سورة الشورى من أول السورة ـ آية 23 من ( ص 455 ـ 522 )  

الكتاب : الامثل في تفسير كتاب الله المنزل ( الجزء الخامس عش   ||   القسم : كتب في تفسير القرآن   ||   القرّاء : 4602

[455] 

سُورَة الشّورى

مكيّة

وَ عَدَدُ آياتِها ثلاث وخمسُون آية

[457] 

«سورة الشورى»

نظرة عامة في محتوى السورة:

إنّ إطلاق اسم «الشورى» على هذه السورة المباركة يعود إلى محتوى الآية (38) منها والتي تدعو المسلمين إلى المشورة في أُمورهم.

ولكن بالإضافة إلى هذا الموضوع، وإلى ما تتضمنهُ السورة من بحوث ومضامين السور المّكية من بحث في المبدأ والمعاد، والقرآن والنبوّة، فإنّها تتناول قضايا اُخرى يمكن الإشارة إليها مختصراً بما يلي من نقاط:

القسم الأول: وهو أهم أقسام السورة، يشتمل البحث فيه على قضية الوحي الذي يمثل طريق ارتباط الأنبياء(عليهم السلام) بالله تبارك وتعالى.

والملاحظ أنّ هذا الموضوع يلقي بظلاله على جميع أجزاء السورة، فالسورة تبدأ بالإشارة إليه وتنتهي به أيضاً.

وكامتداد لهذا الموضوع تثير السورة بحوثاً حول القرآن ونبوة نبيّ الإسلام وبداية الرسالة منذ أيام نبيّ الله نوح(عليه السلام).

القسم الثّاني: إشارات عميقة المعنى إلى دلائل التوحيد، وآيات الله في الآفاق والأنفس التي تكمِّل البحث في موضوع الوحي.

وفي هذا القسم ثمّة بحوث حول توحيد الربوبية.

القسم الثّالث: في السورة إشارات إلى قضية المعاد ومصير الكفار في القيامة.

[458]

وهو محدود قياساً إلى الأقسام الأُخرى.

القسم الرابع: تشتمل السورة على مجموعة من البحوث الأخلاقية التي تعكسها السورة بشكل خاص ودقيق. فهي تدعو أحياناً إلى ملكات خاصة مثل الإستقامة والتوبة والعفو والصبر وإطفاء نار الغضب.

وتنهى في المقابل عن الرذيلة، والطغيان في مقابل النعم الإلهية، أو العناد وعبادة الدنيا، وكذلك تنهى عن الفزع والجزع عند ظهور المشاكل.

إنّ السورة تنطوي على مجموعة متكاملة من دروس الهدى هي في الواقع شفاء للصدور ومسالك نور في طريق الحق.

 

فضيلة تلاوة السورة:

جاء في حديث عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: «من قرأ سورة حم عسق كانَ ممن تصلّي عليه الملائكة، ويستغفرون لهُ ويترحمون عليه»(1).

وفي حديث آخر عن الصادق نقرأ قوله(عليه السلام) «من قرأ حم عسق بعثه الله يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر، حتى يقف بين يدي الله عزّوجلّ فيقول: عبدي أدمنت قراءة حم عسق ولم تدر ما ثوابها، أمّا لو دريت ما هي وما ثوابها لما مللت من قراءتها، ولكن سأجزيك جزاءك، أدخلوه الجنّة».

وعندما يدخل الجنّة يرفل بأنواع النعم الإلهية التي ذكرها الإمام الصادق في الحديث الآنف بشكل مفصل(2).

* * *

 

____________________________________

1 ـ مجمع البيان، المجلد 9 ـ 10، ص31، طبعة دار المعرفة.

2 ـ ثواب الأعمال، نقلا عن تفسير نور الثقلين، المجلد الرابع، صفحة 556.

[459]

الآيات

حم( 1 ) عسق( 2 ) كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ( 3 ) لَهُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الاَْرْضِ وَهُوَ الْعَلِىُّ الْعَظِيمُ( 4 ) تَكَادُ السَّمَوَتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَـئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى الاَْرْضِ أَلاَ إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ( 5 )

 

التّفسير

تكادُ السماوات يَتَفَطّرن!

مرة اُخرى تواجهنا الحروف المقطّعة في مطلع السورة، وهي هنا تنعكس بشكل مفصل، إذ بين أيدينا خمسة حروف.

«حم» موجودة في بداية سبع سور قرآنية (المؤمن، فصلت، الشورى، الزخرف، الدخان، الجاثية، والأحقاف) ولكن في سورة الشورى أُضيف إليها مقطع (عسق).

وقد ذكرنامراراً أنّ للمفسّرين آراءاً وبحوثاً كثيرة حول هذه الحروف، يجملها صاحب مجمع البيان العلاّمة الطبرسي في أحد عشر قولا، وقد ذكرنا أهم

[460]

تلك الأقوال في مطلع الحديث عن سور: البقرة، آل عمران، والأعراف، ومريم، وغضضنا الطرف عن غير المهم منها.

ونذكر الآن بعضاً لا بأس به من هذه الأقوال بالرغم من عدم قيام دليل قاطع على صحتها.

فمنها قولهم أنّ هذه الحروف جاءت كأُسلوب للفت أنظار الناس إلى القرآن، لأنّ المشركين والمعاندين كانوا قد تواصوا فيما بينهم على عدم استماع آيات الله، خاصّة عندما كان رسول الله يقرؤها عليهم، إذ كانوا يثيرون الضوضاء، لذلك جاءت الحروف المقطعة (في 29 سورة قرآنية) لتكون أسلوباً جديداً في جلب الإنتباه.

وقد ذكر العلاّمة الطباطبائي إحتمالا آخر يمكن أن نضيفه إلى ما استخلصه العلاّمة الطبرسي من الأقوال الأحد عشر ليكون المجموع اثنا عشر تفسيراً.

وما ذكره العلامة الطباطبائي وإن كان مثله مثل غيره من الأقوال ممّا لم يقم الدليل القاطع عليه، إلاّ أنّه من المفيد أن نستعرضه بإيجاز.

يقول العلاّمة الطباطبائي: «إنك إن تدبرت بعض التدبُّر في هذه السور التي تشترك في الحروف المفتتح بها مثل الميمات والراءات والطواسين والحواميم، وجدت في السور المشتركة في الحروف من تشابه المضامين، وتناسب السياقات ما ليس بينها وبين غيرها من السور».

«ويؤكّد ذلك ما في مفتتح أغلبها من تقارب الألفاظ، كما في مفتتح الحواميم من قوله: (تنزيل الكتاب من الله) أو ما هو في معناه، وما في مفتتح الراءات من قوله: (تلك آيات الكتاب) أو ما في معناه، ونظير ذلك في مفتتح الطواسين، وما في مفتتح الميمات من نفي الريب عن الكتاب أو ما هو في معناه».

«ويمكن أن يحدس من ذلك أن بين هذه الحروف المقطعة وبين مضامين السور المفتتحة بها ارتباطاً خاصاً، ويؤيد ذلك ما نجده في سورة الأعراف

[461]

المصدّرة بـ «المص» في مضمونها كأنّها جامعة بين مضامين الميمات و ص[ أي ما افتتح بـ «ألم» و«ص»] وكذا سورة الرعد المصدّرة بـ «المر» في مضمونها كأنّها جامعة بين مضامين الميمات والراءات».

«ولعلّ المتدبر لو تدبر في مشتركات هذه الحروف، وقايس مضامين السور التي وقعت فيها بعضها إلى بعض، لتبيّن له الأمر أزيد من ذلك»(1).

وثمّة تفسير آخر أشرنا إليه سابقاً، وهو احتمال أن تكون هذه الحروف إشارات ورموزاً لأسماء الخالق ونعمه وقضايا اُخرى.

مثلا، في السورة التي نبحثها اعتبروا الحاء إشارة إلى الرحمن، والميم إلى المجيد، والعين إلى العليم، والسين إلى القدوس، والقاف إلى القاهر(2).

يعترض البعض على هذا الكلام بقولهم: لو كان المقصود من الحروف المقطعة أن لا يعلم بها الآخرون فإنّ ذلك غير صحيح، لأنّ هناك آيات اُخرى تصرّح بأسماء الله، ولكن يجب الإنتباه إلى أنّ الرموز والإشارات لا تعني دائماً أن يبقى الموضوع أو المعنى سرّياً، بل قد تكون أحياناً علامة للإختصار، وهذا الأمر كان موجوداً سابقاً، وهو مشهور في عصرنا الراهن، بحيث أنّ أسماء العديد من المؤسسات والمنظمات الكبيرة، تكون على شكل مجموعة مختصرة من الحروف المقطّعة التي يرمز كلُّ منها إلى جزء من الاسم الأصيل.

بعد الحروف المقطعة تتحدث الآية الكريمة عن الوحي، فتقول: (كذلك يوحى إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم).

«كذلك» إشارة إلى محتوى السورة ومضامينها.

ومصدر الوحي واحد، وهو علم الله وقدرته، ومحتوى الوحي في الأصول والخطوط العريضة واحد أيضاً بالنسبة لجميع الأنبياء والرسالات، بالرغم من أنّ

____________________________________

1 ـ الميزان، للعلاّمة محمد حسين الطباطبائي، المجد18، صفحة 8 ـ 9.

2 ـ يستفاد هذا التّفسير عن حديث للإمام الصادق(عليه السلام) . يراجع تفسير القرطبي، المجلد 9، صفحة 5822.

[462]

هناك خصوصيات بين دعوة نبي وآخر بحسب حاجة الزمان والمسيرة التكاملية للبشر(1).

وضروري أن نشير إلى أنّ الآيات التي نبحثها أشارت إلى سبع صفات من صفات الله الكمالية، لكل منها دور في قضية الوحي بشكل معين، ومن ضمنها الصفتان اللتان نقرؤهما في هذه الآية: (العزيز الحكيم).

فعزته تعالى وقدرته المطلقة تقتضي سيطرته على الوحي ومحتواه العظيم. وحكمته تستوجب أن يكون الوحي الإلهي حكيماً متناسقاً مع حاجات الإنسان التكاملية في جميع الأمور والشؤون.

وتعبير «يوحى» دليل على استمرار الوحي منذ خلق الله آدم (عليه السلام) حتى عصر النّبي الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم) لأن الفعل المضارع يفيد الإستمرار.

قوله تعالى: (له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم).

إنّ مالكيته تعالى لما في السماء والأرض تستوجب ألاّ يكون غريباً عن مخلوقاته وما يؤول إليه مصيرها، بل يقوم بتدبير أُمورها وحاجاتها عن طريق الوحي، وهذه هي الصفة الثّالثة من الصفات السبع.

أمّا «العليّ» و «العظيم» اللذان هما رابع وخامس صفة لهُ (سبحانهُ وتعالى) في هذه الآيات، فهما يشيران إلى عدم حاجته لأي طاعة أو عبودية من عباده، وإنّما قام تعالى بتدبير أمر العباد عن طريق الوحي من أجل أن ينعم على عباده.

الآية التي بعدها تضيف: (تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن)(2) وذلك بسبب نزول الوحي من قبل الله، أو بسبب التُهم الباطلة التي كان المشركون والكفّار ينسبونها إلى الذات المقدسة ويشركون الأصنام في عبادته.

____________________________________

1 ـ بالرغم من الكلام الكثير للمفسّرين حول المشار إليه في اسم الإشارة «كذلك» لكن يظهر أنّ المشار إليه هو نفس هذه الآيات النازلة على النّبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) لذا يكون مفهوم الآية: إنّ الوحي هو بهذا الشكل الذي أنزله الله عليك وعلى الأنبياء السابقين، وقد استخدم اسم الإشارة للبعيد بالرغم من قرب المشار إليه، وذلك للتعظيم والإحترام.

2 ـ «يتفطرن» من كلمة «فطر» على وزن «سطر» وتعني في الأصل الشق الطولي.

[463]

ويتّضح ممّا سلف أنّ للجملة معنيين:

الأوّل: أنّها تختص بموضوع الوحي الذي هو حديث الآيات السابقة، وهو في الواقع يشبه ما جاء في الآية(21) من سورة «الحشر» في قوله تعالى: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله).

إنّه كلام الله الذي يزلزل السماوات عند نزوله وتكاد تتلاشى، فلو أنّه نزل على الجبال لتصدّعت، لأنّه كلام عظيم من خالق حكيم.

والويل لقلب الإنسان، فهو الوحيد الذي لا يلين ولا يستسلم، ويصر على عناده وتكبره.

التّفسير الثّاني: أنّ السماوات تكاد تتفطّر وتتلاشى بسبب شرك المشركين وعبادتهم للأصنام من دون الله، بل هم يساوون بين أدنى الكائنات والموجودات وبين المبدأ العظيم خالق الكون جلَّ وعلا.

التّفسير الأوّل يناسب الآيات التي نبحثها والتي تنصب حول الوحي والتّفسير الثّاني يناسب ما نقرؤه في الآيتين (90،91) من سورة «مريم» حيثُ يقول تعالى بعد أن يذكر قول الكفار ـ وقبح قولهم ـ باتخاذه ولداً(!!): (تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً أن دعوا للرحمن ولداً).

ومن الواضح أن ليس ثمّة تعارض بين التّفسيرين.

أمّا عن كيفية انفطار السماوات وانهدام الجبال وهي موجودات جامدة، فقد ذكروا كلاماً وأقوالا متعدّدة في الموضوع تعرضنا لهافي نهاية حديثنا عن الآيتين المذكورتين من سورة مريم.

وإذا أردنا أن نقف على استخلاص عام لما قلناه هناك، فيمكن أن نلاحظ أنّ مجموعة عالم الوجود من جماد ونبات وغير ذلك لها نوع من العقل والشعور، بالرغم من عدم إدراكنا له، وهم على هذا الأساس يسبحون الله ويحمدونه، ويخضعون له ويخشعون لكلامه.

[464]

أو أن يكون التعبير كناية عن عظمة وأهمية الموضوع، مثلما نقول مثلا: إنّ الحادثة الفلانية كانت عظيمة جدّاً وكأنّما انطبقت معها السماء على الأرض.

بقية الآية، قوله تعالى: (والملائكة يسبحون بحمد ربّهم ويستغفرون لمن في الأرض).

أمّا الرابطة بين هذا الجزء من الآية والجزء الذي سبقه، فهوـ وفقاً للتفسير الأوّل ـ أنّ الملائكة الذين هم حملة الوحي العظيم وواسطته، يسبحون ويحمدون الله دائماً، يحمدونه بجميع الكمالات، وينزهونه عن جميع النواقص، وعندما ينحرف المؤمنون أحياناً، تقوم الملائكة بنصرهم ويطلبون المغفرة لهم من الله تعالى.

أمّا وفق التّفسير الثّاني، فإنّ تسبيح الملائكة وحمدهم إنّما يكون لتنزيهه تعالى عما ينسب إليه من شرك، وهم يستغفرون كذلك للمشركين الذين آمنوا وسلكوا طريق التوحيد ورجعوا إلى بارئهم جلّ جلاله.

وعندماتستغفر الملائكة لمثل هذا الذنب العظيم لدى المؤمنين، فهي حتماً ـ ومن باب أولى ـ تستغفر لجميع ما لهم من ذنوب اُخرى. وقد يكون الإطلاق في الآية لهذا السبب بالذات.

