00989338131045
 
 
 
 
 
 

 النحل 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الامثال في القرآن   ||   تأليف : العلامة المحقق جعفر سبحاني

( 172 )

النحل
26

التمثيل السادس والعشرون


(وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمّا رَزَقْناهُمٍ تَاللهِ لَتُسئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ * وَيَجْعَلُونَ للهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَه وَلَهُمْ ما يَشْتَهون * وإِذا بُشّرَ أَحَدُهُمْ بِالاَُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيم * يَتوارَى مِنَ القَومِ مِنْ سُوءِ ما بُشّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُون * لِلَّذينَ لا يُوَْمِنُونَ بِالآخِرَة مثلُ السَّوءِ وَللهِ المَثَلُ الاََعلى وَهُوَ العَزِيزُ الحَكيم ) . (1)
تفسير الآيات
إنّ الله سبحانه هو الواجب الغني عن كل من سواه، قال سبحانه: (يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيد ) (2) فلا يصحّ وصفه بما يستشمُّ منه الفقر والحاجة، لكن المشركين غير العارفين بالله كانوا يصفونه بصفات فيها وصمة الفقر والحاجة، و قد حكاها سبحانه في غير واحد من الآيات، فقال: (وَجَعَلُوا للهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالاََنْعامِ نَصِيباً فَقَالُوا هذا للهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَمَا كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلى اللهِ وَمَا كانَ للهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ سَاءَ ما يَحْكُمُون ). (3)

____________
1 ـ النحل:56ـ60.
2 ـ فاطر: 15.
3 ـ الاَنعام:136.

===============

( 173 )

فقد أخطأوا في أمرين:
أ: فرز نصيب لله من الحرث والاَنعام ،وكأنّه سبحانه فقير يجعلون له نصيباً ممّا يحرثون و يربّون من أنعامهم.
ب: الجور في التقسيم و القضاء، فيعطون ما لله إلى الشركاء دون العكس، وما هذا إلاّ لجهلهم بمنزلته سبحانه وأسمائه وصفاته.
وقد أشار إلى ما جاء تفصيله في سورة الاَنعام على وجه موجز في المقام، وقال: (وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمّا رَزَقْناهُمْ تَاللهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفتَرُون ).
ونظير ما سبق انّهم كانوا يبغضون البنات ويجعلونها لله ، ويحبون البنين ويجعلونهم لاَنفسهم، وإليه يشير سبحانه بقوله: (وَيَجْعَلُونَ للهِ البَناتِ سُبحانهُ وَلَهُم ما يَشتَهُون ) والمراد من الموصول في (ما يشتهون ) هو البنون، وبذلك تبيّن معنى قوله سبحانه: (لِلّذِينَ لا يُوَْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوء ) أي انّ المشركين المنكرين للآخرة يصفونه سبحانه بصفات السوء التي يستقبحها العقل ويذمّها، وقد عرفت كيفية وصفهم له فوصفوه عند التحليل بالفقر والحاجة والنقص والاِمكان، والله سبحانه هو الغني المطلق، فهو أعلى من أن يوصف بأمثال السوء، ولكن الموحّد يصفه بالكمال كالحياة والعلم والقدرةوالعزّة والعظمة والكبرياء، والله سبحانه عند الموَمنين (هُوَ الْمَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ الْمُوَْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الجَبّارُ الْمتَكَبّرُ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبَارِىَُ الْمُصَوّرُ لَهُ الاََسْماءُ الْحُسْنى ) (1) و يقول سبحانه: (وَلَهُ المَثَلُ الاََعلى
____________
1 ـ الحشر:23ـ 24.

