.

[396]

مثل قوله: " وجعلنا ابن مريم وأمه آية "(1) بمعنى الجميع آية ولو أريد أن كل واحد منهما آية على التفصيل، لقيل آيتين.

فان قيل: لم أنزل في القرآن المتشابه؟ وهلا أنزله كله محكما ! قيل للحث على النظر الذي يوجب العلم دون الاتكال على الخبر من غير نظر، وذلك أنه لو لم يعلم بالنظر أن جميع ما يأتي به الرسول حق يجوز أن يكون الخبر كذبا، وبطلت دلالة السمع، وفائدته، فلحاجة العباد إلى ذلك من الوجه الذي بيناه، أنزل الله متشابها، ولولا ذلك لما بان منزلة العلماء، وفضلهم على غيرهم، لانه لو كان كله محكما لكان من يتكلم باللغة العربية عالما به، ولا كان يشتبه على أحد المراد به فيتساوى الناس في علم ذلك، على أن المصلحة معتبرة في انزال القرآن، فما أنزله متشابها لان المصلحة اقتضت ذلك، وما أنزله محكما فلمثل ذلك.

والمتشابه في القرآن يقع فيما اختلف الناس فيه من أمور الدين: من ذلك قوله تعالى " ثم استوى على العرش "(2) فاحتمل في اللغة أن يكون كاستواء الجالس على السريرو احتمل أن يكون بمعنى الاستيلاء نحو قول الشاعر:

ثم استوى بشر على العراق *** من غير سيف ودم مهراق(3)

وأحد الوجهين لايجوز عليه تعالى لقوله: " ليس كمثله شئ "(4) وقوله " لم يكن له كفوا أحد ".والاخر يجوز عليه، فهذا من المحكم الذي يرد إليه المتشابه.

ومن ذلك قوله: " ربنا لاتحملنا مالا طاقة لنا به "(5) فاحتمل ظاهره تكليف المشاق، واحتمل تكليف مالا يطاق وأحدهما لايجوز عليه تعالى " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها "(6)

___________________________________

(1) سورة المؤمنون آية: 51.

(2) سورة الاعراف آية: 53، وسورة يونس آية: 3، وسورة الفرقان آية 59، وسورة ألم السجدة آية: 4، وسورة الحديد آية: 4.

(3) مرتخريجه في 1: 125.

(4) سورة الشورى آية: 11.

(5) سورة البقرة آية: 286.

(6) سورة البقرة آية: 286، وسورة الطلاق آية: 7.

[397]

فرددنا إليه المتشابه ومن ذلك قوله: " قل كل من عند الله "(1) فرددناه إلى المحكم الذي هو قوله: " ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون "(2) ومن ذلك قوله: " وما تشاؤون إلا أن يشاء الله "(3) متشابه، وبين المراد بالمحكم الذي هو قوله: " وما الله يريد ظلما للعالمين "(4) ومن ذلك اعتراض الملحدين في باب النبوة بما يوهم المناقضة كقوله: (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الارض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سموات في يومين)(5) فقال اليومان والاربعة واليومان ثمانية ثم قال " هو الذي خلق السماوات والارض في ستة أيام " فأوهموا أن ذلك مناقضة وليس الامر على ما ظنوه لان ذلك يجري مجرى قول القائل: سرنا من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام وسرنا إلى الكوفة في خمسة عشر يوما فالعشرة داخلة في الخمسة عشر ولايضاف فيقال: عشرة، وخمسة عشر خمسة وعشرون يوما كان فيها السير، فكذلك خلق الله الارض في يومين وقضاهن سبع سماوات في يومين وتمم خلقهن في ستة أيام.

وتقديره خلق الارض في يومين من غير تتميم وجعل فيها رواسي وما تم به خلقها في أربعة أيام فيها اليومان والاولان كما يقال: جعل الدور في شهرين وفرغ منهن في أربعة أشهر. فيكون المحكم قد أبان عن معناه أنه على جهة خلق الارض في يومين من غير تتميم، وليس على وجه التضاد على ما ظنوه.

فان قيل: كيف يكون المحكم حجة مع جواز تقييده بما في العقل؟ وفي ذلك إمكان كل مبطل أن يدعيه فتذهب فائدة الاحتجاج بالمحكم؟ قلنا: لايجب ذلك من قبل أن التقييد بما في العقل إنما يجوز فيما كان ردا إلى تعارف من جهة

___________________________________

(1) سورة النساء آية: 77.

(2) سورة آل عمران آية: 78.

(3) سورة التكوير آية: 29، وسورة الدهر آية: 30.

(4) سورة آل عمران آية: 108.

(5) سورة حم السجدة آية: 9 - 12.

[398]

العقول دون مالا يتعارف في العقول بل يحتاج إلى مقدمات لا يتعارفها العقلاء من أهل اللغة، والمراعى في ذلك أن يكون هناك تعارف من جهة العقل تقتضيه الحكمة دون عادة أو تعارف شئ لان الحجة في الاول دون الثاني، ومن جهة التباس ذلك دخل الغلط على كثير من الناس.

فان قيل: كيف عددتم من جملة المحكم قوله: " ليس كمثله شئ " مع الاشتباه فيه بدخول الكاف؟ قلنا إنما قلنا انه محكم لان مفهومه ليس مثله شئ على وجه من الوجوه دون أن يكون عند أحد من أهل التأويل ليس مثل مثله شئ فدخول الكاف وإن اشتبه على بعض الناس لم دخلت فلم يشتبه عليه المعنى الاول الذي من أجله كان محكما.

وقد حكينا فيما مضى عن المرتضى (ره) على بن الحسين الموسوي أنه قال: الكاف ليست زائدة وإنما نفى أن يكون لمثله مثل فاذا ثبت ذلك علم أنه لامثل له، لانه لو كان له مثل لكان له أمثال، فكان يكون لمثله مثل، فاذا لم يكن له مثل مثل دل على أنه لامثل له غير أن هذا تدقيق في المعنى، فتصير الاية على هذا متشابهة، لان ذلك معلوم بالادلة. قد يكون الشئ محكمامن وجه ومتشابها من وجه كما يكون معلوما من وجه، ومجهولا من وجه، فتصح الحجة به من وجه المعلوم دون المجهول.

الاعراب: و (أخر) لاينصرف لانه معدول عن الالف واللام وهو صفة.

وقال الكسائي: لانه صفة.

قال المبرد: هذا غلط، وقال (لبد) صفة وكذلك (حطم) وهما منصرفان قال الله تعالى " أهلكت مالا لبدا "(1) وحكي عن أبي عبيدة أنه قال: لم يصرفوا (أخر) لان واحده لاينصرف في معرفة ولانكرة.

قال المبرد: وهذا غلط، لانه يلزم أن لايصرف غضابا وعطاشا، لان واحده غضبان وعطشان. وهو لاينصرف.

___________________________________

(1) سورة البلد آية: 6.

[399]

اللغة والمعنى: وقوله: (فأما الذين في قلوبهم زيغ) يعني ميل يقال: أزاغه الله إزاغة أي أماله إمالة قال تعالى " فلما زاغوا ازاغ الله قلوبهم "(1) ومنه قوله: " لا تزغ قلوبنا "(2) والتزايغ التمايل في الاسنان. والمعنى إن الذين في قلوبهم ميل عن الحق اما بشك أو جهل فان كليهما زيغ " يتبعون ما تشابه منه " ومعناه يحتجون به في باطلهم " ابتغاء الفتنة " ومعناه طلبا للفتنة " وابتغاء تأويله " والتأويل: التفسير وأصله المرجع، والمصير من قولهم: آل أمره إلى كذا يؤول أولا إذا صار إليه. وأولته تأويلا إذا صيرته إليه.

وقوله: " وأحسن تأويلا "(3) قيل معناه أحسن جزاء، لان أمر العباد يؤول إلى الجزاء. وأصل الباب: المصير " وما يعلم تأويله " يعني تفسيره " إلا الله والراسخون في العلم " يعني الثابتون فيه تقول: رسخ الشئ رسوخا إذا ثبت في موضعه. وأرسخته إرساخا، كما أن الخبر يرسخ في الصحيفة، ورسخ الغدير إذا ذهب ماؤه، فنضب، لانه ثبت وحده من غير ماء، وأصل الباب الثبوت.

النزول: وقال الربيع: نزلت هذه الاية في وفد نجران، لما حاجوا النبي صلى الله عليه وآله في المسيح، فقالوا: أليس هو كلمة الله وروح منه؟ فقال بلى، فقالوا: حسبنا، فأنزل الله تعالى (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ماتشابه منه) ثم أنزل (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون)(4) وقال قتادة: بل كل من احتج بالمتشابه لباطله، داخل فيه، فمنهم الحرورية والسبابية، وغيرهم.

___________________________________

(1) سورة الصف آية: 5.

(2) سورة آل عمران آية: 8.

(3) سورة النساء آية: 58، وسورة الاسرى آية: 35.

(4) سورة آل عمران آية: 59.

[400]

المعنى والاعراب اللغة: وقوله: " ابتغاء الفتنة " قال السدي: الفتنة ههنا الشرك.

وقال مجاهد: اللبس. وقيل الضلال عن الحق، وهو أعم فائدة.

وأصل الفتنة: التخليص من قولهم فتنت الذهب بالنار: إذا أخلصته، فالذي يبتغي الفتنة، يبتغي التخليص إلى الضلال بما يورده من الاشياء.

وقوله: (وما يعلم تأويله إلا الله) قيل في معناه قولان: أحدهما - ما يعلم تأويل جميع المتشابه " إلا الله "، لان فيه ما يعلم الناس، وفيه مالا يعلمه الناس من نحو تعيين الصغيرة عند من قال بها، ووقت الساعة، وما بيننا وبينها من المدة. هذا قول عائشة، والحسن، ومالك، واختاره الجبائي، وأكثر المتأولين.

وعندهم أن الوقف على قوله " إلا الله " ويكون قوله: " والراسخون في العلم يقولون آمنا به " مستأنفا والتأويل على قولهم: معناه المتأول، كما قال تعالى " هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله " يعني الموعود به.

والوجه الثاني - ماقاله ابن عباس، ومجاهد، والربيع " وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم " يعلمونه قائلين آمنا كما قال الشاعر:

والريح تبكي شجوة *** والبرق يلمع في الغمامة

يعني والبرق أيضا يبكيه لامعا في غمامة.

وقوله " (كل من عند ربنا) حذف المضاف من " كل " عند البصريين، لانه اسم دال على المضاف كثير في الكلام فلا يجيزون " إنا كل فيها " على الصفة ويجيزه الكوفيون، لانه إنما حذف عندهم لدلالته على المضاف فقط إسما كان أو صفة. وإنما بني قبل على الغاية، ولم يبن كل، وإن حذف من كل واحد منهما المضاف، لان قبل ظرف يعود، وينكر، ففرق بين ذلك بالبناء الذي يدل على تعريفه بالمضاف، والاعراب الذي يدل على تنكيره بالانفصال، وليس كذلك كل لانه معرفة في الافراد دون نكرة فأما (ليس غير) فمشبه بحسب لما فيه من معنى الامر.

[401]

وقوله تعالى: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب(8)

آية.

المعنى: هذه حكاية عن الراسخين في العلم الذين ذكرهم في الاية الاولى، القائلين " آمنا به كل من عند ربنا " القائلين " ربنا لا تزغ قلوبنا " وقيل في معنى لا تزغ قلوبنا قولان: أحدهما - " لا تزغ قلوبنا " عن الحق بمنع اللطف الذي يستحق معه أن تنسب قلوبنا إلى الزيغ.

والثاني - قال أبوعلي معناه لاتزغ قلوبنا عن الثواب بعد أن دعوتنا إليه ودللتنا عليه، ولايجوز أن يكون المراد لاتزغ قلوبنا عن الايمان، لانه تعالى كما لايأمر بالكفر كذلك لا يزيغ عن الايمان.

فان قيل: هلا جاز على هذا أن يقولوا: ربنا لا تظلمنا، ولا تجز علينا؟ قلنا لان في تجر علينا تسخط السائل لاستعماله ممن جرت عادته بالجور، وليس كذلك " لاتزغ قلوبنا " على معنى سؤال اللطف، وان كان لا يجوز في حكمته تعالى منع اللطف.

