سورة الفتح من أول السورة ـ آية 14 من ( ص 405 ـ 450)  

الكتاب : الامثل في تفسير كتاب الله المنزل ( الجزء السادس عش   ||   القسم : كتب في تفسير القرآن   ||   القرّاء : 8845

[405]

سُورَة الفَتْح

مدنيّة

وَعَدَدُ آياتِها تسعٌ وعشرُونَ آية

[407] 

سورة الفتح

 محتوى السورة

هذه السورة كما هو ظاهر من اسمها تحمل رسالة الفتح والنصر! الفتح والنصر على أعداء الإسلام، الفتح المبين والأكيد «سواءً كان هذا الفتح متعلقاً بفتح مكّة أو بصلح الحديبيّة أو فتح خيبر أو كان هذا الفتح بشكل مطلق».

ومن أجل أن نفهم محتوى هذه السورة فينبغي أن نعرف ـ قبل كلّ شيء ـ أنّ هذه السورة نزلت في السنة السادسة للهجرة بعد قضيّة «صلح الحديبية».

وبيان ذلك.. أنّ النّبي الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) صمّم في السنّة السادسة للهجرة مع أصحابه من المهاجرين والأنصار وباقي المسلمين أن يتحرّكوا نحو مكّة للعُمرة، وكان من قبلُ قد أخبر المسلمين بأنّه رأى رؤيا في منامه وكأنّه مشغول بأداء مناسكه مع أصحابه في المسجد الحرام معتمرين فعقد المسلمون إحرامهم عند «ذي الحليفة» «المنطقة التي تقرب من المدينة المنوّرة» وتحرّكوا نحو مكّة المكرّمة في إبل كثيرة لتُنحر «يوم الهدي» هناك.

وكانت الحالة التي يتحرك النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليها توحي بصورة جيدة أنّه لا هدف لديه سوى هذه العبادة الكبرى.. إلى أن وصل النّبي منطقة الحديبيّة «وهي قرية على مقربة من مكّة ولا تبعد عنها أكثر من عشرين كيلو متراً».

إلاّ أنّ قريشاً علمت بوصول النّبي إلى الحديبيّة فأوصدت بوجهه الطريق ومنعته من الدخول إلى مكّة المكرمة.

[408]

وبهذا ألغت قريش جميع السنن التي ترتبط بأمن المسجد الحرام وضيوف الله والشهر الحرام ووضعتها تحت أقدامها.. إذ كانت تعتقد بحرمة الأشهر الحرام «ومن ضمنها شهر ذي القعدة الذي عزم النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه على العمرة» وخاصّةً إذا كان الناس حال الإحرام فلا ينبغي التعرّض لهم حتى لو كان المحرم قاتل واحد من رجالهم، ورُئي محرماً في مناسكه فلا يُمس بسوء أبداً».

وفي هذا المكان أي «الحديبية» جرى ما جرى بين رسول الله والمشركين من الكلام حتى انتهى إلى عقد معاهدة الصلح بين المسلمين وبين المشركين من أهل مكّة وقد سُمّي هذا الصلح بصلح الحديبيّة وسنتحدث عنه في الصفحات المقبلة بإذن الله.

وعلى كلّ حال فقد مُنع النّبي أن يدخل مكّة ويؤدي مناسك العمرة.. فاضطُر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأمر أصحابه بأن ينحروا إبلهم ويحلقوا رؤوسهم ويُحلّوا من إحرامهم! وأن يعودوا نحو المدينة!

وهنا غمرَ المسلمين طوفانٌ من الحزن والغم وربّما تغلّبَ الشك والترديد على قلوب بعض الأفراد ضعيفي الإيمان!

وعن عبدالله بن مسعود قال: أقبل رسول الله من الحديبيّة فجعلت ناقته تثقل فتقدّمنا فأنزل الله عليه (إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً) فأدركنا رسول الله وبه من السرور ما شاء الله. فأخبر أنّها نزلت عليه(1).

ومن هنا فإنّه يبدو واضحاً هذا الجو الخاص الحاكم على هذه السورة وبمراجعة إجمالية للسورة يمكن القول إنّها تتألف من سبعة أقسام!..

1 ـ تبدأ السورة بموضوع البشرى بالفتح كما أنّ آياتها الأخيرة لها علاقة بهذا الموضوع أيضاً، وفيها تأكيد على تحقق رؤيا النّبي التي تدور حول دخوله وأصحابه مكّة وأداء مناسك العمرة.

____________________________________

1 ـ مجمع البيان، سورة الفتح، ومثله في تفسير القمي وفي ظلال القرآن.

[409]

2 ـ يتحدّث قسمٌ آخر من هذه السورة عن الحوادث المتعلّقة بصلح الحديبية ونزول السكينة على قلوب المؤمنين و«بيعة الرضوان» وما إلى ذلك!..

3 ـ ويتحدّث قسم ثالث منها عن مقام النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهدفه الأسمى.

4 ـ ويكشف القسم الرابع الستار عن غَدر المنافقين ونقضهم العهد ونكثهم له ويعطي أمثلةً من أعذارهم الواهية في مسألة عدم مشاركتهم النّبي جهاده المشركين والكفّار.

5 ـ وفي قسم آخر يقع الكلام على طلبات «المنافقين» في غير محلّها.

6 ـ والقسم السادس يوضح من هم المعذورون الذين لا حرج عليهم!

7 ـ وأخيراً.. فإنّ القسم السابع يتحدّث عن خصائص أصحاب النّبي وأتباعه في طريقته وسنّته وصفاتهم التي يتميّزون بها.. وبشكل عام فإنّ آيات هذه السورة حسّاسة للغاية كما أنّها مصيريّة وخاصّة لمسلمي اليوم الذين يواجهون الحوادث المختلفة في مجتمعاتهم الإسلامية ففيها إلهام كبير لهم!..

 

فضيلة تلاوة سورة الفتح:

تلاحظ روايات عجيبة في فضيلة هذه السورة في المصادر الإسلامية ففي حديث عن أنس أنّه قال: حين كنّا نعود من الحديبيّة وكان المشركون قد منعونا من الدخول الى مكّة وأداء مناسك العمرة فكنّا في حزن وغم شديدين فأنزل الله آيته (إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً...).

فقال النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «لقد أنزلت عليَّ آية هي أحبُّ إليَّ من الدنيا كلّها» وفي بعض الروايات: «لقذ أُنزلت عليَّ سورة هي أحبُّ من الدنيا كلّها»(1).

ويقول عبد الله بن مسعود حين كنّا نرجع من الحديبيّة ونزلت (إنّا فتحنا) على النّبي سُرَّ سروراً لا يعلم مداه إلاّ الله(2).

ونقرأ في حديث آخر عن النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: «من قرأها فكأنّما شهد مع محمّد فتح مكّة». وفي رواية «فكأنّما كان مع من بايع محمّداً تحت الشجرة»(3).

وأخيراً نقرأ حديثاً للإمام الصادق (عليه السلام) يقول فيه: «حصّنوا أموالكم ونساءكم وما ملكت إيمانكم من التلف بقراءة (إنّا فتحنا) فإنّه إذا كان ممّن يدمن قراءتها نادى مناد يوم القيامة حتى يسمع الخلائق أنت من عبادي المخلصين، الحقوه بالصالحين من عبادي وادخلوه جنّات النعيم واسقوه من رحيق مختوم بمزاج الكافور»(4).

ومن الواضح أنّ كلّ هذه الفضيلة والفخر لا يحصل بتلاوة خالية من التفكّر، بل الهدف الأصلي من تلاوة هذه السورة هو تطبيق أعمال القارئ وخلقه وطبعه على مفاد هذه السورة ومضامينها.

____________________________________

1 ـ مجمع البيان، الجزء التاسع، الصفحة 108.

2 ـ المصدر السابق، ص 109.

3 ـ مجمع البيان الجزء التاسع، ص 108.

4 ـ ثواب الأعمال طبقاً لما ورد في تفسير نور الثقلين، ج5، ص46.

 

* * *

 

[411]

الآية

إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً( 1 )

 

التّفسير

الفتح المبين:

في الآية الأولى من هذه السورة بشرى عظيمة للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بشرى هي عند النّبي طبقاً لبعض الرّوايات أحبُّ إليه من الدنيا وما فيها إذ تقول الآية: (إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً).

(... فتحاً مبيناً) تظَهرُ آثاره في حياة المسلمين في فترة وجيزة، وفي فترة مديدة أيضاً.. وذلك في انتشار الإسلام.. فتحاً يقل نظيرهُ أو ينعدم نظيره في طول تاريخ الإسلام وعلى امتداده.

وهنا كلام عريض وبحث طويل بين المفسّرين.. حول المراد من هذا الفتح أيُّ فتح هو؟!

فأكثر المفسّرين يرون أنّه إشارة إلى ما كان من نصيب للمسلمين من الفتح الكبير على أثر «صلح الحديبية»(1).

وبعض ذهبوا إلى أنّه «فتح مكّة».

وآخرون قالوا بأنّه «فتح خيبر».

وآخرون أنّه إشارة إلى انفتاح أسرار العلوم على النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

غير أنّ قرائن كثيرة لدينا ترجح أنّ هذا الفتح هو ما يتعلّق بموضوع صلح الحديبية.

ومن الأفضل وقبل الولوج في تفسير الآيات أن نعرض ولو بشكل مضغوط قصة صُلْح الحديبيّة ليتّضح «المقام» وليكون هذا العرض الموجز بمثابة شأن نزول الآيات أيضاً.

____________________________________

1 ـ اختار هذا التّفسير جماعة منهم أبو الفتوح الرازي في تفسيره، والآلوسي في روح المعاني، والفيض الكاشاني في تفسير الصافي والعلاّمة الطباطبائي في الميزان.. في حين أنّ بعض المفسّرين يرجحون أنّ المراد من هذا الفتح هو فتح مكّة كما هو في تفسير التبيان للطوسي، والكشاف للزمخشري وتفسير الفخر الرازي وغيرهم.. أمّا العلاّمة الطبرسي فقد جمع بين القولين في مجمع البيان مع أقوال أُخرى إلاّ أنّه يميل إلى تفسير الطائفة الثانية..

[412]

 

قصّة «صلح الحديبية»:

في السنة السادسة للهجرة وفي شهر ذي القعدة منها تحرّك النّبي نحو مكّة لأداء مناسك العُمرة ورغب المسلمين جميعاً في هذا الأمر.. غير أنّ قسماً منهم امتنع عن ذلك، في حين أنّ معظم المهاجرين والأنصار وجماعة من أهل البادية عزموا على الاعتمار(1) مع النّبي فساروا نحو مكّة!...