===============

( 174 )

فِي السَّموات وَالاََرض ) (1) وقال: (لَهُ الاََسماءُ الحُسْنى ). (2)
ومنه يظهر جواب سوَال طرحه الطبرسي في "مجمع البيان" ، وقال: كيف يمكن الجمع بين قوله سبحانه (وَلله المثل الاَعلى ) وقوله: (فَلاَ تَضْرِبُوا للهِ الاََمْثالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُون ). (3)
والجواب انّ المراد من ضرب الاَمثال هو وصفه بما يدل على فقره وحاجته أو تشبيهه بأُمور مادية، وقد تقدم انّ المشركين جعلوا له نصيباً من الحرث والاَنعام، كما جعلوا الملائكة بناتاً له، يقول سبحانه: (وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الّذينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمن اناثاً ) ، (4) ويقول سبحانه: (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجِنّة نَسباً). (5) إلى غير ذلك من الصفات التي يتنزه عنها سبحانه، فهذا النوع من التمثيل أمر محظور، وهو المراد من قوله (فَلا تَضْرِبُوا لله الاََمْثال ).
وأمّا التمثيل لله سبحانه بما يناسبه كالعزّةوالكبرياء والعلم والقدرة إلى غير ذلك، فقد أجاب عليه القرآن ولم ير فيه منعاً وحظراً، بشهادة انّه سبحانه بعد هذا الحظر أتى بتمثيلين لنفسه، كما سيتضح في التمثيل الآتى.
وربما يذكر في الجواب بأنّ الاَمثال في الآية جمع "المِثْل" بمعنى "الند"، فوزان قوله (لا تضربوا لله الاَمثال ) كوزان قوله : (فَلا تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَاداً ) (6)، ولكنّه معنى بعيد، فانّ المثل بفتح العين يستعمل مع الضرب، دون المثل بسكون
____________
1 ـ الروم:27.
2 ـ طه:8.
3 ـ النحل:74.
4 ـ الزخرف:19.
5 ـ الصافات:158.
6 ـ البقرة:22.

===============

( 175 )

العين بمعنى الند فلم يشاهد اقترانه بكلمة الضرب.
ويقرب ممّا ذكرنا كلام الشيخ الطبرسي حيث يقول:
إنّ المراد بالاَمثال الاَشباه، أي لا تشبّهوا الله بشىء، و المراد بالمثل الاَعلى هنا الوصف الاَعلى الذي هو كونه قديماً قادراً عالماًحياً ليس كمثله شيء.
وقيل إنّ المراد بقوله: (المثل الاَعلى ) : المثل المضروب بالحق، وبقوله: (فلا تضربوا لله الاَمثال ) : الاَمثال المضروبة بالباطل. (1)
وفي الختام نودُّ أن نشير إلى نكتة، وهي انّ عدّ قوله سبحانه (للّذين لا يوَمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الاَعلى وهو العزيز الحكيم ) من قبيل الاَمثال القرآنية لا يخلو من غموض، لاَنّ الآية بصدد بيان نفي وصفه بصفات قبيحة سيئة دون وصفه بصفات عليا فأين التمثيل؟
إلاّ أن يقال: إنّ التشبيه ينتزع من مجموع ما وصف به المشركون، حيث شبّهوه بإنسان له حاجة ماسّة إلى الزرع والاَنعام وله بنات ونسبة مع الجن إلى غير ذلك من أمثال السوء، فالآية بصدد ردّ هذا النوع من التمثيل، وفي الحقيقة سلب التمثيل، أو سوق الموَمن إلى وصفه سبحانه بالاَسماء الحسنى والصفات العليا.

____________
1 ـ مجمع البيان:3|367.

===============

( 176 )

النحل
27

التمثيل السابع و العشرون


(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالاََرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ *فَلا تَضْرِبُوا للهِ الاََمْثالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَىْءٍ وَمن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً هَلْ يَستَوون الحمدُ للهِ بَلْ أَكْثَرهُمْ لا يَعْلَمُون ). (1)
تفسير الآيات
ندّد سبحانه بعمل المشركين الذين يعبدون غير الله سبحانه، بأنّ معبوداتهم لا تملك لهم رزقاً ولا نفعاً ولا ضراً، فكيف يعبدونها مع أنّها أشبه بجماد لا يرجى منها الخير والشر، وإنّما العبادة للاِله الرازق المعطى المجيب للدعوة ؟
هذا هو المفهوم من الآية الاَُولى.
ثمّ إنّه سبحانه يمثّل لمعبود المشركين والمعبود الحق بالتمثيل التالي:
افرض مملوكاً لا يقدر على شيء ولا يملك شيئاً حتى نفسه، فهو بتمام معنى الكلمة مظهر الفقر والحاجة، ومالكاً يملك الرزق ويقدر على التصرف فيه، فيتصرف في ماله كيف شاء وينعم كيف شاء. فهل هذان متساويان؟ كلاّ.