كما لايجوز فعل الجور وذلك بمنزلة سؤال الملائكة في قولهم " فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا وادخلهم جنات عدن التي وعدتهم "(1) والله لايجوز عليه خلف الوعد، كما لايجوز عليه فعل الجور يبين ذلك قوله: " فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم "(2) ومعناه فلما مالوا عن الحق نسب الله قلوبهم إلى الزيغ، لما كانت عليه. وإنما أضاف الزيغ إلى القلب، وإن كان المراد به الجملة لان القلب أشرف الاعضاء، وهو محل السرور، والغم فلذلك خص بالذكر.

___________________________________

(1) سورة مؤمن آية: 7 - 8.

(2) سورة الصف آية: 5.

[402]

اللغة: وقوله: (وهب لنامن لدنك رحمة) فالهبة مصدر وهبه يهبه هبة، فهو واهب.

والشئ موهوب وتواهب الناس بينهم تواهبا واستوهبه استيهابا.

وأصل الباب الهبة، وهي تمليك الشئ من غير مثامنة. والهبة والنحلة والصلة نظائر.

ومعنى من لدنك من عندك وفي لدن خمس لغات: لدن، ولدن - بضم اللام والدال - ولدن - بفتح اللام وتسكين الدال، وكسر النون - ولد - بحذف النون -.

قوله تعالى: ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد(9)

آية بلا خلاف.

معنى الاية (ربنا انك جامع الناس ليوم لاريب فيه) للجزاء " إن الله لايخلف الميعاد " في وعده ولا وعيد " فاغفر لنا " فان قيل هل في قوله: " إن الله لايخلف الميعاد " متصل بالدعاء على جهة الحكاية أو استئناف.

قلنا عنه جوابان: أحدهما - أنه متصل بالدعاء، لان حمل الكلام على الاتصال إذا صح المعنى أولى من حمله على الانفصال، لان الاتصال أقرب إلى التشاكل، وأبعد من التنافر.

الثاني - أنه على الاستئناف لانه لو كان على الاتصال لقال انك لاتخلف الميعاد، فاختار أبوعلي الجبائي هذا الوجه، وأجاز الزجاج الامرين.

وقد يجوز حمل الكلام تارة على المخاطبة وتارة على الغيبة تصرفا في الكلام، كما قال: " حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة "(1) والاية دالة على أنه لايخلف وعده، ولا وعيده، ولا ينافي ذلك ما يجوزه من العفو عن فساق أهل الملة، لان مايجوز العفو عنه ذا عفا كشف ذلك عندنا أنه ما عناه بالخطاب، وإنما الممنوع منه أن يعنيه بالخطاب وبأنه لايعفو عنه ثم يعفو، فيكون ذلك خلفا في الوعيد وذلك لايجوز عليه تعالى.

___________________________________

(1) سورة يونس آية: 23.

[403]

والميعاد، والوعد إذا اطلقا تناولا الخير، والشر.

يبين ذلك قوله (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ماوعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا)(1) ولايجوز أن يقال وعد بالخير فأما وعد بالشر، فيجوز.

واللام في قوله: " ليوم لاريب فيه " معناه في يوم وإنما جاز ذلك لما دخل الكلام من معنى اللام وتقديره جامع الناس للجزاء في يوم لاريب فيه، فلما حذف لفظ الجزاء دخلت على مايليه فأغنيت عن في لان حروف الاضافة متآخية، لما يجمعها من معنى الاضافة.

قد كان يجوز فتح أن في قوله: " إن الله لايخلف " على تقدير " جامع الناس ليوم لاريب فيه " ل‍ " إن الله لا يخلف الميعاد " ولم يقرأ به.

الآية: 10 - 19

قوله تعالى: إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا واولئك هم وقود النار(10)

آية واحدة بلا خلاف.

المعنى: إن قيل كيف تتصل هذه الاية بما قبلها؟ قلنا: اتصال الوعيد بالدعاء، للاخلاص منه خوفا من استحقاق المتوعد به، والفرق بين " لن تغني عنهم من الله " وبين لن تغنيهم عن الله شيئا. أن لن تغنيهم عن الله لا يدل على الوعيد كما يدل " لن تغني عنهم من الله " لان تقديره من عذاب الله.

ومعنى من ههنا يحتمل أمرين: قال أبوعبيدة معناها: عند. وقال المبرد: من ههنا على أصلها، لابتداء الغاية. وتقديره " لن تغني عنهم " غناء ابتداء الشي ء الذي خلقه، ولايكون الغناء إلا منه، فمن هذه تقع على ما هو أول الغناء وآخره والوقود: الحطب، والوقود اللهب. وهو إيقاد النار. والغنى ضد الحاجة.

وبمعنى " لن تغني عنهم من الله " أنه إن يكون شئ تبقى الحاجة إلى الله تعالى بل الحاجة باقية على كل حال.

___________________________________

(1) سورة الاعراف آية: 43.

[404]

قوله تعالى: كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فاخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب(11)

آية بلا خلاف.

اللغة: الدأب: العادة، يقال دأب يدأب دأبا ودئابا إذا اعتاد الشئ وتمرن عليه.

قال امرؤ القيس:

كدأب من أم الحويرث قبلها *** وجارتها أم الرباب بمأسل(1)

أي كعادتك من أم الحويرث.

المعنى: ومعنى قوله: " كدأب آل فرعون " كعادتهم في التكذيب بالحق وقيل في الكفر وقيل في قبح الفعل وقيل في تكذيب الرسل وكل ذلك متقارب في المعنى.

وقال قوم: معناه كدأب آل فرعون في عقاب الله إياهم على ما سلف من ذنوبهم، ومعاصيهم، والكاف في قوله: " كدأب آل فرعون " متصلة بمحذوف. وتقديره عادتهم كدأب آل فرعون.

وموضع الكاف رفع لانها في موضع خبر الابتداء، ولا يجوز أن يعمل فيها كفروا، لان صلة الذي قد انقطعت بالخبر، وهو " لن تغني عنهم أموالهم " ولا أولادهم ولكن يجوز نصبه ب‍ (وقود النار)، لان فيه معنى الفعل على تقدير تتقد النار باجسادهم كما تتقد باجسام آل فرعون

___________________________________

(1) ديوانه: 125.

معلقته المشهورة وقبله:

وان شفائي عبرة مهراقة *** فهل عند رسم دارس من معول

مر في 2: 148 برواية: (كدينك) بدل (كدابك) وقد استشهد به الشيخ (قده على ان الدين هو العادة.

[405]

فهذا تقديره في المعنى.

وقوله: " فاخذهم الله بذنوبهم " بمعنى عاقبهم الله بذنوبهم وسمى المعاقبة مؤاخذة لانها أخذ بالذنب والاخذ بالذنب عقوبة والذنب والجرم واحد تقول أذنب يذنب اذنابا فهو مذنب والذنب التلو للشئ ذنبه يذنبه ذنبا إذا تلا والذنوب الدلو لانها تالية للحبل في الجذب والذنوب النصيب لانه كالدلو في الانعام قال الشاعر:

لنا ذنوب ولكم ذنوب *** فان أبيتم فلنا قليب(1)

والذنوب: الفرس الوافر شعر الذنب.

وأصل الباب: التلو، فالذنب الجرم لما يتلوه من استحقاق الذم كما قيل العقاب، لانه يستحق عقيب الذنب.

قوله تعالى: قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد(12)

آية.

القراء‌ة، والحجة: قرأ أهل الكوفة إلا عاصما سيغلبون، ويحشرون بالياء، فيهما: الباقون بالتاء.

من اختار التاء، فلقوله: " قد كان لكم آية في فئتين " فأجري جميعه على الخطاب.

ومن اختار الياء، فللتصرف في الكلام والانتقال من خطاب المواجه إلى الخبر بلفظ الغائب.

وقيل: إن الخطاب لليهود. والاخبار عن عبدة الاوثان لان اليهود أظهروا، الشماتة بما كان من المشركين يوم أحد، فقيل لهم سيغلبون يعني المشركين. وعلى هذا لايجوز إلا بالياء. وقيل التاء في عموم الفريقين.

ومثله قال زيد المال ماله. وقال المال مالي. وقل له سنخرج وسيخرج. وكل ذلك جائز حسن.

___________________________________

(1) اللسان: (ذنب). وروايته: (لها ذنوب) بدل (لنا ذنوب) و (والقليب) بدل (قليب).

[406]

النزول: وقال ابن عباس، وقتادة وابن اسحاق: إن هذه الاية نزلت لما هلكت قريش يوم بدر، فجمع النبي صلى الله عليه وآله اليهود بسوق قينقاع فدعاهم إلى الاسلام وحذرهم مثل مانزل بقريش من الانتقام، فقالوا: لسنا كقريش الاغمار الذين لايعرفون القتال، لئن حاربتنا لتعرفن البأس.

فانزل الله " قل للذين كفروا سيغلبون ويحشرون " الاية المعنى: ومعنى " وبئس المهاد " قال مجاهد: بئس مامهدوا، لانفسهم.

وقال الحسن: معناه بئس القرار، وقيل بئس الفراش الممهد لهم، وقال البلخي: لا يجوز الوعد، والوعيد بغير شرط، لان فيه بأسا من الايمان أو الكفر وذلك بمنزلة الصد عنه. وتأول الاية على حذف الشرط، فكأنه قال: وبئس المهاد لمن مات على كفره غير تائب منه.

وقال الرماني: وهذا لا يصح من قبل أن السورة قد دلت على معنى الوعد من غير شرط يوجب الشك، فلو كان في قطع الوعيد بأس بمنزلة الصد عن الايمان لكان في قطع الوعد بأمان مايوجب الاتكال عليه دون ما يلزم من الاجتهاد. والذي يخرجه من ذلك أن العقاب من أجل الكفر كما أن الثواب من أجل الايمان. وهذا ليس بشئ، لان للبلخي أن يشرط الوعد بالثواب بانتفاء ما يبطله من الكبائر، كما أنه شرط الوعيد بالعقاب بانتفاء ما يزيله من التوبة، فقد سوى بين الامرين.

وقال البلخي والجبائي: قوله: " وبئس المهاد " مجاز كما قيل للمرض: شر، وإن كان خيرا من جهة أنه حكمة، وصواب، فقيل لجهنم " بئس المهاد " لعظيم الالام، لان أصل نعم وبئس: الحمد، والذم إلا أنه كثر استعماله في المنافع، والمضار حتى سقط عن اسم مجاز. وإن كان مغيرا عن أصله. وفي الاية دلالة على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وآله لانها تضمنت الخبر عما يكون من غلبة المؤمنين للمشركين.

[407]

وكان الامر على ما قال، ولايكون ذلك على الاتفاق، وكما أنه بين أخبار كثيرة من الاستقبال، فكان كما قال، فكما أن كل واحد منهما كان معجزا، لانه من علام الغيوب اختص به الرسول ليبينه من سائر الناس كذلك هذه الاية.

قوله تعالى: قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لاولي الابصار(13)

آية واحدة.

القراء‌ة، والحجة: قرأ أهل المدينة، وأبان عن عاصم، وابن شاهي عن حفص " ترونهم " بالتاء الباقون بالياء. من قرأ بالياء، فلان الخطاب لليهود والخبر عن غيرهم ممن حضر بدرا. ومن قرأ بالتاء وجه الخطاب إلى الجميع.

اللغة، والمعنى، والاعراب: الاية: العلامة، والدلالة على صدق النبي صلى الله عليه وآله. والفئة الفرقة من فأوت رأسه بالسيف إذا فلقته.

وقال ابن عباس: ههنا هم المؤمنون من أهل بدر ومشركوا قريش، وبه قال الحسن، ومجاهد.

وقوله: (فئة) يحتمل ثلاثة أوجه من الاعراب: الرفع على الاستئناف بتقديرهم منهم فئة كذا، وأخرى كذا. ويجوز الجر على البدل. ويجوز النصب على الحال كقول كثير:

وكنت كذي رجلين رجل صحيحة *** ورجل رمى فيها الزمان فشلت(1)

أنشد بالرفع والجر وقال ابن مفرغ:

___________________________________

(1) ديوانه 1: 46، ومعاني القرآن للفراء 1: 192 وهو من قصيدته التا؟ المشهورة في المطبوعة (هي) بدل (رمي).

[408]

وكنت كذي رجلين رجل صحيحة *** ورجل رماها صائب الحدثان

فأما التي صحت فأزد شنوء‌ة *** وأما التي شلت فأزد عمان(1)

وقال آخر:

إذا مت كان الناس نصفين شامت *** وآخر مثن بالذي كنت أصنع

ولايجوز أن تقول مررت بثلاثة صريع وجريح بالجر، لانه لم يستوف العدة ولكن يجوز بالرفع على تقدير منهم صريع ومنهم جريح.

