00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة البينة من أول السورة ـ آخر السورة من ( ص 353 ـ 370 )  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل (الجزء العشرون)   ||   تأليف : سماحة آية الله العظمى الشيخ مكارم الشيرازي

[353]

سُورَة البَيَّنَة

مَدنيّة

وَعَدَدُ آيَاتِهَا ثماني آيات

[355]

«سورة البيّنة»

محتوى السّورة

المشهور أنّ هذه السّورة نزلت في المدينة، ومحتواها يؤيد ذلك، إذ تحدثت في مواضع متعددة عن أهل الكتاب، والمسلمون واجهوا أهل الكتاب في المدينة غالباً.

أضف إلى ذلك أنّ السّورة تحدثت عن الصلاة والزكاة، والزكاة ـ وإن شُرعت في مكّة ـ اتخذت طابعها الرسمي الواسع في المدينة.

هذه السّورة تناولت رسالة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وما فيها من دلائل بيّنة، هذه الرسالة التي كان أهل الكتاب ينتظرونها، حين ظهرت أعرض عنها فريق منهم لما وجدوا فيها من خطر على مصالحهم الشخصية.

والسّورة تقرر حقيقة وجود الإيمان والتوحيد والصلاة والصيام في كل الأديان ودعوات الأنبياء باعتبارها اُصولاً ثابتة خالدة.

وفي مقطع آخر من السّورة بيان عن مواقف أهل الكتاب والمشركين تجاه الإسلام... بعضهم آمن وعمل صالحاً فهو خير المخلوقات، وبعضهم كفر وأشرك فهو شرّ البريّة.

هذه السّورة أطلق عليها لمناسبة الفاظها اسماء متعددة أشهرها: «البينة» و«لم يكن» و«القيمة».

[356]

فضيلة السّورة:

روي في فضيلة تلاوة هذه السّورة عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «لو يعلم النّاس ما في (لم يكن) لعطلوا الأهل والمال وتعلموها».

فقال رجل من خزاعة: ما فيها من الأجر يا رسول اللّه؟

فقال: «لا يقرأها منافق أبداً ولا عبد في قلبه شكّ في اللّه عزّوجلّ، واللّه إنّ الملائكة المقربين ليقرؤونها منذ خلق اللّه السماوات والأرض لا يفترون عن قراءتها، وما من عبد يقرؤها بليل إلاّ بعث اللّه ملائكة يحفظونه في دينه ودنياه ويدعون له بالمغفرة والرحمة، فإن قرأها نهاراً اُعطي عليها من الثواب مثل ما أضاء عليه النهار وأظلم عليه الليل»(1).

* * *

_______________________________________

1 ـ مجمع اليبان، ج 10، ص521.

[357]

الآيات

لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَـبِ والْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ(1) رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفَاً مُّطَهَّرَةً(2)فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ(3) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَـبَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البَيِّنَةُ(4) وَمَآ أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الْدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُوا الصَّلوةَ وَيُؤْتُوا الْزَّكَـوة وَذَلِكَ دِيْنُ الْقَيِّمَةِ(5)

التّفسير

ذلك دين القيّمة:

في بداية السّورة ذكر لأهل الكتاب (اليهود والنصارى) ومشركي العرب قبل ظهور الإسلام، فهؤلاء كانوا يدّعون أنّهم غير منفكين عن دينهم إلاّ بدليل واضح قاطع.

(لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البيّنة).

و«البيّنة» التي أرادوها: رسول من اللّه يتلو عليهم كتاباً مطهّراً من ربّ

[358]

العالمين:

(رسول من اللّه يتلو صحفاً مطهّرة).

وهذه الصحف فيها من الكتابة ما هو صحيح وثابت وذو قيمة.

(فيها كتب فيّمة).

كان هذا ادعاؤهم قبل ظهور الإسلام، وحينما ظهر ونزلت آياته تغيّر هؤلاء، واختلفوا وتفرقوا. وما تفرقوا إلاّ بعد أن جاءهم الدليل الواضح والنبيّ الصادح بالحق.

(وما تفرق الذين اُوتوا الكتاب إلاّ من بعد ما جاءتهم البيّنة).

ممّا تقدم، الآيات الاُولى لهذه السّورة المباركة تتحدث عن أهل الكتاب والمشركين الذين كانوا يدعون أنّهم سوف يقبلون الدعوة إنّ جاءهم نبيّ بالدلائل الساطعة.