نقرأ نظيراً لهذه البشرى العظيمة في الآية (7) من سورة المؤمن في قوله تعالى:(الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربّهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربّنا وسعت كلّ شيء رحمة وعلماً فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك).

وأخيراً تشير نهاية الآية الكريمة إلى سادس وسابع صفة من صفات الله تبارك وتعالى، وتنصب حول الغفران والرحمة، وتتصل بقضية الوحي ومحتواه، وبخصوص وظائف المؤمنين، حيث يقول تعالى: (ألا إنّ الله هو الغفور الرحيم).

وبهذا الترتيب أتمّت الآيات الكريمات الإشارة إلى مجموعة متكاملة من

[465]

الأسماء الحسنى المختصة بالله تعالى والمرتبطة بالوحي.

وفي نهاية الآية ثمّة إشارة لطيفة إلى استجابة دعاء الملائكة بخصوص استغفارهم للمؤمنين، بل أنّه تعالى يضيف الرحمة إلى صفة الغفور ممّا يدل على عظيم فضله.

أمّا عن مسألة الوحي فسيكون لناكلام مفصل في نهاية هذه السورة إن شاء الله عندما نتحدّث عن الآيتين(51،52).

 

هل تستغفر الملائكة للجميع؟

قد يطرح السؤال الآتي حول قوله تعالى: (ويستغفرون لمن في الأرض)وهو: الآية تفيد استغفار الملائكة لمطلق أهل الأرض سواء المؤمن منهم أو الكافر، فهل يمكن ذلك؟

لقد أجابت الآية (7) من سورة المؤمن على هذا السؤال من خلال قوله تعالى: (يستغفرون للذين آمنوا).

وبناءً على هذا فإنَّ شرط الإستغفار هو الإيمان، إضافة إلى كونهم معصومين، وهم بذلك لا يطلبون المستحيل للذين يفتقدون إلى أرضية الغفران.

 

* * *

 

[466]

الآيات

وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَآءَ اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيل( 6 ) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً لِّتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِى الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى السَّعِيرِ( 7 ) وَلَوْ شَآءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَلَـكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِ وَالظَّـلِمُونَ مَا لَهُمْ مِّنْ وَلِىٍّ وَلاَنَصِير( 8 )

 

التّفسير

انطلاقة من «أم القرى»:

تحدثت الآيات السابقة عن قضية الشرك، لذلك فإنّ الآية الأولى في المجموعة الجديدة، تتناول بالبحث نتيجة عمل المشركين وعاقبة أمرهم حيث يقول تعالى: (والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم).

حتى يحاسبهم في الوقت المناسب، ويعاقبهم جزاء أعمالهم.

ثم تخاطب الآية رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله تعالى: (وما أنت عليهم بوكيل) إنّ مسؤوليتك هي تبليغ الرسالة وإيصال نداء الله الى جميع العباد.

[467]

وثمّة في كتاب الله آيات اُخرى تشير إلى هذا المعنى:

قوله تعالى: (لست عليهم بمصيطر)(1).

قوله تعالى: (ما أنت عليهم بجبار)(2).

قوله تعالى: (وما جعلناك عليهم حفيظاً)(3).

قوله تعالى: (ما على الرّسول إلاّ البلاغ)(4).

إنّ هذه الآيات تبيّن حقيقة حرية العباد واختيارهم الطريق الذي يريدونه بإرادتهم وحريتهم، لأنّ القيمة الحقيقة للإيمان والعمل الصالح تكمن في حرية الإختيار، وليس للإيمان أو العمل الإجباري أي قيمة معنوية.

يعود القرآن إلى قضية الوحي مرّةً اُخرى، وإذا كانت الآيات السابقة قد تحدّثت عن أصل الوحي، فإنّ الكلام هنا ينصب حول الهدف النهائي له، إذ يقول تعالى: (وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً لتنذر أُمّ القرى ومن حوله) و «اُمّ القرى» هي مكّة المكرمة، ثمّ تنذر الناس من يوم القيامة وهو يوم الجمع الذي يجتمع فيه الناس للحساب والجزاء: (وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه).

وفي ذلك اليوم ينقسم الناس إلى مجموعتين: (فريق في الجنّة وفريق في السعير).

وقد يكون التعبير بـ «كذلك» إشارة إلى أنّهُ مثلما أوحينا إلى الأنبياء السابقين بلسانهم، فإنّنا كذلك أوحينا إليك بلسانك، هذا القرآن العربي.

وعليه تكون «كذلك» إشارة إلى: (وإلى الذين من قبلك).

ويمكن أن تكون إشارة إلى مابعدها، يعني أنّا أوحيناه إليك بهذه الصورة

____________________________________

1 ـ الغاشية، الآية 22.

2 ـ سورةق، الآية 45.

3 ـ الأنعام، الآية 107.

4 ـ المائدة، الآية 99.

[468]

قرآناً عربياً يهدف إلى الإنذار.

صحيح أنّنا نستفيد من نهاية الآية أيّ من قوله تعالى: (فريق في الجنّة وفريق في السعير) أنّ مسؤولية النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) هي التبشير والإنذار، ولكن بسبب ما للإنذار من تأثير أعمق في نفوس الأفراد المعاندين والجهلة، لذا فإنّ الآية استندت إلى «الإنذار» مرّتين فقط، مع اختلاف بينهما، إذ أنّ الكلام شمل في المرحلة الأولى إنذار المستمعين، بينما شمل في الثانية تخويفهم من شيء يجب أن يخافوه، يعني القيامة وما فيها من حساب وفضيحة ستكون مؤلمة وصعبة للغاية، بسبب حضور الأشهاد والملائكة والناس(1).

وقد يتساءل البعض هنا: إنّنا نستفيد من قوله تعالى: (لتنذر أم القرى ومن حولها) أنّ الهدف من نزول القرآن هو لإنذار أهل مكّة وأطرافها. أفلا يتنافى هذا المعنى مع مفهوم عالمية الإسلام؟

الجواب على هذا الإستفهام يتمّ من خلال ملاحظة المعنى الذي تستبطنه (أُمّ القرى).

إنّ كلمة «أُمّ القرى» وهي أحد أسماء مكّة المكرّمة، مؤلّفة من كلمتين هما:«أُمّ» وتعني في الأصل الأساس والبداية في كلّ شيء، ولهذا السبب تسمى الأُمّ بهذا الأسم لأنّها أساس وأصل الأبناء.

ثمّ كلمة «قرى» جمع «قرية» بمعنى أي منطقة معمورة أو مدينة، سواء كانت المدينة كبيرة أم صغيرة، أو مجرّد قرية.

وفي القرآن الكريم ثمّة أدلة كثيرة على هذا المعنى.

والآن لنرَ لماذا سمّيت «مكّة» بأُمّ القرى؟

____________________________________

1 ـ ينبغي الإنتباه، إلى أنّ (تنذر) تتعدى إلى مفعولين، وفي الآية مورد البحث ذكر مفعولها الأوّل في الجملة الأولى، والثّاني في الجملة الثانية. وقد يصحب المفعول الثّاني بالباء فيقال: أنذره بذلك.

[469]

الرّوايات الإسلامية تصرّح بأنّ الأرض كانت في البداية مغطاة جميعها بالماء، ثمّ بدأت اليابسة تظهر بشكل تدريجي من تحت هذه المياه. (تؤيد النظريات العلمية الآن هذا المعنى).

ثمّ تخبرنا الرّوايات بأنّ منطقة الكعبة كانت أوّل منطقة ظهرت من تحت الماء، ثمّ بدأت اليابسة بالإتساع من جوار الكعبة، ويعرف ذلك بدحو الأرض.

وهكذا يتّضح أن مكّة هي أصل وأساس لجميع القرى والمدن على سطح الأرض، لذا فمتى قيل (أُمّ القرى ومن حولها) فالمعنى سيشمل جميع الناس على سطح الكرة الأرضية(1).

مضافاً إلى ذلك، نحن نعرف أنّ الإسلام بدأ بالانتشار تدريجياً، ففي البداية أمر النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بإنذار المقرّبين إليه، كما ورد في قوله تعالى: (وانذر عشيرتك الأقربين)(2) كي تتقوى قاعدة الإسلام وتصلب نواته، ويكون أكثر قدرة واستعداداً للإنتشار.

ثم جاءت المرحلة الثانية المتمثلة بإنذار العرب، كما ورد في قوله تعالى: (قرآناً عربياً لقوم يعلمون)(3).

وكذلك في قوله تعالى: (وإنّه لذكر لك ولقومك).

وعندما ترسخت أعمدة الإسلام بين هـؤلاء القوم، وقوي عوده أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بأوسع من ذلك، أن ينذر العالم والناس كافة، كما نقرأ في أوّل سورة الفرقان في قوله تعالى: (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً)وفي آيات اُخرى.

____________________________________

1 ـ جاء هذا التعبير في سورة الأنعام كذلك الآية (92) وقد ذكرنا هناك توضيحاً أوسع، فليراجع.

2 ـ الشعراء، الآية 214.

3 ـ فصلت، الآية 3، إنّ ما قلناه هو في حال اعتبارنا كلمة (عربي) بمعنى اللغة العربية، أمّا إذا فسرناها بالمعنى الفصيح فسيكون للآية مفهوم آخر.

[470]

وبسبب هذا التكليف قام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بإرسال الرسائل إلى زعماء العالم خارج الجزيرة العربية، ودعا كسرى وقيصر والنجاشي وغيرهم إلى الإسلام.

ووفق هذه التعليمات قام أتباعه من بعده بالدعوة إلى الإسلام في مختلف بقاع العالم، ونشروا تعاليم الإسلام في جميع أرجاء المعمورة.

أمّا لماذا سمّي يوم القيامة بيوم الجمع؟ فهناك أقوال مختلفة منها:

بسبب ما يكون فيه من جمع بين الأرواح والأجساد.

أو بسبب الجمع بين الإنسان وعمله.

أو بسبب الجمع بين الظالم والمظلوم.

ولكن يظهر أنّ السبب يتمثل في الجمع بين الخلائق من الأولين والآخرين كما نقرأ ذلك واضحاً في قوله تعالى: (قل إنّ الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم)(1).

وبما أن قوله تعالى: (فريق في الجنّة وفريق في السعير) يقسّم الناس إلى فئتين، فإنّ الآية التي بعدها تضيف: (ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة) على الهداية.

إلاّ أنّ الإيمان الإجباري ليست له قيمة، وكيف يمكن لمثل هذا الإيمان أن يكون معياراً للكمال الإنساني؟

إنّ التكامل الحقيقي هو أن يسير الإنسان بإرادته وبمنتهى الإختيار والحرية.

إنّ الآيات القرآنية مليئة بأدلة حرية الإنسان، ومثل هذا الإختيار هو ما يميّز الإنسان عادة عن غيره من الكائنات الأُخرى، وإذا سلبت منه إرادته واختياره فكأنما سلبت منهُ إنسانيتهُ.

____________________________________

1 ـ الواقعة، الآية 50.

[471]

وكما أن سمة الحرية والإختيار طريق إلى التكامل، فهي أيضاً سنّة إلهية  لا قبل التغيير.

ولكن العجيب أمر البعض الذين ما زالوا على عقيدة الجبر، وهم يدعون أتباعهم للأنبياء، في حين أنّ قبول الجبر يساوي في الواقع نفي مضمون دعوة جميع الأنبياء، فلا معنى للتكليف حينئذ، ولا للحساب والسؤال والجواب، ولا النصيحة والموعظة، وبشكل أولى الثواب والعقاب!

ومع عقيدة الجبر لا معنى لتردُّد الإنسان في أعماله، ولا معنى لندمه وعزيمته على تصحيح الأخطاء!

تشير الآية بعد ذلك إلى وصف أهل الجنّة والسعادة حيال أهل النّار، فيقول تعالى: (ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير).

وعندما يشخّص أهل النّار بوصف «الظلم» فيبيّن أنّ المراد من «من يشاء» في الجملة الأولى هم المجموعة التي لا ترتكب الظلم.

وعلى هذا الأساس يكون أهل العدل هم أصحاب الجنّة في مقابل أهل الظلم الذي هم أهل النّار.

ولكن ينبغي الإنتباه إلى أنّ «ظالم» هنا، وفي العديد من الآيات القرآنية الأُخرى لها معنى واسع ولا تشمل الذين يظلمون غيرهم فقط، بل تشمل الذين يظلمون أنفسهم أيضاً، وتشمل المنحرفين عقائدياً، وهل هناك ظلم أعلى من الشرك والكفر؟

يقول لقمان لابنه وهو يعظه: (يا بني لا تشرك بالله إنّ الشرك لظلم عظيم)(1).

وفي آية اُخرى نقرأ قوله تعالى: (ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن

____________________________________

1 ـ لقمان، الآية 13.

[472]

سبيل الله ويبغونها عوجاً وهم بالآخرة كافرون).

وقال بعضهم في الفرق بين «ولي» و «نصير» أنّ «الولي» الذي يقوم بمساعدة الإنسان دون طلبه. أما النصير فأعم من ذلك(1).

ويحتمل أن تشير كلمة «ولي» إلى المشرف الذي يقوم بالحماية والمساعدة بحكم ولايته ودون أي طلب.

أمّا «النصير» فالذي يقوم بنصر الإنسان ومساعدته بعد أن يطلب العون.

 

* * *

 

____________________________________

1 ـ يلاحظ ذلك في مجمع البيان، المجلد 8، صفحة 779. ذيل الآية (22) من العنكبوت.

[473]

الآيات

أَمِ اتَّخَذُواْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَآءَ فَاللهُ هُوَ الْوَلِىُّ وَهُوَ يُحْىِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ( 9 ) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْء فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبِّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ( 10 ) فَاطِرُ السَّمَوَتِ وَالاَْرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الاَْنْعَـمِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ( 11 ) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَـوَتِ وَالاَْرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْء عَلِيمٌ( 12 )

 

التّفسير

الولي المطلق:

أوضحت الآيات السابقة أن لا وليّ ولا نصير سوى الله، والآيات التي بين أيدينا تعطي أدلة على هذه القضية ،وتنفي الولاية لما دونه سبحانه وتعالى.

تقول الآية بأسلوب التعجب والإنكار: (أم اتخذوا من دونه أولياء)(1). إلا

____________________________________

1 ـ اعتبر بعض المفسّرين (كالزمخشري في الكشاف والفخر الرازي في التّفسير الكبيرـ أنّ «أم» هنا بمعنى الإستفهام الإنكارى، أما البعض الآخرـ كالطبرسي في «مجمع البيان» والقرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» ـ فقد اعتبروها بمعنى«بل» .

[474]

أنّهُ: (فالله هو الولي).

فلو أراد هؤلاء أن يختاروا ولياً، فعليهم أن يختاروا الله، لأنّ أدلة ولايته واضحة في الآيات السابقة، مع بيان أوصافه الكمالية، فالعزيز والحكيم، والمالك والعلي والعظيم، والغفور والرحيم، هذه الصفات السبع التي مرّت علينا تعتبر ـ لوحدها ـ أفضل دليل على اختصاص الولاية به.

ثم تذكر دليلا آخر فتقول: (وهو يحيي الموتى).

ويجب اللجوء إليه لا لغيره، لأنّ المعاد والبعث بيده، وأنّ أكثر ما يخشاه الإنسان هو مصيره بعدالموت.

ثم تذكر دليلا ثالثاً فتقول: (وهو على كلّ شيء قدير).

