• الموقع : دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم / المكتبة .
              • الكتاب : تفسير الصافي ( الجزء الأول) ، تأليف : المولى محسن الملقب بـ « الفيض الكاشاني » .
                    • الموضوع : سورة النساء : من آية 1 ـ 81 .

سورة النساء : من آية 1 ـ 81

سورة النساء
مدنية كلها (1) وعدد آيها مأة وسبع وسبعون آية
بسم الله الرحمن الرحيم

(1) يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة هي آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام وخلق منها زوجها هي حواء .
القمي برأها من أسفل أضلاعه وبث منها رجالا كثيرا ونساء بنين وبنات كثيرة ورتب الامر بالتقوى على ذلك لما فيه من الدلالة على القدرة القاهرة التي من حقها أن تخشى والنعمة الظاهرة التي توجب طاعة مولاها .
العياشي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال خلقت حواء من قصيري جنب آدم والقصير هو الضلع الاصغر فأبدل الله مكانه لحما ، وفي رواية خلقت حواء من جنب آدم وهو راقد .
وعن الصادق عليه السلام أن الله خلق آدم من الماء والطين فهمة ابن آدم في الماء والطين وان الله خلق حواء من آدم فهمة النساء الرجال فحصنوهن في البيوت .
وفي الفقيه والعلل عنه عليه السلام انه سئل عن خلق حواء وقيل له أن أناسا عندنا يقولون ان الله عز وجل خلق حواء من ضلع آدم اليسرى الأقصى قال سبحان الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا ، يقول من يقول هذا ان الله تبارك وتعالى لم يكن له من القدرة ما يخلق لآدم زوجة من غير ضلعه ويجعل للمتكلم من أهل التشنيع سبيلا إلى
____________
(1) قيل : انها مدنية الا قوله ( ان الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات ) الآية ، وقوله : ( يستفتونك في النساء قل الله يفتيكم في الكلالة ) الآية فانهما نزلتا بمكة « منه » .

( 414 )

الكلام يقول ان آدم كان ينكح بعضه بعضا إذا كانت من ضلعه ما لهؤلاء حكم الله بيننا وبينهم ثم قال ان الله تبارك وتعالى لما خلق آدم من طين وأمر الملائكة فسجدوا له القى عليه السبات ثم ابتدع له حواء فجعلها في موضع النقرة التي بين وركيه وذلك لكي تكون المرأة تبعا للرجل فأقبلت تتحرك فانتبه لتحركها فلما انتبه نوديت أن تنحي عنه فلما نظر إليها نظر إلى خلق حسن يشبه صورته غير انها انثى فكلمها فكلمته بلغته فقال لها من أنت فقالت خلق خلقني الله كما ترى فقال آدم عليه السلام عند ذلك يا رب من هذا الخلق الحسن الذي قد آنسني قربه والنظر إليه فقال الله يا آدم هذه أمتي حواء أتحب أن تكون معك فتونسك وتحدثك وتأتمر لأمرك فقال نعم يا رب ولك عليّ بذلك الشكر والحمد ما بقيت فقال الله تعالى فاخطبها إليّ فانها أمتي وقد تصلح لك أيضا زوجة للشهوة والقى الله عليه الشهوة وقد علمه قبل ذلك المعرفة بكل شيء فقال يا رب فاني أخطبها اليك فما رضاك لذلك فقال رضائي ان تعلمها معالم ديني فقال ذلك لك يا رب عليّ ان شئت ذلك اليّ فقال قد شئت ذلك وقد زوجتكها فضمها اليك فقال لها آدم إلي فاقبلي فقالت له لا بل أنت فاقبل الي فأمر الله تعالى آدم أن يقوم إليها فقام ولولا ذلك لكن النساء يذهبن حتى يخطبن على أنفسهن فهذه قصة حواء .
والعياشي عن الباقر عليه السلام أنه سئل من أي شيء خلق الله حواء فقال أي شيء يقولون هذا الخلق قلت يقولون ان الله خلقها من ضلع من اضلاع آدم فقال كذبوا كان يعجز ان يخلقها من غير ضلعه ثم قال اخبرني أبي عن آبائه عليهم السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان الله تبارك وتعالى قبض قبضة من طين فخلطها بيمينه وكلتا يديه يمين فخلق منها آدم وفضل فضلة من الطين فخلق منها حواء .
وفي العلل عنه عليه السلام خلق الله عز وجل آدم من طين ومن فضلته وبقيته خلقت حواء ، وفي رواية أخرى خلقت من باطنه ومن شماله ومن الطينة التي فضلت من ضلعه الأيسر .
قال في الفقيه وأما قول الله عز وجل يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من

( 415 )

نفس واحدة وخلق منها زوجها ، والخبر الذي روي أن حواء خلقت من ضلع آدم الايسر صحيح ومعناه من الطينة التي فضلت من ضلعه الأيسر فلذلك صارت أضلاع الرجال أنقص من أضلاع النساء بضلع .
أَقُولُ : فما ورد أنها خلقت من ضلعه الأيسر اشارة الى أن الجهة الجسمانية الحيوانية في النساء أقوى منها في الرجال والجهة الروحانية الملكية بالعكس من ذلك وذلك لأن اليمين مما يكنى به عن عالم الملكوت الروحاني والشمال مما يكنى به عن عالم الملك الجسماني فالطين عبارة عن مادة الجسم واليمين عبارة عن مادة الروح ولا ملك (1) إلا بملكوت وهذا هو المعني بقوله وكلتا يديه يمين فالضلع الأيسر المنقوص من آدم كناية عن بعض الشهوات التي تنشؤ من غلبة الجسمية التي هي من عالم الخلق وهي فضلة طينة المستنبط من باطنه التي صارت من مادة لخلق حواء فنبه في الحديث على أنه جهة الملكوت والأمر في الرجال أقوى من جهة الملك والخلق وبالعكس منهما في النساء فان الظاهر عنوان الباطن وهذا هو السر في هذا النقص في أبدان الرجال بالاضافة الى النساء وأسرار الله لا ينالها إلا أهل السر فالتكذيب في كلام المعصومين انما يرجع الى ما فهمه العامة من حمله على الظاهر دون أصل الحديث .
وفي العلل عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن بدو النسل من ذرية آدم وقيل له ان عندنا اناسا يقولون ان الله تعالى أوحى إلى آدم أن يزوج بناته من بنيه وأن هذا الخلق أصله كله من الاخوة والاخوات فقال سبحان الله وتعالى عن ذلك علوا كبيرا يقول من يقول هذا ان الله عز وجل جعل أصل صفوة خلقه واحبائه وانبيائه ورسله والمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات من حرام ولم يكن له من القدرة ما يخلقهم من الحلال وقد أخذ ميثاقهم على الحلال والطهر الطاهر الطيب والله لقد نبئت ان بعض البهائم تنكرت له اخته فلما نزل عليها ونزل كشف له عنها وعلم أنها اخته أخرج غرموله (2) ثم قبض عليه بأسنانه ثم قلعه ثم خر ميتا ، وفي رواية اخرى
____________
(1) قوله : لا ملك الا بملكوت أي ليس عالم المادية الا متقوما بالنفوس الروحانية .
(2) العزمول بالضم الذكر (ق) .


( 416 )

عنه عليه السلام ما يقرب منه مع تأكيد بليغ في تحريم الاخوات على الاخوة وانه لم يزل كذلك في الكتب الأربعة المنزلة المشهورة وان جيلا من هذا الخلق رغبوا عن علم أهل بيوتات الانبياء وأخذوا من حيث لم يؤمروا بأخذه فصاروا الى ما قد ترون من الضلال والجهل وفي آخرها ما أراد من يقول هذا وشبهه الا تقوية حجج المجوس فما لهم قاتلهم الله ، ثم قال ان آدم ولد له سبعون بطنا في كل بطن غلام وجارية إلى أن قتل هابيل فلما قتل هابيل جزع آدم على هابيل جزعا قطعه عن اتيان النساء فبقي لا يستطيع أن يغشى حواء خمسمائة عام ثم تجلى ما به من الجزع فغشي حواء فوهب الله له شيثا وحده وليس معه ثان واسم شيث هبة الله وهو أول وصي أوصى إليه من الآدميين في الأرض ثم ولد له من بعد شيث يافث ليس معه ثان فلما أدركا وأراد الله عز وجل أن يبلغ بالنسل ما ترون وأن يكون ما قد جرى به القلم من تحريم ما حرم الله عز وجل من الاخوات على الأخوة أنزل بعد العصر في يوم الخميس حوراء من الجنة اسمها نزلة فأمر الله عز وجل آدم أن يزوجها من شيث فزوجها منه ثم أنزل بعد العصر من الغد حوراء من الجنة اسمها منزلة فأمر الله عز وجل آدم أن يزوجها من يافث فزوجها منه فولد لشيث غلام وولد ليافث جارية فأمر الله تعالى آدم حين أدركا أن يزوج ابنة يافث من ابن شيث ففعل وولد الصفوة من النبيين والمرسلين من نسلهما ومعاذ الله أن يكون ذلك على ما قالوا من أمر الاخوة والاخوات .
وفي الفقيه عنه عليه السلام أن آدم ولد له شيث وان اسمه هبة الله وهو أول وصي أوصى إليه من الآدميين وساق الحديث إلى آخر ما ذكره .
في العلل والعياشي عنه عليه السلام قيل له ان الناس يزعمون أن آدم زوج ابنته من ابنه فقال قد قال الناس ذلك ولكن أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لو علمت أن آدم زوج ابنته من ابنه لزوجت زينب من القاسم وما كنت لأرغب عن دين آدم .
وفي الكافي عن الباقر عليه السلام أنه ذكر له المجوس وانهم يقولون نكاح كنكاح ولد آدم وانهم يحاجوننا بذلك فقال أما أنتم فلا يحاجونكم به لما أدرك هبة الله

( 417 )

قال آدم يا رب زوج هبة الله فاهبط الله حوراء فولدت له أربعة غلمة ثم رفعها الله فلما أدرك ولد هبة الله قال يا رب زوج ولد هبة الله فأوحى الله عز وجل إليه أن يخطب إلى رجل من الجن وكان مسلما أربع بنات له على ولد هبة الله فزوجهن فما كان من جمال وحلم فمن قبل الحوراء والنبوة للانتهاء إلى آدم عليه السلام وما كان من سفه أو حدة (1) فمن الجن .
والعياشي عنه عليه السلام قال ان آدم ولد له أربعة ذكور فاهبط الله إليه أربعة من الحور فزوج كل واحد منهم واحدة فتوالدوا ثم ان الله رفعهن وزوج هؤلاء الأربعة أربعة من الجن فصار النسل فيهم فما كان من حلم فمن آدم وما كان من جمال فمن قبل الحور العين وما كان من قبح أو سوء خلق فمن الجن . وفي رواية لما ولد لآدم هبة الله وكبر سأل الله أن يزوجه فأنزل الله له حوراء من الجنة فزوجها إياه فولدت له أربعة بنين ثم ولد لآدم ابن آخر فلما كبر أمره أن تزوج الجان فولد له أربع بنات فتزوج بنو هذا بنات هذا فما كان من جمال فمن قبل الحوراء وما كان من حلم فمن قبل آدم وما كان من خفة فمن قبل الجان فلما توالدوا صعدت الحوراء إلى السماء .
وفي الفقيه عنه عليه السلام ان الله عز وجل أنزل على آدم حوراء من الجنة فزوجها أحد إبنيه وتزوج الآخر ابنة الجان فما كان في الناس من جمال كثير أو حسن خلق فهو من الحوراء وما كان فيهم من سوء خلق فهو من آدم الجان .
وفي قرب الاسناد عن الرضا عليه السلام حملت حواء هابيل واختا له في بطن ثم حملت في البطن الثاني قابيل واختا له في بطن فزوج هابيل التي مع قابيل وتزوج قابيل التي مع هابيل ثم حدث التحريم بعد ذلك .
وفي المجمع عن الباقر عليه السلام أن حواء امرأة آدم كانت تلد في كل بطن غلاما وجارية فولدت في أول بطن قابيل وقيل قابين وتوأمته اقليما بنت آدم والبطن الثاني هابيل وتوأمته (2) لوزاء فلما أدركوا جميعا أمر الله آدم أن ينكح قابيل أخت هابيل
____________
(1) الحدة : ما يعتري الانسان من النزق والغضب ، يقال حد يحد إذا غضب ( مجمع ) .
(2) التوأم من جميع الحيوان المولود مع غيره في بطن من الاثنين فصاعدا ذكرا أو أنثى أو ذكرا وأنثى جمعه توائم وتوآم كرخال ويقال توأم للذكر وتوأمة للأنثى فإذا جمعا فهما توأمان وتوأم وقد اتأمت الأم فهي متئم ومعتادته متئم وتاأم أخاه ولد معه وهو تئمة بالكسر وتوأمة وتيامة (ق) .


( 418 )

وهابيل اخت قابيل فرضي هابيل وأبى قابيل لأن أخته كانت أحسنهما وقال ما أمر الله بهذا ولكن هذا من رأيك فأمرهما الله أن يقربا قربانا فرضيا بذلك « الحديث » ويأتي تمامه في سورة المائدة عند تفسير واتل عليهم نبأ آدم .
وفي الاحتجاج عن السجاد عليه السلام يحدث رجلا من قريش قال لما تاب الله على آدم واقع حواء ولم يكن غشيها منذ خلق وخلقت إلا في الأرض وذلك بعدما تاب الله عليه قال وكان يعظم البيت وما حوله من حرمة البيت فكان إذا أراد أن يغشى حواء خرج من الحرم وأخرجها معه فإذا جاء الحرم غشيها في الحل ثم يغتسلان اعظاما منه للحرم ثم يرجع الى فناء البيت قال فولد لآدم من حواء عشرون ذكرا وعشرون انثى يولد له في كل بطن ذكر وأنثى فأول بطن ولدت حواء هابيل ومعه جارية يقال لها اقليما قال وولدت في البطن الثاني قابيل ومعه جارية يقال لها لوزاء وكانت لوزاء أجمل بنات آدم قال فلما أدركوا خاف عليهم آدم الفتنة فدعاهم إليه وقال اريد أن انكحك يا هابيل لوزاء وأنكحك يا قابيل اقليما قال قابيل ما أرضى بهذا أتنكحني اخت هابيل القبيحة وتنكح هابيل اختي الجميلة قال فأنا أقرع بينكما فإن خرج سهمك يا قابيل على لوزاء أو خرج سهمك يا هابيل على اقليما زوجت كل واحدة منكما التي خرج سهمه عليها قال فرضيا بذلك فاقرعا قال فخرج سهم قابيل على اقليما اخت هابيل وخرج سهم هابيل على لوزاء اخت قابيل قال فزوجهما على ما خرج لهما من عند الله قال ثم حرم الله تعالى نكاح الاخوات بعد ذلك قال فقال له القرشي فأولداهما قال نعم فقال له القرشي فهذا فعل المجوس اليوم قال فقال عليه السلام ان المجوس انما فعلوا ذلك بعد التحريم من الله ثم قال عليه السلام له لا تنكر هذا انما هي شرائع الله جرت أليس الله قد خلق زوجة آدم منه ثم أحلها له فكان ذلك شريعة من شرائعهم ثم أنزل الله التحريم بعد ذلك ، إن قيل كيف التوفيق بين هذه الاخبار والاخبار الأولى قلنا الاخبار الأولى هي الصحيحة المعتمد عليها وانما الأخيرة فانما وردت موافقة للعامة فلا اعتماد عليها مع جواز تأويلها (1) بما توافق الأولة واتقوا الله الذي تساءلون
____________
(1) قوله مع جواز تأويلها : علل المراد به أن التوأمة في كل بطن ان الله تعالى أنزل تارة من طينة الحوراء في بطن حواء ما يكون بمنزلة النطفة لا من نطفة آدم نظير ما صنع بمريم وأخرى من طينة الجان على ذلك المنوال أو المراد بما أنكر في الأولة التزويج من بطن واحد فلا ينافي الثانية إلى غير ذلك مما يجده المتأمل .