لكنّهم أعرضوا حين ظهر، وجابهوه، إلاّ فريق منهم آمن واهتدى.

وهذا المعنى يشبه ما جاء في قوله تعالى: (ولما جاءهم كتاب من عند اللّه مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة اللّه على الكافرين).(1)

نعلم أنّ أهل الكتاب كانوا ينتظرون مثل هذا الظهور، ولابدّ أن يكون مشركو العرب مشاركين لأهل الكتاب في هذا الإنتظار لما كانوا يرون فيهم من علم ومعرفة، ولكن حين تحققت آمالهم غيّروا مسيرهم والتحقوا باعداء الدعوة.

جمع من المفسّرين لهم رأي آخر في تفسير الآية، يقولون: مقصود الآية هو أنّ أهل الكتاب والمشركين لم يكونوا منفكّين عن دينهم حقيقةً ـ لا إدعاءً ـ حتى تأتيهم البيّنة.

_______________________________________

1 ـ البقرة، الآية 89.

[359]

وهذا يعني أنّ هؤلاء آمنوا بعدما جاءتهم البيّنة، لكن الآيات التالية تدل على غير ذلك، اللّهم إلاّ إذا قيل أنّ المقصود إيمان مجموعة منهم وإن كانت قليلة وتكون المسألة من قبيل ما يسمى في المنطق «موجبة جزئية».

ولكن على أي حال نستبعد هذا التّفسير، ويبدو أنّ الفخر الرازي لهذا السبب وصف الآية الاُولى من هذه السّورة بأنّها أعقد آية في القرآن لتعارضها مع الآيات التالية، ولحل هذا التعارض ذكر طرقاً متعددة أفضلها هو الذي ذكرناه أعلاه.

ثمّة تفسير ثالث للآية هو أنّ اللّه لا يترك أهل الكتاب والمشركين لحالهم حتى يتمّ الحجّة عليهم ويرسل إليهم البيّنة ويبيّن لهم الطريق. ولذلك أرسل إليهم نبيّ الإسلام لهدايتهم.

بناء على هذا التّفسير، هذه الآية تشير إلى قاعدة اللطف التي يتناولها علم الكلام وتقرر أن اللّه يبعث إلى كلّ قوم دلائل واضحة ليتمّ الحجّة عليهم(1).

على أي حال، «البيّنة» في الآية هي الدليل الواضح، ومصداقها حسب الآية الثّانية شخص «رسول اللّه» وهو يتلو عليهم القرآن.

«صحف» جمع «صحيفة»، وتعني ما يكتب عليه من الورق، والمقصود بها هنا محتوى هذه الأوراق، إذ نعلم أنّ الرّسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن يتلو شيئاً عليهم من الأوراق.

و«مطهرّة» أي طاهرة من كلّ ألوان الشرك والكذب والباطل. ومن تلاعب شياطين الجن والإنس. كما جاء أيضاً في قوله تعالى: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه)(2)

جملة (فيها كتب قيمة) إشارة إلى أنّ ما في هذه الصحف السماوية خال من

_______________________________________

1 ـ يجب ملاحظة أن «منفكين» جمع (منفك) يمكن أن تكون اسم فاعل أو اسم مفعول، فعلى التّفسيرين الأوّل والثّاني تعطي معنى اسم الفاعل، وعلى التّفسير الثّالث معنى اسم المفعول، فلاحظ.

2 ـ فصلت، الآية 42.

[360]

الإنحراف والإعوجاج. من هنا فإنّ هذه «الكتب» تعني المكتوبات، أو تعني الأحكام والتشريعات المنصوصة من اللّه، لأنّ الكتابة جاءت بمعنى تعيين الحكم أيضاً، كقوله تعالى: (كتب عليكم الصّيام كما كتب على الذين من قبلكم)(1).

وبهذا يكون معنى «قيمة» السويّة والمستقيمة، أو الثابتة والمستحكمة، أو ذات قيمة، أو كل هذه المعاني مجتمعة.

ويحتمل أيضاً أن يكون المعنى هو أن القرآن فيه الكتب السماوية القيّمة السابقة لأنّه يضم جميع محتوياتها وزيادة.

ويلفت النظر تقدم ذكر أهل الكتاب على المشركين في الآية الاُولى، والإقتصار على ذكر أهل الكتاب في الآية الرابعة دون ذكر المشركين، بينما الآية تريد الإثنين.

