سورة المائدة من آية 7 ـ 26 من ( ص 621 ـ 668 )  

الكتاب : الامثل في تفسير كتاب الله المنزل ( الجزء الثالث )   ||   القسم : كتب في تفسير القرآن   ||   القرّاء : 2189

[621]

الآية

وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَـقَهُ الَّذِى وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(7)

التّفسير

العهود الرّبانية:

تناولت الآية السابقة مجموعة من الأحكام الإِسلامية بالإِضافة إِلى موضوع إِكمال النعمة الإِلهية على المسلمين، وجاءت الآية الأخيرة لتكمل السياق الموضوعي لما سبق من آيات، فاستقطبت انتباه المسلمين إِلى أهمية وعظمة النعم الإِلهية التي أعظمها وأهمها نعمة الإِيمان والهداية والإِسلام، تقول الآية: (واذكروا نعمة الله عليكم ...) ومع أن كلمة «نعمة» جاءت بصيغة المفرد في هذه الآية، إلاّ أنّها وردت اسم جنس لتفيد العموم، حيث عنى بالنعمة جميع النعم، كما يحتمل أيضاً أن يكون المراد نعمة الإِسلام بصورة خاصّة، والتي أشارت إِليها الآية السابقة بصورة إِجمالية حيث قالت: (وليتمّ نعمته عليكم ...)فأي نعمة أعظم من أن ينال الإِنسان ـ في ظل الإِسلام ـ كل الهبات الإِلهية والمفاخر والإِمكانيات الدنيوية، بعد أن كان الناس يعانون في الجاهلية من التشتت والجهل والضلال ويسود بينهم قانون الغاب، وكان الفساد والظلم يعم

[622]

مجتمعهم آنذاك، وقد تحولوا بفضل الإِسلام إِلى مجتمع يسوده الإِتحاد والتماسك والعلم، ويرفل بالنعم والإِمكانيات المادية والمعنوية الزّاخرة.

بعد هذا تعيد الآية إِلى الأذهان ذلك العهد الذي بين البشر وبين الله، فتقول (وميثاقه الذي واثقكم به إِذ قلتم سمعنا وأطعنا ...).

هناك احتمالان حول المعنى المراد بلفظة «العهد» الواردة في الآية وموضوعه.

الإِحتمال الأوّل: أن يكون هو ذلك العهد الذي عقده المسلمون في بداية ظهور الإِسلام في واقعة «الحديبية» أو واقعة «حجة الوداع» أو «العقبة» مع الله، أو بصورة عامّة هو العقد الذي عقده جميع المسلمين بصورة ضمنية مع الله بمجرّد قبولهم الإِسلام.

والإِحتمال الثّاني: هو أن يكون العهد المقصود في الآية الكريمة الأخيرة هو ذلك العهد المعقود بين كل فرد إِنساني ـ بحكم فطرته وخلقه ـ وبين الله، والذي يقال عنه بأنّه تم في «عالم الذر»(1).

وبيان ذلك هو أنّ الله حين خلق الإِنسان أودع فيه استعدادات ومواهب كثيرة، ومنها نعمة العلم التي بها يتتبع أسرار الخليقة، وتتحقق لديه معرفة الحق، وكذلك نِعم كالعقل والذكاء والإِدراك ليعرف الإِنسان بها أنبياء الله ويلتزم بأوامرهم، والله سبحانه حين أودع هذه النعم لدى الإِنسان أخذ منه عهداً بأنّ يستغلها خير استغلال، وأن لا يهملها أويسىء استعمالها، فردّ الإِنسان بلسان الحال والإِستعداد «سمعنا وأطعنا».

ويعتبر هذا العهد أوسع وأحكم وأعم عهد أخذه الله من عباده البشر، وهذا هو العهد الذي يشير إِليه الإِمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) في خطبته الأُولى الواردة في كتاب «نهج البلاغة» بقوله: «ليستأدوهم ميثاق فطرته» أى ليطلب منهم أداء

____________________________

1 ـ سيرد شرح مفصل عن «عالم الذر» وسبب تسميته بهذا الإِسم في تفسير الآية (172) من سورة الأعراف، بإِذن الله.

[623]

الميثاق الفطري الذي أخذه منهم والوفاء به.

وبديهي أنّ يشمل هذ العهد الواسع جميع المسائل والأحكام الدينية.

ولا مانع مطلقاً من أن تكون في هذه الآية إِشارة إِلى جميع العهود والمواثيق التكوينية والتشريعية التي أخذها الله أو النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من المسلمين بمقتضى فطرتهم في مراحل مختلفة، وهنا يتوضح لنا الحديث القائل بأنّ المراد من الميثاق هو العهد الذي أخذه النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من المسلمين في حجّة الوداع بخصوص ولاية علي بن أبي طالب(عليه السلام)(1) ويتفق هذا التّفسير مع ما ورد أعلاه.

وقد أكّدنا مراراً أنّ التفاسير التي ترد على الآيات القرآنية، ما هي إلاّ إِشارة لواحد من المصاديق الجلية المعنية في كل آية، ولا تعني مطلقاً انحصار المعنى بالتّفسير الوارد.

وتجدر الإِشارة ـ أيضاً ـ إِلى أنّ كلمة «ميثاق» مشتقّة من المصدر «وثاقة» أو «وثوق» وتعني الشدّ المحكم بالحبل وأمثاله، كما يطلق على كل عمل يؤدي إِلى راحة البال واطمئنان الخاطر، حيث أنّ العهد يكون بمثابة عقدة تربط شخصين أو جماعتين أحدهما بالآخر، ولذلك سمّى «ميثاقاً».

وفي النهاية تؤكّد الآية على ضرورة التزام التقوى، محذرة أنّ الله محيط بأسرار البشر، وعالم بما يختلج في صدورهم، بقولها: (واتقوا الله إنّ الله عليم بذات الصدور).

وتدل عبارة (ذات الصدور) على أنّ الله عالم بأدقّ أسرار البشر المكنونة في أعماق نفوسهم والتي لا يمكن لأيّ مخلوق معرفتها غير صاحب السرّ وخالقه، أي الله العالم بذات الصدور.

وقد شرحنا في الجزء الأوّل من تفسيرنا هذا سبب نسبة العواطف والمشاعر والنويا والعزائم إِلى القلب أو إِلى مكنونات الصدور.

* * *

____________________________

1 ـ تفسير البرهان، ج 1، ص 454.

[624]

الآيات

يَـأيَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّمِينَ للهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُم شَنَأَنُ قَوْم عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ(8) وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّـلِحَـتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ(9) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِأَيَـتِنَآ أُوْلَـئِكَ أَصْحَـبُ الْجَحِيم(10)

التّفسير

دعوة مؤكّدة إِلى العدالة:

إِنّ الآية الأُولى من الآيات الثلاث أعلاه تدعو إِلى تحقيق العدالة، وهي شبيهة بتلك الدعوة الواردة في الآية (135) من سورة النساء، التي مضى ذكرها مع اختلاف طفيف.

فتخاطب هذه الآية أوّلا المؤمنين قائلة: (يا أيّها الذين آمنوا كونوا قوّامين لله شهداء بالقسط).

ثمّ تشير إِلى أحد أسباب الإِنحراف عن العدلة، وتحذّر المسلمين من هذا الإِنحراف مؤكّدة أنّ الأحقاد والعداوات القبلية والثارات الشخصية، يجب أن لا تحول دون تحقيق العدل، ويجب أن لا تكون سبباً للإِعتداء على حقوق

[625]

الآخرين، لأنّ العدالة أرفع وأسمى من كل شيء، فتقول الآية الكريمة: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ...) وتكرر الآية التأكيد لبيان ما للعدل من أهمية قصوى فتقول (أعدلوا هو أقرب للتقوى).

وبما أنّ العدالة تعتبر أهم أركان التقوى، تؤكّد الآية مرّة ثالثة قائلة: (واتقوا الله إِنّ الله خبير بما تعملون).

والفرق بين فحوى هذه الآية والآية المشابهة لها الواردة في سورة النساء، يتحدد من عدّة جهات:

أوّلا: إِنّ الآية الواردة في سورة النساء دعت إِلى إِقامة العدل والشهادة لله، أمّا الآية الأخيرة فقد دعت إِلى القيام لله والشهادة بالحق والعدل، ولعل وجود هذا الفارق لأنّ الآية الواردة في سورة النساء استهدفت بيان ضرورة أن تكون الشهادة لله، لا لأقارب وذوي الشاهد، بينما الآية الأخيرة ولكونها تتحدث عن الأعداء أوردت تعابير مثل الشهادة بالعدل والقسط أي تجنب الشهادة بالظلم والجور.

ثانياً: أشارت الآية الواردة في سورة النساء إِلى واحد من عوامل الإِنحراف عن العدالة، بينما الآية الأخيرة أشارت إِلى عامل آخر في نفس المجال، فهناك ذكرت الآية عامل الحب المفرط الذي لا يستند على تبرير أو دليل، بينما ذكرت الآية الأخيرة الحقد المفرط الذي لا مبررله.

ولكن الآيتين كليهما تتلاقيان في عامل إتّباع الأهواء والنزوات التي تتحدث عنها الآية الأُولى في جملة: (فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ...) لأنّ الهوى مصدر كلّ ظلم وجور ينشأ من الإِندفاع الأعمى وراء الأهواء والمصالح الشخصية، لا من دافع الحب أو الكراهية، وعلى هذا الأساس فإِنّ المصدر الحقيقي للإِنحراف عن العدل هو نفس إتّباع الهوى، وقد جاء في كلام النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

[626]

والإِمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) قولهما: «امّا إتّباع الهوى فيصدّ عن الحق»(1).

* * *

العدل ركن إِسلامي مهم:

قلما نجد قضية أعطى الإِسلام لها أهمية قصوى كقضية العدل، فهي وقضية التوحيد سيان في تشعب جذورهما إِلى جميع الأُصول والفروع الإِسلامية، وبعبارة أُخرى: كما أنّ جميع القضايا العقائدية والعملية والإِجتماعية والفردية والأخلاقية والقانونية لا تنفصل مطلقاً عن حقيقة التوحيد، فكذلك لا تنفصل كل هذه القضايا ولا تخلو أبداً من روح العدل.

وليس من العجيب والحالة هذه أن يكون العدل واحداً من أُصول العقيدة والدين، وأساساً من أُسس الفكر الإِسلامي، وهو مع كونه صفة من صفات الله سبحانه ويدخل ضمن مبادىء المعرفة الإِلهية، إِلاّ أنّه يشتمل على معان واسعة في خصائصه ومزاياه، ولذلك كان ما أولته البحوث الإِجتماعية في الإِسلام من الإِهتمام بالعدل والإِعتماد عليه يفوق ما حظيت به المبادىء الإِسلامية الأُخرى من ذلك.

ويكفي إِيراد عدد من الأحاديث والرّوايات نماذج لدرك أهمية هذه الحقيقة:

1 ـ روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «إِيّاكم والظلم فإِنّ الظلم عند الله هو الظلمات يوم القيامة»(2).

وبديهي أن كل ما هو موجود من خير وبركة ونعم هو من النور وفي النور،

____________________________

1 ـ ورد هذا الحديث نقلا عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في كتاب سفينة البحار في مادة (هوى)، وورد في كتاب نهج البلاغة في الخطبة 42 نقلا عن علي بن أبي طالب(عليه السلام).

2 ـ سفنية البحار، مادة (ظلم).

[627]

وإِنّ الظلام هو مصدر كل عدم وفاقة.

2 ـ وقال النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً: «بالعدل قامت السموات والأرض»(1).