فان قلت: مرررت بثلاثة صريع، وجريح، وسليم، وجاز فيه الرفع والجر، فان زدت فيه اقتتلوا جاز فيه الاوجه الثلاثة. ولم يقرأ إلا بالرفع.

المعنى: وقال ابن مسعود، والحسن: الفئة: المسلمة هي التي كانت ترى الكافرة مثليهم.

وقال السدي: رأى المشركون المسلمين مثل عددهم، لانهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر فرأواهم أضعاف ذلك. وهذا يحتمل على قراء‌ة من قرأ بالياء، فأما من قرأ بالتاء، فلا يحتمل ذلك إلا أن يكون الخطاب لليهود الذين ما حضروا وهم المعنيون بقوله: " مثل الذين كفروا " وهم يهود بني قينقاع فكأنه قيل لهم ترون المشركين مثلي المسلمين مع أن الله ظفرهم بهم، فلا تغتروا بكثرتكم. واختار البلخي هذا الوجه واختلفوا في عدة المشركين يوم بدر، فروي عن علي (ع) وابن مسعود أنهم كانوا الفا.

وقال عروة بن الزبير، وقتادة، والربيع كانوا بين تسعمائة إلى الالف وأما عدة المسلمين، فثلاثمائة وبضعة عشر في قول قتادة، والربيع، وأكثر المفسرين.

وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبدالله (ع).

___________________________________

(1) الوحشيات لابي تمام: 183، وخزانة الادب 2: 378.

وازد شنوء‌ة: قبيلة كانت مع أهل الشام في حرب صفين، وازد عمان: قبيلة كانت مع أهل العراق ورواية الشعر:

فكنتم كذي رجلين: رجل صحيحة *** ورجل بها ريب من الحدثان

[409]

ومعنى " يرونهم مثليهم " يحتمل وجوها أحدها - ما روي عن ابن مسعود، وغيره من أهل العلم أن الله قلل المشركين يوم بدر في أعين المسلمين لتقوى قلوبهم فرأوهم مثلي عدتهم.

وقال الفراء يحتمل ثلاثة أمثالهم كما يقول القائل إلى الف واحناج إلى مثليه أي مضافا إليه لا بمعنى بدلا منه، فكذلك ترونهم مثليهم مضافا إليهم فذلك ثلاثة أمثالهم، وأنكر هذا الوجه الزجاج، لمخالفته لظاهر الكلام.

وما جاء في الاية الاخرى في الانفال من تقليل الاعداد. فان قيل كيف يصح تقليل الاعداد مع حصول الرؤية وارتفاع الموانع وهل هذا إلا ما تقوله المجبرة من أنه يجوز أن يكون بحضرتنا أشياء تدرك بعضها دون بعض بحسب ما يفعل فينا من الادراك وهذا عندنا سفسطة تقليل في المشاهدات؟ قلنا: يحتمل أن يكون التقليل في أعين المؤمنين بأن يظنونهم قليلي العدد، لانهم أدركوا بعضهم دون بعض، لان العلم بما يدركه الانسان جملة غير العلم بما يدركه مفصلا، ولهذا: إذا رأينا جيشا كبيرا أو جمعا عظيما ندرك جميعهم، ونتبين أطرافهم ومع هذا نشك في أعدادهم حتى يقع الخلف بين الناس في حزر عددهم، فعلى هذا يكون تأويل الاية.

وقد ذكر الفراء عن ابن عباس أنه قال: رأى المسلمون المشركين مثليهم في الحزر بستمائة وكان المشركون سبعمائة وخمسين.

فأما قوله في الانفال: " وإذ يريكموهم إذا التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم "(1) فلا ينافي هذا لان هذه آية للمسلمين أخبرهم بها وتلك آية لاهل الكفر حجة عليهم. على أنك تقول في الكلام إني لارى كثيركم قليلا أي تهونون على لاني أرى الثلاثة اثنين ذكره الفراء، وهو جيد.

وقيل: الوجه في تقليل الكفار في أعين المؤمنين أن يكون أقوى لقلوب المؤمنين، فلا يفزعوا، ولا يفشلوا، ويتجرأوا على قتالهم. والوجه في تقليل المؤمنين في أعين الكفار إذا رأوهم قليلين استهانوا بهم واستحقروهم فلم يأخذوا إهبتهم ولم يستعدوا كل الاستعداد فيظفر بهم المؤمنون، وهو جيد أيضا.

وقال البلخي إنما قال مثليهم وهم كانوا ثلاثة أمثالهم لانه أقام الحجة عليهم بأنهم وإن كانواثلاثة أمثالهم فلم يخرجوامن أن يكونوا مثليهم. والمعتمد ما قلناه أولا.

___________________________________

(1) سورة الانفال آية: 45.

[410]

اللغة والمعنى: وقوله: (والله يؤيد بنصره من يشاء) فالايد القوة ومنه قوله: " داود ذا الايد "(1) وتقول: ادته أئيده أيدا، كقولك بعته أبيعه بيعا بمعنى قويته. وأيدته أؤيده تأييدا.

والنصر: المعونة على الاعداء، وهوعلى وجهين: نصر بالغلبة، ونصر بالحجة، ولو هزم قوم من المؤمنين، لجاز أن يقال: هم المنصورون بالحجة ومحمودوا العاقبة، وان سرعدوهم بظفر العاجل.

والاية التي ذكرها الله تعالى كانت في الفئتين من وجهين: أحدهما - غلبة القليل العدد في نفسه للكثير في ذلك بخلاف ما تجري به العادة بما أمدهم الله به من الملائكة وقوى به نفوسهم من تقليل العدة. والثاني - بالوعد المتقدم بالغلبة لاحدى الطائفتين لامحالة.

وقوله: (إن في ذلك لعبرة لاولى الابصار) معناه لاولي العقول، كما يقال له بصر بالامور، وليس المراد بالابصار الحواس التي يشترك فيها سائر الحيوان.

والعبرة الاية تقول: اعتبرت بالشئ عبرة واعتبارا والعبور: النفوذ عبرت النهر أعبره عبورا: إذا قطعته.

والمعبرة: السفينة التي يعبر فيها.

والعبارة الكلام، يعبر بالمعنى إلى المخاطب، فالعبارة تفسير الرؤيا.

والتعبير وزن الدنانير، وغيرها.

والعبرة: الدمعة من العين.

وأصل الباب العبور النفوذ.

___________________________________

(1) سورة ص آية: 17

[411]

قوله تعالى: زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب(14)

آية واحدة بلا خلاف.

المعنى، واللغة: قيل في المزين لحب الشهوات ثلاثة أقوال: قال الحسن: زينه الشيطان، لانه لا أحد أشد ذما لها من خالقها.

الثاني - ما قاله الزجاج: انه زينه الله بما جعل في الطباع من المنازعة، كما قال تعالى " إنا جعلنا ما على الارض زينة لها "(1) الثالث - ما قاله أبوعلي أنه زين الله عزوجل ما يحسن منه، وزين الشيطان ما يقبح منه.

والشهوات: جمع شهوة وهي توقان النفس إلى الشئ يقال: اشتهى يشتهي شهوة، واشتهاء وشهاه تشهية، وتشهى تشهيا. والشهوة من فعل الله تعالى لايقدر عليها أحد من البشر، وهي ضرورية فينا، لانه لا يمكننا دفعها عن أنفسنا. والقناطير: جمع قنطار.

واختلفوا في مقدار القنطار، فقال معاذين جبل، وابن عمر، وأبي بن كعب، وأبوهريرة: هو ألف ومأتا أوقية.

وقال ابن عباس، والحسن، والضحاك: هو ألف ومأتا مثقال.

وروي عن الحسن أيضا أنه ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم.

وقال قتادة: ثمانون ألفا من الدراهم أو مائة رطل.

وقال مجاهد، وعطا: سبعون ألف دينار.

وقال أبونضر هو ملئ مسك ثور ذهبا.

وبه قال الفراء: وهو المروي عن أبي جعفر.

وقال الربيع وابن أنس: هو المال الكثير.

ومعنى المقنطرة: المضاعفة - على قول قتادة -

وقال الفراء: هي تسعة قناطير، وقيل هي كقولك دراهم مدر همة أي مجعولة كذلك.

وقال السدي مضروبة دراهم أو دنانير.

والقنطرة: البناء المعقود للعبور والقنطر الداهية.

وأصل الباب القنطرة المعروفة.

والقنطار لانه مال عظيم كالقنطرة.

والذهب، والفضة معروفان

___________________________________

(1) سورة الكهف آية: 7.

[412]

وتقول فضضته تفضيضا. وفض الجمع يفضه فضا إذا فرقه. ومنه قوله: " لا نفضوا من حو؟ "(1) وفضضت الخاتم كسرته ولايفضض الله فاك أي لا يكسره.

وافتضضت الماء: إذا شربته. وأصل الباب التفرق.

والخيل: الافراس سميت خيلا، لاختيالها في مشيها.

والاختيال: من التخيل، لانه يتخيل به صاحبه في صورة من هو أعظم منه كبرا.

والخيال كالظل، لانه يتخيل به صورة الشئ تقول: خلت زيدا أخال خيلانا إذا خشيته لانه يتخيل إلى النفس أنه هو.

والاخيل: الشقراق وهو طائر الغالب عليه الخضرة مشرب حمرة، لانه يتخيل مرة أخضر ومرة أحمر.

وأصل الباب التخيل: التشبه بالشئ، ومنه أخال عليه الامريخيل إذا اشتبه عليه، فهو مخيل.

وقوله: " المسومة " قيل في معناه أربعة أقوال قال سعيد بن جبير وابن عباس والحسن والربيع هي الراعية وقال مجاهد وعكرمة والسدي: هي الحسنة، وقال ابن عباس في رواية، وقتادة: المعلمة. وقال ابن زيد: هي المعدة للجهاد فمن قا ل: هي الراعية، فمن قولهم: اسمت الماشية وسومتها إذا رعيتها. وسأمت، فهي سائمة ذا كانت راعية، ومنه تسيمون: أي ترعون.

ومن قال: الحسنة فمن السيما مقصور. ويقال فيه سيميا أيضا وهو الحسن.

قال الشاعر:

غلام رماه الله بالحسن يافعا *** له سيمياء لايشق على البصر

ومن قال المعلمة، فمن السيماء التي هي العلامة كقوله تعالى: " يعرف المجرمون بسيماهم " ومن قال المعدة للجهاد، فهو راجع إلى العلامة لانها معدة بالعلامة وأصل الباب العلامة.

وقوله: " والانعام " فهي الابل، والبقر، والغنم من الضان والمعز ولا يقال لجنس منها على الانفراد نعم إلا الابل خاصة لانه غلب عليها في التفصيل والجملة. والحرث: الزرع.

وقوله: (ذلك متاع الحياة الدنيا) فالمتاع: ما يستنفع به مدة ثم يفنى.

وقوله: (والله عنده حسن الماب) فالماب:

___________________________________

(1) سورة آل عمران آية: 160.

[413]

المرجع من آب يؤوب أوبا وإيابا وأوبة، ومآبا إذا رجع وتأوب تأوبا: إذا ترجع وأوبه تأويبا: إذا رجعه. وأصل الباب الاوب الرجوع.

قوله تعالى: قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد(15)

آية واحدة بلا خلاف.

القراء‌ة والمعنى: قرأ عاصم وحده في رواية أبي بكر ورضوان - بضم الراء - الباقون بكسرها فالضم لغة قيس، وتميم. والكسر لغة أهل الحجاز. وقيل في آخر الاستفهام بقوله أؤنبئكم قولان: أحدهما - ان اخره عند قوله بخير من ذلكم، ثم استأنف للذين اتقوا. الثاني - عند قوله: " عند ربهم ثم استانف جنات على تقدير الجواب، كأنه قيل: ماهو ذلك الخير، فقيل هو جنات. ومثله: " قل أؤنبئكم بشر من ذلكم النار "(1) أي هي النار، ويجوز في إعراب جنات في العربية الرفع، والجر، فالجر على أن يكون في آخر الكلام عند ربهم.