فأحرم هؤلاء المسلمون الذين كانوا مع النّبي وكان عددهم في حدود «الألف والأربعمائة» ولم يحملوا من أسلحة الحرب شيئاً سوى السيوف التي كانت تعدّ أسلحةً للسفر فحسب!.

ولمّا وصل النّبي إلى «عسفان» التي لا تبعد عن مكّة كثيراً أُخبر أنّ قريشاً تهيّأت لصدّه وصمّمت على منعه من الدخول إلى مكّة. ولمّا بلغ النّبي الحديبيّة [وهي قرية على مسافة عشرين كيلو متراً من مكّة وسمّيت بذلك لوجود بئر فيها أو شجرة ]أمر أصحابه أن يحطّوا رحالهم فيها. فقالوا: يا رسول الله ليس هنا ماء ولا كلأ، فهيّأ النّبي عن طريق الاعجاز لهم ماءً من البئر الموجودة في تلك المنطقة.. وبدأ التزاور بين سفراء النّبي وممثليه وسفراء قريش وممثليها لتُحلّ المشكلة على أي نحو كان، وأخيراً جاء عروة بن مسعود الثقفي الذي كان رجلاً حازماً عند النّبي فقال له النبي: «إنّا لم نجيء لقتال أحد ولكن جئنا معتمرين...». وهذا وقد لاحظ عروة الثقفي، ضمناً حالة الأصحاب وهم يكتنفون نبيّهم عند وضوئه فلا يَدَعُون قطرةً تهوي إلى الأرض منه.

وحين رجع عروة إلى قريش قال: لقد ذهبت إلى قصور كسرى وقيصر والنجاشي فلم أرَ قائداً في قومه في عظمته كعظمة محمّد بين أصحابه.. وقال عروة لرجال قريش أيضاً إذا كُنتم تتصورون أنّ أصحاب محمّد يتركونه فأنتم في خطأ كبير.. فأنتم في مواجهة أمثال هؤلاء الرجال الذين يؤثرون على أنفسهم فاعرفوا كيف تواجهونهم!؟

ثمّ أنّ النّبي أمرَ عمرَ أن يمضي إلى مكّة ليطلع أشراف قريش على الهدف من سفر النّبي فاعتذر عمر وقال إنّ بينه وبين قريش عداوة شديدة وهو منها على حذر فالأفضل أن يرسل عثمان بن عفان ليبادر إلى هذا العمل، فمضى عثمان إلى مكّة ولم تمضِ فترة حتى شاع بين المسلمين خبر مفاده أنّ عثمان قُتل، فاستعد النّبي لأن يواجه قريشاً بشدّة! فطلب بتجديد البيعة من أصحابه فبايعوه تحت الشجرة بيعةَ سُمّيت «بيعة الرضوان» وتعاهدوا على مواصلة الجهاد حتى آخر نفس; إلاّ أنّه لم يمضِ زمن يسير حتى عاد عثمان سالماً وأرسلت قريش على أثره سهيل بن عمرو للمصالحة مع النّبي غير أنّها أكّدت على النّبي أنّه لا يدخل مكّة في عامه هذا أبداً.

وبعد كلام طويل تمّ عقد الصلح بين الطرفين وكان من موادّه ما بيّناه آنفاً وهو أن يغض المسلمون النظر عن موضوع العمرة لذلك العام وأن يأتوا في العام القابل الى مكّة شريطة أن لا يمكثوا في مكّة أكثر من ثلاثة أيّام وأن لا يحملوا سلاحاً غير سلاح السفر كما كان من مواد العقد أُمور أُخرى تدور حول سلامة الأرواح والأموال التي تعود للمسلمين والذين يأتون مكّة منهم [ من قِبَل المدينة] ومن مواد العقد أيضاً إيقاف القتال بين المسلمين والمشركين لعشر سنين وأن يكون مسلمو مكّة أحراراً في أداء مناسكهم وفرائضهم الإسلامية.

____________________________________

1 ـ الإعتمار مصدر من: اعتمر والعمرة أو اسم مصدر من عمر وكلا المصدرين بمعنى واحد وهو الزيارة مطلقاً (لغةً) غير أنّه اصطلح عليهما في زيارة بيت الله خاصّة.

 

[413 ]

وكان هذا العقد [أو هذه المعاهدة] بمثابة عدم التعرض لكلا الجانبين ولحسم المعارك المستمرّة بين المسلمين والمشركين بصورة مؤقتة.

وكان مؤدّى هذه المعاهدة وما يتضمّنه عقد الصلح بالنحو التالي:

«قال النّبي لعلي اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم: فقال سهيل بن عمرو الذي كان سفير المشركين لا أعرف هذه العبارة بل ليُكتبْ بسمِكَ اللّهمّ! فقال النّبي لعلي اكتب: بسمك اللّهمّ: ثمّ قال النّبي لعلي اُكتبْ: هذا ما صالح عليه محمّد رسول الله سهيل بن عمرو، فقال سهيل: لو كنّا نعرفك رسول الله لما حاربناك فاكتب اسمك واسم أبيك فحسب. فقال النبيّ: لا مانع من ذلك اُكتب هذا ما صالح عليه محمّد بن عبد الله سهيل بن عمرو أن يترك القتال عشر سنين ليجد الناس مأمنهم ثانية، وإضافة إلى ذلك من يأتِ محمّداً من قريس مسلماً دون إذن وليّه فيجب إعادته الى أهله ومن جاء قريشاً من أصحاب محمّد فلا يجب إعادته إلى محمّد!

والجميع أحرار فمن شاء دخل في عهد محمّد ومن شاء دخل في عهد قريش!

ويتعهّد الطرفان أن لا يخون كلّ منهما [صاحبه] الآخرَ وأن يحترم ماله ونفسه!

ثمّ بعد هذا ليس لمحمّد هذا العام أن يدخل مكّة، لكن في العام المُقبل تخرج قريش من مكّة لثلاثة أيّام ويأتي محمّد وأصحابه إلى مكّة على أن لا يمكثوا فيها أكثر من ثلاثة أيّام ويؤدّوامناسك العمرة ثمّ يعودوا إلى أهلهم شريطة أن لا يحملوا معهم سلاحاً سوى السيف الذي هو من عُدة السفر وأن يكون في الغمد وشهد على هذه المعاهدة جماعة من المسلمين وجماعة من المشركين وأملى المعاهدة علي بن أبي طالب (عليه السلام)»(1).

وذكر العلاّمة المجلسي في «بحار الأنوار» مواد أُخرى منها:

«ينبغي أن يكون الإسلام في مكّة غير خفي وأن لا يُجبر أحد في اختيار مذهبه وأن لا ينالَ المسلمين أذى من المشركين»(2).

وهذا المضمون كان موجوداً في التعبير السابق بصورة إجمالية.

وهنا أمر النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن تنحر الإبل التي جيء بها مع المسلمين وأن يحلق المسلمون رؤوسهم وأن يتحلّلوا من احرامهم!..

____________________________________

1 ـ منقول بتصرّف يسير عن تأريخ الطبري، ج2، ص281.

2 ـ بحار الأنوار، الجزء العشرون، ص352.

[414 ]

 

لكن هذا الأمر كان على بعض المسلمين عسيرة للغاية وغير مستساغ أيضاً.. لأنّ التحلل من الإحرام في نظرهم دون أداء العمرة غير ممكن!! لكنّ النّبي تقدّم بنفسه ونحر «هديه» وتحلّل من إحرامه وأشعرَ المسلمين أنّ هذا «استثناءٌ» في قانون الإحرام أمر به الله سبحانه نبيّه!

ولمّا رأى المسلمون ذلك من نبيّهم اذعنوا للأمر الواقع ونفذوا أمر النّبي بدقة وعزموا على التوجّه نحو المدينة من هناك، غير أنّه كان بعضهم يحسّ كأنّ جبلاً من الهم والحزن يجثم على صدره لأنّ ظاهر القضية أنّ هذا السفر كان غير موفّق بل مجموعة من الهزائم! لكنّ مثل هذا وأضرابه لم يعلموا ما ينطوي وراء صلح الحديبية من انتصارات للمسلمين ولمستقبل الإسلام. وفي ذلك الحين نزلت سورة الفتح وأعطت للنبي الكريم بشرى كبرى بالفتح المبين(4).

____________________________________

4 ـ راجع سيرة ابن هشام، ج3، ص321 ـ 324، تفسير مجمع البيان وتفسير في ظلال القرآن والكامل لابن الأثير، ج2 ومصادر أخرى [مع شيء من التلخيص طبعاً].

 

* * *

 [415 ]

 

الآثار السياسية والاجتماعية والمذهبية لصلح الحديبية:

يتّضح بمقايسة إجمالية بين حال المسلمين في السنة السادسة للهجرة «أي عند صلح الحديبية» وحالهم بعدها بسنتين حيث تحرّك المسلمون لفتح مكّة بعشرة آلاف مقاتل ليردّوا على نقض العهد بشدّة، وقد فتحوا مكّة دون أية مواجهة عسكرية لأنّ قريشاً لم تجد في نفسها القدرة على المقاومة أبداً.

يتّضح بهذه المقايسة الإجمالية ـ سعة ردّ الفعل ـ التي أحدثتها معاهدة صلح الحديبية!..

وباختصار فإنّ المسلمين حصلوا على إمتيازات عديدة من وراء هذا الصلح وفتحاً كبيراً نذكرها على النحو التالي:

1 ـ بيّنوا عملياً للمضللين من أهل مكّة أنّهم ليس لديهم نيّة للحرب وسفك الدماء وأنّهم يحترمون مكّة وكعبتها المقدسة وكان هذا الأمر سبباً لاكتساب قلوب الكثيرين نحو الإسلام.

2 ـ اعترفت قريش لأوّل مرّة بالإسلام والمسلمين «بصورة رسمية» وكان ذلك سبباً لتثبيت موقعهم في جزيرة العرب!..

3 ـ استطاع المسلمون بعد صلح الحديبيّة أن يمضوا حيث يشاؤون وأن تبقى أرواحهم وأموالهم في مأمن من الخطر واتصلوا بالمشركين من قريب اتصالاً أثمر نتيجته، فكان أن عرف المشركون الإسلام بصورة أكثر واسترعى أنظارهم نحوه!.

4 ـ انفتح الطريق بعد صلح الحديبيّة لنشر الإسلام في الجزيرة العربية. وأثار موقف النّبي الإيجابي من الصلح القبائل العربية وأصلح نظرتها إلى الإسلام ورسوله الكريم. وحصل المسلمون على مجال إعلامي واسع في هذا الصدد.

5 ـ هيّأ صلح الحديبيّة الطريق لفتح «خيبر» واستئصال هذه الغدة السرطانية «المتمثلة باليهود» والتي كانت تشكل خطراً مهمّاً «بالفعل والقوّة» على الإسلام والمسلمين!