ويعتبر هذا القول من أوضح التعابير التي قيلت في شأن العدل، ومعناه أنّ حياة البشر المحدودة في الكرة الأرضية ليست وحدها التي يكون قوامها العدل، بل إنّ حياة ووجود الكون بأكمله، والسماوات والأرضين كلها قائمة بالعدل، وفي ظل حالة من توازن القوى الفاعلة فيها، ووجود واستقرار كل شيء في محله منها، بحيث لو أنّها انحرفت عن هذا التوازن لحظة واحدة أو بمقدار قيد أنملة لحكمت على نفسها بالفناء والزوال.

ويؤيد هذا القول حديث آخر هو: «الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم» لأنّ للظلم أثراً سريعاً في هذه الحياة الدنيوية ومن نتائجه الحروب والإِضطرابات والقلاقل والفوضى السياسية والإِجتماعية والأخلاقية والأزمات الإِقتصادية التي تعمّ العالم اليوم، وهذا ما يثبت الحقيقة المذكورة بصورة جيدة.

ويجب الإِنتباه جيداً إِلى أنّ اهتمام الإِسلام لم ينصب في مجرد العدالة، بل إنّه أولى أهمية أكبر لتحقيق العدالة، وطبيعي أنّ محض تلاوة هذه الآيات في المجالس أو من على المنابر، وكتابتها في الكتب، لا يجدي نفعاً في استعادة العدالة المفقودة، وعلاج التمييز الطبقي والعنصري، والفساد والاجتماعي في المجتمع الإِسلامي، بل إنّ عظمة هذه الآيات والأحكام تتجلّى في يوم تطبق فيه العدالة في صميم حياة المسلمين.

* * *

بعد التأكيد الشديد الذي حملته الآية الكريمة حول قضية العدالة وضرورة تطبيقها بادرت الآية التالية وتمشياً مع الأُسلوب القرآني، فأعادت إِلى الأذهان

____________________________

1 ـ تفسير الصافي، في تفسير الآية 7 من سورة الرحمن.

[628]

ما أعدة الله للمؤمنين العاملين بالخير من غفرانه ونعمه العظيمة، حيث تقول الآية: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم).

كما ذكرت الآية في المقابل جزاء الكفارين الذين يكذبون بآيات الله، فقالت: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا اُولئك أصحاب الجحيم).

وممّا يلفت النظر أنّ الآية جعلت المغفرة والأجر العظيم في إِطار «وعد الله» بينما ذكرت عقاب جهنم بأنّه نتيجة للكفر وللتكذيب بآيات الله، وما هذا إِلاّ إِشارة إِلى فضل الله ورحمته لعباده فيما يخص نعم وهبات الآخرة التي لا يمكن لأعمال الإِنسان مهما كبرت وعظمت أن تباريها أو تعادلها مطلقاً، كما أنّها إِشارة ـ أيضاً ـ إِلى أنّ عقاب الآخرة ليس فيه طابع انتقامي أبداً، بل هو نتيجة عادلة لما إرتكبه الإِنسان من أعمال سيئة في حياته.

أمّا فيما يخص معنى عبارة «أصحاب الجحيم»(1) فهي مع ما في كلمة «أصحاب» من معنى الملازمة، أي أن الكافرين والمكذبين بآيات الله يلازمون جهنم، لكن هذه الآية لوحدها لا يمكن أن تكون دليلا على مسألة «الخلود» في نار جهنم، كما جاء توضيح ذلك في تفسيري «االتبيان» و«مجمع البيان» وتفسير «الفخر الرّازي»، لأنّ الملازمة ربما تكون دائمة، وقد تستمر لفترة طويلة ثمّ تنقطع، بدلالة التعبير القرآني الوارد في شأن ركاب سفينة نوح النّبي(عليه السلام) حيث وردت فيهم عبارة «أصحاب السفينة» وهم لم يكونوا ملازمين لتلك السفينة ملازمة دائمة.

ومع انتفاء الشك حول خلود الكفار في نار جهنم، فالآية الكريمة ـ موضوع البحث ـ لم تتحدث بشيء عن هذا «الخلود» بل يستنتج هذا من آيات قرآنية أُخرى.

* * *

____________________________

1 ـ إنّ كلمة جحيم تعني النار الشديدة الإِلتهاب، وقد أُطلقت في القرآن على نار جهنم كما في هذه الآية، وعلى نار الدنيا كالنار التي سعروها لحرق النّبي إِبراهيم(عليه السلام) الآية (97) من سورة الصافات.

[629]

الآية

يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ(11)

التّفسير

لقد ذكرت الآيات السابقة بعضاً من النعم الإِلهية، وجاءت الآية الأخيرة تخاطب المسلمين وتذكر لهم أنواعاً من النعم التي أنعم الله بها عليهم، لكي يؤدوا شكرها عن طريق طاعة الله والسعي لتحقيق مبادىء العدالة، فتقول الآية: (يا أيّها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إِليكم أيديهم فكفّ أيديهم عنكم ...).

وقد دأب القرآن الكريم في كثير من آياته على تذكير المسلمين بالنعم المختلفة التي أنعم الله بها عليهم، وذلك من أجل تعزيز دافع الإِيمان لديهم، ولإِستثارة وتحفيز دافع الشكر والصمود فيهم ليقفوا بوجه المشاكل، والآية الأخيرة من سنخ تلك الآيات.

واختلف المفسّرون حول الواقعة التي تشير إِليها الآية موضوع البحث، فبعضهم قال: بأنّها إِشارة إِلى إِنقاذ المسلمين من قبيلة «بني النضير» اليهودية التي

[630]

تواطأت على قتل النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمين في المدينة.

وذهب البعض الآخر من المفسّرين على أنّها إِشارة إِلى واقعة «بطن النخل» التي حصلت في العام السادس من الهجرة النبوية في واقعة «الحديبية» حيث قرر المشركون هناك في ذلك الحين ـ بزعامة (خالد بن الوليد) ـ الهجوم على المسلمين أثناء أدائهم لصلاة العصر، فعلم النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه المؤامرة فصلّى صلاة الخوف القصيرة، ممّا أدى إِلى إِحباط المؤامرة.

وقد ذكر مفسّرون آخرون وقائع أُخرى من حياة النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمين المليئة بالحوداث، وقالوا بأنّ هذه الآية إِشارة لتلك الوقائع.

ويرى مفسّرون آخرون أن هذه الآية إِشارة إِلى كل الوقائع والأحداث التي حصلت طيلة التاريخ الإِسلامي حتى ذلك الوقت.

ولو تغاضينا عن كلمة «قوم» الواردة في هذه الآية بصيغة النكرة التي تدل على وحدة المجموعة المعنية، فإِنّ هذا التّفسير يمكن اعتباره من أحسن التفاسير في هذا المجال.

والآية على كل حال تلفت إنتباه المسلمين إِلى الأخطار التي تعرضوا لها، وكان يحتمل أن تدفع بالوجود الإِسلامي إِلى الفناء والزوال وإِلى الأبد، ولكن فضل الله ونعمته شملتهم وأنقذت الإِسلام والمسلمين من تلك الأخطار.

كما تحذر الآية المسلمين وتنبههم إِلى ضرورة إلتزام التقوى والإِعتماد على الله كدليل على شكر ذلك الفضل وتلك النعمة، وليعلموا بأنّهم بتقواهم سيضمنون لأنفسهم الدعم والسند والحماية من الله في حياتهم الدنيوية هذه، وفي هذا المجال تقول الآية الكريمة: (واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون).

وواضح أنّ التوكل على الله ليس معناه التخلي عن المسؤوليات أو الإِستسلام لحوادث الزمان، بل يعني أنّ الإِنسان حين يستخدم طاقاته والإِمكانيات المتوفرة لديه، يجب عليه أن ينتبه في نفس الوقت إِلى أنّ هذه

[631]

الطاقات والإِمكانيات ليست من عنده بل أن مصدرها ومنشأها هو الله تعالى، وإِذا حصل هذا التوجه فإن من شأنه أن يقضي على دافع الغرور والأنانية عند الإِنسان أوّلا، ومن ثمّ لا يدع إِلى نفسه طريقاً للخوف والقلق واليأس حيال الأحداث والمشاكل مهما كبرت وعظمت، لأنّه يعلم بأنّ سنده وحاميه هو الله الذي فاقت قدرته كل القدرات.

إِضافة إِلى ما ذكر، فإِنّ تقديم الأمر بالتقوى على قضية التوكل يستشف منه أنّ حماية الله ورعايته تشمل حال المتقين.

ويجب الإِنتباه إِلى أنّ عبارة «التقوى» المشتقة من المصدر «وقاية» معناها حماية النفس وإِبعادها عن عناصر السوء والفساد.

* * *

[632]

الآية

وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَـقَ بَنِى إِسْرَءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَىْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ اللهُ إِنِّى مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَوةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَوةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً لاَُّكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّأَتِكُمْ وَلاَُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّـت تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الاَْنْهَـرُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَْلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ظَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ(12)

التّفسير

لقد أشارت هذه الآية أوّلا إِلى قضية الوفاء بالعهد، وقد تكررت هذه الإِشارة في مناسبات مختلفة في آيات قرآنية عديدة، وربّما كانت إِحدى فلسفات هذا التأكيد المتكرر على أهمية الوفاء بالعهد وذم نقضه، هي إِعطاء أهمية قصوى لقضية ميثاق الغدير الذي سيرد في الآية (67) من هذه السورة.

والآية في بدايتها تشير إِلى العهد الذي أخذه الله من بني إِسرائيل على أن يعملوا بأحكامه، وإرسالة إِليهم بعد هذا العهد اثني عشر زعمياً وقائداً ليكون كل واحد منهم زعيماً لطائفة واحدة من طوائف بني إِسرائيل الإِثنتي عشر ـ حيث تقول الآية الكريمة: (ولقد أخذ الله ميثاق بني إِسرائيل وبعثنا منهم إثني عشر نقيباً).

[633]

والأصل في كلمة «نقيب» إنّها تعني الثقب الكبير الواسع، وتطلق بالأخص على الطرق المحفورة تحت الأرض، وسبب استخدام كلمة نقيب للدلالة على الزعامة، لأنّ زعيم كل جماعة يكون عليماً بأسرار قومه، وكأنّه قد صنع ثقباً كبيراً يطلع من خلاله على أسرارهم، كما تطلق كلمة نقيب أحياناً على الشخص الذي يكون بمثابة المعرف للجماعة، وحين تطلق كلمة «مناقب» على الفضائل والمآثر، يكون ذلك لأنّ الفضائل لا تعرف إِلاّ عن طريق البحث والتنقيب في آثار الشخص.

وذهب بعض المفسّرين إِلى أنّ كلمة «نقيب» الواردة في الآية موضوع البحث إِنما تعني ـ فقط ـ العارف بالأسرار، لكننا نستبعد هذا الأمر استناداً لما يدلنا عليه التاريخ والحديث وهو أن نقباء بني إِسرائيل هم زعماء الطوائف الإِسرائيلية، جاء في تفسير «روح المعاني» عن ابن عباس قوله:

«إِنّهم كانوا وزراء ثمّ صاروا أنبياء بعد ذلك». أي أنّهم كانوا وزراء للنّبي موسى(عليه السلام) ثمّ نالوا منزلة النّبوة بعده(1).

ونقرأ في أحوال النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه حين قدم أهل المدينة في ليلة العقبة لدعوته(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى منطقة العقبة، أمر الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أهل المدينة لينتخبوا من بينهم اثني عشر نقيباً على عدد نقباء بني إِسرائيل، وبديهي أنّ مهمّة هؤلاء كانت زعامة قومهم وليس فقط إِخبار النّبي بتقارير عن أوضاعهم(2).