وهذا يعود ظاهراً إلى أنّ أهل الكتاب كانوا هم الروّاد في هذه المواقف، وكان المشركون تابعين لهم. أو لأنّ أهل الكتاب كانوا أهلاً لذم أكثر لما عندهم من علماء كثيرين، وبذلك كانوا ذا مستوى أرفع من المشركين. معارضتهم ـ إذن ـ أفظع وأبشع وتستحق مزيداً من التقريع.

ثمّ يتوالى التقريع لأهل الكتاب، ومن بعدهم للمشركين، لأنّهم اختلفوا في الدين الجديد، منهم مؤمن ومنهم كافر، بينما: (وما اُمروا إلاّ ليعبدوا اللّه مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة)(2).

ثمّ تضيف الآية القول:

(وذلك دين القيمة).

_______________________________________

1 ـ البقرة، الآية 183.

2 ـ جملة «وما اُمروا» قد تكون حالية أو استثنافية. واللام في «ليعبدوا» لام الغرض، والمقصود هنا الغرض الذي يعود على العباد، لا الغرض الذي يعود على اللّه كما تصور بعض المفسّرين وأدى بهم هذا التصور إلى إنكار «لام الغرض» في مثل هذه المواضع. كل أفعال اللّه معللة بالأغراض، لكنّها أغراض تعود على العباد. بعضهم اعتبر اللام هنا بمعنى «أن» كما في قوله تعالى: (يريد اللّه ليبيّن لكم) النساء، الآية 26.

[361]

قيل في معنى «وما اُمروا...» أن المقصود هو: إنّ التوحيد والصلاة والزكاة من المسائل الثابتة في دين أهل الكتاب، لكنّهم لم يبقوا أوفياء لهذه التعاليم.

وقيل: المقصود هو إنّ دين الإسلام ليس فيه سوى التوحيد الخالص والصلاة والزكاة وأمثالها من التعاليم. وهذه اُمور معروفة فلماذا يعرضون عنها؟.

يبدو أنّ المعنى الثّاني أقرب. لأنّ الآية السابقة تتحدث عن الإختلاف في قبول الدين الجديد، والمناسب هنا أن يكون المراد في «اُمروا...» هو الدين الجديد أيضاً.

أضف إلى ذلك أنّ المعنى الأوّل يصدق على أهل الكتاب وحدهم، بينما المعنى الثّاني يشمل المشركين أيضاً.

المقصود بـ «الدين» في عبارة (مخلصين له الدين حنفاء) قد يكون «العبادة»، وعبارة «إلاّ ليعبدوا اللّه» في الآية تؤكّد هذا المعنى.

ويحتمل أيضاً أن يكون المقصود مجموع الدين والشريعة، أي أنّهم اُمروا أن يعبدوا اللّه وأن يخلصوا له الدين والتشريع في جميع المجالات. وهذا المعنى يتناسب أكثر مع المفهوم الواسع للدين. وجملة (وذلك دين القيمة) تؤيد هذا المعنى لأنّها طرحت الدين بمفهومه الواسع.

«حنفاء» جمع «حنيف»، من الفعل الثّلاثي حَنَفَ، أي عدل عن الضلال إلى الطريق المستقيم، كما يقول الراغب في المفردات. والعرب تسمي كلّ من حج أو خُتِنَ «خَنيفا» إشارة إلى أنّه على دين إبراهيم.

و«الأحنف» من كانت رجله عوجاء. ويبدو أنّ الكلمة كانت في الأصل تستعمل للإنحراف والإعوجاج، والنصوص الإسلاميّة استعملتها بمعنى الإنحراف عن الشرك إلى التوحيد والهداية.

ومن الممكن أن تكون المجتمعات الوثنية قد اطلقت على من يترك الأوثان ويتجه إلى التوحيد اسم «حنيف»، أي منحرف. ثمّ أصبحت الكلمة بالتدريج اسماً

[362]

لسالكي طريق التوحيد ومن مستلزمات الكلمة الإخلاص في التوحيد والإعتدال التام واجتناب أي إفراط أو تفريط; غير أنّ هذه معان ثانوية للكلمة.

جملة (وذلك دين القيمة)(1) إشارة إلى أنّ الاُصول المذكورة في الآية وهي: التوحيد الخالص، والصلاة (الارتباط باللّه) والزكاة (الارتباط بالنّاس) من الاُصول الثابتة الخالدة في جميع الأديان، بل إنّها قائمة في أعماق فطرة الإنسان. ذلك لأنّ مصير الإنسان يرتبط بالتوحيد، وفطرته تدعوه إلى معرفة المنعم وشكره، ثمّ إنّ الروح الإجتماعية المدنية للإنسان تدعوه إلى مساعدة المحرومين.