____________
1 ـ النحل:73ـ 75.

===============

( 177 )

وعلى ضوء ذلك تمثّل معبوداتهم الكاذبة مثل العبد الرق المملوك غير المالك لشىء، ومثله سبحانه كمثل المالك للنعمة الباذل لها المتصرف فيها كيف شاء.
وذلك لاَنّ صفة الوجود الاِمكاني ـ أي ما سوى الله ـ نفس الفقر والحاجة لا يملك شيئاً ولا يستطيع على شيء.
وأمّا الله سبحانه فهو المحمود بكلّ حمد والمنعم لكلّ شيء، فهو المالك للخلق والرزق والرحمة والمغفرة والاِحسان والاِنعام، فله كلّ ثناء جميل، فهو الربّ ودونه هو المربوب، فأيّهما يصلح للخضوع والعبادة؟
ويدل على ما ذكرنا انّه سبحانه حصر الحمد لنفسه، وقال: الحمد لله أي لا لغيره، فالحمد والثناء ليس إلاّ لله سبحانه، و مع ذلك نرى صحة حمد الآخرين بأفعالهم المحمودة الاختيارية، فنحمد المعطي بعطائه والمعلم لتعليمه والوالد لما يقوم به في تربية أولاده.
وكيفية الجمع انّ حمد هوَلاء تحميد مجازى، لاَنّ ما بذله المنعم أو المعلم أو الوالد لم يكن مالكاً له، وإنّما يملكه سبحانه فهو أقدرهم على هذه الاَعمال، فحمد هوَلاء يرجع إلى حمده وثنائه سبحانه، ولذلك صح أن نقول: إنّ الحمد منحصر بالله لا بغيره.ولذلك يقول سبحانه في تلك الآية: (وَالحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرهُمْ لا يَعْلَمُون ) أي الشكر لله على نعمه، يقول الطبرسي: وفيه إشارة إلى أنّ النعم كلّها منه. (1)

____________
1 ـ مجمع البيان:3|375.

===============

( 178 )

النحل
28

التمثيل الثامن والعشرون


(وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَىءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاَهُ أَينَمَا يُوَجّههُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقيم ). (1)
تفسير الآية
كان التمثيل السابق يبيّن موقف الآلهة الكاذبة بالنسبة إلى العبادة والخضوع وموقفه تبارك و تعالى حيالها، ولكن هذا التمثيل جاء لبيان موقف عبدة الاَصنام والمشركين وموقف الموَمنين والصادقين، فيشبّه الاَوّل بالعبد الاَبكم الذي لا يقدر على شيء، ويشبّه الآخر بإنسان حرّ يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم.
نفترض عبداً رِقاً له هذه الصفات :
أ: أبكم لا ينطق وبالطبع لا يسمع لما في الملازمة بين البكم وعدم السماع، بل الاَوّل نتيجة الثاني، فإذا عطل جهاز السمع يسري العطل إلى اللسان أيضاً، لاَنّه إذا فقد السمع فليس بمقدوره أن يتعلم اللغة.
ب: عاجز لا يقدر على شيء، ولو قلنا بإطلاق هذا القيد فهو أيضاً لا
____________
1 ـ النحل:76.

===============

( 179 )