6 ـ وأساساً فإنّ استيحاش قريش من مواجهة الجيش الذي كان يتألّف من ألف وأربعمائة مسلم فحسب ولا يحمل أي منهم سلاحاً سوى سلاح السفر وقبول قريش بمعاهدة الصلح كان بنفسه أيضاً عاملاً مهماً على تقوية المعنويات عند المسلمين وهزيمة أعداء الإسلام إلى درجة أنّهم كانوا يتهيّبون من مواجهة المسلمين!.

7 ـ وبعد صلح الحديبيّة كتب النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كتباً و(رسائل) متعددة إلى رؤساء الدول الكبرى (إيران والروم والحبشة) وملوك العالم البارزين يدعوهم فيها إلى الإسلام، وهذا بنفسه يدل على أن صلح الحديبيّة أعطى المسلمين الثقة بأنفسهم وأن ينفتحوا لا على الجزيرة العربية فحسب بل على آفاق العالم قاطبة!

* * *

 

[416 ]

 

والآن لنعد ثانية إلى تفسير الآيات!..

نستطيع أن ندرك ممّا ذكر آنفاً ـ بشكل جيد ـ أنّ صلح الحديبيّة كان بحق انتصاراً للإسلام وفتحاً للإسلام والمسلمين فلا غرابة أن يعبِّر عنه القرآن بالفتح المبين!.

ثمّ بعد هذا كله فإنّ هناك قرائن كثيرة تؤيد هذا التّفسير..

1 ـ جملة ـ فتحنا ـ التي جاءت بصيغة الفعل الماضي تدل على أنّ هذا الأمر قد تحقق عند نزول الآيات في حين أنّه لم يكن وقتئذ أي شيء سوى صلح الحديبية!.

2 ـ زمان نزول الآيات المشار إليها آنفاً والآيات الأُخرى المذكورة في هذه السورة التي تمدح المؤمنين وتذم المنافقين والمشركين في صلح الحديبيّة كلّ ذلك شاهد آخر على هذا المعنى، والآية (27) من سورة الفتح التي تؤكّد على تحقق رؤيا النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلّقين رؤوسكم ومقصّرين لا تخافون)هي شاهد بليغ على أنّ هذه السورة نزلت بعد الحديبيّة وقبل فتح مكّة!.

3 ـ هناك روايات كثيرة تعبّر عن صلح الحديبيّة بأنّه «الفتح المبين»! ومن ضمنها ما ورد في تفسير «جوامع الجامع» أنّه حين كان النّبي راجعاً من الحديبيّة ونزلت عليه سورة الفتح.. قال أحد أصحابه: ما هذا الفتح؟! لقد صُددنا عن البيت وصُدّ هديُنا!.

[417 ]

 

فقال النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «بئس الكلام «هذا» بل هو أعظم الفتوح قد رضي المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالراع ويسألوكم القضيّة! ورغبوا إليكم في الأمان وقد رأوا منكم ما كرهوا..»(1).

ثمّ ذكّرهم النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ما تحمل المشركون من مساءة يوم بدر ويوم الأحزاب فصدّق المسلمون رسولهم على أنّ هذا أعظم الفتوح وأنّهم قضوا عن عدم إطلاعهم بما قالوا(2).

يقول «الزهري» وهو من التابعين: لم يكن فتح أعظم من الحديبيّة وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكّن الإسلام في قلوبهم وأسلم في ثلاث سنين خلق كثيرٌ كثر بهم سواد الإسلام.

ففي هذه الأحاديث إشارة إلى جانب من الإمتيازات التي حصل عليها المسلمون ببركة صلح الحديبية.

إلاّ أنّ حديثاً واحداً ورد عن الإمام الرضا «علي بن موسى» (عليه السلام) يقول (إنّا فتحنا) نزلت بعد «فتح مكّة»(3).

بيد أنّه يمكن توجيه هذه الرواية ببساطة بالقول بأنّ صلح الحديبيّة كان مقدمةً لفتح مكّة بعد سنتين، فيرتفع الإشكال.

أو بتعبير آخر أنّ «صلح الحديبية» كان سبباً لفتح خيبر في فترة وجيزة «في السنة السابعة للهجرة» وأوسع من ذلك كان سبباً لفتح مكّة (السنة الثامنة للهجرة) وانتصارات الإسلام في مجالات شتى من حيث النفوذ في قلوب العالمين!.

وبهذا يمكن الجمع بين التفاسير الأربعة مع هذا القيد وهو أنّ صلح الحديبيّة يشكل المحور الأصلي لهذه التفاسير!.

____________________________________

1 ـ جوامع الجامع «طبقاً لنور الثقلين، ج5، ص48، الحديث التاسع».

2 ـ الدر المنثور، ج6، ص68 ـ 3 ـ نور الثقلين، ج5، ص48.

3 ـ نور الثقلين، ج5، ص48.

[419]

 

* * *

 

الآيتان

لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً( 2 ) وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْرَاً عَزِيزاً( 3 )

 

التّفسير

نتائج الفتح المبين الكبرى:

في هاتين الآيتين بيان للنتائج المباركة من «الفتح المبين» [صلح الحديبية ]والتي ورد ذكره في الآية السابقة فتقول الآيتان: (ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ويتمّ نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً، وينصرك الله نصراً عزيزاً).

وبهذا فإنّ الله منح نبيّه الكريم في ظل هذا الفتح المبين أربع مواهب عظيمة هي «المغفرة»، و«إتمام النعمة»، و«الهداية» و«النصر».

* * *

[421]

 

بحثان

1 ـ الإجابة على بعض الأسئلة المهمة:

تثار هنا أسئلة كثيرة دأب المفسّرون منذ زمن قديم حتى يومنا هذا بالإجابة على هذه الأسئلة!

ومن هذه الأسئلةِ، الأسئلةُ الثلاثة التالية حول قوله تعالى لنبيّه: ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر!.

1 ـ ما المراد من العبارة الآنفة (ليغفر لك الله) مع أنّ النّبي معصوم من الذنب؟!

2 ـ وعلى فرض أن نغض النظر عن هذا الإشكال! فما علاقة المغفرة بالفتح وصلح الحديبية؟!

3 ـ وإذا كان المقصود من قوله تعالى «وما تأخّر» هو الذنوب المستقبلية! فكيف يمكن أن تكون الذنوب الآتية تحت دائرة العفو والمغفرة. أليس مثل هذا التعبير ترخيصاً لارتكاب الذنب؟!

وقد أجاب كلّ من المفسّرين بنحو خاص على مثل هذه الإشكالات، ولكن للحصول على الإجابة «الجامعة» لهذه الإشكالات والتّفسير الدقيق لهذه الآيات لابدّ من ذكر مقدمة لهذا البحث وهي:

إنّ المهم هو العثور على العلاقة الخفيّة بين فتح الحديبيّة ومغفرة الذنب لأنّها المفتاح الأصيل للإجابة على الأسئلة الثّلاثة المتقدّمة!

[422]

 

وبالتدقيق في الحوادث التاريخية وما تمخّضت عنه نصل إلى هذه النتيجة، وهي أنّه حين يظهر أيّ مذهب حق ويبرز في عالم الوجود فإنّ أصحاب السنن الخرافية الذين يرون أنفسهم ووجودهم في خطر يكيلون التهم والأُمور التافهة إليه ويشيعون الشائعات والأباطيل وينشرون الأراجيف الكاذبة بصدده وينسبون إليه الذنوب العديدة وينتظرون عاقبته وإلى أين ستصل؟!

فإذا واجه هذا المذهب في مسيره الاندحار فإنّ ذلك يكون ذريعة قوية لإثبات النِسَب الباطلة ضدّه على أيدي أعدائه ويصرخون: ألم نقل كذا وكذا!!

ولكن حين ينال الانتصار وتحظى مناهجه وخططه بالموفقية فإنّ تلك النسب تمضي كما لو كانوا قد رقموا على الماء!! وتتبدّل جميع أقوالهم إلى حسرات وندامة ويقولون عندئذ لم نكن نعلم!

وخاصّةً في شأن النّبي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت هذه التصوّرات والذنوب التي وصموها به كثيرة!! إذ عدّوه باغياً للحرب والقتال ومثيراً لنار الفتنة معتداً بنفسه لا يقبل التفاهم وما إلى ذلك!

وقد كشف صلح الحديبيّة أنّ مذهبه على خلاف ما يزعمه أعداؤه إذ كان مذهباً «تقدّمياً» إلهياً.. وكان آيات قرآنه ضامنة لتربية النفوس الإنسانية وطاوية لصحائف الظلم والإضطهاد والحرب والنزيف الدموي!.

فهو يحترم كعبة الله وبيته العتيق ولا يهاجم أية جماعة أو قبيلة دون سبب، فهو رجل منطقيّ ويعشقه اتباعه، ويدعو جميع الناس بحقّ إلى محبوبهم «الله» وإذا لم يضطره أعداؤه إلى الحرب فهو داعية للسلام والصلح والدعة!..

وعلى هذا فقد غسل صلح الحديبيّة جميع الذنوب التي كانت قبل الهجرة وبعد الهجرة قد نسبت إلى النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو جميع الذنوب التي نسبت إليه قبل هذا الحادث أو ستنسب إليه في المستقبل احتمالاً.. وحيث أنّ الله جعل هذا الفتح نصيب النّبي فيمكن أن يقال أن الله غفر للنبي ذنوبه جميعاً.

[423]

والنتيجة أنّ هذه الذنوب لم تكون ذنوباً حقيقية أو واقعية بل كانت ذنوباً تصورية وفي أفكار الناس وظنّهم فحسب، وكما نقرأ في الآية (14) من سورة الشعراء في قصة موسى قوله مخاطباً ربّه (ولهم عليّ ذنب فأخاف أن يقتلون) في حين أنّ ذنبه لم يكن سوى نصرة المظلوم من بني إسرائيل وسحق ظلم الفراعنة لا غير!.

وبديهي أنّ هذا الفعل لا يعدّ ذنباً، بل دفاع عن المظلومين ولكنّه كان يعدّ ذنباً في نظر الفراعنة وأتباعهم.

وبتعبير آخر أنّ «الذنب» في اللغة يعني الآثار السيئة والتبعات التي تنتج عن العمل غير المطلوب، فكان ظهورُ الإسلام في البداية تدميراً لحياة المشركين، غير أنّ انتصاراته المتلاحقة والمتتابعة كانت سبباً لنسيان تلك التبعات.