ولايجوز الجر على الوجه الاخر للفصل باللام، كما لايجوز أمرت لك بالفين ولاخيك مأتين حتى تقول بمائتين ولو قدمت فقلت ومأتين لاخيك جاز، ولايجوز النصب في جنات على موضع الباء فيما لم يكن الباء فيه زائدة كما لا يحسن مررت برجل زيدا ويحسن خشنت بصدره وصدر زيد، لان الباء زائدة، ولايجوز أن تكون زائدة في بخير لان نبأت لايجوز الاقتصار فيه على المفعول الثاني دون الثالث، لانه بمعنى أعلمت، ولايجوز أعلمت زيدا

___________________________________

(1) سورة الحج آية: 72.

[414]

أخاك حتى تقول خيرا من عمرو، أو نحوه. وقد تقدم تفسير الجنات والانهار.

وقوله: (خالدين) نصب على الحال ومعنى تأويل قوله: " وأزواج مطهرة " فلا معنى لاعادته. والرضا والمرضاة: معنى واحد.

ومعنى قوله: " للذين اتقوا " يعني ما حرم عليهم - في قول الحسن -. فان قيل ما تقولون أنتم لانكم تقولون إن من لايتقي جميع ماحرم عليه إذا كان عارفا بالله ومصدقا لجميع ما وجب عليه موعود له بالجنة؟ قلنا: نقول إن هذه الاية تدل على أن من اتقى جميع ما حرم عليه، فله الجنة، وما وعد بها من غير أن يقترن بها شئ من استحقاق العقاب قطعا. ومن ليس معه إلا التصديق بجميع ما وجب عليه وقد أخل بكثير من الواجبات وارتكب كثيرا من المحظورات فانا نقطع على استحقاقه الثواب مع استحقاقه للعقاب ونجوز فعل العقاب به ونجوز العفو عنه مع القطع على وجوب الثواب له، ففارق المتقي على ما تراه.

قوله تعالى: ألذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار(16)

آية بلا خلاف.

الاعراب: موضع الذين يحتمل ثلاثة أوجه من الاعراب الجر. والرفع، والنصب. فالجر للاتباع، للذين اتقوا والرفع على تقديرهم الذين يقولون. والنصب على المدح وتقديره أعني.

اللغة: وقوله: (فاغفر لنا ذنوبنا) فالمغفرة هي الستر للذنب برفع التبعة، والذنب، والجرم بمعنى واحد وإنما الفرق بينهما من جهة الاصل، لان أصل الذنب الاتباع،

[415]

فالذنب ما يتبع عليه العبد من قبيح عمله كالتبعة والجرم أصله القطع، فالجرم القبيح الذي ينقطع به عن الواجب، والفرق بين القول، والكلام أن القول فيه معنى الحكاية وليس كذلك الكلام.

المعنى: وقوله: (وقنا عذاب النار) قيل في معنى هذه المسألة قولان: أحدهما - مسألة الله ما هو من حكمه نحو قوله: " فاغفر للذين تابوا " والفائدة في هذا الدعاء التعبد بما فيه مصلحة للعباد. الثاني - مسألة الله عزوجل ما لا يجوز أن يعطيه العبد إلا بعد المسألة لانه لايكون لطفا إلا بعد المسألة وعلى مذهبنا وجه حسن السؤال إن العفو تفضل من الله لايجب عند التوبة، ويجوز أيضا العفو مع عدم التوبة، فيكون وجه السؤال " اغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار " ان منا مصرين ولم نتب.

قوله تعالى: الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالاسحار(17)

الاعراب، واللغة، والمعنى: الصابرين نصب على المدح وكذلك باقي الصفات، ويجوز أن تكون جرا صفات " للذين اتقوا " ومعنى الصابرين: الحابسين نفوسهم بمنعها عما حرم الله (تعالى) عليها، فالصابر الممدوح: هو الحابس نفسه عن جميع معاصي الله، والمقيم على ما أوجب عليه من العبادات، والصادقين هم المخبرون بالشئ على ما هو به وهي أيضا صفة مدح " والقانتين " قال قتادة: هم المطيعون.

وقال الزجاج: هم الدائمون على العبادة، لان أصل القنوت الدوام.

" والمنفقين ": الذين يخرجون ما أوجب الله عليهم من الزكوات، غيرهما من الحقوق. ويدخل في: لك المتطوعون بالانفاق فيما رغب الله في الانفاق فيه.

[416]

" والمستغفرين بالاسحار " قال قتادة: هم المصلون بالاسحار.

وقال أنس بن مالك: هم الذين يسألون المغفرة، وهو الاظهر.

والاول جائز أيضا، لانه قد تطلب المغفرة بالصلاة، كما تطلب بالدعاء.

اللغة: والاسحار: جمع سحر، وهو الوقت الذي قبل طلوع الفجر.

وأصله: الخفاء، وسمي السحر، لخفاء الشخص فيه. ومنه السحر، لخفاء سببه.

ومنه السحر الرئة لخفاء موضعها.

والمسحر الذي يأكل الطعام لخفاء مسالكه.

وروي عن أبي عبدالله أن من استغفر الله سبعين مرة في وقت السحر، فهو من أهل هذه الاية.

قوله تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم(18)

المعنى: حقيقة الشهادة الاخبار بالشئ عن مشاهدة أو ما يقوم مقام الشهادة من الدلالات الواضحة، والحجج اللائحة على وحدانيته من عجيب خلقه، ولطيف حكمته في ما خلق.

وقال أبوعبيدة: معنى " شهد الله " قضى الله " أنه لاإله إلا هو والملائكة " شهود " وأولوا العلم " وحكى عمرو بن عبيد عن الحسن، وروي ذلك في تفسيرنا أن في الاية تقديما، وتأخيرا. وتقديرها " شهد الله أنه لا إله إلا هو قائما بالقسط " أي بالعدل، وشهد الملائكة أنه لاإله إلا هو قائما بالقسط، وشهد أولوا العلم أنه لا إله إلا هو قائما بالقسط. وأولوا العلم: هم المؤمنون.

[417]

القراء‌ة، والحجة، والاعراب: وقرأ أبوالمهلب عمر بن محارب بن دثار " شهداء لله " على وزن فعلاء جمع شهيد، نصب على الحال برده على ما قبله من الكلام كأنه قال: الذين يقولون ربنا إننا آمنا شهداء لله أنه لا إله إلا هو، وهي جائزة غير أنها شهادة لم يوافق عليها أحد من قراء الامصار، ذكر ذلك البلخي. و (إن) الاولى، والثانية تحتمل أربعة أوجه من العربية، فتحهما جميعا وكسرها جميعا، وفتح الاولى وكسر الثانية، وكسر الاولى وفتح الثانية. فمن فتحهما أوقع الشهادة على أن الثانية وحذف حرف الاضافة من الاولى، وتقديره " شهد الله أنه لا إله إلا هو " " إن الدين عند الله الاسلام "(1)

وقال أبوعلي الفارسي: يجوز أن يكون نصبها على البدل من شيئين.

أحدهما - من قوله " إنه لا إله " وتقديره شهد الله " إن الدين عند الله الاسلام " ويجوز بدل الشئ من الشئ وهوهو.

والثاني - أن يكون بدل الاشتمال، لان الاسلام يشتمل على التوحيد والعدل وغير ذلك. ومن كسرهما اعترض بالاولى للتعظيم لله عزوجل به كما قيل لبيك إن الحمد. وكسر الثانية على الحكاية، لان في معنى شهد معنى قال. وقال المؤرخ: شهد بمعنى قال بلغة قيس عيلان.

الثالث - من فتح الاولى وكسر الثانية - وهو أجودها، وعليه أكثر القراء - أوقع الشهادة على الاولى واستأنف الثانية وهو أحسن الوجوه وأظهرها.

الرابع - من كسر الاولى، فعلى الاعتراض، ثم فتح الثانية بايقاع الشهادة عليها.

وهو المروي عن ابن عباس، وقيل في نصب قائما قولان: أحدهما - أنه حال من اسم الله على تقدير شهد الله قائما بالقسط. الثاني - على الحال من هو وتقديره لا إله إلا هو قائما بالقسط.

وقال مجاهد:

___________________________________

(1) سورة آل عمران آية: 19.

[418]

معنى قائما بالقسط أي قائما بالعدل كما تقول: قائما بالتدبير أي يجريه على الاستقامة فكذلك يجري التدبير على الاستقامة والعدل في جميع الامور.

قوله تعالى: إن الدين عند الله الاسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاء‌هم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فان الله سريع الحساب(19)

آية.

القراء‌ة، واللغة، والمعنى: قرأ " أن الدين " بفتح الهمزة الكسائي وحكي ذلك عن ابن مسعود. الباقون بكسرها وقد بينا الوجه فيه. معنى الدين ههنا الطاعة فمعناه ان الطاعة لله عزوجل هي الاسلام.

قال الاعشى:

هردان الرباب إذ كرهوا الد *** ين دراكا بغزوة وصيال(1)

ومعناه ذللهم للطاعة، إذكر هو الطاعة والدين الجزاء. من قولهم كما تدين تدان أي كماتجزي تجزى.

ومنه قوله: " مالك يوم الدين " أي يوم الجزاء، وسميت الطاعة دينا، لانها للجزاء.

ومنه الدين، لانه كالجزاء في وجوب القضاء.

والاسلام أصله السلم، فأسلم معناه دخل في السلم كقولهم أقحط بمعنى دخل القحط وأربع دخل في الربيع، وأصل السلم السلامة، لانه انقياد على السلامة، ويصلح أن يكون أصله التسليم، لانه تسليم، لامر الله، والتسليم من السلامة، لانه تأدية الشئ على السلامة من الفساد والنقصان، فالاسلام: هو تأدية الطاعات على السلامة من الادغال، والاسلام، والايمان عندنا وعند المعتزلة بمعنى واحد غير أن عندهم أن فعل الواجبات من أفعال الجوارح من الايمان (وعندنا أن أفعال

___________________________________

(1) انظر 2: 147.

[419]

الواجبات من أفعال الجوارح من الايمان)(1) وعندنا أن أفعال الواجبات من أفعال القلوب - التي هي التصديق - من الايمان، فأما أفعال الجوارح، فليست من الايمان، وإن كانت واجبة. وقد بينا ذلك في ما مضى وسنبينه إن شاء الله.

والاسلام:؟ الانقياد لكل ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله من العبادات الشرعية وترك النكير عليه، والاستسلام له، فاذا قلنا: دين المؤمن هو الايمان، وهو الاسلام، فالاسلام هو الايمان.

ونظير ذلك قولنا. الانسان، والانسان حيوان على الصورة الانسانية، فالحيوان على الصورة الانسانية بشر.

وقوله: (وما اختلف الذين أوتوا الكتاب) قال الربيع: المراد بالكتاب: التوراة.

وقال محمد بن جعفر بن الزبير: هو الانجيل.

وقال الجبائي: خرج مخرج الجنس، ومعناه كتب الله المتقدمة التي بين فيها الحلال والحرام. والاختلاف ذهاب أحد النفيسين إلى خلاف ما ذهب إليه الاخر فهذا الاختلاف في الاديان. فأما الاختلاف في الاجناس، فهو امتناع أحد الشيئين أن يسد مسد الاخر فيما يرجع إلى ذاته.

والبغي: طلب الاستعلاء بالظلم وأصله من بغيت الحاجة إذا طلبتها، وليس في الاية ما يدل على أن الذين اختلفوا بغيا كانوا معاندين، لان البغي قد يحمل على العدول عن طريق العلم، كما يحمل على عناد أهل العلم. ولانه قد يقع الخلف بينهم وإن كانوا بأجمعهم مبطلين، كاختلاف اليهود والنصارى في المسيح، فنسبه النصارى إلى الالهية، واليهود إلى الفرية.

الاعراب، والمعنى: والعامل في " بغيا بينهم " يحتمل أمرين: أحدهما - (اختلف) هذا المذكور، وتقديره: وما اختلف فيه بغيا بينهم إلا الذين أوتوه من بعد ما جاء‌هم العلم، هذا قول الاخفش وقال الزجاج: نصبه محذوف دل عليه اختلف المذكور، وتقديره اختلفوا بغيا بينهم.

وقوله: (ومن يكفر بآيات الله) معناه: من يجحد آيات الله

___________________________________

(1) ما بين القوسين زائد حسب ما بظهر.

[420]

يعني أدلته وبينا؟ " فان الله سريع الحساب " وفي الاخر سريع الحساب للجزاء.

الآية: 20 - 29

قوله تعالى: فان حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتو الكتاب والاميين ء‌أسلمتم فان أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فانما عليك البلاغ والله بصير بالعباد(20)

آية بلا خلاف.