من هنا، هذه التعاليم لها جذور في أعماق الفطرة، وهي لذلك كانت في تعاليم كلّ الأنبياء السابقين وتعاليم خاتم النبيين(صلى الله عليه وآله وسلم).

* * *

_______________________________________

1 ـ دين القيمة، مضاف مضاف إليه، وليس صفة وموصوف ومفهومها أنّه دين ورد في الكتب السابقة مستقيم وذو قيمة أو أنّه دين فيه احكام وتعليمات ذات قيمة، فعلى هذا جاءت الكلمة بصيغة المؤنث لأنّها صفة للكتب أو الملة والشريعة.

[363]

الآيات

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَـبِ وَالْمُشرِكِينَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَـلِدِينَ فِيهَآ أُولَـئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ(6) إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الْصَّـلِحَـتِ أُولَـئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ(7) جَزَآؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّـتُ عَدْن تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الاَْنْهَـرُ خَـلِدِينَ فِيهَآ أَبَدَاً رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُم وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ(8)

التّفسير

خير البريّة وشرّها:

الآيلات السابقة تحدثت عن انتظار أهل الكتاب والمشركين لبيّنة تأتيهم من اللّه، لكنّهم تفرقوا من بعدما جاءتهم البيّنة.

هذه الآيات تذكر مجموعتين من النّاس مختلفتين في موقفهما من الدعوة «كافرة» و«مؤمنة» تذكر الكافرين أوّلاً بالقول: (إنّ الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنّم خالدين فيها اُولئك هم شرّ البريّة).

وإنّما قال «كفروا» لكفرهم بالدين المبين، وإلاّ فإنّ كفرهم ليس بجديد.

[364]

وعبارة (اُولئك هم شرّ البريّة) عبارة قارعة مثيرة، تعني أنّه لا يوجد بين الأحياء وغير الأحياء موجود أضل واسوأ من الذين تركوا الطريق المستقيم بعد وضوح الحق وإتمام الحجّة، وساروا في طريق الضلال، مثل هذا المعنى ورد أيضاً في قوله تعالى: (إنّ شرّ الدواب عند اللّه الصم البكم الذين لا يعقلون)(1).

وفي قوله سبحانه يصف أهل النّار: (اُولئك كالأنعام بل هم أضل اُولئك هم الغافلون)(2).

وهذه الآية التي نحن بصددها تذهب في وصف هؤلاء المعاندين إلى أبعد ممّا تذهب إليه غيرها، لأنّها تصفهم بأنّهم شرّ المخلوقات، وهذا بمثابة بيان الدليل على خلودهم في نار جهنم.

ولم لا يكونون شرّ المخلوقات وقد فتحت أمامهم جميع أبواب السعادة فاعرضوا عنها كبراً وغروراً وعناداً.

تقديم ذكر «أهل الكتاب» على «المشركين» في هذه الآية أيضاً، قد يعود إلى ما عندهم من كتاب سماوي وعلماء ومن صفات صريحة لنبيّ الإسلام(صلى الله عليه وآله وسلم)في كتبهم، لذلك كانت معارضتهم أفظع وأسوأ.

الآية التالية تذكر المجموعة الثّانية، وهم المؤمنون وتقول: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات اُولئك هم خير البريّة).

والآية التالية تذكر جزاء هؤلاء المؤمنين، وما لهم عند اللّه من مثوبة:

(جزاؤهم عند ربّهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً، رضي اللّه عنهم ورضوا عنه، ذلك لمن خشي ربّه).

يلاحظ أنّ الحديث عن المؤمنين مقرون بذكر الأعمال الصالحة، باعتبارها ثمرة دوحة الإيمان. وفي ذلك إشارة إلى أن ادعاء الإيمان وحده لا يكفي، بل

_______________________________________

1 ـ الأنفال، الآية 22.

2 ـ الأعراف، الآية 179.

[365]

لابدّ أن تشهد عليه الأعمال الصالحة. لكن الكفر وحده ـ وإن لم يقترن بالأعمال السيئة ـ مبعث السقوط والشقاء. أضف إلى أن الكفر عادة منطلق لانواع الذنوب والجرائم والإنحرافات.

