سورة آل عمران من آية 96 ـ 115 من ص ( 601 ـ 656 ) 

الكتاب : الامثل في تفسير كتاب الله المنزل ( الجزء الثاني)   ||   القسم : كتب في تفسير القرآن   ||   القرّاء : 6795

الآيتان

إِنَّ أَوَّلَ بَيْت وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِّلْعَـالَمِينَ(96)فِيهِ ءَايَـاتُ بَيِّنَـاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِناً وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَـالَمِينَ(97)

أول بيت وضع للناس :

لقد أنكرت اليهود على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمرين كما أسلفنا. وقد رد القرآن على الأمر الأول في الآيات الثلاث المتقدمة، وها هو يرد على الأمر الثاني، وهو : إنكارهم على النبي اتخاذه الكعبة قبلة، وتفضيله لها على «بيت المقدس» بينما كانوا يفضلونه على الكعبة.

يقول سبحانه : (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً) فلا عجب إذن أن تكون الكعبّة قبلة للمسلمين، فهي أول مركز للتوحيد، وأقدم معبد بني على الأرض ليعبد فيه الله سبحانه ويوحد، بل لم يسبقه أي معبد آخر قبله، إنه أول بيت وضع للناس ولأجل خير المجتمع الإنساني في نقطة من الأرض محفوفة

(601)

بالبركات، غنية بالخيرات، وضع ليكون مجتمع الناس، وملتقاهم.

إن المصادر الإسلامية والتاريخية تحدثنا بأن الكعبة تأسست على يدي «آدم» (عليه السلام) ثمّ تهدمت بسبب الطوفان الذي وقع في عهد النبي «نوح» ثمّ جدد بناءها النبي العظيم «إبراهيم الخليل» (عليه السلام) فهي إذن عريقة عراقة التاريخ البشري(1) .

ولاشكّ أن إختيار أعرق بيت اُسس للتوحيد من أجل أن يكون قبلة للمسلمين، أولى وأفضل من إختيار أية نقطة أُخرى وأي مكان آخر.

هذا وممّا يجدر الإنتباه إليه هو أن «الكعبة» والتي تسمى في تسمية أُخرى بـ «بيت الله» وصفت في هذه الآية بأنها «بيت للناس»، وهذا التعبير يكشف عن حقيقة هامة وهي : أن كلّ ما يكون باسم الله ويكون له، يجب أن يكون فى خدمة الناس من عباده، وأن كلّ ما يكون لخدمة الناس وخير العباد فهو لله سبحانه.

كما تتضح ـ ضمن ما نستفيده من هذه الآية ـ قيمة الأسبقية في مجال العلاقات بين الخلق والخالق، ولذلك نجد القرآن يشير ـ في هذه الآية ـ إلى أسبقية الكعبة على جميع الأماكن الأُخرى، وإلى تاريخها الطويل الضارب في أعماق الزمن، معتبراً ذلك أول وأهم ما تتسم به الكعبة من الفضائل والمزايا، ومن هنا يتضح أيضاً علّة ما للحجر الأسود من الحرمة، ويتبين جواب مايحوم حوله من سؤال مفاده : ما قيمة قطعة من الحجر ولماذا يندفع ويتدافع لإستلامه ملايين الناس كلّ عام، ويتسابقون ـ في عناء بالغ ـ إليه حتّى أن إستلامه يعد من المستحبات المؤكّدة في مناسك الحجّ وبرامجه ؟

إن تاريخ هذا الحجر يكشف عن ميزة خاصة في هذا الحجر لا نجدها في أي

_____________________________

1 ـ للوقوف على معلومات أكثر حول مصادر ونصوص هذا الموضوع من الآيات والأحاديث راجع الجزء الأول من هذا التفسير في ذيل الآية 127 من سورة البقرة.

(602)

حجر آخر غيره في هذا العالم، وهي أن هذا الحجر أسبق شيء استخدم كمادة إنشائية في أقدم بيت شيد لعبادة الله، وتقديسه، وتوحيده، فإننا نعلم بأن جميع المعابد حتّى الكعبة قد فقدت موادها الإنشائية في كلّ عملية إنهدام وتجديد، عدا هذه القطعة من الصخر التي بقيت منذ آلاف السنين، واستخدمت في بناء هذه البنية المعظمة على طول التاريخ منذ تأسيسها وإلى الآن. ولا شكّ أن لهذه الإستمرارية، وتلك الأسبقية في طريق الله وفي خدمة الناس قيمة وأهمية من شأنها أن تكسب الأشياء والأشخاص ميزة لا يمكن تجاهلها.

كلّ هذا مضافاً إلى أن هذه الصخرة ليست إلاَّ تاريخ صامت لأجيال كثيرة من المؤمنين في الأعصر المختلفة، فهي تحيي ذكرى إستلام الأنبياء العظام وعباد الله البررة لها، وعبادتهم، وتضرعهم إلى الله في جوارها عبر آلاف السنين ومئات من القرون والأحقاب.

على أن ثمّة أمراً آخر ينبغي الإنتباه إليه وهو : أن الآية المبحوثة هنا تصرح بأن الكعبة هي أول بيت وضع للناس، ومن المعلوم أنه وضع لغرض العبادة فهو أول بيت وضع للعبادة إذن، وهو أمر لايمنع من أن يكون قد شيدت في الأرض قبل الكعبة بيوت للسكن.

وهذا التعبير رد واضح على كلّ أولئك(1) الذين يدعون أن النبي إبراهيم (عليه السلام)هو أول من أسس الكعبة المشرفة، ويعتبرون بناءها على يدي آدم (عليه السلام) من قبيل الأساطير، في حين أن من المسلم وجود بيوت للعبادة في العالم قبل إبراهيم (عليه السلام)كان يتعبد فيها من سبقه من الأنبياء مثل نوح (عليه السلام) فكيف تكون الكعبة التي هي أول بيت وضع للعبادة في العالم قد أسست على يدي إبراهيم (عليه السلام) ؟

_____________________________

1 ـ أمثال رشيد رضا موالف المنار.

(603)

ما هو المراد من «بكّة» ؟

«بكة» مأخوذة أصلاً من «البك» وهو الزحم، وبكه أي زحمه، وتباك الناس أي ازدحموا، وإنما يقال للكعبة أو الأرض التي عليها تلك البنية المعظمة بكة لإزدحام الناس هناك، ولا يستبعد أن هذه التسمية أطلقت عليها بعد أن اتخذت صفة المعبد رسمياً لا قبل ذلك.

وفي رواية عن أبي عبدالله (الصادق) (عليه السلام) قال : «موضع البيت بكة، والقرية مكة».

وقد إحتمل بعض المفسّرين أيضاً أن تكون «بكة» هي «مكة» أبدل ميمها باء، نظير «لازب» و «لازم» اللتين تعنيان شيئاً واحداً في لغة العرب.

وقد ذكر في علة تسمية «الكعبة» وموضعها ببكة وجه آخر أيضاً هو أنها سميت «بكة» لأنها تبك أعناق الجبابرة، وتحطم غرورهم ونخوتهم، لأن البك هو دق العنق، فعند الكعبة تتساقط وتزول كلّ الفوارق المصطنعة، ويعود المتكبرون والمغرورون كبقية الناس، عليهم أن يخضعوا لله، ويتضرعوا إليه شأنهم شأن الآخرين، وبهذا يتحطم غرورهم.

بحث تاريخي

توسيع المسجد الحرام :

منذ العهد النبوي أخذ عدد المسلمين في الإزدياد، وعلى أثر ذلك كان يتزايد عدد الحجاج والوافدين إلى البيت الحرام، ولهذا كان المسجد الحرام يتعرض للتوسعة المستمرة على أيدي الخلفاء في العصور المختلفة، فقد جاء في تفسير العيّاشي أن أبا جعفر (المنصور) طلب أن يشتري من أهل مكة بيوتهم ليزيدها في

(604)

المسجد، فأبوا فأرغبهم، فامتنعوا فضاق بذلك، فأتى أبا عبدالله (الصادق) (عليه السلام) فقال له : إني سألت هؤلاء شيئاً من منازلهم، وأفنيتهم لنزيد في المسجد، وقد منعوني ذلك فقد غمني غماً شديداً، فقال أبو عبدالله (عليه السلام) : أيغمك ذلك وحجتك عليهم فيه ظاهرة ؟ فقال : وبما أحتج عليهم ؟ فقال : بكتاب الله، فقال : في أي موضع ؟ فقال : قول الله عزّوجلّ : (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة) قد أخبرك الله أن أول بيت وضع للناس هو الذي ببكة، فإن كانوا هم تولوا قبل البيت فلهم أفنيتهم، وإن كان البيت قبلهم فله فناؤه، فدعاهم أبو جعفر (المنصور) فاحتج عليهم بهذا فقالوا له أصنع ما أحببت.

وقد جاء في ذلك التفسير أيضاً أن المهدي (العباسي) لما بنى في المسجد الحرام بقيت دار احتج إليها في تربيع المسجد، فطلبها من أربابها فامتنعوا فسأل عن ذلك الفقهاء فكلّ قال له : إنه لا ينبغي أن يدخل شيئاً في المسجد الحرام غصباً، فقال له علي بن يقطين : يا أميرالمؤمنين لو أنك كتبت إلى موسى بن جعفر (عليه السلام)لأخبرك بوجه الأمر في ذلك، فكتب إلى والي المدينة أن يسئل موسى بن جعفر (عليه السلام) عن دار أردنا أن ندخلها في المسجد الحرام فامتنع علينا صاحبها فكيف المخرج من ذلك ؟ فقال : ذلك لأبي الحسن (عليه السلام) : فقال أبو الحسن (عليه السلام) : ولابدّ من الجواب في هذا ؟ فقال له : الأمر لابدّ منه، فقال له : اكتب «بسم الله الرحمن الرحيم إن كانت الكعبة هي النازلة بالناس فالناس أولى بفنائها، وإن كان الناس هم النازلون بفناء الكعبة فالكعبة أولى بفنائها» فلما أتى الكتاب إلى المهدي أخذ الكتاب فقبله (لفرحه الشديد)، ثمّ أمر بهدم الدار فأتى أهل الدار أبا الحسن (عليه السلام)فسألوه أن يكتب لهم إلى المهدي كتاباً في ثمن دورهم فكتب إليه أن ارضخ لهم شيئاً فارضاهم.

(605)

إن في هاتين الروايتين استدلالاً لطيفاً يتفق تماماً مع المقاييس والموازين القانونية المعمول بها أيضاً، فإن الإستدلال يقول ; ان لمعبد تقصده الجماهير كالكعبة، قد بني يوم بني على أرض لا أحد فيها، الحق والأولوية في تلك الأرض بقدر حاجته وحيث إن الحاجة يوم اُسس لم تكن تدعو إلى أكثر من تلك المساحة التي أقيم عليها أول مرّة كان للناس أن يسكنوا في حريم الكعبة، أما الآن وقد اشتدت الحاجة إلى مساحة أوسع كما كانت عليه لتسع الحجيج، فإن للكعبة الحقّ في أن تستخدم أولويتها بالأرض.

* * *

مزايا الكعبة وفضائلها :

لقد ذكرت في هاتين الآيتين ـ مضافاً إلى الميزتين اللتين مرّ شرحهما ـ أربع مزايا اُخرى هي :

1 ـ مباركاً :

«المبارك» يعني كثير الخير والبركة، وإنما كانت الكعبة المعظمة مباركة لأنها تعتبر بحق واحدة من أكثر نقاط الأرض بركة وخيراً، سواء الخير المادي، أو المعنوي.

وأما البركات المعنوية التي تتحلى بها هذه الأرض وهذه المنطقة من إجتماع الحجيج فيها، وما ينجم عن ذلك من حركة وتفاعل ووحدة، وما يصحبه من جاذبية ربانية تحيي الأنفس والقلوب وخاصة في موسم الحج فمما لا يخفى على أحد.

ولو أن المسلمين لم يقصروا إهتمامهم ـ في موسم الحج ـ على الجانب

(606)

الصوري لهذه الفريضة بل أحيوا روحها، والتفتوا إلى فلسفتها، لاتضحت ـ حينذاك ـ البركات المعنوية، وتجلت للعيان أكثر فأكثر.

هذا من الناحية المعنوية.

وأما من الناحية المادية فإن هذه المدينة رغم أنها اُقيمت في أرض قاحلة لا ماء فيها ولا عشب، ولا صلاحية فيها للزراعة والرعي بقيت على طول التاريخ واحدة من أكثر المدن عمراناً وحركة، وكانت دائماً من المناطق المؤهلة ـ خير تأهيل ـ للحياة، بل وللتجارة أيضاً.