( 419 )

به أي يسأل بعضكم بعضا فيقول أسألك بالله واصله تتساءلون فأدغمت التاء في السين وقرئ بالتخفيف وطرح التاء والأرحام واتقوا الأرحام ان تقطعوها .
كذا في المجمع ، عن الباقر عليه السلام وقيل هو من قولهم أسألك بالله والرحم أن تفعل كذا أو أنشدك الله والرحم يعني كما انكم تعظمون الله بأقوالكم فعظموه بطاعتكم إياه وعليه بناء قراءته بالجر .
والقمي قال تساءلون يوم القيامة عن التقوى هل اتقيتم وعن الرحم هل وصلتموها .
وفي الكافي والعياشي عن الصادق عليه السلام هي أرحام الناس ان الله عز وجل أمر بصلتها وعظمها ألا ترى أنه جعلها معه .
أقول : يعني قرنها باسمه في الأمر بالتقوى .
وفي الكافي عنه عليه السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام قال صلوا أرحامكم ولو بالتسليم ثم تلا هذه الآية .
وعن الرضا عليه السلام ان رحم آل محمد الأئمة صلوات الله وسلامه عليهم لمعلقة بالعرش تقول اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني ثم هي جارية بعدها في أرحام المؤمنين ثم تلا هذه الآية .
وفي العيون عنه عليه السلام ان الله أمر بثلاثة مقرون بها ثلاثة إلى قوله وأمر باتقاء الله وصلة الرحم فمن لم يصل رحمه لم يتق الله .
وعنه عن أبيه عن آبائه عن علي عليهم السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أسري بي إلى السماء رأيت رحما معلقة بالعرش تشكو رحما إلى ربها فقلت لها كم بينك وبينها من أب فقالت نلتقي في أربعين أبا إن الله كان عليكم رقيبا حفيظا .
(2) وآتوا اليتامى أموالهم يعني إذا بلغوا وآنستم منهم رشدا كما في الآية

( 420 )

الاخرى ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تستبدلوا الحرام من أموالهم بالحلال من أموالكم بأن تتعجلوا الحرام من أموالهم قبل أن يأتيكم الرزق الحلال الذي قدر لكم . وقيل كانوا يأخذون الرفيع من أموالهم ويجعلون مكانه الخسيس فنهوا عنه ولا تأكلوا أمولهم إلى أموالكم مضمومة إليها مسوين بينهما فان أحدهما حلال والآخر حرام يعني فيما زاد على قدر أجره لقوله سبحانه فليأكل بالمعروف إنه كان حوبا كبيرا ذنبا عظيما .
(3) وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء قيل يعني ان خفتم أن لا تعدلوا في يتامى النساء إذا تزوجتم بهن فتزوجوا ما طاب من غيرهن إذ كان الرجل يجد يتيمة ذات مال وجمال فيتزوجها ضنا (1) بها فربما يجتمع عنده منهن عدد ولا يقدر على القيام بحقوقهن .
وذكر القمي وغيره في سبب نزوله وكيفية نظام محصوله واتصال فصوله وجوهاً أُخر ولا يخلو شيء منها عن تعسف .
وفي الإحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام قال لبعض الزنادقة في حديث وأما ظهورك على تناكر قوله تعالى وان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء فليس يشبه القسط في اليتامى نكاح النساء ولا كل النساء اليتامى فهو مما قدمت ذكره من اسقاط المنافقين من القرآن وبين القول في اليتامى وبين نكاح النساء من الخطاب والقصص أكثر من ثلث القرآن وهذا وما أشبهه مما ظهرت حوادث المنافقين فيه لأهل النظر والتأمل ووجد المعطلون وأهل الملل المخالفة للإسلام مساغا إلى القدح في القرآن ولو شرحت لك كل ما أسقط وحرف وبدل لما يجري هذا المجرى لطال وظهر ما تحظر التقية اظهاره من مناقب الأولياء ومثالب الأعداء مثنى وثلاث ورباع ثنتين ثنتين وثلاث ثلاث واربع اربع وتخيير في العدد لكل أحد إلى أربع .
في الكافي عن الصادق عليه السلام إذا جمع الرجل أربعا فطلق احداهن فلا
____________
(1) ضننت بالشيء اضن به ضنا وضنانة إذا بخلت وهو ضنين به ( صحاح ) .

( 421 )

يتزوج الخامسة حتى ينقضي عدة المرأة التي طلق وقال لا يجمع الرجل ماءه في خمس .
العياشي عنه عليه السلام لا يحل لماء الرجل أن يجري في أكثر من أربعة أرحام من الحراير فإن خفتم ألا تعدلوا بين هذه الأعداد فواحدة فانكحوا واحدة وذروا الجمع أو ما ملكت أيمانكم وان تعددن لخفة مؤونتهن وعدم وجوب القسم بينهن وفي حكمهن المتعة .
ففي الكافي عن الصادق عليه السلام في غير واحدة من الروايات أنها ليست من الأربع ولا من السبعين وانهن بمنزلة الاماء لأنهن مستأجرات لا تطلق ولا ترث ولا تورث وان العبد ليس له ان يتزوج إلا حرتين أو أربع اماء وله أن يتسرى بإذن مولاه ما شاء .
وعنه عليه السلام ان الغيرة ليست إلا للرجال وأما النساء فانما ذلك منهن حسد وان الله أكرم أن يبتليهن بالغيرة ويحل للرجل معها ثلاثا .
وعنه عليه السلام فان خفتم ألا تعدلوا يعني في النفقة وأما قوله تعالى ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم يعني المودة .
والعياشي عنه عليه السلام في كل شيء اسراف إلا في النساء قال الله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ذلك أدنى ألا تعولوا أقرب من أن لا تميلوا من عال الميزان إذا مال أو الا تمونوا من عال الرجل عياله إذا مانهم ، ويؤيده قرائة ألا تعيلوا في الشواذ من عال الرجل إذا كثر عياله ، والقمي أي لا يتزوج ما لا يقدر أن يعول .
(4) وآتوا النساء صدقاتهن مهورهن نحلة .
القمي أي هبة وقيل عطية من الله وتفضلا منه عليهن أو دينا من الله شرعه وفرضه وظاهر الآية أن يكون الخطاب للأزواج .
في الفقيه عن الصادق عليه السلام من تزوج امرأة ولم ينو أن يوفيها صداقها فهو

( 422 )

عند الله زان وقال أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه ان أحق الشروط أن يوفى بها ما استحللتم به الفروج .
وفي المجمع عن الباقر عليه السلام ان الخطاب فيه للأولياء لأن الرجل منهم كان إذا زوج ايمته أخذ صداقها دونها فنهاهم الله عن ذلك فإن طبن لكم عن شيء منه من الصداق نفسا وهبن لكم عن طيب نفس ، وعدّى بعن لتضمنه معنى التجاوز والتجافي فكلوه هنيئا مريئا سائغا من غير غص وربما يفرق بينهما بتخصيص الهنيء بما يلذه الإنسان والمريء بما يحمد عاقبته ، روي أن اناسا كانوا يتأثمون أن يقبل أحدهم من زوجته شيئا مما ساق إليها فنزلت .
وفي المجمع والعياشي جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال اني أجد بوجع في بطني فقال ألك زوجة قال نعم قال استوهب منها شيئا طيبة به نفسها من مالها ثم اشتر به عسلا ثم اسكب عليه من ماء السماء ثم اشربه فاني سمعت الله سبحانه يقول في كتابه وأنزلنا من السماء ماء مباركا وقال يخرج من بطونها شراب مختلف الوانه فيه شفاء للناس ، وقال فان طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا فإذا اجتمعت البركة والشفاء والهنيء والمريء شفيت ان شاء الله تعالى ففعل ذلك فشفي .
(5) ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما تقومون بها وتنتعشون سمي ما به القيام قياما للمبالغة وقرئ قيما وارزقوهم فيها واكسوهم اجعلوها مكانا لرزقهم وكسوتهم بأن تحصلوا منها ما تحتاجون إليه وقولوا لهم قولا معروفا عدة جميلة تطيب بها نفوسهم والمعروف ما عرّفه الشرع أو العقل بالحسن .
العياشي عن الصادق عليه السلام هم اليتامى لا تعطوهم حتى تعرفوا منهم الرشد قيل فكيف يكون أموالهم أموالنا فقال إذا كنت أنت الوارث لهم .
وعنه عليه السلام في هذه الآية قال من لا تثق به ، وفي رواية كل من يشرب الخمر فهو سفيه .
وفي الفقيه عن الباقر عليه السلام أنه سئل عن هذه الآية فقال لا تؤتوها شراب

( 423 )

الخمر ولا النساء ثم قال وأي سفيه أسفه من شارب الخمر .
والقمي عنه عليه السلام في هذه الآية قال فالسفهاء النساء والولد إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة وولده سفيه مفسد لا ينبغي له أن يسلط واحدا منهما على ماله الذي جعله الله له قياما يقول معاشا قال وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا المعروف العدة .
(6) وابتلوا اليتامى اختبروهم قبل البلوغ بتتبع أحوالهم في الدين وحسن التصرف في المال حتى إذا بلغوا النكاح بلغوا حدا يتأتى منهم النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم .
في الفقيه عن الصادق عليه السلام ايناس الرشد حفظ ماله .
وعنه عليه السلام في تفسير هذه الآية إذا رأيتموهم يحبون آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين فارفعوهم درجة .
وفي المجمع عن الباقر عليه السلام الرشد العقل واصلاح المال .
والقمي عنه عليه السلام في هذه الآية قال من كان في يده مال بعض اليتامى فلا يجوز له أن يعطيه حتى يبلغ النكاح ويحتلم فإذا احتلم وجب عليه الحدود وإقامة الفرائض ولا يكون مضيعا ولا شارب خمر ولا زانيا فإذا أنس منه الرشد دفع إليه المال واشهد عليه وان كانوا لا يعلمون أنه قد بلغ فانه يمتحن بريح ابطه أو نبت عانته فإذا كان ذلك فقد بلغ فيدفع إليه ماله إذا كان رشيدا ولا يجوز له أن يحبس عنه ماله ويعتل عنه أنه لم يكبر بعد ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا مسرفين ومبادرين ومن كان غنيا فليستعفف من أكلها ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف بقدر حاجته وأجرة سعيه .
في الكافي والعياشي عن الصادق عليه السلام في هذه الآية من كان يلي شيئا لليتامى وهو محتاج ليس له ما يقيمه وهو يتقاضى أموالهم ويقوم في ضيعتهم فليأكل بقدر ولا يسرف فان كانت ضيعتهم لا تشغله عما يعالج لنفسه فلا يرزأنّ (1) أموالهم شيئا .
____________
(1) في الحديث انى لا أرزء من فيئكم درهما أي لا أنقص شيئا ولا درهما ( مجمع ) .

( 424 )


وفي الكافي عنه عليه السلام المعروف هو القوت وانما عنى الوصي أو القيم في أموالهم وما يصلحهم .
وعنه عليه السلام ذلك رجل يحبس نفسه عن المعيشة فلا بأس أن يأكل بالمعروف إذا كان يصلح لهم أموالهم فإن كان المال قليلا فلا يأكل منه شيئا .
وعنه عليه السلام أنه سئل عن القيم للأيتام في الإبل وما يحل له منها فقال إذا لاط (1) حوضها وطلب ضالتها وهنا (2) جرباها (3) فله أن يصيب من لبنها في غير نهك لضرع ولا فساد لنسل .
وفي المجمع والعياشي ما يقرب منه .
والعياشي عنه عليه السلام في هذه الآية هذا رجل يحبس نفسه لليتيم على حرث أو ماشية ويشغل فيها نفسه فليأكل بالمعروف وليس له ذلك في الدراهم والدنانير التي عنده موضوعة .
وفي رواية اخرى عنه عليه السلام قال كان ابي يقول إنها منسوخة .
وفي المجمع عن الباقر عليه السلام من كان فقيرا فليأخذ من مال اليتيم قدر الحاجة والكفاية على جهة القرض ثم يرد عليه ما أخذ إذا وجد فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم بأنهم قبضوها فانه نفي للتهمة وابعد من الخصومة ووجوب الضمان وكفى بالله حسيبا محاسبا .
(7) للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون يعني بهم المتوارثين بالقرابة مما قل منه أو كثر من قليله وكثيره نصيبا مفروضا واجبا قيل كانت العرب في الجاهلية يورثون الذكور دون الإناث فرد الله سبحانه عليهم وقال لكل من الفريقين سهم وحظ .
____________
(1) كل شيء لصق بشيء فقد لاط به يلوط لوطا ويليط ليطا واصل اللوط اللصوق الى أن قال ولطت الحوض بالطين لوطا أي ملطته وطينته ( مجمع ) .
(2) هاهناه يهنأ ويهنؤه اطعمه وأعطاه كأهنأه والإبل يهنأها مثلثة النون طلاها بالهناء ككتاب القطران ( مجمع )
(3) الجرب بالتحريك داء معروف يقال جرب البعير جربا من باب تعب فهو أجرب وناقة جرباء ( مجمع ) .


(8) وإذا حضر القسمة أي قسمة التركة أولوا القربى ممن لا يرث واليتامى والمساكين فارزقوهم منه فاعطوهم شيئا من المقسوم تطييبا لقلوبهم وتصدقا عليهم وقولوا لهم قولا معروفا تلطفوا لهم في القول واعتذروا إليهم واستقلوا ما تعطونهم ولا تمنوا بذلك عليهم .
والقمي هي منسوخة بقوله يوصيكم الله .
والعياشي عن الباقر والصادق عليه السلام نسختها آية الفرائض .
وفي رواية عن الباقر عليه السلام أنه سئل أمنسوخة هي قال لا إذا حضروك فاعطهم .
أقول : نسخ الوجوب لا ينافي بقاء الجواز والاستحباب وقد مر نظيره في سورة البقرة .
(9) وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم أمر بأن يخشوا الله ويتقوه في أمر اليتامى فيفعلوا بهم ما يحبون أن يفعل بذراريهم الضعاف بعد وفاتهم .
في الكافي والعياشي عن الصادق عليه السلام من ظلم يتيما سلط الله عليه من يظلمه أو على عقبه أو على عقب عقبه ثم تلا هذه الآية فليتقوا الله في أمر اليتامى وليقولوا لهم قولا سديدا مثل ما يقولون لأولادهم بالشفقة وحسن الأدب .
(10) إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم ملء بطونهم نَاراً ما يجر إلى النار وسيصلون سعيرا سيدخلون نارا وأي نار وقرئ بضم الياء وصلي النار مقاساة حرها وصليته شويته والإصلاء الإلقاء فيها وسعر النار إلهابها .
في الفقيه عن الصادق عليه السلام إن أكل مال اليتيم سيلحقه وبال ذلك في الدنيا والآخرة .
أما في الدنيا فان الله يقول وليخش الذين الآية ، وأما في الآخرة فان الله يقول إن الذين يأكلون الآية .
والقمي عنه عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أسري

( 426 )


بي إلى السماء رأيت قوما تقذف في أجوافهم النار وتخرج من أدبارهم فقلت من هؤلاء يا جبرئيل فقال هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما .
وفي الكافي عن الباقر عليه السلام أن آكل مال اليتيم يجيء يوم القيامة والنار تلتهب في بطنه حتى يخرج لهب النار من فيه يعرفه أهل الجمع إنه آكل مال اليتيم .
(11) يوصيكم الله يأمركم ويعهد إليكم ويفرض عليكم في أولادكم في شأن ميراثهم للذكر مثل حظ الأنثيين إذا اجتمع الصنفان والعلة فيه ما في الكافي عن الرضا عليه السلام أنهن يرجعن عيالا عليهم .
وفي الفقيه عن الصادق عليه السلام لما جعل الله لها من الصداق .
وفيهما عنه عليه السلام لأنه ليس عليها جهاد ولا نفقة ولا معقلة (1) وعد غيرها فإن كن نساء ليس معهن ذكر فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك المتوفى منكم وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه ولأبوي المتوفى لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد ذكرا كان أو أنثى واحدا كان أو أكثر فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فَلأُمِّهِ الثلث مما ترك فإن كان له إخوه فَلأُمِّهِ السدس وقرئ فلإمه بكسر الهمزة اتباعا لما قبلها والاخوة تقع على الإثنين فصاعدا والاختان بمنزلة أخ واحد .
ولهذا ورد في الكافي والتهذيب وغيرهما في غير واحدة من الروايات عن الصادق عليه السلام أنه لا يحجب الام عن الثلث الا اخوان أو أخ واختان أو أربع أخوات وورد أن الاخوة من الام فقط لا يحجبون الام عن الثلث وان الاخوة والأخوات لا يرثون مع الأبوين وأن الوجه فيه أن الأب ينفق عليهم فوفر نصيبه من بعد وصية يوصي بها أو دين يعني أن هذه الأنصباء بعد الامرين إن كانا وقرئ على البناء للمفعول ولفظة أولا توجب الترتيب .
وفي المجمع عن أمير المؤمنين عليه السلام انكم تقرؤون في هذه الآية الوصية قبل الدين وأن رسول الله صلى الله عليه وآله قضى بالدين قبل الوصية قيل قدم الوصية على الدين وهي متأخرة في الحكم لأنها مشبهة بالميراث شاقة على
____________
(1) قد عقل كفرح وتعاقلوا دم فلان عقلوه بينهم ودمه معقلة بضم القاف على قومه غرم عليهم والمعقلة الدية نفسها (ق) .

