سورة آل عمران من آية (1 - 9 ) 

الكتاب : تفسير كنز الدقائق ( الجزء الثاني )   ||   القسم : كتب في تفسير القرآن   ||   القرّاء : 1241

تفسير كنز الدقائق

المفسر الكبير العالم العارف الميرزا محمد المشهدي

 ابن محمد رضا بن اسماعيل بن جمال الدين القمي

المتوفى حدود دعام 1125 ه‍

الجزء الثاني

[8]

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدو آله الطيبين الطاهرين.

إن هذا الكتاب هو الجزء الثاني من تفسير كنز الدقائق الذي اعتمدنا في أكثر موارده على نسخة خطية تفضل علينا بها مدير مكتبة مجلس الشورى الاسلامي سماحة الفضيلة الاخ عبدالحسين الحائري زيدت إفاضاته، والتي تمتاز بمميزات قيمة منها تقريظ لآية الله العظمى آقا جمال الخوانساري وتقريظ للعلامة المجلسي - قدس سر هما - ومنها توضيحات من نفس المؤلف - رحمه الله -.

وقد اشير في الجزء الاول إلى هذين التقريظين قبل عثورنا على هذه النسخة، ولذلك ارتأينا درج صورتها في هذا الجزء، واللتان وقعت إحداهما في أول النسخة والاخرى في ظهر الصفحة الاخيرة (آخر سورة الكهف).

وأخيرا نشكر الاخوة من أهل الفضل والتحقيق سيما الشيخ علي أكبر الاحمدي وأبوجعفر الكعبي والحاج محي الدين الواعظي ونجاح موسى عيسى الذين بذلوا جهدهم في تحقيق هذا الكتابب ومقابلته سائلين الله سبحانه لهم ولنا التوفيق إنه خير موفق ومعين.

[9]

سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم

[ الم(1) الله لا إله إلا هوالحى القيوم(2) نزل عليك الكتب بالحق مصدقا لمابين يديه وأنزل التورة والانجيل(3) ]

في كتاب ثواب الاعمال: بإسناده إلى أبي عبدالله (عليه السلام) قال: من قرأ البقرة وآل عمران جاء‌تا يوم القيامة تظلانه على رأسه مثل الغمامتين أو مثل الغيايتين(1)(2).

الم: قد مر بعض إشاراته في أول سورة البقرة.

وفي كتاب معاني الاخبار: بإسناده إلى سفيان بن سعيد الثوري، عن الصادق (عليه السلام) حديث طويل يقول فيه (عليه السلام): وأما " الم " في أول آل عمران فمعناه: أنا الله المجيد(3).

وفي تفسير العياشي: خيثمة الجعفي، حدثني أبولبيد المخزومي قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): يا أبا لبيد إنه يملك من ولد العباس اثنا عشرة، يقتل بعد الثامن منهم أربعة تصيب أحدهم الذبحة فتذبحه، هم فئة قصيرة أعمارهم، قليلة

___________________________________

(1) الغيابة بالغين المعجمة واليائين المثناتين من تحت، كل شئ أظل الانسان من فوق رأسه، مثل السحابة والظل، وفي الحديث تجئ البقرة وآل عمران يوم القيامة كأنهما غمامتان او غيايتان، لسان العرب: ج 1 ص 144.

(2) ثواب الاعمال: ص 130 ثواب من قرأ سورة البقرة وآل عمران ح 1.

(3) معاني الاخبار: ص 22 باب معنى الحروف المقطعة في أوائل السور من القرآن ح 1. (*)

[10]

مدتهم، خبيثة سيرتهم، منهم الفويسق الملقب بالهادي، والناطق، والغاوي.

يا أبا لبيد إن في حروف القرآن المقطعة لعلما جما، إن الله تبارك وتعالى أنزل: " ألم ذلك الكتاب " فقام محمد (صلى الله عليه وآله) حتى ظهر نوره، وثبتت كلمته، وولد يوم ولد وقد مضى من الالف السابع مائة سنة وثلاث سنين، ثم قال: وتبيانه في كتاب الله في الحروف المقطعة إذا عددتها من غير تكرار.

وليس من حروف مقطعة حرف ينقضي أيام، إلا وقائم من بني هاشم عند انقضائه.

ثم قال: الالف واحد واللام ثلاثون والميم أربعون والصاد تسعون، فذلك مائة واحدى وستون، ثم كان بدو خروج الحسين بن علي (عليه السلام) " الم الله "، فلما بلغت مدته قام قائم ولد العباس عند " المص "، ويقوم قائمنا عند النقضائها ب‍ " الر " فافهم ذلك وعه واكتمه(1).

وإنما فتح الميم في المشهورة، وكان حقها أن يوقف عليها لالقاء حركة الهمزة عليها، ليدل على أنها في حكم الثابت، لانها اسقطت للتخفيف لا للدرج، فإن الميم في حكم الوقف كقولهم: واحد اثنان، لا لالتقاء الساكنين، فإنه غير محذور في باب الوقف، ولذلك لم يحرك [ الميم ] في لام.

وقرئ بكسرها على توهم التحريك لالتقاء الساكنين. وقرأ أبوبكر بسكونها والابتداء بما بعدها على الاصل.

الله لا إله إلا هوالحى القيوم: قد مسر تفسيره فلا حاجة إلى تكريره.

نزل عليك الكتب: أي القرآن منجما.

بالحق: بالعدل، أو بالصدق في إخباره، أو بالحجج المحققة أنه من عندالله.

وهو في موضع الحال عن المفعول. مصدقا لما بين يديه: من الكتب.

وأنزل التورة والانجيل: جملة على موسى وعيسى.

في اصول الكافي: علي بن إبراهيم، عن أبيه ومحمد بن القاسم، عن محمد بن * (هامش)(1) تفسير العياشي: ج 2 ص 3 ح 3. (*)

[11]

[ من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بايت الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذوانتقام(4) ] سليمان، عن داود، عن حفص بن غياث، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: نزل القرآن جملة واحدة في شهر رمضان إلى البيت المعمور، ثم نزل في طول عشرين سنة، ثم قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من شهر رمضان، وانزلت التوراة لست مضين من شهر رمضان، وانزل الانجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، وانزل الزبور لثمان عشرة خلون من شهر رمضان، وانزل القرآن في ثلاث وعشرين من شهر رمضان(1).