يبصر، إذ لو أبصر لا يصح في حقّه انّه لا يقدر على شيء.
ج: (كَلّ على مولاه ) : أي ثقل ووبال على وليّه الذي يتولّى أمره.
د: (أَينما يُوجّهه لا يَأْتِ بِخَير ) لعدم استطاعته أن يجلب الخير، فلا ينفع مولاه، فلو أرسل إلى أمر لا يرجع بخير.
فهذا الرق الفاقد لكلّ كمال لا يرجى نفعه ولا يرجع بخير.
وهناك إنسان حرٌّ له الوصفان التاليان :
أ: يأمر بالعدل.
ب: وهو على صراط مستقيم.
أمّا الاَوّل، فهو حاك عن كونه ذا لسان ناطق، وإرادة قوية، وشهامة عالية يريد إصلاح المجتمع، فمثل هذا يكون مجمعاً لصفات عليا، فليس هو أبكمَ ولا جباناً ولا ضعيفاً ولا غير مدرك لما يصلح الاَُمة والمجتمع. فلو كان يأمر بالعدل فهو لعلمه به فيكون معتدلاً في حياته وعبادته ومعاشرته التي هي رمز الحياة.
وأمّا الثاني: أي كونه على صراط مستقيم، أي يتمتع بسيرة صالحة ودين قويم.
فهذا المثل يبيّن موقف الموَمن والكافر من الهداية الاِلهية، وقد أشار سبحانه إلى مغزى هذا التمثيل في آية أُخرى، وقال: (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلى الحَقِّ أحَقُّ أن يُتَّبَعَ أَمَّن لا يَهِدِّي إلاّ أن يُهَدى فَما لكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون ). (1)
هذا التفسير مبني على أنّ التمثيل بصدد بيان موقف الكافر والموَمن غير انّ هناك احتمالاً آخر، وهو انّ التمثيل تأكيد للتمثيل السابق وهو تبيين موقف الآلهة الكاذبة و الاِله الحق.

____________
1 ـ يونس:35.

===============

( 180 )

النحل
29

التمثيل التاسع والعشرون



(وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الاََ يْمَانَ بَعْدَ تَوكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُون * وَلا تَكُونُوا كالّتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوةٍ أَنكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمّةٌ هِي أَرْبى مِنْ أُمّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ وَلَيُبَيّننَّ لَكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون ). (1)
تفسير الآيات
التوكيد: التشديد، يقال أوكدها عقدك، أي شدّك، وهي لغة أهل الحجاز و"الاَنكاث": الاَنقاض، وكلّ شيء نقض بعد الفتح، فقد انكاث حبلاً كان أو غزلاً.
و"الدخل"ما أُدخل في الشيء على فساد، وربما يطلق على الخديعة، وإنّمااستعمل لفظ الدخل في نقض العهد، لاَنّه داخل القلب على ترك البقاء، وقد نقل عن أبي عبيدة، انّه قال: كلّ أمر لم يكن صحيحاً فهو دخل، وكلّ ما دخله عيب فهو مدخول.
هذا ما يرجع إلى تفسير لغات الآية وجملها.

____________
1 ـ النحل:91 ـ 92.

===============

( 181 )

وأمّا شأن نزولها فقد نقل عن الكلبي أنّها امرأة حمقاء من قريش كانت تغزل مع جواريها إلى انتصاف النهار، ثمّ تأمرهنَّ أن ينقضن ما غزلن ولا يزال ذلك دأبها، واسمها "ريطة" بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة، وكانت تسمّى فرقاء مكة. (1)
إنّ لزوم العمل بالميثاق من الاَُمور الفطرية التي جُبل عليها الاِنسان، ولذلك نرى أنّ الوالد إذا وعد ولده شيئاً، ولم يف به فسوف يعترض عليه الولد، وهذا كاشف انّ لزوم العمل بالمواثيق والعهود أمر فطر عليه الاِنسان.
ولذلك صار العمل بالميثاق من المحاسن الاَخلاقية التي اتّفق عليها كافة العقلاء.
وقد تضافرت الآيات على لزوم العمل به خصوصاً إذا كان العهد لله ، قال سبحانه: (وَأَوفُوا بِالعَهْدِ إِنَّ العَهْدَكانَ مَسْوَولاً ) (2)
وقال تعالى: (وَالّذِينَ هُمْ لاََماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُون ). (3)
وفي آية ثالثة: (وَأَوفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ). (4)
وفيما نحن فيه يأمر بشىء وينهى عن آخر.
أ: فيقول (أَوفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ) فيأمر بالوفاء بعهد الله ، أي العهود التي يقطعها الناس مع الله تعالى. ومثله العهد الذي يعهده مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) وأئمة المسلمين، فكلّ ذلك عهود إلهية وبيعة في طريق طاعة الله سبحانه.