لقد وردت روايات عديدة من طرق السنة، وهي تلفت الإِنتباه ـ لما فيها من إِشارة إِلى خلفاء النّبي الأئمّة الإِثني عشر(عليهم السلام) وبيان أن عددهم يساوي عدد نقباء بني إِسرائيل ـ ننقل هنا قسماً من هذه الروايات:

1 ـ ينقل «أحمد بن حنبل» ـ وهو أحد أئمّة السنّة الأربعة، عن «مسروق» أنّه

____________________________

1 ـ تفسير روح المعاني، ج 6، ص 78.

2 ـ سفينة البحار، في مادة «نقيب».

[634]

سأل عبد الله بن مسعود: كم عدد الذين سيحكمون هذه الأُمّة؟ فرد ابن مسعود قائلا: «لقد سألنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: «اثني عشر كعدّة نقباء بني إِسرائيل»(1).

2 ـ وجاء في تاريخ «ابن عساكر» نقلا عن ابن مسعود، أنّهم سألوا النّبي عن عدد الخلفاء الذين سيحكمون هذه الأُمّة، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «إِنّ عدّة الخلفاء بعدي عدة نقباء موسى»(2).

3 ـ وورد في «منتخب كنز العمال» عن جابر بن سمرة قوله «سيحكم هذه الأُمّة اثنا عشر خليفة بعدد نقباء بني إِسرائيل»(3).

وجاء مثل هذا الحديث أيضاً في كتاب (ينابيع المودة) في الصفحة 445 وكذلك في كتاب (البداية والنهاية)، ج 6 في الصفحة 247 أيضاً.

* * *

وتشير الآية بعد ذلك إِلى وعد الله لبني إِسرائيل حيث تقول: (وقال الله إِنّي معكم).

وإِنّ هذا الوعد سيتحقق إِذا التزم بنوإِسرائيل بالشروط التالية:

1 ـ أن يلتزموا بإِقامة الصّلاة كما تقول الآية: (لئن أقمتم الصّلاة).

2 ـ وأن يدفعوا زكاة أموالهم: (وآتيتم الزكاة).

3 ـ أن يؤمنوا بالرسل الذين بعثهم الله ويحترموا وينصروا هؤلاء الرسل، حيث تقول الآية (وآمنتم برسلي وعزرتموهم)(4).

____________________________

1 ـ مسند أحمد، ص 398، طبعة مصر، سنة 1313.

2 ـ كتاب فيض القدير في شرح الجامع الصغير، ج 2، ص 459.

3 ـ منتخب كنز العمال في حاشية مسند أحمد، ج 5، ص 312.

4 ـ إنّ عبارة «عزرتموهم» مشتقة من مادة «تعزير» أي المنع أو العون، أمّا حين تسمى بعض العقوبات الإِسلامية بالتعزير فذلك لأنّ هذه العقوبات تكون في الحقيقة عوناً للمذنب لكي يرتدع عن مواصلة الذنب، وهذا دليل على أنّ العقوبات الإِسلامية لا تتسم بطابع الإِنتقام بل تحمل طابعاً تربوياً لذلك سمّيت بالتعزير.

[635]

4 ـ وبالإِضافة إِلى الشروط الثلاثة المذكورة أعلاه، أن لا يمتنع بنوإِسرائيل عن القيام ببعض أعمال الإِنفاق المستحب التي تعتبر نوعاً من معاملات القرض الحسن مع الله سبحانه وتعالى حيث تقول الآية: (وأقرضتم الله قرضاً حسناً).

ثمّ أردفت الآية الكريمة ببيان نتائج الوفاء بالشروط المذكورة بقوله تعالى: (لأكفّرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنّكم جنّات تجري من تحتها الأنهار).

كما بيّنت الآية مصير الذين يكفرون ولا يلتزمون بما أمر الله حيث تقول: (فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل).

لقد أوضحنا في الجزء الثّاني من تفسيرنا هذا لماذا اصطلح القرآن المجيد على الإِنفاق، أنّه قرض لله سبحانه؟

ويبقى في هذا المجال ـ أيضاً ـ سؤال أخير وهو لماذا تقدمت مسألتا الصّلاة والزكاة على الإِيمان بموسى(عليه السلام)، في حين أنّ الإِيمان يجب أن يسبق العمل؟

ويجيب بعض المفسّرين على هذا السؤال بقولهم: إِن المراد بعبارة «الرسل» الواردة في الآية هم الأنبياء الذين جاءوا بعد النّبي موسى(عليه السلام) وليس موسى نفسه، لذلك فإِن الأمر الوارد هنا بخصوص الإِيمان بالرسل يحمل على أنّه أمرّ لمّا يستقبل من الزمان، فلا يتعارض لذلك وروده بعد الأمر بالصّلاة والزكاة، كما يحتمل ـ أيضاً ـ أن يكون المراد بعبارة «الرسل» هم «نقباء» بني إِسرائيل حيث أخذ الله الميثاق من بني إِسرائيل بأن يكونوا أولياء معهم، (ونقرأ في تفسير «مجمع البيان» أنّ بعضاً من المفسّرين القدماء، احتملوا أن يكون نقباء بني إِسرائيل رسلا من قبل الله، ويؤيد هذا الإِحتمال الرأي الأخير الذي ذهبنا إِليه).

* * *

[636]

الآية

فَبَِما نَقْضِهِم مِّيثَـقَهُمْ لَعَنَّـهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَـسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِّمَآ ذُكِّرُوا بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَآئِنَة مِّنْهُم إِلاَّ قَلِيلا مِّنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الُْمحْسِنِينَ(13)

التّفسير

إِنّ هذه الآية الكريمة جاءت تشير إِلى نقض بني إِسرائيل للعهد الذي أخذه الله عليهم والذي ذكرته الآية السابقة.

كما ذكرت هذه الآية نتائج وعواقب هذا النقض حيث تقول: (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجلعنا قلوبهم قاسية)(1).

والحقيقة هي أن هؤلاء عوقبوا بهذين الجزاءين بسبب نقضهم لميثاقهم، فقد حرموا من رحمة الله، وتحجرت أفكارهم وقلوبهم فلم تعد تبدي أي مرونة أمام الحقائق.

____________________________

1 ـ إنّ كلمة «لعن» تعني في اللغة «الطرد والإِبعاد» وحين ينسب اللعن إِلى الله فإِنه يعني الحرمان من رحمته، أمّا كلمة «قاسية» فهي في الأصل مشتقة من المصدر «قساوة» وتطلق على الأخص على الحجر الصلد، ولذلك أطلقت على الذين لا يبدون أي مرونة من جانبهم أمام الحقائق التي تتكشف لهم.

[637]

وتشرح الآية آثار هذا التحجّر فتقول: (يحرفون الكلم عن مواضعه ...)و(ونسوا حظاً مما ذكروا به ...).

ولا يستبعد أن تكون علامات وآثار نبيّ الإِسلام محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) والتي أُشير إِليها في آيات قرآنية أُخرى، جزءاً من الأُمور التي نسيها بنوإِسرائيل ـ كما يحتمل أن تكون هذه الجملة القرآنية إِشارة إلى ما حرفه أو نسيه جمع من علماء اليهود أثناء تدوينهم للتوراة من جديد بعد أن فقدت التوراة الأصلية، وإِنّ ما وصل إِلى هؤلاء من كتاب موسى الحقيقي كان جزءاً من ذلك الكتاب وقد اختلط بالكثير من الخرافات، وقد نسي هؤلاء حتى هذا الجزء الباقي من كتاب موسى(عليه السلام).

ثمّ تتطرق الآية إِلى ظاهرة خبيثة طالما برزت لدى اليهود ـ بصورة عامّة ـ إِلاّ ما ندر منهم، وهي الخيانة التي كانت تتكشف للمسلمين بين فترة وأُخرى، تقول الآية الكريمة في هذا المجال: (ولا تزال تطلع على خائنة(1) منهم إِلاّ قليلا منهم ...).

وفي الختام تطلب الآية من النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يعفو عن هؤلاء ويصفح عنهم، مؤكّدة أنّ الله يحب المحسنين، وذلك في قوله تعالى: (فاعف عنهم واصفح إِنَّ الله يحب المحسنين).

ولنرى هل أنّ المراد في الآية أن يعفو النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عن الأخطاء السابقة للأقلية الصالحة من اليهود، أم أنّ المراد هو العفو عن الأغلبية الطالحة منهم؟

إِنّ ظاهر الآية يدعم ويؤيّد الإِحتمال الثّاني، لأنّ الأقلية الصالحة لم ترتكب ذنباً أو خيانة لكي يطلب من النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) العفو عنهم ـ والظن الغالب هو أنّ العفو

____________________________

1 ـ إنّ كلمة «خائنة» مع كونها اسماً للفاعل، فهي في هذه الآية تكون بمعنى المصدر وتطابق كلمة الخيانة ... وقد جرت عادة العرب على استخدام مثل هذه الإِستعمالات في أشعارهم حيث جاؤوا باسم الفاعل وعنوا به المصدر في كلمات مثل «العافية» والخاطية» وقد احتملوا أيضاً أنّ تكون كلمة «خائنة» صفة للطائفة.

[638]

والصفح المطلوبان في الآية يشملان ـ فقط ـ تلك الحالات التي كان اليهود يوجهون فيها أذاهم وتحرشاتهم واستفزازاتهم إِلى النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا يشملان أخطاء اليهود وجرائمهم بحق الأهداف والمبادىء الإِسلامية، حيث لا معنى للعفو في هذا المجال.

الممارسات التّحريفية لليهود:

إِنّ ما يستشف من مجموع الآيات الواردة في القرآن الكريم بخصوص الممارسات التحريفية لليهود، هو أنّهم كانوا يمارسون أنواع التحريف في الكتب السماوية الخاصّة بهم.

وكان تحريفهم يتخذ أحياناً طابعاً معنوياً، أي أنّهم كانوا يفسّرون العبارات الواردة في تلك الكتب بشكل يناقض المعنى الحقيقي لها، فهم كانوا يحفظون الألفاظ كما هي لكنهم كانوا يغيرون معانيها وهو (التحريف المعنوى)، وكانوا ـ أيضاً ـ يقومون بتحريف الألفاظ في بعض الأحيان، فهم بدل أن يقولوا «سمعنا وأطعنا» كانوا يقولون «سمعنا وعصينا» كما كانوا أحياناً يخفون بعض الآيات الإِلهية، فما كان يطابق أهواءهم أظهروه، وأخفوا الآيات التي لم تكن لتتلاءم مع ميولهم ورغباتهم وهو «التحريف اللفظي»، وقد وصلت بهم الوقاحة إِلى حد أنّهم مع موجود الكتاب السماوي بين أيديهم كانوا يخادعون الناس بوضع أيديهم على الحقائق الواردة فيها، لكي لا يستطيع الناظر قراءتها.

وستأتي تفاصيل هذا الموضوع لدى تفسير الآية (41) من نفس هذه السورة في قصّة «ابن صوريا».

هل يجعل الله قلب الإِنسان قاسياً؟

نقرأ في الآية ـ موضوع البحث ـ إِنّ الله ينسب لنفسه فعل جعل القسوة في

[639]

قلوب مجموعة من اليهود! والذي نعرفه هو أنّ هذه القسوة ما هي إلاّ نتيجة لإِرتكاب الذنوب والإِنحرافات، فكيف إِذن ينسب الله فعل جعل القسوة في قلوب اُولئك اليهود إِلى نفسه؟ ولو كان هذا الفعل من الله، فكيف يكون اُولئك الأشخاص مسؤولين عن أعمالهم، ألا يعتبر هذا نوعاً من الجبر؟

ولدى الإِمعان بدقة في الآيات القرآنية المختلفة، ومنها الآية موضوع البحث، يتبيّن لنا أنّ الأشخاص إِنما يحرمون ـ بسبب اخطائهم وذنوبهم ـ من لطف الله ورحمته وهدايته، وأن أعمالهم هذه في الحقيقة مصدر لمجموعة من الإِنحرافات الفكرية والأخلاقية، بحيث يستحيل على الإِنسان ـ أحياناً ـ أن يجنب نفسه عواقبها ونتائجها.