وهذه إشارة إلى أنّ الشرط الرئيسي للولي هو امتلاكه للقدرة الحقيقية.

الآية التي بعدها تشير إلى الدليل الرابع لولايته تعالى فتقول: (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله). فهو التوحيد الذي يستطيع أن يحل مشاكلكم.

إنّ من اختصاصات الولاية أن يستطيع الولي إنهاء اختلافات من هم تحت ولايته بحكمه الصائب، فهل تستطيع الأصنام والشياطين التي تعبدونها أن تقوم بذلك، أم أنّ هذا الأمر يختص بالله الحكيم والعالم والقادر على حل مشاكل عباده، وتنفيذه لحكمه وإرادته دون غيره؟

إذن فالله العزيز الحكيم هو الحاكم لا غيره.

لقد حاول بعض المفسّرين حصر مفهوم الإختلاف الذي تشير إليه الآية في قوله تعالى: (ما اختلفتم فيه من شيء) في الإختلاف الوارد في الآيات المتشابهة، أو في الإختلاف والمخاصمات الحقوقية فقط، إلاّ أنّ مفهوم الآية أوسع من ذلك، إذ هي تشمل الإختلاف سواء كان في المعارف الإلهية والعقائد، أم الأحكام

[475]

الشرعية، أم القضايا الحقوقية والقضائية، أم غير ذلك ممّا يحدث بين الناس لقلّة معلوماتهم ومحدوديتها; إنّ ذلك ينبغي أن يحل عن طريق الوحي، وبالرجوع إلى علم الله وولايته.

وبعد ذكر الدلائل المختلفة على اختصاص الولاية بالله، تقول الآيات على لسان النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم): (ذلكم الله ربّي)(1) فهو الذي يتصف بهذه الأوصاف الكمالية ولهذا السبب: (عليه توكلت وإليه أنيب) أيّ أعود إليه في المشكلات والشدائد والزلات.

جملة: (ذلكم الله ربّي) تشير إلى الربوبية المطلقة لله بمعنى الحاكمية المتزامنة مع التدبير. ونحن نعلم أنّ للربوبية قسمين: القسم التكويني الذي يعود إلى إدارة نظام الوجود، والقسم التشريعي الذي يقوم بتوضيح الأحكام ووضع القوانين وإرشاد الناس بواسطة الرسل والأنبياء(عليهم السلام).

وعلى أساس ذلك طرحت الآية فيما بعد قضية «التوكل» و«الإنابة» حيث تعني الأولى رجوع جميع الأُمور الذاتية في النظام التكويني إلى الخالق جلّوعلا. والثّانية تعني رجوع الأمور التشريعية إليه(2).

الآية التي تليها يمكن أن تكون دليلا خامساً على ولاية الله المطلقة، أو دليلا على ربوبيته، واستحقاقه دون غيره للتوكل والإنابة، إذ تقول: (فاطر السماوات والأرض).

«فاطر» من مادة «فطر» وتعني في الأصل فتق شيء ما، ويقابلها «قط» التي تعني بقول البعض الشق العرضي.

وكأنّما الآية تشير إلى تفتق ستار العدم المظلم عند خلق الكائنات وخروج

____________________________________

1 ـ في بداية هذه الجملة تكون كلمة «قل» مقدّرة، فهذه الجملة وما بعدهاتتحدث عن لسان النبيّ فقط، أمّا جملة (ما اختلفتم فيه من شيء) فهي استمرار لحديث الخالق جلّ وعلا. والذين اختاروا غير ذلك لم يسلكوا الطريق الصحيح في الظاهر.

2 ـ الميزان، المجلد 18، الصفحة 23.

[476]

الموجودات منه.

وبهذه المناسبة فإنّ «فُطُر» تطلق على «طلاع» التمر عندما يتفتق ويخرج منه التمر.

والمقصود بالسماوات والأرض هنا جميع السماوات والأرض وما فيها من كائنات وما بينها، لأنّ الخالقية تشملها جميعاً.

ثم تشير الآية إلى وصف آخر من أفعاله تعالى فتقول: (جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً يذرؤكم فيه)(1).

وهذه لوحدها تعتبر إحدى الدلائل الكبيرة على تدبير الله وربوبيته وولايته، حيث خلق سبحانه وتعالى للناس أزواجاً من أنفسهم، وهو يعتبر أساساً لراحة الروح وسكون النفس، ومن جانب آخر يعتبر الزواج أساساً لبقاء النسل واستمراره، وتكاثره.

وبالرغم من أنّ خطاب الآية موجّه للإنسان، والمعنى منصب عليه من خلال «يذرؤكم» إلاّ أنّ هذا الأمر هو حكم سائد وسنة جارية في جميع الأنعام والموجودات الحية الأُخرى التي تسري عليها التكاثر بالمثل.

وفي الواقع إنّ توجيه الخطاب للإنسان دونها يشير الى مقامه الكريم، وأما أمر البقية فيتبيّن من خلال الإنسان كمثال.

الصفة الثّالثة التي تذكرها الآية هو قوله تعالى: (ليس كمثله شيء).

إنّ هذا الجزء من الآية يتضمّن حقيقة أساسية في معرفة صفات الله الأُخرى، وبدونها لا يمكن التوصّل إلى أي صفة من صفات الله، لأنّ أكبر منزلق يواجه السائرين في طريق معرفة الله يتمثل في «التشبيه»حيث يشبهون الخالق جلّ وعلا بصفات مخلوقاته، وهو أمر يؤدي للسقوط في وادي الشرك!

____________________________________

1 ـ الضمير في «فيه» يعود إلى «التدبير» أو «جعل الأزواج» و«يذرؤ» من «ذرأ» على وزن «زرع» وتعني «الخلق» لكنّه الخلق الذي يقترن ويتزامن مع إظهار الأفراد. وقد وردت أيضاً بمعنى الإنتشار.

[477]

إنّ وجود الله تعالى ليس له نهاية ولا يحد بحد، وكل شيء غيره له نهاية وحد من حديث القدر والعمر والعلم والحياة والإرادة والفعل...; وفي كلّ شيء.

وهذا هو خط تنزيه الخالق من نقائص الممكنات.

لذا فإنّ ما يثبت لغيره لا يصح عليه (سبحانه وتعالى) ولا ينطبق على ذاته المنزّهة، بل ولا معنى له.

فبالنسبة إلينا تكون بعض الأمور سهلة والأُخرى صعبة، وبعض الأحداث وقع في الماضي وبعضها يقع الآن، ومنها ما يقع في المستقبل. وبعض الأشياء صغير وبعضها كبير.

إنّ مقاييس هذه الأشياء ومدلولاتها ومفاهيمها تحتكم إلى وجودنا المحدود، وهي تلائم إدراكنا وحاجتنا إلى مقايسة الأشياء بغيرها.

أمّا هذه المواصفات والمقاييس والمصطلحات المحدودة، فإنّ أياً منها لا ينطبق على صفات الله، إذ لا معنى لديه للقرب والبعد، فالكل قريب وفي متناول إرادته، ولا معنى للصعب والسهل، فكل شيء سهل وطوع إرادته المطلقة،  ولا يوجد مستقبل وماض، فكل شيء بالنسبة إليه تعالى حضور وحال.

إنّ إدراك هذه المعاني غير مستطاع من دون تفريغ الذهن وتخليته ممّا هو فيه.

لهذا السبب يقال: إنّ من السهل معرفة أصل وجود الخالق جلّ وعلا، لكن من الصعب معرفة صفاته.

يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) في هذا الشأن: «وما الجليل واللطيف، والثقيل والخفيف، والقوي والضعيف في خلقه إلاّ سواء»(1).

تشير نهاية الآية إلى صفات اُخرى من صفات الله: (وهو السميع البصير).

هو الخالق والمدبّر، والسميع والبصير، وفي نفس الوقت ليس له شبيه أو نظير

____________________________________

1 ـ نهج البلاغة، الخطبة رقم 184.

[478]

أو مثيلْ، ولهذا لا ينبغي الإستظلال إلاّ تحت ولايته، ولا تصح العبودية والربوبية إلاّ له، وذلك لا يكون ألاّ بفك قيود عبودية الغير، وتصريفها إليه دون غيره سبحانه وتعالى.

الآية التي بعدها تتحدّث عن ثلاثة أقسام اُخرى من صفات الفعل والذات حيث توضح كلّ واحدة منها قضية الولاية والربوبية في بعد خاص.

يقول تعالى: (له مقاليد السماوات والأرض).

فكل ما يملكه مالك هو منه سبحانه وتعالى، وكل ما يرغب به راغب ينبغي أن يطلبه منه، لأنّ له تعالى خزائن السماوات والأرض وليس «مفاتيحها» وحسب (ولله خزائن السماوات والأرض)(1).

«مقاليد» جمع «مقليد» وتعني المفتاح، وهي تستخدم ككناية للسيطرة الكاملة على كلّ شيء ما، فيقال مثلا: إنّ مفتاح هذا الأمر بيدي، يعني أنّ برنامجه وطريقه وشرائطه كلّها تحت قدرتي وفي يدي.(2).

وفي الصفة الأُخرى، والتي هي في الواقع ثمرة ونتيجة للصفة السابقة تقول الآية: (يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) لأنّ بيده تعالى جميع خزائن السماوات والأرض ه فإنّ جميع الأرزاق في قبضته، ويقسمها وفقاً لمشيئته التي تصدر يمقتضى حكمته، ويلاحظ فيها مصلحة العباد.

إنّ من مقتضيات استفادة جميع الكائنات من رزقه تعالى هو العلم بمقدار حاجتها، ومكانها وسائر شؤون حياتها الأُخرى، لذا تضيف الآية في آخر صفة قوله تعالى: (إنّه بكل شيء عليم).

وهناك ما يشبه هذا الأمر وهو ما جاء في الآية (6) من سورة «هود» في قوله تعالى: (وما من دابة في الأرض إلاّ على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل

____________________________________

1 ـ المنافقون، آية 7.

2 ـ بهذا الخصوص لدينا بحث مفصل يمكن مراجعته في نهاية الحديث عن الآية (63) من سورة «الزمر».

[479]

في كتاب مبين).

وبذلك يتّضح أنّ الآيات الأربع التي يحثناها ذكرت إحدى عشرة صفة من صفات الله الكمالية سواء الذاتية منها أو الفعلية.

فقد وصفته بصفات الولاية المطلقة، إحياء الموتى، قدرته على كلّ شيء، خلقه للسماوات والأرض، خلقه للإزواج وتكثير النسل، لا يوجد مثيل له، سميع، بصير، له خزائن السماوات والأرض، رزاق، وعليم بكل شيء.

إنّها صفات تكمل الواحدة منها الأُخرى من حيث البيان، وكلّها دليل على ولايته وربوبيته، وبالنتيجة تعتبر طريقاً لإثبات توحيده في العبادة.

* * *

 

بحوث

1ـ معرفة صفات الله تعالى

إنّ علمنا وعلوم الكائنات جميعاً محدود، لذا لا نستطيع أن نصل إلى كنه وحقيقة ذات الخالق غير المحدودة، لأنّ المعرفة بحقيقة شيء ما تعني الإحاطة به، فكيف يستطيع الكائن المحدود أن يحيط بالذات غير المحدودة؟

وكذلك الحال بالنسبة لصفات الله، إذ لا يمكن معرفتها بالنسبة لنا، خصوصاً وأنّ صفاته هي عين ذاته.

لذلك فعلمنا بذات الخالق وصفاته هو علم اجرايى، وأكثر ما يدور حول آثاره جلّ وعلا.

من جانب آخر لا تستطيع ألفاظنا أن تبيّن ذات الله وصفاته المطلقة غير المحدودة، لأنّ ألفاظنا موضوعة لتلبية حاجاتنا في حياتنا اليومية، لذلك سوف نصل إلى معاني خاطئة من خلال استخدام ألفاظنا في توصيف صفات الخالق الكمالية، كالعلم والقدرة والحياة والولاية والماكلية، وسائر الصفات الأُخرى.

[480]

نقول مثلا: إنّ الله هو «الأول» وهو أيضاً «الآخر» هو «الظاهر» وهو «الباطن» هو مع كلّ شيء وليس مع شيء، وبعيد عن كلّ شيء إلاّ أنّهُ ليس غربياً عنهُ.

قد يبدو في بعض هذه الألفاظ تناقض أو تضاد، لأنّ معاني الألفاظ نقيسها على الأشياء والموجودات المحدودة، فيمكن أن يكون هو الأوّل ولا يكون الآخر، والظاهر ولا يكون باطن، ولكن التفكير الدقيق في ذات الله وصفاته يوصلنا إلى إمكانية انطباق معاني هذه الألفاظ عليه، فهوالأوّل في نفس الوقت الذي هو الآخر، وهو الباطن في نفس الوقت الذي يكون فيه هو الظاهر أيضاً.

وعلينا أن نعترف هنا بأنّ المهم في معرفة أوصافه الجمالية والجلالية هو أن ننتبه إلى حقيقة: (ليس كمثله شيء).

يشير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) إلى هذه الحقيقة بوضوح فيقول: «ما وحده من كيفه، ولا حقيقته أصاب من مثله، ولا إيّاه عنى من شبهه، ولا صمده من أشار إليه وتوهمه»(1).

وفي مكان آخر يقول (عليه السلام): «كل مسمّى بالوحدة غير قليل»(2).

خلاصة القول: يجب ولوج البحث في صفات الخالق على ضوء قوله تعالى: (ليس كمثله شيء) وعلينا أن ننظر إلى ذاته المقدسة من خلال قوله تعالى: (لم يكن له كفواً أحداً) وعبارة «سبحان الله» في العبادات وغيرها تشير إلى هذه الحقيقة.

 

2ـ ملاحظة أدبية

إنّ الكاف في جملة (ليس كمثله شيء) للتشبيه، وتعني المثل أيضاً. لذا فإنّ هذا التكرار أصبح سبباً لأن يعتبر الكثير من المفسّرين أنّها زائدة، وأنّها جاءت

____________________________________

1 ـ الخطبة رقم (186).

2 ـ نهج البلاغة، الخطبة رقم 65.

[481]

للتأكيد. وأمثال ذلك كثير في الكلمات الفصحى.

ولكن ثمّة تفسير أجمل، وهو أن يقال أحياناً: مثلك لا يهرب من ساحة الأحداث. أيّ أنّ الذي يملك الشجاعة والعقل والذكاء مثلك، لا ينبغي عليه الهرب (والخلاصة أن من يملك مثل صفاتك يجب أن يكون هكذا وهكذا).

وفي الآية التي نبحثهاسيكون المعنى هكذا: مثل الخالق الذي ذكرنا أوصافه ـ كالعلم الواسع والقدرة العظيمة اللامتناهية ليس له مثل».

ذهب أرباب اللغة وعلماؤها إلى إنّ هناك بعض المصطلحات لها نفس معنى (مثل) إلاّ أنّها ليست مثلها فى المفهوم من زاوية عموميتها وشموليتها، مثلا:

«ند» على وزن «ضد» وتقال عندما يكون القصد من التشبيه الإشارة إلى المشابهة في الجوهر والماهية.

«شبه» وتقال عندما يكون الكلام عن الكيفية فقط.

«مساوي» وتقال عندما يكون الكلام عن الكمية فقط.

«شكل» وتقال عندما يكون الكلام في التشبيه عن المقدار والمساحة.

إلاّ أنّ «مثل» لها مفهوم أوسع وأكثر عمومية، بحيث تشمل جميع المفاهيم الآنفة الذكر.