وفي الكافي: محمد بن يحيى، عن احمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: انزلت التوراة في ست مضت من شهر رمضان، ونزل الانجيل في إثني عشر ليلة من شهر رمضان، وانزل الزبور في ليلة ثمان عشرة مضت من شهر رمضان، وانزل القرآن في ليلة القدر(2).

قيل: التوراة مشتقة من الورى الذي هو إخراج النار من الزناد(3) سمي بها لاخراج نوالعلم منه.

والانجيل من النجل بمعنى الولد، سمي به لانه يتولد منه النجاة.

ووزنهما تفعلة وافعيل، وهو تعسف، لانهما اسمان أعجميان، ويؤيد ذلك أنه قرئ الانجيل بفتح الهمزة، وهو ليس من أبنية العرب. من قبل: تنزيل القرآن.

___________________________________

(1) الكافي: ج 2 ص 628 - 629، كتاب فضل القرآن، باب النوادر، ح 6.

(2) لم نعثر عليه في الكافي، ووجدناه في نور الثقلين: ج 1 في ذيل هذه الآية ح 10 نقلا عن الكافي.

(3) الزند والزنده: خشبتان يستقدح بهما، فالسفلى زندة. والاعلى زند، ابن سيدة: الزند العود الاعلى الذي يفتدح به النار، والجمع أزندو أزنادو زنودو أزاند جمع الجمع. لسان العرب: ج 3 ص 195 لغة زند. (*)

[12]

هدى للناس: أي لكل من انزل إليه.

وأنزل الفرقان: قيل: يريد به جنس الكتب الالهية، فإنها فارقة بين الحق والباطل، ذكر ذلك بعد الكتب الثلاثة، ليعم ما عداها أو القرآن، وكرر ذكره بما هو نعت له مدحا وتعظيما وإظهارا لفضله، من حيث إنه يشركهما في كونه وحيا منزلا، ويتميز بأنه معجز يفرق به بين المحق والمبطل، أو المعجزات.

ويحتمل أن يكون المراد به محكمات القرآن، أفردها لزيادة شرفها ونفعها.

وفي اصول الكافي: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن سنان أو غيره، عمن ذكره قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن القرآن والفرقان، أهما شيئان أو شئ واحد؟ فقال (عليه السلام): القرآن جملة الكتاب، والفرقان المحكم الواجب العمل به(1).

وفي تفسير العياشي: عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله: " الم الله لا اله هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والانجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان " قال: هو لكل أمرمحكم، والكتاب هو جملة القرآن الذي يصدق فيه من كان قبله من الانبياء(2).

وفي تفسير علي بن ابراهيم: حدثني أبي، عن النضربن سويد، عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله (عليه السلام) ورويه مثل مافي تفسير العياشي(3).

وفي كتاب علل الشرائع: باسناده إلى أبي عبدالله (عليه السلام) أنه سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال له: سمي الفرقان فرقانا لانه متفرق الآيات والسور، أنزلت في غير الالواح وغيره من الصحف والتوارة والانجيل والزبور انزلت كلها جملة في الالواح والورق(4) والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

___________________________________

(1) الكافي: ج 2 ص 630 كتاب فضل القرآن، باب النوادر، ح 11.

(2) تفسير العياشي: ج 1 ص 162 ح 1 مع اختلاف يسير.

(3) تفسير القمي: ج 1 ص 96، في تفسير قوله تعالى: " الم الله لا إله إلا هو " الآية وتفسير العياشي: ج 1 ص 162 ح 1.

(4) علل الشرائع: ص 470 باب النوادر ح 33. (*)

[13]

[ إن الله لا يخفى عليه شئ في الارض ولافى السمآء(5) هوا الذى يصوركم في الارحام كيف يشآء لا إله إلا هوالعزيز الحكيم(6) هو الذى أنزل عليك الكتب منه‌ء‌ايت محكمت هن أم الكتب وأخر متشبهت فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشبه منه ابتغا الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والرسخون في العلم يقولون ء‌امنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أو لوا الالبب(7) ].

وفي الصحيفة السجادية في دعائه (عليه السلام) عند ختم القرآن: و (فرقانا فرقت به بين حلالك وحرامك، وقرآنا أعربت به عن شرائع أحكامك)(1).

إن الذين كفروا بايت الله: من كتب منزلة كانت أو غيرها.

لهم عذاب شديد: بسبب كفرهم، ولاشك أن أميرالمؤمنين (عليه السلام) من أعظم آيات الله، والكافرين به والمنكرين لحقه " لهم عذاب شديد ".

والله عزيز: غالب لا يمنع من التعذيب.

ذوانتقام: تنكيره للتعظيم، أي انتقام لا يقدر مثله أحد، ولا يعرف كنهه أحد.

والنقمة: عقوبة المجرم، والفعل منه نقم بالفتح والكسر، وهو وعيدجئ به بعد تقرير التوحيد وإنزال الكتب والآيات لمن أعرض عنها.

إن الله لا يخفى عليه شئ: كليا كان أو جزئيا، إيمانا أو كفرا.

في الارض ولافى السمآء: خصصهما، إذ الحسن لا يتجاوزهما، وقدم الارض ترقيا من الادني إلى الاعلى، ولان المقصود ما اقترف فيها.

___________________________________

(1) الصحيفة السجادية: دعاء 42 دعاؤه (عليه السلام) عند ختم القرآن. (*)

[14]

هو الذي يصوركم في الارحام: وهذا رد على ما ذهب إليه بعض الحكماء من وجود القوة المصورة، وقرئ " تصوركم " أي صوركم لنفسه وعبادته.

كيف يشآء: من الصور المختلفة، مشابها لصورة أبيه أولا.

وفي كتاب علل الشرائع: بإسناده إلى جعفر بن بشير، عن رجل، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إن الله تبارك وتعالى إذا أراد أن يخلق خلقا جمع كل صورة بينه وبين أبيه إلى آدم ثم خلقه على صورة أحدهم، فلا يقولن أحد هذا لا يشبهني ولا يشبه شيئا من آبائي(1).