( 427 )


الورثة آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا يعني لا تعلمون من أنفع لكم من اصولكم وفروعكم في عاجلكم وآجلكم ممن يورثكم ويرثكم أمن أوصى منهم فعرضكم للثواب بامضاء وصيته أم من لم يوص فوفر عليكم ماله أو من أوصيتم له فوفرتم عليه أم من لم توصوا له فحرمتموه فتحروا فيهم ما وصاكم الله به ولا تعمدوا إلى تبديل الوصية أو تفضيل بعض وحرمان بعض فهو اعتراض مؤكد لأمر القسمة وتنفيذ الوصية فريضة من الله مصدر مؤكد إن الله كان عليما بالمصالح والرتب حكيما فيما قضى وقدر .
(12) ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن أي ولد وارث من بطنها أو من صلب بنيها أو بطن بناتها وان سفل ذكرا كان أو انثى منكم أو من غيركم من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين فرض للرجل بحق الزواج ضعف ماللمرأة كما في النسب والعلة هاهنا هي العلة هناك وتستوي الواحدة والعدد منهن في الربع والثمن وإن كان رجل يورث كلالة (1) لهذا الكلام وجوه من الإعراب لا يتغير بها الحكم والكلالة القرابة ويطلق على الوارث والموروث .
وفسرت في الكافي عن الصادق عليه السلام بمن ليس بولد ولا والد أي القريب من جهة العرض لا الطول والمراد بها هنا الأخوة والأخوات من الأم خاصة وفي الآية الاخرى من الأب والأم أو الاب فقط كذا عن المعصومين عليهم السلام أو امرأة كذلك وله ولكل واحد منهما وقيل أي وللرجل اكتفى بحكمه عن حكم المرأة لدلالة العطف
____________
(1) قوله تعالى وان كان رجل يورث كلالة في كان وجهان أحدهما هي تامة ورجل فاعلها ويورث صفة له وكلالة حال من الضمير في يورث والكلالة على هذا اسم للميت الذي لم يترك ولدا ولا والدا ولو وقرئ كلالة بالرفع على أنه صفة أو بدل من الضمير في يورث لجاز غير اني لم أعرف أحدا قرأ به فلا يقرأن الا بما نقل ، الوجه الثاني أن يكون هي كان الناقصة ورجل اسمها ويورث خبرها وكلالة حال أيضا وقيل الكلالة اسم للمال الموروث فعلى هذا فينتصب كلالة على المفعول الثاني ليورث كما تقول ورث زيد مالاً وقيل الكلالة اسم للورثة الذين ليس فيهم ولد ولا والد فعلى هذا لا وجه لهذا الكلام على القراءة المشهورة لأنه لا ناصب له ألا ترى أنك لو قلت زيد يورث أخوه لم يستقم وانما يصح على قراءة من قرأ بكسر الراء مخففة ومثقلة وقد قرئ بهما وقيل يصح هذا المذهب على تقدير حذف مضاف تقديره وان كان رجل يورث ذا كلالة فذا حال أو خبر كان ، ومن كسر الراء جعل كلالة مفعولا به اما الورثة واما المال وعلى كلا الأمرين أحد المفعولين محذوف والتقدير يورث أهله مالا ( سيوطي ) .

( 428 )


على تشاركهما فيه أخ أو أخت أي من الام فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث سوّى بين الذكر والأنثى هاهنا لأن الإنتساب بمحض الانوثة من بعد وصية يوصى بها أو دين وقرئ على البناء للمفعول غير مضار لورثته بالزيادة على الثلث أو ان يقصد الإضرار بها دون القرابة أو يقر بدين لا يلزمه وصية من الله والله عليم بالمضار وغيره حليم لا يعاجل بعقوبته .
(13) تلك اشارة الى ما تقدم من الاحكام في أمر اليتامى والوصايا والمواريث حدود الله شرائعه المحدودة التي لا يجوز تجاوزها ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم .
(14) ومن يعص الله ورسوله ويَتَعَدّ حدوده يدخله نارا وقرئ ندخله بالنون خالدا فيها وله عذاب مهين توحيد الضمير في يدخله (1) وجمع خالدين للفظ والمعنى ، ان قيل ان الله سبحانه وتعالى لم يبين حكم البنتين في الفرائض ولا حكم الفرائض إذا نقصت التركة عن السهام أو زادت عليها ، قلنا لا ضير فقد بين أهل البيت ذلك كله على أحسن وجه واجمعت الطائفة المحقة على ما سمعوه منهم من غير اختلاف فيما بينهم لمطابقته مقتضى العقول السليمة وهذا كما في سائر الآيات القرآنية المجملة فانها انما يؤولها الراسخون في العلم منهم ولا ينفرد أحد الثقلين عن الآخر أما حكم البنتين فقد نبهت عليه هذه الآيات وثبت عنهم بالروايات من غير اختلاف .
قال في الكافي وقد تكلم الناس في أمر البنتين من أين جعل لهما الثلثان والله تعالى انما جعل الثلثين لما فوق اثنتين فقال قوم باجماع وقال قوم قياسا كما ان كانت للواحدة النصف كان ذلك دليلا على أن لما فوق الواحدة الثلثين وقال قوم بالتقليد والرواية ولم يصب واحد منهم الوجه في ذلك فقلنا ان الله جعل حظ الانثيين الثلثين بقوله للذكر مثل حظ الانثيين وذلك أنه إذا ترك الرجل بنتا وإبنا فللذكر مثل حظ الأنثيين وهو الثلثان فحظ الانثيين الثلثان
____________
(1) قوله توحيد الضمير في يدخله ( اه ) فالإفراد باعتبار اللفظ والجمع بملاحظة المعنى وفي جمع أصحاب الجنة وأفراد أصحاب النار اشعار بايتلافهم واستيناس بعضهم في درجات الجنة لا منية خاطرهم وعدم اهتمامهم بأنفسهم بخلاف أصحاب النار فان لكل واحد يومئذ شأنا من العذاب يشغله بنفسه .

( 429 )


واكتفى بهذا البيان أن يكون ذكر الانثيين بالثلثين وهذا بيان قد جهله كلهم والحمد لله كثيرا انتهى كلامه ، وأما إذا نقصت التركة عن السهام فالنقص عندنا انما يقع على البنات والاخوات لأن كل واحد من الابوين والزوجين له سهمان أعلى وأدنى وليس للبنت والبنتين والاختين لولا ما قلنا إلا سهم واحد فإذا دخل النقص عليهما استوى ذوو السهام في ذلك وقد تبين ذلك في اخبارهم والمخالفون يقولون في ذلك بالعول (1) فيوقعون النقص على الجميع بنسبة سهامهم قياسا على تركة لا تفي بالديون واستنادا إلى قضية عمرية واخرى متشابهة علوية وقياسهم مع بطلانه مع الفارق وعمرهم كان عن بدعة لا يفارق مع انكار ابن عباس عليه وان لم يظهر الإنكار إلا بعده معتذرا بأنه كان رجلا مهيبا وتأويل المتشابه عند من أتى به دون الذين في قلوبهم زيغ مع عدم ثبوت الرواية وتواتر خلافها عنه « ع » هذا مع ما في العول من التناقض والمحال كما بينه أئمتنا « ع » وفصّله أصحابنا ولفضل بن شاذان « ره » في هذا الباب كلمات أوردها في التهذيب على وجهها وأما إذا زادت التركة عن السهام فانما يزاد الزايد على من كان يقع عليه النقص إذا نقصت كما بينوه عليهم السلام وأجمعت عليه أصحابنا والمخالفون يقولون بالتعصيب (2) فيعطون الفاضل أولي عصبة الذكر ولا يعطون الأنثى شيئا وان كانت أقرب منه في النسب استنادا إلى قصة زكريا حيث لم يسأل الانثى لعلمه بعدم ارثها مع العصبة كذلك كانوا يؤفكون وليت شعري ما أدراهم أنه لم يسأل الانثى وانما حمله على الطلب كفالة مريم وما رأى من كرامتها ، ثم ما المانع من ارادته الجنس الشامل للذكر والانثى وانما أراد الذكر لأنه أحب إلى طباع البشر وانما طلبه للإرث والقيام بأعباء النبوة معا ولا شك أنه غير متصور في النساء أو كان شرعه في الارث على خلاف شرعنا واستندوا أيضا إلى رواية ضعيفة روتها رواتها الأعلى بعدما سمعوها منقولة عن الأدنى وردها بعضهم بمحكمات الكتاب وقال آخر والله ما رويت هذا وانما الشيطان
____________
(1) من قولهم عال في الحكم أي مال وجار وفي الحديث الذي أحصى رمل عالج يعلم أن السهام لا تعول وفيه أول من أعال الفرائض عمر بن الخطاب ، العول عبارة عن قصور التركة عن سهام ذوي الفروض ولن يقصر الا بدخول الزوج أو الزوجة وهو في الشرع ضد التعصيب الذي هو توريث العصبة ما فضل عن ذوي السهام ( مجمع ) .
(2) عصبة الرجل بالتحريك جمع عاصب ككفرة جمع كافر وهم بنوه وقرابته لأبيه ، والجمع العصاب قال الجوهري وانما سموا عصبة لأنهم عصبوا به أي أحاطوا به فالأب طرف والإبن طرف والأخ جانب والعم جانب ومنه التعصيب وهو باطل عندنا ( مجمع ) .


( 430 )


القى على السنتهم على أنهم رووا عن زيد بن ثابت أنه قال من قضاء الجاهلية أن يورث الرجال دون النساء .
(15) واللاّتي يأتين الفاحشة من نسائكم أي يفعلنها قيل الفاحشة الزنا سمي بها لزيادة قبحها وشناعتها فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فاطلبوا ممن قذفهن أربعة من رجال المؤمنين تشهد عليهن فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت فاحبسوهن فيها حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا هذه الآية والتي بعدها منسوختان بآية الزانية والزاني .
ففي الكافي عن الباقر عليه السلام في حديث وسورة النور انزلت بعد سورة النساء وتصديق ذلك أن الله تعالى أنزل عليه في سورة النساء واللاتي يأتين الفاحشة الآية والسبيل الذي قال الله سورة أنزلناها وفرضناها إلى قوله طائفة من المؤمنين .
والعياشي عن الصادق عليه السلام هي منسوخة والسبيل هو الحدود .
وعنه عليه السلام أنه سئل عن هذه الآية واللاتي يأتين الفاحشة قال هذه منسوخة قيل كيف كانت قال كانت المرأة إذا فجرت فقام عليها أربعة شهود ادخلت بيتا ولم تحدث ولم تكلم ولم تجالس وأوتيت بطعامها وشرابها حتى تموت أو يجعل الله لهن سبيلا قال جعل السبيل الجلد والرجم .
وفي الغوالي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عامه والثيب بالثيب جلد مائة والرجم .
(16) واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما .
القمي كان في الجاهلية إذا زنا الرجل يؤذى والمرأة تحبس في بيت إلى أن تموت ثم نسخ ذلك بقوله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا الآية انتهى وقيل الآية الأولى في السحاقات وهذه في اللواطين والزانية والزاني في الزناة ولم يثبت عن أهل البيت عليهم السلام .

( 431 )


(17) إنما التوبة على الله أي قبول التوبة الذي أوجبه الله على نفسه بمقتضى وعده من تاب عليه إذا قبل توبته إلا أن على هذه ليست هي على في قولهم تاب عليه وقد مضى تحقيق معنى التوبة عند تفسير قول الله تعالى فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه للذين يعملون السوء بجهالة متلبسين بها سفها فان ارتكاب الذنب والمعصية سفه وتجاهل .
في المجمع والعياشي عن الصادق عليه السلام كل ذنب عمله العد وان كان عالما فهو جاهل حين خاطر بنفسه في معصية ربه فقد حكى الله سبحانه قول يوسف لاخوته هل علمتم ما فعلتم بيوسف واخيه إذ انتم جاهلون فنسبهم إلى الجهل لمخاطرتهم بأنفسهم في معصية الله عز وجل .
وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قيل له فان عاد وتاب مرارا قال يغفر الله له قيل إلى متى قال حتى يكون الشيطان هو المحسور (1) ثم يتوبون من قريب قيل أي قبل أن يشرب في قلوبهم حبه فيطبع عليها ويتعذر عليهم الرجوع أو قبل حضور الموت لقوله تعالى حتى إذا حضر أحدهم الموت سماه قريبا لأن أمد الحياة قريب كما قال سبحانه قل متاع الدنيا قليل .
أقول : التفسير الثاني بعيد عن ظاهر اللفظ بل ولا دلالة في الآية عليه لجواز السكوت عن القسم الثالث كما يقع كثيرا في نظائره من مجملات القرآن وأما الحصر المدلول عليه بلفظة إنما فلا ينافي في الاخبار الآتية لأن وجوب القبول غير التفضل به .
في الفقيه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في آخر خطبة خطبها من تاب قبل موته بسنة تاب الله عليه ثم قال وإن السنة لكثيرة ومن تاب قبل موته بشهر تاب الله عليه ثم قال وان الشهر لكثير ومن تاب قبل موته بيوم تاب الله عليه ثم قال وان يوما لكثير ومن تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه ثم قال وان الساعة لكثيرة ، من تاب وقد
____________
(1) حسر بصره يحسر حسورا أي كل وانقطع نظره من طول مدى وما أشبه ذلك فهو حسر ومحسور أيضا ( صحاح ) والمراد بالمحسور في الرواية ذو الكلالة والإعياء والملالة والتعب أي لا نهاية لقبول التوبة إلا أن يكل الشيطان فلايخدعه فلا يعصي الله حتى يحتاج إلى توبة جديدة .