2 ـ هدى للعالمين :

أجل، إن الكعبة هدى للعالمين فهي تجتذب الملايين من الناس الذين يقطعون إليها البحار والوهاد، ويقصدونها من كلّ فج عميق ليجتمعوا في هذا الملتقى العبادي العظيم وهم بذلك يقيمون هذه الفريضة فريضة الحجّ التي لم تزل تؤدي بجلال عظيم منذ عهد الخليل (عليه السلام).

ولقد كانت هذه البنية معظمة أبداً حتّى من قبل العرب الجاهليين، فهم كانوا يحجون إليها وإن مزجوا مناسك الحجّ ببعض خرافاتهم وعقائدهم الباطلة، إلاَّ أنهم ظلوا أوفياء لهذه المناسك على أنها دين إبراهيم، وقد كان لهذه المناسك والمراسم الناقصة، والخليطة أحياناً بالخرافات الجاهلية، أثرها في سلوكهم، حيث كانوا يرتدعون بسببها عن بعض المفاسد بعض الوقت، وهكذا كانت الكعبة سبباً للهداية حتّى للوثنيين...

إن لهذا البيت من الجواذب المعنوية ما لا يستطيع أي أحد أن يقاومها ويصمد أمام تأثيرها الأخّاذ.

3 ـ فيه آيات بينات مقام إبراهيم :

(607)

إن في هذا البيت معالم واضحة وعلائم ساطعة لعبادة الله وتوحيده، وفي تلك النقطة المباركة من الآثار المعنوية ما يبهر العيون ويأخذ بمجامع القلوب. وإن بقاء هذه الآثار والمعالم رغم كيد الكائدين وإفساد المفسدين الذين كانوا يسعون إلى إزالتها ومحوها لَمن تلك الآيات التي يتحدث عنها القرآن في هذا الكلام العلوي.

فها هي آثار جليلة من إبراهيم (عليه السلام) لا تزال باقية عند هذا البيت مثل : زمزم والصفا والمروة، والركن (1)، والحطيم (2)، والحجر الأسود، وحجر إسماعيل(3)الذي يعتبر كلّ واحد منها تجسيداً حيّاً لتاريخ طويل، وذكريات عظيمة خالدة.

ولقد خصّ «مقام إبراهيم» بالذكر من بين كلّ هذه الآثار والآيات لأنه المحل الذي كان قد وقف فيه الخليل (عليه السلام) لبناء الكعبة، أو لإتيان مناسك الحجّ، أو لإطلاق الدعوة العامّة التي وجهها إلى البشرية كافة، والأذان بهم ليحجوا هذا البيت، ويلتقوا في هذا الملتقى العبادي التوحيدي العظيم.

وعلى كلّ حال فإن هذا المقام لَمن أهم الآيات التي مر ذكرها، وأنها لَمن أوضح الدلائل وأقوى البراهين على ما شهدته هذه النقطة من العالم من التضحيات والذكريات، والإجتماعات والحوادث، البالغة الأهمية.

يبقى أن نعرف أن ثمة خلافاً بين المفسّرين في أن المراد بمقام إبراهيم هل هو خصوص النقطة التي توجد فيها الصخرة التي لا تزال تحمل أثر قدمه الشريف، أو أنه الحرم المكي، أو أنة جميع المواقف التي ترتبط بمناسك الحجّ، ولكن في الرواية

_____________________________

1 ـ كل زاوية من زوايا الكعبة ـ الأربعة يسمى ركناً.

2 ـ يقع الحطيم بين الحجر الأسود وباب الكعبة المعظمة، وإنما سمي بالحطيم إما لكثرة ازدحام الناس والطائفين فيها، وهو موضع توبة آدم، وإما لكونه موضع غفران الذنوب، وغفرانها بمنزلة تحطيمها.

3 ـ حجر إسماعيل هو محل بنى فيه جدار هلالي الشكل عند الضلع الشمالي الغربي من الكعبة.

(608)

المنقولة عن الإمام الصادق (عليه السلام) في كتاب الكافي(1) إشارة إلى الإحتمال الأول.

4 ـ ومن دخله كان آمناً :

لقد طلب إبراهيم (عليه السلام) من ربه بعد الإنتهاء من بناء الكعبة، أن يجعل بلد مكة آمناً إذ قال (رب اجعل هذا البلد آمناً)(2)، فاستجاب الله له، وجعل مكة بلداً آمناً، ففيه أمن للنفوس والأرواح، وفيه أمن للجموع البشرية التي تفد إليه وتستلهم المعنويات السامية منه، وفيه أمن من جهة القوانين الدينية، فإن الأمن في هذا البلد قد بلغ من الإهتمام به واحترامه أن منع فيه القتال منعاً باتاً، وأكيداً.

وقد جعلت الكعبة بالذات مأمناً وملجأ في الإسلام لا يجوز التعرض لمن لجأ إليها أبداً، وهو أمر يشمل الحيوانات أيضاً إذ يجب أن تكون في أمان من الأذى والمزاحمة إذا هي التجأت إلى هذه النقطة من الأرض.

فإذا التجأ إنسان إلى الكعبة لم يجز التعرض له حتّى لو كان قاتلاً جانياً، بيد أنه حتّى لا تستغل حرمة هذا البيت وقدسيتها الخاصّة، وحتّى لا تضيع حقوق المظلومين سمح الإسلام بالتضييق في المطعم والمشرب على الجناة أو القتلة اللاجئين إليه ليضطروا إلى مغادرته ثمّ ينالوا جزاءهم العادل.

* * *

وبعد أن استعرض القرآن الكريم فضائل هذا البيت وعدد مزاياه، أمر الناس بأن يحجوا إليه ـ دون استثناء ـ وعبر عن ذلك بلفظ مشعر بأن مثل هذا الحجّ هو في الحقيقة دين لله على الناس، فيتوجب عليهم أن يؤدوه ويفرغوا ذممهم منه إذ قال (ولله على الناس حجّ البيت).

وتعني لفظة «الحجّ» أصلاً القصد، ولهذا سميت الجادة بالمحجة (على وزن

_____________________________

1 ـ راجع كتاب فروع الكافي كتاب الحجّ باب حد موضع الطواف.

2 ـ إبراهيم : 35.

(609)

مودة) لأنها توصل سالكها إلى المقصد، كما أن لهذا السبب نفسه سمي الدليل بـ «الحجة» لأنه يوضح المقصود.

أما وجه تسمية هذه الزيارة وهذه المناسك الخاصة بالحجّ فلأن قاصد الحجّ إنّما يخرج وهو «يقصد زيارة بيت الله» ولهذا أضيفت لفظة الحجّ إلى البيت فقال تعالى (حج البيت).

ثم إننا قد أشرنا سابقاً إلى أن مراسم الحج هذه قد سنت واُسست منذ عهد إبراهيم (عليه السلام) ثمّ استمرت حتّى العهد الجاهلي حيث كان العرب الجاهليون يمارسونها ويؤدونها، ولكنها شرعت في الإسلام في صورة أَكمل، وكيفية خالية عن الخرافات التي لصقت بها من العهد الجاهلي(1) ولكن المستفاد من الخطبة القاصعة في نهج البلاغة وبعض الأحاديث والروايات أن فريضة الحج شرعت أول مرّة في زمن آدم (عليه السلام) إلاَّ أن اتخاذها الصفة الرسمية يرتبط ـ في الأغلب ـ بزمن الخليل (عليه السلام) .

إن الحجّ يجب على كلّ إنسان مستطيع، في العمر مرّة واحدة، ولا يستفاد من الآية المبحوثة هنا أكثر من ذلك، لأن الحكم فيها مطلق، وهو يحصل بالإمتثال مرّة واحدة.

إن الشرط الوحيد الذي ذكرته الآية الحاضرة لوجوب الحجّ واستقراره هو «الاستطاعة» المعبر عنها بقوله سبحانه (من استطاع إليه سبيلاً).

نعم، قد فسرت الاستطاعة في الأحاديث الإسلامية والكتب الفقهية بـ «الزاد والراحلة (أي الإمكانية المالية لنفقات سفر الحجّ ذهاباً وإياباً) والقدرة الجسدية والتمكن من الإنفاق على نفسه وعائلته بعد العودة من الحجّ» والحقّ أن جميع هذه

_____________________________

1 ـ يستفاد من بعض الروايات أن تشريع هذه الفريضة في الإسلام كان في السنة العاشرة من الهجرة وأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر جماعة ـ في تلك السنة ـ أن يوَذنوا في الناس بالحجّ، ويهيئوا الناس لأداء هذه الفريضة، وإن كان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وجماعة من صحبه قد سبق لهم أن أتوا بالعمرة قبل ذلك أيضاً.

(610)

الأُمور موجودة في الآية، إذ لفظة «استطاع» التي تعني القدرة والإمكانية تشمل كلّ هذه المعاني و الجهات.

ثمّ أنه يستفاد من هذه الآية أن هذا القانون ـ مثل بقية القوانين الإسلامية ـ لايختصّ بالمسلمين، فعلى الجميع أن يقوموا بفريضة الحجّ مسلمين وغير مسلمين، وتؤَيد ذلك القاعدة المعروفة : «الكفّار مكلفون بالفروع كما أنهم مكلفون بالاُصول». وإن كانت صحّة هذه المناسك وأمثالها من العبادات مشروطة بقبولهم للإسلام واعتناقهم إياه، ثمّ أدائها بعد ذلك، ولكن لابدّ أن يعلم بأن عدم قبولهم للإسلام لا يسقط عنهم التكليف، ولا يحررهم من هذه المسؤولية.

وما قلناه في هذه الآية في هذا المجال جار في أمثالها أيضاً.

هذا وقد بحثنا باسهاب حول أهمية الحجّ وفلسفته وآثاره الفردية والإجتماعية عند الحديث عن الآيات 196 إلى 203 من سورة البقرة.

أهمية الحجّ

وللتأكيد على أهمية الحجّ قال سبحانه في ذيل الآية الحاضرة (ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) أي أن الذين يتجاهلون هذا النداء، ويتنكرون لهذه الفريضة، ويخالفونها لا يضرون بذلك إلاَّ أنفسهم لأن الله غني عن العالمين، فلا يصيبه شيء بسبب اعراضهم ونكرانهم وتركهم لهذه الفريضة.

إن لفظة «كفر» تعني في الأصل الستر والإخفاء وأما في المصطلح الديني فتعطي معنى أوسع، فهي تعني كلّ مخالفة للحقّ وكل جحد وعصيان سواء في الاُصول والإعتقاد، أو في الفروع والعمل، فلا تدلّ كثرة استعمالها في الجحود الإعتقادي على إنحصار معناه في ذلك، ولهذا استعملت في «ترك الحجّ».

(611)

ولذلك فسّر الكفر في هذه الآية عن الإمام الصادق (عليه السلام) بترك الحجّ(1).

وبعبارة اُخرى أن للكفر والإبتعاد عن الحق ـ تماماً مثل الإيمان والتقرب إلى الحقّ ـ مراحل ودرجات، ولكلّ واحدة من هذه المراحل والدرجات أحكام خاصة بها، وفي ضوء هذه الحقيقة يتضح الحال بالنسبة لجميع الموارد التي استعملت فيها لفظة الكفر والإيمان في الكتاب العزيز.

فإذا وجدنا القرآن يستعمل وصف الكفر في شأن آكل الربا (كما في الآية 275 من سورة البقرة) وكذا في شأن السحرة (كما في الآية 102 من نفس السورة) ويعبر عنهما بالكافر، كان المراد هو ما ذكرناه، أي أن الربا والسحر إبتعاد عن الحقّ في مرحلة العمل.

وعلى كلّ حال فإنه يستفاد من هذه الآية أمران :

الأوّل : الأهمية الفائقة لفريضة الحجّ، إلى درجة ان القرآن عبر عن تركها بالكفر. ويؤيد ذلك ما رواه الصدوق في كتاب «من لا يحضره الفقيه» من أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعلي (عليه السلام) :

«يا علي إن تارك الحجّ وهو مستطيع كافر يقول الله تبارك وتعالى : (ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين); يا علي; من سوف الحجّ حتّى يموت بعثه الله يوم القيامة يهودياً، أو نصرانياً»(2).

الثاني : إن هذه الفريضة الإلهية المهمة ـ مثل بقية الفرائض والأحكام الدينية الأُخرى ـ شرعت لصلاح الناس، وفرضت لفرض تربيتهم، وإصلاح أمرهم وبالهم أنفسهم فلا يعود شيء منها إلى الله سبحانه أبداً، فهو الغني عنهم جميعاً.

* * *

_____________________________

1 ـ التهذيب بناء على نقل تفسير الصافي في ذيل هذه الآية.