المعنى: المعني بقوله: " فان حاجوك " نصارى نجران - على قول جميع المفسرين - فان قيل: لمن قال: " ومن اتبعن " ولم يؤكد الضمير، فلم يقل: اسلمت أنا ولا يجوز أن يقول القائل قمت وزيد إلا بعد أن يقول قمت أنا وزيد؟ قيل: إنما جاز ههنا لطول الكلام، فصار طلوله عوضا من تأكيد الضمير المتصل، ولو قال اسلمت وزيد لم يجز حتى يقول: أسلمت أنا وزيد، فاذا قال: أسلمت اليوم بانشراح صدري ومن جاء معي حسن.

فان قيل ما الحجة في قوله: " فقل اسلمت وجهي لله "؟ قلنا فيه وجهان: أحدهما - أنه أراد إلزامهم على - ما أقروا به من أن الله خالقهم - اتباع أمره في " ألا تعبدوا إلا إياه "(1) فلذلك قال: " اسلمت وجهي لله " أي انقدت لامره في اخلاص التوحيد له. الثاني - أنه ذكر الاصل الذي يلزم جميع المكلفين الاقرار به لانه لا ينتفض في ما يحتاج إلى العمل عليه في الدين الذي هو طريق النجاة من العذاب إلى النعيم، ومعنى قوله: " وجهي " يريد نفسي وإنما أضاف الاسلام إلى الوجه، لانه لما كان وجه الشئ أشرف ما فيه ذكر بدلا منه ليدل على شرف الذكر. ومثله " كل شئ هالك إلا وجهه "(2) أي إلا هو.

وقوله: (وقل للذين أوتوا الكتاب)

___________________________________

(1) سورة الاسرى آية: 23.

(2) سورة القصص آية: 88.

[421]

يعني اليهود والنصارى، " والاميين " الذين لا كتاب لهم على قول ابن عباس وغيره. من أهل التأويل، وهم مشركوا العرب، كما قال: " هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم "(1) وقال: " النبي الامي "(2) أي الذي لايكتب. وإنما قيل لمن لايكتب أمي، لانه نسب إلى ما عليه الامة في الخلقة لانهم خلقوا لايكتبون شيئا. وإنما يستفيدون الكتابة.

وقوله: (ومن اتبعن) من حذف الياء اجتزاء بالكسرة وإنما حذفها حمزة، والكسائي وعاصم، وحذف الياء في أواخر الاي أحسن لانها تشبه القوافي. ويجوز في وسط الاي أيضا وأحسنها ما كان قبلها نون مثل قوله: " ومن اتبعن "، فان لم يكن نون، فانه يجوز أيضا نحو قولك هذا غلام، وما أشبه ذلك. والاجود أن تقول هذا غلامي وإن شئت أسكنت الياء.

وإن شئت فتحتها وقوله: (ء‌أسلمتم) أمر في صورة الاستفهام، وإنما كان كذلك، لانه بمنزلة طلب الفعل، والاستدعاء إليه فذكر ذلك للدلالة على أمرين من غير تصريح به ليقر المأمور به بما يلزمه فيه، كما تقول لمن توصيه بما هو أعود عليه: أقبلت هذا.

ومعناه اقبل، ومثله قوله تعالى: " فهل أنتم منتهون "(3) معنا 0 ه انتهوا، وأقروا به.

وتقول لغيرك: هل أنت كاف عنا. ومعناه اكفف.

ويقول القائل لغيره: أين أنت، ومعناه اثبت مكانك لاتبرح.

وقوله: (فان اسلموا فقد اهتدوا) معناه اهتدوا إلى طريق الحق " وان تولوا " معناه كفروا، ولم يقبلوا واعرضوا عنه " فانما عليك البلاغ " ومعناه عليك البلاغ، فقط دون ألا يتولوا، لانه ليس عليك ألا يتولوا.

وقوله: " والله بصير بالعباد " معناه ههنا لا يفوته شئ من أعمالهم التي يجازيهم بها، لانه بصير بهم أي عالم بهم وبسرائرهم وظواهر أعمالهم، لايخفى عليه خافية. وقيل معناه يعلم ما يكون منك في التبليغ، ومنهم في الايمان، والكفر.

___________________________________

(1) سورة الجمعة آية: 2.

(2) سورة الاعراف آية: 156، 157.

(3) سورة المائدة آية: 94.

[422]

قوله تعالى: إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم(21)

آية واحدة.

القراء‌ة: قرأ حمزة ونصير " ويقاتلون الذين يأمرون " بالف لان في مصحف عبدالله " وقاتلوا " والاجود ما عليه الجماعة.

المعنى: وقوله: " إن الذين يكفرون " معناه يجحدون " آيات الله " يعني حججه وبينانه " ويقتلون النبيين " روى أبوعبيدة بن الجراح قال: قلت يا رسول الله أي الناس أشد عذابا يوم القيامة قال: رجل قتل نبيا أو رجلا أمر بمعروف ونهى عن منكر، ثم قرأ رسول الله " ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم " ثم قال يا أبا عبيدة، قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف، ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا من آخر النهار في ذلك اليوم، وهم الذين ذكرهم الله.

واستدل الرماني بذلك على جواز انكار المنكر مع خوف القتل، وبالخبر الذي رواه الحسن عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر يقتل عليها.

وقال عمرو بن عبيد: لانعلم عملا من أعمال البشر أفضل من القيام بالقسط يقتل عليه.

وهذا الذي ذكروه غير صحيح، لان من شرط إنكار المنكر إلا يكون فيه مفسدة، وألا يؤدي إلى قتل المنكر، ومنى أدى ذلك إلى قتله، فقد انتفي عنه الشرطان معا فيجب أن يكون قبيحا، والاخبار

[423]

التي رووها أخبار آحاد لايعارض بها على أدلة العقول على أنه لا يمتنع أن يكون الوجه فيها وفي قوله: " ويقتلون الذين يأمرون بالقسط " هو من غلب على ظنه أن انكاره لايؤدي إلى مفسدة فحسن منه ذلك بل وجب وإن تعقب - في مابعد - القتل، لانه ليس من شرطه أن يعلم ذلك بل يكفي فيه غلبة الظن.

وقوله: (بغير حق) لايدل على أن قتل النبيين يكون بحق بل المراد بذلك أن قتلهم لايكون إلا بغير حق، كما قال: " ومن يدع مع الله إلها آخر لابرهان له به "(1).

والمعنى ان ذلك لايكون عليه برهان كما قال امرؤ القيس:

على لاحب لايهتدى؟ *** إذا سافه العود الديا في جرجرا(2)

وتقول: لاخير عنده يرجى. وأنت تريد لاخير عنده أصلا.

وكذلك أراد امرؤ القيس أنه لامنار هناك، فيهتدى به قال أبوذؤيب:

متفلق انشاؤها عن قاني *** كالقرط صاو غيره لايرضع

أي ليس له بقية لبن فيرضع، ومعنى صاو في البيت صوت يابس النخلة.

وقوله: (ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس) معناه الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.

وقوله: " فبشرهم بعذاب أليم " إنما خاطبهم بذلك وإن كان الخبر عن أسلافهم من حيث رضواهم بافعالهم، فاجملوا معهم على تقدير فبشر أخلافهم بأن العقاب لهم، وكأسلافهم.

فان قيل لم جاز أن تقول إن الذي يقوم، فيكرمك، ولم يجز ليت الذي يقوم فيكرمك؟ قلنا: لان دخول الفاء لشبه الجزاء، لان الذي يحتاج إلى صلة فصلتها قامت مقام الشرط، فلذلك دخل الفاء في الجواب كما دخل في جواب الشرط، وليت تبطل معنى الجزاء وليس كذلك أن لانها بمنزلة الابتداء.

___________________________________

(1) سورة المؤمنون آية: 118.

(2) مر تخريجه في 2: 356.

[424]

قوله تعالى: أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والاخرة وما لهم من ناصرين(22)

آية بلا خلاف.

المعنى: حبوط العمل - عندنا - هو إيقاعه على خلاف الوجه المأمور به، فاذا أوقعه كذلك لم يستحق عليه الثواب، فجاز لذلك أن يقال: أحبط عمله، ومتى أوقعه على الوجه المنهي عنه، استحق مع ذلك العقاب، وليس المراد بذلك بطلان ما يستحق عليه من الحمد والثناء. ولابطلان الثواب بما يستحق من العقاب، لان الثواب إذا ثبت فلا يزول على وجه بما يستحق صاحبه من العقاب، لانه لاتنافي بين المستحقين، ولاتضاد.

وأما حبوطها في الدنيا، فلانهم لم ينالوا بها مدحا ولا ثناء. وأصل الحبوط مأخوذ من قولهم: حبطت بطون الماشية: إذا فسدت من مآكل الربيع.

فعلى ما حررناه إنما تبطل الطاعة حتى تصير بمنزلة مالم تفعل إذا وقعت على خلاف الوجه المأمور به وعند المعتزلة، ومن خالفنا في ذلك أن أحدهما يبطل صاحبه إذا كان ما يستحق عليه من الثواب أو العقاب أكثر مما يستحق على الاخر فانه يبطل الاقل على خلاف بينهم في أنه يتحبط على طريق الموازنة أو غير الموازنة، قال الرماني: والفرق بين حبوط الفريضة وحبوط النافلة أن النافلة من الفاسق لابد عليها من منفعة عاجلة، لان الله رغب فيها إن أقام على فسقه أو لم يقم.

والترغيب من الحكيم لايكون إلا لمنفة، فأما الفريضة من الفاسق، فلانتقاض المضرة التي كان يستحقها على ترك المضرة، وهذا - على مذهبنا - لايصح على ما فصلناه، ولاعلى مذهب شيوخه، لان المستحق على النوافل لايكون إلاثوابا والثواب لايصح فعله في دار التكليف، فكيف يصح ما قاله.

وقوله: (وما لهم من ناصرين) يدل على أنه تعالى لاينصر كافرا لانه لو نصره، لكان أعظم ناصر والله تعالى نفى على وجه العموم أن يكون لهم ناصر، ولان مفهوم الكلام أنه لاينفعهم نصر لكفرهم.

[425]

قوله تعالى: ألم تر إلى الذين اوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون(23)

آية بلا خلاف.

المعنى: معنى " ألم تر " ألم تعلم " إلى الذين أوتوا " معناه الذين أعطوا " نصيبا " أي حظا وإنما قيل " أوتوا نصيبا " منه، لانهم يعلمون بعض ما فيه " من الكتاب " قال ابن عباس، والزجاج، والجبائي: إنه التوارة دعي إليها اليهود فأبوا لعلمهم بلزوم الحجة عليهم بما فيه من الدلالة على نبوة نبينا صلى الله عليه وآله وتصديقه.

والثاني - قال الحسن، وقتادة: دعوا إلى القرآن، لان ما فيه موافق ما في التوراة في أصول الديانة وأركان الشريعة. وفي الصفة التي تقدمت البشارة بها.

والحكم الذي دعوا فيه إلى الكتاب يحتمل ثلاثة أشياء: أحدها - أن يكون نبوة النبي صلى الله عليه وآله.

والثاني - أن يكون أمر إبراهيم فان دينه الاسلام.

والثالث - أن يكون حدا من الحدود، لانهم نازعوا في ذلك، وليس في القرآن دليل على تعيين ذلك وإنما هو محتمل لكل واحد منها.

والفريق بين الدعاء إلى الشئ والامر به أن الامر له صيغة مخصوصة وفيه زجر عن المخالفة عند من قال: إنه يقتضي الايجاب. والدعاء قد يكون بالخبر وغيره من الدلالات على معنى الخبر وإنما دعوا إلى المحاكمة لتظهر الحجة فأ؟ إلا المخالفة. والحكم هو الخبر الذي يفصل الحق من الباطل بامتناعه من الالباس وهو مأخوذ من الحكمة. وهو الخبر الذي توجب صحته الحكمة. وإنما يقال حكم بالباطل لانه جعل موضع الحق باطلا بدلا منه. وقولهم ليس هذا حكم كذا معناه ليس هذا حقه فانما دعوا إلى كتاب الله ليفصل الحق من الباطل فيما اختلفوا فيه.

[426]

ومعنى قوله: (يتولى فريق منهم وهم معرضون) فالتولي عن الشئ هو الاعراض عنه، فليس على وجه التكرار لان معناه يتولى عن الداعي، وهو معرض عما دعا إليه، لانه قد كان يمكنه أن يتولى عنه وهو متأمل لما دعا إليه، فلما لم يفعل كان العيب. له ألزم والذم على ما فعل أعظم.