عبارة (اُولئك هم خير البريّة) تبيّن بجلاء أن الإنسان المؤمن ذا الأعمال الصالحة أفضل من الملائكة، فعبارة الآية مطلقة وليس فيها استثناء والآيات الاُخرى تشهد على ذلك أيضاً، مثل آية سجود الملائكة لآدم، ومثل قوله سبحانه: (ولقد كرمنا بني آدم)(1).

هذه الآية تحدثت عن الجزاء المادي الذي ينتظر المؤمنين، وعن الجزاء المعنوي الروحي لهم، وهو رضا اللّه عنهم ورضاهم عنه.

إنّهم راضون عن اللّه لأنّ اللّه أعطاهم ما أرادوه، واللّه راض عنهم لأنّهم أدّوا ما أراده منهم، وإنّ كانت هناك زلة فقد غفرها بلطفه وكرمه. وأية لذة أعظم من أن يشعر الإنسان أنّه نال رضا المحبوب ووصاله ولقاءه.

نعم، نعيم جسد الإنسان جنات الخلد، ونعيم روحه رضا اللّه ولقاؤه.

جملة (ذلك لمن خشي ربّه) تدل على أن كل هذه البركات تنطلق من «خشية اللّه». لأنّ هذه الخشية دافع للحركة صوب كلّ طاعة وتقوى وعمل صالح.

بعض المفسّرين قرن هذه الآية، بالآية (28) من سورة فاطر حيث يقول سبحانه: (إنّما يخشى اللّه من عباده العلماء) وخرج بنتيجة هي أنّ الجنّة للعلماء طبعاً لابدّ أن نأخذ بنظر الإعتبار وجود مراتب ومراحل للخشية وهكذا مراتب للعلم.

قيل أيضاً أن «الخشية» أسمى من «الخوف»، لأنّها خوف مقرون بالتعظيم والإحترام.

* * *

_______________________________________

1 ـ الاسراء، الآية 70.

[366]

بحوث

1 ـ علي (عليه السلام) وشيعته خير البريّة

ثمّة روايات كثيرة بطرق أهل السنة في مصادرهم الحديثية المعروفة، وهكذا في المصادر الشيعية، فسّرت الآية: (اُولئك هم خير البريّة) بأنهم علي وشيعته.

«الحاكم الحسكاني النيسابوري» عالم أهل السنة المعروف في القرن الخامس الهجري نقل هذه الرّوايات في كتابه المشهور «شواهد التنزيل» بطرق مختلفة، ويزيد عدد هذه الرّوايات على العشرين نذكر منها على سبيل المثال ما يلي:

1 ـ عن ابن عباس قال: عندما نزلت آية: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم خير البريّة) قال رسول اللّه لعلي: «هو أنت وشيعتك تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين ويأتي عدوك غضباناً مقحمين»(1).

2 ـ وعن أبي برزة قال: حينما تلا رسول اللّه هذه الآية قال: «هم أنت وشيعتك يا علي، وميعاد ما بيني وبينك الحوض»(2).

3 ـ وعن جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال: كنّا جالسين عند النبيّ جوار الكعبة، فاقدم علينا علي، وحين رآه النبيّ قال: «قد أتاكم أخي»، ثمّ التفت إلى الكعبة، وقال: «وربّ هذه البيّنة! إنّ هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة» .

ثمّ التفت إلينا وقال: «أما واللّه إنّه أوّلكم إيماناً باللّه، وأقومكم بأمر اللّه، وأوفاكم بعهد اللّه، وأقضاكم بحكم اللّه، وأقسمكم بالسوية، وأعدلكم في الرعية وأعظمكم عند اللّه مزية»

قال جابر: فأنزل اللّه: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات اُولئك هم خير البريّة)فكان علي إذا أقبل قال أصحاب محمّد قد أتاكم خير البرية بعد رسول

_______________________________________

1 ـ شواهد التنزيل، ج2، ص357، الحديث 1126.

2 ـ المصدر السابق، ص359، الحديث 1130.

[367]

اللّه.(1)

نزول هذه الآية جوار الكعبة لا يتنافى مع مدنية السّورة. إذ من الممكن أن تكون من قيبل النزول المجدد، أو التطبيق، أضف إلى ذلك أنّ نزول هذه الآيات لا يستبعد أن يكون خلال أسفار النّبي إلى مكّة من المدينة، خاصّة أنّ الراوي (جابر بن عبد اللّه الأنصاري) قد التحق بالنّبي في المدينة.