وبما أنّ العلل ـ أو الأسباب ـ تعطي آثارها بإِذن الله، لذلك نسب مثل هذه الآثار في القرآن الكريم إِلى الله، ففي الآية موضوع البحث نقرأ أنّ اليهود ـ نتيجة لنقضهم الميثاق ـ (جعل الله قلوبهم قاسية)، كما نقرأ في الآية (27) من سورة إِبراهيم قوله تعالى (ويضل الله الظالمين) وفي الآية (77) من سورة التوبة نقرأ قوله سبحانه: (فاعقبهم نفاقاً في قلوبهم إِلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون).

وواضح أنّ هذه الآثار السيئة تنبع من عمل الإِنسان نفسه، ولا تناقض في هذا الأمر حرية الإِرادة والإِختيار، لأنّ مقدمات تلك الآثار تكون من عمل الإِنسان وتصدر عنه بعلمه واختياره، ولأنّ آثار عمله هي النتيجة الحتمية للعمل نفسه، وعلى سبيل المثال لو أنّ إِنساناً تناول شيئاً من المشروبات الكحولية، وحصلت لديه حالة من السكر، فقام على أثر هذه الحالة بارتكاب جريمة معينة، فهو وإِن كان لا يمتلك إِرادته في حالة السكر، إِلاّ أنّه قبل ذلك أقدم على شرب الخمرة مختاراً ومدركاً لما يفعل، وبذلك هيّأ بنفسه مقدمات العمل الجنائي، وهو يعمل احتمال صدور هذا العمل منه في حالة السكر، ولذلك فهو مسؤول عن هذا

[640]

العمل، فلو قيل في مثل هذه الحالة: إِنّ شخصاً قد شرب الخمرة فسلبنا منه عقله، فتورط نتيجة عمله في ارتكاب جريمة، فهل في هذا القول أي تناقض أو هل يستشف منه مفهوم الجبر؟

وخلاصة القول فإِنّ كل أنواع الهداية والضلال وأمثالها التي تنسب في القرآن الكريم إلى الله سبحانه، إِنّما تحصل بشكل حتمي كنتيجة للمقدمات والأعمال التي تصدر من الإِنسان نفسه، وعلى أثرها يستحق إمّا الهداية أو الضلال، وفي غير ذلك فإِنّ العدل والحكمة الإِلهيين، لا يسمحان مطلقاً أن يساق إِنسان إِلى طريق الهداية دون أي مبرر، أو أن يساق آخر إِلى طريق الضلال دون وجود سبب لذلك(1).

* * *

____________________________

1 ـ لقد وردت تفاصيل أُخرى في هذا المجال ـ أيضاً ـ في الجزء الأوّل من تفسيرنا هذا.

[641]

الآية

وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَـرَى أَخَذْنَا مِيثَـقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَـمَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(14)

التّفسير

العداء الأبدي:

لقد تناولت الآية السابقة ظاهرة نقض بني إِسرائيل للعهد الذي أخذه الله منهم، أمّا الآية الأخيرة ـ هذه ـ فهي تتحدث عن نقض العهد عند النصارى الذين نسوا قسماً من أوامر الله التي كلّفوا بها ـ فتقول الآية في هذا المجال: (ومن الذين قالوا إِنّا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظّاً ممّا ذكروا به) فهذه الآية تدل بوضوح على أنّ النصارى ـ أيضاً ـ كانوا قد عقدوا مع الله عهداً على أن لا ينحرفوا عن حقيقة التوحيد، وأن لا ينسوا أوامر وأحكام الله، وأن لا يكتموا علائم خاتم النّبيين(صلى الله عليه وآله وسلم)، لكنّهم تورطوا بنفس ما تورط به اليهود مع فارق واحد، وهو أنّ القرآن الكريم يصرّح بالنسبة لليهود بأنّ القليل منهم كانوا من الصالحين، بينما يذكر القرآن بأنّ مجموعة من النصارى اختارت طريق الإِنحراف، حيث يفهم من هذه التعبير أنّ المنحرفين من اليهود كانوا أكثر من المنحرفين من

[642]

النصارى.

إِنّ تاريخ تدوين الأناجيل المتداولة يدل على أنّها كتبت بعد المسيح(عليه السلام)بسنين طويلة وبأيدي بعض المسيحيين، وهذا هو دليل وجود الكثير من التناقض الصريح فيها، ويدلنا هذا ـ أيضاً ـ على أنّ كتبة الأناجيل قد نسوا ـ بصورة تامّة ـ أجزاء غير قليلة من الإِنجيل الأصلي، ووجود اخرافات في الأناجيل المتداولة من قبيل قصة صنع المسيح(عليه السلام) للخمرة(1) الأمر الذي يرفضه العقل ويتنافى حتى مع بعض آيات التوراة والإِنجيل المتداولين، وكذلك قصّة مريم المجدلية(2) وغيرها من القصص، كلها دليل على ذلك التناقض.

أمّا كلمة «نصارى» التي وردت في الآية فهي صيغة جمع نصراني، فقد وردت تفاسير مختلفة حولها، ومنها أن المسيح قد تربى في صباه ببلدة الناصرة، وقيل ـ أيضاً ـ أنّ هذه الكلمة هي نسبة إِلى نصران، وهي قرية يوليها المسيحيون احتراماً خاصاً، ويحتمل ـ أيضاً ـ أن يكون وجه التسمية ناشئاً عن قول المسيح(عليه السلام) كما تحكيه الآية عنه إِذ تقول: (كما قال عيسى بن مريم للحواريين من انصاري إِلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله)(3) فسمّي المسيحيون لذلك بالنصارى.

ولما كان جمع من النصارى يقولون ما لا يفعلون، ويزعمون أنّهم من أنصار المسيح(عليه السلام) يقول القرآن في هذه الآية: (ومن الذين قالوا إِنّا نصارى ...) وهم لم يكونوا صادقين في دعواهم هذه، لذلك تستطرد الآية الكريمة فتبيّن نتيجة هذا الإِدعاء الكاذب، وهو انتشار عداء أبدي فيما بينهم حتى يوم القيامة، كما تقول الآية: (فاغرينا بينهم العداوة والبغضاء إِلى يوم القيامة).

____________________________

1 ـ إنجيل يوحنا، الإِصحاح 2، الآيات 2 ـ 12.

2 ـ إنجيل لوقا، الإِصحاح 7، الآيات 36 ـ 47.

3 ـ يوسف، 14.

[643]

كما ذكرت الآية نوعاً آخر من الجزاء والعقاب لهذه الطائفة النصرانية، وهو أنّهم سوف يعلمون نتيجة أعمالهم وسيرونها باعينهم حيث تقول الآية: (سوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون).

وتجدر الإِشارة هنا إِلى عدّة أُمور، هي:

1 ـ إِنّ عبارة «اغرينا» مشتقة من المصدر «إِغراء» وتعني الصاق شيء بشيء آخر، كما تعني الترغيب أو حمل الشخص على القيام بعمل معين، بحيث يدفع الشخص إِلى الإِرتباط بأهداف معينة.

وعلى هذا الأساس يكون مفهوم الآية ـ موضوع البحث ـ هو أن نقض النصارى لعهدهم وارتكابهم المعاصي أديا إِلى أن تنتشر العداوة فيما بينهم ويعمهم النفاق والخلاف، (والمعلوم أن آثار الأسباب التكوينية والطبيعية تنسب إِلى الله) وما نراه اليوم من صراعات كثيرة بين الدول المسيحية، كانت في يوم ما سبباً لإِندلاع الحربين العالميتين، وهي كذلك سبب للتكتلات المقترنة بالعدالة والبغضاء المستمرة فيما بينهم، أضف إِلى ذلك الخلافات المذهبية الكثيرة التي تسود بين الطوائف المسيحية التي مازالت سبباً لإِستمرار الصراع والإِقتتال فيما بينهم.

وقد ذهب بعض المفسّرين إِلى أنّ المراد من استمرار العداوة، هو العداوة والبغضاء الموجودة بين اليهود والنصارى واستمرارها حتى فناء العالم، ولكن الملاحظ من ظاهر الآية هو استمرار العداوة بين المسيحيين أنفسهم(1).

وغني عن البيان أنّ مثل هذه العاقبة لا تقتصر على المسيحيين وحدهم، فلو أن المسلمين ساروا في نفس هذا الطريق فإِن مصيرهم سيكون مشابهاً لمصير المسيحيين أيضاً.

2 ـ إِنّ كلمة «العداوة» مشتقة من المصدر «عدو» وهي بمعنى التجاوز

____________________________

1 ـ وعلى هذا الأساس فإن الضمير في كلمة «بينهم» تعود إِلى كلمة «النصارى» المذكورة في بداية الآية.

[644]

والإِنتهاك، أمّا كلمة «البغضاء» المشتقة من المصدر «بغض» فهي تعني النفور والإِستياء الشديد من شيء معين، ويحتمل أن يكون الفرق بين الكلمتين المذكورتين هو أنّ لكلمة «بغض» طابع وجداني أكثر ممّا هو عملي، كما في كلمة «العداوة» التي لها طابع عملي، وقد يكون لكلمة «بعض» أو «بغضاء» مفهوم أشمل يستوعب العملي منه والقلبي الوجداني.

3 ـ يستدل من الآية هذه على أنّ النصارى كطائفة دينية (أو اليهود والنصارى معاً) سيكون لهم وجود في هذه الدنيا حتى يوم القيامة، وقد يقول معترض في هذا المجال: أنّ الأخبار الإِسلامية تفيد بأن ديناً واحداً سيعم العالم كله بعد ظهور المهدي (عج) ولن تكون هناك أديان أُخرى غيرهذا الدين الذي هو الإِسلام الحنيف، فكيف إِذن يمكن الجمع والتوفيق ورفع هذا التناقض الظاهر؟

والجواب هو أنّه يحتمل أن يبقى من المسيحية واليهودية حتى بعد ظهور المهدي(عج) شيء ضئيل على شكل أقلية ضعيفة جداً، لأن ما نعلمه هو بقاء حرّية الإرادة للبشر حتى في عصر المهدي(عج) وإنّ الدين الإسلامي في ذلك العصر لا يأخذ طابعاً إِجبارياً، مع أن الأغلبية العظمى من البشر ستتبع طريق الحق وتميل إِليه، والأهم من هذا كله فإِن الحكم في الأرض سيكون للإِسلام وحده.

* * *

[645]

الآيتان

يَـأَهْلَ الْكِتَـبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَـبِ وَيَعْفُوا عَن كَثِير قَدْ جَآءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَـبٌ مُّبِينٌ(15) يَهْدِى بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَنَهُ سُبُلَ السَّلَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَـتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاط مُّسْتَقِيم(16)

التّفسير

بعد أنّ تحدثت الآيات السابقة عن نقض اليهود والنصارى لميثاقهم، جاءت الآية الأخيرة لتخاطب أهل الكتاب بصورة عامّة وتدعوهم إِلى الإِسلام الذي طهر الديانتين اليهودية والمسيحية من الخرافات التي لصقت بهما، والذي يهديهم إِلى الصراط السّوي المستقيم، والذي ليس فيه أي انحراف أو اعوجاج.

وتبيّن الآية ـ في البداية ـ أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) المبعوث إِليهم جاء ليظهر الكثير من الحقائق الخاصّة بالكتب السماوية التي أخفوها هم (أهل الكتاب) وكتموها عن الناس، وإِن هذا الرّسول يتغاضى عن كثير من تلك الحقائق التي انتفت الحاجة إِليها وزال تأثيرها بزوال العصور التي نزلت لها، فتقول الآية في هذا المجال: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم كثيراً ممّا كنتم تخفون من

[646]

الكتاب ويعفو عن كثير...).