____________
1 ـ الميزان:12|335.
2 ـ الاِسراء:34.
3 ـ الموَمنون:8.
4 ـ البقرة:40.

===============

( 182 )

ب: (وَلا تَنْقُضُوا الاََ يْمان بَعْد تَوكيدها ) فالاَيمان جمع يمين.
فيقع الكلام في الفرق بين الجملتين، والظاهر اختصاص الاَُولى بالعهود التي يبرمها مع الله تعالى، كما إذا قال: عاهدت الله لاَفعلنّه، أو عاهدت الله أن لا أفعله.
وأمّا الثانية فالظاهر انّ المراد هو ما يستعمله الاِنسان من يمين عند تعامله مع عباد الله .
وبملاحظة الجملتين يعلم أنّه سبحانه يوَكد على العمل بكلّ عهد يبرم تحت اسم الله ، سواء أكان لله سبحانه أو لخلقه.
ثمّ إنّه قيّد الاَيمان بقوله: بعد توكيدها، وذلك لاَنّ الاَيمان على قسمين: قسم يطلق عليه لقب اليمين،بلا عزم في القلب وتأكيد له، كقول الاِنسان حسب العادة والله وبالله .
والقسم الآخر هو اليمين الموَكد، وهو عبارة عن تغليظه بالعزم والعقد على اليمين، يقول سبحانه: (لاَ يُوََاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُوََاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الاََ يْمان ). (1)
ثمّ إنّه سبحانه يعلّل تحريم نقض العهد، بقوله: (وَقَد جَعَلتم الله علَيكم كفيلاً انّ الله يعلم ما تَفْعلون ) أي جعلتم الله كفيلاً بالوفاء فمن حلف بالله فكأنّه أكفل الله بالوفاء.
فالحالف إذا قال: والله لاَفعلنّ كذا، أو لاَتركنّ كذا، فقد علّق ما حلف عليه نوعاًمن التعليق على الله سبحانه، وجعله كفيلاً عنه في الوفاء لما عقد عليه

____________
1 ـ المائدة:89.

===============

( 183 )

اليمين، فإن نكث ولم يفِ كان لكفيله أن يوَدبه، ففي نكث اليمين، إهانة وإزراء بساحة العزة.
ثمّ إنّه سبحانه يرسم عمل ناقض العهد بامرأة تنقض غزلها من بعد قوة أنكاثاً، قال: (وَلاتَكُونُوا كَالّتى نَقَضَت غزلها مِنْ بعْدل قُوّة أنكاثاً ) مشيراً إلى المرأة التي مضى ذكرها و بيان عملها حيث كانت تغزل ما عندها من الصوف والشعر، ثمّ تنقض ما غزلته، وقد عرفت في قوله بـ"الحمقاء" فكذلك حال من أبرم عهداً مع الله وباسمه ثمّ يقدم على نقضه، فعمله هذا كعملها بل أسوأ منها حيث يدل على سقوط شخصيته وانحطاط منزلته.
ثمّ إنّه سبحانه يبين ما هو الحافز لنقض اليمين، ويقول إنّ الناقض يتخذ اليمين واجهة لدخله وحيلته أوّلاً ، ويبغي من وراء نقض عهده ويمينه أن يكون أكثر نفعاً ممّا عهد له ولصالحه ثانياً، يقول سبحانه: (تَتَّخذون أيمانكم دخلاً بينكم أن تكون أُمّة هي أربى من أُمّة ) فقوله "أربى" من الربا بمعنى الزيادة، فالناقض يتخذ أيمانه للدخل والغش، ينتفع عن طريق نقض العهد وعدم العمل بما تعهد، ولكن الناقض غافل عن ابتلائه سبحانه، كما يقول سبحانه: (إنّما يبلوكم الله به وليبيّننَّ لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون ).
أي انّ ذلك امتحان إلهي يمتحنكم به، وأقسم ليبيّنن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون فتعلمون عند ذلك حقيقة ما أنتم عليه اليوم من التكالب على الدنيا وسلوك سبيل الباطل لاِماطة الحق، ودحضه ويتبين لكم يومئذ من هو الضال و من هوا لمهتدي. (1)

____________
1 ـ الميزان:12|336.

===============

( 184 )