فمثلاً لو كان لدينا بيت قديم يوشك على الخراب ولكنّنا نلتجئُ إليه ولنا به علاقة وطيدة فقام أحد الناس بتخريبه فإنّنا نغضب منه ونخطّئُه على فعله ولكنّه بعد بنائه من جديد مُحكماً سامقاً فإنّ أحكامنا السابقة تمضي أدراج الرياح!

وهكذا بالنسبة لمشركي مكّة سواءً قبل هجرة النّبي أم بعدها إذ كانت أفكارهم وأذهانهم مبلبلة عن الإسلام وشخص النّبي بالذات، غير أنّ انتصارات الإسلام أزالت هذه التصورات والأفكار!

أجل: لو أخذنا مسألة العلاقة بين مغفرة هذه الذنوب وفتح الحديبيّة بنظر الاعتبار لاتضح الموضوع بجلاء، واستفدنا العلاقة من «اللام» في «ليغفر لك الله» في كونها مفتاح «الرمز» لفتح معنى الآية المغلق!

غير أنّ من لم يلتفت إلى هذه «اللطيفة»... جعل عصمة النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)موضع استفهام وقال: «والعياذ بالله» أنّ لديه ذنوباً غفرها الله بفتح «الحديبية» أو حمل الآية على خلاف ظاهر معناها وأنّ المراد (الذنوب عامّةً).

وقال بعضهم: بل هي ذنوب الناس التي ارتكبوها في حقّ النّبي كأذاهم والإساءة إليه وقد غفرها الله بفتح «الحديبية» [وفي هذه الصورة يكون الذنب قد أُضيف إلى مفعوله معنىً لا إلى فاعله].

أو حملوا الذنب على [ترك الأولى].

[424]

 

وبعضهم فسّر ذلك بالفرض فقال: ليغفر لك الذنب الذي لو كنت عملته فَرضَاً أو ستعمله فقد غفر الله كلّ ذلك لك!.

لكن من المعلوم أنّ كلّ هذه التفاسر لا تتجاوز التكلّف والتمحّل ودون أي دليل! إذ لو خدشنا في عصمة الأنبياء.. لأنكرنا فلسفة وجودهم، لأنّ النّبي ينبغي أن يكون قدوة في كلّ شيء، فكيف يمكن المذنب أن يفي بهذا المنهج ويؤدّي حقّه؟!

زدْ على ذلك، فالمذنب بنفسه يحتاج إلى قائد يرشده ويدلّه ليهتدي به.

وهناك تفاسير أُخرى تخالف ظاهر الآية، والإشكال المهم فيها أنّها تقطع العلاقة ما بين مغفرة الذنب والفتح «صلح الحديبية».

فأحسنُ التفاسير هو ما ذكرناه آنفاً، وهو ما يجيب على الأسئلة الثلاثة المتقدّمة في مكان واحد! ويبيّن إرتباط الجمل في الآية..

كل ذلك هو في شأن الموهبة الأولى من المواهب الأربعة التي وهبها الله نبيّه في صلح الحديبية!.

أمّا «إتمام النعمة» على النّبي وهدايته إيّاه الصراط المستقيم ونصره النصر العزيز.. بعد الفتح في الحديبيّة فليست هذه الأُمور ممّا تخفى على أحد.. فقد انتشر الإسلام بسرعة وسخّر القلوب المهيّأة! وظهرت عظمة تعليماته للجميع وأبطل السموم (المضادّة) وتمّت نعمة الله على النّبي وعلى المسلمين وهداهم الصراط المستقيم نحو الانتصارات حتى أنّ جيش الإسلام لم يجد أية مقاومة في فتح مكّة وفتح أكبر حصن للمشركين!.

[425]

2 ـ المراد من «ما تقدّم» و«ما تأخّر»..

قرأنا في الآية السابقة قوله تعالى: (ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر)فما المراد من هذا النص «ما تقدّم وما تأخّر» اختلف المفسّرون في بيان الآية:

فقال بعضهم: المراد بما تقدّم هو عصيان آدم وحواء وترك الأولى من قبلهما، أمّا المراد بما تأخّر فهو ذنوب أُمّة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم).

وقال بعضهم: «ما تقدّم» إشارة إلى المسائل المتعلّقة بما قبل النبوة، و«ما تأخّر» إشارة إلى المسائل المتعلّقة بما بعدها..

وقال بعضهم: المراد بما تقدّم هو ما تقدّم على صلح الحديبية، وما تأخّر أي ما تأخّر عنها من أمور وحوادث!.

ولكن مع ملاحظة التّفسير الذي أوضحناه في أصل معنى الآية وخاصةً العلاقة بين مغفرة الذنب مع مسألة فتح الحديبية، يبدو بجلاء أنّ المراد هو التهم الباطلة التي وصمها المشركون ـ بزعمهم ـ بالنّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ما سبق وما لحق ولو لم يتحقّق هذا النصر العظيم لكانوا يتصوّرون أنّ جميع هذه الذنوب قطعية..

غير أنّ هذا الانتصار الذي تحقّق للنبي طوى جميع الأباطيل والتهم (المتقدّمة) في حقّ النّبي وما سيُتّهم به في المستقبل في حال عدم انتصاره!.

[426]

 

والشاهد الآخر على هذا التّفسير هو الحديث المنقول عن الإمام الرضا علي بن موسى عليهما السلام إذ سأله المأمون عن تفسير هذه الآية فقال: «لم يكن أحد عند مشركي أهل مكّة أعظم ذنباً من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنّهم كانوا يعبدون من دون الله ثلاثمائة وثلاثين صنماً فلمّا جاءهم بالدعوة إلى كلمة الإخلاص «التوحيد» كبر ذلك عليهم وقالوا: أجعل الآلهة إلهاً واحداً إنّ هذا لشيء عجابٌ إلى أن قالوا ما سمعنا بهذا في الملّة الآخرة إن هذا إلاّ اختلاق(1).

فلمّا فتح الله تعالى على نبيّه مكّة قال الله تعالى: (إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر) عند مشركي أهل مكّة بدعائك إلى توحيد الله فيما تقدّم وما تأخّر لأنّ مشركي مكّة أسلم بعضهم وخرج بعضهم عن مكّة ومن بقي منهم لم يقدر على إنكار التوحيد عليه إذ دعا الناس إليه فصار ذنبه عندهم مغفوراً بظهُوره عليهم» فلمّا سمع المأمون كلام الرضا قال له: «أحسنت، بارك الله فيك يا أبا الحسن».

* * *

____________________________________

1 ـ راجع في هذا الصدد سورة ص في الآية 4 ـ 7 وتفسير الصافي نقلاً عن عيون الأخبار ـ وراجع نور الثقلين الجزء الخامس، ص56.

[427]

الآية

هُوَ الَّذِى أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُواْ إِيمَـناً مَعَ إِيمَـنِهِمْ وَللهِِ جُنُودُ السَّمـوَاتِ والاَْرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً( 4 )

 

التّفسير

نزول السكينة على قلوب المؤمنين:

ما قرأناه في الآيات السابقة هو ما أعطاه الله من مواهب عظيمة لنبيّ الإسلام(صلى الله عليه وآله وسلم) بالفتح المبين «صلح الحديبية»، أمّا في الآية أعلاه فالكلام عن الموهبة العظيمة التي تلطف الله بها على جميع المؤمنين إذ تقول الآية:(هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم).

ولمَ لا تنزل السكينة والإطمئنان على قلوب المؤمنين؟ (ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليماً حكيماً).

 

ماذا كانت هذه السكينة؟!

من الضروري هنا أن نعود إلى قصة «صلح الحديبيّة» وأن نتصوّر أنفسنا في فضاء الحديبيّة وفي جوّها لنطّلع على عمق هذه الآية.

لقد كان النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قد رأى رؤيا «رحمانية وإلهية» أنّه دخل المسجد الحرام مع أصحابه، وعلى أثر رؤياه تحرّك نحو زيارة بيت الله مع أصحابه وكان أغلب أصحابه يتوّقّعون أنّ هذه الرؤيا الصالحة سيتحقّق تعبيرها في هذا السفر نفسه، لكنّ الذي قدّره الله كان شيئاً آخر! هذا كلّه من جانب.

ومن جانب آخر كان المسلمون قد أحرموا وجاءوا بالإبل ليهدوها أو ينحروها، ولكنّهم وعلى خلاف ما توقّعوا لم يوفّقوا لزيارة بيت الله، وأمر النّبي أن ينحروا الإبل في الحديبيّة التي توقّفوا فيها هناك. وأن يحلّوا من إحرامهم، وكان ذلك أمراً صعباً عليهم ولا يمكن تصديقُه، لأنّ آدابهم وسننهم وتعليمات الإسلام أيضاً تنصّ على عدم الخروج والإحلال من الإحرام ما لم يتمَّ أداء المنَاسك الخاصة بالعمرة.

 [428]

 

ومن جانب ثالث كان من مواد معاهدة الصلح في الحديبية، مادة تقضي بإعادة المسلمين من يلجأ إليهم من قريش ويعلن إسلامه ويدخل المدينة! ولا يلزم العكس، وكان هذا الموضوع صعباً على المسلمين للغاية.

ومن جانب رابع، فإنّ قريشاً لم ترغبْ أن تكتب كلمة «رسول الله» التي كان يدعى بها النّبي محمّد وأصرّ ممثلها سهيل بن عمرو على حذف الكلمة من معاهدة الصلح، ولم يوافق حتى على كتابة بسم الله الرحمن الرحيم، وأصرّ أن يكتب مكانها «بسمك اللّهمَّ»، التي كانت تنسجم مع سنّة أهل مكّة، فهذه الأُمور كلّ واحد منها كان غير مرغوب فيه، فكيف بجميعها؟ ولذلك تزلزلت قلوب بعض ضعاف الإيمان من أصحاب النّبي إلى درجة أنّه حين نزلت سورة (إنّا فتحنا) قالوا أي فتح هذا؟!

هنا ينبغي أن يشمل لطف الله حال المسلمين وأن يُنزل عليهم السكينة والإطمئنان وأن لا يوجد في قلوبهم الضعف والفتور فحسب، بل (ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم)وتنطبق مصداقية الآية عليهم، فإنّ الآية نزلت في مثل هذه الظروف.

«السكينة» في الأصل مشتقة من «السكون»، ومعناها الأطمئنان والدعة وما يزيل كل أنواع الشك والتردّد والوحشة من الإنسان ويجعله ثابت القدم في طوفان الحوادث!

وهذه السكينة يمكن أن يكون لها جانب عقائدي فيزيلُ ضعف تزلزل العقيدة أو يكون لها جانب عملي بحيث يهب الإنسان ثبات القدم والمقاومة والاستقامة والصبر.

وبالطبع فإنّ البحوث السابقة وتعبيرات الآية نفسها تتناسب مع استعمال السكينة في معناها الأوّل أكثر.