قوله تعالى: ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون(24)

آية بلا خلاف.

المعنى: الايام المعدودات قيل فيها قولان: أحدهما - هي الايام التي عبدوا فيها العجل وهي أربعون يوما.

ذكره قتادة، والربيع، والحسن إلا أن الحسن قال: سبعة أيام.

والثاني - قال الجبائي: أرادوا أياما منقطعة لانقضاء العذاب فيها وانقطاعه.

اللغة: وقوله: (وغرهم في دينهم) فالغرور الاطماع في ما لا يصح.

غره يغره غرورا، فهو مغرور واعتره اغترارا. والغرور الشيطان، لانه يغر الناس.

والغار: الغافل، لانه كالمغتر. والغرارة: الدنيا، لانها تغر أهلها.

والغر: الغمر الذي لم يجرب الامور، ومصدره الغرارة، لان من شأنه أن يقبل الغرور.

والغرر: الخطر الذي يقدم فيه على ما لا ينبغي، لانه كحال الغرور في الطمع المذموم.

والغرارة: الوعاء، لانها تغر بعظمها وخفاء ما فيها.

والغر: آثار طي الثوب. أطوه على غره أي على آثارطيه.

والغرغرة: التغرغر في الحلق.

والغرغرة: حكاية صوت الراعي.

والغر: زق الطائر فرخه.

غره يغره غرا: إذا زقه وذلك، لانه كالغرغرة في الحلق.

[427]

والغرة: الجبهة. وأصل الباب الغرور. الطماع في غير مطمع.

وقوله: (ما كانوا يفترون) فالافتراء: الكذب، وفرى فلان كذبا يفريه فرية، والفري: الشق، فريت الاديم فريا، وفرية. مفرية: مشقوقة. قد تفرو بجورها أي تشق.

والفري: الاصر العظيم، لانه يشق على النفس.

وأصل الباب: الفري: الشق. ومنه الافتراء، لانه يشق على النفس.

المعنى: والافتراء الذي غرهم قيل فيه قولان: أحدهما - قوله: " نحن أبناء الله وأحباؤه " في قول قتادة، وقال مجاهد غرهم قوله: (لن تمسنا النار إلا أياما معدودات) وليس في الاية ما يدل على خلاف ما نذهب إلى من جواز العفو واخراج المعاقبين من أهل الملة من النار من حيث أن الله ذم هؤلاء بانه لاتمسهم النار إلا أياما معدودات. وذلك انا لانقول أن الايام التي يعاقب فيها الفاسق بعدد أيام عصيانه بل إنما نقول: إن عقاب من ثبت دوام ثوابه لايكون إلا منقطعا وإن لم يحط العلم مقداره. والله تعالى عاب أهل الكتاب بذلك من حيث قطعوا على ما قالوه وحكموا به وذلك بخلاف ما قلناه.

قوله تعالى: فكيف إذا جمعناهم ليوم لاريب فيه ووفيب كل نفس ما كسبت وهم لايظلمون(25)

آية بلا خلاف.

" كيف " موضوعة للسؤال عن الحال. ومعناها ههنا التنبيه بصيغة السؤال عن حال من يساق إلى النار. وفيه بلاغة، واختصار شديد، لان تقديره أي حال يكون حال من اغتر بالدعاوي الباطلة حتى أداه ذلك إلى الخلود في العقوبة؟ ونظيره قول القائل: أنا أكرمك وإن لم تجئني فكيف إذا جئتني؟ معناه فكيف إكرامي لك إذا جئتني.

والتقدير: كيف حالها إذا جمعناهم؟ لانه خبر ابتداء محذوف.

[428]

وقوله: (ليوم لا ريب فيه) معناه لجزاء يوم. واللام يدل على هذا التقدير. ولو قال: جمعناهم في يوم لما دل على ذلك. ومثله جئته ليوم الخميس أي لما يكون في يوم الخميس. وقال الفراء. معناه في يوم.

وقوله: (ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) قيل في معناه قولان. أحدهما " وفيت كل نفس ما كسبت " من ثواب أو عقاب. الثاني ما كسبت من ثواب أو عقاب بمعنى اجتلبت بعملها من الثواب أو العقاب، كما تقول كسب فلان المال بالتجارة والزراعة.

فان قيل: كيف قال: " وفيت كل نفس ما كسبت " وما كسبت، لانهاية له، لانه دائم وما لانهاية له لايصح فعله؟ قلنا: معناه أنه توفى كل نفس ما كسبت حالا بعد حال، فأما أن يفعل جميع المستحق فمحال لكن لا ينتهي إلى حد ينقطع ولايفعل فيما بعده.

" وهم لايظلمون " معناه لايبخسون، فلا يبخس المحسن جزاء إحسانه، ولايعاقب مسئ فوق جزائه.

وقوله تعالى: قل اللهم مالك المكل تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شئ قدير(26)

آية واحدة.

اللغة: قيل في زيادة الميم في اللهم قولان: أحدهما - قال الخليل: إنها عوض من ياء التي هي أداة للنداء بدلالة أنه لايجوز أن تقول غفر اللهم لي، ولايجوز أيضا مع (يا) في الكلام.

والثاني - ما قاله الفراء: إنها الميم في قولك يا الله أمنا بخير فألقيت الهمزة وطرحت حركتها على ما قبلها.

[429]

ومثله هلم وإنما هي هل أم، قال: وما قاله الخليل لايجوز لان الميم إنما تزاد مخففة في مثل فم وابنم، ولانها قد اجتمعت مع (يا) في قول الشاعر:

وما عليك أن تقولي كلما *** سبحت أو صليت يا اللهما

أردد علينا شيخنا مسلما(1) قال الرماني لا يفسد قول الخليل بما قاله، لانها عوض من حرفين فشددت كما قيل قمتن وضربتن لما كانت النون عوضا من حرفين في قمتم، وذهبتم، فأما قمن وذهبن فعوض من حرف واحد، وأما البيت فانما جاز فيه لضرورة الشعر، وأما هل، فلا تدخل على (أم) بوجه من الوجوه. والاصل في (ها) أنها للتنبيه دخلت على (لم) في قول الخليل.

الاعراب: وقوله: (مالك الملك) أكثر النحويين على أنه منصوب بأنه منادى مضاف وتقديره يا مالك الملك.

وقال الزجاج: يحتمل هذا ويحتمل أيضا أن يكون صفة من اللهم، لان اللهم منادى، والميم في آخره عوض من ياء في أوله ثم وصفه بعد ذلك كما تقول يازيد ذا الحجة.

المعنى: ومعني الاية قيل فيه أربعة أقوال: أحدها - أن الملك ههنا النبوة ذكره مجاهد.

و (الثاني) قال الزجاج: مالك العباد، وما ملكوا.

و (الثالث) قال قوم: مالك أمر الدنيا والاخرة.

و (الرابع) انه أفاد صفة لاتجوز الاله من أنه مالك كل ملك.

وقوله: (تؤتي الملك من تشاء) تقديره من تشاء أن تؤتيه وتنزع الملك ممن تشاء أن تنزعه، كما تقول: خذ ما شئت واترك ماشئت. ومعناه ما شئت أن تتركه.

___________________________________

(1) اللسان (أله)، ومعاني القرآن للفراء 1: 203 وغيرهما من كتب اللغة والنحو والادب، ورايتها مختلفة.

[430]

اللغة: والنزع: قلع الشئ عن الشئ، نزع ينزع نزعا. ومنه قوله: " والنازعات غرقا " قال أبوعبيدة هي النجوم تنزع أي تطلع والنزع الشبه للقوم نزع إلى أخواله أي نزع إليهم بالشبه، فصار واحدا منهم بشبهه لهم.

والنزاع: الحنين إلى الشئ والمنازعة: الخصومة.

والنزوع عن الشئ الترك له.

والنزع: ذهاب الشعر عن مقدم الرأس.

والمنزعة: آلة النزع. وأصل الباب النزع: القلع.

المعنى: وقال البلخي والجبائي لايجوز أن يعطي الله الملك للفاسق لانه تمليك الامر العظيم من السياسة والتدبير مع المال الكثير، لقوله: (لاينال عهدي الظالمين)(1) والملك من أعظم العهود، ولا ينافي ذلك قوله: (ألم تر إلى الذين حاج ابراهيم في ربه أن آتاه الله الملك)(2) لامرين: أحدهما - قال مجاد الهاء كناية عن إبراهيم والملك المراد به النبوة والتقدير أن آتى الله إبراهيم النبوة. والثاني - أن يكون المراد بالملك المال دون السياسة، والتدبير فان قيل: ما الفرق بين تمليك الكافر العبيد والاماء وبين تمليكه السياسة والتدبير: قيل: لان لايجعل للجاهل أن يسوس العالم، وهذا الذي ذكره البلخي بعينه يستدل به على الامام يجب أن يكون معصوما، ولا يكون في باطنه كافرا، ولا فاسقا.

فان قيل: إن ذلك عادة وجاز أن يكلفنا الله اختياره على ظاهر العدالة فاذ أبان فسقه انخلعت إمامته وإنما لا يجوز أن يختار الله (تعالى) من في باطنه فاسق، لانه يعلم البواطن لما جاز منا أن نختاره؟ قلنا عن ذلك جوابان: أحدهما أن الامام - عندنا - الله (تعالى) يختاره، فوجب أن يكون مأمون الباطن على ما قلتموه.

___________________________________

(1) سورة البقرة آية: 124.

(2) سورة البقرة آية: 258.

[431]

وما الفرق بين أن يختار من في باطنه فاسق وبين أن يكلفنا ذلك مع علمه بأنا لانختار إلا الفاسق.

والجواب الثاني - أنه إذا كانت علة الحاجة إلى الامام ارتفاع العصمة فلو كان الامام غير معصوم لاحتاج إلى امام آخر وأدى ذلك إلى التسلسل وذلك باطل.

وقوله: (بيدك الخير) معناه إنك قادر على الخير وإنما خص الخير بالذكر وإن كان بيده كان شئ من خير أو شر، لان الغرض ترغيب العبد، وإنما يرغب في الخير دون الشر، وقال الحسن، وقتادة: هذه الاية نزلت جوابا لما سأل الله النبي صلى الله عليه وآله أن يجعل لامته ملك فارس والروم فأنزل الله الاية.

قوله تعالى: تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب(27)

آية بلا خلاف.

القراء‌ة واللغة: قرأ بتشديد الياء " من الميت " نافع وحمزة والكسائي وحفص الباقون بالتخفيف.

الايلاج: الادخال يقال: أولجه ايلاجا، وولج ولوجا.

ومنه قوله: " حتى يلج الجمل في سم الخياط "(1) والوليجة بطانة الرجل لانه يطلعه على داخل أمره.

ومنه قوله: (ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة)(2) والتولج كناس الظبى لانه يدخله ليأوي إليه والولجة شئ يكون بين يدي فناء القوم لانه مدخل إلى أفنائهم وأصل الباب الدخول.

___________________________________

(1) سورة الاعراف آية: 29.

(2) سورة التوبة آية: 17.

[432]

المعنى: قيل في معنى الاية قولان: أحدهما - ما روي عن ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والسدي، والضحاك، وابن زيد: انه يجعل ما نقص من أحدهما زيادة في الاخر.

وقال الجبائي: معناه يدخل أحدها في الاخر باتيانه بدلا منه في مكانه.

وقوله: (وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي) قيل في معناه قولان: أحدهما - يخرج الحي من النطفة، وهي ميتة، والنطفة من الحي وكذلك الدجاجة من البيضة والبيضة من الدجاجة، هذا قول عبدالله بن مسعود، ومجاهد، والضحاك، والسدي، وقتادة، وابن زيد.

الثاني - ما قاله الحسن وروي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبدالله (ع) أنه إخراج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن.

والفرق بين تخفيف الياء وتشديدها أن الميت بالتخفيف الذي قد مات وبالتثقيل الذي لم يمت قال المبرد: ولا خلاف بين علماء البصريين أنهما سواء وأنشد لابن الرعلاء الغساني:

ليس من مات فاستراح بميت *** انما الميت ميت الاحياء

انما الميت من يعيش كئيبا *** كاسفا باله قليل الرخاء(1)

فجمع بين اللغتين وإنما كرر في عدة مواضع في القرآن لما فيه من عظم المنفعة وجزيل الفائدة.