وتدّل هذه الجملة القرآنية على أنّ أهل الكتاب كانوا قد أخفوا وكتموا الكثير من الحقائق، لكن نبيّ الإِسلام(صلى الله عليه وآله وسلم) قد أظهر من تلك الحقائق ما يفي منها بحاجة البشرية في عصر الإِسلام، مثل بيان حقيقة التوحيد وطهارة الأنبياء وتنزههّم عمّا نسب إِليهم في التوراة والإِنجيل المزورين، كما بيّن تحريم الربا، والخمرة وأمثالهما، بينما بقيت حقائق تخص الأُمم السابقة والأزمنة الغابرة ممّا لا أثر لذكرها في تربية الأجيال الإِسلامية، فلم يتمّ التطرق إِليها.

وتشير الآية الكريمة ـ أيضاً ـ إِلى أهمية وعظمة القرآن المجيد وآثاره العميقة في هداية وإِرشاد وتربية البشرية، فتقول: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين) النور الذي يهدي به الله كل من يبتغي كسب مرضاته إِلى سبل السلام، كما تقول الآية الأُخرى: (يهدي به الله من اتّبع رضوانه سبل السلام ...) وينقذهم من أنواع الظلمات (كظلمة الشرك وظلمة الجهل وظلمة التفرقة والنفاق  وغيرها ...) ويهديهم إِلى نور التوحيد والعلم والإِتحاد، حيث تقول الآية: (ويخرجهم من الظلمات إِلى النّور بإِذنه ...).

وإضافة إِلى ذلك كلّه يرشدهم إِلى الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج ولا انحراف في جانبيه العقائدي والعملي أبداً، كما تقول الآية: (ويهديهم إِلى صراط مستقيم).

لقد اختلف المفسّرون في المعنى المراد من كلمة «النّور» الواردة في الآية، فذهب البعض منهم إِلى أنّها تعني شخص النّبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقال مفسّرون آخرون: إِنّ المعنى بالنور هو القرآن المجيد.

وحين نلاحظ آيات قرآنية عديدة تشبه القرآن بالنور، يتبيّن لنا أنّ كلمة «النور» الواردة في الآية ـ موضوع البحث ـ إِنّما تعني القرآن، وعلى هذا الأساس فإِنّ عطف عبارة «كتاب مبين» على كلمة (النور» يعتبر من قبيل عطف التوضيح،

[647]

كما نقرأ في الآية (57) من سورة الأعراف: (فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أُنزل معه اُولئك هم المفلحون) وفي الآية (8) من سورة التغابن نقرأ ما يلي: (فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا ...) وآيات عديدة أُخرى تشير إِلى نفس المعنى، بينما لا نجد في القرآن آية اُطلقت فيها كلمة النور على شخص النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

وإِضافة إِلى ما ذكر فإِنّ الضمير المفرد الوارد في عبارة «به» الواردة في الآية الثانية من الآيتين الأخيرتين، يؤكّد هذا الموضوع أيضاً، وهو أن النور والكتاب المبين هما اشارتان لحقيقة واحدة.

ومع إنّنا نجد روايات عديدة تفسّر كلمة «النّور» على أنّها إِشارة إِلى الإِمام علي بن أبي طالب أميرالمؤمنين (عليه السلام) أو الأئمّة الإِثني عشر(عليهم السلام) جميعهم، لكن الواضح هو أنّ هذا التّفسير يعتبر من باب بيان بواطن الآيات، لأنّنا كما نعلم أنّ للآيات القرآنية ـ بالإِضافة إِلى معانيها الظاهرية ـ معان باطنية يعبّر عنها بـ «بواطن القرآن» أو «بطون القرآن»، ودليل قولنا هذا أنّ الأئمّة(عليهم السلام) لم يكن لهم وجود في زمن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لكي يدعو القرآن أهل الكتاب للإِيمان بهم.

أمّا الأمر الثّاني الوارد في الآية الثانية من الآيتين الأخيرتين، فهو أنّ القرآن يبشر اُولئك الذين يسعون لكسب مرضاة الله بأنّهم سيحظون في ظل القرآن بنعم عظيمة ثلاثة هي:

أوّلا: الهداية إِلى سبل السلامة التي تشمل سلامة الفرد والمجتمع، والروح والجسد والعائلة، والسلامة الأخلاقية، وكل هذه الأُمور تدخل في الجانب العملي من العقيدة.

وثانياً: نعمة النجاة من ظلمات الكفر والإِلحاد.

وثالثاً: الهداية إِلى النور، وفي هذا دلالة على الطابع العقائدي، ويتمّ كل ذلك من خلال أقصر وأقرب الطرق وهو الذي أشارت إِليه الآية بـ(الصراط المستقيم).

[648]

وبديهي أن هذه النعم لا يحظى بها إلاّ من أسلم وجهه للّه، وخضع للحق بالعبودية والطاعة، وكان مصداقاً للعبارة القرآنية القائلة: (من اتّبع رضوانه)بينما لا يحضى المنافقون والمعاندون وأعداء الحق بأيّ فائدة مطلقاً، كما تشير إِلى ذلك آيات قرآنية عديدة.

وبديهي ـ أيضاً ـ أنّ كل هذه النتائج والآثار، إِنّما تحصل بمشيئة الله وإِرادته وحده دون سواه، كما تشير عبارة «بإِذنه» الواردة في الآية الأخيرة.

* * *

[649]

الآية

لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِى الاَْرْضِ جَمِيعاً وَللهِ مُلْكُ السَّمَـوَتِ وَالاَْرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ(17)

التّفسير

كيف يمكن للمسيح أن يكون هو الله؟!

جاءت هذه الآية الكريمة لتكمل بحثاً تطرقت إِليه آيات سابقة، فحملت بعنف على دعوى ربوبية المسيح(عليه السلام)، وبيّنت أنّ هذه الدعوى ما هي إِلاّ الكفر الصريح، حيث قالت: (لقد كفر الذين قالوا إِنّ الله هو المسيح ابن مريم ...).

ولكي يتّضح لنا مفهوم هذه الجملة، يجب أن نعرف أنّ للمسيحيين عدّة دعاوي باطلة بالنسبة إِلى الله سبحانه وتعالى.

فهم أوّلا: يعتقدون بالآلهة الثلاث (أي الثالوث) وقد أشارت الآية (171) من سورة النساء إِلى هذا الأمر حيث قالت: (لا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم إِنّما الله

[650]

إِله واحد ...)(1).

وثانياً: إنّهم يقولون: إِنّ خالق الكون والوجود هو واحد من هؤلاء الآلهة الثلاث ويسمونه بالإِله الأب(2) والقرآن الكريم يبطل هذا الإِعتقاد ـ أيضاً ـ في الاية (73) من سورة المائدة حيث يقول: (لقد كفر الذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة وما من إِله إِلاّ إِله واحد ...) وسيأتي بإِذن الله تفسير هذه الآية قريباً في نفس هذا الجزء.

وثالثاً: إِنّ المسيحيين يقولون: إِنّ الآلهة الثلاث مع تعددهم الحقيقي هم واحد، حيث يعبرون عن ذلك أحياناً بـ «الوحدة في التثليث»، وهذا الأمر أشارت إِليه الآية الأخيرة حيث قالت حكاية عن دعوى المسيحيين: (إِنّ الله هو المسيح ابن مريم ...) وقالوا: إِنّ المسيح ابن مريم هو الله! وإِن هذين الإِثنين يشكلان مع روح القدس حقيقة واحدة في ذوات ثلاثة متعددة!

وقد ورد كل جانب من جوانب عقيدة التثليث، الذي يعتبر من أكبر إنحرافات المسيحيين في واحدة من الآيات القرآنية، ونفي نفياً شديداً (راجع تفسير الآية 171 ـ من سورة النساء من تفسيرنا هذا وفيه التوضيح اللازم في بيان بطلان عقيدة التثليث).

ويتبيّن ـ ممّا سلف ـ أنّ بعض المفسّرين مثل «الفخر الرازي» قد توهّموا في قولهم بعدم وجود أحد من النصارى ممن يصرح باعتقاده في اتحاد المسيح بالله، وذلك لعدم إِلمام هؤلاء المفسّرين بالكتب المسيحية، مع أنّ المصادر المسيحية المتداولة تصرح بقضية «الوحدة في التثليث» ومن المحتمل أن مثل هذه الكتب لم تكن متداولة في زمن الرازي، أو أنّها لم تصل إِليه وإِلى أمثاله الذين شاركوه

____________________________

1 ـ لقد مضى تفسير هذه الآية في بداية هذا الجزء من تفسيرنا.

2 ـ نقرأ في المصادر المسيحية أنّ «الإله الأب» هو خالق جميع الكائنات (قاموس الكتاب المقدس، الصفحة 345) كما نقرأ أنّ الرّب هو الموجود بنفسه، وإن هذا هو اسم خالق جميع المخلوقات وحاكم كلّ الكائنات، وإِنّه هو الروح اللامتناهية الأزلية الأبدية ... (قاموس الكتاب المقدس، ص 344).

[651]

في هذا الرأي.

بعد ذلك ولكي تبطل الآية الكريمة عقيدة أُلوهية المسيح(عليه السلام) تقول: (قل فمن يملك من الله شيئاً إِن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأُمّه ومن في الأرض جميعاً ...)وهذه إِشارة إِلى أنّ المسيح(عليه السلام) إنّما هو بشر كأُمه وكسائر أفراد البشر، وعلى هذا الأساس فهو يعتبر ـ لكونه مخلوقاً ـ في مصاف المخلوقات الأُخرى يشاركها في الفناء والعدم، ومن حاله كهذا كيف يمكنه أن يكون إِلهاً أزلياً أبدياً؟!

وبتعبير آخر: لو كان المسيح(عليه السلام) إِلهاً لإِستحال على خالق الكون أن يهلكه، وتكون نتيجة ذلك أن تتحدد قدرة هذا الخالق، ومن كانت قدرته محدودة لا يمكن أن يكون إِلهاً، لأنّ قدرة الله كذاته لا تحدّها حدود مطلقاً (تدبّر جيداً).

إِنّ ذكر عبارة «المسيح بن مريم» بصورة متكررة في الآية، قد يكون إِشارة إِلى هذه الحقيقة، وهي إعتراف المسيحيين ببنوّة المسيح(عليه السلام) لمريم، أي أنّه ولد من أُم وأنّه كان جنيناً في بطن أُمّه قبل أن يولد، وحين ولد طفلا احتاج إِلى النموّ ليصبح كبيراً، فهل يمكن أن يستقر الإِله في محيط صغير كرحم الأُمّ، ويتعرض لجميع تحولات الوجود والولادة ويحتاج للأُمّ حين كان جنياً وحين الرضاعة؟!

والجدير بالإِنتباه أنّ الآية الأخيرة تذكر بالإِضافة إِلى اسم المسيح(عليه السلام) اسم أُمّه وتذكرها بكلمة «أُمه» وبهذه الصورة تميز الآية أُمّ المسيح(عليه السلام) عن سائر أفراد البشر، ويحتمل أن يكون هذا التعبير بسبب أنّ المسيحيين أثناء ممارستهم للعبادة، يعبدون أُمّ المسيح أيضاً، والكنائس الموجودة اليوم تشتمل على تماثيل لأُم المسيح، حيث يقف المسيحيون أمامها تعظيماً وتعبداً.

وإِلى هذا الأمر تشير الآية (116) من سورة المائدة فتقول: (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأُمي إِلهين من دون الله ...) وهذا الخطاب حكاية عمّا يحصل من حوار في يوم القيامة.

وفي الختام ترد الآية الكريمة على أقوال اُولئك الذين اعتبروا ولادة المسيح

[652]

من غير أب دليلا على أُلوهيته فتقول: (ولله ملك السموات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير).