النحل
30

التمثيل الثلاثون


(وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللهِ فأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الجُوعِ والْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُون * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظالِمُون ).(1)
تفسير الآيات
"رغد" عيش رغد ورغيد: طيّب واسع، قال تعالى: (وكلا منها رغداً ).
يصف سبحانه قرية عامرة بصفات ثلاث:
أ: آمنة: أي ذات أمن يأمن فيها أهلها لا يغار عليهم، ولا يُشنُّ عليهم بقتل النفوس وسبي الذراري ونهب الاَموال، وكانت آمنة من الحوادث الطبيعية كالزلازل والسيول.
ب: مطمئنة: أي قارّة ساكنة بأهلها لا يحتاجون إلى الانتقال عنها بخوف أو ضيق، فانّ ظاهرة الاغتراب إنّما هي نتيجة عدم الاستقرار، فترك الاَوطان وقطع الفيافي وركوب البحار وتحمّل المشاق رهن عدم الثقة بالعيش الرغيد فيه، فالاطمئنان رهن الاَمن.

____________
1 ـ النحل:112ـ113.

===============

( 185 )

ج: (يأتيها رزقها رغداً من كلّ مكان )، الضمير في يأتيها يرجع إلى القرية، والمراد منها حاضرة ما حولها من القرى، والدليل على ذلك، قوله سبحانه حاكياً عن ولد يعقوب: (وَاسئلِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ التِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنّا لَصادِقُون). (1) والمراد من القرية هي مصر الحاضرة الكبيرة يومذاك.
وعلى ذلك فتلك القرية الواردة في الآية بما انّها كانت حاضرة لما حولها من الاَصقاع فينقل ما يزرع ويحصد إليها بغية بيعه أو تصديره.
هذه الصفات الثلاث تعكس النعم المادية الوافرة التي حظيت بها تلك القرية.
ثمّ إنّه سبحانه يشير إلى نعمة أُخرى حظيت بها وهي نعمة معنوية، أعنيبعث الرسول إليها، كماأشار إليه في الآية الثانية، بقوله: (وَلَقد جاءهُمْ رسول منهم).
وهوَلاء أمام هذه النعم الظاهرة والباطنة بدل أن يشكروا الله عليها كفروا بها.
أمّا النعمة المعنوية، أعني: الرسول فكذّبوه ـ كما هو صريح الآية الثانية ـ وأمّا النعمة المادية فالآية ساكتة عنها غير انّ الروايات تكشف لنا كيفية كفران تلك النعم.
روى العياشي، عن حفص بن سالم، عن الاِمام الصادق (عليه السلام ) ، أنّه قال: "إنّ قوماً في بني إسرائيل توَتى لهم من طعامهم حتى جعلوا منه تماثيل بمدن كانت في بلادهم يستنجون بها، فلم يزل الله بهم حتى اضطروا إلى التماثيل يبيعونها

____________
1 ـ يوسف:82.

===============

( 186 )

ويأكلونها، وهو قول الله : (ضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون " ). (1)
وفي رواية أُخرى عن زيد الشحّام، عن الصادق (عليه السلام ) قال: كان أبي يكره أن يمسح يده في المنديل وفيه شيء من الطعام تعظيماً له إلاّ أن يمصّها، أو يكون إلى جانبه صبيّ فيمصّها، قال: فانّي أجد اليسير يقع من الخوان فأتفقده فيضحك الخادم، ثم قال: إنّ أهل قرية ممّن كان قبلكم كان الله قد وسع عليهم حتى طغوا، فقال بعضهم لبعض: لو عمدنا إلى شيء من هذا النقي فجعلناه نستنجي به كان ألين علينا من الحجارة.
قال (عليه السلام ) : فلمّا فعلوا ذلك بعث الله على أرضهم دواباً أصغر من الجراد، فلم تدع لهم شيئاً خلقه الله إلاّ أكلته من شجر أو غيره، فبلغ بهم الجهد إلى أن أقبلوا على الذي كانوا يستنجون به، فأكلوه وهي القرية التي قال الله تعالى: (ضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ). (2)
وبذلك يعلم أنّ ما يقوم به الجيل الحاضر من رمي كثير من فتات الطعام في سلة المهملات أمر محظور وكفران بنعمة الله . حتى أنّ كثيراً من الدول وصلت بها حالة البطر بمكان انّها ترمي ما زاد من محاصيلها الزراعية في البحار حفظاً لقيمتها السوقية، فكلّ ذلك كفران لنعم الله .
ثمّ إنّه سبحانه جزاهم في مقابل كفرهم بالنعم المادية والروحية، وأشار
____________
1 ـ تفسير نور الثقلين:3|91، حديث 247.
2 ـ تفسير نور الثقلين: 3|92، حديث 248.