وقوله (بغير حساب) قيل فيه ثلاثة أقوال: أولها - قال الحسن والربيع: بغير نقصان، لانه لانهاية لما في مقدوره فما يوجد منه لاينقصه، ولا هو على حساب جزء من كذا وكذا جزء‌ا منه، فهو بغير حساب التجزئة.

الثاني - بغير حساب التقتير كما يقال فلان ينفق بغير حساب، لان من عادة المقتر ألا ينفق إلا بحساب ذكره الزجاج.

___________________________________

(1) اللسان (موت) وروايته (شقيا) بدل (كئيبا).

[433]

الثالث - ما قاله الجبائي: ان معناه بغير حساب الاستحقاق. لانه تفضل وذلك، لان النعيم منه بحساب ومنه بغير حساب فأما العقاب فجميعه بحساب.

قوله تعالى: لايتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير(28)

آية واحدة.

القراء‌ة، والحجة: قال الفراء، والحسن، ومجاهد: " تقية " وبه قرأ يعقوب.

الباقون " تقاة " وأمال " تقاة " الكسائي.

وقرأ حمزة، ونافع بين بين.

الباقون بالتفخيم، وهو الاجود، لان فيه حرفا مستعليا، وهو القاف. من أمال، ليؤذن أن الالف منقلبة من الياء.

معنى قوله: (يتخذ المؤمنون) نهي للمؤمنين أن يتخذوا الكافرين أولياء يعني أنصارا، وكسر الذال لالتقاء الساكنين، ولو رفع، لكان جائزا بمعنى لاينبغي لهم أن يتخذوا.

المعنى: وقوله: (من دون المؤمنين) من لابتداء الغاية. وتقديره الاية لاتجعلوا ابتداء الولاية مكانا دون المؤمنين لان مكان المؤمن الاعلى ومكان الكافر الادنى، كما تقول زيد دونك ولست تريد أنه في موضع مسفل، وأنك في موضع مرتفع لكن جعلت الشرف بمنزلة الارتفاع والخيانة كالاستفال. وفي الاية دلالة على أنه لايجوز ملاطفة الكفار.

قال ابن عباس: نهى الله سبحانه المؤمنين أن يلاطفوا الكفار قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لاتتخذوا بطانة من دونكم لايألونكم

[434]

خبالا)(1) وقال: (لاتجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادون من حاد الله ورسوله)(2) وقال: (فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين)(3) وقال (واعرض عن الجاهلين)(4) وقال تعالى: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم)(5) وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لاتتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فانه منهم)(6) وكل ذلك يدل على أنه ينبغي أن يعاملوا بالغلظة والجفوة دون الملاطفة، والملاينة إلا ما وقع من النادر لعارض من الامر.

النظم: ووجه اتصال هذه الاية بما قبلها أنه (تعالى) لما بين عظيم آياته بما في مقدوراته مما لايقدر عليه سواه، دل على أنه ينبغي أن تكون الرغبة في ما عنده وعند أؤليائه من المؤمنين دون أعدائه الكافرين، فنهى عن اتخاذهم أولياء دون أهل التقوى الذين سلكوا طريق الهدى.

والولى هو الاولى، وهو أيضا الذي يلي أمر من ارتضى فعله بالمعونة والنصرة.

وتجري على وجهين: أحدهما - المعين بالنصرة. والاخر - المعان فمن ذلك قوله: " الله ولي الذين آمنوا " أي معينهم بنصرته، والمؤمن ولي الله أي معان بنصرة الله.

وقوله: " ومن يفعل ذلك " يعني من اتخذ الكافرين أولياء " فليس من الله في شئ " أي ليس هو من أولياء الله الصالحين والله برئ منهم " إلا أن تتقوا منهم تقاة " فالتقية الاظهار باللسان خلاف ما ينطوي عليه القلب للخوف على النفس إذا كان ما يبطنه هو الحق فان كان ما يبطنه باطلا كان ذلك نفاقا.

اللغة: وقوله: (تقاة) أصله وقاة فابدلت الواو المضمومة تاء استثقالا لها، لانهم

___________________________________

(1) سورة آل عمران آية: 118.

(2) سورة المجادلة آية: 22.

(3) سورة الانعام آية 8.

(4) سورة الاعراف آية: 198.

(5) سورة التوبة آية: 74.

(6) سورة المائدة آية: 54.

[435]

يفرون منها إلى الهمزة تارة وإلى التاء أخرى فأما التاء فلقرها من الواو مع أنها من حروف الزيادة. وأما الهمزة فلانها نظيرتها في الطرف الاخر من مخارج الحروف مع حسن زيادتها أولا، ووزن تقاة فعله مثل تودة، وتخمة ونكاة وهي مصدر اتقى تقاة، وتقية، وتقوى، واتقاء.

حكم التقية: والتقية - عندنا - واجبة عند الخوف على النفس وقد روي رخصة في جواز الافصاح بالحق عندها. روى الحسن أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لاحدهما أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم. قال: أفتشهد أني رسول الله؟ قال نعم، ثم دعا بالاخر فقال أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، فقال له أفتشهد أني رسول الله؟ قال إني أصم - قالها ثلاثا كل ذلك تقية - فتقول ذلك فضرب عنقه فبلغ ذلك(1) فقال أما هذا المقتول فمضى على صدقه وتقيته وأخذ بفضله فهنيئا له.

وأما الاخر فقبل رخصة الله، فلا تبعة عليه فعلى هذا التقية رخصة والافصاح بالحق فضيلة.

وظاهر أخبارنا يدل على أنها واجبة، وخلافها خطأ.

وقوله (ويحذركم الله نفسه) يعني اياه فوضع نفسه مكان إياه، ونفسه يعني عذابه، وأضافه إلى نفسه على وجه الاختصاص، والتحقيق كما لو حققه بصفة بأن يقول يحذركم الله المجازي لكم.

قوله: (وإلى الله المصير) معناه إلى جزاء الله المصير أي المرجع.

قوله تعالى: قل ان تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السموات وما في الارض والله على كل شئ قدير(29)

آية واحدة.

___________________________________

(1) يعني رسول الله صلى الله عليه وآله.

[436]

النظم: وجه اتصال هذه الاية بما قبلها. أنه لما تقدم النهي عن اتخاذ الكفار أولياء خوفوا من الاعلان بخلاف الاظهار في ما نهوا عنه بأن الله (تعالى) يعلم الاسرار كما يعلم الاعلان.

اللغة: والصدر معروف. والصدر: أعلى مقدم كل شئ.

والصدر: الانصراف عن الماء بعد الري.

تقول: صدرت الابل عن الماء فهي صادرة.

والمصدر: الحوض الذي تصدر عنه الابل.

والتصدير: حزام الرجل لميله إلى الصدور.

والصدار: شبيه بالفقيرة تلبسها المرأة لانه قصير يغطى الصدر وما حاذاه وكذلك الصدرة.

وأصل الباب الصدر المعروف.

وقوله: (يعلمه الله) جزم، لانه جواب الشرط، وان كان الله يعلمه كان أو لم يكن، ومعناه يعلمه كائنا. ولا يصح وصفه بذلك قبل أن يكون.

والمعني: وما تفعلوا من خير يجاز الله عليه، لانه يعلمه، فلا يذهب عليه شئ منه وإنما قال: " ويعلم ما في السماوات وما في الارض " ليذكر بمعلومات الله على التفصيل بعلم الضمير وإنما رفعه على الاستئناف.

وقوله: (والله على كل شئ قدير) معناه التحذير من عقاب من لا يعجزه شئ أصلا من حيث أنه قادر على كل شئ يصح أن يكون مقدورا له.

الآية: 30 - 39

قوله تعالى: يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤف بالعباد(30)

آية بلا خلاف.

[437]

الاعراب: قيل في انتصاب يوم ثلاثة أوجه: أحدهما - أنه منصوب ب‍ (يحذركم) الله أي يحذركم نفسه يوم تجد.

الثاني - بالمصير وتقديره وإلى الله المصير يوم تجد.

الثالث - إذكر يوم تجد.

وقوله: " وما عملت " معنى (ما) ههنا الذي لانه عمل فيها (تجد) وتكون في موضع نصب. ويحتمل أيضا أن تكون مع ما بعدها بمنزلة المصدر، وتقديره: يوم تجد كل نفس عملها، بمعنى جزاء عملها.

وقوله: " وما عملت " يجوز أن تكون (ما) بمعنى الذي، ويقوي ذلك قوله: " تود " بالرفع ويجوز أن يكون بمعنى الجزاء، وتود على هذا يحتمل أن يكون مفتوحا أو مكسورا. والرفع جائز على ضعف.

المعنى: ومعنى تجد النفس عملها يحتمل أمرين: أحدهما - جزاء عملها من الثواب أو العقاب. الثاني - تجد بيان عملها بما ترى من صحائف الحسنات، والسيئات. وحكم الاية جار على فريقين ولي الله وعدوه، فاحدها يرى حسناته، والاخريرى سيئاته. ويحتمل أيضا أن يكون متناولا لمن جمع بين الطاعة والمعصية، فان من جمع بينها فانه يرى استحقاقه للعقاب على معاصيه حاصلا، فانه يود أيضا أنه لم يكن فعلها.

والامد الغاية التي ينتهي إليها قال الطرماح:

كل حي مستكمل عدة العمر *** ومرد إذا انقضى أمده

أي غاية أجله.

فان قيل كيف يتصل التحذير بالرأفة؟ قيل: قال الحسن: إن من رأفته بهم أن حذرهم نفسه، وقد بينا أن معنى قوله " ويحذركم الله نفسه " عذابه. وفسرنا معنى رؤوف في مامضى. وإن معناه رحيم بعباده.

[438]

قوله تعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم(31)

آية

النزول: قيل: إن هذه الاية نزلت في قوم من أهل الكتاب، قالوا: نحن الذين نحب ربنا فجعل الله تصديق ذلك اتباع رسله. هذا قول الحسن وابن جريج.

وقال محمد بن جعفر بن الزبير: إنها نزلت في وفد نجران من النصارى.

اللغة: والمحبة: هي الارادة إلا أنها تضاف إلى المراد تارة، وإلى متعلق المراد أخرى نحو أن تقول: أحب زيدا واحب إكرام زيد، ولاتقول في الارادة ذلك لانك تقول: أريد إكرام زيد، ولا تقول أريد زيدا. وإنما كان كذلك لقوة تصرف المحبة في موضع مثل الطباع الذي يجري مجرى الشهوة، فعو ملت تلك المعاملة في الاضافة ومحبة الله للعبد هي ارادته لثوابه ومحبة العبد لله هي ارادته لطاعاته.

القراء‌ة، والحجة، والاعراب: وقوله: (فاتبعوني) أثبتت الياء فيه بلا خلاف، لانها في وسط آية وحذفت من قوله: " فاتقوا الله وأطيعون " لانها رأس آية نوي بها الوقف لتشاكل رء‌وس الاي، لان سبيل الفواصل سبيل القوافي. وقيل أحببت فلانا، فهومحبوب، فجاء مفعول للاستغناء به عن حببت حتى صار ذلك مهملا، وقد جاء على الاصل قول عنترة:

ولقد نزلت فلا تظني غيره *** مني بمنزلة المحب المكرم(1)

وقد حكى الزجاج عن الكسائي (حببت) من الثلاثي، وأجاز القراء‌ة بفتح

___________________________________

(1) معلقته الشهيرة وغيرها.

[439]

التاء غير أنه قال هذه لغة قد ماتت.

وقوله: (يغفر لكم) لايجوز في القياس إدغام الراء في اللام كما جاز إدغام اللام في الراء في هل رأيت، لان الراء مكررة، ولا يدغم الزائد في الناقص للاخلال به، وقياسها في ذلك قياس الضاد، لانه يجوز هل ضربت بالادغام ولا يجوز انقض له إلا بالاظهار لما في الضاد من الاستطالة، وقال الزجاج: روي عن أبي عمرو إدغام الراء في اللام، وغلظ عليه لانه خطأ فاحش باجماع علماء النحويين: الموثوق بهم، وأجاز الفراء إدغامها في اللام كما يجوز إدغام الياء في الميم.

قوله تعالى: قل أطيعوا الله والرسول فان تولوا فان الله لايحب الكافرين(32)

آية بلا خلاف.