وفي الكافي: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن نوح بن شعيب، رفعه عن عبدالله ابن سنان، عن بعض أصحابه، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أتى رجل من الانصار رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: هذه ابنة عمي وامرأتي، لا أعلم منها إلا خيرا، وقد أتتني بولد شديد السواد، منتشر المنخرين، جعد قطط، أفطس الانف، لا أعرف شبهه في أخوالي ولافي أجدادي، فقال لا مرأته: ما تقولين؟ قالت: لا والذي بعثك بالحق نبيا ما أقعدت مقعده مني منذ ملكنى أحدا غيره، قال: فنكس رسول الله (صلى الله عليه وآله)، مليا، ثم رفع بصره إلى السماء، ثم أقبل على الرجل فقال: يا هذا أنه ليس من أحد إلا بينه وبين آدم تسعة وتسعين عرقا كلها تضرب في النسب، فإذا وقعت النطفة في الرحم اضطربت تلك العروق تسأل الشبه لها، فهذا من تلك العروق التي لم يدركها أجدادك، ولا أجداد أجدادك، خذ إليك ابنك، فقالت المرأة: فرجت عني يا رسول الله(2).

محمد بن يحيى، وغيره، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن إسماعيل بن عمر، وعن شعيب العقر قوفي، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إن للرحم أربع سبل، في أي سبيل فيه الماء كان منه الولد،

___________________________________

(1) علل الشرائع: ج 1 ص 97 الباب 93 العلة التي من أجلها لا يجوز أن يقول الرجل لولده هذا لا يشبهني ولا يشبه آبائي ح 1.

(2) الكافي: ج 5 ص 561 - 562 كتاب النكاح، باب النوادر، ح 23. (*)

[15]

واحد واثنان وثلاث وأربع ولا يكون إلى سبيل أكثر من واحد(1).

علي بن محمد، رفعه، عن محمد بن حمران، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: ان الله عزوجل خلق للرحم أربعة أو عية فما كان في الاول فللاب، وما كان في الثاني فللام، وما كان في الثالث فللعمومة، وما كان في الرابع فللخؤولة(2). وذلك التصوير بعد مكث النطفة في الرحم أربعين يوما.

يدل عليه ما رواه في كتاب علل الشرائع: بإسناده إلى محمد بن عبدالله بن زرارة، عن علي بن عبدالله، عن أبيه، عن جده، عن أميرالمؤمنين (عليه السلام) قال: تعتلج(3) النطفتان في الرحم، فأيتها كانت أكثر، جاء‌ت تشبهها، فإن كانت نطفة المرأة أكثر جاء‌ت تشبه أخواله، وإن كانت نطفة الرجل أكثر جاء‌ت تشبه أعمامه، وقال: تحول النطفة في الرحم أربعين يوما، فمن أراد أن يدعوالله عزوجل ففي تلك الاربعين قبل أن يخلق، ثم يبعث الله عزوجل ملك الارحام فيأخذها، فيصعد بها إلى الله عزوجل فيقف منه ماشاء الله، فيقول: يا إلهي أذكر أم أنثى؟ فيوحي الله عزوجل ما يشاء(4) والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

لآإله إلاهو: إذ لا يعلم، ولا يفعل وجملة مايعلمه، ولا يقدر أن يفعل مثل ما يفعله، غيره.

العزيز الحكيم: إشارة إلى كما قدرته، وتناهي حكمته.

قال البيضاوي: قيل: هذا احتجاج على من زعم أن عيسى كان ربا، فإن وفد بني نجران لما حاجوا فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) نزلت السورة من أولها إلى نيف وثمانين آية، تقريرا احتج به عليهم وأجاب عن شبههم(5).

___________________________________

(1) الكافي: ج 6 ص 16 - 17 كتاب العقيقة، باب أكثر ما تلد المرأة، ح 1.

(2) الكافي: ج 6 ص 117 كتاب العقيقة، باب أكثر ما تلد المرأة، ح 2.

(3) اعتلج القوم اتخذوا صراعا وقتالا، وفي الحديث: إن الدعاء ليلقي البلاء فيعتلجان، اي يتصارعان (لسان العرب: ج 2 ص 326 لغة علج).

(4) علل الشرائع: ج 1 ص 89 الباب 85 علة النسيان والذكر، وعلة شبه الرجل بأعمامه وأخواله، ح 4.

(5) تفسير أنوار التنزيل وأسرار التأويل: ج 1 ص 149، في تفسير قوله تعالى " هو الذي يصوركم " الآية.(*)

[16]

هو الذى أنزل عليه الكتب منه‌ء‌ايت محكمت: احكمت عبارتها، بأن حفظت من الاجمال والاشتباه.

هن أم الكتب: أصله، يرد إليها غيرها، والقياس (امهات) فأفرد على تأويل واحدة، أعلى أن الكل بمنزلة آية واحدة.

وأخر متشبهت: محتملات، لا يتضح مقصودها، لاجمال، أو مخالفة ظاهر.

والعلة في ذلك ما رواه في كتاب الاحتجاج عن أميرالمؤمنين (عليه السلام) في حديث طويل، وفيه يقول: ثم إن الله جل ذكره لسبقة رحمته، ورأفته بخلقه، وعلمه بما يحدثه المبدلون من تغيير كلامه، قسم كلامه ثلاثة أقسام، فجعل قسما منه يعرفه العالم والجاهل، وقسما لا يعرفه إلا من صفا ذهنه ولطف حسه وصح تميزه ممن شرح الله صدره للاسلام، وقسما لا يعرفه إلا الله وأنبياؤه والراسخون في العلم.

وإنما فعل ذلك لئلا يدعي أهل الباطل من المستولين على ميراث رسول الله (صلى الله عليه وآله) من علم الكتاب ما لم يجعله الله لهم، وليقودهم الاضطرار إلى الائتمار لمن ولاه أمرهم فاستكبروا عن طاعته تعززا وافتراء على الله، واغترارا بكثرة من ظاهرهم وعاونهم وعاند الله جل اسمه ورسوله (صلى الله عليه واله)(1)، واعلم أن قسمين مما ذكر في الخبر داخل في المحكم المذكور في الآية.

وأما قوله: " كتاب احكمت اياته " فمعناه: أنها حفظت من فساد المعنى وركاكة اللفظ.