===============

( 187 )

إليها بآيتين:
الاَُولى: (فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ).
الثانية: (فَأخذهم العذاب وهم ظالمون ).
فلنرجع إلى الآية الاَُولى، فقد جزاهم بالجوع والخوف نتيجة بطرهم.
وهناك سوَال مطروح منذ القدم وهو أنّه سبحانه جمع في الآية الاَُولى بين الذوق واللباس، فقال: (فَأَذاقَهَا الله لِباسَ الجُوعِ ) مع أنّ مقتضى استعمال الذوق هو لفظ طعم، بأن يقول: "فأذاقها الله طعم الجوع".
ومقتضى اللفظ الثاني أعني: اللباس، أن يقول: "فكساهم الله لباس الجوع" فلماذا عدل عـن تلك الجملتين إلى جملة ثالثــة لا صلـة لها ـ حسب الظاهر ـ بين اللفظين؟
والجواب: انّ للاِتيان بكلّ من اللفظين وجهاً واضحاً.
أمّا استخدام اللباس فلبيان شمول الجوع والخوف لكافة جوانب حياتهم، فكأنّ الجوع والخوف أحاط بهم من كلّ الاَطراف كإحاطة اللباس بالملبوس، ولذلك قال: (لباس الجوع والخوف ) ولم يقل "الجوع والخوف" لفوت ذلك المعنى عند التجريد عن لفظ اللباس.
وأمّا استخدام الذوق فلبيان شدة الجوع، لاَنّ الاِنسان يذوق الطعام ،وأمّا ذوق الجوع فانّما يطلق إذا بلغ به الجوع والعطش و الخوف مبلغاً يشعر به من صميم ذاته، فقال: (فَأَذاقَهُمُ الله لِباس الجوع والخَوف ).
هذا ما يرجع إلى تفسير الآية، و أمّا ما هو المرادمن تلك القرية بأوصافها الثلاثة، فقد عرفت من الروايات خصوصياتها.

===============

( 188 )

نعم ربما يقال بأنّ المراد أهل مكة، لاَنّهم كانوا في أمن وطمأنينة ورفاه، ثمّ أنعم الله عليهم بنعمة عظيمة وهي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم ) فكفروا به وبالغوا في إيذائه، فلا جرم أن سلط عليهم البلاء.
قال المفسرون: عذّبهم الله بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام.
وأمّا الخوف، فهو انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) كان يبعث إليهم السرايا فيغيرون عليهم.
ويوَيد ذلك الاحتمال ما جاء من وصف أرض مكة في قوله: (أَوَ لَمْ نُمَكّن لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلّ شَىْءٍ ). (1)
ومع ذلك كلّه فتطبيق الآية على أهل مكة لا يخلو من بُعد.
أمّا أوّلاً: فلاَنَّ الآية استخدمت الاَفعال الماضية مما يشير إلى وقوعها في الاَزمنة الغابرة.
وثانياً: لم يثبت ابتلاء أهل مكة بالقحط والجوع على النحو الوارد في الآية الكريمة، وان كان يذكره بعض المفسرين.
وثالثاً: انّ الآية بصدد تحذير المشركين من أهل مكة من مغبّة تماديهم في كفرهم،والسورة مكية إلاّ آيات قليلة، ونزولها فيها يقتضي أن يكون للمثل واقعية خارجية وراء تلك الظروف، لتكون أحوال تلك الاَُمم عبرة للمشركين من أهل مكة و ما والاها.

____________
1 ـ القصص:57.

===============




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 200

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 9077851

  • التاريخ : 27/09/2020 - 22:48

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net