( 432 )


بلغت نفسه هذه واهوى بيده إلى حلقه تاب الله عليه .
وفي الكافي والعياشي ما يقرب منه وذكر الجمعة أيضا وقال في آخره من تاب قبل أن يعاين قَبِل الله تعالى توبته ، وفي رواية العامة من تاب قبل أن يغرغر بها تاب الله عليه .
وفي رواية أن ابليس لما هبط قال وعزتك وعظمتك لا أفارق ابن آدم حتى يفارق روحه جسده فقال الله عز وجل سبحانه وعزتي وعظمتي لا أحجب التوبة عن عبدي حتى يغرغر بها .
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إذا بلغت النفس هاهنا واشار بيده إلى حلقه لم يكن للعالم توبة ثم قرأ هذه الآية .
وفيه والعياشي عن الباقر عليه السلام مثله وكان للجاهل توبة .
أقول : لعل السبب في عدم التوبة من العالم في ذلك الوقت حصول يأسه من الحياة بامارات الموت بخلاف الجاهل فانه لا ييأس إلا عند معاينة الغيب ، قيل ومن لطف الله تعالى بالعباد ان امر قابض الأرواح بالابتداء في نزعها من اصابع الرجلين ثم يصعد شيئا فشيئا الى ان يصل الى الصدر ثم ينتهي الى الحلق ليتمكن في هذه المهلة من الاقبال بالقلب على الله تعالى والوصية والتوبة ما لم يعاين والاستحلال وذكر الله فيخرج روحه وذكر الله على لسانه فيرجى بذلك حسن خاتمته رزقنا الله ذلك بمنه فأولئك يتوب الله عليهم وعد بالوفاء بما وعد به وكتب على نفسه من قبول التوبة وكان الله عليما يعلم اخلاصهم في التوبة حكيما لا يعاقب التائب .
(18) وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنى تبت الآن .
في الفقيه عن الصادق عليه السلام انه سئل عن هذه الآية فقال ذلك إذا عاين امر الآخرة ولا الذين يموتون وهم كفار سوّى بين من سوّف التوبة إلى حضور الموت من الفسقة والكفار وبين من مات على الكفر في نفي التوبة للمبالغة في عدم الإعتداد بها في

( 433 )


تلك الحالة وكأنه قال توبة هؤلاء وعدم توبة هؤلاء سواء وقيل المراد بالذين يعملون السوء عصاة المؤمنين وبالذين يعملون السيئات المنافقون لتضاعف كفرهم وسوء اعمالهم وبالذين يموتون الكفار أولئك اعتدنا هيأنا لهم عذابا أليما تأكيد لعدم قبول توبتهم لتهيئة عذابهم وانه يعذبهم متى شاء .
(19) يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها وقرئ بالضم .
القمي عن الباقر عليه السلام كان في الجاهلية في اول ما اسلموا في قبائل العرب إذا مات حميم الرجل وله امرأة ألقى الرجل ثوبه عليها فورث نكاحها بصداق حميمه الذي كان اصدقها يرث نكاحها كما يرث ماله فلما مات أبو قيس بن الأشلت القى محصن بن ابي قيس ثوبه على امرأة ابيه وهي كبيشة ابنة معمر بن معبد فورث نكاحها ثم تركها لا يدخل بها ولا ينفق عليها فأتت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت يا رسول الله مات أبو قيس بن الأشلت فورث ابنه محصن نكاحي فلا يدخل عليّ ولا ينفق عليّ ولا يخلّي سبيلي فألحق بأهلي فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ارجعي إلى بيتك فان يحدث الله في شأنك شيئا اعلمتكه فنزل ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف انه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا فلحقت بأهلها وكان نسوة في المدينة قد ورث نكاحهن كما ورث نكاح كبيشة غير انه ورثهن غير الابناء فأنزل يا ايها الذين آمنوا لا يحل لكم ان ترثوا النساء كرها .
والعياشي عن الصادق عليه السلام في هذه الآية قال الرجل يكون في حجره اليتيمة فيمنعها من التزويج يضرّ بها تكون قريبة له .
وفي المجمع عن الباقر عليه السلام انها نزلت في الرجل يحبس المرأة عنده لا حاجة له وينتظر موتها حتى يرثها ولا تعضلوهن ولا تحبسوهن ضرارا بهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن .
العياشي عن الصادق عليه السلام قال الرجل تكون له المرأة فيضرّ بها حتى تفتدي منه فنهى الله عن ذلك .
وفي المجمع عنه عليه السلام ان المراد بها الزوج امره الله سبحانه بتخلية سبيلها

( 434 )


إذا لم يكن له فيها حاجة وان لا يمسكها اضرارا بها حتى تفتدي ببعض مالها إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ظاهرة كالنشوز وسوء العشرة وعدم التعفف .
وفي المجمع عن الباقر عليه السلام كل معصية .
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إذا قالت له لا اغتسل لك من جنابة ولا ابر (1) لك قسما ولا وطين فراشك من تكرهه حل له ان يخلعها وحل له ما اخذ منها وعاشروهن بالمعروف بالإنصاف في الفعل والإجمال في القول فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا يعني فاصبروا عليهن ولا تفارقوهن لكراهة الأنفس فربما كرهت النفس ما هو اصلح في الدين واحمد واحبت ما هو بخلافه .
(20) وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج تطليق امرأة وتزويج اخرى وآتيتم إحداهن قنطارا مالا كثيرا فلا تأخذوا منه من القنطار شيئا .
في المجمع عنهما عليهما السلام القنطار ملء مسك ثور ذهبا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا انكار وتوبيخ قيل كان الرجل إذا اراد جديدة بهت التي تحته بفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما اعطاها ليصرفه إلى تزوج الجديدة فنهوا عن ذلك .
(21) وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض .
القمي الإفضاء المباشرة وأخذن منكم ميثاقا غليظا عهدا وثيقا .
في المجمع عن الباقر عليه السلام هو العهد المأخوذ على الزوج حالة العقد من امساك بمعروف أو تسريح باحسان .
وفي الكافي والعياشي عنه عليه السلام الميثاق هي الكلمة التي عقد بها النكاح والغليظ هو ماء الرجل يفضيه (2) إليها .
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله .
____________
(1) برأ الله قسمه وابره أي صدقه ومنه لو أقسم على الله لأبر قسمه أي لو حلف على وقوع شيء لأبره أي صدقه وصدق يمينه (م) .
(2) أفضى الرجل المرأة جعل مسلكها واحدا فهي مفضاة وإليها جامعها أو خلا بها جامعها أم لا (ق) .


(22) ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف استثناء من لازم النهي فكأنه قيل تستحقون العقاب بذلك الا ما قد سلف في الجاهلية فانكم معذورون فيه .
العياشي عن الباقر عليه السلام يقول الله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء فلا يصح للرجل ان ينكح امرأة جده إنه كان فاحشة ومقتا (1) وساء سبيلا قيل كانوا ينكحون روابهم (2) وذوو مرواتهم يمقتونه ويسمونه نكاح المقت (3) ويقولون لمن ولد عليه المقتي وقد مضى سبب نزولها آنفا .
(23) حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت يعني نكاحهن والامهات يشملن من علت وكذا العمات والخالات والبنات ويشملن من سفلت وكذا بنات الأخ وبنات الاخت ، والاخوات يشملن الوجوه الثلاثة وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة سماها اما واختا ، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم الرضاع لحمة كلحمة النسب فعم التحريم وأمهات نسائكم وان علون وربائبكم اللاتي في حجوركم وان سفلن من نسائكم اللاتي دخلتم بهن أي دخلتم معهن في السر وهي كناية عن الجماع فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم .
في الفقيه والتهذيب عن امير المؤمنين عليه السلام إذا تزوج الرجل المرأة حرمت عليه ابنتها إذا دخل بالام فإذا لم يدخل بالام فلا بأس ان يتزوج بالابنة وإذا تزوج الابنة فدخل بها أو لم يدخل بها فقد حرمت عليه الام وقال الربائب حرام كن في الحجر اولم يكن . وفي رواية اخرى قال الربائب عليكم حرام مع الامهات التي قد
____________
(1) المقت البغض ونكاح المقت كان في الجاهلية كانت العرب إذا تزوج الرجل امرأة أبيه فأولدها يقولون للولد مقتي ، وعن الغزالي معنى كون الشيء مبغوضا نفرة النفس عنه لكونه مولما فان قوى البغض والنفرة سمي مقتا ( مجمع ) .
(2) الرواب جمع الرابة وهي زوجة الأب (ق) .
(3) وهو ان يتزوج امرأة أبيه بعده والمقتي ذلك المتزوج أو ولده (ق) .


( 436 )


دخل بهن في الحجور وغير الحجور والامهات مبهمات دخل بالبنات أو لم يدخل بهن .
وفي اخرى قال هذه مستثناة وهذه مرسلة وامهات نسائكم فما ورد عنهم بخلاف ذلك محمول على التقية لموافقة العامة ومخالفة القرآن .
وفي الكافي عن ابي الحسن عليه السلام انه سئل عن الرجل يتزوج المرأة متعة أيحل له ان يتزوج ابنتها قال لا .
وعن الصادق عليه السلام في الرجل تكون له الجارية يصيب منها أيحل له ان ينكح ابنتها قال لا هي مثل قول الله تعالى وربائبكم اللاتي في حجوركم .
وعنه عليه السلام انه سئل عن رجل طلق امرأته فبانت منه ولها ابنة مملوكة فاشتراها أيحل له ان يطأها قال لا .
وعن الرجل تكون عنده المملوكة وابنتها فيطأ احداهما فتموت وتبقى الاخرى أيصلح له ان يطأها قال لا .
القمي ان الخوارج زعمت ان الرجل إذا كانت لأهله بنت ولم يربها ولم تكن في حجره حلت له لقول الله تعالى اللاتي في حجوركم ثم قال الصادق عليه السلام لا تحل له . قيل وفائدة قوله في حجوركم تقوية العلة وتكميلها ، والمعنى ان الربائب إذا دخلتم بامهاتهن وهن في احتضانكم أو بصدده قوي الشبه بينها وبين اولادكم وصارت احقاء بأن تجروها مجراهم لا تقييد الحرمة وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم احتراز عن المتبني لا ابناء الولد فيشملونهم وان سفلوا .
في الكافي عن الباقر عليه السلام في حديث هل كان يحل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نكاح حليلتي الحسن والحسين عليهما السلام فان قالوا نعم كذبوا وفجروا وان قالوا لا فهما ابناء لصلبه .
وفي الفقيه والتهذيب عن الصادق عليه السلام في الرجل تكون عنده الجارية يجردها وينظر الى جسدها نظر شهوة هل تحل لأبيه وان فعل ابوه هل تحل لابنه قال

( 437 )


إذا نظر إليها نظر شهوة ونظر منها إلى ما يحرم على غيره لم تحل لابنه وان فعل ذلك لم تحل للأب وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف فانه مغفور إن الله كان غفورا رحيما .
في الكافي عن الصادق عليه السلام في رجل طلق امرأته واختلعت أو بارأت أله ان يتزوج باختها قال إذا برأت عصمتها ولم يكن له عليها رجعة فله ان يخطب أختها
وفي رجل كانت عنده اختان مملوكتان فوطأ احداهما ثم وطأ الاخرى قال إذا وطأ الاخرى فقد حرمت عليه الاولى حتى تموت الاخرى قلت أرأيت ان باعها اتحل له الأولى قال ان كان يبيعها لحاجة ولا يخطر على قلبه من الاخرى شيء فلا ارى لذلك بأسا وان كان إنما يبيعها ليرجع إلى الأولى فلا ولا كرامة .
وفي التهذيب عنه عن أبيه عليهما السلام في اختين مملوكتين تكونان عند الرجل جميعا قال قال علي عليه الصلاة والسلام احلتهما آية وحرمتهما آية اخرى وانا انهى عنهما نفسي وولدي .
أقول : الآية المحللة قوله سبحانه والذين هم لفروجهم حافظون الا على ازواجهم أو ما ملكت ايمانهم والآية المحرمة هي قوله عز وجل وان تجمعوا بين الاختين ومورد الحل والحرمة ليس إلا الوطي خاصة دون الجمع في الملك كما ظنه صاحب التهذيب فظن ان آية الحل آية الملك وآية التحريم آية الوطي ومما يدل على ذلك صريحا ما رواه فيه عن الباقر عليه السلام انه سئل عما يروي الناس عن امير المؤمنين عليه السلام عن اشياء من الفروج لم يكن يأمر بها ولا ينهى عنها الا نفسه وولده فقيل كيف يكون ذلك قال احلتها آية وحرمتها اخرى فقيل هل الآيتان يكون احداهما نسخت الاخرى ام هما محكمتان ينبغي ان يعمل بهما فقال قد بين لهم إذ نهى نفسه وولده قيل ما منعه ان يبين ذلك للناس قال خشي ان لا يطاع ولو ان امير المؤمنين عليه السلام ثبتت قدماه اقام كتاب الله كله والحق كله .
والعياشي عن الصادق عليه السلام انه سئل عن الاختين المملوكتين تنكح

( 438 )


احداهما أتحل له الاخرى فقال ليس له ان ينكح الاخرى إلا دون الفرج وإن لم يفعل فهو خير له نظير تلك المرأة تحيض فتحرم على زوجها ان يأتيها في فرجها لقول الله تعالى ولا تقربوهن حتى يطهرن قال وان تجمعوا بين الاختين إلا ما قد سلف يعن في النكاح فيستقيم الرجل ان يأتي امرأته وهي حايض فيما دون الفرج .
(24) والمحصنات (1) من النساء اللاتي احصنهن التزويج أو الأزواج وقرئ بكسر الصاد لأنهن احصن فروجهن .
في الفقيه والعياشي عن الصادق عليه السلام هن ذوات الأزواج إلا ما ملكت أيمانكم من اللاتي سبين ولهن ازواج كفار فانهن حلال للسابين .
كما في المجمع عن امير المؤمنين عليه السلام واللاتي اشترين ولهن ازواج فان بيعهن طلاقهن .
كما في الكافي عن الصادق عليه السلام في عدة روايات واللاتي تحت العبيد فيأمرهم مواليهم بالاعتزال فيستبرؤونهن ثم يمسونهن بغير نكاح .
كما في الكافي والعياشي عنه عليه السلام كتاب الله عليكم مصدر مؤكد اي كتب الله عليكم تحريم هؤلاء كتابا وأحل لكم ما وراء ذلكم ما سوى المحرمات المذكورة وخرج عنه بالسنة ما في معنى المذكورات كسائر محرمات الرضاع والجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها بغير اذنها . كما في الكافي عن الباقر عليه السلام في عدة روايات وقرئ واحل على البناء للمفعول أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين ان تصرفوا اموالكم في مهورهن أو اثمانهن والاحصان العفة والسفاح الزنا فما استمتعتم به منهن فاتوهن أجورهن مهورهن سمي اجرا لأنه في مقابلة الاستمتاع فريضة مصدر مؤكد .
في الكافي عن الصادق عليه السلام انما نزلت فما استمتعتم به منهن إلى اجل مسمى فآتوهن اجورهن فريضة .
____________
(1) أحصن الرجل إذا تزوج فهو محصن بالكسر على القياس ومحصن بالفتح على غير القياس وحصنت المرأة أي عفت فهي حاصن وحصان بالفتح والمحصن من له فرج ويغدو عليه ويروح ( مجمع ) .