وقوله: " كتابا متشابها " فمعناه يشبه بعضه بعضا في صحة المعنى وجزالة اللفظ.

و " اخر " جمع اخري: ولم ينصرف، لانه وصف معدول من الاخر ولا يلزم معرفته، لان معناه: ان القياس أن يعرف، لانه معرف المعنى، أو من آخر من بهذا المعنى.

في أصول الكافي: الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن أورمة،

___________________________________

(1) الاحتجاج: ج 1 ص 253 احتجاجه (عليه السلام) على زنديق جاء مستدلا عليه بآي من القرآن متشابهة تحتاج إلى التأويل وفيه لسعة رحمته. (*)

[17]

عن علي بن حسان، عن عبدالرحمن بن كثير، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في قوله تعالى: " هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ام الكتاب " قال: أميرالمؤمنين (عليه السلام) والائمة (عليهم السلام، " واخر متشابهات " قال: فلان وفلان(1)، وللحديث تتمة أخذت منه موضع الحاجة.

فأما الذين في قلوبهم زيغ: ميل عن الحق وعدول.

فيتبعون ما تشبه منه: بظاهره، أو بتأويل غير منقول عن النبي (صلى الله عليه وآله) والائمة (عليهم السلام)، أو فلان وفلان.

ابتغآء الفتنة: طلب أن يفتتنوا أنفسهم والناس عن دينهم.

وفي مجمع البيان: قيل: المراد بالفتنة هنا الكفر، وهو المروي عن أبي عبدالله (عليه السلام)(2).

وابتغآء تأويله: طلب ان يأولوه على ما يشتهونه.

قيل: يحتمل أن يكون الداعي إلى الاتباع مجموع الطلبتين، أو كل واحدة منهما على التعاقب، والاول يناسب المعاند، والثاني يلائم الجاهل.

وفي تفسير علي بن ابراهيم: حدثنا محمد بن أحمد بن ثابت، قال: حدثنا الحسن ابن أحمد بن سماعة، عن وهب بن جعفر، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إن القرآن زاجر وآمر، يأمر بالجنة ويزجر عن النار، وفيه محكم ومتشابه، فأما المحكم فيؤمن به ويعمل به.

وأما المتشابه فيؤمن به ولا يعمل به وهو قول الله: " وأما الذين " وقرأ إلى " كل من عند ربنا "، وقال: آل محمد الراسخون في العلم(3).

وما يعلم تأويله: أي الذي يجب أن يحمل عليه.

___________________________________

(1) الكافي: ج 1 ص 414 - 415 كتاب الحجة، باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية، قطعة من ح 14.

(2) مجمع البيان: ج 2 ص 410 سورة آل عمران.

(3) لم نعثر عليه في تفسير علي بن ابراهيم ووجدناه في تفسير العياشي: ج 1 ص 162 ح 4. (*)

[18]

إلا الله والرسخون في العلم: أي الذين ثبتوا وتمكنوا فيه.

وفي تتمة الحديث السابق، أن الراسخين في العلم أميرالمؤمنين والائمة (عليهم السلام)(1).

وفي كتاب معاني الاخبار: بإسناده إلى محمد بن قيس قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يحدث أن حييا وأبا ياسر ابني أخطب ونفرا من يهود أهل نجران أتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا له: أليس فيما تذكر فيما أنزل الله عليك " الم "؟ قال: بلى.

قالوا: أتاك بها جبرائيل من عندالله تعالى؟ قال: نعم.

قالوا: لقد بعثت أنبياء قبلك، وما نعلم نبيا منهم أخبرنا مدة ملكه وما أجل امته غيرك.

قال: فاقبل حيي بن أخطب على أصحابه فقال لهم: الالف واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون.

فهذه إحدى وسبعون سنة، فعجب ممن يدخل في دين مدة ملكه وأجل امته إحدى وسبعون سنة ! قال: ثم أقبل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال له: يامحمد هل مع هذا غيره؟ قال: نعم قال: هاته.

قال: " المص ".

قال: هذه أثقل وأطول، (الالف) واحد، و (اللام) ثلاثون، و (الميم) أربعون، و (الصاد) تسعون، فهذه مائة واحدى وستون سنة.

ثم قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله): فهل مع هذا غيره؟ قال: نعم. قال: هاته.

قال (صلى الله عليه وآله): " الر " قال: هذه أثقل وأطول، (الالف) واحد، و (اللام) ثلاثون، و (الراء) مائتان، [ ثم قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ]: فهل مع هذا غيره؟ قال: نعم.

قال: هاته. قال: " المر ".

قال: هذه أثقل وأطول، (الالف) واحد، و (اللام) ثلاثون، و (الميم) أربعون، و (الراء) مائتان، ثم قال له: هل مع هذا غيره؟ قال: نعم.

قالوا: قد التبس علينا أمرك، فما ندري ما اعطيت ! ثم قاموا عنه، ثم قال أبو ياسر للحيي أخيه: ما يدريك لعل محمدا قد جمع له هذا كله وأكثر منه.

قال: فذكر أبوجعفر (عليه السلام) ان هذه الآيات انزلت فيهم: " منه آيات

___________________________________

(1) لم نعثر عليه في تفسير علي بن ابراهيم ووجدناه في تفسير العياشي: ج 1 ص 162 ح 2. (*)

[19]

محكمات هن ام الكتاب واخر متشابهات " قال: وهي تجري في وجه آخر [ على ] غير تأويل حيي وأبي ياسر وأصحابهما(1).

أقول: وهذا الوجه هو مامر من أن المراد بالمحكمات والمتشابهات الائمة وأعدائهم.

وبعضهم وقفوا على (الله) وفسروا المتشابه بما استأثره بعمله.

يقولون ء‌امنا به: استئناف موضح لحال الراسخين، أو حال منهم، أو خبر، إن جعلته مبتدأ.

كل من عند ربنا: أي كل من المحكم والمتشابه من عنده.

وعلى كون المراد بالمتشابه فلان وفلان، كونه من عنده بمعنى خلقه له وعدم جبره على الاهتداء، كما هو طريقة الابتلاء والتكليف.