في حين أنّها في الآية (248) من سورة البقرة في قصة «طالوت وجالوت» تعوّل على الأسس العملية أكثر!

وقد ذكر جماعة من المفسّرين معاني أُخرَ للسكينة وترجع في نهايتها إلى هذا التّفسير أيضاً.

الطريف أنّ «السكينة» في بعض الرّوايات فسّرت بالإيمان(1) كما فُسّرت في بعضها بنسيم الجنّة الذي يبدو في هيئة الإنسان ويمنح المؤمنين الإطمئنان(2)!

وكل هذه التفاسير تأييد لما قلناه، لأنّ السكينة وليدة الإيمان، وهي تهب الإطمئنان كنسيم الجنّة!

وينبغي الإلتفات أيضاً إلى هذه اللطيفة في شأن السكينة، إذ عُبّر عنها بالإنزال (هو الذي أنزل السكينة) ونعلم أنّ هذا التعبير في القرآن قد يعني الخلق والإيجاد وإيلاء النعمة أحياناً.. وحيث أنّها من عال إلى دان فقد ورد في شأنها التعبير بالإنزال!.

* * *

____________________________________

1 ـ تفسير البرهان، ج2، ص114.

2 ـ المصدر السابق.

[429]

ملاحظات

1 ـ السكينة التي لا نظير لها!

إذا لم يكن للإيمان أية ثمرة سوى مسألة السكينة لكان على الإنسان أن يتقبَّله! فكيف به وهو يرى آثاره وثمراته وبركاته!.

والتحقيق في حال المؤمنين وحال غير المؤمنين يكشف هذه الحقيقة، وهي أنّ الفئة الثّانية يعانون حالة الاضطراب والقلق الدائم، في حين أنّ الجماعة الأولى في اطمئنان خاطر عديم النظير..

وفي ظل الإطمئنان، فإنّهم (لا يخشون أحداً إلاّ الله)(1).

كما أنّهم في مواصلة نهجهم لا يؤثر اللوم والتهديد فيهم أبداً (ولا يخافون لومة لائم)(2).

وهم يتمسّكون بأصلين مهمّين في حفظ هذه السكينة، وهما: عدم الحزن على ما فاتهم، وعدم التعلّق والفرح بما لديهم، فهم مصداق لقوله تعالى: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم)(3).

وأخيراً فإنّهم لا يضعفوا أبداً أمام الشدائد، ولا يركعوا مقابل الأعداء ويتحلّون بشعار (ولا تهنو ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين)(4).

إنّ المؤمن لا يرى نفسه وحيداً في ميدان الخطوب والحوداث بل يحسّ بيد الله على رأسه ويلمس إعانة الملائكة ونصرتهم له، في حين أنّ غير المؤمنين يحكمهم الإضطراب في أحاديثهم وسلوكهم ولا سيما عند هبوب العواصف وطوفان الأحداث إذ يُرى كلّ ذلك منهم بصورة بيّنة!

____________________________________

1 ـ الأحزاب، الآية 39.

2 ـ المائدة، الآية 54.

3 ـ الحديد، الآية 23.

4 ـ آل عمران، الآية 139.

[430]

2 ـ سلسلة مراتب الإيمان:

الإيمان، سواءً بمعنى العلم والمعرفة، أم روح التسليم والاذعان للحق فإنّ له درجات وسلسلة مراتب، لأنّ العلم له درجات، والتسليم والاذعان لهما درجات مختلفة أيضاً، حتى العشق والحب الذي هو توأم الإيمان يتفاوت من حالة إلى أُخرى!

فالآية محل البحث التي تقول: (ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم) تأكيد على هذه الحقيقة أيضاً.. وعلى هذا فلا ينبغي للمؤمن أن يتوقّف في مرحلة واحدة من مراحل الإيمان، بل عليه أن يتسامى إلى درجاته العليا عن طريق بناء شخصيّته والعلم والعمل.

ففي حديث عن الإمام الصادق أنّه قال: «إنّ الإيمان عشر درجات بمنزلة السلم يصعد منه مرقاة بعد مرقاة»(1).

كما نقرأ عنه حديثاً آخر إذ قال: «إنّ الله عزَّ وجلَّ وضع الإيمان على سبعة أسهم على البر والصدق واليقين والرضا والوفاء والعلم والحلم فمن جعل فيه السبعة الأسهم فهو كامل محتمِلٌ وقسّم لبعض الناس السهم والسهمين ولبعض الثلاثة حتى انتهوا إلى (الـ) سبعة».

ثمّ يضيف الإمامُ (عليه السلام): «لا تحملوا على صاحب السهم سهمين ولا على صاحب السهمين ثلاثة فَتبهضوهم».. ثمّ قال كذلك حتى انتهى إلى (الـ) سبعة(2).

ومن هنا يتّضح ما نُقل عن بعضهم أنّ الإيمان ليس فيه زيادة ولا نقصان  لا أساس له، لأنّه لا ينسجم مع الثوابت العلميّة ولا مع الرّوايات الإسلامية!.

____________________________________

1 ـ بحار الأنوار، ج69، ص165.

2 ـ الكافي، ج2، باب درجات الإيمان، حديث1.

[431]

3 ـ ركني السكينة:

قرأنا في ذيل الآية محل البحث جملتين، كلٌّ منهما تمثّل ركناً من أركان «السكينة» والإطمئنان للمؤمنين.

فالأُولى جملة (ولله جنود السماوات والأرض).

والأُخرى جملة (وكان الله عليماً حكيماً).

فالأُولى تقول للإنسان: إذا كنت مع الله فإنّ جميع ما في الأرض والسماء معك!.

والأُخرى تقول: إنّ الله يعلم حاجاتك ومشاكلك كما يعلم سعيك وطاعتك وعبادتك.

ومع الإيمان بهذين «الأصلين» كيف يمكن أن لا يحكم الإطمئنان وسكينة القلب وجود الإنسان!

 

* * *

[432]

 

 

 

 

الآيات

لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَـتِ جَنَّات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الاَْنْهَـرُ خَـلِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذلِكَ عِندَ اللهِ فَوْزاً عَظِيماً( 5 ) وَيُعَذِّبَ الْمُنَـفِقِينَ وَالْمُنَـفِقَـتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَـتِ الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً( 6 ) وَللهِِ جُنُودُ السَّمـوَاتِ وَالاَْرْضِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً( 7 )

 

التّفسير

نتيجة أُخرى من الفتح المُبين:

نقل جماعة من مفسّري الشيعة وأهل السنّة أنّه حين بشّر النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)«بالفتح المبين» و«إتمام النعمة» و«الهداية» و«النصرة».. قال بعض المسلمين ممّن كان مستاءً من صلح الحديبيّة: هنيئاً لك يا رسول الله! لقد بيّن لك الله ماذا يفعل بك! فماذ يفعل بنا فنزلت الآية (ليُدخل المؤمنين والمؤمنات)(1).

وعلى كلّ حال، فإنّ هذه الآيات تتحدّث عن علاقة صلح الحديبيّة وآثاره وردّ الفعل المختلف في أفكار الناس ونتائجه المثمرة، وكذلك عاقبة كلّ من الفريقين اللذينِ أُمتحنا في هذه «البوتقة» والمختبر ـ فتقول الآية الأولى من هذه الأيات محل البحث (ليُدخل المؤمنين والمؤمنات جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها). فلا تُسلب هذه النعمة الكبرى عنهم أبداً..

وإضافة إلى ذلك فإنّ الله يعفو عنهم (ويكفّر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزاً عظيماً)(2).

وبهذا فإنّ الله قد وهب المؤمنين بإزاء ما وهب لنبيّه في فتحه المبين من المواهب الأربعة موهبتين عُظُمَييْن هما «الجنّة خالدين فيها» و«التكفيرُ عن سيّئاتهم» بالإضافة إلى إنزال السكينة على قلوبهم ومجموع هذه المواهب الثلاث يعدّ فوزاً عظيماً لأولئك الذين خرجوا من الامتحان بنجاح وسلامة!.

وكلمة «الفوز» التي توصف في القرآن غالباً بـ «العظيم» وأحياناً توصف بـ«المبين» أو «الكبير» بناءً على ما يقول «الراغب» في «مفرداته» معناها الانتصار ونيل الخيرات المقرون بالسلامة، وذلك في صورة ما لو كان فيه النجاة في الآخرة وإن اقترن مع زوال بعض المواهب الدنيوية.

وطبقاً للرواية المعروفة عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) حين ضربه اللعين عبد الرحمن بن ملجم في محراب العبادة بالسيف على أمّ رأسه قال هاتفاً «فزت وربِّ الكعبة» وكأنّه يقول فزت بأنّي أمضيت خَتم صحيفتي بدم رأسي.

____________________________________

1 ـ تفسير المراغي، ج26، ص85 وتفسير أبو الفتوح الرازي، ج10، ص26 وتفسير روح المعاني للآلوسي، ج26، ص86.

2 ـ طبقاً لهذا البيان فإنّ جملتي «ليدخل» وكذلك «ويعذّب» اللتين هما في الآية التالية معطوفان على جملة ليغفر، وقد اختار جماعة من المفسّرين هذا الرأي كالشيخ الطوسي في «التبيان» والطبرسي في «مجمع البيان» وأبو الفتوح الرازي في تفسيره، غير أنّ جماعة آخرين قالوا أنّ ما سبق آنفاً معطوف على جملة ليزدادوا إيماناً وهذا لا ينسجم مع شأن النّزول ولا مجازاة الكفّار.

 

[433]

 

أجلْ قد تبلغ الامتحانات الإلهية درجةً أن تضعضع الإيمان الضعيف وتغيّر القلوب، وإنّما يثبت المؤمنين الصادقون الذين تحلّوا بالسكينة والإطمئنان وسينعمون في يوم القيامة بنتائجه، وذلك هو الفوز العظيم حقّاً!.

غير أنّ إزاء هذه الجماعة، جماعة المنافقين والمشركين الذين تتحدّث الآية التالية عن عاقبتهم بهذا الوصف فتقول: (ويعذّب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانّين بالله ظنّ السوء).

أجلْ، لقد ظنّ المنافقون حين تحرّك النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعه المؤمنون من المدينة أن لا يعودوا نحوها سالمين كما تتحدّث عنهم الآية (12) من هذه السورة ذاتها فتقول: (بل ظننتم أن لن ينقلب الرّسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً).

كما ظنّ المشركون أيضاً أنّ محمّداً لن يعود إلى المدينة سالماً مع قلّة العَدد والعُدد وسيأفل كوكب الإسلام عاجلاً.. ثمّ يفصل القرآن ببيان عذاب هؤلاء وعقابهم ويجعله تحت عناوين أربعة فَيقول أوّلاً: (عليهم دائرة السوء)(1).