2 ـ من لايحضره الفقيه : ج 4 ص 368 باب النوادر.

(612)

(613)

الآيات

قُلْ يَـأَهْلَ الْكِتَـابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَـاتِ اللهِ وَاللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ  (98)  قُلْ يَـأَهْلَ الْكِتَـابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنتُمْ شُهَدَآءُ وَمَا اللهُ بِغَـافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ (99) يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَـابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيَمـانِكُمْ كَـافِرِينَ  (100)وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ ءَايَـاتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِرَاط مُّسْتَقِيم (101)

سبب النّزول

يستفاد من مؤلفات الشيعة والسنّة وما ذكروه في سبب نزول هذه الآية أن «شأس بن قيس» وكان شيخاً من اليهود (قد اسن)، عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم، مرّ ذات يوم على نفر من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من الفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في

(614)

الجاهلية فقال : قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم ـ إذا اجتمع ملؤهم بها ـ من قرار، فأمر شاباً من يهود كان معه، فقال : اعمد إليهم فاجلس معهم، ثمّ أذكر يوم «بعاث» وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا ما يتقاولون فيه من الأشعار.

وكان يوم «بعاث» يوماً اقتتلت فيه الأَوس والخزرج، وكان الظفر فيه يومئذ للأَوس على الخزرج، وكان يرأس الأوس يومئذ حضير بن سماك الأشهلي أبو أسيد بن حضير، ويرأس الخزرج يومئذ عمرو النعمان البياضي، فقتلا جميعاً.

ففعل ذلك الشاب ما أراده «شأس» فتكلّم القوم عند ذلك، وتنازعوا وتفاخروا حتّى تواثب رجلان من الحيين، وتقاولا، وراح أحدهما يهدد الآخر، وكادت نيران الإقتتال تتأجج بينهم من جديد. فبلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتّى جاءهم، وقال : « يا معشر المسلمين الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألف به بين قلوبكم» ؟ فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان وكيد من عدوهم، فبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضاً ثمّ انصرفوا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سامعين مطيعين قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله «شأس بن قيس»، فأنزل الله تعالى هذه الآيات الأربع، الأوليان في شأس بن قيس وما صنع. والآخريان لانذار المسلمين وتحذيرهم.

التّفسير

مفرقو الصفوف ومثيرو الخلاف :

بعد أن فعل بعض العناصر اليهودية الحاقدة فعلتها وكادت أن تشعل نيران العداوة بين المسلمين نزل ـ كما عرفت في سبب النزول ـ قوله تعالى : (قل يا أهل

(615)

الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون) والمخاطب في هذه الآية هم أهل الكتاب ويقصد منهم هنا اليهود، فالله سبحانه يأمر نبيه في هذه الآية أن يسألهم معاتباً عن علّة كفرهم بآيات الله في حين أن الله يعلم بأعمالهم.

والمراد من آيات الله المذكورة في هذا المقام إما الآيات الواردة في التوراة حول الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلائم نبوته، أو مجموعة الآيات والمعجزات التي نزلت على نبي الإسلام، وتحققت على يديه، وكشفت عن حقانيته، وصدق دعوته، وصحّة نبوته.

ثمّ جاءت الآية الثانية تلومهم قائلة (قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن، تبغونها عوجاً وأنتم شهداء) أي قل يا رسول الله لهم لائماً ومندداً : إذا كنتم غير مستعدين للقبول بالحقّ، فلماذا تصرون على صرف الآخرين عنه، وصدهم عن سبيل الله، وإظهار هذا الطريق المستقيم في صورة السبيل الأعوج بما تدخلون من الشبه على الناس، في حين ينبغي ـ بل يتعين ـ أن تكونوا أول جماعة تبادر إلى تلبية هذا النداء الإلهي، لما وجدتموه من البشائر بظهور هذا النبي في كتبكم وتشهدون عليه.

فإذا كان الأمر كذلك فلِمَ هذه الوساوس والمحاولات لإلقاء الفرقة وإضلال الناس، وإزاحتهم عن سمت الحقّ، وصدهم عن السبيل الإلهي القويم ؟ ولم تحملون أثقالاً إلى أثقالكم، وتتحملون إلى إثم الضلال جريمة الإضلال ؟، لماذا ؟

هل تتصورون أن كلّ ما تفعلونه سيخفى علينا ؟ كلاّ... (وما الله بغافل عمّا تعملون) إنه تهديد بعد تنديد، وإنه إنذار بعد لوم شديد.

ولعلّ وصفه سبحانه بعدم الغفلة في هذا المقام لأجل أن اليهود كانوا ـ لإنجاح محاولاتهم ـ يتكتمون ويتسترون، ويعمدون إلى حبك المؤامرات في الخفاء، لينجحوا في التأثير على المغفلين والبسطاء بنحو أفضل، وليجنوا المزيد من الثمار،

(616)

ولهذا قال لهم سبحانه إذا كان بعض الناس ينخدعون بوساوسكم ومؤامراتكم لغفلتهم فإن الله يعلم بأسراركم، وخفايا أعمالكم، وما هو بغافل عمّا تعملون، فعلمه محيط بكم، وعقابه الأليم ينتظركم.

وبعد أن ينتهي هذا التقريع والتنديد، والإنذار والتهديد لمشعلي الفتن، الصادين عن سبيل الله القويم، المستفيدين من غفلة بعض المسلمين يتوجه سبحانه بالخطاب إلى هؤلاء المخدوعين من المسلمين، يحذرهم من مغبة الإنخداع بوساوس الأعداء، والوقوع تحت تأثيرهم، والسماح لعناصرهم بالتسلل إلى جماعتهم، وترتيب الأثر على تحريكاتهم وتسويلاتهم، وأن نتيجة كلّ ذلك هو الإبتعاد عن الإيمان، والوقوع في أحضان الكفر، إذ يقول : (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين).

أجل إن نتيجة الإنصياع لمقاصد هؤلاء الأعداء هو الرجوع إلى الكفر لأن العدو يسعى في المرحلة الاُولى إلى أن يشعل بينكم نيران العداوة والإقتتال، ولكنه لن يكتفي بهذا القدر منكم، بل سيستمر في وساوسه الخبيثة حتّى يخرجكم عن الإسلام مرّة واحدة، ويعيدكم إلى الكفر تارة اُخرى.

من هذا البيان اتضح أن المراد من الرجوع إلى الكفر ـ في الآية ـ هو «الكفر الحقيقي، والإنفصال الكامل عن الإسلام» كما ويمكن أن يكون المراد من ذلك هي تلك العداوات الجاهلية التي تعتبر ـ في حدّ ذاتها ـ شعبة من شعب الكفر، وعلامة من علائمه، وأثراً من آثاره، لأن الإيمان لا يصدر منه إلاَّ المحبة والمودة والتآلف، وأما الكفر فلا يصدر منه إلاَّ التقاتل والعداوة والتنافر.

ثمّ يتساءل ـ في عجب واستغراب ـ (وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله) أي كيف يمكن أن تسلكوا سبيل الكفر، وترجعوا كفّاراً والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بين ظهرانيكم، وآيات الله البينات تقرأ على أسماعكم، وتشع أنوار

(617)

الوحي على قلوبكم وتهطل عليكم أمطاره المحيية ؟

إن هذه العبارة ما هي ـ في الحقيقة ـ إلاَّ الإشارة إلى أنه لا عجب إذا ضل الآخرون وانحرفوا، ولكن العجب ممّن يلازمون الرسول ويرونه فيما بينهم، ولهم مع عالم الوحي إتصال دائم... ومع آياته صحبة دائمة، إن العجب إنما هو ـ في الحقيقة ـ من هؤلاء كيف يضلون وكيف ينحرفون ؟

إنه حقّاً يدعو إلى الدهشة والإستغراب ويبعث على العجب أن يضل مثل هؤلاء الذين يعيشون في بحبوحة النور، ولاشك أنهم أنفسهم يتحملون إثم هذا الضلال ـ إن ضلوا ـ لأنهم لم يضلوا إلاَّ عن بيّنة، ولم ينحرفوا إلاَّ بعد بصيرة... ولا شكّ أن عذابهم سيكون شديداً جدّاً لذلك.

ثمّ في ختام هذه الآيات يوصي القرآن الكريم المسلمين ـ إن أرادوا الخلاص من وساوس الأعداء، وأرادوا الإهتداء إلى الصراط المستقيم ـ أن يعتصموا بالله ويلوذوا بلطفه ويتمسكوا بهداياته وآياته، ويقول لهم بصراحة تامة (ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم).

هذا ومن النقاط المهمة التي تلفت النظر في هذه الآيات هو أن الخطاب الإلهي في الآيتين الأوليين من هذه الآيات موجهة إلى اليهود بالواسطة، لأن الله سبحانه يأمر نبيه الكريم أن يبلغ هذه المواضيع لليهود عن لسانه فيقول تعالى له (قل)ولكنه عندما يوجه الخطاب إلى المسلمين في الآيتين الآخريين يخاطبهم بصورة مباشرة ودون واسطة فلا يشرع خطابه لهم بلفظه (قل) وهذا يكشف عن منتهى عناية الله ولطفه بالمؤمنين، وأنهم ـ دون غيرهم ـ لائقون بأن يخاطبهم الله مباشرة، وأن يوجه إليهم الكلام دون أن يوسط بينه وبينهم أحداً.

* * *

(618)

الآيتان

يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ  (102)  وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَ كُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَة مِنَّ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيّن اللهُ لَكُمْ ءَايَـاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)

سبب النّزول

كانت بين «الأوس» و«الخزرج» القبيلتين الكبيرتين القاطنتين في يثرب حروب طويلة دامية ومنازعات استمرت ما يقرب من مئة عام، وكانت المعارك والمناوشات تنشب بينهم بين فترة واُخرى وتكلف الجانبين خسائر جسيمة في الأموال والأرواح.

كلّ ذلك كان أيّام الجاهلية قبل بزوغ الإسلام وطلوع شمسه على تلك الربوع.

وقد كان ممّا وفق له الرسول ونجح فيه أكبر نجاح ـ بعد هجرته إلى

(619)

المدينة (يثرب) ـ هو تمكنه من وضع حد لتلك المعارك والمناوشات وتلك المذابح والمجازر، وإقرار الاخاء مكان العداء وإحلال السلام محل الحروب، وتشكيل جبهة متحدة متراصة الصفوف، قوية البنيان والأركان في المدينة المنورة.

ولكن حيث أن جذور النزاع كانت قوية وعديدة جداً، كان ذلك الإتحاد يتعرض أحياناً لبعض الهزات بسبب بعض الإختلافات المنسية التي كانت تطفو على السطح أحياناً فتشتعل نيران النزاع بعد غياب، ولكن سرعان ما كانت تختفي مرّة اُخرى بفضل تعليمات النبي العظيم (صلى الله عليه وآله وسلم) وحكمته، وتدبيره.

وقد لاحظنا في الآيات السابقة نموذجاً من تلك الإختلافات المتجددة التي كانت تبرز على أثر التحريكات التي كان يقوم بها الأعداء الأذكياء، ولكن هذه الآيات تشير إلى نوع آخر من الإختلافات التي كان يسببها الأصدقاء الجاهلون، والعصبيات العمياء والحمقاء.

يقال : افتخر رجلان من الأوس والخزرج هما «ثعلبة بن غنم» و «أسعد بن زرارة» فقال ثعلبة : منا خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، ومنا حنظلة غسيل الملائكة ومنا عاصم بن ثابت بن أفلح حمي الدين، ومنا سعد بن معاذ الذي رضي الله بحكمه في بني قريظة، وقال أسعد منا أربعة أحكموا القرآن : أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد ومنا سعد بن عبادة خطيب الأنصار ورئيسهم : فجرى الحديث بينهما فغضبا وتفاخرا وناديا فجاء الأوس إلى الأوسي، والخزرج إلى الخزرجي ومعهم السلاح، فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فركب حماراً وأتاهم، فأنزل الله هذه الآيات فقرأها عليهم فاصطلحوا.

التّفسير

(620)

الدعوة إلى التقوى :

في الآية الأُولى من هاتين الآيتين دعوة إلى التقوى لتكون التقوى مقدمة للإتحاد والتآخي.

وفي الحقيقة أن الدعوة إلى الإتحاد دون أن تستعين هذه الدعوة وتنبع من الجذور الخلقية والإعتقادية، دعوة قليلة الأثر، إن لم تكن عديمة الأثر بالمرّة، ولهذا يركز الإهتمام في هذه الآية على معالجة جذور الإختلاف، وإضعاف العوامل المسببة للتنازع في ضوء الإيمان والتقوى، ولهذا توجه القرآن بالخطاب إلى المؤمنين فقال (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حقّ تقاته).