لذا فإنّ الله عندما يريد أن ينفي عن ذاته أي شبيه أو نظير يقول: (ليس كمثله شيء)(1).

 

3 ـ بعض الملاحظات حول الرزق الإلهي:

أ: معيار بسط الرزق وتقديره:

يجب أن لا نتصوّر أبداً أن بسط الرزق يعني محبة الله لنا، أو أن تضييق المعيشة هي دليل غضبه، لأنّ الله قد يختبر الإنسان بواسطة البسط في رزقه،

____________________________________

1 ـ لاحظ مفردات الراغب مادة «مثل».

[482]

وأحياناً يريد أن يمتحن صبره ومقاومته عن طريق التضييق بالمعيشة عليه.

وعن هذا الطريق يصار إلى تربية الإنسان.

إنّ الثروة الكبيرة قد تكون أحياناً سبباً لعذاب أهلها وتعبهم وسلب استقرارهم وراحتهم النفسية، حيث يقول القرآن في الآية (55) من سورة التوبة: (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنّما يريد اللهُ ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون).

وفي الآيتين (55 ـ 56) من سورة المؤمنين، نقرأ قوله تعالى: (أيحسبون إنّما نمدّهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون).

 

ب: تحديد الأرزاق لا يتعارض مع بذل الجهود:

إنّ الآيات التي تتحدث عن تحديد مقدار الرزق لا تتنافى مع سعي الإنسان في مجال تحصيله للرزق. وينبغي أن لا يكون الأمر مبعثأ للخمول والكسل والهروب من تحمل مسؤوليات الجهاد الفردي الإجتماعي، إذ هناك آيات قرآنية كثيرة تؤّكد أهمية وقيمة السعي الإنساني.

إنّ الهدف هو أن ندرك أنّنا رغم سعينا وعملنا فهناك يد خفية تقوم أحياناً بحجب نتائج هذه الجهود، وتقوم في بعض الأحيان بعكس ذلك، حتى لا ينسى الناس في حياتهم الإجتماعية الطويلة أن ثمّة قدرة اُخرى هي قدرة مسبب الأسباب وهي التي تدبر شؤون العالم.

وينبغي هنا أن لا نلقي تبعات الكسل والإهمال والتقاعس على مفهوم الرزق الإلهي المحدود لكل إنسان، لأنّه تعالى صرّح بأن عطاء الرزق يساوي ما يبذله الفرد من جهد وعناء.

 

[483]

ج:عدم اقتصار الرزق على المفهوم المادي:

للرزق معنى واسع بحيث يشمل الرزق المعنوي، بل إنّ الرزق الأصلي هو الرزق المعنوي، وفي الأدعية نلتقي مع أمثلة كثيرة تؤّكد ذلك، فنقول حول الحج مثلا: «اللهم ارزقني حج بيتك الحرام».

وفي أدعية طلب الطاعة تقول: «اللهم ارزقني توفيق الطاعة وبعد المعصية».

وفي أدعية أيام شهر رمضان نقول: «اللهم ارزقني فيه طاعة الخاشعين» (دعاء اليوم الخامس عشر).

وهكذا بالنسبة للهبات المعنوية الأُخرى.

 

د: القرآن والأسباب التي تؤدي إلى زيادة الرزق:

لقد ذكر القرآن الكريم بعض الأمور التي تعتبر بحدِّ ذاتها درساً لتربية الإنسان وبنائه، ففي الآية «7» من سورة «إبراهيم» نقرأ قوله تعالى: (لئن شكرتم لأزيدنكم).

وفي الآية «15» من سورة «الملك» قوله تعالى: (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه).

وفي سورة الأعراف، آية «96» قوله تعالى: (ولو أنّ أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض).

 

هـ: التضييق في الرزق والقضية التربوية:

أحياناً يكون ضيق الرزق لمنع الناس عن الطغيان، كما نقرأ في قوله تعالى: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض)(1).

 

____________________________________

1 ـ الشورى، الآية 27.

[484]

ز: الرّزاق هو اللّه

يؤكّد القرآن الكريم أنّ الذي يعطي الرزق للناس هو الله، وعليهم أن لا يطلبوا من غيره، وعليهم بعد الإيمان والتوكل أن يعتمدوا على وسعهم وطاقاتهم، كما ورد في الآية (3) من سورة «فاطر» في قوله تعالى: (هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض).

والآية «17» من «العنكبوت» في قوله تعالى: (فابتغوا عند الله الرزق).

وهكذا تقطع التربية القرآنية روح الحاجة لدى الانسان إلى عباد مثله، وتجعله مرتبطاً بخالقه وبارئه ورازقه، فتنمي فيه روح الإباء، والعبودية والإنقطاع إلى الله.

ولدينا بحث مفصل بخصوص الأرزاق والسعي للحياة، وأسباب الرزق ومصادره في نهاية تفسير الآية «71» من سورة «النحل» وكذلك في نهاية تفسير الآية «6» من سورة «هود»، فليراجع هناك.

* * *

 

[485]

الآيتان

شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ الَّدِينَ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِى أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ  وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِى إِلَيْهِ مَنْ يَشَآءُ وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ( 13 ) وَمَا تَفَرَّقُواْ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بِغْيَا بَيْنَهُمْ وَلَولاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَل مُّسَمًّى لَّقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُواْ الْكِتَـبَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيب( 14 )

 

التّفسير

الإسلام عصارة شرائع جميع الأنبياء:

بما أن العديد من بحوث هذه السورة تتعلق بالمشركين، وأن الآيات السابقة كانت تتحدث عن نفس هذا الموضوع أيضاً، لذا فإنّ الآيات التي نبحثها تبيّن هذه الحقيقة، وهي أن دعوة الإسلام إلى التوحيد ليست دعوة جديدة، إنّها دعوة جميع الأنبياء أولي العزم، وليس أصل التوحيد فحسب، بل إن جميع دعوات الأنبياء في

[486]

القضايا الأساسية وفي مختلف الأديان السماوية كانت واحدة.

تقول الآية: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً) والذي هو أوّل نبيّ من أولي العزم.

وأيضاً: (والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى).

وبهذا الشكل فما كان موجوداً في شرائع جميع الأنبياء موجود في شريعتك أيضاً و«ما يمتلكه الصالحون جميعاً تملكه لوحدك».

إن عبارة (من الدين) تبيّن أن التنسيق بين جميع الشرائع السماوية لم يكن بخصوص التوحيد أو أصول العقائد فحسب، بل في كلّ مجموعة الدين الإلهي، فمن حيث الأساس والجذور كانت واحدة، بالرغم من أن تكامل المجتمع الإنساني يقتضي أن تكون التشريعات والقوانين الفرعية متناسقة مع تكامل الناس، وتسير نحو التكامل حتى تصل إلى الحد النهائي وتختتم الأديان.

لهذا السبب هناك أدلة كثيرة في آيات قرآنية اُخرى تبيّن أن الأصول العامة للعقائد والقوانين والتعليمات واحدة في جميع الأديان.

فمثلا نقرأ في القرآن الكريم بخصوص شرح حال العديد من الأنبياء، أنّ أوّل دعوة لهم كانت: (يا قوم اعبدوا الله)(1).

وفي مكان آخر نقرأ: (ولقد بعثنا في كلّ أُمّة رسولا أن اعبدوا الله).

وأيضاً فقد ورد الإنذار بالبعث في دعوة العديد من الأنبياء (الأنعام 130، الأعراف 59، الشعراء 135، طه 15، مريم 31).

أمّا موسى وعيسى وشعيب(عليه السلام) فيتحدثون عن الصلاة (طه 14، مريم 31، هود 87).

وإبراهيم يدعو إلى الحج (الحج 27).

وكان الصوم مشرّعاً عند جميع الأقوام السابقين (البقرة 183).

____________________________________

1 ـ الأعراف (59، 65، 73، 85) هود (50، 61، 84) حيث جاءت بالترتيب بخصوص نوح، هود وصالح(عليهم السلام) .

[487]

لذا، وكتعليمات عامّة لجميع الأنبياء العظام تقول الآية في الجملة الأُخرى: (أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه).

فهي توصي بأمرين مهمّين:

الأوّل: إقامة دين الخالق في كلّ الأرض (وليس العمل فحسب، بل إقامته وإحياؤه ونشره).

الثّاني: الإحتراز عن البلاء العظيم، يعني الفرقة والنفاق في الدين.

وبعد ذلك تقول: (كبر على المشركين ماتدعوهم إليه).

فلقد تطبع هؤلاء على الشرك وعبادة الأصنام بسبب الجهل والتعصب لسنين طويلة، وعشعش ذلك في أعماقهم بحيث أصبحت الدعوة إلى التوحيد تخيفهم وتوحشهم، إضافة لذلك فإن مصالح زعماء المشركين اللامشروعة محفوظة في الشرك، في حين أن التوحيد هو أساس ثورة المستضعفين، ويقف حائلا دون أهواء الطغاة ومظالمهم.

وكما أن انتخاب الأنبياء بيد الخالق، كذلك فإنّ هداية الناس بيده أيضاً: (الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب).

* * *

 

ملاحظات

وهناك ملاحظات في هذه الآية يجب الإنتباه إليها:

1 ـ (شَرَع) من كلمة (شَرْع) وهي في الأصل تعني الطريق الواضح، حيث يقال (الشريعة) للطريق المؤدي إلى النهر، ثمّ استخدمت هذه الكلمة بخصوص الأديان الإلهية والشرائع السماوية، لأن طريق السعادة الواضح يتمثل فيها، وهي طريق الوصول إلى الإيمان والتقوى والصلح والعدالة.

وبما أنّ الماء هو أساس النظافة والطهارة والحياة، لذا فإنّ لهذا المصطلح

[488]

تناسب واضح مع الدين الإلهي الذي يؤدي نفس هذه الأعمال من الناحية المعنوية مع روح الإنسان والمجتمع البشري(1).

2 ـ لقد أشارت هذه الآية إلى خمسة من الأنبياء الإلهيين فقط (نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمّد عليهم السلام) لأن هؤلاء الخمسة هم الأنبياء أولو العزم، أيّ أصحاب الدين والشرائع، وفي الحقيقة فإنّ الآية تشير إلى انحصار الشريعة بهؤلاء الخمسة من الأنبياء.

3 ـ في البداية ذكرت الآية نوحاً، لأنّ أوّل شريعة (أو الدين الذي يحتوي على كلّ القوانين العبادية والإجتماعية) نزلت عن طريقه، وكانت هناك تعليمات وبرامج محدودة للأنبياء الذين سبقوه(2).

ولهذا السبب لم يشر القرآن ولا الرّوايات الإسلامية إلى الكتب السماوية قبل نوح (عليه السلام).

4 ـ من الضروري أن نشير إلى أنّه عند ذكر هؤلاء الخمسة، تمّ ذكر نوح(عليه السلام)في البداية ثمّ نبيّ الإسلام(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعد ذلك إبراهيم(عليه السلام) وموسى(عليه السلام) وعيسى(عليه السلام)، وهذا الترتيب بسبب أن نوحاً كان هو الباديء والفاتح، ونبيّ الإسلام ذكر بعد ذلك بسبب عظمته، وذكر الآخرون حسب الترتيب الزمني لظهورهم.

5 ـ من الضروري أيضاً أن نشير إلى هذه الملاحظة، وهي أن القرآن يستخدم عبارة: (أوحينا إليك) بخصوص نبيّ الإسلام(صلى الله عليه وآله وسلم)، إلاّ أنّه استخدم عبارة «وصيّنا» بالنسبة الى الأخرين، وقد يكون هذا الإختلاف في التعبير بسبب أهمية الإسلام بالنسبة لسائر الأديان السماوية الأُخرى.

6 ـ وردت عبارة (من يشاء) بالنسبة الى كيفية انتخاب الأنبياء في نهاية الآية، والتي قد تكون إشارة مجملة للمؤهلات الذاتية للرسل الإلهيين.

____________________________________

1 ـ لقد جاء هذا المعنى بشكل مجمل في لسان العرب والمفردات للراغب وبقية كتب اللغة.

2 ـ هناك شرح أوردناه بهذا الخصوص في نهاية الآية 213 من سورة البقرة.

[489]

أمّا بخصوص الأمم فقد تم استخدام عبارة (من ينيب) «والتي تعني الرجوع إلى الخالق والتوبة عن الذنب» حتى يتّضح معيار الهداية الإلهية وشرائطها للجميع، ويعثروا على طريق الوصول إلى بحر رحمته.

جاء في الحديث القدسي «من تقرب منّي شبراً تقربت منه ذراعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة»(1).

وقد ورد هذا الإحتمال أيضاً في تفسير الجملة الأخيرة، وهو أن (الإجتباء) لا يختص بالأنبياء فحسب، بل يشمل جميع العباد المخلصين الذين لهم المقام المحمود عند الخالق.

وبما أن أحد أركان دعوة الأنبياء أولى العزم هو عدم التفرق في الدين، فقد كانوا يدعون لذلك حتماً، لذا فقد يطرح هذا السؤال: ما هو أساس كلّ هذه الإختلافات المذهبية؟

وقد أجابت الآية الأُخرى على هذا السؤال وذكرت أساس الإختلافات الدينية بأنّه: (وما تفرقوا إلاّ من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم)، فالإختلافات لم تحدث إلاّ بسبب حب الدنيا والمنصب والظلم والحسد والعداوة.

نعم، فعبيد الدنيا الظلمة والحسودون الحاقدون وقفوا حيال أديان الأنبياء جميعاً، ودفعوا كلّ مجموعة باتجاه معين كيما يثبتوا أركان زعامتهم ويؤمّنوا مصالحهم الدنيوية، ويكشفوا ـ علانيةً ـ حسدهم وعداوتهم للمؤمنين الحقيقيين دين الأنبياء، ولكن كلّ هذا حصل بعد إتمام الحجة.

وبهذا الترتيب فإنّ أساس التفرق في الدين لم يكن الجهل، بل كان الظلم والبغي والإنحراف عن الحق، والأهواء والآراء الشخصية.

«فالعلماء الذين يطلبون الدنيا» و «والحاقدون من الناس والمتعصبون» اتحدوا معاً لزرع هذه الإختلافات.

____________________________________

1 ـ التّفسير الكبير للفخر الرازي، المجلد 27، ص 157 (نهاية الآيات التي نبحثها).

[490]

وتعتبر هذه الآية ردّاً واضحاً على الذين يقولون بأن الدين أوجد الإختلاف بين البشر، وأدى ألى إراقة دماء كثيرة على مدى التاريخ، فلو دققوا في الأمر لوجدوا أن الدين دائماً هو أساس للوحدة والإتحاد في المجتمع (كما حصل للإسلام وقبائل الحجاز وحتى الأقوام في خارج الجزيرة حيث انتهت الإختلافات وأصبحوا أُمة واحدة).

إلاّ أن السياسات الإستعمارية هي التي أوجدت الفرقة بين الناس، وحرضت على الإختلافات، وكانت أساساً لإراقة الدماء، ففرض سياساتها وأهوائها على الأديان السماوية كان عاملا كبيراً آخر في إيجاد الفرقة، وهذا بحد ذاته ينبع من (البغي) أيضاً.

«البغي» كما يكشف أساسه اللغوي، يعني (طلب التجاوز والإنحراف عن خط الوسط والميل نحو الإفراط أو التفريط) سواء تمّ تطبيق هذا الطلب أم لا، وتختلف كميته وكيفيته، ولهذا السبب فغالباً ما يستخدم بمعنى الظلم.