«الدائرة» في اللغة هي الحوادث وما ينجم عنها أو ما يتّفق للإنسان في حياته، فهي أعم من أن تكون حسنةً أو سيئة غير أنّها هنا بقرينة كلمة «السوء» يُراد منها الحوادث غير المطلوبة!.

____________________________________

1 ـ «سَوْء» على زنة «نوع» كما يقول صاحب صحاح اللغة فيه معنى مصدري، والسُوء) على وزن (نُور) اسم مصدر، غير أنّ صاحب الكشّاف يقول أنّ كليهما، بمعنى واحد.

[434]

 

وثانياً: (وغضب اللّه عليهم).

وثالثاً: (ولعنهم).

ورابعاً وأخيراً: فإنّه بالمرصاد (وأعدّ لهم جهنّم وساءت مصيراً).

والذي يسترعي الإنتباء أنّه في الحديبيّة كان أغلبُ الحاضرين من المسلمين رجالاً، وفي مقابلهم من المنافقين والمشركين رجالاً أيضاً، غير أنّ الآيات الآنفة أشركت الرجال والنساء في ذلك الفوز العظيم، وهذا العذاب الأليم، وذلك لأنّ الرجال المؤمنين أو المنافقين الذين يقاتلون في «ساحات القتال» لا يحقّقون أهدافهم إلاّ أن تدعمهم النساء بالدعم اللازم.

وأساساً فإنّ الإسلام ليس دين الرجال فحسب فيُهمل شخصيّة المرأة، بل يهتمّ بها، في كلّ موطن يوهم الكلام بالاقتصار على الرجل مع عدم ذكر المرأة فيه يصرّح بذكرها ليُعلَم أنّ الإسلام دين الجميع دون استثناء رجالاً ونساءً.

وفي آخر آية من الآيات محل البحث إشارة أُخرى إلى عظمة قدرة الله فتقول الآية: (ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزاً حكيماً).

وقد ورد هذا التعبير مرّةً في ذيل مقامات أهل الإيمان ومواهبهم، ومرّةً هنا في ذيل الآية التي تحكي عن عقاب المنافقين والمشركين.. ليتّضح أنّ الله الذي له جنود السماوات والأرض جميعاً قادر على الأمرين، فهو قادرٌ أن تشمل رحمته مستحقيها من عباده الصالحين وناصريه، كما أنّه قادر على أن ينزل غضبه وانتقامه ناراً تحرق المجرمين.

وممّا يستلفت النظر أنّ القرآن حين يذكر المؤمنين يصف الله بالعلم والحكمة، وهما يناسبان مقام الرحمة، ولكنّه حين يذكر المنافقين والمشركين يصف الله بالعزة والحكمة، وهما يناسبان العذاب!

[435]

ما المراد من «جنود السماوات والأرض»؟!

هذا التعبير له معنى واسع حيث يشمل الملائكة «وهي من جنود السماء» كما يشمل جنوداً أُخرَ كالصواعق والزلازل والطوفانات والسيول والأمواج والقوى الغيبية غير المرئية التي لا نعرف عنها شيئاً.. لأنّ جميع هذه الأشياء هي جنود الله وهي مطيعة لأوامره!.

 من هم الظانّون بالله ظنّ السوء؟!

قد يكون سوء الظن تارةً بالنفس، وقد يكون سوء الظن بالآخرين، كما قد يكون بالله، وبهذا التقسيم وعلى منواله يكون «حسن الظن» أيضاً.

أمّا سوء الظن بالنفس إذا لم يبلغ درجة الإفراط فهو سلّم إلى التكامل ويدفع الإنسان إلى التدقيق في أعماله والإخلاص فيها، ويكون حاجزاً عن العجب والغرور منه عند قيامه بالأعمال الصالحة.

وبهذا فإنّ الإمام علياً(عليه السلام) يصف المتّقين في جوابه لهمّام قائلاً: «فهم لأنفسهم متّهمون، ومن أعمالهم مشفقون، إذا زُكّي أحد منهم خاف ممّا يقال له، فيقول: أنا أعلم بنفسي من غيري وربّي أعلم بي منّي بنفسي،

[436]

اللّهمَّ لا تؤاخذني بما يقولون واجعلني أفضل ممّا يظنّون واغفر لي ما لا يعلمون»(1).

وإذا كان سوء الظن بالناس فهو ممنوع إلاّ أن يغلب الفساد في المجتمع حيث  لا ينبغي هناك حسن الظن «وسيأتي بيان هذا الموضوع بإذن الله ذيل الآية 12 من سورة الحجرات».

أمّا سوء الظن بالله أي سوء الظن بوعده أو رحمته وكرمه الذي لا حدَّ له فهو قبيح ومذموم، وقد يدلّ على ضعف الإيمان وربّما دلّ على عدم الإيمان!

ويشير القرآن عدّة مرّات إلى سوء ظنّ ضعافِ الإيمان أو عديمي الإيمان.. وخاصةً عند بروز الحوادث الإجتماعية الصعبة وطوفان الإبتلاء والامتحان، وكيف أنّ المؤمنين يبقون ثابتي الأقدام عند هذه الحوادث وهم في كمال حسن الظن والإطمئنان بلطف الله.. ولكنّ ضعيفي الإيمان يطلقون لسان الشكوى، كما كان ذلك في قصة الحديبيّة، حيث إنّ المنافقين ومن على شاكلتهم أساءوا الظنّ، وقالوا أنّ محمّداً وأصحابه يمضون في سفرهم هذا ولا يعودون بعده، فكأنّهم نسوا وعود الله أو أنّهم اتهموها.

والنموذج الآخر ما حدث في ساحة يوم الأحزاب حين زلزل المسلمون زلزالاً شديداً ووقعوا تحت التأثير والمحنة الصعبة فهناك ذمّ الله المسيئين الظنّ به فقال: (إذا جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذا زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنّون بالله الظنونا، هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً)(2).

وقد عبّرت الآية (154) من سورة آل عمران عن مثل هذه الظنون بـ «ظنّ الجاهلية».

وعلى كلّ حال، فإنّ حسن الظن بالله ورحمته ووعده وكرمه ولطفه وعنايته من علائم الإيمان المهمّة ومن الأسباب المؤثّرة في النجاة والسعادة!.

حتى أنّه ورد في بعض أحاديث الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: «ليس من عبد يظنّ بالله خيراً إلاّ كان عند ظنّه به»(3).

كما ورد عن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) أنّه قال: «أحسن بالله الظن فإنّ الله عزَّ وجلَّ يقول أنا عند ظنّ عبدي المؤمن بي إن خير فخير وإن شر فشر»(4).

وأخيراً فقد ورد حديث آخر عن النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول فيه: «إنّ حسن الظنّ بالله عزَّ وجلَّ ثمن الجنّة»(5)!.

فأي قيمة أيسر من هذا.. وأيُّ متاع أعظم قيمةً منه!؟

 

* * *

____________________________________

1 ـ نهج البلاغة.

2 ـ الأحزاب، الآيتان 10 ـ 11.

3 ـ بحار الأنوار، ج70، ص384.

4 ـ بحار الأنوار ج70، ص385.

5 ـ المصدر السابق.

[437]

 

الآيات

إِنَّا أَرْسَلْنَـكَ شَـهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً( 8 ) لِتُؤْمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً( 9 ) إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَن أَوْفَى بِمَا عَـهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً( 10 )

 

التّفسير

مكانة النّبي وواجب الناس تجاهه!

قلنا إنّ بعض الجهلاء اعترضوا بشدّة على صلح الحديبيّة وحتى أنّ بعض تعبيراتهم لم تخل من عدم الإحترام بالنسبة إلى النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وكان مجموع هذه الأُمور يستوجب أن يؤكّد القرآن مرّةً أُخرى على عظمة النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وجلالة قدره!.

لذلك فإنّ الآية الأولى من الآيات أعلاه تخاطب النّبي فتقول: (إنّا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً).

وهذه ثلاثة أوصاف بارزة هي من أهم ما يتمتّع به النّبي من صفات ومقام. كونه «شاهداً» و«مبشّراً»، و«نذيراً».

«شاهداً» على جميع الأمّة الإسلامية، بل هو شاهد على جميع الأمم كما نقرأ هذا التعبير في الآية (41) من سورة النساء (فكيف إذا جئنا من كلّ أُمّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً).

ونقرأ في الآية (5) من سورة التوبة قوله تعالى: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون).

وأساساً فإنّ لكلّ إنسان شهوداً كثيرين!.

أولهم اللّه الذي هو عالم الغيب والشهادة المطّلع على جميع أعماله ونيّاته!.

ومن بعده الملائكة المأمورون بحفظ أعماله كما ورد التعبير في الآية (21) من سورة (ق) (وجاءت كلّ نفس معها سائق وشهيد).

[438]

 

ثمّ أعضاء بدن الإنسان وحتى جلده شاهد عليه.. (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون)(1).

وجاء في الآية 21 من سورة فصلت في هذا الصدد أيضاً: (وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي انطق كلّ شيء).

و«الأرض» أيضاً، من زمرة الشهود وكما جاء في سورة الزلزلة (يومئذ تحدّث أخبارها).

وطبقاً لبعض الروايات فإنّ «الزمان» أحد الشهود أيضاً، إذ نقرأ في بعض أحاديث الإمام علي (عليه السلام) قوله: «ما من يوم يمرّ على بني آدم إلاّ قال له ذلك اليوم أنا يوم جديد وأنا عليك شهيد فافعل فيّ خيراً واعمل فيّ خيراً، اشهدُ لك يوم القيامة فإنّك لن تراني بعد هذا أبداً»(2)،(3).

ولاشك أنّ شهادة الله وحدها كافية، لكنّ تعدّد الشهود فيه إتمام للحجّة أكثر وله أثر تربويّ ـ أقوى ـ في الناس..

وعلى كلّ حال فإنّ القرآن الكريم بيّن هذه الأوصاف الثلاثة وهي الشهادة والبشارة والانذار التي هي من الأوصاف الأساسية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لتكون مقدمة لما ورد في الآية التي بعدها.

____________________________________

1 ـ النور، الآية 24.

2 ـ نور الثقلين، ج5، ص112.

3 ـ مرّ البحث عن الشهود في محكمة القيامة ذيل الآيات 20 ـ 22 من سورة فصلت.

[439]

 

وفي الآية التالية خمسة أوامر مهمّة ـ هي في الحقيقة بمثابة الهدف من سمات النبي المذكورة آنفاً: وتشكل أمرين في طاعة الله وتسبيحه وتقديره، وثلاثة أوامر منها في «طاعة» رسوله و«الدفاع عنه» و«تعظيم مقامه»، إذ تقول الآية: (لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزّروه وتوقّروه وتسبّحوه بكرةً وأصيلاً).