فالله قادر على أن يخلق إِنساناً من غير أب ومن غير أُم كما خلق آدم(عليه السلام)، وهو قادر أيضاً على أن يخلق إِنساناً من غير أب كما خلق عيسى المسيح(عليه السلام)، وقدرة الله هذه كقدرته في خلق البشر من آبائهم وأمّهاتهم، وهذا التنوع في الخلق دليل على قدرته، وليس دليلا على أي شيء آخر سوى هذه القدرة.

* * *

[653]

الآية

وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَـرَى نَحْنُ أَبْنَـؤُا اللهِ وَأَحِبَّـؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَللهِ مُلْكُ السَّمَـوَتِ وَالاَْرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ(18)

التّفسير

استكمالا للبحوث السابقة التي تناولت بعض إنحرافات اليهود والنصارى، تشير الآية الأخيرة إِلى أحد الدعاوى الباطلة التي تمسك بها هؤلاء، فتقول: (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله واحباؤه).

ولم يكن هذا الإِمتياز الوهمي الذي إِدعاه اليهود والنصارى لأنفسهم هو الوحيد من نوعه، إِذ أن القرآن الكريم قد أشار في آيات عديدة إِلى أمثال هذه الإِدعاء.

ففي الآية (111) من سورة البقرة، أشار القرآن إِلى إدعائهم الذي زعموا فيه أن أحداً غيرهم لا يدخل الجنّة، وزعموا أن الجنّة هي حكر على اليهود والنصارى، وقد فند القرآن هذه الإِدعاء.

كما جاء الآية (80) من سورة البقرة إدعاء آخر لليهود، وهو زعمهم أن نار

[654]

جهنم لن تمسهم إِلا في أيّام معدودة، وقد وبخهم القرآن على زعمهم هذا.

وفي الآية الأخيرة يشير القرآن الكرم إِلى ادعائهم البنوة لله، وزعمهم أنّهم أحباء لله، ولا شك أن هؤلاء لم يعرّفوا أنفسهم كأبناء حقيقيين لله، بل إنّ المسيحيين وحدهم يدّعون أن المسيح هو الإِبن الحقيقي لله، وقد صرحوا بهذا الأمر(1) وأنّهم حين اختاروا لأنفسهم صفة البنوة لله وأدعوا بأنّهم الله إِنما ليظهروا بأن لهم علاقة خاصّة بالله سبحانه، وكأنّهم أرادوا كل من ينتمي إِليهم انتماء قومياً أو عقائدياً يصبح من أبناء الله وأحبائه حتى لو لم يقم بأي عمل صالح.(2)

وواضح لدينا أنّ القرآن الكريم حارب كل هذه الإِمتيازات والدعاوى الوهمية، فهو لا يرى للإِنسان امتيازاً إِلاّ بالإِيمان والعمل الصالح والتقوى، ولذلك تقول الآية الأخيرة في تفنيد وإِبطال الإِدعاء الأخير: (قل فلم يعذبكم بذنوبكم)فهؤلاء ـ بحسب اعترافهم أنفسهم ـ يشملهم العذاب الإِلهي حيث قالوا بأن العذاب يمسّهم لأيّام معدودة، فكيف يتلاءم ذلك الإِدعاء وهذا الإِعتراف؟ وكيف يمكن أن يشمل عذاب الله أبناءه وأحباءه؟! ومن هنا يثبت أن لا أساس ولا صحة لهذا الإِدعاء، وقد شهد تاريخ هؤلاء على أنّهم حتى في هذه الدنيا ابتلوا بسلسلة من العقوبات الإِلهية، ويعتبر هذا دليلا آخر على زيف وبطلان دعواهم تلك.

ولكي تؤكد الآية الكريمة زيف وبطلان الدعوى المذكورة استطردت تقول: (بل أنتم بشر ممن خلق ...) والقانون الإِلهي عام، فإِن الله (يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ...).

وبالإضافة إِلى ذلك فإِنّ كل البشر هم من خلق الله، وهم عباده وأرقاؤه، وعلى هذا الأساس ليس من المنطق إِطلاق اسم «ابن الله» على أي منهم، حيث

____________________________

1 ـ تقول المصادر المسيحية بأنّ عبارة «ابن الله» هي فقط من ألقاب منقذ المسيحيين وفاديهم، وإِنّ هذا اللقب لا يطلق على أحد غيره إلاّ إذا دلت القرينة على أنّ المراد ليس البنوة الحقيقة لله (قاموس الكتاب المقدس، ص 345).

2 ـ ظهرت في الآونة الأخيرة لدينا مجموعة تبشر للمسيحية وتسمّي نفسها جماعة «ابن الله».

[655]

تقول الآية: (ولله ملك السموات والأرض وما بينهما ...).

وفي النهاية تعود المخلوقات كلها إِلى الله، حيث تؤكد الآية هنا بقولها: (وإِليه المصير).

وقد يسأل البعض: أين ومتى إدعى اليهود والنصارى أنّهم أبناء الله حتى لو كان معنى البنوة في هذه الآية هو معنى مجازي وغير حقيقي).

الجواب هو أنّ الأناجيل المتداولة قد ذكرت هذه العبارة، ويلاحظ ذلك فيها بصورة متكررة، من ذلك ما جاء في إِنجيل يوحنا في الإِصحاح 8 ـ الآية 41 وما بعدها، حيث نقرأ على لسان عيسى في خطابه لليهود قوله: «إِنّكم تمارسون أعمال أبيكم، فقال له اليهود: نحن لم نولد من الزنا وإِن أبانا واحد وهو الله! فقال لهم عيسى: لو كان أبوكم هو الله لكنتم احببتموني ...».

وقد ورد في الروايات الإِسلامية ـ أيضاً ـ في حديث عن ابن عباس مضمونه أنّ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) دعا جمعاً من اليهود إِلى دين الإِسلام وحذّرهم من عذاب الله، فقال له اليهود: كيف تخوفنا من عذاب الله ونحن أبناؤه وأحباؤه(1)!

وورد في تفسير مجمع البيان، في تفسير الآية موضوع البحث، حديث على غرار الحديث المذكور أعلاه، مضمونه أنّ جمعاً من اليهود حين هددهم النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بعذاب الله قالوا: لا تهددنا فنحن أبناء الله وأحباؤه، وهو إِن غضب علينا يكون غضبة كغضب الإِنسان على ولده، وهو غضب سريع الزوال.

* * *

____________________________

1 ـ تفسير الرازي، ج 11، ص 192.

[656]

الآية

يَـأَهْلَ الْكِتَـبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَة مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَآءَنَا مِن بَشِير وَلاَ نَذِير فَقَدْ جَآءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ(19)

التّفسير

تكرر هذه الآية الخطاب إِلى أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فتبيّن لهم أنّ النّبي المرسل إِليهم مرسل من عند الله، أرسله في عصر ظلت البشرية قبله فترة دون أن يكون لها نبيّ، فبيّن لهم هذا النّبي الحقائق، لكي لا يقولوا بعد هذا إِنّ الله لم يرسل إِليهم من يهديهم إِلى الصراط السوي ويبشرهم بلطف الله ورحمته ويحذرهم من الإِنحراف والإِعوجاج، وينذرهم بعذاب الله، حيث تقول الآية: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير ...).

نعم، فالبشير والنذير هو نبيّ الإِسلام محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي يبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات برحمة الله وثوابه، وينذر الذين كفروا والعاصين بعذاب الله وعقابه، وقد جاء ليبشر ولينذر أهل الكتاب والبشرية جمعاء، حيث تؤكّد الآية هذا بقوله تعالى: (فقد جاءكم بشير ونذير).

[657]

أمّا كلمة «فترة» الواردة في الآية فهي تعني في الأصل الهدوء والسكينة كما تطلق على الفاصلة الزمنية بين حركتين أو جهدين أو نهضتين أو ثورتين.

وقد شهدت الفاصلة الزمنية بين موسى(عليه السلام) وعيسى(عليه السلام) عدداً من الأنبياء والرسل، بينما لم يكن الأمر كذلك في الفاصلة الزمنية بين عيسى(عليه السلام) والنّبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولذلك أطلق القرآن الكريم على هذه الفاصلة الأخيرة إِصطلاح (فترة من الرسل) والمعروف أن هذه الفترة دامت ستمائة عام تقريباً(1).

أمّا ما جاء في القرآن ـ في سورة يس الآية 14 ـ وما ذكره المفسّرون، فيدلان على أنّ ثلاثة من الرسل ـ على الأقل ـ قد بعثوا في الفاصلة الزمنية بين النّبي عيسى(عليه السلام) ونبيّ الإِسلام(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد ذكر البعض أنّ أربعة من الرسل بعثوا في تلك المدة، وعلى أي حال لابدّ أن تكون هناك فترة خلت من الرسل بين وفاة اُولئك الرسل والنّبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولذلك عبّر القرآن عن تلك الفترة الخالية من الرسل بقوله: (على فترة من الرسل).

سؤال:

وقد يعترض البعض بأنّه كيف يمكن القول بوجود مثل تلك الفترة مع أنّ الإِعتقاد السائد لدينا يقضي بأن المجتمع البشري لا يمكن أن يخلو ولو للحظة من رسول أو إِمام معين من قبل الله سبحانه وتعالى؟

الجواب:

إنّ القرآن الكريم حين يقول: (على فترة من الرسل) إِنّما ينفي وجود الرسل في تلك المدّة، ولا يتنافى هذا الأمر مع القول بوجود أوصياء للرسل في ذلك الوقت.

____________________________

1 ـ ويرى البعض أنّ هذه الفترة تبلغ أكثر من ستمائة عام، وآخرون يرون أنّها أقل من هذه المدّة واستناداً على قول البعض فإنّ الفاصلة الزمنية بين ولادة المسيح(عليه السلام) وهجرة نبي الإِسلام محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) ووفق التاريخ الميلادي تبلغ 621 عاماً و95 يوماً (تفسير ابن الفتوح الرازي، ج 4، هامش الصفحة 154).

[658]

وبعبارة أُخرى، فإِنّ الرسل هم أشخاص كانوا يمارسون الدعوة على نطاق واسع، وكانوا يبشرون وينذرون الناس، ويثيرون الحركة والنشاط في المجتمعات، ويوقظونها من سباتها بهدف إِيصال ندائهم الى الجميع، بينما لم يكن جميع أوصياء الرسل ليحملوا مثل تلك المهمّة، بل يحتمل ـ أيضاً ـ إِنهم لظروف وعوامل اجتماعية خاصّة، كانوا يعيشون بين الناس أحياناً متخفين متنكرين.

ويقول أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) في إِحدى خطبه الواردة في كتاب «نهج البلاغة» في هذا المجال ما يلي: «اللّهم بلى، لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة إِمّا ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً لئلا تبطل حجج الله وبيناته، يحفظ الله بهم حججه وبيّناته حتى يودعوها نظراءهم ويزرعوها في قلوب أشباههم»(1).

وواضح أن المجتمع البشري لو خلى من الرسل الثوريين والدعاة العالمين، لعمت هذه المجتمع الخرافات والوساوس الشيطانية والإِنحرافات والجهل بالتعاليم الإِلهية، وتكون مثل هذه الحالة خير حجة بأيدي اُولئك الذين يريدون الفرار والتخلي عن المسؤوليات، لذلك فإِن الله يبطل هذه الحجة عن طريق الرجال الرساليين المرتبطين به والموجودين دائماً بين أبناء البشر.

وفي الختام تؤكد الآية على شمولية قدرة الله عزَّ وجلَّ فتقول: (والله على كل شيء قدير) وهذا بيان بأنّ إِرسال الأنبياء والرسل وتعيين أوصياتهم أمر يسير بالنسبة لقدرة الله العزيز المطلقة.