( 439 )


والعياشي عن الباقر عليه السلام انه كان يقرؤها كذلك وروته العامة ايضا عن جماعة من الصحابة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة من زيادة في المهر أو الأجل أو نقصان فيهما أو غير ذلك مما لا يخالف الشرع .
في الكافي مقطوعا .
والعياشي عن الباقر عليه السلام لا بأس بأن تزيدها وتزيدك إذا انقطع الأجل فيما بينكما يقول استحللتك بأجل آخر برضى منها ولا تحل لغيرك حتى تنقضي عدتها وعدتها حيضتان إن الله كان عليما بالمصالح حكيما فيما شرع من الأحكام .
في الكافي عن الصادق عليه السلام المتعة نزل بها القرآن وجرت بها السنة من رسول الله .
وعن الباقر عليه السلام كان علي يقول لولا ما سبقني به بني الخطاب ما زنى الا شفي .
أقول : الا شفي بالفاء يعني الا قليل ، اراد انه لولا ما سبقني به عمر من نهيه عن المتعة وتمكن نهيه في قلوب الناس لندبت الناس عليها ورغبتهم فيها فاستغنوا بها عن الزنا فما زنى منهم الا قليل وكان نهيه عنها تارة بقوله متعتان كانتا على عهد رسول الله انا محرمهما ومعاقب عليهما متعة الحج ومتعة النساء واخرى بقوله ثلاث كن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انا محرمهن ومعاقب عليهن متعة الحج ومتعة النساء وحيّ على خير العمل في الأذان ، وفيه جاء عبد الله بن عمير الليثي إلى ابي جعفر عليه السلام فقال له ما تقول في متعة النساء فقال احلها الله في كتابه وعلى لسان نبيه فهي حلال إلى يوم القيامة فقال يا ابا جعفر مثلك يقول هذا وقد حرمها عمر ونهى عنها فقال وان كان فعل قال فاني اعيذك بالله من ذلك ان تحل شيئا حرمه عمر فقال له فأنت على قول صاحبك وانا على قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهلم أُلاعنك ان القول ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وان الباطل ما قال صاحبك قال فأقبل عبد الله بن عمير فقال يسرك ان نساءك وبناتك واخواتك وبنات عمك يفعلن ذلك قال فاعرض عنه أبو جعفر حين ذكر نساءه وبنات

( 440 )


عمه وفيه سأل أبو حنيفة ابا جعفر محمد بن النعمان صاحب الطاق فقال له يا ابا جعفر ما تقول في المتعة أتزعم انها حلال قال نعم قال فما يمنعك ان تأمر نساءك يستمتعن ويكسبن عليك فقال له أبو جعفر ليس كل الصناعات يرغب فيها وان كانت حلالا وللناس اقدار ومراتب يرفعون اقدارهم ولكن ما تقول يا ابا حنيفة في النبيذ أتزعم انه حلال قال نعم قال فما يمنعك ان تقعد نساءك في الحوانيت (1) نباذات (2) فيكسبن عليك فقال أبو حنيفة واحدة بواحدة وسهمك انفذ ثم قال له يا ابا جعفر ان الآية التي في سأل سائل تنطق بتحريم المتعة والرواية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد جاءت بنسخها فقال له أبو جعفر يا ابا حنيفة ان سورة سأل سائل مكية وآية المتعة مدنية وروايتك شاذة ردية فقال أبو حنيفة وآية الميراث ايضا تنطق بنسخ المتعة فقال أبو جعفر قد ثبت النكاح بغير ميراث فقال أبو حنيفة من اين قلت ذاك فقال أبو جعفر لو أن رجلا من المسلمين تزوج بامرأة من اهل الكتاب ثم توفى عنها ما تقول فيها قال لا ترث منه فقال قد ثبت النكاح بغير ميراث ثم افترقا .
وعن الصادق عليه السلام انه سأله أبو حنيفة عن المتعة فقال عن اي المتعتين تسأل قال سألتك عن متعة الحج فأنبئني عن متعة النساء أحق هي فقال سبحان الله اما تقرأ كتاب الله فما استمتعتم به منهن فآتوهن اجورهن فريضة فقال ابو حنيفة والله لكأنها آية لم اقرأها قط .
وفي الفقيه عنه عليه السلام ليس منا من لم يؤمن بكرتنا ويستحل متعتنا .
أقول : الكرة الرجعة وهي اشارة إلى ما ثبت عنهم عليهم السلام من رجوعهم إلى الدنيا مع جماعتهم من شيعتهم في زمن القائم عليه السلام لينصروه وقد مضت الاشارة إليه فيما سلف ويأتي اخبار اخر فيها ان شاء الله .
(25) من لم يستطع منكم طولا غنى كذا في المجمع عن الباقر عليه السلام أن ينكح المحصنات المؤمنات يعني الحرائر فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم
____________
(1) الحانوت دكان الخمار (ق) .
(2) النبيذ ما يعمل من الأشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير وغير ذلك يقال : نبذت التمر والعنب إذا تركت عليه الماء ليصير نبيذا فصرف من مفعول إلى فعيل ( مجمع ) .


( 441 )


المؤمنات يعني الاماء .
في الكافي عنه عليه السلام انه سئل عن الرجل يتزوج الامة قال لا إلا ان يضطر إليه .
وعن الصادق عليه السلام لا ينبغي ان يتزوج الحر المملوكة اليوم انما كان ذلك حيث قال الله تعالى ومن لم يستطع منكم طولا والطول المهر ومهر الحرة اليوم مهر الامة أو اقل .
وعنه عليه السلام يتزوج الحرة على الامة ولا يتزوج الامة على الحرة ونكاح الامة على الحرة باطل وان اجتمعت عندك حرة وامة فللحرة يومان وللامة يوم ولا يصلح نكاح الامة إلا باذن مواليها والله أعلم بإيمانكم فاكتفوا بظاهر الإيمان فانه العالم بالسرائر وبتفاضل ما بينكم في الإيمان فرب أمة تفضل الحرة فيه ولا اعتبار بفضل النسب وحده بعضكم من بعض انتم ومماليككم متناسبون نسبكم من آدم ودينكم الإسلام فانكحوهن بإذن أهلهن .
في الفقيه والعياشي عن الصادق عليه السلام انه سئل يتزوج الرجل بالامة بغير علم اهلها قال هو زنا ان الله تعالى يقول فانكحوهن بإذن أهلهن .
في الكافي عنه عليه السلام لا بأس ان يتمتع الرجل بأمة المرأة فأما أمة الرجل فلا يتمتع إلا بأمره .
وفي التهذيب ما يقرب منه وآتوهن أجورهن بالمعروف بغير مطل وضرار ونقصان محصنات عفائف غير مسافحات غير مجاهرات بالزنا ولا متخذات أخذان اخلاء في السر فإذا أحصن بالتزويج وقرئ بفتح الهمزة والصاد فإن أتين بفاحشة زناء فعليهن نصف ما على المحصنات يعني الحرائر من العذاب يعني الحد كما قال تعالى وليشهد عذابهما طائفة .
القمي يعني به العبيد والإماء إذا زنيا ضربا نصف الحد فان عادا فمثل ذلك

( 442 )


حتى يفعلوا ذلك ثماني مرات ففي الثامنة يقتلون قال الصادق عليه السلام وانما صار يقتل في الثامنة لأن الله رحمه ان يجمع عليه ربق الرق وحد الحر .
وفي الكافي ما في معناه :
عن الصادق عليه السلام وعن الباقر عليه السلام في أمة تزني قال تجلد نصف حد الحرة كان لها زوج أو لم يكن لها زوج . وفي رواية لا ترجم ولا تنفى ذلك اي نكاح الإماء لمن خشي العنت منكم لمن خاف الإثم الذي يؤدي إليه غلبة الشهوة وأصل العنت انكسار العظم بعد الجبر فاستعير لكل مشقة وضرورة وأن تصبروا خير لكم وصبركم عن نكاح الاماء متعففين خير لكم والله غفور رحيم .
(26) يريد الله ليبين لكم ما خفي عنكم من مصالحكم ومحاسن اعمالكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم من الانبياء واهل الحق لتقتدوا بهم ويتوب عليكم ويرشدكم إلى ما يمنعكم عن المعاصي والله عليم بها حكيم في وضعها .
(27) والله يريد أن يتوب عليكم كرره للتأكيد والمقابلة ويريد الذين يتبعون الشهوات اهل الباطل أن تميلوا عن الحق بموافقتهم على اتباع الشهوات واستحلال المحرمات ميلا عظيما بالاضافة الى ميل من اقترف خطيئة على ندور غير مستحل له .
(28) يريد الله أن يخفف عنكم فلذلك شرع لكم الشريعة الحنفية السمحة السهلة ورخص لكم في المضائق كاحلال نكاح الامة عند الإضطرار وخلق الإنسان ضعيفا لا يصبر عن الشهوات ولا يتحمل مشاق الطاعات .
(29) يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل بما لم يبحه الشرع .
العياشي عن الصادق عليه السلام عنى بها القمار وكانت قريش تقامر الرجل بأهله وماله فنهاهم الله عن ذلك .
وفي المجمع عن الباقر عليه السلام الربا والقمار والبخس والظلم إلا أن تكون

( 443 )


تجارة عن تراض منكم .
القمي يعني بها الشراء والبيع الحلال .
وفي الكافي والعياشي عن الصادق عليه السلام انه سئل عن الرجل منا يكون عنده الشيء يتبلغ به وعليه دين ايطعمه عياله حتى يأتي الله عز وجل بميسرة فيقضي دينه أو يستقرض على ظهره في خبث الزمان وشدة المكاسب ويقبل الصدقة قال يقضي بما عنده دينه ولا يأكل من اموال الناس إلا وعنده ما يؤدي إليهم حقوقهم ان الله عز وجل يقول ولا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل إلا ان تكون تجارة عن تراض منكم ولا يستقرض على ظهره الا وعنده وفاء ولو طاف على ابواب الناس فردوه باللقمة واللقمتين والتمر والتمرتين الا أن يكون له ولي يقضي دينه من بعده ليس منا من يموت الا جعل الله له وليا يقوم في عدته ودينه فيقضي عدته ودينه ولا تقتلوا أنفسكم .
القمي كان الرجل إذا خرج مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الغزو يحمل على العدو وحده من غير ان يأمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنهى الله ان يقتل نفسه من غير امره .
وفي المجمع عن الصادق عليه السلام ان معناه لا تخاطروا بنفوسكم في القتال فتقاتلوا من لا تطيقونه .
والعياشي عنه عليه السلام كان المسلمون يدخلون على عدوهم في المغارات فيتمكن منهم عدوهم فيقتلهم كيف يشاء فنهاهم الله ان يدخلوا عليهم في المغارات إن الله كان بكم رحيما إنما نهاكم الله عن قتل انفسكم لفرط رحمته بكم .
العياشي عن امير المؤمنين عليه السلام قال سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الجبائر تكون على الكسير كيف يتوضأ صاحبها وكيف يغتسل إذا اجنب قال يجزيه المسح بالماء عليها في الجنابة والوضوء ، قلت وان كان في برد يخاف على نفسه إذا افرغ الماء على جسده فقرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا

( 444 )


تقتلوا انفسكم ان الله كان بكم رحيما .
أقول : هذا الحديث يشعر بعموم الحكم في سائر انواع القتل والقاء النفس الى التهلكة وارتكاب ما يؤدي إليه بل باقتراف ما يرديها فانه القتل الحقيقي للنفس ، وقيل المراد بالانفس من كان من أهل دينهم فان المؤمنين كنفس واحدة جمع في التوصية بين حفظ النفس والمال الذي هو شقيقها إذ به قوامها استبقاء لهم ريثما (1) تستكمل النفوس وتستوفي فضائلها رأفة بهم .
(30) ومن يفعل ذلك اشارة الى ما سبق من المنهيات عدوانا وظلما افراطا في التجاوز عن الحق واتيانا بما لا يستحقه فسوف نصليه نارا ندخله اياها وكان ذلك على الله يسيرا لا عسر فيه ولا صارف عنه.
(31) إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم نغفر لكم صغائركم ونمحها عنكم ولا تسألون عنها وندخلكم مدخلا كريما الجنة وما وعدتم من الثواب أو ادخالا مع كرامة ، وقرئ بفتح الميم وهو ايضا يحتمل المكان والمصدر .
في الفقيه والعياشي عن الباقر عليه السلام انه سئل عن الكبائر فقال كلما اوعد الله عليه النار .
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام في هذه الآية الكبائر التي اوجب الله عليها النار .
وفي ثواب الاعمال عنه عليه السلام في هذه الآية من اجتنب ما اوعد الله عليه النار إذا كان مؤمنا كفر الله عنه سيئاته ويدخله مدخلا كريما والكبائر السبع الموجبات قتل النفس الحرام وعقوق الوالدين واكل الربى والتعرب بعد الهجرة وقذف المحصنة واكل مال اليتيم والفرار من الزحف ، ورواها في الكافي عن الكاظم عليه السلام مع اربع روايات صادقية عدت في كل منها سبعا . وروتها العامة ايضا كذلك إلا ان
____________
(1) الريث الإبطاء كالتريث والمقدار كما في القاموس والمراد هنا مقدار ما يستكمل الله النفوس ويستوفي فضائلهما .

( 445 )


بعضها بدل بعضا ببعض والمشترك في روايات السبع القتل والعقوق وأكل مال اليتيم والفرار عن الزحف .
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام في جملة (1) الاربع أنه سأله زرارة عن الكبائر فقال هن في كتاب علي صلوات الله وسلامه عليه سبع : الكفر بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين وأكل الربى بعد البينة وأكل مال اليتيم ظلما والفرار من الزحف والتعرب بعد الهجرة قال فقلت هذا أكبر المعاصي قال نعم قلت فأكل درهم من مال اليتيم ظلما أكبر أم ترك الصلاة قال ترك الصلاة قلت فما عددت ترك الصلاة في الكبائر قال أي شيء أول ما قلت لك قال قلت الكفر قال فان تارك الصلاة كافر يعني من غير علة .
أقول : الموجبات يجوز فيها الكسر والفتح أي التي توجب النار والتي أوجب الله تعالى عليها النار والتعرب بعد الهجرة أن يعود إلى البادية ويقيم مع الأعراب بعد أن كان مهاجرا وكان من رجع بعد الهجرة الى موضعه بغير عذر يعدونه كالمرتد ولا يبعد تعميمه كل من تعلم آداب الشرع والسنة ثم تركها وأعرض عنها ولم يعمل بها .
وفي المعاني عن الصادق عليه السلام المتعرب بعد الهجرة التارك لهذا الأمر (2) بعد معرفته ومعنى بعد البينة بعد أن يتبين له تحريمه والمحصنة بفتح الصاد المعروفة بالعفة كانت ذات زوج أو لم تكن والزحف المشي إلى العدو للمحاربة ، وفي بعض الاخبار عدت أشياء أخر غير ما ذكر من الكبائر كالإشراك بالله واليأس من روح الله والامن من مكر الله والسحر والزنا واليمين الغموس الفاجرة والغلول وشهادة الزور وكتمان الشهادة وشرب الخمر وترك الصلاة والزكاة المفروضتين ونقض العهد وقطيعة الرحم واللواط والسرقة إلى غير ذلك ومعنى اليمين الغموس الفاجرة أي الكاذبة .
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام اليمين الغموس التي توجب النار الرجل يحلف على حق امرئ مسلم على حبس ماله ، قيل انما سميت غموسا لأنها تغمس
____________
(1) أي هذه من الروايات الأربع الصادقية .
(2) أي أمر الشرع ( منه ره ) .


( 446 )


صاحبها في الإثم .
وعن ابن عباس ان الكبائر إلى السبعمائة أقرب منها الى السبع . وفي المجمع نسب إلى أصحابنا ان المعاصي كلها كبيرة لكن بعضها أكبر من بعض وليس في الذنوب صغيرة وانما يكون صغيرا بالإضافة الى ما هو أكبر واستحقاق العقاب عليه أكثر ، قيل وتوفيقه مع الآية أن يقال من عّن له أمران ودعت نفسه اليهما بحيث لا يتمالك فكفها عن أكبرهما كفّر عنه ما ارتكبه لما استحق عليه من الثواب على اجتناب الأكبر كما إذا تيسر له النظر بشهوة والتقبيل فاكتفى بالنظر عن التقبيل ولعل هذا مما يتفاوت أيضا باعتبار الاشخاص والأحوال فان حسنات الأبرار سيئات المقربين ويؤاخذ المختار بما يعفى عن المضطرين .
أقول : ظاهر الآية والأخبار الواردة في تفسيرها وتفسير الكبائر يعطي تمايز كل من الصغائر والكبائر عن صاحبها كما لا يخفى على من تأمل فيها وما نسبه في المجمع إلى أصحابنا لا مستند له وقول الموفق يعطي ان من قدر على قتال أحد فقطع اطرافه كان قطع أطرافه مكفرا وهو كما ترى فلا بد لكلامه وكلام الأصحاب من توجيه حتى يوافقا الظواهر .
(32) ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض من الامور الدنيوية كالجاه والمال فلعل عدمه خير .
في المجمع عن الصادق عليه السلام أي لا يقل أحدكم ليت ما أعطي فلان من المال والنعمة والمرأة الحسناء كان لي فان ذلك يكون حسدا ولكن يجوز أن يقول اللهم اعطني مثله .
وفي الخصال عنه عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من تمنى شيئا وهو لله تعالى رضى لم يخرج من الدنيا حتى يعطى للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن بيان لذلك أي لكل من الرجال والنساء فضل ونصيب بسبب ما اكتسب ومن أجله فاطلبوا الفضل بالعمل لا بالحسد والتمني واسألوا الله من فضله أي لا تتمنوا ما للناس واسألوا الله مثله من فضله خزائنه التي لا تنفد .