وما يذكر إلآ أولوا الالبب: مدح للراسخين، أو لمن يتذكر أن العالم بالمتشابه لا يكون غير الراسخين الذين هم الائمة.

روى محمد بن يعقوب، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر ابن سويد، عن أيوب بن الحر، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: نحن الراسخون في العلم، ونحن نعلم تأويله(2).

ويؤيد ما رواه أيضا، عن علي بن محمد، عن عبدالله بن علي، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبدالله بن حماد، عن بريد بن معاوية، عن أحدهما (عليهما السلام) في قول الله عزوجل: " وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم " قال: فرسول الله (صلى الله عليه وآله) أفضل الراسخين في العلم، وقد علمه الله عزوجل جميع ما أنزل عليه من التنزيل والتأويل، وما كان [ الله ] لينزل عليه شيئا لم يعلمه تأويله، وأوصياؤه من بعده يعلمونه كله(3) وكيف لا يعلمونه، ومنهم مبدأ العلم وإليهم

___________________________________

(1) معاني الاخبار: ص 23 باب معنى الحروف المقطعة في أوائل السور من القرآن ح 3.

(2) الكافي: ج 1 ص 213، كتاب الحجة، باب ان الراسخين في العلم هم الائمة (عليهم السلام)، ح 1.

(3) الكافي: ج 1 ص 213، كتاب الحجة، باب ان الراسخين في العلم هم الائمة (عليهم السلام)، ح 2. (*)

[20]

منتهاه، وهم معدنه وقراره ومأواه.

وبيان ذلك ما رواه الشيخ محمد بن يعقوب، عن علي بن أبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن عبدالله بن سليمان، عن حمران بن أعين [ عن أبي عبدالله عليه السلام ] قال: إن جبرائيل (عليه السلام) أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) برمانتين، فأكل رسول الله (صلى الله عليه وآله) إحداهما، وكسر الاخرى بنصفين، فأكل نصفا، وأطعم عليا نصفا، ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ياأخي هل تدري ما هاتان الرمانتان؟ قال: لا، قال: أما الاولى فالنبوة ليس لك فيها نصيب، وأما الاخرى فالعلم، أنت شريكى فيه، فقلت: أصلحك الله كيف يكون شريكه فيه؟ قال: لم يعلم الله محمدا (صلى الله عليه وآله) [ علما ] إلا وأمره أن يعلمه عليا (عليه السلام)(1).

ويؤيده ما رواه أيضا عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن عبدالحميد، عن منصور بن يونس، عن ابن اذينة، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: نزل جبرئيل (عليه السلام) على محمد (صلى الله عليه وآله) برمانتين من الجنة، فلقيه علي (عليه السلام) فقال له: ما هاتان الرمانتان اللتان في يدك؟ فقال: أما هذه فالنبوة ليس لك فيها نصيب.

وأما هذه فالعلم، ثم فلقها رسول الله (صلى الله عليه وآله) نصفين فأعطاه نصفها، أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) نصفها ثم قال: أنت شريكي فيه وأنا شريكك فيه، قال: فلم يعلم والله رسول الله (صلى الله عليه وآله) حرفا مما علمه الله عزوجل إلا وقد علمه عليا ثم انتهى العلم إلينا، ثم وضع يده على صدره(2).

وأوضح من هذا بيانا ما رواه أيضا عن أحمد بن محمد، عن عبدالله الحجال، عن أحمد بن محمد الحلبي، عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبدالله (عليه السلام) فقلت: جعلت فداك اني أسألك عن مسألة، فههنا أحد يسمع كلامي؟ قال:

___________________________________

(1) الكافي: ج 1 ص 263، كتاب الحجة، باب ان الله عزوجل لم يعلم نبيه علما إلا. ح 1.

(2) الكافي: ج 1 ص 263، كتاب الحجة، باب ان الله (عزوجل) لم يعلم نبيه علما إلا. ح 3. (*)

[21]

فرفع أبوعبدالله (عليه السلام) سترا بينه وبين بيت آخر فاطلع فيه ثم قال: يا أبا محمد سل عما بدالك، قال: قلت: جعلت فداك أن شيعتك يتحدثون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) علم عليا بابا يفتح منه ألف باب ! قال: فقال: يا أبا محمد علم رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام) ألف باب يفتح من كل باب ألف باب، قال: قلت: هذا والله العلم، قال: فنكت(1) ساعة في الارض ثم قال: إنه لعلم وما هو بذاك، قال: ثم قال: يا أبا محمد إن عندنا الجامعة، وما يدريهم ما الجامعة؟ قال: قلت: جعلت فداك وما الجامعة؟ قال: صحيفة طولها سبعون ذراعا بذراع رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن املائه من فلق فيه(2)، وخط علي بيمينه، فيها كل حلال وحرام وكل شئ يحتاج إليه الناس حتى الارش في الخدش، وضرب بيده إلي، فقال في: أتأذن لي يا أبا محمد قال: قلت: جعلت فداك إنما أنا لك فاصنع ما شئت، قال: فغمزني بيده، قال: حتى أرش هذا، كأنه مغضب(3)، قال: قلت: هذا والله العلم، قال: إنه لعلم وليس بذاك.

ثم سكت ساعة، ثم قال: إن عندنا الجفر، وما يدريهم ما الجفر؟ قلت: وما الجفر؟ قال: وعاء من أدم(4) فيه علم النبيين والوصيين، وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل، قال: قلت: إن هذا هو العلم.

قال: إنه لعلم وليس بذاك.

ثم سكت ساعة، ثم قال: وإن عندنا لمصحف فاطمة (عليها السلام) وما يدريهم ما مصحف فاطمة؟ قال: قلت: وما مصحف فاطمة؟ قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا

___________________________________

(1) نكت الارض بالقضيب: وهو أن يؤثر فيها بطرفه فعل المفكر المهموم، لسان العرب: ج 2 ص 100 مادة (نكت).

(2) الفلق: الشق، كلمني فلان من فلق فيه وفلق فيه: اي شقه، لسان العرب: ج 10 ص 310 مادة (فلق).

(3) أي أخذ بشدة (مرآة العقول: ج 3 ص 55).