وأحياناً يقال لأي طلب بالرغم من كونه أمراً جيداً ومرغوباً.

لذا فإنّ الراغب في مفرداته يقسم (البغي) إلى نوعين: (ممدوح) و (مذموم) فالأوّل يتجاوز حد العدالة ويصل إلى الإحسان والإيثار، وتجاوز الواجبات والوصول إلى المستحبات، والثّاني يتجاوز الحق نحو الباطل.

ثم يضيف القرآن الكريم: (ولولا كلمة سبقت من ربّك إلى أجل مسمى لقضي بينهم) حيث يهلك أتباع الباطل وينصر أتباع الحق.

نعم، فالدنيا هي محل الإختبار والتربية والتكامل، ولا يحصل هذا بدون حرية العمل، وهذا هو الأمر التكويني الإلهي الذى كان موجوداً منذ بدء خلق الإنسان ولا يقبل التغيير. إن هذه هي طبيعة الحياة الدنيوية، ولكن ما يمتاز به عالم الآخرة هو أن جميع هذه الإختلافات ستنتهي وسوف تصل الإنسانية إلى الوحدة الكاملة، ولهذا السبب يتمّ استخدام عبارة (يوم الفصل) للقيامة.

[491]

أمّا آخر جملة فتقوم بتوضيح حال الأشخاص الذين جاؤوا بعد هذه المجموعة، أي الذين لم يدركوا عصر الرسل، بل جاؤا في فترة طبع فيها المنافقون والمفرقون المجتمع البشري بطابعهم الشيطاني، لذا لم يسطيعوا إدراك الحق بشكل جيد، حيث تقول: (وإن الذين اورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب)(1).

وقد ذكروا في حقيقة معنى كلمة (ريب) أن هذه الكلمة تطلق على الشك الذي يتبدل إلى الحقيقة أخيراً بعد أن يزال الستار عنه، وقد يكون هذا الأمر إشارة إلى ظهور نبيّ الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) بالأدلة الواضحة، حيث محى آثار الشك والريب من قلوب طلاّب الحق.

* * *

 

ملاحظة

نقل تفسير علي بن إبراهيم عن الإمام الصادق(عليه السلام) في قول الله تعالى: (أن أقيموا الدين) قال الأمام، (ولا تتفرقوا فيه) كناية عن أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) ثمّ قال:(كبر على المشركين ما تدعوهم إليه) من أمر ولاية علي (الله يجتبي إليه من يشاء)كناية عن علي(ع)(2).

وبديهي أنّ المقصود ليس تحديد الدين في ولاية علي عليه أفضل الصلاة والسلام، بل الهدف هو بيان هذه الحقيقة، وهي أنّ قضية ولاية أمير المؤمنين الإمام علي(عليه السلام) تعتبر من أركان الدين أيضاً.

 

* * *

____________________________________

1 ـ وفقاَ لهذا التّفسير الذي يتناسق بشكل كامل مع الجمل السابقة، فإن ضمير (بعدهم) يعود إلى الأمم الأولى التي أوجدت الفرقة بين المذاهب والأديان، وليس إلى الأنبياء المذكورين في الآية السابقة (فدقق ذلك).

2 ـ تفسير نور الثقلين، المجلد الرابع، ص 567.

[492]

الآية

فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَقُلْ ءَامَنْتُ بِمَآ أَنْزَلَ اللهُ مِن كِتَـبِ وَأُمِرْتُ لاَِعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَآ أَعْمَـلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـلُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ( 15 )

 

التّفسير

فاستقم كما أمرت!

بما أن الآيات السابقة تحدثت عن تفرق الأمم بسبب البغي والظلم والإنحراف، لذا فإنّ الآية التي نبحثها تأمر النّبي بمحاولة حل الإختلافات وإعادة الحياة إلى دين الأنبياء، وأن يبذل منتهى الإستقامة في هذا الطريق، فتقول: (فلذلك فادع)(1) أي ادعوهم إلى الدين الإلهي الواحد وامنع الإختلافات.

ثم تأمره بالإستقامة في هذا الطريق، فتقول: (واستقم كما أمرت).

ولعل جملة «كما أمرت» إشارة إلى المرحلة العالية من الإستقامة، أو إلى أن

____________________________________

1 ـ بعض المفسّرين اعتبر «اللام» في «لذلك» بمعنى (إلى)، والبعض الآخر بمعنى (التعليل) وفي الحالة الأولى تكون كلمة (ذلك) إشارة إلى دين الأنبياء السابقين، وفي الحالة الثانية إشارة إلى اختلاف الأمم.

[493]

الإستقامة يجب أن تكون من حيث الكمية والكيفية والزمن والخصوصيات الأُخرى مطابقة للقانون الإلهي.

وبما أن أهواء الناس تعتبر من الموانع الكبيرة في هذا الطريق، لذا تقول الآية في ثالث أمر لها: (ولا تتبع أهواءهم)، لأن كلّ مجموعة ستدعوك إلى أهوائها ومصالحها الشخصية، تلك الدعوة التي يكون مصيرها الفرقة والإختلاف والنفاق، فعليك القضاء على هذه الأهواء، وجمع الكل في ظل الدين الإلهي الواحد.

وبما أن لكل دعوة نقطة بداية، لذا فإن نقطة البداية هي شخص الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث تقول الآية في رابع أمر لها: (وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب). فأنا لا أفرّق بين الكتب السماوية، اعترف بها جميعاً، وكلها تدعو إلى التوحيد والمعارف الدينية الطاهرة والتقوى والحق والعدالة، وفي الحقيقة فإن ديني جامع لها ومكملها.

فأنا لستُ مثل أهل الكتاب حيث يقوم كلّ واحد بإلغاء الأخرين، فاليهود يلغون المسيحيين، والمسيحيون يلغون اليهود، وحتى أن أتباع كلّ دين أيضاً يقبلون ما يتلاءم مع حاجاتهم ورغباتهم من كتبهم الدينية، فانا أقبل بالكل لأن الكل له أصول أساسية واحدة.

وبما أن رعاية (أصل العدالة) ضروري لإيجاد الوحدة، لذا فإن الآية تطرح ذلك في خامس أمر لها فتقول: (وأمرت لأعدل بينكم)، سواء في القضاء والحكم، أو في الحقوق الإجتماعية والقضايا الأُخرى(1).

وبهذا الشكل فإنّ الآية التي نبحثها مؤلفة من خمس تعليمات مهمّة، حيث تبداً من أصل الدعوة، ثمّ تطرح وسيلة انتشارها ـ يعني الإستقامة ـ ثمّ تشير إلى الموانع في الطريق «كعبادة الأهواء» ثمّ تبين نقطة البداية التي تبدأ من النفس، وأخيراً الهدف النهائي والذي هو توسيع وتعميم العدالة.

____________________________________

1 ـ بعض المفسّرين حدّد (العدالة) هنا بالقضاء، في حين أنّه لا توجد قرينة على هذه المحدودية في الآية.

[494]

بعد هذه التعليمات الخمس، تشير إلى المشتركات بين الأقوام والتي تتلخص بخمس فقرات، حيثت تقول: (الله ربّنا وربّكم) وكل واحد مسؤول عن اعماله (لنا أعمالنا ولكم أعمالكم). (لا حجّة بيننا وبينكم) وليس بيننا نزاع وخصومة، ولا امتياز لأحدنا على الآخر وليست لدينا أغراض شخصية اتجاهكم.

وعادة لا توجد حاجة إلى الإستدلال والإحتجاج، لأن الحق واضح، إضافة إلى ذلك فإننا جميعاً سوف نجتمع في مكان واحد: (الله يجمع بيننا)(1).

والذي سوف يقضي بيننا في ذلك اليوم هو الأحد الذي: (وإليه المصير).

وعلى هذا الأساس فإنّ إلهنا واحد، ونهايتنا ستكون في مكان واحد، والقاضي الذي إليه المصير واحد، وبالرغم من كلّ هذا فإننا مسؤولون جميعاً حيال أعمالنا، وليس هناك فرق لإنسان على آخر إلاّ بالإيمان والعمل الصالح.

وننهي هذا البحث بحديث جامع، فقد ورد في حديث عن الرّسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم): «ثلاث منجيات، وثلاث مهلكات، فالمنجيات: العدل في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، وخشية الله في السر والعلانية، والمهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه»(2).

 

* * *

 

____________________________________

1 ـ الضمير المتكلم مع الغير في (بيننا) يشير إلى الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين، وضمير الجمع في (بينكم) يشير إلى جميع الكفار، سواء كانوا أهل الكتاب أو المشركين.

2 ـ مجمع البيان، نهاية الآيات التي نبحثها. وتحف العقول كلمات الرّسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) .

[495]

الآيات

وَالَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِى اللهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ( 16 ) اللهُ الَّذِى أَنْزَلَ الْكِتَـبَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ( 17 ) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لاَ يُؤمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلاَ إِنَّ الَّذيِنَ يُمَارُونَ فِى السَّاعَةِ لَفِى ظَلَـل بَعِيد( 18 )

 

التّفسير

لا تستعجلوا بالساعة!!

الآيات السابقة كانت تتحدث عن واجبات النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، كاحترامه لمحتوى الكتب السماوية، وتطبيق العدالة بين جميع الناس وترك أي محاججة أو خصومة بينه وبينهم. أمّا الآيات التي نبحثها، فلكي تكمّل البحث السابق وتثبت أن حقانية نبيّ الأسلام لا تحتاج إلى دليل، تقول: (والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربّهم) وبما أن نقاشهم ومحاججتهم ليس لكشف الحقيقة، بل للعناد والاصرار تقول الاية (وعليهم غضب).

[496]

(ولهم عذاب شديد) لعدم وجود غير هذا الجزاء للمعاندين.

وقد ذكر المفسّرون تفاسير مختلفة حول المقصود من جملة: (من بعد ما استجيب لهم).

فقالوا: إنّ المقصود هو استجابة عامة الناس من ذوي القلوب الطاهرة، والذين ليست لهم نوايا خبيثة، يستسلمون للحق ويخضعون له مستلهمين ذلك من الفطرة الإلهية ومشاهدة محتوى الوحي والمعاجز المختلفة للنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم).

وقد يكون المقصود بها استجابة دعاء الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بحق معارضيه كما في يوم معركة بدر، حيث أدى ذلك إلى فناء قسم عظيم من جيش العدو وانكسار شوكته.

وأحياناً اعتبروا ذلك إشارة إلى قبول أهل الكتاب، حيث كانوا ينتظرون  نبيّ الإسلام(صلى الله عليه وآله وسلم) قبل ظهوره، ويذكرون علامات ظهوره للناس من خلال كتبهم، وكانوا يظهرون الإيمان والحب له، إلاّ أنّه بعد ظهور الإسلام أنكروا كلّ ذلك، لأن مصالحهم غير المشروعة أصبحت في خطر.

ويبدو أن التّفسير الأوّل هو الأفضل، لأن التّفسير الثّاني يقتضي أن تكون هذه الآيات نازلة بعد معركة بدر، في حين أنّه لا دليل على هذا الأمر، ويظهر أن جميع هذه الآيات نزلت في مكّة.

والتّفسير الثّالث لا يتلاءم مع أسلوب الآية، لأنّه يجب أن يقال: «من بعدما استجابوا له».

إضافةً إلى أن ظاهر جملة: (يحاجون في الله) يشير إلى محاججة المشركين بخصوص الخالق، وليس أهل الكتاب بالنسبة الى النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن ما هي المواضيع المطروحة المشار إليها في هذه المحاججة الباطلة؟ هناك اختلاف بين المفسّرين:

فقال البعض: إنّ المقصود هو ادعاء اليهود الذين يقولون بأن دينهم كان

[497]

موجوداً قبل الإسلام وإن اسبقيته دليلٌ على افضليته.

أو، ما دمتم تدّعون الوحدة فتعالوا وآمنوا بدين موسى(عليه السلام) لأن الطرفين يقبلانه.

ولكن ـ كما قلناـ فإن من المستبعد أن يكون الكلام في هذه الآيات مع اليهود أو أهل اكتاب، لأن «المحاججة في الله» أكثر ما تخص المشركين، لذا فإنّ الجملة أعلاه تشير إلى الأدلة الواهية للمشركين في قبولهم بالشرك، والتي منها شفاعة الأصنام أو اتباع دين الآباء والأجداد.

على أية حال، فالمعاندون الذين يصرون على عنادهم بعد وضوح الحق، سيفتضح أمرهم بين خلق الله، وسيشملهم غضب الخالق في هذا العالم والعالم الآخر.

ثم يشير القرآن إلى أحد أدلة التوحيد وقدرة الخالق، وفي نفس الوقت يتضمّن إثبات النبوة حيال المتحاججين ذوي المنطق الواهي، حيث تقول الآية: (الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان).

«الحق» كلمة جامعة تشمل المعارف والعقائد الحقة، والأخبار الصحيحة والبرامج المتطابقة مع الحاجة الفطرية والإجتماعية، وما شابه ذلك، لأن الحق هو الشيء الموجود الذي يطابق مصداقه الخارجي، وليس له جنبة ذهنية وخيالية.

وأمّا «الميزان» فله معنى عام في مثل هذه الموارد، بالرغم من أن معناه اللغوي هو وسيلة لقياس الوزن، إلاّ أنّه في معناه الكنائي يطلق على أي معيار للقياس والقانون الإلهي الصحيح، وحتى شخص الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة(عليهم السلام)، حيث أن وجودهم معيار لتشخيص الحق من الباطل وميزان يوم القيامة، والميزان في القيامة يراد به هذا المعنى.

بناءً على هذا فإنّ الخالق أنزل كتاباً على نبيّ الإسلام(صلى الله عليه وآله وسلم) بحيث يعتبر هو الحق، والميزان للتقييم، والتدقيق في محتوى هذا الكتاب سواء معارفه وعقائده،

[498]

واستدلالاته المنطقية، أو قوانينه الإجتماعية، وحتى برامجه لتهذيب النفوس وتكامل البشر... كلّ ذلك يعتبر دليلا على حقانيته.

إنّ هذا المحتوى العظيم ـ بهذا العمق ـ من شخص أُمّي لا يعرف القراءة والكتابة، وقد نشاً في مجتمع يعتبر من أكثر المجتمعات تخلفاً، يعتبر بحدّ ذاته دليلا على عظمة الخالق، ووجود عالم ما وراء الطبيعة، وحقانية من جاءبه.

وهكذا فإنّ الجملة أعلاه تعتبر جواباً للمشركين ولأهل الكتاب.

وبما أن نتيجة كلّ هذه الأمور، خاصة ظهور الحق بشكل كامل والعدالة والميزان تتّضح في يوم القيامة، لذا فإن الآية تقول في نهايتها: (وما يدريك لعل الساعة قريب).

فالقيامة عندما تقام يحضر الجميع في محكمة عدله، ويواجهون الميزان الذي يقيس حتى حبّة الخردل أو أصغر منها.

ثم يشير القرآن إلى موقف الكفار والمؤمنين حيال القيامة، فتقول الآية: (يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها).

فهؤلاء لا يقولون ذلك بسبب عشقهم للقيامة والوصول إلى لقاء المحبوب أبداً، إنّ كلامهم هذا من قبيل الإستهزاء والإنكار، ولو كانوا يعلمون ما سيحل عليهم يوم القيامة لم يطلبوا مثل هذا الأمر.

(والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنّها الحق)(1).

طبعاً لحظة قيام القيامة خافية على الجميع، حتى بالنسبة للأنبياء المرسلين والملائكة المقربين، ليكون هذا الأمر أسلوباً تربوياً مستمراً للمؤمنين، واختباراً واتمام حجة للمنكرين، ولكن لا يوجد أي شك في أصل وقوعها.

____________________________________

1 ـ «مشفقون» من كلمة (إشفاق) وتعني العلاقة المقترنة مع الخوف، فمتى ما تعدت بحرف (من) يطغى جانب الخوف عليها، وعندما تتعدى بحرف (على) يطغى جانب الإنتباه والمراقبة عليها، ولذا فإن الإنسان يقول لصاحبه وصديقه: «أنا مشفق عليك» (تفسير روح المعاني ومفردات الراغب).

[499]

ومن هنا يتّضح مدى التأثير التربوي العميق للإيمان بالقيامة ومحكمة العدل الإلهي الكبيرة على المؤمنين خاصة في احتمالهم حصول هذا الأمر في أية لحظة من اللحظات.

وكإعلان عام، تقول الآية في نهايتها: (ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد) لأن نظام هذا العالم يعتبر ـ بحد ذاته ـ دليلا على أنّه مقدمة لعالم آخر وبدونه سيكون خلق هذا العالم عبثاً وليس له أي معنى، وهذا لا يتناسب مع حكمة الخالق ولا مع عدالته.

وتشير عبارة (ضلال بعيد) إلى أن الإنسان قد يضل الطريق أحياناً، إلاّ أنّه لا يبتعد عنه كثيراً، وبقليل من البحث والجهد يمكنه أن يكتشف الطريق وأحياناً يكون البعد كبيراً جداً بحيث يصعب ـ أو يستحيل ـ عليه العثور على الطريق مرّة اُخرى.

والطريف في الأمر أنّنا نقرأ في حديث عن النّبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم): «سأل رجل رسول الله في إحدى سفراته وبصوت مرتفع: يا محمّد...، فأجابه الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وبصوت مرتفع مثل صوته «ما تقول؟».

قال الرجل: متى الساعة؟

قال الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّها كائنة فما اعددت لها؟».

قال الرجل: حبّ الله و رسوله!

قال الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم): «أنت مع من أحببت»(1).

 

* * *

 

____________________________________

1 ـ تفسير المراغي، المجلد الخامس والعشرون، ص32.

[500]

الآيتان

اللهُ لَطِيفُ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ الْقَوِىُّ الْعَزِيزُ( 19 ) مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الاَْخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِى الاَْخِرَةِ مِن نَّصِيب( 20 )

 

التّفسير

مزرعة الدنيا والآخرة:

بما أن الآيات السابقة كانت تتحدث عن العذاب الإلهي الشديد وعن طلب منكري المعاد للتعجيل بقيام القيامة، لذا فإنّ أوّل آية نبحثها هنا تقرن «الغضب» الالهي مع «اللطف» الالهي في معرض ردها على استعجال منكري المعاد: (الله لطيف بعباده).

فعندما يهددهم بالعذاب الشديد في موضع، يعدهم باللطف في موضع آخر، ذلك اللطف الواسع غير المحدود ولا يعجّل في عقاب الجاهلين المغرورين.

ثم تطرح الآية أحد مظاهر لطفه العام وهو الرزق، فتقول: (يرزق من يشاء). وهذا لا يعني أن هناك جماعة محرومون من رزقه، بل المقصود البسط في الرزق لمن يشاء، كما جاء في الآية 26 من سورة الرعد: (الله يبسط الرزق لمن

[501]

يشاء ويقدر).

ونقرأ في آية قادمة في هذا السورة: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض)(1).

وواضح أن (الرزق) هنا يشمل الرزق المعنوي والمادي، الجسماني والروحاني فعندما يكون هو مصدر اللطف والرزق، فلماذا تتوجهون نحو الأصنام التي لا ترزق ولا تتلطف، لا تحل مشاكلكم.

وتقول الآية في نهايتها: (وهو القوي العزيز).

وعندما يعدالله تعالى عباده بالرزق واللطف فهو قادر على إنجاز هذا الأمر، ولهذا السبب لا يوجد أي تخلف في وعوده أبداً.

ومن الضروري الإنتباه إلى هذه الملاحظة وهي أن (لطيف) لها معنيان: الأوّل: أنّه صاحب اللطف والمحبة والرحمة. والثّاني: علمه بجميع الأمور الصغيرة والخافية، وبما أن رزق العباد يحتاج إلى الإحاطة والعلم بالجميع وفي أي مكان كانوا، سواء في السماء أو في الأرض، لذا فإن الآية تشير في البداية إلى لطفه ثمّ إلى رزقه، كما أن القرآن يضيف في الآية (6) من سورة هود وبعد أن يذكر: (وما من دابة في الأرض إلاّ على الله رزقها) قوله: (ويعلم مستقرها ومستودعها).

وطبعاً لا يوجد أي تناقض بين هذين المعنيين، بل يكمل أحدهما الآخر، فاللطيف هو الشخص الذي يكون كاملا من حيث المعرفة والعلم، ومن حيث اللطف والمحبّة لعباده، وبما أن الخالق يعلم باحتياجات عباده بشكل جيد فانه يسدد احتياجاتهم بأفضل وجه، لذا فهو الاجدر بهذا الاسم.

على أية حال، فإنّ الآية أعلاه أشارت إلى أربعة صفات من أوصاف الخالق: اللطف، والرزق، والقوّة، والعزّة، وهي أفضل دليل على مقام (ربوبيته)، لأن (الرب) يجب أن تتوفر فيه هذه الصفات.

____________________________________

1 ـ الآية 27 ـ نفس هذه السورة.

[502]

الآية التي بعدها شبّهت أفراد العالم حيال رزق الخالق وكيفية الإستفادة منه بالمزارعين الذين يقوم قسم منهم بالزراعة للآخرة والقسم الآخر للدنيا، وتحدد عاقبة كلّ قسم منهم وفق تشبيه لطيف حيث تقول: (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب)(1).

إنه لتشبيه لطيف وكناية جميلة، فجميع الناس مزارعون، وهذه الدنيا مزرعة لنا، أعمالنا هي البذور، والإمكانات الإلهية هي المطر لهذه المزرعة، إلاّ أن هذه البذور تختلف كثيراً، فبعضها غير محدودة النتاج وأبدية، أشجارها دائمة الخضرة ومثمرة وبعضها الآخر قليل النفع جداً، وتنتهي بسرعة، وتحمل ثماراً مرّة.

وفي الحقيقة، فإن عباردة (يريد) تشير إلى اختلاف الناس في النيات، ومجموع هذه الآية يعتبر توضيحاً لما جاء في الآية السابقة من المواهب والرزق الإلهي، فالبعض يستفيد من هذه المواهب على شكل بذور للآخرة، والبعض الآخر يستعملها للتمتع الدنيوي.

والطريف في الأمر أن الآية تقول بخصوص الذين يزرعون للآخرة: (نزد له في حرثه) إلاّ أنّها لا تقول أنّه لا يصيبهم شيء من متاع الدنيا، وبالنسبة لمن يزرع للدنيا تقول: (نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب).

وعلى هذا الأساس فلا طلاّب الدنيا يصلون إلى ما يريدون، ولا طلاّب الآخرة يحرمون من الدنيا، ولكن مع الفارق، وهو أن المجموعة الأولى تذهب إلى الآخرة بأيد فارغة، والمجموعة الثانية بأيد مملوءة.

وقد جاء ما يشبه نفس هذا المعنى في الآية 18 و19 من سورة الإسراء، ولكن بشكل آخر: (من كان يريد العاجلة عجلناله فيها ما نشاء لمن نريد ثمّ جعلنا

____________________________________

1 ـ مصطلح (حرث) كما يقول الراغب في مفرداته: تعني في الأصل: رمي البذر في الأرض وتهيئتها للزراعة، وفي القرآن الكريم استخدمت عدّة مرّات بهذا المعنى، ولكن لا يعلم سبب اعتبار بعض المفسّرين أنّها تعني (العمل والكسب).

[503]

له جهنم يصلاها مذموماً ومدحوراً ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فاُولئك كان سعيهم مشكوراً).

عبارة (نزد له في حرثه) تتلاءم مع ما ورد في آيات قرآنية اُخرى، مثل: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها)(1) و (ليوفيهم أجروهم ويزيدهم من فضله)(2).

على أية حال، فالآية أعلاه صورة ناطقة تعكس التفكير الإسلامي بالنسبة الى الحياة الدنيا، الدنيا المطلوبة لذاتها، والدنيا التي تعتبر مقدمة للعالم الآخر ومطلوبة لغيرها، فالإسلام ينظر إلى الدنيا على أنّها مزرعة يقتطف ثمارها يوم القيامة.

والعبارات الواردة في الروايات أو في آيات قرآنية اُخرى تؤّكد هذا المعنى.

فمثلا تشبّه الآية (216) من سورة البقرة المنفقين بالبذر الذي له سبعة سنابل، وفي كلّ سنبلة مئة حبة، وأحياناً أكثر. وهذا نموذج لمن يبذر البذور للآخرة.

ونقرأ في حديث عن الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم). «وهل يكب الناس على مناخرهم في النّار إلاّ حصائد ألسنتهم»(3).

وجاء في حديث آخر عن أمير المؤمنين(عليه السلام): «إن المال والبنين حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة، وقد يجمعهما الله لأقوام»(4).

ويمكن أن نستفيد هذه الملاحظة من الآية أعلاه، وهي أن الدنيا والآخرة تحتاجان إلى السعي، ولا يمكن نيلهما دون تعب وأذى، كما أن البذر والثمر  لا يخلوان من التعب والأذى، لذا فالأفضل للإنسان أن يزرع شجرة ويبذل جهده في تربيتها، ليكون ثمرها حلو المذاق ودائمياً وأبدياً، وليست شجرة تموت بسرعة وتُفنى.

____________________________________

1 ـ الأنعام، الآية 160.

2 ـ فاطر، الآية 30.

3 ـ المحجة البيضاء، المجلد الخامس، ص193 (كتاب آفات اللسان).

4 ـ الكافي، وفقاً لنقل نور الثقلين، المجلد الرابع، ص 569.

[504]

ونُنهي هذا الكلام بحديث عن الرّسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث يقول: «من كانت نيّته الدنيا فرق الله عليه أمره، وجعل الفقر بين عينيه، ولم يأته من لدنيا إلاّ ما كتب له، ومن كانت نيّته الآخرة جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة»(1).

وما هو مشهور بين العلماء أن (الدنيا مزرعة الآخرة) فهو في الحقيقة اقتباس من مجموع ما ذكرناه أعلاه.

 

* * *

 

____________________________________

1 ـ مجمع البيان، نهاية الآيات التي نبحثها.

[505]

الآيات

أَمْ لَهُمْ شُرَكَـؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ الِّدِينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللهُ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّـلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ( 21 )تَرَى الظَّـلِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمِّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعُ بِهِمْ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّـلِحَـتِ فِى رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ( 22 ) ذَلِكَ الَّذِى يُبَشِّرُ اللهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّـلِحَـتِ قُل لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حَسَناً إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ( 23 )

 

سبب النّزول

لقد ورد في تفسير مجمع البيان سبب نزول للآيات 23 وحتى 26 من هذه السورة أنّه ذكر أبو حمزة الثمالي في تفسيره حدثني عثمان بن عمير عن سعيد بن جبير عن عبدالله بن عباس أنّ رسول الله حين قدم المدينة واستحكم الإسلام قالت الأنصار فيما بينها: نأتي رسول الله فنقول له إن تعروك أُمور فهذه أموالنا

[506]

تحكم فيها غير حرج ولا محظور عليك فأتوه في ذلك فنزلت: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى) فقرأها عليهم وقال تودون قرابتي من بعدي فخرجوا من عنده مسلّمين لقوله فقال المنافقون: إن هذا لشيء افتراه في مجلسه أراد بذلك أن يذللنا لقرابته من بعده، فنزلت: (أم يقولون افترى على الله كذباً)فأرسل إليهم فتلاها عليهم فبكوا واشتد عليهم فانزل الله: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده) الآية، فأرسل في أثرهم فبشرهم وقال: (ويستجيب الذين آمنوا وهم الذين سلّموا لقوله تعالى)(1).

 

التّفسير

أجر الرسالة في مودة أهل البيت (عليهم السلام)

بما أنّ الآية 13 من هذه السورة كانت تتحدث عن تشريع الدين من قبل الخالق بواسطة الأنبياء أولي العزم، لذا فإن أوّل آية في هذا البحث ـ كاستمرار للموضوع ـ تقول في مجال نفي تشريع الأخرين، وأن جميع القوانين ليست معتبرة قبال القانون الإلهي، وأن التقنين يختص بالخالق: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله).

فهو خالق ومالك ومدبر عالَم الوجود، ولهذا السبب تنفرد ذاته المنزهة بحق التقنين، ولا يستطيع شخص أن يتدخل في تشريعاته دون إذن، لذا فكل شيء باطل قبال تشريعه.

وبعد ذلك يقوم القرآن بتهديد المشرعين بالباطل، حيث تقول الآية: (ولو لا كلمة الفصل لقضي بينهم) حيث يصدر الأمر بعذابهم.

وفي نفس الوقت يجب عليهم أن لا ينسوا هذه الحقيقة وهي: (وإن الظالمين لهم عذاب أليم).

____________________________________

1 ـ تفسير مجمع البيان، ج9، ص 29.

[507]

المقصود من (كلمة الفصل) هي المدّة المقررة المعطاة من قبل الخالق لمثل هؤلاء الأفراد، كي تكون لهم حرية العمل وتتم الحجة عليهم.

كما أن عبارة (ظالمين) تتحدث عن المشركين الذين لهم عقائد منحرفة قبال القوانين الإلهية وذلك بسبب اتساع مفهوم الظلم، وإطلاقه على أي عمل ليس في مورده.

ويظهر أن المقصود من (العذاب الأليم) هو عذاب يوم القيامة، لأن هذه العبارة عادةً ما تستخدم بهذا المعنى في القرآن الكريم، والآية التي بعدها تشهد على هذه الحقيقة، وما قاله بعض المفسّرين (كالقرطبي) من أن ذلك يشمل عذاب الدنيا والآخرة مستبعد.

ثم تذكر الآية بياناً مجملا حول (عذاب الظالمين) ثمّ بياناً مفصلا عن (جزاء المؤمنين)، فتقول: (ترى الظالمين مشفقين ممّا كسبوا وهو واقع بهم). (والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات).

«روضات» جمع (روضة) وتعني المكان الذي يشتمل على الماء والشجر الكثير، لذا فإن كلمة (روضة) تطلق على البساتين الخضراء، ونستفيد من هذه العبارة بشكل واضح أن بساتين الجنّة متفاوتة، والمؤمنون من ذوي الأعمال الصالحة في أفضل بساتين الجنّة، ومفهوم هذا الكلام أن ّالمؤمنين المذنبين سيدخلون الجنّة بعد أن يشملهم العفو الإلهي بالرغم من أن مكانهم ليس في (الروضات).