قال محمد بن جعفر بن الزبير: نزلت هذه الاية في وفد نجران، وفيها دلالة على بطلان مذهب الجبرة، لانه قال لايحب الكافرين ومعنى لايحبهم لايريد ثوابهم من أجل كفرهم، فاذن لايريد كفرهم، لانه لو أراده لم يكن نفي محبته لكفرهم، والطاعة إتباع الداعي فيما دعا إليه بأمره أو إرادته، ولذلك قد يكون الانسان مطيعا للشيطان فيما يدعوه إليه، وإن لم يقصد أن يطيعه، لانه إذا مال مع ما يجده في نفسه من الدعاء إلى المعصية، فقد أطاع الداعي إليها.

فان قيل ما الفرق بين الطاعة وموافقه الارادة؟ قيل: موافقة الارادة قدتكون طاعة، وقد تكون غيرطاعة إذالم تقع موقع الداعي إلى الفعل نحو ارادتي، لان يتصدق زيد بدرهم من غير أن يشعر بذلك، فلا يكون بفعله مطيعا لي ولو فعله من أجل إرادتي لكان مطيعا وكذلك لو أحسن بدعائي إلى ذلك فمال معه.

وقوله: (إن الله لا يحب الكافرين) معناه أنه يبغضهم ولا يريد ثوابهم، فدل بالنفي على الاثبات وكان ذلك أبلغ، لانه لو قال إنه يبغضهم لجاز أن يتوهم أن يبغضهم من وجه ويحبهم من وجه كما يعلم الشئ من وجه، ويجهل من وجه، فاذا قيل لايعلمه لم يحتمل الوجوه.

[440]

قوله تعالى: إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين(33)

آية واحدة.

معنى الصطفى: اختار واجتبى وأصله من الصفوة، وهذا من حسن البيان الذي يمثل فيه المعلوم بالمرئي وذلك أن الصافي هو النقي من شائب الكدر فيما يشاهد فمثل به خلوص هؤلاء القو م من الفساد لما علم الله ذلك من حالهم لانهم كخلوص الصافي من شائب الادناس.

فان قيل: بماذا اختارهم أباختيار دينهم أو بغير؟ قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - بمعنى أنه اختار دينهم واصطفاه، كما قال: " واسأل القرية "(1) وهذا قول الفراء.

و الثاني - قال الزجاج واختاره الجبائي. انه اختيارهم للنبوة على عالمي زمانهم.

الثالث - قال البلخي: بالتفضيل على غيرهم بما رتبهم عليه من الامور الجليلة، لما في ذلك من المصلحة.

والاصطفاء هو الاختصاص بحال خالصة من الادناس. ويقال ذلك على وجهين. ويقال: اصطفاه لنفسه أي جعله خالصا له يختص به. والثاني - اصطفاه على غيره أي اختصه بالتفضيل على غيره وهو معنى الاية فان قيل: كيف يجوز اختصاصهم بالتفضيل قبل العمل؟ قيل: إذا كان في المعلوم أن صلاح الخلق لايتم إلا بتقديم الاعلام لذلك بما قدم من البشارة بهم، والاخبار بما يكون من حسن أفعالهم والتشويق إليهم بما يكون من جلالتهم إلى غيره من الايات التي تشهد لهم، والقوى في العقول والافهام التي كانت لهم، وجب في الحكمة تقديم ذلك لما فيه من حسن التدبير.

___________________________________

(1) سورة يوسف آية: 82.

[441]

فان قيل: من آل ابراهيم؟ قيل: قال ابن عباس، والحسن: هم المؤمنون الذين على دينه، فيكون بمعنى اختصهم بميرة كانت منهم على عالمي زمانهم.

وقيل: آل عمران هم آل ابراهيم كماقال: " ذرية بعضهامن بعض " فهم موسى وهرون ابنا عمران.

وقال الحسن: آل عمران المسيح، لان أمه مريم بنت عمران.

وفي قراء‌ة أهل البيت " وآل محمد على العالمين ".

وقال أيضا: إن آل إبراهيم: هم آل محمد الذين هم أهله.

وقد بينا فيما مضى أن الال بمعنى الاهل.

والاية تدل على أن الذين اصطفام معصومون منزهون، لانه لايختار ولايصطفي إلا من كان كذلك، ويكون ظاهره وباطنه واحدا، فاذا يجب أن يختص الاصطفاء بآل إبراهيم وآل عمران من كان مرضيا معصوما سواء كان نبيا أو إماما.

قوله تعالى: ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم(34)

اللغة، والاعراب: وزن ذرية فعلية، مثل قمرية. ويحتمل أن يكون على وزن فعلولة. وأصله ذرورة إلا أنه كره التضعيف، فقلبت الراء الاخيرة ياء، فصار ذروية وقلبت الواو للياء التي بعدها ياء وادغمت احداهما في الاخرى، فصار ذرية.

قال الزجاج: والاول أجود وأقيس.

ويحتمل فصبها وجهين: أحدهما - أن يكون حالا والعامل فيها اصطفى.

والثاني - أن يكون على البدل من مفعول اصطفى.

المعنى: ومعنى قوله: (بعضها من بعض) أي في الاجتماع على الصواب.

[442]

قال الحسن: " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض "(1) في الاجتماع على الهدى. وبه قال قتادة.

الثاني - قال الجبائي وغيره: إنه في التناسل إذ جميعهم ذرية آدم، ثم ذرية نوح، ثم ذرية إبراهيم، وهو المروي عن أبي عبدالله (ع)، لانه قال الذين اصطفاهم الله بعضهم من نسل بعض.

وقوله: (والله سميع عليم) قيل فيه قولان: أحدهما - أنه سميع لما تقوله الذرية عليم بما تضمره، فلذلك فضلها على غيرها لما في معلومه من استقامتها في قولها، وفعلها.

والثاني - سميع لما تقوله امرأة عمران من قوله: " اني نذرت لك ما في بطني محررا " عليم بما تضمره ليدل على أنه لايضيع لها شئ من جزاء عملها ونبه بذلك على استحسان ذلك منها، لان قول القائل قد علمت ما فعلت يجري في الوعد والوعيد معا على حد واحد.

قوله تعالى: إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم(35)

آية واحدة بلا خلاف.

الاعراب، والمعنى: امرأة عمران المذكورة في الاية هي أم مريم بنت عمران أم المسيح، وقيل أن اسمها كانت حنة. و (إذ) تدل على ما مضى.

وقيل فيما يتعلق به (إذ) أربعة أقوال:

أحدها - قال الاخفش والمبرد: أنه اذكر إذ قالت.

الثاني - قال الزجاج: انه متعلق باصطفى آل عمران إذا قالت.

الثالث - يتعلق بسميع عليم إذ قالت، فيعمل فيه معنى الصفتين على تقدير مدرك لنيتها وقولها إذ قالت ذكره الرماني.

الرابع - قال أبوعبيدة: ان (إذ) زائدة، فلا موضع لها من الاعراب وهذا خطأ عند البصرين.

___________________________________

(1) سورة التوبة آية: 72.

[443]

وقوله: (نذرت لك ما في بطتي محررا) فالنذر قد بيناه فيما مضى، وهو قول القائل: لله علي كذا وكذا.

وقيل في معنى (محررا) ثلاثة أقوال: أحدها - قال الشعبي: معناه مخلصا للعبادة.

قال مجاهد: خادما للبيعة.

وقال محمد بن جعفر بن الزبير: عتيقا من الدنيا لطاعة الله.

اللغة: ومعنى (محرر) في اللغة يحتمل أمرين: أحدهما - معتق من الحرية.

تقول: حررته تحريرا: إذا أعتقته أي جعلته حرا.

الثاني - من تحرير الكتاب وهو اخلاصه من الضرر والفساد.

وأصل الباب الحرارة، لان الحر يحمي في مواضع الانفة.

فالمحرر يخلص من الاضطراب كما يخلص حرارة النار الذهب ونحوه من شائبة الفساد، وهو نصب على الحال من (ما) وتقديره نذرت لك الذي في بطني محررا والعامل فيه نذرت.

وقوله: " فتقبل مني " فأصل التقبل المقابلة، وذلك للاعتداد بالشئ فيما يقابل بالجزاء عليه. وتقبل الصنيع مشبه بتقبل الهدية من جهة أخذه دون رده.

وقوله (إنك أنت السميع العليم) معناه السميع لما أقول العليم بما أنوي، فلهذا صحت الثقة لي.

قوله تعالى: فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالانثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم(36)

آية بلا خلاف.

القراء‌ة، والمعنى: قرأ " والله أعلم بما وضعت " ابن عامر، وأبوعمرو عن عاصم، ويعقوب بمعنى قولي.

[444]

" فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها انثى " قيل: فيه قولان: أحدهما - الاعتذار من العدول عن النذر، لانها انثى. الثاني - تقديم الذكر في السؤال لها بانها انثى وذلك؟ عيب الانثى أقطع، وهو إليها أسرع، وسعيها أضعف، وعقلها أنقص فقدمت ذكر الانثى ليصح القصد لها في السؤال على هذا الوجه.

وقوله: " وليس الذكر كالانثى " اعتذار بأن الانثى لاتصلح لما يصلح له الذكر، وإنما كان يجوز لهم التحرير في الذكور دون الاناث، لانها لاتصلح لما يصلح له الذكر من التحرير لخدمة المسجد المقدس، لما يلحقها من الحيض والنفاس، والصيانة عن التبرج للناس.

وقال قتادة: لم يكن التحرير إلا للغلمان فيما جرت به العادة.

والهاء في قوله: " وضعتها " يحتمل أن يكون كناية عن (ما) في قوله " نذرت لك ما في بطني " وجاز ذلك لوقوع (ما) على مؤنث. ويحتمل أن يكون كناية عن معلوم قد دل عليه الكلام.

اللغة: ؟ أصل الوضع: الحط. وضعه يضعه وضعا. ووضعت بمعنى ولدت أي وضعت الولد. ومنه الموضع: مكان الوضع.

والتواضع: خلاف التكبر لانه وضع العبد من نفسه.

والضعة: الخساسة لانها تضع من قدر صاحبها.

والوضيعة: ذهاب شئ من رأس المال.

والمواضعة: المواهبة في التباع لوضع ما ينفق عليه في ذلك.

والايضاع في السير: الرفق فيه لانه حط عن شدة الاسراع.

ومنه قوله تعالى: " ولا وضعوا خلالكم "(1) وأصل الباب: الحط.

المعنى: فان قيل هل يجوز أن تقول: والله أعلم بأن الجسم محدث من زيد العالم به، كما قالت: " وانه أعلم بما وضعت "؟ قيل: لايجوز لان علم كل واحد منهما يجوز أن ينقلب عنه إلى خلافه، وليس كذلك بأنه يعلم الله، وأفعل من كذا إنما يقال للمبالغة في الصفة. ومن ضم التاء جعل ذلك من كلام أم مريم على وجه

___________________________________

(1) سورة التوبة آية: 48.

[445]

التسبيح والانقطاع إليه تعالى كما يقول القائل: قد كان كذاوكذا، وأنت تعلم لاعلى وجه الاعلام بل على ما قلناه.

واسكان التاء أجود لامرين: أحدهما - أن قولها " إني وضعتها انثى " قد أغنى عن ذلك. والثاني - أنه كان يجب أن تقول وأنت أعلم، لانها تخاطب الله تعالى.

وقوله: " وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم " قيل في معناه قولان: أحدهما - الاستعاذة من طعن الشيطان للطفل الذي له يستهل صارخا، فوقاها الله عزوجل وولدها عيسى منه بحجاب على ما رواه أبوهريرة عن النبي صلى الله عليه وآله الثاني - قال الحسن انها استعاذت من إغواء الشيطان.

اللغة: والرجيم بمعنى الموجود بالشبهة وأصل الرجم: الرمي بالحجارة رجم يرجم رجما والرجم القذف بالغيب لانه رمى العبد به. ومنه " لارجمنك وأهجرني مليا "(1) والرجم الاخبار عن الظن لانه رمى بالخبر لاعن يقين. ومنه " رجما بالغيب "(2) والرجوم النجوم، لان من شأنها أن يرمى بها الشياطين ومنه قوله: " وجعلناها رجوما للشياطين "(3). الرجام القبور التي عليها الحجارة. والمراجمة المباراة في الكلام، والعمل له من كل واحد من النفيسين لرمي صاحبه بما يكيده وأصل الباب الرمي.

___________________________________

(1) سورة مريم آية: 46.

(2) سورة الكهف آية: 23.

(3) سورة الملك آية: 5.




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 200

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 9087099

  • التاريخ : 30/09/2020 - 19:05

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net