( 447 )


في الفقيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ان الله تعالى أحب شيئا لنفسه وأبغضه لخلقه أبغض عز وجل لخلقه المسألة وأحب لنفسه أن يسأل وليس شيء أحب إليه من أن يسأل فلا يستحي أحدكم أن يسأل الله عز وجل من فضله ولو شسع نعل .
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام من لم يسأل الله من فضله افتقر .
وفيه والعياشي عن الباقر عليه السلام ليس من نفس إلا وقد فرض الله لها رزقا حلالا يأتيها في عافية وعرض لها بالحرام من وجه آخر فان هي تناولت شيئا من الحرام قاصها به من الحلال الذي فرضه لها وعند الله سواهما فضل كثير وهو قوله عز وجل واسألوا الله من فضله .
والعياشي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يقرب منه .
وعن الصادق عليه السلام ان الأرزاق مضمونة مقسومة ولله فضل يقسمه من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وذلك قوله تعالى واسألوا الله من فضله ثم قال وذكر الله بعد طلوع الفجر أبلغ في طلب الرزق من الضرب في الأرض إن الله كان بكل شيء عليما فهو يعلم ما يستحقه كل أحد .
(33) ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والاقربون أي لكل واحد من الرجال والنساء جعلنا ورثة هم أولى بميراثه يرثون مما ترك الوالدان والاقربون .
في الكافي عن الصادق عليه السلام انما عنى بذلك اولي الأرحام في المواريث ولم يعن أولياء النعمة فأولاهم بالميت أقربهم إليه من الرحم التي تجره إليها والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم قيل كان الرجل يعاقد الرجل فيقول دمي دمك وهدمي هدمك وحربي حربك وسلمي سلمك وترثني وارثك وتعقل عني واعقل عنك فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف فنسخ بقوله واولو الأرحام بعضهم أولى ببعض .
القمي واولو الأرحام نسخت قوله والذين عقدت وقيل معناه اعطوهم نصيبهم من النصر والعقل والرفد ولا ميراث فلا نسخ .

( 448 )


وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إذا والى الرجل الرجل فله ميراث وعليه معقلته يعني دية جناية خطأه .
وفيه والعياشي عن الرضا عليه السلام عنى بذلك الأئمة بهم عقد الله عز وجل ايمانكم ويؤيد هذا ما سبق في آية الوصية من سورة البقرة أن لصاحب هذا الأمر في أموال الناس حقا وقرأ عاقدت أي عاقدتهم أيديكم وما سحتموهم إن الله كان على كل شيء شهيدا تهديد على منع نصيبهم .
(34) الرجال قوامون على النساء يقومون عليهن قيام الولاة على الرعية بما فضل الله بعضهم على بعض بسبب تفضيله الرجال على النساء بكمال العقل وحسن التدبير ومزيد القوة في الأعمال والطاعات وبما أنفقوا من أموالهم في نكاحهن كالمهر والنفقة .
في العلل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه سئل ما فضل الرجال على النساء فقال كفضل الماء على الأرض فبالماء تحيى الأرض وبالرجال تحيى النساء ولولا الرجال ما خلقت النساء ثم تلا هذه الآية ثم قال ألا ترى إلى النساء كيف يحضن ولا يمكنهن العبادة من القذارة والرجال لا يصيبهم شيء من الطمث فالصالحات قانِتَاتّ .
القمي عن الباقر عليه السلام يقول مطيعات حافظات للغيب في أنفسهن وأموال أزواجهن .
في الكافي عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما استفاد امرؤ مسلم فائدة بعد الإسلام أفضل من زوجة مسلمة تسره إذا نظر إليها وتطيعه إذا أمرها وتحفظه إذا غاب عنها في نفسها وماله بما حفظ الله بحفظ الله اياهن واللاتي تخافون نشوزهن ترفعهن عن طاعتكم وعصيانهن لكم فعظوهن بالقول واهجروهن في المضاجع ان لم ينجع العظة .
في المجمع عن الباقر عليه السلام أنه يحول ظهره إليها واضربوهن ان لم

( 449 )


تنفع الهجرة ضربا غير شديد لا يقطع لحما ولا يكسر عظما .
في المجمع عن الباقر عليه السلام أنه الضرب بالسواك فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا بالتوبيخ والإيذاء إن الله كان عليا كبيرا فاحذروه فانه أقدر عليكم منكم على من تحت أيديكم .
(35) وإن خفتم شقاق بينهما أي الإختلاف وعدم الاجتماع على رأي كأن كل واحد في شق أي جانب فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما .
في الكافي والعياشي عن الصادق عليه السلام الحكمان يشترطان ان شاءا فرقا وان شاءا جمعا فان جمعا فجايز وان فرقا فجايز وقال ليس لهما أن يفرقا حتى يستأمراهما إن الله كان عليما خبيرا فيعلم كيف يرفع الشقاق ويقع الوفاق .
(36) واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا واحسنوا بهما احسانا .
العياشي عنهما عليهما السلام في هذه الآية ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحد الوالدين وعلي عليه السلام الآخر وبذي القربى وبصاحب القرابة واليتامى والمساكين والجار ذي القربى الذي قرب جواره والجار الجنب البعيد .
في الكافي عن الباقر عليه السلام حد الجوار أربعون دارا من كل جانب من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله .
وعن الصادق عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كل أربعين دارا جيران من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله .
وعنه عليه السلام حسن الجوار يزيد في الرزق ، وقال حسن الجوار يعمر الديار ويزيد في الأعمار .
وعن الكاظم عليه السلام ليس حسن الجوار كف الأذى ولكن حسن الجوار صبرك على الأذى .

( 450 )


وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الجيران ثلاثة فجار له ثلاثة حقوق حق الجوار وحق القرابة وحق الإسلام وجار له حقان حق الجوار وحق الإسلام وجار له حق واحد حق الجوار وهو المشرك من أهل الكتاب والصاحب بالجنب قيل من صحبكم وحصل بجنبكم لرفاقة في أمر حسن كتزوج وتعلم وتصرف وصناعة وسفر وابن السبيل المسافر والضيف وما ملكت أيمانكم العبيد والإماء .
والقمي والصاحب بالجنب صاحبك في السفر وابن السبيل يعني أبناء الطريق الذين يستعينون بك في طريقهم وما ملكت ايمانكم يعني الأهل والخادم إن الله لا يحب من كان مختالا متكبرا يأنف عن أقاربه وجيرانه وأصحابه ولا يلتفت إليهم فخورا يتفاخر عليهم .
(37) الذين يبخلون بما منحوا ويأمرون الناس بالبخل .
في الفقيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس البخيل من أدى الزكاة المفروضة من ماله وأعطى الباينة (1) في قومه انما البخيل حق البخيل من لم يؤد الزكاة المفروضة من ماله ولم يعط الباينة في قومه وهو يبذر فيما سوى ذلك .
أقول : الباينة (2) العطية سميت بها لأنها أُبينت من المال .
وعن الصادق عليه السلام البخيل يبخل بما في يده والشحيح يشح بما في أيدي الناس وعلى ما في يديه حتى لا يرى في أيدي الناس شيئا إلا تمنى أن يكون له بالحل والحرام ولا يقنع بما رزقه الله .
وفي الخصال عنه عليه السلام ما كان في شيعتنا فلا يكون فيهم ثلاثة أشياء لا يكون فيهم من يسأل بكفه ولا يكون فيهم بخيل الحديث .
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خصلتان لا يجتمعان في المسلم البخل وسوء الخلق ويكتمون ما آتاهم الله من فضله من الغنى والعلم حيث ينبغي إلاظهار
____________
(1) البون بالفتح فالسكون الفضل والمزية وهو المصدر بانه بونا إذا فضله وبينهما بون بعيد أي بين درجتيهما أو بين اعتبارهما في الشرف واما في التباعد الجسماني فيقال بينهما بين بالياء ( مجمع ) .
(2) فالصدقة الباينة هي التي يتفضل بها صاحبها من غير أن يوجبه الله تعالى عليه .


( 451 )


واعتدنا للكافرين عذابا مهينا وضع الظاهر موضع المضمر اشعار بأن من هذا شأنه كافر لنعمة الله فله عذاب يهينه كما أهان النعمة بالبخل والإخفاء .
(38) والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس شاركهم مع البخلاء في الذم والوعيد لاشتراكهما في عدم الإنفاق على ما ينبغي ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ليتحروا بالإنفاق مراضيه وثوابه ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا تنبيه على أن الشيطان قرينهم يحملهم على ذلك ويزينه لهم كقوله ان المبذرين كانوا اخوان الشياطين .
(39) وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله في طاعة الله توبيخ لهم على الجهل بمكان المنفعة والإعتقاد في الشيء على خلاف ما هو عليه وتحريض على التفكر لطلب الجواب لعله يؤدي بهم إلى العلم بما فيه من الفوائد والعوائد وتنبيه على أن المدعو إلى أمر لا ضرر فيه ينبغي أن يجيب له احتياطا فكيف إذا تضمن المنافع وانما قدم الإيمان هاهنا وأخره في الآية السابقة لأن المقصود هنا التخصيص وثمة التعليل وكان الله بهم عليما وعيد لهم .
(40) إن الله لا يظلم مثقال ذرة لا ينقص من الأجر ولا يزيد في العقاب أصغر شيء كالذرة وهي النملة الصغيرة ويقال لكل جزء من أجزاء الهباء (1) والمثقال من الثقل وإن تك حسنة وقرئ بالرفع على التامة يضاعفها يضاعف ثوابها ويؤت من لدنه ويعط صاحبها من عنده على سبيل التفضل زائدا على ما وعد في مقابلة العمل أجرا عظيما عطاء جزيلا سماه أجر التبعية له .
(41) فكيف حالهم من الهول والفزع إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك يا محمد على هؤلاء شهيدا .
في الكافي عن الصادق عليه السلام نزلت في أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاصة في كل قرن منهم امام شاهد عليهم ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم شاهد علينا .
____________
(1) الهباء ما يخرج من الكوة مع ضوء الشمس شبيه الغبار ( مجمع ) .

( 452 )


وفي الاحتجاج عن أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه في حديث يذكر فيه أحوال أهل الموقف فيقام الرسل فيسألون عن تأدية الرسالات التي حملوها إلى أممهم فاخبروا انهم قد ادوا ذلك إلى أممهم وتسأل الامم فيجحدون كما قال الله فلنسألن الذين ارسل إليهم ولنسألن المرسلين فيقولون ما جاءنا من بشير ولا نذير فيستشهد الرسل رسول الله فيشهد بصدق الرسل ويكذب من جحدها من الامم فيقول لكل أمة منهم بلى قد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير أي مقتدر على شهادة جوارحكم عليكم بتبليغ الرسل اليكم رسالاتهم ولذلك قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا فلا يستطيعون رد شهادته خوفا من أن يختم الله على أفواههم وأن يشهد عليهم جوارحهم بما كانوا يعملون ويشهد على منافقي قومه وأمته وكفارهم بالحادهم وعنادهم ونقضهم عهده وتغييرهم سنته واعتدائهم على أهل بيته وانقلابهم على أعقابهم وارتدادهم على ادبارهم واحتذائهم في ذلك سنة من تقدمهم من الامم الظالمة الخائنة لأنبيائها فيقولون بأجمعهم ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين .
أقول : نزول الآية في هذه الامة لا ينافي عموم حكمها فلا تنافى بين الروايتين وقد مضى تمام الكلام في هذا في سورة البقرة عند قوله سبحانه وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس .
(42) يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا .
العياشي عن الصادق عن جده عن أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة يصف فيهاهول يوم القيامة ختم على الأفواه فلا تكلم وتكلمت الأيدي وشهدت الأرجل وانطقت الجلود بما عملوا فلا يكتمون الله حديثا .
والقمي قال يتمنى الذين غصبوا أمير المؤمنين عليه السلام أن تكون الأرض تبلعهم في اليوم الذي اجتمعوا فيه على غصبه وان لم يكتموا ما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه .

(43) يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة لا تقوموا إليها وأنتم سكارى من نحو نوم أو خمر حتى تعلموا ما تقولون حتى تنتبهوا وتفيقوا .
في الكافي والعلل والعياشي عن الباقر عليه السلام لا تقم إلى الصلاة متكاسلا ولا متناعسا ولا متثاقلا فانها من خلال (1) النفاق وقد نهى الله عز وجل أن تقوموا إلى الصلاة وأنتم سكارى قال سكر النوم .
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام منه سكر النوم وهو يفيد التعميم .
وفي المجمع عن الكاظم عليه السلام أن المراد به سكر الشراب ثم نسختها تحريم الخمر . ومثله ما روته العامة وأنها نزلت فيمن قرأ في صلاته أعبد ما تعبدون في سكره .
والعياشي عنه هذا قبل أن يحرم الخمر ، وعن الصادق عليه السلام أنه سئل عن هذه الآية : قال يعني سكر النوم يقول بكم نعاس متكاسلا يمنعكم أن تعلموا ما تقولون في ركوعكم وسجودكم وتكبيركم وليس كما يصف كثير من الناس يزعمون أن المؤمنين يسكرون من الشراب والمؤمن لا يشرب مسكرا ولا يسكر .
أقول : لما كانت الحكمة تقتضي تحريم الخمر متدرجا والتأخير في التصريح به كما مضى بيانه في سورة البقرة وكان قوم من المسلمين يصلون سكارى منها قبل استقرار تحريمها نزلت هذه الآية وخوطبوا بمثل هذا الخطاب ثم لما ثبت تحريمها واستقر وصاروا ممن لا ينبغي أن يخاطبوا بمثله لأن المؤمنين لا يسكرون من الشراب بعد أن حرم عليهم جاز أن يقال الآية منسوخة بتحريم الخمر بمعنى عدم حسن خطابهم بمثله بعد ذلك لا بمعنى جواز الصلاة مع السكر ثم لما عم الحكم سائر ما يمنع من حضور القلب جاز أن يفسر بسكر النوم ونحوه تارة وأن يعم الحكم اخرى فلا تنافي بين هذه الروايات بحال والحمد لله على ما رزقنا من فهم كلام خلفائه ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا .
في العلل والعياشي عن الباقر عليه السلام والقمي عن الصادق عليه السلام
____________
(1) خلال الديار ما حوالي حدودها وما بين بيوتها والخلة الخصلة والجمع خلال (ق) .

( 454 )


الحائض والجنب لا يدخلان المسجد الا مجتازين فان الله تعالى يقول ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا قال بعض البارعين في علم البلاغة من أصحابنا في كتاب الفه في الصناعات البديعة عند ذكر الإستخدام بعد ما عرفه بأنه عبارة من أن يأتي المتكلم بلفظة مشتركة بين معنيين مقرونة بقرينتين يستخدم كل قرينة منهما معنى من معنيي تلك اللفظة قال وفي الآية الكريمة قد استخدم سبحانه لفظة الصلاة لمعنيين أحدهما اقامة الصلاة بقرينة قوله عز وجل حتى تعلموا ما تقولون والآخر موضع الصلاة بقرينة قوله جل ثناؤه ولا جنبا الا عابري سبيل .
أقول : هذا هو الصواب وهو الموافق لما رويناه من الأخبار في هذا الباب كما دريت لا ما تكلفته العامة تارة بأن المراد بالصلاة في صدر هذه الآية مواضعها وهي المساجد بقرينة عابري سبيل ، واخرى بأن المراد بعابري سبيل حالة السفر وذلك إذا لم يجد الماء وتيمم بقرينة حتى تعلموا ما تقولون وإن كنتم مرضى قيل يعني مريضا يخاف على نفسه باستعمال الماء والوصول إليه .
أقول : لا حاجة إلى هذا التقييد لأن قوله تعالى فلم تجدوا ماء متعلق بالجمل الأربع وهو يشمل عدم التمكن من استعماله لأن الممنوع منه كالمفقود وكذلك تقييد السفر بعدم وجدان الماء وهما مستفادان من النصوص المعصومية أيضا أو على سفر أي متلبسين به إذ الغالب فقدان الماء في أكثر الصحارى أو جاء أحد منكم من الغائط كناية عن الحدث إذ الغائط المكان المنخفظ من الأرض كانوا يقصدون للحدث مكانا منخفضا تغيب فيه أشخاصهم عن الرائي أو لامستم النساء كناية عن الجماع كذا في المجمع عن أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه .
وفي الكافي والعياشي عن الصادق عليه السلام قال هو الجماع ولكن الله ستير يحب الستر ولم يسم كما تسمون .
وعن الباقر عليه السلام ما يعني بهذا أو لامستم النساء إلا المواقعة في الفرج ، وفي رواية اخرى في الكافي أن الله حي كريم يعبر عن مباشرة النساء بملامستهن فلم تجدوا ماء بأن تفقدوه أو لم تتمكنوا من استعماله كما سبق فتيمموا صعيدا طيبا

( 455 )


فتعمدوا ترابا طاهرا .
وفي المعاني عن الصادق عليه السلام الصعيد الموضع المرتفع والطيب الموضع الذي ينحدر عنه الماء ، وقيل الصعيد وجه الأرض ترابا كان أو غيره فيجوز التيمم على الحجر الصلد ويدفعه من القرآن قوله سبحانه في سورة المائدة فامسحوا بوجوهكم وايديكم منه أي من بعضه وجعل من لابتداء الغاية تعسف إذ لم يفهم من مثله الا التبعيض وقد ورد في بعض الاخبار تفسيره به كما يأتي في محله ومن الحديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم في معرض التسهيل والتخفيف وبيان امتنان الله سبحانه عليه وعلى هذه الامة المرحومة في احدى الروايتين جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا فلو كان مطلق الأرض طهورا لكان ذكر التراب مخلا بانطباق الكلام على الغرض المسوق له وكان مقتضى الحال أن يقول جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا كما في الرواية الاخرى فامسحوا بوجوهكم وأيديكم .
في الكافي عن الباقر عليه السلام في آية التيمم التي في المائدة فلما وضع الوضوء ان لم يجدوا الماء أثبت بعض الغسل مسحا لأنه قال بوجوهكم ثم وصل بها وايديكم
أقول : نبه بذلك على عدم وجوب استيعاب الوجه واليدين بالمسح كما تفعله العامة وان الباء فيه للتبعيض ويأتي تمام الحديث ان شاء الله .
وعنه عليه السلام في صفة التيمم أنه وضع كفيه على الأرض ثم مسح وجهه وكفيه ولم يمسح الذراعين بشيء .
وعن الصادق عليه السلام أنه وصف التيمم فضرب بيديه على الأرض ثم رفعهما فنفضهما (1) ثم مسح على جبينه وكفيه مرة واحدة وفي رواية ثم مسح كفيه إحداهما على ظهر الاخرى .
وعن الرضا عليه السلام التيمم ضربة للوجه وضربة للكفين .
____________
(1) نفضت الثوب والشجر أنفضه نفضا إذا حركته لينتفض ( صحاح ) .