يبقى ا ن نعرف أنه قد وقع كلام كثير بين المفسّرين حول المراد من قوله تعالى (حق تقاته) ولكن ممّا لا شكّ فيه أن «حق التقوى» يعد من أسمى درجات التقوى وأفضلها لأنه يشمل اجتناب كلّ إثم ومعصية، وكلّ تجاوز وعدوان، وإنحراف عن الحقّ .

ولذا نقل عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) كما في تفسير الدرّ المنثور ، وعن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) كما في تفسير العيّاشي ومعاني الأخبار ـ في تفسير قوله : (حق تقاته) أنهما قالا : «أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى (ويشكر فلا يكفر)» .

ومن البديهي أن القيام بهذا الأمر كغيره من الأوامر الإلهية، يرتبط بمدى قدرة الإنسان واستطاعته ولهذا لا تنافي بين هذه الآية التي تطلب حقّ التقوى وأسمى درجاته والآية 16 من سورة التغابن التي تقول : (فاتقوا الله ما استطعتم)فالكلام حول المنافاة بين الآيتين وادعاء نسخ إحداهما بالأُخرى ممّا لا أساس له مطلقاً، ولا داعي له أبداً.

على أنه ليس من شكّ في أن الآية الثانية تعتبر تخصيصاً ـ في الحقيقة ـ لمفاد

(621)

الآية الأُولى وتقييداً بالاستطاعة والقدرة، وحيث أن لفظة النسخ كانت ـ عند القدماء ـ تطلق على التخصيص، لذلك من الممكن أن يكون المراد من قول القائل بأن الآية الثانية ناسخة للأُولى هو كونها مخصصة للأُولى لا غير.

ثمّ إنه بعد أن أوصى جميع المؤمنين بملازمة أعلى درجات التقوى إنتهت الآية بما يعتبر تحذيراً ـ في حقيقته ـ للأوس والخزرج وغيرهم من المسلمين في العالم، تحذيراً مفاده : أن مجرد إعتناق الإسلام والإنضمام إلى هذا الدين لا يكفي، إنما المهم أن يحافظ المرء على إسلامه وإيمانه واعتقاده إلى اللحظة الأخيرة من عمره وحياته، فلا يبدد هذا الإيمان بإشعال الفتن وإثارة نيران البغضاء أو بالإنسياق وراء العصبيات الجاهلية الحمقاء، والضغائن المندثرة فتكون عاقبته الخسران، وضياع كلّ شيء ولهذا قال سبحانه (ولا تموتن إلاَّ وأنتم مسلمون).

الدعوة إلى الإتحاد

بعد أن أوصت الآية السابقة كلّ المؤمنين بملازمة أعلى درجات التقوى ومهدت بذلك النفوس وهيأتها، جاءت «الآية الثانية» تدعوهم بصراحة إلى مسألة الإتحاد، والوقوف في وجه كلّ ممارسات التجزئة وإيجاد الفرقة، فقال سبحانه في هذه الآية (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا).

ولكن ما المقصود من «حبل الله» في هذه الآية ؟ فقد ذهب المفسّرون فيه إلى إحتمالات مختلفة، فمنهم من قال بأنه القرآن، ومنهم من قال : بأنه الإسلام، ومنهم من قال بأنهم الأئمّة المعصومون من آل الرسول وأهل بيته المطهرين.

وقد وردت كلّ هذه المعاني في روايات منقولة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة من

(622)

أهل بيته (عليهم السلام).

ففي تفسير «الدرّ المنثور» عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي كتاب «معاني الأخبار» عن الإمام السجّاد أنهما قالا : «كتاب الله حبل ممدود من السماء».

وروى عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال : «آل محمّد (عليهم السلام) هم حبل الله الذي أمرنا بالإعتصام به فقال : واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا».

ولكنه ليس هناك ـ في الحقيقة ـ أي إختلاف وتضارب بين تلك الأقوال والأحاديث لأن المراد من الحبل الإلهي هو كلّ وسيلة للإرتباط بالله تعالى سواء كانت هذه الوسيلة هي الإسلام، أم القرآن الكريم، أم النبي وأهل بيته الطاهرين.

وبعبارة اُخرى فإن كلّ ما قيل يدخل بأجمعه في مفهوم ما يحقق «الإرتباط بالله» سبحانه ـ الواسع ـ والذي يستفاد من معنى حبل الله.

التعبير بـ «حبل الله» لماذا ؟

إن النقطة الجديرة بالإهتمام في هذه الآية هو التعبير عن هذه الأُمور بحبل الله، فهو إشارة إلى حقيقة لطيفة وهامة، وهي أن الإنسان سيبقى في حضيض الجهل، والغفلة، وفي قاع الغرائز الجامحة إذا لم تتوفر له شروط الهداية، ولم يتهيأ له الهادي والمربي الصالح فلابدّ للخروج من هذا القاع، والإرتفاع من هذا الحضيض من حبل متين يتمسك به ليخرجه من بئر المادية والجهل والغفلة، وينقذه من أسر الطبيعة، وهذا الحبل ليس إلاَّ حبل الله المتين، وهو الإرتباط بالله عن طريق الأخذ بتعاليم القرآن الكريم والقادة الهداة الحقيقيين، التي ترتفع بالناس من حضيض الحضيض إلى أعلى الذرى في سماء التكامل المادي والمعنوي.

أعداء الأمس وإخوان اليوم :

(623)

ثمّ إن القرآن بعد كلّ هذا يعطي مثالاً حيّاً من واقع الأُمة الإسلامية لأثر الإرتباط بالله وهو يذكر ـ في نفس الوقت ـ بنعمة الإتحاد والأُخوة ـ تلك النعمة الكبرى ـ ويدعو المسلمين إلى مراجعة الماضي المؤسف، ومقارنة ذلك الإختلاف والتمزق بهذه الوحدة القوية الصلبة ويقول : (واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً).

والملفت للنظر هو تكرار كلمة (نعمة) في هذه الآية مرتين وهو إشعار بأهمية الوحدة هذه الموهبة الإلهية التي لا تحققّ إلاَّ في ظل التعاليم الإسلامية والإعتصام بحبل الله.

والنقطة الأُخرى الجديرة بالإهتمام أيضاً هي أن الله نسب تأليف قلوب المؤمنين إلى نفسه فقال (فألف بين قلوبكم) أي أن الله ألف بين قلوبكم، وبهذا التعبير يشير القرآن الكريم إلى معجزة إجتماعية عظيمة للإسلام، لأننا لو لاحظنا ما كان عليه العرب والمجتمع الجاهلي من عداوات وإختلافات وما كان يكمن في القلوب من أحقاد طويلة عميقة وما تراكم فيها من ضغائن مستحكمة، وكيف أن أقل شرارة صغيرة أو مسألة جزئية كانت تكفي لتفجير الحروب، وإندلاع القتال في ذلك المجتمع المشحون بالأحقاد، وخاصة بالنظر إلى تفشي الأمية والجهل الملازم عادة للإصابة باللجاج والعناد والعصبية، فإن أفراداً من هذا النوع من الصعب أن يتناسوا أبسط أُمورهم فكيف بالأحداث الدامية الكبرى ؟ ومن هنا تتجلى أهمية المعجزة الإجتماعية التي حققها الإسلام حيث وحد الصفوف، وألف بين القلوب، وأنسى الأحقاد، تلك المعجزة التي أثبتت أن تحقيق مثل هذه الوحدة وتأليف تلك القلوب المتنافرة المتباغضة، وإيجاد أُمة واحدة متآخية من ذلك الشعب الممزق الجاهل ما كان ليتيسر في سنوات قليلة بالطرق والوسائل العادية.

(624)

اعتراف العلماء والمؤرخين :

وقد كانت أهمية هذا الموضوع (أي وحدة القبائل العربية المتباغضة بفضل الإسلام) إلى درجة أنها لم تخف على العلماء والمؤرخين، حتّى غير المسلمين منهم، فقد اتفق الجميع في الإعجاب بهذه المسألة، وإظهارها في كتاباتهم، وها نحن نذكر نماذج من ذلك :

يقول «جان ديون پورث» العالم الإنجليزي المشهور : «لقد حول محمّد العربي البسيط، القبائل المتفرقة والجائعة، الفقيرة في بلدة إلى مجتمع متماسك منظم، إمتازت، فيما بعد ـ بين جميع شعوب الأرض بصفات وأخلاق عظيمة وجديدة، واستطاع في أقل من ثلاثين عاماً وبهذا الطريق أن يتغلب على الامبراطورية الرومانية، ويقضي على ملوك إيران، ويستولي على سوريا وبلاد ما بين النهرين، وتمتد فتوحاته إلى المحيط الأطلسي وشواطىء بحر الخزر وحتى نهر سيحان (في جنوب شرقي آسيا الوسطى)(1).

ويقول توماس كارليل : «لقد أخرج الله العرب بالإسلام من الظلمات إلى النور وأحيى به منها أمة خاملة لا يسمع لها صوت ولا يحس فيها حركة حتّى صار الخمول شهرة، والغموض نباهة، والضعة رفعة، والضعف قوّة، والشرارة حريقاً، وشمل نوره الأنحاء، وعم ضوؤه الأرجاء وما هو إلاَّ قرن بعد إعلان هذا الدين حتّى أصبح له قدم في الهند، وأُخرى في الأندلس، وعم نوره ونبله وهداه نصف المعمورة»(2).

ويقول الدكتور «غوستاف لوبون» : معترفاً بهذه الحقيقة : «... وإلى زمان

_____________________________

1 ـ من كتاب عذر تقصير به پيشگاه محمّد وقرآن (بالفارسية) ص 77.

2 ـ الإسلام والعلم الحديث ص 33، والمخططات الإستعمارية لمكافحة الإسلام للصواف ص 38.

(625)

وقوع هذه الحادثة المدهشة (يعني الإسلام) الذي أبرز العربي فجأة في لباس الفاتحين، وصانعي الفكر والثقافة لم يكن يعد أن جزء من أرض الحجاز من التاريخ الحضاري ولا أنه كان يتراءى فيها للناظر أي شيء أو علامة للعلم والمعرفة، أو الدين»(1).

ويكتب «نهرو» العالم والسياسي الهندي الراحل في هذا الصدد قائلاً :

«إن قصة إنتشار العرب في آسيا وأوروبا وأفريقيا والحضارة الراقية والمدنية الزاهرة التي قدموها للعالم اُعجوبة من أعجوبات التاريخ، ولقد كان محمّد واثقاً بنفسه ورسالته، وقد هيأ بهذه الثقة وهذا الإيمان لأُمته أسباب القوّة والعزّة والمنعة»(2).

لقد كان وضع العرب سيئاً إلى أبعد الحدود حتّى أن القرآن يصف تلك الحالة بأنهم كانوا على حافة الإنهيار والسقوط إذ يقول : (وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها).

وتعني «شفا» في اللغة حافة الهاوية وطرف الحفرة أو الخندق وما شابه ذلك، ومن ذلك «الشفة» ، كما وتستعمل لفظة «شفا» هذه في البُرء من المرض، لأن الإنسان بسببه يكون على حافة السلامة والعافية.

ويريد سبحانه من قوله هذا : أنكم كنتم على حافة السقوط والإنهيار في الهاوية، وأن سقوطكم كان محتملاً في كلّ آن ومتوقعاً في كلّ لحظة، لتصبحوا بعد السقوط رماداً، وخبراً بعد أثر، ولكن الله نجاكم من ذلك السقوط المرتقب، وأبدلكم بعد الخوف أمناً، وبدل الإنهيار إعتلاء ومجداً، وهداكم إلى حيث الأمن والأمان في رحاب الأُخوة والمحبة.

_____________________________

1 ـ حضارة العرب لغوستاف لوبون.

2 ـ لمحات من تاريخ العالم ص 23 ـ 24.

(626)

والنار في هذه الآية : هل هي نار الجحيم، أو نيران هذه الدنيا ؟ فيها خلاف بين المفسّرين، ولكن النظر في مجموع الآية يهدي إلى أن النار كناية عن نيران الحروب والمنازعات التي كانت تتأجج كلّ لحظة بين العرب في العهد الجاهلي بحجج واهية، ولأسباب طفيفة.

فإن القرآن يصور بهذه العبارة الوضع الجاهلي المتأزم ويصور أخطار الحروب المدمرة التي كانت تتهدد حياة الناس في كلّ لحظة بالفناء والدمار والإنهيار، وما منَ به الله سبحانه عليهم من النجاة والخلاص من ذلك الوضع في ظل الإسلام وبفضل تعاليمه، والذي بسببه تخلّص المسلمون أيضاً من نار جهنم، وعذابه الأليم.