* * *

____________________________

1 ـ نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة 147.

[659]

الآيات

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَـقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً وَءَاتَـكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّنَ الْعَـلَمِينَ(20) يَـقَوْمِ ادْخُلُوا الاَْرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَآرِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَسِرِينَ(21) قَالُوا يَـمُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَخِلُونَ(22) قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَلِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّوْمِنِينَ(23) قَالُوا يَـمُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَـتِلاَ إِنَّا هَـهُنَا قَـعِدُونَ(24) قَالَ رَبِّ إِنِّى لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِى وَأَخِى فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَـسِقِينَ(25) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِى الاَْرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَـسِقِينَ(26)

[660]

التّفسير

بنوإِسرائيل والأرض المقدسة:

جاءت هذه الآيات لتثير لدى اليهود دافع التوجه إِلى الحق والسعي لمعرفته أوّلا، وإِيقاظ ضمائرهم حيال الأخطاء والآثام التي إرتكبوها ثانياً، ولكي تحفزهم إِلى السعي لتلافي اخطائهم والتعويض عنها، ويذكرهم القرآن في الآية الأُولى بما قاله النّبي موسى(عليه السلام) لأصحابه حيث تقول: (وإِذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم ...).

ولا يخفى أنّ عبارة (نعمة الله) تشمل جميع الأنعم الإِلهية، لكن الآية استطردت فبيّنت ثلاثاً من أهم هذه النعم، أوّلها نعمة ظهور أنبياء وقادة كثيرين بين اليهود، والتي تعتبر أكبر نعمة وهبها الله لهم، فتقول الآية: (إِذ جعل فيكم أنبياء ...) وقد نقل أنّ في زمن موسى بن عمران وحده كان يوجد بين اليهود سبعون نبيّاً، وإِنّ السبعين رجلا الذين ذهبوا مع موسى(عليه السلام) إِلى جبل «الطور» كانوا كلهم بمنزلة الأنبياء.

وفي ظل هذه النعمة (نعمة وجود الأنبياء) نجى اليهود من هاوية الشرك والوثنية وعبادة العجل وتخلصوا من مختلف أنواع الخرافات والأوهام والقبائح والخبائث، لذلك أصبحت هذه النعمة أكبر النعم المعنوية التي أنعم الله بها على بني إِسرائيل.

بعد هذا تشير الآية إِلى أكبر نعمة مادية وهبها الله لليهود فتقول: (وجعلكم ملوكاً ...) وتعتبر هذه النعمة ـ أيضاً ـ مقدمة للنعم المعنوية، فقد عانى بنوإِسرائيل لسنين طويلة من ذل العبودية في ظل الحكم الفرعوني، فلم يكونوا ليمتلكوا في تلك الفترة أي نوع من حرية الإِرادة، بل كانوا يعاملون معاملة البهائم المكبلة في القيود، وقد أنقذهم الله من كل تلك القيود ببركة النّبي موسى بن عمران(عليه السلام)وملكهم مصائرهم ومقدراتهم.

[661]

وقد ظن البعض أنّ المراد من كلمة «الملوك» الواردة في الآية هم الملوك والسلاطين الذين ظهروا من سلالة بني إِسرائيل، في حين أنّ المعروف هو أنّ بني إِسرائيل لم يحكموا إِلاّ فترة قصيرة، فلم يحظ منهم إِلاّ القليل بمنزلة الملوكية، بينما الآية ـ موضوع البحث ـ تقول: (وجعلكم ملوكاً) وهذه إِشارة إِلى تمتع جميع بني إِسرائيل بهذه المنزلة، ويتبيّن من هذا أنّ المراد بكلمة «ملوك» الواردة في الآية أن بني إِسرائيل قد تملكوا مصائرهم ومقدارتهم بعد أن كانوا مكبلين بقيود العبودية في ظل الحكم الفرعوني.

إِضافة إِلى ذلك فإِنّ كلمة «ملك» في اللغة لها معان عديدة منها «السلطان» ومنها «المالك لزمان الأُمور» ومنها ـ أيضاً ـ المالك لرقبة شيء معين(1).

ونقل في تفسير «الدر المنثور» عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حديثاً جاء فيه: «كانت بنوإِسرائيل إِذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة كتب ملكاً ...».

وتشير هذه الآية في اخرها إِلى أنّ الله قد وهب بني إِسرائيل في ذلك الزمان نعماً لم ينعم بها على أحد من أفراد البشر في ذلك الحين فتقول: (وآتاكم ما لم يؤث أحداً من العالمين) وكانت هذه النعم والوافرة كثيرة الأنواع، فمنها نجاة بني إِسرائيل من مخالب الفراعنة الطغاة، وإِنفلاق البحر لهم، ونزول غذاء خاص عليهم مثل «المن والسلوى»، وقد أوردنا تفاصيل ذلك في الجزء الأوّل من كتابنا هذا، لدي تفسير الآية (57) من سورة البقرة.

والآية التالية تبيّن واقعة دخول بني إِسرائيل إِلى الأرض المقدسة نقلا عن لسان نبيّهم موسى(عليه السلام) فتقول: (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين).

وقد اختلف المفسّرون حول المراد بعبارة (الأرض القدسة) الواردة في الآية،

____________________________

1 ـ نقرأ في كتب أن الملك هو «من كان له المُلك، والمُلك هو ما يملكه الإِنسان ويتصرف به ـ أو ـ العظمة والسلطة».

[662]

وحول موقعها الجغرافي من العالم.

فيرى البعض أنّها أرض «بيت المقدس» حيث القدس الشريف، وآخرون يرون أنّها «أرض الشام» وفئة ثالثة ترى أنّها «الأردن وفلسطين» وجماعة أُخرى تقول أنّها أرض «الطور».

ولكن لا يستبعد أن يكون المراد من العبارة المذكورة كل أرض الشام التي تشمل جميع الإِحتمالات الواردة، لأنّ هذه الأرض ـ كما يشهد التاريخ ـ تعتبر مهداً للأنبياء، ومهبطاً للوحي، ومحلا لظهور الأديان السماوية الكبرى، كما أنّها كانت لفترت طوال من التاريخ مركزاً للتوحيد وعبادة الله الواحد الأحد، ونشر تعاليم الأنبياء ... لهذه الأسباب كلها سمّيت بـ «الأرض المقدسة» مع أنّ هذا الإِسم يطلق عن منطقة «بيت المقدس» بصورة خاصّة أحياناً (وقد بينا هذا الأمر في الجزء الأوّل من كتابنا هذا).

ويستدل من جملة (كتب الله عليكم ...) إِنّ الله قد قرر أن يعيش بنوإِسرائيل في الأرض المقدسة بالرغد والرخاء والرفاه (شريطة أن يحموا هذا الأرض من دنس الشرك والوثنية) وأن لا ينحرفوا (عن تعاليم الأنبياء) إِن لم يلتزموا بهذا الأمر سيحيط بهم من قبل الله عذاب أليم شديد.

وعلى هذا الأساس لا يوجد أيّ تناقض بين فشل جيل من بني إِسرائيل الذين خوطبوا بهذه الآية في دخول الأرض المقدسة، وإبتلائهم بالتيه والضياع لمدة أربعين عاماً في الصحارى والقفار، حتى نجح الجيل التالي من بعدهم بدخول تلك الأرض، لا يوجد أيّ تناقض بين ما ذكر وبين جملة (كتب الله عليكم...) لأنّ هذا التقدير الإِلهي والقرار الرباني إِنّما قيد بشروط لم ينفذها ذلك الجيل الأوّل من بني إِسرائيل، وتوضح هذا الأمر الآيات التالية.

وقد واجه بنو إِسرائيل دعوة موسى(عليه السلام) للدخول إِلى الأرض المقدسة مواجهة الضعفاء الجبناء الجهلاء، الذين يتمنون أن تتحقق لهم الإِنتصارات في

[663]

ظل الصدف والمعاجز دون أن يبادروا بأنفسهم إِلى بذل جهد في هذا المجال، وردّ هؤلاء على طلب موسى(عليه السلام) بقولهم كما تنقله الآية: (قالوا يا موسى إنّ فيها قوماً جبارين(1) وإِنّا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإِن يخرجوا منها فإِنا داخلون).

ويدل جواب بني إِسرائيل هذا على الأثر المشؤوم الذي خلفه الحكم الفرعوني على نفوس هؤلاء فإِنّ في كلمة «لن» التي تفيد التأييد دلالة على الخوف والرعب العميقين اللذين استوليا على هذه الطائفة ممّا أرغمهم على الإِمتناع عن الدخول في أي صراع من أجل تحرير الأرض المقدسة وتطهيرها.

وكان على بني إِسرائيل أن يحرروا تلك الأرض بكفاحهم وتضحياتهم، أمّا لو أنّ الأعداء تركوا الأرض المقدسة أو أبيدوا فيها بمعجزة على خلاف السنة الإِلهية الطبيعية، فإِن بني إِسرائيل بدخلوهم إِليها ـ في مثل هذه الحالة دون أي عناء أو مشقة ـ كانوا سيواجهون العجز في إِدارة تلك الأرض الواسعة الغنية، ولم يكونوا ليبدوا أيّ اهتمام بالحفاظ على شيء حصلوا عليه دون جهد أو معاناة، فلا يظهر لديهم والحالة هذه أي استعداد أو كفاءة لعمل ذلك.

أمّا المراد من عبارة (قوماً جبارين) فهم كما تدل عليه التواريخ قوم «العمالقة»(2) الذين كانوا يمتلكون أجساماً ضخمة، وكانت لهم أطوال خارقة، بحيث ذهب الكثير إِلى المبالغة في طول أجسام هؤلاء وصنعوا الأساطير

____________________________

1 ـ يجب الإِنتباه إِلى أنّ كلمة «جبار» مأخوذةً أو مشتقة من الأصل (جبر) أي إِصلاح الشيء بالقسر والإِرغام، ولذلك سمّي إصلاح العظم المكسور (تجبيراً) فهذه الكلمة تطلق من جهة على كل نوع من التجبير والإِصلاح، ومن جهة أُخرى تطلق على كل أنواع التسلط القسري، وحين تطلق كلمة (جبار) على الله سبحانه وتعالى فذلك إِمّا لتسلطه على كل شيء، أو لأنّه هو المصلح لكل موجود محتاج إِلى الإِصلاح.

2 ـ العمالقة قوم من العنصر السامي يعيشون في شمال شبه جزيرة العرب بالقرب من صحراء سيناء، وقد هاجموا معصر واستولوا عليها لفترات طويلة ودامت حكومتهم حوالي 500 عام منذ عام 2213 قبل الميلاد حتى عام 1703 قبل الميلاد.

عن دائرة المعارف لفريد وجدي، ج 60، ص 232 (الطبعة الثّالثة).

[664]

الخرافية من ذلك، وكتبوا فيهم مواضيع تثير السخرية لا يسندها أيّ دليل علمي، وبالأخص فيما كتبوه عن المدعو بـ«عوج» في التواريخ المصطنعة المشوبة بالخرافات والأساطير.

ويبدو أن مثل هذه الخرافات التي تسربت حتى إِلى بعض الكتب الإِسلامية، وإِنّما هي من صنع بني إِسرائيل، والتي تسمّى عادة بـ «الإِسرائيليات» والدليل على هذا القول هو ما ورد نصاً في التوراة المتداولة من أساطير خرافية تشبه أساطير العمالقة، نقرأ في سفر الأعداد في أواخر الفصل الثّالث عشر «إِن الأرض التي ذهب بنو إِسرائيل إِليها لإِستقصاء أخبارها هي أرض تبيد ساكنيها وإِن جميع من فها هم أناس طوال وفيهم العمالقة من أبناء «عناق» بشكل كان بنو إِسرائيل الذين ذهبوا للتجسس هناك أشبة بالجراد قياساً بأحجام العمالقة الموجودين في تلك الأرض!».