( 456 )


وعن الباقر عليه السلام هو ضرب واحد للوضوء وللغسل من الجنابة تضرب بيديك مرتين ثم تنفضهما نفضة للوجه ومرة لليدين ومتى أصبت الماء فعليك بالغسل ان كنت جنبا والوضوء إن لم تكن جنبا .
أقول : ضرب واحد يعني نوع واحد للطهارتين لا تفاوت فيه كما يستفاد من ظاهر الآية وظواهر الاخبار الواردة في هذا الباب لا أنه ضربة للوضوء واثنتان للغسل كما زعمت جماعة من متأخري أصحابنا كيف ذا وكل ما ورد في بيان بدل الغسل اكتفي فيه بالضربة الواحدة على أنه خلاف ظاهر اللفظ .
وفي الفقيه والتهذيب عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن التيمم من الوضوء ومن الجنابة ومن الحيض للنساء سواء فقال نعم .
أقول : وانما أستحب المرتان فيهما لاشتراط علوق التراب بالكف كما أشرنا إليه فان الضربة في التيمم بمنزلة اغتراف الماء في الوضوء والغسل فلعله ربما يذهب التراب عن الكفين بمسح الوجه ولا يبقى لليدين فالإحتياط يقتضي الضربتين في الطهارتين وأما النفض فلعله لتقليل التراب لئلا يتشوه به الوجه إن الله كان عَفُوّاً غفورا فلذلك يسر الأمر عليكم ورخص لكم .
(44) ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا حظا يسيرا من الكتاب من علم التوراة كما قيل أنها نزلت في أحبار اليهود يشترون الضلالة يستبدلونها بالهدى بعد حصوله لهم بالمعجزات الدالة على صدق محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنه المبشر به في التوراة ويريدون أن تضلوا أيها المؤمنون السبيل سبيل الحق .
(45) والله أعلم منكم بأعدائكم وقد أخبركم بعداوة هؤلاء وما يريدون بكم فاحذروهم وكفى بالله وليا يلي أمركم وكفى بالله نصيرا يعينكم فثقوا به واكتفوا به عن غيره .
(46) من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه يميلون عنها بتبديل كلمة مكان اخرى كما حرفوا في وصف محمد صلى الله عليه وآله وسلم اسمر (1) ربعة عن
____________
(1) الأسمر من شبه لونه لون الحنطة والأدم من اشتد سمرته والربعة من ليس بطويل ولا قصير ( منه ره ) .

( 457 )


موضعه في التوراة ووضعوا مكانه أدم طوال (1) ويقولون سمعنا قولك وعصينا أمرك واسمع غير مسمع يعنون اسمع منا ندعو عليك بلا سمعت أو اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه وراعنا انظرنا نكلمك أو نفهم كلامك يعنون به السب فان راعنا سب في لغتهم ليّاً بألسنتهم فتلا بها وصرفا للكلام إلى ما يشبه السب حيث وضعوا راعنا المشابه لما يتسابون به موضع انظرنا وراقبنا وغير مسمع موضع لا أسمعت مكروها أو فتلا بها وضَمّاً ما يظهرون من الدعاء والتوقير إلى ما يضمرونه من الشتم والتحقير نفاقا وطعنا في الدين استهزاء به وسخرية ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأَقْوَمَ واعدل واسد ولكن لعنهم الله خذلهم وأبعدهم عن الهدى بكفرهم بسبب كفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا إلا ايمانا قليلا لا يعبأ به وهو الايمان ببعض الآيات والرسل وايمانا ضعيفا لا اخلاص فيه أو الا قليلا منهم .
(47) يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها .
في المجمع عن الباقر عليه السلام ان المعنى نطمسها عن الهدى فنردها على ادبارها في ضلالتها بحيث لا يفلح أبدا والطمس (2) ازالة الصورة ومحو التخطيط أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت أو نخزيهم بالمسخ كما أخزيناهم به وكان أمر الله مفعولا فيقع لا محالة ما أوعدتم به إن لم تؤمنوا .
(48) إن الله لا يغفر أن يشرك به لأنه حكم على خلود عذابه من جهة أن ذنبه لا ينمحي عنه أثره فلا يستعد للعفو الا أن يتوب ويرجع إلى التوحيد فان باب التوبة مفتوح أبدا ويغفر ما دون ذلك ما دون الشرك صغيرا كان أو كبيرا لمن يشاء تفضلا عليه واحسانا .
في الكافي عن الصادق عليه السلام في هذه الآية قال الكبائر فما سواها .
وفيه وفي الفقيه أنه سئل هل تدخل الكبائر في مشية الله قال نعم ذاك إليه عز
____________
(1) الطوال بالضم الطويل ( منه ره ) .
(2) في الحديث لا صورة ولا تخطيط ولا تحديد وفيه أن قوما يصنعون الله بالصورة والتخطيط أي انه ذو أضلاع (م) .


( 458 )


وجل ان شاء عذب عليها وإن شاء عفى عنها .
والقمي عنه عليه السلام ما يقرب من صدره .
وفي الفقيه عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه في حديث ولقد سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لو أن المؤمن خرج من الدنيا وعليه مثل ذنوب أهل الأرض لكان الموت كفارة لتلك الذنوب ثم قال من قال لا إله إلا الله باخلاص فهو بريء من الشرك ومن خرج من الدنيا لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ثم تلا هذه الآية ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء من شيعتك ومحبيك يا علي قال أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام فقلت يا رسول الله هذا لشيعتي قال أي وربي انه لشيعتك .
والعياشي عن الباقر عليه السلام ان الله لا يغفر أن يشرك به يعني أنه لا يغفر لمن يكفر بولاية علي صلوات الله عليه ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء يعني لمن والى عليا عليه السلام .
وعن الصادق عليه السلام انه سئل عن أدنى ما يكون الإنسان مشركا قال من ابتدع رأيا فأحب عليه أو ابغض .
وفي التوحيد عن أمير المؤمنين عليه السلام ما في القرآن آية أحب إلي من قوله عز وجل ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ارتكب مايستحقر دونه من الآثام والإفتراء كما يطلق على القول يطلق على الفعل .
(49) ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم نزلت في اليهود والنصارى حيث قالوا نحن أبناء الله واحباؤه وقالوا لن يدخل الجنة الا من كان هودا أو نصارى كذا في المجمع عن الباقر عليه السلام .
والقمي قال هم الذين سموا أنفسهم بالصديق والفاروق وذي النورين بل الله يزكي من يشاء لأنه العالم بما ينطوي عليه الإنسان من حسن أو قبح دون غيره ولا

( 459 )


يظلمون فتيلا أدنى ظلم وأصغره وهو الخيط الذي في شق النواة يضرب به المثل في الحقارة .
(50) أنظر كيف يفترون على الله الكذب في زعمهم أنهم أبناء الله وازكياء عنده وكفى به بالإفتراء إثما مبينا .
(51) ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت .
القمي قال نزلت في اليهود حين سألهم مشركوا العرب أديننا أفضل أم دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم قالوا بل دينكم أفضل قال وروي أيضا أنها نزلت في الذين غصبوا آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين حقهم وحسدوا منزلتهم .
والعياشي عن الباقر عليه السلام الجبت والطاغوت فلان وفلان .
أقول : الجبت في الأصل اسم صنم فاستعمل في كل ما عبد من دون الله تعالى والطاغوت يطلق على الشيطان وعلى كل باطل من معبود أو غيره ويقولون للذين كفروا لأجلهم وفيهم أهؤلاء إشارة إليهم أهدى من الذين آمنوا سبيلا أقوم دينا وأرشد طريقا .
في الكافي عن الباقر عليه السلام يقولون لأئمة الضلال والدعاة إلى النار هؤلاء أهدى من آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين .
(52) أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا .
(53) أم لهم نصيب من الملك انكار يعني ليس لهم ذلك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا يعني لو كان لهم نصيب في الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا .
في الكافي عن الباقر عليه الصلاة والسلام ام لهم نصيب من الملك يعني الامامة والخلافة قال ونحن الناس الذين عنى الله والنقير النقطة التي في وسط النواة .
أقول : لعل التخصيص لأجل أن الدنيا خلقت لهم والخلافة حقهم فلو كانت الأموال في أيديهم لا تنفع بها سائر الناس ولو منعوا عن حقوقهم لمنع سائر الناس

( 460 )


فكأنهم كل الناس وقد ورد نحن الناس وشيعتنا أشباه الناس وسائر الناس نسناس .
(54) أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله .
في الكافي والعياشي وغيرهما عنهم عليهم السلام في عدة روايات نحن المحسودون الذين قال الله على ما آتانا الله من الإمامة .
وفي المجمع عن الباقر عليه السلام المراد بالناس النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما فلا يبعد أن يؤتيهم الله مثل ما آتاهم فانهم (1) كانوا بني عمهم .
في الكافي والقمي عن الصادق عليه السلام الكتاب النبوة والحكمة الفهم والقضاء والملك العظيم الطاعة المفروضة .
وفي الكافي والعياشي عن الباقر عليه السلام يعني جعل منهم الرسل والأنبياء والأئمة فكيف يقرون في آل ابراهيم وينكرونه في آل محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، وقال الملك العظيم ان جعل فيهم أئمة من أطاعهم أطاع الله ومن عصاهم عصى الله فهو الملك العظيم .
(55) فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه اعرض ولم يؤمن وكفى بجهنم سعيرا نارا مسعورة يعذبون بها يعني إن لم يعجلوا بالعقوبة فقد كفاهم ما أعد لهم من سعير جهنم .
(56) إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا .
القمي قال الآيات أمير المؤمنين والأئمة صلوات الله عليهم أجمعين .
كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب .
في الإحتجاج عن الصادق عليه السلام أنه سأله ابن أبي العوجاء عن هذه الآية فقال ما ذنب الغير قال ويحك هي هي وهي غيرها قال فمثل لي في ذلك شيئا من أمر
____________
(1) لأنهم من أولاد اسحاق وقريش من اسمعيل .

( 461 )


الدنيا قال نعم أرأيت لو أن رجلا أخذ لبنة فكسرها ثم ردها في ملبنها فهي هي وهي غيرها .
والقمي عنه عليه السلام ما في معناه إن الله كان عزيزا لا يمتنع عليه ما يريده حكيما يعاقب على وفق حكمته .
(57) والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا دائما لا تنسخه الشمس مشتقة من الظل لتأكيده كما قيل ليل أليل وشمس شامس وانما أخر ذكر الوعد عن الوعيد لكونه (1) بالعرض .
(58) إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها .
في الكافي وغيره في عدة روايات أن الخطاب إلى الأئمة عليهم السلام أمر كل منهم أن يؤدي إلى الإمام الذي بعده ويوصي إليه ثم هي جارية في سائر الامانات .
وفيه وفي العياشي عن الباقر عليه الصلاة والسلام ايانا عنى أن يؤدي الإمام الأول إلى الذي بعده العلم والكتب والسلاح .
وفي المجمع عنهما عليهما السلام أنها في كل من ائتمن أمانة من الأمانات أمانات الله أوامره ونواهيه وأمانات عباده فيما يأتمن بعضهم بعضا من المال وغيره .
وعنهم عليهم السلام في عدة روايات لا تنظروا الى طول ركوع الرجل وسجوده فان ذلك شيء اعتاده فلو تركه استوحش لذلك ولكن انظروا إلى صدق حديثه وأداء أمانته .
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام ان ضارب علي بالسيف وقاتله لو ائتمنني واستنصحني واستشارني ثم قبلت ذلك منه لأديت إليه الأمانة وفي معناها أخبار كثيرة وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل .
____________
(1) قوله لكونه بالعرض أي لكون الوعد في المقام مذكورا بالعرض لأن الغرض الأصلي فيه الوعيد أو لأن الوعد بلحاظ أسبابه عرضي للانسان لأن العادة الثانوية فيه الشر أو لغير ذلك فتأمل .

( 462 )


في الكافي والعياشي عن الباقر عليه السلام يعني العدل الذي في أيديكم (1) .
وفي رواية اخرى للعياشي أن تحكموا بالعدل إذا ظهر ثم أن تحكموا بالعدل إذا بدت في أيديكم إن الله نِعَمّا يعظكم .
العياشي عن الباقر عليه السلام فينا نزلت والله المستعان إن الله كان سميعا بصيرا بأقوالكم وأفعالكم وماتفعلون في أماناتكم .
(59) يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم .
في الكافي والعياشي عن الصادق عليه السلام أيانا عنى خاصة أمر جميع المؤمنين إلى يوم القيامة بطاعتنا .
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن الأوصياء طاعتهم مفروضة قال نعم هم الذين قال الله : أطيعوا الله الآية وقال الله انما وليكم الله الآية .
وفيه والعياشي عنه عليه السلام في هذه الآية قال نزلت في علي بن أبي طالب والحسن والحسين عليهم الصلاة والسلام فقيل ان الناس يقولون فماله لم يسم عليا وأهل بيته في كتابه فقال فقولوا لهم نزلت الصلاة ولم يسم الله لهم ثلاثا ولا أربعا حتى كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسر ذلك لهم ونزلت عليه الزكاة ولم يسم لهم من كل أربعين درهما درهم حتى كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي فسر ذلك لهم ونزل الحج فلم يقل طوفوا اسبوعا حتى كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ونزلت أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الأمر
____________
(1) لعله أراد بالعدل الذي في أيدينا الشريعة المحمدية البيضاء بالإضافة الى سائر الشرائع المنسوخة فان كل واحدة منها وان كانت عدلا وحقا لكن الأمر في هذه الآية تعلقت بخصوصها منسأ عن نسخ الباقي وان الحكم على مقتضاها بعد اكمال الدين بهذه الشريعة حكم بالباطل مع مخالفتها أو الخطاب للشيعة فالمراد بما في أيديهم المذهب العلوي في قبال المذاهب الباطلة أو المراد الأحكام المأخوذة من ظاهر القرآن والسنة المبنية على التقية من المعصومين عليهم السلام أو الرعية والإغماض عن التحريفات العارضة لها حتى يظهر صاحب هذا الأمر فيستقيم به ويرشد إلى هذا ظاهر الرواية الثانية فان قوله عليه السلام أن تحكموا بالعدل إذا ظهر ، الظاهر ان المراد بوقت الظهور العدل الكلي ، وقوله ثم أن تحكموا بالعدل إذا بدت في أيديكم يعني كلما تمكنتم منه بعد ان لم يظهر العدل كله يعني ما قبل زمان القائم (عج) وقدم الأول مع أنه لم يكن موجودا وأخر الثاني مع حضوره للاهتمام بالأول واشرفيته وتقدمه بالطبع أو المراد العدل الذي تقدرون عليه أوتعلمونه .