ولمزيد من التأكيد على ضرورة الإعتصام بحبل الله مع الإعتبار بالماضي والحاضر، يختم سبحانه الآية بقوله (كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون).

إذن فالهدف الأساسي هو خلاصكم ونجاتكم وهدايتكم إلى سبل الأمن والسلام، وحيث إن في ذلك مصلحتكم فإن عليكم أن تعيروا ما بيناه لكم مزيداً من الإهتمام، ومزيداً من العناية.

دور الإتحاد في بقاء الأُمم

رغم كلّ ما قيل عن أهمية الإتحاد وآثاره العظيمة في التقدّم الإجتماعي عند الشعوب والأُمم فإن من الممكن القول والإدعاء بأن الآثار الواقعية لهذه المسألة لا تزال مجهولة، وغير معروفة كما ينبغي.

إن العالم يشهد اليوم سدوداً كثيرة وكبيرة أقيمت في مختلف المناطق، وقد أصبحت منشأ لإنتاج أضخم القوى الصناعية، فقد استطاعت هذه السدود بفضل ما أنتجت من طاقات وحفظت من مياه كانت تذهب قبل ذلك هدراً، أن تغطي

(627)

مساحات كبيرة شاسعة بالري والإضاءة.

فلو أننا فكرنا قليلاً لوجدنا أن هذه القوّة العظيمة لم تنشأ إلاَّ من تجمع القوى الصغيرة، الجزئية ـ أي تجمع قطرات المطر، وحبات الغيث الحقيرة ـ ومن هنا تدرك أهمية إجتماع القوى البشرية وتلاحم الطاقات الإنسانية، وتجمعها، وما يرافقها من جهود جماعية.

ولقد عبرت النصوص والأحاديث المأثورة عن النبي الكريم وأهل بيته الطاهرين ـ عليهم صلوات الله أجمعين ـ عن أهمية الإتحاد والإجتماع بعبارات متنوعة مختلفة.

فتارة يقول النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً» وشبك بين أصابعه(1).

واُخرى يقول (صلى الله عليه وآله وسلم) «المؤمنون كالنفس الواحدة»(2).

وثالثة يقول (صلى الله عليه وآله وسلم) «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى بعضه تداعى سائره بالسهر والحمى»(3).

* * *

_____________________________

1 ـ تفسير أبو الفتوح الرازي ج 2 ص 450 نقلاً عن البخاري كتاب المظالم باب 5.

2 ـ المصدر السابق.

3 ـ المصدر السابق.

(628)

الآيتان

وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلاَ تُكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْبَيِّنَـاتُ وَأُوْلَئكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105)

التّفسير

الدعوة إلى الحقّ ومكافحة الفساد :

بعد الآيات السابقة التي حثت على الأخوة والإتحاد جاءت الإشارة ـ في الآية الأُولى من الآيتين الحاضرتين ـ إلى مسألة «الأمر بالمعروف» و «النهي عن المنكر» اللذين هما ـ في الحقيقة ـ بمثابة غطاء وقائي إجتماعي لحماية الجماعة وصيانتها، إذ تقول (ولتكن منكم اُمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون).

لأن فقدان «الأمر بالمعروف» و «النهي عن المنكر» يفسح المجال للعوامل المعادية للوحدة الإجتماعية بأن تنخرها من الداخل، وتأتي على كلّ جذورها

(629)

كما تفعل الأرضة، وأن تمزق وحدة الأُمة وتفرق جمعها، ولهذا فلابدّ من مراقبة مستمرة ورعاية دائمة لهذه الوحدة، ولا يتم ذلك إلاَّ بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

وهذه الآية تتضمن دستوراً أكيداً للأمة الإسلامية بأن تقوم بهاتين الفريضتين دائماً، وأن تكون أمة آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر أبداً لأن فلاحها رهن بذلك : (وأولئك هم المفلحون).

يبقى أن نعرف أن «الأُمة» مأخوذة لغة من «الأُم» وهو كلّ ما انضم إليه الأشياء الاُخرى، أو كلّ شيء ضم إليه سائر ما يليه، والأُمة كلّ جماعة يجمعهم أمر جامع إما دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد لهذا لا تطلق لفظة الأُمة على الأفراد المتفرقين، والأشخاص الذين لا يربطهم رباط واحد.

سؤال

وهنا يطرح سؤال وهو : أن الظاهر من جملة «منكم أمة» هو جماعة من المسلمين لا كافة المسلمين، وبهذا لا يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجباً عامّاً، بل وظيفة دينية تختص بفريق من المسلمين، وإن كان إنتخاب هذا الفريق الخاصّ من مسؤولية المسلمين جميعاً.

وبعبارة أُخرى أن جملة «منكم أمة» ظاهرة في أن هذين الأمرين، واجبان كفائيان لا عينيان.

في حين أن آيات اُخرى تفيد بأنهما عامان غير خاصين بجماعة دون اُخرى، كما في آية لاحقة وهي قوله سبحانه (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر).

أو ما جاء في سورة «العصر» :

(إلاَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحقّ وتواصوا بالصبر) فإن

(630)

الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتواصي بالحقّ، والتواصي بالصبر في هذه الآيات وما شابهها عامة غير خاصّة.

والجواب :

إن الإمعان في مجموعة هذه الآيات يوضح لنا الجواب، فإنه يستفاد منها أن «الأمر بالمعروف» و «النهي عن المنكر» مرحلتين : «المرحلة الفردية» التي يجب على كلّ واحد القيام بها بمفرده، إذ يجب عليه أن يراقب تصرفات الآخرين، و«المرحلة الجماعية» وهي التي تعتبر من مسؤولية الأُمة بما هي أُمة، حيث يجب عليها أن تقوم بمعالجة كلّ الإعوجاجات والإنحرافات الإجتماعية، وتضع حدّاً لها، بالتعاون بين أفرادها وأعضائها كافة.

ويعتبر القسم الأول من وظيفة الأفراد، فرداً فرداً، وحيث إن إمكانات الفرد وقدراته محدودة، ولذلك فإن إطار هذا القسم يتحدد بمقدار هذه الإمكانات.

وأمّا القسم الثاني فإنه يعتبر واجباً كفائياً، وحيث إنه من واجب الأُمة بما هي أُمة فإن حدوده يتسع ولهذا يكون من واجبات الحكومة الإسلامية، وشؤونها بطبيعة الحال.

إن وجود هذين النوعين من مكافحة الفساد، والدعوة إلى الحقّ يعتبران ـ بحقّ ـ من أهم التعاليم التي تتوج القوانين الإسلامية، كما ويكشف عن سياسة تقسيم الواجبات والوظائف وتوزيع الأدوار في الدولة الإسلامية، وعن لزوم تأسيس «فريق المراقبة» للنظارة على الأوضاع الإجتماعية والمؤسسات المختلفة في النظام الإسلامي.

وقد جرت العادة فيما سبق بوجود أجهزة خاصّة تقوم بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المستوى الإجتماعي في البلاد الإسلامية، وقد كانت تسمى هذه الأجهزة تارة باسم «دائرة الحسبة» ويسمى موظفوها بالمحتسبين، وتارة

(631)

باسم الآمرين بالمعروف،. وقد كانت هذه الأجهزة بسبب موظفيها تقوم بمكافحة كلّ فساد في المجتمع، أو كل فساد وظلم في أجهزة الدولة، إلى جانب ما تقوم به من تشجيع الناس على الخير والحثّ على المعروف.

ومع وجود مثل هذه الجماعة بما لها من القوة الواسعة لا يوجد أي تناف بين شمول فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليها وعلى الفرد بما له من القدرة المحدودة. إذ يكون الأمر والنهي الواسعان من واجب الدولة الإسلامية لا الفرد.

وحيث إن هذا البحث يعتبر من أهم الأبحاث القرآنية وقد أشارت إليه آيات كثيرة فى الكتاب العزيز لذلك يلزم أن نذكر أُموراً في هذا المجال :

1 ـ ما هو «المعروف» وما هو «المنكر» ؟

«المعروف» هو كلّ ما يعرف وهو مشتق من عرف، و «المنكر» كلّ ما ينكر وهو مشتق من الإنكار، وبهذا النحو وصفت الأعمال الصالحة بأنها اُمور معروفة، والأعمال السيّئة والقبيحة اُمور منكرة، لأن الفطرة الإنسانية الطاهرة تعرف القسم الأول وتنكر القسم الثاني.

2 ـ هل الأمر بالمعروف واجب عقلي أو تعبدي ؟

يعتقد جماعة من علماء المسلمين أن وجوب هاتين الفريضتين لم يثبت إلاَّ بالدليل النقلي، وأن العقل لا يحكم بوجوب النهي عن منكر لا يتعدى ضرره إلى غير فاعله.

ولكن نظراً إلى العلاقات الإجتماعية، وما للمنكر من الآثار السيئة التي لا تنحصر في نقطة وقوعها، بل تتعداها إلى العلاقات الإجتماعية إذ يمكن سراية شرارته إلى كلّ نواحي المجتمع تتضح الأهمية العقلية لهاتين الوظيفتين.

وبعبارة أُخرى : ليس هناك في المجتمع ما يكون «ضرراً فردياً» ينحصر

(632)

نطاقه على الفرد خاصة، بل كلّ ضرر فردي يمكن أن ينقلب إلى «ضرر إجتماعي» ولهذا يؤكد العقل والمنطق السليم لأفراد المجتمع بأن لا يألوا جهداً في الإبقاء على سلامة البيئة الإجتماعية وطهارتها من كلّ دنس.

وقد أشير إلى هذا في بعض الأحاديث.

فعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال : «مثل القائم على حدود الله والمرهن فيها كمثل قوم استهمّوا على سفينة في البحر فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسفلها... فقال الذين في أسفلها : إننا ننقبها من أسفلها فتستقى، فإن أخذوا على أيدهم فمنعوهم نجوا جميعاً، وإن تركوهم غرقوا جميعاً»(1).

ولقد جسد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ بهذا المثال الرائع ـ موضوعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنطقية هاتين الفريضتين بغض النظر عن أمر الشارع بهما،وبذلك قرر حقّ الفرد في النظارة على المجتمع على أساس أنه حقّ طبيعي ناشىء من اتحاد المصائر في المجتمع، وارتباط بعضها ببعض.

3 ـ أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

هناك علاوة على الآيات القرآنية الكثيرة، أحاديث مستفيضة في المصادر الإسلامية المعتبرة تتحدث عن أهمية هاتين الفريضتين الإجتماعيتين الكبيرتين، قد أُشير فيها إلى العواقب الخطيرة المترتبة على تجاهل وترك هاتين الوظيفتين في المجتمع، نذكر من باب المثال طائفة منها :

1 ـ عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال : «إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة عظيمة بها تقام الفرائض، وتأمن المذاهب، وتحل المكاسب، وترد المظالم، وتعمر الأرض وينتضف من الأعداء، ويستقيم الأمر»(2).

_____________________________

1 ـ راجع سنن الترمذي : ج 4 كتاب الفتن الباب 12 ومسند أحمد : ج 4 ص 268.

2 ـ وسائل الشيعة : ج 11 كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص 395.

(633)

2 ـ قال النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفه الله في أرضه، وخليفة رسول الله وخليفة كتابه»(1).

3 ـ جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو على المنبر فقال : يا رسول الله من خير الناس ؟

قال : «آمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله وأرضاهم»(2).

4 ـ في حديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لتأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم سلطاناً ظالماً لا يجل كبيركم ولا يرحم صغيركم، وتدعو خياركم فلا يستجاب لهم، وتستنصرون فلا تنصرون، وتستغيثون فلا تغاثون، وتستغفرون فلا تغفرون»(3).

هذه الأُمور كلّها هي الآثار الطبيعية لموقف المجتمع الذي يعطل هاتين الوظيفتين الإجتماعيتين العظيمتين، لأن ترك النظارة العامّة على ما يجري في المجتمع يلازم خروج الأُمور من قبضة الصالحين، والإفساح للأشرار بأن يتسلموا أزمة الأُمور ومقدرات المجتمع ويحكموا فيه بأهوائهم، فيقع ما يقع من المآسي وتصاب الجماعة بما ذكره الحديث المتقدم من التبعات والمفاسد.

وما ذكر في الحديث من عدم قبول توبتهم أيضاً لأنة لا معنى لقبول التوبة مع استمرارهم على السكوت اللهم إلاَّ أن يعيدوا النظر في سلوكهم.

5 ـ عن علي (عليه السلام) : «وما أعمال البر كلّها والجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلاَّ كنفثة في بحر لجىء»(4).