بعذ هذا الحديث يشير القرآن الكريم إِلى رجلين أنعم الله عليهما بالإِيمان والتقوى والورع وشملهما بنعمه الكبيرة، فجمعا صفات الشجاعة والشهامة والمقاومة مع الدرك الإِجتماعي والعسكري ممّا دفعهما إِلى الدفاع عن اقتراح النّبي موسى(عليه السلام) فواجها بني إِسرائيل بقولهما: ادخلوا عليهم من باب المدينة، وحين تدخلون عليهم سيواجهون الإمر الواقع فتكونون أنتم المنتصرون، تقول الآية الكريمة في هذا المجال: (قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإِذا دخلتموه فإِنّكم غالبون).

وتؤكد الآية ـ بعد ذلك على ضرورة الإِعتماد على الله في كل خطوة من الخصوات، والإِستمداد من روح الإِيمان بقوله تعالى: (وعلى الله فتوكلوا إِن كنتم مؤمنين).

وما ذكره أغلب المفسّرين حول هوية هذين الرجلين هو أنّهما «يوشع بن نون» و«كالب بن يوحنا» وهما من النقباء الإِثني عشر في بني إِسرائيل، كما ورد

[665]

سابقاً(1).

مع كل الإِحتمالات العديدة الواردة في تفسير جملة (من الذين يخافون)إلاّ أنّ الواضح من ظاهر هذه الجملة، هو أنّ الرجلين المذكورين في الآية هما من جماعة تخاف الله وتخشاه وحده دون غيره، ويؤيد هذا التّفسير ما جاء في جملة (أنعم الله عليهما ...) فأي نعمة أكبر وأرفع من أن يخاف الإِنسان من الله وحده ولا يخشى أحداً سواه.

وقد يسأل سائل في هذا المجال عن مصدر علم هذين الرجلين، وكيف أنّهما علما أن بني إِسرائيل ستكون لهم الغلبة إِن هم دخلوا المدينة ـ أو الأرض المقدسة ـ في هجوم مباغت؟

وجوابه: لعل علم هذين الرجلين بتلك الغلبة كان نابعاً من ثقتهما بأقوال النّبي موسى(عليه السلام) أو أنّهما اعتمدا على قاعدة كلية في الحروب، مفادها أن الجماعة المهاجمة إن استطاعت الوصول إِلى مقر ومركز العدو ـ أي تمكنت من محاربة العدو في داره ـ فإِنها سنتتصر عليه(2) عادة.

والمستهدفون في تلك الحرب هم قوم المعالقة، وهم بسبب ما كانوا عليه من طول خارق، كان أسهل عليهم أن يحاربوا في بر أو فضاء مفتوح بدل الحرب في مدينة، فيها ـ بحسب العادة ـ الأزقة والطرق الملتوبة (بغضّ النظر عن الجوانب الأسطورية التي تتحدث عن الطول الخارق لهؤلاء العمالقة)، أضف إِلى ذلك كله أنّ العمالقة ـ كما نقل ـ كانوا على رغم قاماتهم الطويلة أناساً جبناء رعاديد، يرهبهم كل هجوم مباغت، وكل هذه الأسباب أصبحت دليلا قوياً لدى الرجلين المذكورين ليقولا بحتمية إنتصار بني إِسرائيل.

____________________________

1 ـ الباب الأوّل من سفر التثنية في التوراة المتداولية، فيه إِشارة إِلى أنّ اسمي هذين الرجلين هما «يوشع» و«كاليب».

2 ـ وقد أشار الإِمام علي بن أبي طالب في إِحدى خطبه الواردة في كتاب نهج البلاغة اليى هذه الحقيقة بقوله(عليه السلام): (فوالله ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا) (الخطبة 27).

[666]

والذي حصل حقيقة هو أنّ بني إِسرائيل لم يقتنعوا بأي من الإِقتراحات المذكورة، فهم بسبب الضعف والجبن المتأصلين في نفوسهم خاطبوا موسى(عليه السلام)وأخبروه صراحة بأنّهم لن يدخلوا تلك الأرض مادام العمالقة موجودين فيها، وطالبوا موسى أن يذهب هو وربه لمحاربة العمالقة وسألوه أن يخبرهم عن إنتصاره حيث هم قاعدون، وفي هذا المجال تقول الآية الكريمة: (قالوا يا موسى إِنّا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إِنّا ههنا قاعدون).

وتبيّن هذه الآية مدى الوقاحة التي وصل إِليها بنوإِسرائيل في مخاطبة نبيّهم موسى(عليه السلام)، فهم بقولهم «لن» و«أبداً» أكدوا رفضهم القاطع للدخلول إِلى الأرض المقدسة، كما أنّهم استخفوا بموسى(عليه السلام) ودعوته واستهزأوا بهما، بقولهم: (إِذهب أنت وربك فقاتلا إِنّا ههنا قاعدون ...) كما أنّهم ـ أيضاً ـ لم يعيروا التفاتاً لإِقتراح الرجلين المؤمنين المذكورين في الآية، ولم يبدوا حيال ذلك أي جواب.

والطريف في الأمر أن التوراة المتداولة قد أوردت أجزاء مهمّة من هذه القصة، في الباب الرابع عشر من سفر الأعداد، حيث جاء فيها أن جميع بني إِسرائيل لاموا موسى وهارون أخاه وقالوا جميعاً: ليتنا متنا جميعاً في أرض مصر أو في الفلاة، فلماذا جاء بنا الرّب إِلى هذه الأرض لكي نقتل بحدّ السيف، وتسبى عيالنا وأطفالنا بعدنا ... فحار موسى وأخاه هارون أمام القوم، ماذا يفعلان؟ أمّا يوشع بن نون وكاليب بن يفنة، اللذان كانا من مجموعة الرجال الذين ذهبوا للتجسس على تلك الأرض فقد شقا جيبهما ... .

ثمّ نقرأ في الآية التالية أنّ موسى أصابه اليأس والقنوط من القوم، ورفع يديه للدعاء مناجياً ربّه قائلا: إِنّه لا يملك حرية التصرف إلاّ على نفسه وأخيه، وطلب من الله أن يفصل بينهما وبين القوم الفاسقين العصاة، لكي يلقى هولاء جزاء أعمالهم ويبادروا إِلى إِصلاح أنفسهم، حيث تقول الآية الكريمة في هذا المجال: (قال ربّي إِنّي لا أملك إِلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين).

[667]

وبديهي إِنّ رفض بني إِسرائيل القاطع لأمر نبيهم كان بمثابة الكفر، وما استخدام القرآن لعبارة «الفاسق» بحق هؤلاء إِلا لأن كلمة «الفسق» لها معان واسعة، وتشمل كل خروج وإنحراف عن سنة العبودية لله، ولذلك نقرأ في القرآن الكريم ـ حين التحدث عن إِنحراف الشيطان ـ قول الله تعالى: (ففسق عن أمر ربّه  ...)(1).

وتجدر هنا الإِشارة إِلى أنّ جملة: (من الذين يخافون ...) الواردة في الآيات السابقة تدل على وجود قلة من اليهود كانت تخشى الله، ومنهم الرجلان المذكوران في إِحدى الآيات الأخيرة وهما «يوشع» و«كاليب» بينما نلاحظ أن موسى(عليه السلام) لا يذكر هنا غير نفسه وأخيه، ولا يذكر ولو حتى بالتلميح أحداً من تلك القلّة، وقد يكون السبب هو أن هارون لكونه الوصي لأخيه موسى(عليه السلام)ولكونه أبرز شخصية في بني إِسرائيل من بعد موسى(عليه السلام) ... لذلك ذكر اسمه دون غيره.

وكانت نتيجة صلف وعناد بني إِسرائيل أنّهم لاقوا عقابهم، إِذ استجاب الله دعاء نبيه موسى(عليه السلام)، فحرم عليهم دخول الأرض المقدسة، المليئة بالخيرات مدّة أربعين عاماً، وفي هذا المجال تقول الآية القرآنية الكريمة: (قال فإِنّها محرمة عليهم أربعين سنة ...).

وزادهم عذاباً إِذ كتب عليهم التيه والضياع في البراري والقفار طيلة تلك الفترة، حيث تقول الآية في ذلك: (يتيهون في الأرض ...) وقد سميت الصحراء التي تاه فيها بنو إِسرائيل باسم «التيه» أيضاً، وكانت جزءاً من صحراء سيناء، كما ذكرنا في الجزء الأوّل من تفسيرنا هذا.

بعد ذلك تذكر الآية أنّ ما نال بني إِسرائيل من عذاب في تلك المدة، كان مناسباً لما فعلوه، وتطلب من موسى(عليه السلام) أن لا يحزن على المصير الذي لا قوه حيث تقول الآية الكريمة: (فلا تأس على القوم الفاسقين).

____________________________

1 ـ الكهف، 50.

[668]

وربما كان سبب ورود الجملة الأخيرة، هو أنّ موسى(عليه السلام) قد ثارت عاطفته بعد أن علم بالعذاب الذي كتبه الله على بني إِسرائيل، فطلب من الله العفو لقومه ـ كما ورد في التوراة المتداولة ـ فأجابه برد سريع أوضح له أن بني إِسرائيل يستحقون ذلك العذاب، وهم لا يستحقون العفو الإِلهي لأنّهم أُناس فاسقون وعصاة، متكبرون، ومن كان هذا شأنه سيلاقي ـ حتماً ـ مثل هذا المصير.

ويجب الإِنتباه إِلى أنّ حرمان بني إِسرائيل من الدخول إِلى الأرض المقدسة، لم يكن له طابع للإِنتقام (كما أن جميع العقوبات الإِلهية ليس فيها طابع إنتقامي، بل هي إِما أن تكون لأجل تقويم شخصية الفرد، أو تكون نتيجة لأخطائه ومعاصيه.

وقد اشتمل هذا الحرمان على فلسفة خاصّة، حيث تحرر بنوإِسرائيل بعد معاناة طويلة قاسوها في ظل الكبت والقمع الفرعوني اللذين خلفا فيهم عقد الإِحساس باحتقار النفس والذل والضعة والنقص، لذلك فهم لم يبدوا استعداداً لتطهير أنفسهم وأرواحهم في تلك الفترة بعد التحرر وفي ظل قيادة وزعامة نبيّهم موسى(عليه السلام) كما لم يكونوا مستعدين لتلك القفزة المعنوية التي كان من شأنها أن تهيء لهم حياة جديدة مقرونة بالفخر والعز والسؤدد، وجوابهم لموسى(عليه السلام) ـ الذي اشتمل على رفضهم الدخول إِلى ميدان الجهاد التحرري في الأرض المقدسة ـ خير دليل على هذه الحقيقة.

لذلك كان من الضروري أن يعاني بنو إِسرائيل من التيه والضياع في الصحراء، ليزول الجيل الضعيف العاجز منهم بشكل تدريجي وليحل محله جيل جديد في محيط الصحراء، محيط الحرية وفي أحضان التعاليم الإِلهية، وقد صقلت نفوسهم حياة الصحراء القاسية الضارية، ووهبت لأرواحهم وأنفسهم القوة والقدرة، وأعدتهم لخوض غمار ذلك الجهاد ليقيموا حكومة الحق في تلك الأرض المقدسة!

* * *



 
 

  أقسام المكتبة :
  • القرآن الكريم
  • كتب في تفسير القرآن
  • أبحاث حول القرآن
  • كتب تعليمية ومناهج
  • علوم القرآن
  • النغم والصوت
  • الوقف والإبتداء
  • الرسم القرآني
  • مناهج وإصدارات دار السيدة رقية (ع)
  البحث في :


  

  

  

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net