إلاّ أن الفضل الإلهي بخصوص المؤمنين ذوي الأعمال الصالحة لا ينتهي هنا، فسوف يشملهم اللطف الإلهي بحيث: (لهم ما يشاؤون عند ربّهم).

ولهذا الترتيب لا يوجد أي قياس بين (العمل) و (الجزاء)، بل إن جزاءهم غير محدود من جميع الجهات، لأن جملة: (لهم ما يشاؤون) تكشف عن هذه الحقيقة.

والأجمل من ذلك عبارة (عند ربّهم) حيث توضح اللطف الإلهي

[508]

اللامتناهي بشأنّهم، وهل هناك فوز أكبر من أن يصلوا إلى قرب مقام الخالق؟ فكما يقول بخصوص الشهداء: (بل أحياء عند ربّهم يرزقون)، كذلك يقول بشأن المؤمنين ذوي الأعمال الصالحة: (لهم ما يشاؤون عند ربّهم).

وليس غريباً أن تقول الآية في نهايتها: (ذلك هو الفضل الكبير).

وقد قلنا ـ مراراً ـ أنّه لا يمكن شرح نعم الجنّة من خلال الكلام، فنحن المكبلون بقيود عالم المادة، لا نستطيع أن ندرك المفاهيم التي تتضمّنها جملة: (لهم ما يشاؤون عند ربّهم). فماذا يريد المؤمنون؟ وما هي الألطاف الموجودة في جوار قربه تعالى؟!

وعادة عندما يقوم الخالق العظيم بوصف شيء ما بالفضل الكبير، فإنّ ذلك يكشف عن مقدار العظمة بحيث يكون أعظم من كلّ ما نفكر به.

وبعبارة اُخرى: سوف يصل الأمر بهؤلاء العباد الخلّص أنّه سيتوفر لهم كلّ ما يريدونه، يعني سيظهر في وجودهم شعاع من قدرة الخالق الأزلية، أي (إنّما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون)(1)، فهل هناك فضيلة وموهبة أعظم من هذه؟

ولبيان عظمة هذا الجزاء تقول الآية التي بعدها: (ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات).

يبشرهم حتى لا تَصعُب عندهم آلام الطاعة والعبودية ومجاهدة هوى النفس والجهاد حيال أعداء الله، ويقوم هذا الجزاء العظيم بترغيبهم ويعطيهم القدرة والطاقة الكبيرة لسلوك طرق الحياة المليئة بالصعوبات والمشاكل للوصول إلى رضا الخالق.

وقد يتوهم أن نبيّ الإسلام(صلى الله عليه وآله وسلم) يريد جزاءً وأجراً على إبلاغ هذه الرسالة، لذا فإنّ القرآن يأمر الرّسول بعد هذا الكلام ليقول: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى) أي حبّ اهل بيتي.

____________________________________

1 ـ سورة يس، الآية 82.

[509]

ومودة ذوي القربى ومحبتهم ـ كما سيأتي بيانها بشكل مفصل ـ ترتبط بقضية الولاية وقبول قيادة الأئمة المعصومين عليهم السلام من آل الرّسول حيث تعتبر في الحقيقة استمراراً لقيادة النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) واستمراراً للولاية الإلهية، وجليّ أن قبول هذه الولاية والقيادة كقبول نبوة النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ستكون سبباً لسعادة البشرية نفسها وستعود نتائجها إليها.

* * *

 

توضيح

هناك بحوث متعددة وتفاسير مختلفة للمفسّرين في تفسير هذه الجملة، بحيث إذا ما نظرنا إليها بدون أي موقف مسبق نشاهد أنّها ابتعدت عن المفهوم الأصلي للآية بسبب الدوافع المختلفة، وذكروا احتمالات لا تتلاءم مع محتوى الآية، ولامع سبب نزولها ،ولا مع سائر القرائن التأريخية والروائية.

وبشكل عام هناك أربعة تفاسير معروفة للآية:

1 ـ هو ما قلناه أعلاه، حيث أن المقصود من ذوي القربى هم أقرباء الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وحبّهم يعتبر وسيلة لقبول إمامة وقيادة الأئمّة المعصومين(عليهم السلام)من نسل الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، ودعماً لتطبيق الرسالة.

وقد اختار هذا المعنى جمع من المفسّرين الاوائل، وجميع المفسّرين الشيعة، ووردت روايات كثيرة من طرق الشيعة والسنّة في هذا المجال سنشير إليها لاحقاً.

2 ـ المقصود هو أن جزاء الرسالة وأجرها هو حب أُمور معينة تقربكم من الله.

هذا التّفسير الذي ذكره بعض مفسّري أهل السنة لا يتلاءم مع ظاهر الآية أبداً، لأن معنى الآية سيصبح هكذا: إنني أريد منكم أن تحبوا طاعة الخالق، وتودونه في قلوبكم، في حين أنّه يجب أن يقال: إنني أريد منكم أن تطيعوا

[510]

الخالق، (وليس مودة الطاعة الإلهية).

إضافة إلى ذلك فإنّه لا يوجد أحد بين المخاطبين في الآية لا يرغب بالتقرب من الخالق، وحتى المشركين كانوا يرغبون بذلك، وكانوا يظنون أن عبادة الأصنام تعتبر وسيلة لهذا الأمر.

3 ـ المقصود حبّ أقرباءكم بعنوان أجر الرسالة، أي بصلة الرحم. وبملاحظة هذه التّفسير لا يوجد أي ترابط بين الرسالة وأجرها، لأنّه ماذا يستفيد الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من حبّ الشخص أقرباءهُ؟ وكيف يمكن اعتبار هذا الأمر أجراً للرسالة؟!

4 ـ المقصود أن أجري هو أن تحفظوا قرابتي منكم، ولا تؤذونني، لأني أرتبط برابطة القرابة مع أكثر قبائلكم (لأن الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يرتبط بقبائل قريش نسبياً، وبالقبائل الأُخرى سببياً (عن طرق الزواج)، وعن طريق أمه بعض أهالي المدينة من قبيلة بني النجار، وعن طريق مرضعته بقبيلة بني سعد).

هذه العبارة هي أسوأ تفسير مذكور للآية، لأن طلب أجر الرسالة هو من الأشخاص الذين آمنوا بها، ومع هؤلاء الأشخاص لا توجد حاجة إلى مثل هذا الكلام، فأُولئك كانوا يحترمون النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لأنّه مرسل إلهي، ولا توجد حاجة لإحترامه بسبب قرابته، لأن الإحترام الناشىء بسبب قبول الرسالة فوق جميع هذه الأُمور، وفي الواقع يجب اعتبار هذا التّفسير من الأخطاء الكبيرة التي أصابت بعض المفسّرين ومسخت مفهوم الآية بشكل كامل.

ولكي نفهم حقيقة محتوى الآية بشكل أفضل، علينا طلب العون من الآيات القرآنية الأُخرى:

نقرأ في العديد من آيات القرآن المجيد: (ما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلاّ على ربّ العالمين)(1).

____________________________________

1 ـ سورة الشعراء، الآية 109، 127، 145، 164، 180.

[511]

وهناك عبارات مختلفة تخصّ الرّسول، فقد ورد في القرآن: (قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلاّ على الله)(1).

وفي مكان آخر نقرأ: (قل ما أسألكم عليه من أجر إلاّ من شاء أن يتخذ إلى ربّه سبيلا).

وأخيراً: (قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين)(2).

وعندما نضع هذه الآيات الثلاثة إلى جانب الآية التي نبحثها، يسهلً علينا الإستنتاج: ففي مكان تنفي الآية الأجر والجزاء بشكل كامل.

وفي مكان آخر تقول الآية: إنني أطلب الأجر من الأشخاص الذين يريدون سلوك الطريق إلى الخالق.

وبخصوص الآية الثّالثة فإنّها تقول: إنّ الأجر الذي أطلبه منكم إنّما هو لكم.

وأخيراً فإن الآية التي نبحثها تضيف: إن مودّة القربى هي أجر رسالتي، يعني أن الأجر الذي طلبته منكم ويشمل هذه الخصوصيات: لا يعود نفعه إلىّ أبداً، بل ينفعكم بالكامل، ويعبّد الطريق أمامكم للوصول إلى الخالق.

وعلى هذا الإساس، فهل تعني الآية شيئاً آخر سوى قضية استمرار خط رسالة النّبي الكريم بواسطة القادة الإلهيين وخلفاءه المعصومين الذين كانوا جميعهم من عائلته؟ لكن لأن المودة هي أساس هذا الإرتباط نرى أن الآية أشارت بصراحة إلى ذلك.

والطريف في الأمر أن هناك خمسة عشر مورداً في القرآن المجيد ـ غير الذي ذكرناـ ذكر فيه كلمة (القربى) حيث أن جميعها تعني الأقرباء، ومع هذا الوضع لا نعلم لماذا يصر البعض بحصر معنى كلمة القربى في (التقرب إلى الله) ويتركون المعنى الواضح والظاهر المستخدم في جميع الآيات القرآنية؟.

____________________________________

1 ـ سبأ، الآية 47.

2 ـ سورة ص، الآية 86.

[512]

ومن الضروري الإشارة إلى هذه الملاحظة، وهي أنّه ورد في آخر الآية: (ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسناً إن الله غفور شكور). وهل هناك حسنة أفضل من أن يكون الإنسان دائماً تحت راية القادة الإلهيين، يحبّهم بقلبه، ويستمر على خطهم، يطلب منهم التوضيح للقضايا المبهمة في كلام الخالق، يعتبرهم القدوة والأسوة وسيرتهم وعملهم هو المعيار.

* * *

 

الروايات الواردة في تفسير هذه الآية

الدليل الآخر على التّفسير أعلاه هو الروايات المتعددة الواردة في مصادر أهل السنة والشيعة، والمنقولة عن الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث توضح أن المقصود من (القربى) هم أهل البيت والمقربون وخاصة الرّسول، وعلى سبيل المثال نذكر:

1 ـ ينقل (أحمد بن حنبل) في فضائل الصحابة بسنده عن سعيد بن جبير عن عامر: لما نزلت: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى) قالوا: يا رسول الله! ومن قرابتك؟ من هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم؟ قال: «علي وفاطمة وابناهما عليهم السلام، وقالها ثلاثاً»(1).

2 ـ ورد في (مستدرك الصحيحين) أن الإمام علي بن الحسين(عليه السلام) قال: عند استشهاد أمير المؤمنين الإمام علي(عليه السلام)، وقف الحسن بن علي(عليه السلام) يخطب في الناس، وكان ممّا قال: إنا من أهل البيت الذين افترض الله مودتهم على كلّ مسلم، فقال تبارك وتعالى لنبيّه:(قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسناً) فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت(2).

____________________________________

1 ـ إحقاق الحق، المجلد الثّالث، ص2، كما ذكر القرطبي: أيضاً هذه الرواية في نهاية الآية التي نبحثها المجلد الثامن، ص5843.

2 ـ مستدرك الصحيحين، المجلد الثّالث، ص 172، وقد نقل محب الدين الطبري نفس هذا الحديث في الذخائر ص 137، كما ذكر ابن حجر ذلك أيضاً في الصواعق المحرقة، ص 101.

[513]

3 ـ ذكر (السيوطي) في (الدر المنثور) في نهاية الآية التي نبحثها عن مجاهد عن ابن عباس أنّه قال في تفسير آية: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى):أن تحفظوني في أهل بيتي وتودوهم بي(1).

ومن هنا يتّضح ضعف ما ينقل عن ابن عباس بطريق آخر من أن المقصود هو عدم إيذاء النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بسبب قرابته مع القبائل العربية المختلفة.

4 ـ ينقل (ابن جرير الطبري) في تفسيره بسنده عن (سعيد بن جبير) وبسند آخر عن (عمر بن شعيب) أن المقصود من هذه الآية هم قربى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)(2).

5 ـ وينقل العلاّمة الطبرسي عن (شواهد التنزيل) للحاكم الحسكاني، الذي هو من المفسّرين والمحدثين المعروفين لأهل السنة، عن (أبي أمامة الباهلي) أن رسول الإسلام(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إن الله خلق الأنبياء من أشجار شتى، وأنا وعلي من شجرة واحدة، فأنا أصلها، وعلي فرعها، وفاطمة لقاحها، والحسن والحسين ثمارها، وأشياعنا أوراقهاـ حتى قال ـ لو أن عبداً عبدالله بين الصفا والمروة ألف عام، ثمّ ألف عام، ثمّ ألف عام، حتى يصير كالشن البالي، ثمّ لم يدرك محبتنا كبه الله على منخريه في النّار، ثمّ تلا: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى)».

والطريف في الأمر أن هذا الحديث اشتهر بدرجة بحيث أن الشاعر المعروف الكميت أشار إلى ذلك في أشعاره، فقال:

وجدنا لكم في آل حاميم آية تأوّلَها منا تقيٌّ ومعربُ(3)6 ـ وينقل السيوطي أيضاً في (الدر المنثور) عن ابن جرير عن أبي الديلم: عندما تأسّر علي بن الحسين(عليه السلام)، وأوقفوه في بوابة دمشق، قال رجل من أهل الشام: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم.

____________________________________

1 ـ الدر المنثور، نهاية الآية التي نبحثها، المجلد السادس، ص7.

2 ـ تفسير الطبري ـ المجلد 25 ـ ص16 و17.

3 ـ مجمع البيان، المجلد التاسع، ص29.

[514]

قال علي بن الحسين(عليه السلام): هل قرأت القرآن؟

قال: نعم

قال: هل قرأت سور حم.

قال: لا.

قال: ألم تقراً هذه الآية: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى).

قال: أأنتم الذين أشارت لهم هذه الآية؟

قال: بلى(1).

7 ـ نقل (الزمخشري) حديثاً في «تفسير الكشاف» وقد اقتبسه أيضاً الفخر الرازي والقرطبي في تفسيرهما، حيث يوضح هذا الحديث مقام آل محمّد وأهمية حبّهم، فيقول:

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): من مات على حب آل محمّد مات شهيداً

ألا ومن مات على حب آل محمّد مات مغفوراً له

ألا ومن مات على حب آل محمّد مات تائباً

ألا ومن مات على حب آل محمّد مات مؤمناً مستكمل الإيمان

ألا ومن مات على حب آل محمّد بشره ملك الموت بالجنة ثمّ منكر ونكير

ألا ومن مات على حب آل محمّد فتح له في قبره بابان إلى الجنّة

ألا ومن مات على حب آل محمّد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة

ألا ومن مات على حب آل محمّد مات على السنة والجماعة

ألا ومن مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله

ألا ومن مات على بغض آل محمّد مات كافراً

____________________________________

1 ـ الدر المثنور، المجلد السادس، ص7.

[515]

ألا ومن مات على بغض آل محمّد لم يشم رائحة الجنّة(1).

والطريف في الأمر أن (الفخر الرازي) بعد ذكر هذا الحديث الشريف الذي أرسله «صاحب الكشاف» ارسال المسلمات، يقول: «وأنا أقول: آل محمّد هم الذين يؤول أمرهم إليه، فكل من كان أمرهم إليه أشد وأكمل كانوا هم الآل، ولا شك أن فاطمة وعلياً الحسن والحسين كان التعلق بينهم وبين رسول الله أشد التعلقات، وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر فوجب أن يكونوا هم الآل، وأيضاً اختلف الناس في الآل فقيل هم الأقارب وقيل هم امته فإن حملناه على القرابة فهم الآل وإن حملناه على الأُمة الذين قبلوا دعوته فهم أيضاً آل، فثبت أن على جميع التقديرات هم الآل، وأما غيرهم فيدخلون تحت لفظ الآل؟ فمختلف فيه.