كل هذه التأكيدات هي لكون هاتين الوظيفتين العظيمتين خير ضمان لإجراء وتنفيذ بقية الوظائف الفردية والإجتماعية، ولأنهما بمثابة الروح لها، فبتركهما

_____________________________

1 و 2 و 3 ـ مجمع البيان في تفسير الآية.

4 ـ نهج البلاغة قصار الكلم، الكلمة رقم 374.

(634)

تندرس كلّ الأحكام والقيم الأخلاقية وتفقد قيمتها وتختفي من حياة المجتمع.

4 ـ هل الأمر بالمعروف يوجب سلب الحريات ؟

في الإجابة على هذا السؤال لابدّ من القول بأن النمط الجماعي للحياة وإن كان ـ بلا ريب ـ ينطوي على فوائد كثيرة لأفراد البشر، بل إن هذه المزايا هي التي دفعت الإنسان ليختار الحياة الإجتماعية، إلاَّ أنه ينطوي في مقابل ذلك على بعض التقييدات لحريات الأفراد، ولكن بما أن ضرر هذه التقييدات الجزئية ضئيل تجاه الفوائد الجمة التي تنطوي عليها الحياة الإجتماعية إختار الإنسان النمط الإجتماعي منذ الأيّام الأُولى من حياته على هذا الكوكب متحملاً كلّ التقييدات.

وحيث إن مصائر الأفراد ترتبط ببعضها في الحياة الإجتماعية، ويؤثر بعضها في بعض بمعنى أن الجميع في الحياة الإجتماعية يشتركون في مصير واحد، لذلك كان حقّ النظارة على تصرفات الآخرين وسلوكهم حقّاً طبيعياً تقتضيه الحياة الجماعية، كما جاء ذلك في الحديث الرائع الذي نقلناه آنفاً عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)في هذا المجال.

وعلى هذا فإن الأمر بالمعروف لا ينافي الحريات الفردية فحسب، بل هو وظيفة كلّ فرد تجاه الفرد الآخر، لأن من شأنه الإبقاء على سلامة الآخرين واستقامة أُمورهم، ومن ثمّ سلامة الفرد نفسه واستقامة أمره.

5 ـ ألا يلازم الأمر بالمعروف الفوضى الإجتماعية ؟

هناك سؤال آخر يطرح نفسه في هذا المجال وهو إذا سمحنا للناس بأن يتدخلوا في شؤون الآخرين وتكون لهم النظارة على أعمالهم وتصرفاتهم، فإن ذلك يوجب وقوع الفوضى في المجتمع، إذ تحصل بسببه المصادمات بين الأفراد، ولأنه يخالف مبدأ توزيع الواجبات والمسؤوليات في الحياة الإجتماعية فما هو الجواب ؟

(635)

في الإجابة على هذا السؤال لابدّ من القول : بأن الأبحاث السابقة قد أوضحت أن لوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مرحلتين : المرحلة الأُولى : وهي المرحلة العمومية، وهي ذات إطار محدود لا يتجاوز التذكير، والعظة، والإعتراض، والنقد وما شابه ذلك، ولا شكّ أن المجتمع إذا أراد أن يكون حيّاً لابدّ أن يشعر أفراده جميعاً بمثل هذه المسؤولية تجاه المفاسد، وبمثل هذا الشعور تجاه المنكرات.

وأمّا المرحلة الثانية التي تختص بجماعة معيّنة وخاصة، وتكون من شؤون الحكومة الإسلامية فهي أوسع إطاراً، وأكبر مسؤولية، وأكثر قوة، بمعنى أن الأمر إذا تطلب استخدام القوة، وحتى إجراء القصاص وإجراء الحدود كان من صلاحيات هذه الجماعة أن تقوم به تحت نظر الحاكم الشرعي، ومسؤولي الحكومة الإسلامية، وهذا القسم هو الذي يقع بسببه الهرج والمرج لو أنيط إلى كلّ من هب ودب، دون القسم الأول الذي لا يتجاوز النصح والتذكير، والإعتراض والإعراض.

إذن فبملاحظة المراحل المختلفة في هذه الوظيفة الدينية، وما لكلّ واحدة منها من الحدود والأبعاد، فإن القيام بهذه الوظيفة لا يستوجب الهرج والمرج في المجتمع، بل يخرج المجتمع من صورة الجماعة الميتة الخامدة، إلى صورة المجتمع الحي النابض، والجماعة المتحركة الصاعدة.

6 ـ الأمر بالمعروف غير العنف

في ختام هذا البحث لابدّ من التذكير بهذه الحقيقة وهي أنّه لابدّ في القيام بهذه الفريضة الإلهية السامية والدعوة إلى الحقّ ومكافحة الفساد من حسن النية، وسلامة الهدف، والشعور بالمسؤولية، كما يجب أن يتم بالطرق السلمية، ومن هنا لا يمكن إعتباره عملاً خشناً ملازماً للعنف إلاَّ في بعض الموارد الضرورية.

(636)

بيد أن البعض ـ مع الأسف ـ يستخدم العنف والخشونة لدى القيام بهذا الواجب المقدس في غير الموارد الضرورية التي تستدعي مثل ذلك، وربما توسل بالسب والشتم، ولهذا نرى أن مثل هذه الممارسات لا تترك أثراً ايجابياً، بل تعطي في الأغلب نتائجها العكسية، وثمارها السلبية، في حين ترينا سيرة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة الهداة من أهل بيته (عليهم السلام) غير ذلك، فهم كانوا يستعملون ـ في هذه الوظيفة المقدسة ـ منتهى اللطف والمحبة، وغاية الأدب والإتزان، ولهذا كانوا يؤثرون غاية التأثير، ويتركون أفضل النتائج حتّى أنهم كانوا يطوعون بذلك النهج أعتى الأفراد، وأكثرهم عناداً وجفافاً ـ .

جاء في تفسير «المنار» في معرض الحديث عن هذه الآية : أن غلاماً شاباً أتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال : أتأذن لي في الزنا ؟

فصاح الناس به فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : قربوه ادن، فدنا حتّى جلس بين يديه فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أتحبّه لأُمّك ؟

قال لا، جعلني الله فداءك.

قال : كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم، أتحبه لأبنتك ؟

قال : لا، جعلني الله فداءك.

قال : كذلك لايحبونه لبناتهم، أتحبه لأختك ؟

قال : لا، جعلني الله فداءك.

فوضع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يده ـ على صدره وقال :

«اللهم طهر قلبه، واغفر ذنبه، وحصن فرجه».

فلم يكن شيء أبغض إليه من الزنا(1).

_____________________________

1 ـ المنار : ج 4 ص 33 ـ 34.

(637)

وكان هذا هو الأثر الطبيعي للأُسلوب اللين في النهي عن المنكر.

* * *

الفرقة بعد الإتحاد من شيم النصارى واليهود :

تقتضي أهمية الوحدة أن يركز القرآن الكريم ويؤكد عليها مرّة بعد أُخرى، ولذا يذكر بأهمية الإتحاد، ويحذر من تبعات الفرقة والنفاق وآثارها المشؤومة، بقوله (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات).

إن هذه الآية تحذر المسلمين من أن يتبعوا ـ كالأقوام السابقة مثل اليهود والنصارى ـ سبيل الفرقة والإختلاف بعد أن جاءتهم البينات وتوحدت صفوفهم عليها، فيكسبوا بذلك العذاب الأليم.

إنه في الحقيقة يدعو المسلمين إلى أن يعتبروا بالماضي، ويتأملوا في حياة السابقين، وما آلوا إليه من المصير المؤلم، بسبب الإختلاف والتشتت.

إنها لفتة تاريخية من شأنها أن توقفنا على ما ينتظر كلّ أُمة من سوء العواقب إذا هي سلكت سبيل النفاق، وتفرقت بعد ما توحدت، وتشتّتت بعد ما تجمعت.

إن إصرار القرآن الكريم في هذه الآيات على إجتناب الفرقة والنفاق إنما هو تلميح إلى أن هذا الأمر سيقع في المجتمع الإسلامي مستقبلاً، لأن القرآن لم يحذّر من شيء أو يصر على شيء إلاَّ وكان ذلك إشارة على وقوعه في المستقبل.

ولقد تنبأ الرسول الأكرم بهذه الحقيقة وأخبر المسلمين عنها، بصراحة إذ قال :

«إن أمة موسى افترقت بعده على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت أمة عيسى بعده على اثنتين وسبعين فرقة، وأن أمتي ستفترق بعدي على ثلاث وسبعين فرقة»(1).

_____________________________

1 ـ نقلت هذه الرواية بطرق مختلفة عن الشيعة والسنة وأما كتب الشيعة التي نقلت هذه الرواية فهي : الخصال، ومعاني الأخبار، والإحتجاج، وأمالي الصدوق، وأصل سليم بن قيس، وتفسير العياشي، وأما الكتب السنية فهي الدرّ المنثور، وجامع الأصول، والملل والنحل.

(638)

والظاهر أن عدد (70) إشارة إلى الكثرة فهو عدد تكثيري، لا عدد إحصائي، فالرواية تعني ان فرقة واحدة فقط بين اليهود والنصارى هي المحقّة الناجية، وفرقاً كثيرة في النار، وهكذا الحال في المسلمين وربّما يزداد عدد إختلافات المسلمين على ذلك.

ولذا أشار القرآن الكريم بما أخبر الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً إلى ما يقع بين المسلمين بعد وفاته من الإختلاف والفرقة، والخروج عن الطريق المستقيم الذي لا يكون إلاَّ طريقاً واحداً، والإنحراف عن جادة الحقّ في العقائد الدينية، بل ويذهب المسلمون ـ في هذا الإختلاف ـ إلى حد تكفير بعضهم بعضاً، وشهر السيوف، والتلاعن والتشاتم، وهدر النفوس، واستحلال الدماء والأموال، بل ويبلغ الإختلاف بينهم أن يلجأ بعض المسلمين إلى الكفّار، وإلى مقاتلة الأخ أخاه.

وبهذا تتبدل الوحدة التي كانت من أسباب تفوق المسلمين السابقين ونجاحهم إلى النفاق والإختلاف والتشرذم والتمزق، وتنقل حياتهم السعيدة إلى حياة شقية، وتحلّ الذلة محل العزّة، والضعف مكان القوة وتتبدد العظمة السامية، وينتهي المجد العظيم.

أجل إن الذين يسلكون سبيل الإختلاف بعد الوحدة، والفرقة بعد الإتحاد سيكون لهم عذاب أليم.

(أولئك لهم عذاب عظيم).

إنّه ليس من شكّ في أن نتيجة الإختلاف والفرقة لن تكون سوى الذلة والإنكسار، فذلك هو سر سقوط الأُمم وذلتها، إنه الإختلاف والتشتت، والنفاق والتدابر.

(639)

إن المجتمع الذي تحطمت وحدته بسبب الفرقة، وتفتت تماسكه بسبب الإختلاف، سيتعرض ـ لا محالة ـ لغزو الطامعين، وستكون حياته عرضة لأطماع المستعمرين، بل ومسرحاً لتجاوزاتهم، وما أشد هذا العذاب، وما أقسى هذه العاقبة ؟ أجل تلك هي عاقبة النفاق والإختلاف في الدنيا.

وأما عذاب الآخرة فهو ـ كما وصفه الله تعالى في القرآن الكريم ـ أشد وأخزى. فذلك هو ما ينتظر المفرّقين المختلفين، وذلك هو ما يجب أن يتوقعه كلّ من حبذ النفاق على الإتفاق، والتدابر على التآلف، والتشتت على الإجتماع... خزي في الدنيا، وعذاب أخزى في الآخرة.

* * *

(640)

الآيتان

يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَـانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُم تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَـالِدُونَ (107)

التّفسير

الوجوه المبيضة والوجوه المسودة :

في تعقيب التحذيرات القوية التي تضمنتها الآيات السابقة بشأن التفرقة والنفاق والعودة إلى عادات الكفر ونعرات الجاهلية، جاءت الآيتان الحاضرتان تشيران إلى النتائج النهائية لهذا الإرتداد المشؤوم إلى خُلُق الجاهلية وعاداتها، وتصرحان بأن الكفر والنفاق والتنازع والعودة إلى الجاهلية توجب سواد الوجه، فيما يوجب الثبات على طريق الإيمان والإتحاد، والمحبة والتآلف، بياض الوجوه، فتقول (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) ففي يوم القيامة تجد بعض الناس وجوههم مظلمة سوداء، والبعض الآخر وجوههم نقية بيضاء ونورانية (فأما

(641)

الذين أسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون)فلماذا اخترتم طريق النفاق والفرقة والجاهلية على الإتحاد في ظلّ الإسلام، فذوقوا جزاءكم العادل، وأما المؤمنون فغارقون في رحمة الله (وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون).