بعض هذه الأحاديث رواها ابن حجر في الصواعق، ومحمّد الشبلنجي في نور الابصار(2).

وجلال الدين السيوطي نقل القسم الأعظم من الرّواية الأخيرة عن ابن عساكر عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري(3).

4 ـ في «الدر المنثور» عن ابن عباس قال: «حين نزلت آية: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات اُولئك هم خير البريّة). قال رسول اللّه لعلي: «هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين».

5 ـ وفي الدر المنثور أيضاً عن ابن مردويه عن علي(عليه السلام) قال: «قال لي النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): ألم تسمع قول اللّه (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات اُولئك هم خير البريّة)؟ أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض، إذا جاءت الاُمم للحساب تدعون غرّاً محجلين»(4).

كثير من علماء السنة، سوى من ذكرنا، نقلوا مثل هذه الرّوايات في كتبهم منهم: الخطيب الخوارزمي في المناقب، وأبو نعيم الأصفهاني في كفاية الخصام، والعلاّمة الطبري في تفسيره، واين صباغ المالكي في الفصول المهمّة، والعلاّمة

_______________________________________

1 ـ المصدر السابق، ص362، الحديث 1139.

2 ـ الصواعق المحرقة، ص 96; ونور الابصار، ص 70 و 101.

3 ـ الدر المنثور، ج6، ص379.

4 ـ المصدر السابق.

[368]

الشوكاني في فتح الغدير، والشيخ سليمان القندوزي في ينابيع المودة، والآلوسي في روح المعاني.

باختصار هذا الحديث من الأحاديث المعروفة المشهورة المقبولة لدى أكثر علماء الإسلام، وفيه بيان لفضيلة كبرى من فضائل علي وأتباعه.

وهذه الرّوايات تدل ضمناً أنّ كلمة «الشيعة» باعتبارها اسماً لأتباع علي(عليه السلام)كانت قد شاعت منذ عهد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بين المسلمين على لسان الرّسول نفسه. وأُولئك الذين يخالون أنّ الكلمة هذه ظهرت في عصور متأخرة في خطأ كبير.

2 ـ ضرورة إخلاص النيّة في العبادة

بعض علماء اُصول الفقه استدلوا بالآية: (وما اُمروا إلاّ ليعبدوا اللّه مخلصين له الدين)على لزوم «قصد القربة» في العبادات، وأن الأصل في الأوامر أنّها تعبدية لا توصلية. وهذا يتوقف على كون «الدين» في الآية بمعنى العبادة كي يصحّ الإستدلال بها على لزوم الإخلاص في العبادات... ويتوقف على أنّ يكون (الأمر) في الآية بشكل مطلق كي يكون مفهومها لزوم قصد القربة في كل الأوامر (عدا ما خرج منها بدليل). غير أنّ مفهوم الآية ليس كذلك على الظاهر. فالمقصود إثبات التوحيد مقابل الشرك، أي إنّ هولاء لم يؤمروا إلاّ بالتوحيد، وبهذا لا ترتبط المسألة بالأحكام الفرعية.

3 ـ منحنى الصعود والسقوط

من آيات هذه السّورة المباركة يستفاد أنّ الانسان فريد بين مخلوقات الكون في البون الشاسع الذي يفصل بين منحنى ارتفاعه وسمّوه وبين منحنى سقوطه وهبوطه. لو كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات (عبارة «عملوا الصالحات» تشمل كلّ الأعمال الصالحة لا بعضها) فهو أفضل خلق اللّه; وإنّ سلك

[369]

طريق الكفر والضلالة والعناد هبط إلى هوة سحيقة وكان شرّ خلق اللّه.

هذا البون الشاسع بين الإتجاهين ـ رغم خطورته وحساسيته ـ له دلالة كبيرة على مكانة النوع البشري وقابليته للتكامل. وطبيعي أن يكون إلى جانب هذه القابلية العظيمة إمكان عظيم للهبوط والسقوط.

ربّنا! نستمد العون من فضلك وإحسانك لبلوغ درجة «خير البرية»

ربّنا! اجعلنا من شيعة ذلك الرجل الصالح الذي كان أجدر من نال هذه الدرجة.

ربّنا! مُنّ علينا باخلاص يجعلنا متفانين في حبّك وعبادتك.

آمين يا ربّ العالمين

نهاية سورة البيّنة




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 200

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 9052175

  • التاريخ : 21/09/2020 - 14:49

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net