وروى فيه صاحب الكشاف أنّه لما نزلت هذه الآية قيل: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ فقال علي وفاطمة وابناهما فثبت أن هؤلاء الأربعة أقارب النّبي، وإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم ويدل عليه وجوه:

الأول: قوله تعالى: (إلا المودة في القربى) ووجه الإستدلال به ما سبق.

الثّاني: لا شك أن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يحب فاطمة وقال (فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها) وثبت بالنقل المتواتر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه كان يحب علياً والحسن والحسين وإذا ثبت ذلك وجب على كلّ الأمة مثله لقوله: (واتبعوه لعلكم تهتدون) ولقوله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) ولقوله: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) ولقوله سبحانه: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة).

الثّالث: أن الدعاء للآل منصب عظيم ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد

____________________________________

1 ـ تفسير الكشاف، المجلد الرابع، ص220 و221، تفسير الفخر الرازي، المجلد 27، ص165 و166; تفسير القرطبي، المجلد الثامن، ص5843; تفسير الثعلبي، نهاية الآية التي نبحثها عن جليل بن عبد الله البجلي (وفقاً لنقل المراجعات رسالة رقم 19).

[516]

في الصلاة وهو قوله اللهم صل على محمّد وعلى آل محمّد وأرحم محمّداً وآل محمّداً. وهذا التعظيم لم يوجد في حق غير الآل، فكل ذلك يدل على أن حبّ آل محمّد واجب.

وقال الشافعي رضي الله عنه:

يا راكباً قف بالمحصب من منى واهتف بساكن خيفها والناهض

سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى فيضاً كما نظم الفرات الفائض

إن كان رفضاً حب آل محمّد فليشهد الثقلان أني رافضي(1)نعم فهذا مقام آل محمّد الذين نتمسك بهم ونؤمن بهم كقادة لنا، وسراج لديننا ودنيانا، ونعتبرهم أسوة وقدوة لنا، ونرى أن استمرار خط النبوة في إمامتهم.

وطبعاً، فإن هناك روايات كثيرة اُخرى غير التي ذكرناها أعلاه، في المصادر الإسلامية، وقد اكتفينا بسبع روايات مراعاة للإختصار، ولكن لا بأس من ذكر هذه الملاحظة، وهي أنّه في بعض المصادر الكلامية كإحقاق الحق وشرحه المبسوط، ورد الحديث المعروف أعلاه بشأن تفسير الآية: (قل لا أسألكم أجراً إلاّ الموة في القربى) منقولا عن خمسين كتاباً تقريباً من كتب أهل السنة، حيث يبيّن هذا الأمر مدى انتشار هذه الرواية واشتهارها، بغض النظر عن المصادر الكثيرة التي تنقل هذا الحديث عن طريق أهل البيت(عليهم السلام).

* * *

 

بحوث

1ـ كلام مع المفسر المعروف (الآلوسي)

في هذا المجال يطرح سؤال ذكره الآلوسي في تفسير روح المعاني بشكل اعتراض على الشيعة، ونحن نذكر ذلك على شكل سؤال ونقوم بمناقشته: يقول:

____________________________________

1 ـ تفسير فخر الرازى 27/166.

[517]

«ومن الشيعة من أورد الآية في مقام الإستدلال على إمامة علي كرم الله تعالى وجهه قال: علي كرم الله تعالى وجهه واجب المحبة وكل واجب المحبة واجب الطاعة وكل واجب الطاعة صاحب الإمامة، ينتج، علي رضي الله عنه صاحب الإمامة وجعلوا الآية دليل الصغرى، ولا يخفى ما في كلامهم هذا من البحث

أمّا أوّلا: فلأن الإستدلال بالآية على الصغرى لا يتمّ إلاّ على القول بأن معناها لا أسألكم عليه أجراً إلا أن تودوا قرابتي وتحبوا أهل بيتي وقد ذهب الجمهور إلى المعنى الأوّل وقيل في هذا المعنى: إنّه لا يناسب شأن النبوّة لما فيه من التهمة فإن أكثر طلبة الدنيا يفعلون شيئاً ويسألون عليه ما يكون فيه نفعٌ لأولادهم وقراباتهم وأيضاً فيه منافاة لقوله تعالى: (وما تسألهم عليه من أجر)

وأمّا ثانياً:فلأنا لا نسلم أن كلّ واجب المحبة واجب الطاعة فقد ذكر ابن بابويه في كتاب الإعتقادات أن الإمامية اجمعوا على وجوب محبة العلوية مع أنّه لا يجب طاعة كلّ منهم.

وأمّا ثالثاً: فلا لا نسلم إن كلّ واجب الطاعة صاحب الإمامة أي الزّعامة الكبرى وإلاّ لكان كلّ نبي في زمنه صاحب ذلك ونص: (إنّ الله قد بعث لكم طالوت ملكاً) يأبى ذلك

وأمّا رابعاً: فلأن الآية تقتضي أن تكون الصغرى أهل البيت واجبو الطاعة ومتى كانت هذه صغرى قياسهم لا ينتج النتيجة التي ذكروها ولو سلمت جميع مقدماته، بل ينتج أهل البيت صاحبو الإمامة وهم لا يقولون بعمومه...»(1).

* * *

 

تحليل ومناقشة:

يمكن توضيح جواب العديد من هذه الإشكالات إذا راجعنا تصورنا لهذه

____________________________________

1 ـ تفسير روح المعاني ج25، ص 32ـ33.

[518]

الآية ـ التي نبحثها ـ وفقاً للقرائن المتعدده القوية الموجودة في نفس هذه الآية، وسائر الآيات القرآنية الأُخرى:

قلنا: إن هذه المحبّة ليست أمراً عادياً، بل هي جزاءً للنبوّة وأجراً للرسالة، ولابد أن يكون الأجر والثمن مساوياً للمثمن، حتى يمكن اعتباره جزاءً له.

من جانب ثان فإن الآيات القرآنية تؤّكد أن نفع هذه المحبة ليس شيئاً يعود إلى النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل ان حاصل ذلك يعود إلى المؤمنين أنفسهم، أو بعبارة اُخرى يعتبر أمراً معنوياً يؤثر في هداية المسلمين وتكاملهم.

وبهذا الترتيب فبالرغم من أنّه لا يستفاد من الآية سوى وجوب المحبة، إلاّ أن وجوب المحبة هذه ـ بمراعاة القرائن المذكورة ـ لها علاقة بقضية الإمامة التي تعتبر السند لمقام النبوة والرسالة.

ومع هذا التوضيح المختصر سنقوم ببحث الإشكالات أعلاه:

1 ـ يجب القول أنّ بعض الترسبات الذهنية واتخاذ المواقف المسبقة كانت سبباً لعدم تفسير بعض المفسّرين للآية بمودة أهل البيت، فمثلا فسّر بعضهم (القربى) لمعنى (التقرب من الخالق) في حين أنّها وردت بمعنى الأقرباء في جميع الآيات القرآنية التي تحتوي على هذه الكلمة.

أو أنّ البعض فسّر ذلك بمعنى قرابة النّبي مع سائر القبائل العربية، في حين أن هذا التّفسير يخل بنظام الآية بشكل كامل، فأجر الرسالة يطلب من الذين قبلوا تلك الرسالة، فهل توجدحاجة للإهتمام بالقرابة وغض النظر عن الأذى لمن آمن برسالة الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم)؟

إضافة إلى ذلك، لماذا نترك الرّوايات المتعددة التي تفسّر الآية بولاية أهل بيت النّبيّ؟

لذا يجب الإعتراف بأنّ هذه المجموعة من المفسّرين لم يفسروا الآية بأذهان خالية من المواقف المسبقة، وإلاّ فإنه لا يوجد موضوع معقد ضمنها.

[519]

ومن هنا يتوضح أن طلب مثل هذا الأجر لا يتعارض، لا مع منزلة النبوة،  ولا يشبه تقاليد اصحاب الدنيا، ويتناسق بشكل كامل مع الآية (104) من سورة يوسف التي تنفي أي نوع من الأجر، لأن أجر مودة أهل البيت في الحقيقة ـ لا يستفيد منه النّبي، بل إن المسلمين هم الذين يستفيدون منه.

2 ـ صحيح أن وجوب المحبة العادية لا تكون دليلا أبداً على وجوب الطاعة، لكن عندما تكون هذه المحبة بمستوى الرسالة، عندها سنتيقن بأنّها تشمل وجوب الطاعة، ومن هنا يتّضح أن قول ابن بابويه (الشيخ الصدوق) لا يتعارض مع ما قلناه.

3 ـ صحيح أن أي طاعة واجبة لا يكون دليلا على منزلة الإمامة والزعامة الكبرى، ولكن يجب الإنتباه إلى أن وجوب الطاعة التي هي أجر للرسالة بما يناسب مقامها لا يمكن أن يكون شيئاً سوى الإمامة.

4 ـ الإمام ـ بمعنى القائدـ لا يمكن أن يكون أكثر من واحد في أي عصر، وبناء على ذلك فإنّه لا يوجد أي معنى لإمامة أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) جميعهم، إضافةً لذلك يجب الإستفادة من دور الروايات في هذا المجال لفهم معنى الآية.

والملفت للنظر أن الآلوسي نفسه يهتم كثيراً بمودة أهل البيت، ويقول في بضع سطور قبل هذا البحث:

«والحق وجوب محبة قرابته عليه الصلاة والسلام من حيث أنّهم قرابته...وكلما كانت جهة القرابة أقوى كان طلب المودّة أشدّ... وآثار تلك المودة التعظيم والإحترام والقيام بأداء الحقوق أتمّ قيام وقد تهاون كثير من الناس بذلك حتى عدوا من الرفض السلوك في هاتيك المسالك. وأنا أقول قول الشافعي الشافي:

يا راكباً قف بالمحصّب من منى واهتف بساكن خيفها والناهض

سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى فيضاً كملتطم الفرات الفائض

[520]

إن كان رفضاً حب آل محمّد فليشهد الثقلان أني رافضي ومع هذا لا أعتقد الخروج عما يعتقده أكابر أهل السنة في الصحابة رضي الله تعالى عنهم ديناً، وأرى حبّهم فرضاً علي مبيناً، فقد أوجبه الشارع وقامت على ذلك البراهين السواطع»(1).

 

2ـ سفينة النجاة

ذكر الفخر الرازي في نهاية هذا البحث ملاحظة، كما ذكرها الآلوسي أيضاً في روح المعاني بعنوان (ملاحظة لطيفة) وذلك نقلا عن الفخر الرازي، حيث يعتقد أن بعض التناقضات ستزول من خلال هذه الملاحظة هي: إن الرّسول الأكرم قال من جانب: «مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركب فيها نجى» ومن جانب آخر قال: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم.

فنحن الآن تائهون في بحر التكاليف، وأمواج الشبهات والشهوات تعصف بنا من كلّ جانب، ومن يريد أن يعبر هذا البحر يحتاج إلى شيئين:

الأول: السفينة الخالية من أي عيب أو نقص.

والثّاني: النجوم المتلألئة التي توضح الطريق.

فعندما يركب الإنسان في السفينة وتراقب عيناه النجوم الوضاءة، عندها سيكون هناك أمل بالنجاة. وبالمثل فأي واحد من أبناء السنة عندما يركب في سفينة حب آل محمّد وينظر إلى الأصحاب (النجوم) عندها سيكون هناك أمل بأن يوصله الخالق جل وعلا إلى السعادة والسلامة في الدنيا والآخرة(2).

وكلنا نقول أن هذا التشبيه الشاعري ليس دقيقاً بالرغم من جماله، لأن سفينة نوح كانت مركب النجاة في ذلك اليوم، عندما غطت الأمواج العاصفة والمياه كل

____________________________________

1 ـ تفسير روح المعاني، ج 25، ص32.

2 ـ تفسير الفخر الرازي، المجلد 27، ص167.

[521]

العالم، وكانت في حركة دائبة، وليست مثل السفن العادية التي لها مرفأ تتجه إليه مقتدية بالنجوم.

لقد كان الهدف السفينة نفسها، والنجاة من الغرق، حتى غاظ الماء واستوت على الجودي.

إضافة إلى ذلك فإنّ بعض الرّوايات الواردة في كتب أهل السنة تنقل عن الرّسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق وأهل بيتي أمان لأُمتي من الإختلاف في الدين»(1).

 

3ـ تفسير «ومن يقترف حسنة...»

«اقترف» في جملة: (ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسناً) مأخوذة في الأصل من (قرف) على وزن (حرف) وتعني قطع القشرة الإضافية من الشجرة، أو من الجروح الحاصلة، حيث تكون أحياناً علامة على شفاء الجرح وتحسنه، هذه الكلمة استخدمت فيما بعد في الإكتساب سواء كان حسناً أو سيئاً.

ولكن كما يقول الراغب ـ فإن هذا المصطلح استخدم في السيئات أكثر ممّا هو في الحسنات (بالرغم من أن الآية التي نبحثها استخدمته في الحسنات). لذلك فإن هناك مثل معروف يقول: الإعتراف يزيل الإقتراف.

والطريف في الأمر أنّ بعض التفاسير تنقل عن ابن عباس و(السدّي) أن المقصود من (اقتراف الحسنة) في الآية الشريفة هو مودة آل محمّد(2).

وجاء في حديث ذكرناه سابقاً عن الإمام الحسن بن علي(عليه السلام): «اقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت».

____________________________________

1 ـ نقل (الحاكم) هذا الحديث عن ابن عباس في المجلد الثّالث (المستدرك) ص149، ثمّ يقول: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

2 ـ مجمع البيان ـنهاية الآيات التي نبحثها، وتفسير الصافي والقرطبي.

[522]

وواضح أنّ المقصود من هذه التفاسير أن معنى اكتساب الحسنة لا يتحدد بمودّة أهل البيت(عليهم السلام)، بل له معنى أوسع وأشمل ولكن بما أن هذه الجملة وردت بعد قضية مودّة ذي القربى، لذا فإن أوضح مصداق لإكتساب الحسنة هو هذه المودّة.

 

4ـ مكان نزول هذه الآيات

هذه السورة (سورة الشورى) من السور المكّية، كما قلنا في البداية، إلاّ أن بعض المفسّرين يعتقدون أن هذه الآيات الأربع (23 ـ 26) نزلت في المدينة، وسبب النّزول الذي ذكرناه في بداية تفسير هذه الآيات يشهد على هذا المعنى.

وأيضاً فإنّ الرّوايات التي تفسر أهل البيت بعلي وفاطمة وابنيهما الإمام الحسن والحسين عليهما السلام تناسب هذا المعنى، لأنّنا نعلم أن زواج علي من سيدة النساء(عليهما السلام) تمّ في المدينة، وولادة الحسن والحسين(عليهما السلام) كانتا في العام الثّالث والرابع الهجري على ما رواه المؤرخون.

 

* * *

 



 
 

  أقسام المكتبة :
  • القرآن الكريم
  • كتب في تفسير القرآن
  • أبحاث حول القرآن
  • كتب تعليمية ومناهج
  • علوم القرآن
  • النغم والصوت
  • الوقف والإبتداء
  • الرسم القرآني
  • مناهج وإصدارات دار السيدة رقية (ع)
  البحث في :


  

  

  

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net