إن هاتين الآيتين تصرحان بأن المنافقين والمتفرقين بعد ما جاءتهم البينات هم المسودة وجوههم الذائقون للعذاب الأليم بسبب كفرهم، وأما المؤمنون المتآلفون المتحابون المتحدون فهم في رحمة الله ورضوانه مبيضة وجوههم.

ولقد قلنا مراراً أن ما يلاقيه الإنسان من الأوضاع والحالات، ومن الثواب والعقاب في الحياة الآخرة ليس في الحقيقة سوى أفكاره وأعماله وتصرفاته المجسمة التي قام بها في هذه الحياة الدنيا، فهما وجهان لعملة واحدة، إنه تجسم صادق ودقيق لما كان ينويه أو يعمله هنا ليس إلاَّ.

وبعبارة أُخرى : أن لكل ما يفعله الإنسان فى هذه الحياة آثاراً واسعة تبقى في روحه، وقد لا تدرك في هذه الحياة، ولكنها تتجلّى ـ بعد سلسلة من التحولات ـ في الآخرة، فتظهر بحقائقها الواقعية، وحيث إن جانب الروح يكون أقوى في الآخرة، إذ تشتد حاكميتها وسيادتها على الجانب الآخر من الكيان البشري من هنا يكون لتلك الآثار إنعكاساتها حتّى على الجسد، فتبدو الآثار المعنوية للأعمال محسوسة كما يكون الجسد محسوساً لكلّ أحد.

فكما ان الإيمان والإتحاد يوجبان الرفعة وبياض الوجوه في هذا العالم، ويوجب العكس العكس، أي أن الكفر والإختلاف يوجبان للأُمة الكافرة المتفرقة سواد الوجه والذلة، فإن هذا البياض والسواد (المجازيين) في الدنيا يظهران في الآخرة بصورة حقيقية حيث يحشر المؤمنون المتحدون المتآلفون بيض الوجوه،

(642)

بينما يحشر الكافرون المتفرقون المتخاصمون سود الوجوه.

وتلك حقيقة أشارت إليها آيات اُخرى في القرآن الكريم في شأن من يتمادى في المعصية ويأتي بالذنب تلو الذنب، والإثم بعد الإثم إذ يقول سبحانه : (كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلماً)(1).

ويقول في شأن الذين يفترون على الله الكذب (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة)(2).

وكلّ هذه الأُمور هي المردودات والآثار الطبيعية لما يأتيه الإنسان في عالم الدنيا من الأعمال.

* * *

_____________________________

1 ـ يونس : 27.

2 ـ الزمر : 60.

(643)

الآيتان

تِلْكَ ءَايَـاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَـالَمِينَ  (108)  وَللهِ مَا فِي السَّمَـاوَاتِ وَمَا فِي الاَْرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الاُْمُورُ (109)

التّفسير

هذه الآية إشارة إلى ما تعرضت الآيات السابقة له حول الإيمان والكفر، والإتحاد، والإختلاف، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وآثارها وعواقبها،

إذ تقول : (تلك آيات الله نتلوها عليك بالحقّ وما الله يريد ظلماً للعالمين) فكلّ هذه الآيات تحذيرات عن تلك العواقب السيئة التي تترتب على أفعال الناس أنفسهم (وما الله يريد ظلماً للعالمين) وإنما هي آثار سيئة يجنيها الناس بأيديهم.

ويدلُّ على ذلك أن الله لا يحتاج إلى ظلم أحد، كيف وهو القوي المالك لكلّ شيء وإنما يحتاج إلى الظلم الضعيف، وإلى هذا يشير قوله سبحانه (ولله ما في السماوات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأُمور).

فالآية ـ في الحقيقة ـ تشتمل على دليلين على عدم صدور الظلم منه سبحانه :

الأوّل : إن الله مالك الوجود كلّه فله ما في السماوات وما في الأرض، فلا معنى للظلم ولا موجب له عنده، وإنما يظلم الآخرين ويعتدي عليهم من يفقد شيئاً، وإلى هذا يشير المقطع الأول من الآية وهو قوله تعالى : (ولله ما في السماوات وما في الأرض).

الثاني : إن الظلم يمكن صدوره ممّن تقع الأُمور دون إرادته ورضاه، أما من ترجع إليه الأُمور جميعاً، وليس لأحد أن يعمل شيئاً بدون إذنه فلا يمكن صدور الظلم منه، وإلى هذا يشير قوله سبحانه : (وإلى الله ترجع الأُمور).

* * *

(644)

الآية

كُنتُمْ خَيْرَ أَمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ الْكِتَـابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَـاسِقُونَ (110)

التّفسير

مكافحة الفساد والدعوة إلى الحقّ أيضاً :

في هذه الآية تطرح مرّة أُخرى مسألة «الأمر بالمعروف» و «النهي عن المنكر»، وتعتبر الآية الحاضرة هاتين المسألتين واجبين عموميين كما مرّ في تفسير الآية (104)، بينما تبين الآية السابقة مرحلة خاصّة، وهي مرحلة الوجوب الكفائي أي الخاصّ بجماعة معينة، كما مرّ تفصيله.

فالآية السابقة تشير إلى القسم الخاصّ، وهذه الآية تشير إلى القسم العام من هاتين الفريضتين.

والجدير بالذكر أن القرآن الكريم يصف المسلمين ـ في هذه الآية ـ بأنهم خير أمة هُيئت وعُبئت لخدمة المجتمع الإنساني، والدليل على أن هذه الأُمة خير أمة

(645)

رشحت لهذه المهمة الكبرى هو «قيامها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإيمانها بالله» وهذا يفيد أن إصلاح المجتمع البشري لا يمكن بدون الإيمان بالله والدعوة إلى الحقّ، ومكافحة الفساد، كما ويستفاد من ذلك أن هاتين الوظيفتين مع ما هما عليه من السعة في الإسلام ممّا تفرد بهما هذا الدين من دون بقية الشرائع السابقة.

أما لماذا يجب أن تكون هذه الأُمة خير الأمم، فسببه واضح كذلك. لأنها تختص بآخر الأديان الإلهية والشرائع السماوية، ولا شكّ أن هذا يقتضي أن يكون أكمل الشرائع وأتمها في سلم الأديان.

وقفتان عند هذه الآية :

ثمّ إنه يتعين علينا أن

ننتبه إلى نقطتين أُخريين في هذه الآية وهما :

الأولى : التعبير بلفظ الماضي «كنتم» يعني أنكم كنتم كذلك في السابق، ومفهوم هذا التعبير وإن كان موضع إحتمالات كثيرة بين المفسّرين، إلاَّ أن ما يترجح عند النظر هو أن التعبير بالمضي إنما هو لأجل التأكيد، والتلويح بأن الشيء محقّق الوقوع، ولذلك نظائر كثيرة في الكتاب العزيز حيث عبّر عن القضايا المحقّقة الوقوع بصيغة الفعل الماضي، لإفادة أن ذلك ممّا يقع حتماً حتّى أنه نزل منزلة الماضي الذي قد تحقّق فعلاً.

الثانية : أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قُدِّما ـ في هذه الآية ـ على الإيمان بالله، وذلك خير شاهد على أهمية هاتين الفريضتين الإلهيتين ـ وخطورتهما ـ مضافاً إلى أن القيام بهذين الواجبين المقدسين ممّا يوجب إنتشار الإيمان، واتساع رقعته، وتعميق جذوره في النفوس، وتنفيذ كلّ القوانين الفردية والإجتماعية، ولا ريب أن ما يضمن تنفيذ القانون وتطبيقه

(646)

مقدّم على نفس القانون.

بل إن تعطيل هذين الواجبين يوجب ضعف العقائد في القلوب، وانهيار قواعد الإيمان في النفوس، ولهذا كلّه كان طبيعياً أن يقدِّما على الإيمان.

من هذا البيان يتضح أن المسلمين «خير أُمة» ما داموا يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فإذا نسوا هاتين الفريضتين وأهملوهما لم يعودوا خير أُمة، كما لم يعودوا في خدمة المجتمع البشري أبداً.

على أن المخاطب في هذه الآية هم عموم المسلمين في جميع العصور كما هو الحال في كلّ الخطابات القرآنية، فما إحتمله البعض من أنه خاص بالمهاجرين أو المسلمين الأوائل لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه.

ثم إن الآية تشير إلى أن ديناً بمثل هذا الوضوح، وتشريعاً بمثل هذه العظمة، وتعاليم تنطوي على مثل هذه الفوائد التي لا تنكر، ينبغي أن يؤمن به أهل الكتاب من اليهود والنصارى لأن في ذلك صلاحهم، وخيرهم إذ يقول سبحانه : (ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم).

ولكن ـ وللأسف ـ لم يؤمن به إلاّ قلّة ممّن نبذ التعصب الأعمى، واعتنق الإسلام برغبة صادقة، واستقبل هذا الدين برحابة صدر، فيما أعرض الأكثرون منهم، وفضلوا البقاء على ما هم عليه من الكفر والعصبية على إتباع هذا الأمر الإلهي، متجاهلين حتّى تلك البشائر التي نطقت بها كتبهم حول هذا الدين وإلى هذا يشير سبحانه بقوله (منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون) الخارجون عن هذا الأمر الإلهي.

* * *

(647)

الآيتان

لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَإِن يُقَـاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الاَْدْبَارَ ثُمَّ لاَيُنصَرُونَ  (111)  ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْل مِّنَ اللهِ وَحَبْل مِّنَ النَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَب مِّنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَـاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الاَْنبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ(112)

سبب النّزول

عندما أقدم بعض ذوي الضمائر المستيقظة من كبار اليهود مثل عبدالله ابن سلام على ترك دينهم واعتناق الإسلام عمد جمع من رؤوس اليهود إليهم وأنّبوهم لإسلامهم، بل وهددوهم لتركهم دين الآباء، واعتناق الإسلام، فنزلت هذه الآيات لتثبيتهم، وتبشيرهم وتبشير المسلمين بالظفر.

التّفسير

تبشر الآية الأُولى المسلمين الذين يواجهون ضغوطاً شديدة وتهديدات
أحياناً من جانب قومهم الكافرين بسبب اعتناق الإسلام، تبشرهم وتعدهم بأنهم

(648)

منصورون، وأن أهل الكتاب لا يقدرون عليهم ولا تنالهم من جهتهم مضرة، وأن ما سيلحقهم من الأذى من جانبهم لن يكون إلاَّ طفيفاً وعابراً : (لن يضروكم إلاَّ أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثمّ لا ينصرون).

إن هاتين الآيتين تحتويان ـ في الحقيقة ـ على عدّة أخبار غيبية، وبشائر مهمة للمسلمين قد تحقق جميعها في زمن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وحياته الشريفة وهي :

1 ـ إن أهل الكتاب لا يقدرون على إلحاق أي ضرر مهم بالمسلمين، وأن ما يلحقونه بهم لن يكون إلاّ أضراراً بسيطة، وعابرة (لن يضروكم إلاّ أذى).

2 ـ إنهم لن يثبتوا ـ في القتال ـ أمام المسلمين، بل ينهزمون ويكون الظفر للمسلمين، ولا يجدون ناصراً ولا معيناً : (وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثمّ لا ينصرون).

3 ـ إنهم لن يستطيعوا الوقوف على أقدامهم ولن يتمكنوا من العيش مستقلين، بل سيبقون أذلاء دائماً، إلاَّ أن يعيدوا النظر في سلوكهم، ويسلكوا طريق الله، أو أن يعتمدوا على الآخرين ويستعينوا بقوتهم إلى حين : (ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلاّ بحبل من الله وحبل من الناس).

ولم يمض على هذه الوعود الإلهية والبشائر السماوية زمن حتّى تحققت برمّتها في حياة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وخاصّة بالنسبة إلى اليهود القاطنين في الحجاز (بني قريظة، وبني النضير، وبني قينقاع، ويهود خيبر وبني المصطلق) الذين آل أمرهم إلى الهزيمة في جميع ميادين القتال والإندحار أمام القوى الإسلامية بعد أن إقترفوا سلسلة من التحرشات والمؤامرات ضد الإسلام والمسلمين.

اليهود والمصير الخطير :

(649)

إن الآيات المذكورة وإن لم تصرح باسم اليهود ولكن بقرينة القرائن الموجودة في هذه الآية والآيات السابقة وكذا بقرينة الآية 61 من سوره البقرة ونظائرها ممّا صرّح فيه باسم اليهود يستفاد أن قوله تعالى : (ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلاّ بحبل من الله وحبل من الناس) يرتبط باليهود، ويعنيهم.