(4) قال الجوهري: الادم جمع الاديم وقد يجمع على أدمة، وفي القاموس: الاديم الجلد أو أحمره او مدبوغه، جمعه أدمة وأدام، والادم اسم للجمع، وقال: الجفر من أولاد الشاء ما عظم واستكرش، أو بلغ أربعة أشهر والبئر لم تطو أو طوى بعضها، والجفر: جعبة من جلود لا خشب فيها أو من خشب لا جلود فيها (مرآة العقول: ج 3 ص 55). (*)

[22]

ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد(1)، قال: قلت: هذا والله هو العلم، قال إنه لعلم وليس بذاك، ثم سكت ساعة ثم قال: وإن عندنا علم ما كان وعلم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، قال: قلت: جعلت فداك هذا والله هو العلم، قال: إنه لعلم وليس بذاك، قال: قلت: جعلت فداك فأي شئ العلم؟ قال: ما يحدث بالليل والنهار، والامر بعد الامر، والشئ بعد الشئ إلى يوم القيامة(2).

ومما ورد في عزارة علمهم (صلوات الله عليهم): ما رواه أيضا (رحمه الله) قال: روى عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن يونس بن يعقوب، عن الحارث بن المغيرة.

وعدة من أصحابنا منهم عبدالاعلى [ وأبوعبيدة ] وعبدالله بن بشر الخثعمي، أنهم سمعوا أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: إني لاعلم مافي السماوات وما في الارض، وأعلم ما في الجنة، وأعلم ما في النار، وأعلم ما كان وما يكون، ثم سكت هنيئة فرأى أن ذلك كبر على من سمعه منه، فقال: علمت ذلك من كتاب الله عزوجل، يقول: " فيه تبيان كل شئ "(3)(4).

ومما ورد في غزارة علمهم (صلوات الله عليهم): ما رواه أيضا عن أحمد بن محمد ومحمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن

___________________________________

(1) ما فيه من قرآنكم: أي فيه علم بما كان وما يكون.

فان قلت: في القرآن أيضا بعص الاخبار؟ قلت: لعله لم يذكر فيه ما في القرآن.

فإن قلت، يظهر من بعض الاخبار اشتمال مصحف فاطمة (عليها السلام) أيضا على الاحكام؟ قلت: لعل فيه ما ليس في القرآن.

فإن قلت: قد ورد في كثير من الاخبار اشتمال القرآن على جميع الاحكام والاخبار مما كان أو يكون؟ قلت: لعل المراد به ما نفهم من القرآن لا ما يفهمون (عليهم السلام) منه، ولذا قال (عليه السلام): قرآنكم، على أنه يحتمل أن يكون المراد لفظ القرآن، ثم الظاهر من أكثر الاخبار اشتمال مصحفها (عليها السلام) على الاخبار فقط، فيحتمل ان يكون المراد عدم اشتماله على أحكام القرآن (مرآة العقول: ج 3 ص 56).

(2) الكافي: ج 1 ص 238، كتاب الحجة، باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة. ح 1.

(3) قال تعالى: " ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ " النحل: 89.

(4) الكافي: ج 1 ص 261، كتاب الحجة، باب ان الائمة يعلمون علم ما كان وما يكون. ح 2.

وفيه: ثم مكث هنيئة. (*)

[23]

إبراهيم بن إسحاق الاحمر، عن عبدالله بن حماد، عن سيف بن تمار قال: كنامع أبي عبدالله (عليه السلام) وجماعة من الشيعة في الحجر، فقال: علينا عين؟ فالتفتنا يمنة ويسرة فلم نر أحدا، فقلنا: ليس علينا عين، فقال: ورب الكعبة ورب البنية - ثلاث مرات - لو كنت بين موسى والخضر لاخبرتهما أني أعلم منهما، ولانبأتهما بما ليس في أيديهما، لان موسى والخضر (عليهما السلام) اعطيا علم ما كان، ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة، وقد ورثناه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وراثة(1).

ويؤيد هذا ويطابقه ما رواه أصحابنا من رواة الحديث من كتاب الاربعين رواية أسعد الاربلي، عن عمار بن خالد، عن إسحاق الازرق، عن عبدالملك بن سليمان قال: وجد في ذخيرة حواري عيسى رق فيه مكتوب بالقلم السرياني منقول من التوراة: وذلك لما تشاجر موسى والخضر (عليهما السلام) في قصة السفينة والجدار والغلام، ورجع موسى إلى قومه فسأله أخاه هارون عما استعلمه من الخضر وشاهده من عجائب البحر؟ فقال موسى (عليه السلام): بينا أنا والخضر على شاطئ البحر إذ سقط بين أيدينا طائر، فأخذ في منقاره قطرة من ماء البحر، ورمى بها نحو المشرق، وأخذ منه ثانية ورمى بها نحو المغرب، صم أخذ ثالثة.

ورمى بها نحو السماء، ثم أخذ رابعة ورمى بها نحو الارض، ثم أخذ خامسة وألقاها في البحر.

فبهت أنا والخضرمن ذلك، وسألته عنه؟ فقال: لا أعلم، فبينا نحن كذلك فإذا بصياد يصيد في البحر، فنظر إلينا، وقال: ما لي أراكما في فكرة من أمر الطائر؟ فقلنا له: هو ذاك، فقال: أنا رجل صياد وقد علمت إشارته، وأنتما نبيان لا تعلمان؟ فقلنا: لا نعلم إلا ما علمنا الله عزوجل، فقال: هذا طائر في البحر يسمى مسلما، لانه إذا صاح يقول في صياحه: مسلم مسلم، فإشارته برمي الماء من منقاره نحو المشرق والمغرب والسماء والارض والبحر يقول: إنه يأتي في آخر الزمان نبي يكون

___________________________________

(1) الكافي: ج 1 ص 260، كتاب الحجة، باب أن الائمة يعلمون علم ما كان وما يكون. ح 1 وفيه: جماعة من الشيعة. (*)

[24]

علم أهل المشرق والمغرب وأهل السماء والارض عند علمه مثل هذه القطرة الملقاة في البحر، ويرث علمه ابن عمه ووصيه، فعند ذلك سكن ما كنا فيه من المشاجرة، واستقل كل واحد منا علمه بعد أن كنا معجبين بأنفسنا، ثم غاب عنا، فعلمنا أنه ملك بعثه الله إلينا، ليعرفنا نقصنا حيث ادعينا الكمال(1).