كلمة «تعزّروه» مشتقة من مادة تعزير، وهو في الأصل يعني «المنع» ثمّ توسّعوا فيه فأطلق على كلّ دفاع ونصرة وإعانة للشخص في مقابل أعدائه كما يطلق على بعض العقوبات المانعة عن الذنب «التعزير» أيضاً.

وكلمة «توقّروه» مشتقة من مادة توقير، وجذورها «الوقر» ومعناها الثِقَل.. فيكون معنى التوقير هنا التعظيم والتكريم.

وطبقاً لهذا التّفسير فإنّ الضميرين في «تعزّروه» و«توقّروه» يعودان على شخص النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والهدف من ذلك هو الدفاع عنه بوجه أعدائه وتعظيمه واحترامه «وقد اختار هذا التّفسير الشيخ الطوسي في «التبيان» و«الطبرسي» في مجمع البيان وغيرهما أيضاً».

غير أنّ جماعة من المفسّرين (1) ذهبوا إلى أنّ جميع الضمائر في الآية تعود على الله، والمراد بالتعزير والتوقير هنا نصرة دين الله وتعظيمه وتكريمه دينه ودليلهم على هذا التّفسير انسجام جميع الضمائر بعضها مع بعض.

غير أنّ التّفسير الأوّل يبدو أقرب، لأنّ «التعزير» أولاً: معناه في الأصل المنع وذبُّ الأعداء والدفاع عن «الشخص»، ولا يصحّ ذلك في شأن الله إلاّ على سبيل «المجاز» فحسب!

____________________________________

1 ـ منهم الزمخشري في «الكشاف» والآلوسي في «روح المعاني» و«الفيض الكاشاني» في تفسير الصافي و«العلاّمة الطباطبائي في الميزان».

[440]

 

وأهمُ من ذلك هو شأن نزول الآية، إذ أنّها نزلت بعد صلح الحديبية وكان بعضهم يسيءُ التعامل مع النّبي ولا يحترم مقامه الكريم، وقد نزلت الآية لتنبه المسلمين على ما ينبغي عليهم من الوظائف بالنسبة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

ثمّ لا ينبغي أن ننسى أنّ الآية هي بمثابة النتيجة للآية السابقة التي وصفت النّبي بأنّه «شاهدٌ ومبشرٌ ونذير» وهذا الأمر يهيء الأرضية المناسبة للآية التي بعدها.

وفي آخر آية من الآيات محل البحث إشارة قصيرة إلى مسألة «بيعة الرضوان» وقد جاء التفصيل عنها في الآية (18) من السورة ذاتها!

وتوضيح ذلك هو: كما قلناه آنفاً إنّ النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رأى في منامه كما تقول التواريخ أنّه دخل مع أصحابه مكّة، فتوجّه على أثر هذه الرؤيا مع ألف وأربعمائة صحابي إلى مكّة، إلاّ أنّ قريشاً صمّمت على منعه وهو على مقربة من مكّة.. فتوقف النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع أصحابه في منطقة الحديبيّة.. وتمّ تبادل المبعوثين بين قريش والنّبي حتى انتهى الأمر إلى معاهدة صلح الحديبيّة!

وفي عملية تبادل السفراء والمبعوثين، أُمر عثمان مرّةً أن يبلغ أهل مكّة ـ من قِبل النّبي ـ أنّه لا يريد الحرب ولا القتال وإنّما يريد العمرة فحسب، إلاّ أنّ المشركين من أهل مكّة أوقفوا عثمان مؤقتاً وكان هذا الأمر سبباً أن يشيع بين المسلمين خبر قتل عثمان، ولو كان هذا الموضوع صحيحاً لكان دليلاً على إعلان قريش الحرب ومنازلة النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لذلك فإنّ النّبي قال: «لا نبارح مكاننا «الحديبيّة» حتى نأخذ البيعة من قومنا»، فطلب تجديد البيعة.. فاجتمع المسلمون وبايعوا النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تحت شجرة هناك على أن لا يتركوا النبي وراءهم ظِهريّاً وأن يقاتلوا مع النّبي أعداءه ويذبّوا عنه ما دام فيهم طاقة على ذلك.

فبلغ هذا الأمر سمع المشركين ودبّ الرعب فيهم، وهذا ما دعاهم إلى الصلح مع النبي. ومن هنا سمّيت مبايعة المسلمين نبيّهم تحت الشجرة بيعة الرضوان حيث وردت الإشارة إليها في الآية (18) من السورة ذاتها: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة).

[441]

 

وعلى كلّ حال فإنّ القرآن يتحدّث عن مبايعة المسلمين في الآية محلّ البحث فيقول: (إنّ الذين يبايعونك إنّما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم)!

و«البيعة» معناها المعاهدة على اتّباع الشخص وطاعته، وكان المرسوم أو الشائع بين الناس أنّ الذي يعاهد الآخر ويبايعه يمد يده إليه ويظهر وفاءه ومعاهدته عن هذا الطريق لذلك الشخص أو لذلك «القائد» المبايَع!.

وحيث أنّ الناس يمدّون أيديهم «بعضهم إلى بعض» عند البيع وما شاكله من المعاملات ويعقدون المعاملة بمد الأيدي و«المصافحة» فقد أطلقت كلمة «البيعة» على هذه العقود والعهود أيضاً. وخاصةً أنّهم عند «البيعة» كأنّما يقدّمون أرواحهم لدى العقد مع الشخص الذي يظهرون وفاءهم له.

وعلى هذا يتّضح معنى (يد الله فوق أيديهم).. إذ إنّ هذا التعبير كناية عن أنّ بيعة النّبي هي بيعة الله، فكأنّ الله قد جعل يده على أيديهم فهم لا يبايعون النّبي فحسب بل يبايعون الله، وأمثال هذه الكناية كثيرة في اللغة العربية!.

وبناءً على هذا التّفسير فإنّ من يرى بأنّ معنى هذه الجملة (يد الله فوق أيديهم)هو أنّ قدرة الله فوق قدرتهم أو أنّ نصرة الله أعظم من نصرة الناس وأمثال ذلك لا يتناسب تأويله مع شأن نزول الآية ومفادها وإن كان هذا الموضوع بحدِّ ذاته صحيحاً.

[442]

 

ثمّ يضيف القرآن الكريم قائلاً: (فمن نكث فإنّما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً)(1).

كلمة «نكث» مشتقة من «نكْث» ومعناها الفتح والبسط ثمّ استعملت في نقض العهد(2).

والقرآن في هذه الآية يُنذر جميع المبايعين للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ يثبتوا على عهدهم وبيعتهم فمن ثبت على العهد فسيؤتيه الله أجراً عظيماً ومن نَكث فإنّما يعود ضرره عليه ولا ينال الله ضررُه أبداً.. بل إنّه يهدّد وجود المجتمع وكرامته وعظمته ويعرّضه للخطر بنقضه البيعة!.

وقد ورد ـ في كلام ـ عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: «إنّ في النّار لمدينة يقال لها الحصينة، أفلا تسألوني ما فيها؟! فقيل له: ما فيها يا أمير المؤمنين؟! قال: فيها أيدي الناكثين»(3).

ومن هنا يتّضح بجلاء قبح نقض البيعة من وجهة نظر الإسلام!! وفي هذا المجال هناك بحوث في «البيعة في الإسلام» وحتى «قبل الإسلام» وكيفية البيعة وأحكامها ستأتي بأذن الله في ذيل الآية (18) من هذه السورة ذاتها!.

 

* * *

____________________________________

 

1 ـ ينبغي الإلتفات إلى أنّ كلمة (عليهُ) في الآية الآنفة جاءت على خلاف ما نعهده، إذ ضُمّ الضمير وهو الهاء هنا، وقد وجّه بعض المفسّرين إلى أنّ هذا أصله «هو» وبعد حذف الواو يأتي مضموناً أحياناً مثل له وعنه ويأتي مكسوراً أحياناً لأنه يلي الياء ككلمة «عليه الله» وحيث أنّ كلمة «عليه» هنا تلاها لفظ الجلالة فقد ضم الضمير في «عليه» ينسجم مع تضخيم اللام في لفظ الجلالة «الله».

2 ـ «النكث» بفتح النون مصدر و«النِكث» بكسر النون اسم مصدر.

3 ـ بحار الأنوار، الجزء 67، الصفحة 186.

[443]

 

الآيات

سَيَقُولُ لَكَ الْمُـخَلَّفُونَ مِنَ الاَْعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَّا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرَّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعَاً بَلْ كَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً( 11 ) بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِى قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً( 12 ) وَمَن لَمْ يؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَـفِرِينَ سَعِيراً( 13 ) وَللهِِ مُلْكُ السَّمَـوَاتِ وَالاَْرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً( 14 )

 

التّفسير

اعتذار المخلفين:

ذكرنا ـ في تفسير الآيات الآنفة ـ أنّ النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) توجّه من المدينة إلى مكّة مع ألف وأربعمائة من صحابته «للعُمرة»!.

وقد أُبلغ عن النّبي جميع من في البادية من القبائل أن يحضروا معه في سفره هذا، إلاّ أنّ قسماً من ضعيفي الإيمان لووا رؤوسهم عن هذا الأمر وأعرضوا عنه وكان تحليلهم هو أنّ المسلمين لا يستطيعون الحفاظ على أرواحهم في هذا السفر في حين أنّ كفار قريش كانوا في حالة حرب مع المسلمين وقاتلوهم في أُحد والأحزاب على مقربة من المدينة، فإذا توجّهت هذه الجماعة القليلة العزلاء من كلّ سلاح نحو مكّة وعرّضت نفسها إلى العدو المدجّج بالسلاح. فكيف ستعود إلى بيوتها بعدئذ؟!

[444]

 

إلاّ أنّهم حين رأوا المسلمين وقد عادوا إلى المدينة ملاءَ الأيدي وافرين قد حصلوا على إمتيازات تستلفت النظر من صلح الحديبيّة دون أن تراق من أحدهم قطرة دم، عرفوا حينئذ خطأهم الكبير وجاؤوا إلى النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ليعتذروا إليه، ويبرّروا تخلّفهم عنه ويطلبوا منه أن يستغفر لهم!

غير أنّ الآيات آنفة الذكر نزلت ففضحتهم وأماطت عنهم اللثام.

وعلى هذا، فالآيات هذه ـ تبيّن حالة المخلّفين ضعاف الإيمان بعد أن بيّنت الآيات السابقة حال المنافقين والمشركين لتتمّ حلقات البحث ويرتبط بعضها ببعض!