ففي هذا المقطع من الآية يقول سبحانه : أن أمام اليهود طريقين يستطيعون بهما أن يتخلصوا من لباس الذلة :

إما أن يعودوا إلى الله، ويعقدوا حبلهم بحبله، وإما أن يتمسكوا بحبل من الناس، ويعتمدوا على هذا وذاك، ويعيشوا ذيولاً وأتباعاً للآخرين.

وتعني لفظة «ثقفوا» المأخوذة من «ثقف» على وزن «سقف». الحذق في إدراك الشيء ، والظفر به بمهارة.

ويقصد القرآن من ذلك : أن اليهود أينما وجدوا فإنهم يوجدون وقد ختموا بخاتم الذلة على جباههم مهما حاولوا اخفاء ذلك ـ وكان ذلك هي الصفة البارزة لهم بسبب مواقفهم المشينة من تعاليم السماء، ورسالات الأنبياء العظام، إلاَّ إذا عادوا إلى منهج السماء، أو استعانوا بهذا أو ذاك من الناس لتخليصهم من هذا الذل. وإنقاذهم من هذا الهوان.

وأما التعبير بـ (حبل من الله وحبل من الناس) وإن ذهب المفسّرون فيه إلى إحتمالات عديدة، بيد أن ما قد ذكر قريباً يمكن أن يقال بأنه أنسب إلى الآية من بقية الإحتمالات، لأنه عندما يوضع «حبل الله» في قبال «حبل من الناس» يتبين أن هناك معنى متقابلاً متفاوتاً لهما لا أن الأول بمعنى الإيمان بالله، والثاني بمعنى العهد المعطى لهم من جانب المسلمين على وجه الأمان والذمة.

وعلى هذا تكون خلاصة المفهوم من هذه الآية هي : إن على اليهود أن يعيدوا

(650)

النظر في برنامج حياتهم، ويعودوا إلى الله، ويمسحوا عن أدمغتهم كلّ الأفكار الشيطانية، وكلّ النوايا الشريرة، ويطرحوا النفاق والبغضاء للمسلمين جانباً، أو أن يستمروا في حياتهم النكدة المزيجة بالنفاق، مستعينين بهذا أو ذاك. فأما الإيمان بالله والدخول تحت مظلته وفي حصنه الحصين، وأما الإعتماد على معونة الناس الواهية. والإستمرار في الحياة التعسة.

اليهود والمسكنة الدائمة :

لقد كان أمام اليهود طريقان : إما أن يعودوا إلى منهج الله، وإما أن يبقوا على سلوكهم فيعيشوا أذلاء ما داموا، ولكنهم إختاروا الثاني ولهذا لزمتهم الذلة (وباؤوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة).

ولفظة «باؤوا» تعني في الأصل المراجعة واتخاذ السكنى، وقد استخدمت هنا للكناية عن الإستحقاق فيكون المعنى : أن اليهود بسبب اقامتهم على المعاصي استحقوا الجزاء الإلهي، وإختاروا غضب الله كما يختار الإنسان مسكناً ومنزلاً للإقامة.

وأمّا لفظة «مسكنة» فتعني الذلة والإنقطاع الشديد الذي لا تكون معه حيلة أبداً، وهي مأخوذة من السكون أصلاً، لأن المساكين لشدة ما بهم من الفقر والضعف لا يقدرون على أية حركة، بل هم سكون وجمود.

ثمّ إنه لابدّ من الإلتفات إلى أن المسكين لا يعني المحتاج والمعدم من الناحية المالية خاصّة، بل يشمل هذا الوصف كلّ من عدم الحيلة والقدرة على جميع الأصعدة، فيدخل فيه كلّ ضعف وعجز وافتقار شديد.

ويرى البعض أن الفرق بين الذلة والمسكنة هو أن الذلة ما كان مفروضاً على

(651)

الإنسان من غيره، بينما تكون المسكنة ناشئة من عقدة الحقارة وازدراء الذات، أي أن المسكين هو من يستهين بشخصيته ومواهبه وذاته، فتكون المسكنة نابعة من داخله، بينما تكون الذلة مفروضة من الخارج.

وعلى هذا الأساس يكون مفاد قوله تعالى (وباؤوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة) هو : أن اليهود بسبب إقامتهم على المعاصي وتماديهم في الذنوب اُصيبوا بأمرين : أولاً : طردوا من جانب المجتمع وحل عليهم غضب الله سبحانه، وثانياً : إن هذه الحالة «أي الذلة» أصبحت تدريجاً صفة ذاتية لازمة لهم حتّى أنهم رغم كلّ ما يملكون من امكانيات وقدرات مالية وسياسية، يشعرون بحقارة ذاتية، وصغار باطني، ولهذا لا نجد أي استثناء في ذيل هذه الجملة من الآية.

وهذا هو ما يشير إليه قوله سبحانه إذ يقول : (ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله * ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) وبذلك يشير سبحانه إلى علة هذا المصير الأسود الذي يلازم اليهود، ولا يفارقهم.

إنهم لم يصابوا بما أصيبوا به من ذلة ومسكنة، وحقارة وصغار لأسباب قومية عنصرية أو ما شابه ذلك، بل لما كانوا يرتكبونه من الأعمال فهم :

أولاً : كانوا ينكرون آيات الله ويكذبون بها.

ثانياً : يصرون على قتل الأنبياء الهداة الذين ما كانوا يريدون سوى إنقاذ الناس من الجهل والخرافة، وتخليصهم من الشقاء والعناء.

ثالثاً : إنهم كانوا يرتكبون كلّ فعل قبيح، ويقترفون كلَّ جريمة نكراء، ويمارسون كلّ ظلم فظيع، وتجاوز على حقوق الآخرين، ولا شكّ أن أي قوم يرتكبون مثل هذه الأُمور يصابون بمثل ما أصيب به اليهود، ويستحقون ما استحقوه من العذاب الأليم والمصير الأسود.

(652)

مصير اليهود المظلم :

إن التاريخ اليهودي الزاخر بالأحداث والوقائع يؤيد ما ذكرته الآيات السابقة تأييداً كاملاً، كما أن وضعهم الحاضر هو الآخر خير دليل على هذه الحقيقة، أي أن الذلة اللازمة لليهود والصغار الملتصق بهم أينما حلوا ونزلوا، ليس حكماً تشريعياً كما قال بعض المفسّرين، بل هو قضاء تكويني، وهو حكم التاريخ الصارم الذي يقضي بأن يلازم الذلة، ويصاب بالصغار كلّ قوم يتمادون في الطغيان، ويغرقون في الآثام، ويتجاوزون على حقوق الآخرين وحدودهم، ويسعون في إبادة القادة المصلحين والهداة المنقذين، إلاَّ أن يعيد هؤلاء القوم النظر في سلوكهم، ويغيروا منهجهم وطريقتهم، ويرجعوا ويعودوا إلى الله، أو يربطوا مصيرهم بالآخرين ليعيشوا بعض الأيام في ظل هذا أو ذاك كما هي حال الصهيونية اليوم.

فإن الصهيونية التي تعادي المسلمين اليوم وتحارب الإسلام نجدها لا تستطيع الوقوف أمام الأخطار التي تهددها إلاَّ بالإعتماد على الآخرين، وحمايتهم رغم كلّ ما تملك من الثروات والقدرات الذاتية، وكلّ هذا يؤكد ويؤيد ما ذكرته هذه الآيات وما يستفاد منها من الحقائق، ولا شكّ أن هذا الوضع سيستمر بالنسبة إلى اليهود إلاَّ إذا تخلوا عن سلوكهم العدواني وأعادوا الحقوق إلى أهلها، وعاشوا إلى جانب الآخرين على أساس من الوفاق لا الغصب والعدوان والإحتلال.

* * *

(653)

الآيات

لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَـابِ أُمَّةٌ قَآئمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَـاتِ اللهِ ءَانَآءَ الَّيْلِ وَ هُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَْخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَـارِعُونَ فِى الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئكَ مِنَ الصَّـالِحِينَ (114) وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْر فَلَن يُكْفَرُوهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115)

سبب النّزول

يقال : لما أسلم «عبدالله بن سلام» وهو من علماء اليهود وجماعة منهم، إنزعجت اليهود، وبخاصة أحبارهم من هذا الحادث، وصاروا بصدد إتهامهم بالخيانة، وعيبهم بالشر فقال أحبارهم : «ما آمن بمحمّد إلاَّ شرارنا» وهم بذلك يهدفون إلى إسقاطهم من أعين اليهود حتّى لا يقتدى بهم الآخرون. فنزلت الآيات أعلاه للدفاع عن هذه الفئة المؤمنة.

التّفسير

الإسلام وخصيصة البحث عن الحقّ :

بعد كلّ ذلك الذم لليهود، الذي تضمنته الآيات السابقة بسبب مواقفهم المشينة

(654)

 

وأفعالهم الذميمة نجد القرآن ـ كما هو شأنه دائماً ـ يراعي جانب العدل والإنصاف، فيحترم كلّ من تنزه عن ذلك السلوك الذميم الذي سار عليه اليهود، ويعلن بصراحة أنه لا يعمم ذلك الحكم، وإنه لا يمكن النظر إلى الجميع بنظرة واحدة دون التفريق بين من أقام على تلك الفعال، وبين من غادرها وطلب الحقّ، ولهذا يقول : (ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون)(1).

أجل ليس أهل الكتاب سواء، فهناك جماعة تطيع الله وتخافه، وتؤمن به وتهابه، وتؤمن بالآخرة وتعمل لها، وتقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وبهذا يتورع القرآن الكريم عن إدانة العنصر اليهودي كافة، بل يركز على أفعالهم وأعمالهم وممارساتهم، ويحترم ويمدح كلّ من انفصل عن أكثريتهم الفاسدة، وخضع للحقّ والإيمان، وهذا هو أُسلوب الإسلام الذي لا يعادي أحداً على أساس اللون والعنصر، بل إنما يعاديه على أساس إعتقادي محض، ويكافحه إذا كانت أعماله لا تنطبق مع الحقّ والعدل والخير، لا غير.

ثمّ إنه يستفاد من بعض الأحاديث أن الممدوحين في هذه الآية لم ينحصروا في «عبدالله بن سلام» وجماعته الذين أسلموا معه، بل شمل هذا المدح (40) من نصارى نجران و (32) من نصارى الحبشة و (8) أشخاص من أهل الروم كانوا قد أسلموا قبل ذلك، ويدل على ذلك أن الآية استخدمت لفظة «أهل الكتاب» وهو كما نعرف تعبير يعم اليهود وغيرهم.

ثمّ إنّه سبحانه قال : (وما يفعلوا من خير فلن يكفروه) معقباً بذلك على العبارات السابقة ومكملاً للآية، ويعني بقوله أن هؤلاء الذين أسلموا واتخذوا

_____________________________

1 ـ الآناء جمع أَنا (على وزن وفا) وأنا (على وزن غنا) بمعنى الأَوقات.

(655)

مواقعهم في صفوف المتقين لن يضيع الله لهم عملاً، وإن كانوا قد إرتكبوا في سابق حالهم ما ارتكبوه من الآثام، وما إقترفوه من المعاصي، ذلك لأنهم قد أعادوا النظر في سلوكهم وأصلحوا مسارهم، وغيروا موقفهم.

والمراد من كلمة «الكفر» هنا هو ما يقابل الشكر، لأن الشكر يعني أصلاً الإعتراف بالنعمة والجميل، والكفر يعني إنكار ذلك، فيكون المراد في هذه الآية هو أن الله لن ينكر أعمالهم الصالحة، ولن يتنكر لها.

كيف (والله عليم بالمتقين) وكأن هذه العبارة التي يختم بها سبحانه الآية الحاضرة تشير إلى حقيقة من الحقائق الهامة وهي : أن المتقين وإن كانوا قلة قليلة في الأغلب، وخاصة في جماعة اليهود الذين عاصروا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث كان المسلمون المهتدون منهم قلة ضعيفة، ومن شأن ذلك أن لا تلفت كميتهم النظر، ولكنهم مع ذلك يعلمهم الله بعلمه الذي لا يعزب عنه شيء، فلا موجب للقلق، ولا داعي للإضطراب ما دام سبحانه يعلم بالمتقين على قلتهم، ويعلم بأعمالهم، فلا يضيعها أبداً قليلة كانت أو كثيرة.

* * *

(656)



 
 

  أقسام المكتبة :
  • القرآن الكريم
  • كتب في تفسير القرآن
  • أبحاث حول القرآن
  • كتب تعليمية ومناهج
  • علوم القرآن
  • النغم والصوت
  • الوقف والإبتداء
  • الرسم القرآني
  • مناهج وإصدارات دار السيدة رقية (ع)
  البحث في :


  

  

  

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net