ومما ذكر في معنى فضلهم (عليهم صلوات الله) ما ذكره الشيخ أبوجعفر الطوسي (رحمه الله) في كتابه مصباح الانوار بإسناده إلى رجاله قال: وروى عن جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن جده (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنا ميزان العلم وعلي كفتاه، والحسن والحسين حباله، وفاطمة علاقته، والائمة من بعدهم يزنون المحبين والمبغضين(2).

وفي كتاب الاحتجاج: روي عن أميرالمؤمنين (عليه السلام) في حديث طويل يقول (عليه السلام) فيه: وقد جعل الله للعلم أهلا وفرض على العباد طاعتهم بقوله: " وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم "(3).

وفي نهج البلاغة قال (عليه السلام): أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا كذبا وبغيا علينا، أن رفعنا الله ووضعهم وأعطانا وحرمهم وأدخلنا وأخرجهم(4).

وفي روضة الكافي ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي عبيدة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز ذكره: " الم * غلبت الروم * في أدنى الارض " قال: فقال: يا أبا عبيدة إن لهذا تأويلا لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم من آل محمد (صلى الله عليه وآله)(5) والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

___________________________________

(1) بحار الانوار: ج 13 ص 312، كتاب النبوة، باب 10 قصة موسى حين لقي الخضر، ح 52.

(2) مصباح الانوار: في الباب الخامس، في علم علي، وفيه (عن أبي جعفر) بدل (جعفر بن محمد) مخطوط.

بحار الانوار: ج 23، ص 106، كتاب الامامة، باب 7، ح 6.

(3) الاحتجاج: ج 1 ص 248، س 7، احتجاجه (ع) على زنديق جاء مستدلا عليه بآي من القرآن متشابهة.

(4) نهج البلاغة: ص 201 الخطبة 144 في فضل أهل البيت، صبحي الصالح.

(5) الكافي: في: ج 8 ص 269 باب 44 ح 397. (*)

[25]

وفي تفسير علي بن إبراهيم: حدثني أبي، عن محمد بن أبي عمير، عن جميل، عن أبي عبيدة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله " الم * غلبت الروم * في أدنى الارض " قال يا أبا عبيدة ان لهذا تأويلا لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم من الائمة (عليهم السلام)(1) والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

حدثنا محمد بن أحمد بن ثابت، قال حدثنا الحسن بن محمد بن سماعة، عن وهب بن حفص، عن أبي بصير، عن عبدالله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إن القرآن زاجر وآمر يأمر بالجنة ويزجر عن النار، وفيه محكم ومتشابه، فأما المحكم فيؤمن به ويعمل به وأما المتشابه فيؤمن به ولا يعمل به وهو قول الله: " وأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه إبتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا " وآل محمد (عليهم السلام) الراسخون في العلم(2).

حدثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن اذينة، عن بريد بن معاوية، عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أفضل الراسخين في العلم قد علم جميع ما أنزل الله من التنزيل والتأويل، وما كان الله لينزل عليه شيئا لم يعلمه التأويل وأوصياؤه من بعده يعلمونه قال: قلت: جعلت فداك أن أبا الخطاب كان يقول فيكم قولا عظيما، قال: وما كان يقول؟ قلت: قال: إنكم تعلمون علم الحلال والحرام والقرآن قال: إن علم الحلال والحرام والقرآن يسير في جنب العلم الذي يحدث في الليل والنهار(3).

وفي اصول الكافي: علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن داود ابن فرقد، عمن حدثه، عن ابن شبرمة قال: ما ذكرت حديثا سمعته من جعفر بن

___________________________________

(1) تفسير القمي: ج 2 ص 152 سورة الروم.

(2) تفسير نور الثقلين: ج 1 ص 316 ح 29 نقلا عن تفسير علي بن إبراهيم.

(3) تفسير نور الثقلين: ج 1 ص 317 ح 30 نقلا عن تفسير علي بن إبراهيم. (*)

[26]

محمد (عليه السلام) إلا كاد أن يتصدع قلبي، قال: حدثني أبي، عن جدي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من عمل يا لمقاييس فقد هلك وأهلك، ومن أفتى للناس بغير علم وهو لا يعلم الناسخ من المنسوخ والمحكم من المتشابه فقد هلك وأهلك(1).

بعض أصحابنا رفعه عن هشام بن الحكم قال: قال في أبوالحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام): يا هشام إن الله ذكر اوالي الالباب بأحسن الذكر، وحلاهم بأحسن الحلية وقال: " الراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الالباب "(2).

أحمد بن محمد، عن محمد بن أبي عمير، عن سيف بن عميرة، عن أبي الصباح الكناني قال: قال أبوعبدالله (عليه السلام): نحن الراسخون في العلم(3) والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن أيوب بن الحر وعمران بن علي، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: نحن الراسخون في العلم ونحن نعلم تأويله(4).

علي بن محمد، عن عبدالله بن علي، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبدالله بن حماد، عن بريد بن معاوية، عن أحد هما (عليهما السلام) في قول الله عزوجل " وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم " فرسول الله (صلى الله عليه وآله) أفضل الراسخين في العلم، وقد علمه الله عزوجل جميع ما أنزل عليه من التنزيل والتأويل، وما كان الله لينزل عليه شيئا لم يعلمه تأويله وأوصياؤه من بعده يعلمونه كله، والذين لا يعلمون تأويله إذا قال العالم فيهم بعلم، فأجابهم الله بقوله: " يقولون آمنا

___________________________________

(1) الكافي: ج 1 ص 43 كتاب فضل العلم، باب النهي عن القول بغير علم، ح 9.

(2) الكافي: ج 1 ص 15 كتاب العقل والجهل، قطعة من ح 12.

(3) الكافي: ج 1 ص 186 كتاب الحجة، باب فرض طاعة الائمة، ح 6.

(4) الكافي: ج 1 ص 213 كتاب الحجة، ان الراسخين في العلم هم الائمة (عليهم السلام)، ح 1. (*)

[27]

به كل من عند ربنا " والقرآن خاص وعام ومحكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ فالراسخون في العلم يعلمونه(1).

الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن اورمة، عن علي بن حسان، عن عبدالرحمن بن كثير، عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: الراسخون في العلم أميرالمؤمنين والائمة من بعده (عليهم السلام)(2).

وباسناده إلى أبي جعفر الباقر (عليه السلام) في حديث طويل يقول فيه (عليه السلام): فإن قالوا: من الراسخون في العلم؟ فقل: من لا يختلف في علمه، فإن قالوا: فمن هو ذاك؟ فقل: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) صاحب ذلك، فهل بلغ أولا؟ فإن قالوا: قد بلغ، هل مات (صلى الله عليه وآله) والخليفة من بعده يعلم علما ليس فيه اختلاف؟ فإن قالوا: لا، فقل: إن خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) مؤيد، ولا يستخلف رسول الله (صلى الله عليه وآله) من لم يحكم بحكمه وإلا من يكون مثله إلا النبوة، وإن كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يستخلف في علمه أحدا فقد ضيع من في أصلاب الرجال ممن يكون بعده(3).

وفي كتاب كمال الدين وتمام النعمة بإسناده إلى سليم بن قيس الهلالي قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: ما نزلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) آية من القرآن إلا أقرأنيها وأملاها علي واكتبها بخطي، و علمني تأويلها وتفسيرها، وناسخها ومنسوخها ومحكمها ومتشابهها.

ودعا الله عزوجل أن يعلمني فهمها وحفظها، فما نسيت آية من كتاب الله ولا علما أملاه علي فكتبته، وما ترك الله شيئا علمه الله عزوجل من حلال ولا حرام، ولا نهي، وما كان وما يكون من

___________________________________

(1) الكافي: ج 1 ص 213 كتاب الحجة، باب ان الراسخين في العلم هم الائمة (عليهم السلام)، ح 2.

(2) الكافي: ج 1 ص 213 كتاب الحجة، باب ان الراسخين في العلم هم الائمة (عليهم السلام) ح 3.

(3) الكافي: ج 1 ص 245، كتاب الحجة، باب في شأن إنا أنزلناه في ليلة القدر، قطعة من ح 1 وفيه: عن أبي جعفر الثاني. (*)

[28]

[ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب(8) ] طاعة أو معصية إلا علمنيه وحفظته، فلم أنس منه حرفا واحدا(1) والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

واعلم: أن التفسير بالرأي للمتشابه حرام، ومن فسره برأيه كافر.

يدل عليه مارواه في كتاب كمال الدين وتمام النعمة بإسناده إلى عبدالرحمن ابن سمرة، عن النبي (صلى الله عليه وآله) في حديث طويل يقول فيه (عليه السلام): من فسر القرآن برأيه فقد افترى على الله الكذب(2).

وما رواه في كتاب التوحيد بإسناده إلى الريان بن الصلت، عن علي بن موسى الرضا، عن أبيه، عن آبائه، عن علي (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قال الله جل جلاله: ما آمن بي من فسر برأيه كلامي(3).

ولاخفاء أن المراد تفسير المتشابه وتأويل المحكم بالرأي بغير ما يدل عليه ظاهره.

وبذلك يظهر عدم إيمان أكثر المفسرين ممن يفسرون القرآن برأيهم، ويأولونه على مذاقهم، ممن نقلنا بعض تأويلاتهم في أوائل التفسير، تقدمة لهذا التصريح، وعدم إيمان أهل السنة والجماعة، فإنه لا ريبة لاحد في أنه لا يردون المتشابهات إلى الراسخين الذين هو الائمة (عليهم السلام) ويفسرون الراسخين أيضا برأيهم، ولا يعنون منه النبي والائمة (عليهم السلام)، فتبصر. ربنا لا تزغ قلوبنا: من مقالة الراسخين، وقيل: استئناف.

___________________________________

(1) كمال الدين: ج 1، ص 384، باب 24 ماروي عن النبي في النص على القائم (عليه السلام) قطعة من ح 37.

(2) كمال الدين: ج 1 ص 257، باب 24 ماروي عن النبي في النص على القائم (عليه السلام) قطعة من

ح 1.

(3) التوحيد: ص 68 باب 2 التوحيد ونفي التشبيه، قطعة من ح 23. (*)

[29]

[ ربنآ إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد(9) ] والمعنى: لا تزغ قلوبنا عن نهج الحق، وهو من الراسخين خضوع في مقام العبودية.

وقيل: لا تبلنا ببلايا تزيغ فيه قلوبنا. بعد إذ هديتنا: إلى الحق.

و " بعد " نصب على الظرف، و " إذ " في محل الجر بإضافته إليه، وقيل: إنه بمعنى (إن).

وهب لنا من لدنك رحمة: تزلفنا إليك، ونفوز بها عندك، أو توفيقا للثبات على الحق، أو مغفرة للذنوب، أو الاعم. إنك أنت الوهاب: لكل سؤال.

في تفسير العياشي، عن سماعة بن مهران قال: قال أبوعبدالله (عليه السلام): أكثروا من أن تقولوا: " ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا " ولا تأمنوا الزيغ(1).

وفي تهذيب الاحكام في الدعاء بعد صلاة الغدير، المسند إلى الصادق (عليه السلام): ربنا إنك أمرتنا بطاعة ولاة أمرك وأمرتنا أن نكون مع الصادقين فقلت: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الامر منكم "(2) وقلت: " اتقوا الله وكونوا مع الصادقين "(3) فسمعنا وأطعنا ربنا، فثبت أقدامنا وتوفنا مسلمين مصدقين لاوليائك ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت

___________________________________

(1) تفسير العياشي: ج 1 ص 164 ح 9.

(2) النساء: 59.

(3) التوبة: 119.

(4) التهذيب: ج 3 ص 147 باب 7 صلاة الغدير، ح 1. (*)

[30]



 
 

  أقسام المكتبة :
  • القرآن الكريم
  • كتب في تفسير القرآن
  • أبحاث حول القرآن
  • كتب تعليمية ومناهج
  • علوم القرآن
  • النغم والصوت
  • الوقف والإبتداء
  • الرسم القرآني
  • مناهج وإصدارات دار السيدة رقية (ع)
  البحث في :


  

  

  

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net