تقول هذه الآيات: (سيقول المخلّفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم).

إنّهم لم يكونوا صادقين حتى في توبتهم!

فأبلغهم يا رسول و(قلْ فمن يملك لكم من الله شيئاً إن أراد بكم ضرّاً أو أراد بكم نفعاً)؟!

فليس على الله بعزيز ولا عسير أن يحفكم بأنواع البلاء والمصائب وأنتم في دار أمنكم وبين أهليكم وأبنائكم كما لا يعزّ عليه أن يجعلكم في حصن حصين من بأس الأعداء ولو كنتم في مركزهم!

إنّما هو جهلكم الذي دعاكم إلى هذا التصور والاعتقاد!

أجلْ (بل كان الله بما تعملون خبيراً).

وأقصى من هذا فهو خبير بأسراركم ونيّاتكم وهو يعلم جيداً أنّ هذه الحيل والحجج الواهية لا صحة لها ولا واقعيّة.. والواقع هو أنّكم متردّدون ضعيفو الإيمان. وهذه الأعذار لا تخفى على الله ولا تحول دون عقابكم أبداً!

[445]

 

الطريف هنا أنّه يستفاد من لحن الآيات ومن التواريخ أيضاً أنّ هذه الآيات نزلت عند عودة النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة، أي أنّها قبل مجيء المخلّفين للإعتذار إليه ـ أماطت اللثام عنهم وكشفت الستار وفضحتهم!.

ومن أجل أن ينجلي الأمر ويتّضح الواقع أكثر يميط القرآن جيمع الأستار فيقول: (بل ظننتم أن لن ينقلب الرّسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً).

أجلْ، إنّ السبب في عدم مشاركتكم النّبي وأصحابه في هذا السَفَر التاريخي لم يكن هو كما زعمتم ـ انشغالكم بأموالكم وأهليكم ـ بل العامل الأساس هو سوء ظنّكم بالله، وكنتم تتصوّرون خطأً أنّ هذا السفر هو السفر الأخير للنبي وأصحابه وينبغي الاجتناب عنه!

وما ذلك إلاّ ما وسوست به أنفسكم (وزُيّن ذلك في قلوبكم وظننتم ظنّ السوء).

لأنّكم تخيّلتم أنّ الله أرسل نبيّه في هذا السفر وأودعه في قبضة أعدائه ولن يخلصه ويحميه عنهم! (وكنتم قوماً بوراً) ـ أي هالكين ـ في نهاية الأمر!.

وأي هلاك أشدّ وأسوأ من عدم مشاركتهم في هذا السفر التأريخي وبيعة الرضوان وحرمانهم من المفاخر الأُخَر.. ثمّ الفضيحة الكبرى.. وبعد هذا كله ينتظرهم العذاب الشديد في الآخرة، أجل لقد كان لكم قلوب ميتة فابتليتم بمثل هذه العاقبة!.

وحيث أنّ هؤلاء الناس ـ ضعاف الإيمان ـ أو المنافقين هم أُناس جبناء وتائقون الى الدعة والراحة ويفرّون من الحرب والقتال فإنّ ما يحلّلونه إزاء الحوادث لا ينطبق على الواقع أبداً.. ومع هذه الحال فإنّهم يتصوّرون أنّ تحليلهم صائب جدّاً.

وبهذا الترتيب فإنّ الخوف والجبن وطلب الدعة والفرار من تحمل المسؤوليات يجعل سوء ظنّهم في الأُمور واقعياً، فهم يسيئون الظنّ في كلّ شيء حتى بالنسبة الى الله والنّبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

[446]

 

ونقرأ في نهج البلاغة من وصية للإمام علي (عليه السلام) إلى مالك الأشتر قوله: «إنّ البخل والجبن والحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظنّ بالله»(1).

حادثة «الحديبيّة» والآيات محل البحث، كلّ ذلك هو الظهور العيني لهذا المعنى، ويدلّل كيف أنّ مصدر سوء الظنّ هو من الصفات القبيحة حاله حال البخل والحرص والجبن!.

وحيث أنّ هذه الأخطاء مصدرها عدم الإيمان فإنّ القرآن يصرّح في الآية التالية قائلاً: (ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنّا اعتدنا للكافرين سعيراً)(2).. و«السعير» معناه اللهيب.

وفي آخر آية من الآيات محل البحث يقول القرآن ومن أجل أن يثبت قدرة الله على معاقبة الكفار والمنافقين: (ولله ملك السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء وكان الله غفوراً رحيماً).

وممّا يسترعي النظر أنّ موضوع المغفرة مقدّم هنا على العذاب، كما أنّ في آخر الآية تأكيداً على المغفرة والرحمة أيضاً، وذلك لأنّ الهدف من هذه التهديدات جميعاً هو التربية، وموضوع التربية يوجب أن يكون طريق العودة مفتوحاً بوجه الآثمين حتى الكفار. وخاصةً أنّ أساس كثير من هذه الأُمور السلبية هو الجهل وعدم الإطلاع ـ فينبغي أن يُبعث في مثل هؤلاء الأفراد الأمل على المغفرة بمزيد من الرجاء، فلعلّهم يؤوبون نحو السبيل!.

* * *

____________________________________

1 ـ نهج البلاغة: من رسالة له «برقم 59».

2 ـ أسلوب الجملة ونظمها كان ينبغي أن يكون: فقل: «إنّا اعتدنا لهم سعيراً»: إلاّ أنّ القرآن حذف الضمير خاصة وجعل مكانه الاسم الصريح «الكافرين» ليبيّن أنّ علة هذا المصير المشؤوم هو الكفر بعينه....

[447]

ملاحظة

تعليل الذنب وتوجيهه مرض عامٌ:

مهما كان الذنب كبيراً فإنّه ليس أكبر من تبريره وتوجيهه، لأنّ المذنب المعترف بالذنب غالباً ما يؤوب للتوبة، لكنّ المصيبة تبدأ حين يقوم المذنب بتبرير ذنوبه، فلا ينغلق باب التوبة بوجه الإنسان فحسب بل يتجرّأ على الذنب ويشتدّ على مقارفته!

وهذا التعليل أو التوجيه يقع أحياناً لحفظ ماء الوجه وتحسباً من الافتضاح، ولكنّ أسوأ من هذا كلّه حين ينخدع به الضمير و«الوجدان»!

وهذا التعليل ليس أمراً جديداً، ويمكن العثور على أمثال له على امتداد التاريخ البشري، وكيف وجّه أكبر مجرمي التاريخ جناياتهم لخداع أنفسهم بتوجيهات مضحكة تجعل كلّ إنسان غارقاً في ذهوله وتعجّبه منها!.

والقرآن المجيد الذي يسعى لتربية وصناعة الإنسان يعالج مسائل من هذا الباب كثيرة منها ما قرأناه في الآيات الآنفة ـ محلّ البحث ـ.

ولا بأس بأن نقف على آيات أُخرى لإكمال البحث في هذا الصدد.

1 ـ كان العرب المشركون يتذرّعون أحياناً بسيرة السلف لتوجيه شركهم وتبريره وكانوا يقولون: (إنّا وجدنا آباءنا على أمّة وإنّا على آثارهم مقتدون)!(1).

كما كانوا يتذرّعون أحياناً بنوع من الإجبار فكأنّهم مُجبرون! ويقولون: (لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا)(2).

2 ـ كما كان بعض ضعفاء الإيمان يأتون إلى النّبي أحياناً متذرّعين عن عدم مشاركتهم في الحرب بأن بيوتهم عورة (ويستأذن فريق منهم النّبي يقولون إنّ بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلاّ فراراً)(3).

____________________________________

1 ـ سورة الزخرف، 23.

2 ـ الأنعام، الآية 148.

3 ـ الأحزاب، الآية 13.

[448]

 

3 ـ وربّما تذرّعوا بعدم ذهابهم إلى الحرب لأنّ وجوه نساء الرومان النضرة تسلب قلوبهم وتفتنهم!! (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتنّي)!(1).

4 ـ وربّما تذرّعوا بانشغالهم بأموالهم وأهليهم ونسائهم فيوجّهون ذنبهم الكبير في الفرار عن طاعة أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما هي الحال في الآيات الآنفة ـ محل البحث ـ.

5 ـ والشيطان أيضاً وجّه عدم طاعته لله بمقايسة خاطئة فقال: (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين)!(2).

6 ـ وفي العصر الجاهلي ومن أجل أن يوجّهوا ذنبهم الكبير وخطأهم في وأد البنات كانوا يقولون نخشى أن تؤسر بناتنا في الحرب وإن غيرتنا وناموسنا يدعواننا إلى قتلهن ودسّهنّ في التراب! وربّما قالوا إنّما نقتل الأطفال خشية الاملاق كما صرّحت به سورة الإسراء وغيرها في القرآن.

كما أنّه يظهر من بعض الآيات أنّ المجرمين يتشبّثون بالكبراء والاقتداء بهم في توجيه ذنوبهم (وقالوا انّا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلّونا السبيلا)(3).

والخلاصة إنّ بلاء توجيه الذنب بلاء واسع شمل طائفة عظيمة من الناس عامَّهم وخاصهم، وخطره الكبير أنّه يغلق سُبل الإصلاح في وجوههم وربّما غيّر حتى الواقعيات وأعطاها وجهاً آخر عند المذنبين!

فكثير من يوجّه الخوف والجبن بأنّه: إحتياط.

 

والحرص بأنّه تأمين على الحياة في «المستقبل».

والتهوّر بأنّه حسم وجرأة.

وضعف النفس بالحياء!

وعدم الاكتراث بالزهد.

____________________________________

1ـ التوبة، الآية 49.

2 ـ الأعراف، الآية 12.

3 ـ سورة الأحزاب، 67.

[449]

 

وارتكاب الحرام بالحيلة الشرعية.

والفرار من تحمّل المسؤولية بعدم ثبوت الموضوع!!

والتقصير والتفريط بالقضاء والقدر.

وهكذا يغلق الإنسان بيده سبيل نجاته!

وبالرغم من أنّ هذه المفاهيم كلاًّ منها له معنى صحيح في محلّه وموقعه، ولكن الإشكال في أنّها حرّفت واتخذت نتيجة مقلوبة، وكم نال المجتمعات البشرية والأُسر والأفراد من أضرار من هذا المنفذ!!.. حفظنا الله جميعاً من هذا البلاء العظيم «آمين».

 

* * *

[451]

 

 

 



 
 

  أقسام المكتبة :
  • القرآن الكريم
  • كتب في تفسير القرآن
  • أبحاث حول القرآن
  • كتب تعليمية ومناهج
  • علوم القرآن
  • النغم والصوت
  • الوقف والإبتداء
  • الرسم القرآني
  البحث في :


  

  

  

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net