( 463 )


منكم ونزلت في علي والحسن والحسين عليهم السلام فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في علي من كنت مولاه فعليّ مولاه ، وقال أوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي فإني سألت الله أن لا يفرق بينهما حتى يوردهما عليّ الحوض فاعطاني ذلك وقال لا تعلموهم فإنهم أعلم منكم وقال انهم لن يخرجوكم من باب هدى ولن يدخلوكم في باب ضلالة فلو سكت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يبين من أهل بيته لادعاها آل فلان وآل فلان ولكن الله أنزل في كتابه تصديقا لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا فكان علي والحسن والحسين وفاطمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فادخلهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحت الكساء في بيت أم سلمة ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم اللهم ان لكل نبي أهلا وثقلا وهؤلاء أهل بيتي وثقلي فقالت أم سلمة ألست من أهلك فقال انك على خير ولكن هؤلاء أهل بيتي وثقلي ( الحديث ) .
وزاد العياشي آل عباس وآل عقيل قبل قوله وآل فلان وآل فلان .
وعن الصادق عليه السلام انه سئل عما بنيت عليه دعائم الإسلام إذا أخذ بها زكى العمل ولم يضر جهل ما جهل بعده فقال شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والإقرار بما جاء به من عند الله وحق في الأموال الزكاة والولاية التي أمر الله بها ولاية آل محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال من مات ولا يعرف امامه مات ميتة جاهلية قال الله تعالى أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فكان علي عليه السلام ثم صار من بعده الحسن ثم من بعده الحسين ثم من بعده علي بن الحسين ثم من بعده محمد بن علي ثم هكذا يكون الأمر ان الأرض لا تصلح إلا بإمام عليهم السلام ( الحديث ) .
وفي المعاني عن سليم بن قيس الهلالي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه سئل ما أدنى ما يكون به الرجل ضالا فقال أن لا يعرف من أمر الله بطاعته وفرض ولايته وجعل حجته في أرضه وشاهده على خلقه قال فمن هم يا أمير المؤمنين قال

( 464 )


الذين قرنهم الله بنفسه ونبيه فقال يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم قال فقبلت رأسه وقلت أوضحت لي وفرجت عني وأذهبت كل شك كان في قلبي .
وفي الإكمال عن جابر بن عبد الله الأنصاري ( رض ) قال لما نزلت هذه الآية قلت يا رسول الله عرفنا الله ورسوله فمن أولي الأمر الذين قرنهم الله طاعتهم بطاعتك فقال هم خلفائي يا جابر وأئمة المسلمين من بعدي أولهم علي بن أبي طالب ثم الحسن ثم الحسين ثم علي بن الحسين ثم محمد بن علي صلوات الله عليهم المعروف في التوراة بالباقر وستدركه يا جابر فإذا لقيته فاقرئه مني السلام ثم الصادق جعفر بن محمد ثم موسى بن جعفر ثم علي بن موسى ثم محمد بن علي ثم علي بن محمد ثم الحسن بن علي ثم سميي محمد وكنيي حجة الله في أرضه وبقيته في عباده ابن الحسن بن علي صلوات الله عليهم ، ذاك الذي يفتح الله على يديه مشارق الأرض ومغاربها ، ذاك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بامامته الا من امتحن الله قلبه للإيمان قال جابر فقلت له يا رسول الله فهل لشيعته الإنتفاع به في غيبته فقال أي والذي بعثني بالنبوة إنهم يستضيؤون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وان تجلاها سحاب يا جابر هذا من مكنون سر الله ومخزون علم الله فاكتمه الا عن أهله والأخبار في هذا المعنى في الكتب المتداولة المعتبرة لا تحصى كثرة .
وفي التوحيد عن أمير المؤمنين عليه السلام اعرفوا الله بالله تعالى والرسول بالرسالة وأولي الأمر بالمعروف والعدل والإحسان .
وفي العلل عنه عليه السلام لا طاعة لمن عصى الله وانما الطاعة لله ولرسوله ولولاة الأمر انما أمر الله بطاعة الرسول لأنه معصوم مطهر لا يأمر بمعصية وانما أمر بطاعة أولي الأمر لأنهم معصومون مطهرون لا يأمرون بمعصية فإن تنازعتم أيها المأمورون في شيء من امور الدين فردوه فراجعوا فيه إلى الله إلى محكم كتابه والرسول بالسؤال عنه في زمانه

( 465 )


وبالأخذ بسنته والمراجعة إلى من أمر بالمراجعة إليه بعده فانها رد إليه .
القمي عن الصادق عليه السلام قال نزل فان تنازعتم في شيء فردوه الى الله والى الرسول والى أولي الأمر منكم .
وفي الكافي والعياشي عن الباقر عليه السلام انه تلا هذه الآية هكذا فان خفتم تنازعا في أمر فردوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منكم قال كذا نزلت وكيف يأمرهم الله عز وجل بطاعة ولاة الأمر ويرخص في منازعتهم انما قيل ذلك للمأمورين الذين قيل لهم أطيعوا الله .
وفي نهج البلاغة في معنى الخوارج لما أنكروا تحكيم الرجال انا لم نحكم الرجال وانما حكمنا القرآن وهذا القرآن انما هو خط مسطور بين الدفتين لا ينطق بلسان ولا بد له من ترجمان وانما ينطق عنه الرجال ولما دعانا القوم إلى أن نحكم بيننا القرآن لم نكن الفريق المتولي عن كتاب الله تعالى وقال سبحانه فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول فرده إلى الله أن نحكم بكتابه ورده إلى الرسول أن نأخذ بسنته فإذا حكم بالصدق كتاب الله فنحن أحق الناس به وان حكم بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنحن أولاهم به وقال عليه السلام في عهده للأشتر واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب ويشتبه عليك من الأمور فقد قال الله سبحانه لقوم أحب ارشادهم يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول فالراد إلى الله الأخذ بمحكم كتابه والراد إلى الرسول الأخذ بسنته الجامعة غير المفرقة .
وفي الإحتجاج عن الحسين بن علي عليه السلام في خطبته واطيعونا فان طاعتنا مفروضة إذ كانت بطاعة الله وطاعة رسوله مقرونة قال الله تعالى أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول وقال ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر فان الإيمان يوجب ذلك أي الرد خير وأحسن تأويلا من تأويلكم بلا رد .


(60) ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا .
القمي نزلت في الزبير بن العوام نازع رجلا من اليهود في حديقة فقال الزبير نرضى بابن شيبة اليهودي وقال اليهود نرضى بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله .
وفي الكافي عن الصادق عليه الصلاة والسلام أيما رجل كان بينه وبين أخ مماراة في حق فدعاه إلى رجل من اخوانه ليحكم بينه وبينه فأبى إلا أن يرافعه إلى هؤلاء كان بمنزلة الذين قال الله ألم تر إلى الذين يزعمون الآية .
وعنه عليه السلام أنه سئل عن رجلين من أصحابنا يكون بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة أيحل ذلك فقال من تحاكم إلى الطاغوت فحكم له فانما يأخذ سحتا (1) وان كان حقه ثابتا لأنه أخذ بحكم الطاغوت وقد أمر الله أن يكفر به قيل كيف يصنعان قال انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فارضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكما فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنما بحكم الله استخف وعلينا رد والراد علينا راد على الله وهو على حد الشرك بالله .
(61) وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون يعرضون عنك صدودا .
القمي هم أعداء آل محمد صلوات الله عليهم كلهم جرت فيهم هذه الآية .
(62) فكيف يكون حالهم إذا أصابتهم مصيبة نالهم من الله عقوبة بما قدمت
____________
(1) السحت هو بضمتين واسكان الثاني تخفيفا كل ما لا يحل كسبه واشتقاقه من السحت وهو الاستيصال يقال سحته وأسحته أي استأصله ويسمى الحرام به لأنه يعقب عذاب الاستيصال وقيل لأنه بركة وقيل انه يسحت مروة الإنسان ( مجمع ) .

( 467 )


أيديهم من التحاكم إلى غيرك واظهار السخط لحكمك ثم جاؤوك فيعتذرون اليك يحلفون بالله إن أردنا بالتحاكم إلى غيرك إلا إحسانا وهو التخفيف عنك وتوفيقا بين الخصمين بالتوسط ولم نرد مخالفتك .
(63) أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم من الشرك والنفاق فأعرض عنهم أي لا تعاقبهم لمصلحة في استبقائهم .
في الكافي والعياشي عن الكاظم عليه السلام فقد سبقت عليهم كلمة الشقاء وسبق لهم العذاب وعظهم بلسانك وقل لهم في أنفسهم في شأن أنفسهم أو خاليا بهم فان النصيحة في السر أنجع قولا بليغا يؤثر فيهم كتخويفهم بالقتل والاستيصال ان ظهر منهم النفاق .
(64) وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله نبه به على أن الذي لم يرض بحكمه كافر وان أظهر الإسلام ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم بالنفاق جاؤوك تائبين فاستغفروا الله مخلصين واستغفر لهم الرسول بأن اعتذروا اليه حتى انتصب لهم شفيعا لوجدوا الله توابا رحيما لعلموه قابلا لتوبتهم متفضلا عليهم بالرحمة .
(65) فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم فيما اختلف بينهم واختلط ومنه الشجر لتداخل أغصانه ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ضيقا مما حكمت به ويسلموا تسليما وينقادوا لك انقيادا بظاهرهم وباطنهم .
وفي الكافي عن الباقر عليه السلام لقد خاطب الله أمير المؤمنين عليه السلام في كتابه في قوله ولو أنهم إذ ظلموا وتلا إلى قوله فيما شجر بينهم قال فيما تعاقدوا عليه لئن أمات الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم لا يردوا هذا الأمر في بني هاشم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت عليهم من القتل أو العفو ويسلموا تسليما
القمي جاؤوك يا علي قال هكذا نزلت .
(66) ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم اما بالتعرض للجهاد أو كما فعلت بنو اسرائيل أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم توبيخ بليغ لهم وقرئ قليلا

( 468 )


ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا لإيمانهم . في الكافي عن الصادق عليه السلام ولو أن أهل الخلاف فعلوا .
وعن الباقر عليه السلام ما يوعظون به في علي عليه السلام قال هكذا نزلت .
(67) وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما .
(68) ولهديناهم صراطا مستقيما يصلون بسلوكه جنات القدس ويفتح لهم أبواب الغيب فان من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم .
(69) ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين الذين هم في أعلى عليين والصديقين الذين صدقوا في أقوالهم وأفعالهم والشهداء المقتول أنفسهم وأبدانهم بالجهاد الأكبر والأصغر والصالحين الذين صلحت حالهم واستقامت طريقتهم وحسن أولئك رفيقا فيه معنى التعجب كأنه قيل وما أحسن أولئك رفيقا والرفيق كالصديق يستوي فيه الواحد والجمع ، رغّب الله المؤمنين في طاعة الله وطاعة رسوله بهذا الوعد وما أحسنه من وعد رزقنا الله نيله بمنه وجوده .
في الكافي عن الباقر عليه السلام أعينونا بالورع فانه من لقي الله تعالى منكم بالورع كان له عند الله فرجا ان الله عز وجل يقول ومن يطع الله والرسول وتلا الآية ثم قال فمنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومنا الصديق والشهداء والصالحون .
وعن الصادق عليه السلام المؤمن مؤمنان مؤمن في الله بشروطه التي اشترطها عليه فذلك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا وذلك ممن يشفع ولا يشفع له وذلك ممن لا يصيبه أهوال الدنيا ولا أهوال الآخرة ومؤمن زلت به قدم فذلك كخامة (1) الزرع كيفما كفأته (2) الريح انكفى وذلك ممن يصيبه أهوال الدنيا وأهوال الآخرة ويشفع له وهو على خير .
وفيه والعياشي عنه عليه السلام لقد ذكركم الله في كتابه فقال أولئك مع الذين
____________
(1) الخامة من الزرع أول ما ينبت على ساق أو الطاقة الغضة منه والشجرة الغضة منه (ق) .
(2) كفأت الإناء واكفاته إذا كببته وإذا أمليته (مجمع) كفأه كمنعه صرفه وكبه وقلبه كاكفاه واكتفاه وانكفأ رجع ولو تغير (ق) .


( 469 )


أنعم الله الآية فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الآية النبيون ونحن في هذا الموضع الصديقون والشهداء وأنتم الصالحون فتسموا (1) بالصلاح كما سماكم الله .
والعياشي عن الرضا عليه السلام حق على الله أن يجعل ولينا رفيقا للنبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .
وفي العيون عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكل أمة صديق وفاروق وصديق هذه الامة وفاروقها علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه .
(70) ذلك الفضل من الله تفضل عليهم من الله تبعا لثوابهم وكفى بالله عليما بمقادير الفضل واستحقاق أهله .
(71) يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم تيقظوا واستعدوا للأعداء والحَذر والحِذر بمعنى يقال أخذ حذره إذا تيقظ وتحفظ من المخوف كأنه جعل الحذر آلته التي يحفظ بها نفسه .
وفي المجمع عن الباقر عليه السلام خذوا أسلحتكم سمى الأسلحة حذرا لأن بها يتقى المحذور فانفروا فاخرجوا إلى الجهاد هذا تفسيره وتأويله إلى الخيرات كلها ثبات جماعات متفرقة جمع ثبة أو انفروا جميعا مجتمعين كوكبة (2) واحدة ولا تتخاذلوا .
في المجمع عن الباقر عليه السلام الثبات السرايا والجميع العسكر .
(72) وإن منكم لمن ليبطئن يحتمل اللازم والمتعدي وهم المنافقون فإن أصابتكم مصيبة كقتل وهزيمة قال أي المبطي قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيدا حاضرا فيصيبني ما أصابهم .
القمي والعياشي عن الصادق عليه السلام لو قال هذه الكلمة أهل الشرق والغرب لكانوا بها خارجين من الإيمان ولكن الله قد سماهم مؤمنين باقرارهم ، وفي
____________
(1) وسمه يسمه وسما فأقسم والوسام والسمة بكسرهما ما وسم به الحيوان (ق) .
(2) الكوكبة الجماعة (ق) .


( 470 )


رواية سماهم مؤمنين وليسوا هم بمؤمنين ولا كرامة .
(73) ولئن أصابكم فضل من الله كفتح وغنيمة ليقولن تحسرا كأن لم تكن بينكم وبينه مودة اعتراض بين القول والمقول يا ليتني يا قوم ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما نبه بالاعتراض على ضعف عقيدتهم وان قولهم هذا قول من لا مواصلة بينكم وبينه وانما يريد أن يكون معكم لمجرد المال .
(74) فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة يعني المخلصين الباذلين أنفسهم في طلب الاخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما قيل وعد له الأجر العظيم غَلب أو غُلب ترغيبا في القتال وتكذيبا لقولهم قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا وانما قال فيقتل أو يغلب تنبيها على أن المجاهد ينبغي أن يثبت في المعركة حتى يعز نفسه بالشهادة أو الدين بالظفر والغلبة وأن لا يكون قصده بالذات إلى القتل بل إلى إعلاء الحق وإعزاز الدين .
في الكافي وغيره عن الصادق عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوق كل بّر بر حتى يقتل في سبيل الله فإذا قتل في سبيل الله فليس فوقه بر .
وعنه عليه السلام من قتل في سبيل الله لم يعرفه الله شيئا من سيئاته .
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم للشهيد سبع خصال من الله اول قطرة من دمه مغفور له كل ذنب والثانية يقع رأسه في حجر زوجتيه من الحور العين وتمسحان الغبار عن وجهه تقولان مرحبا بك ويقول هو مثل ذلك لهما والثالثة يكسى من كسوة الجنة والرابعة يبتدر (1) خزنة الجنة بكل ريح طيبة أيهم يأخذه منه والخامسة أن يرى منزله والسادسة يقال لروحه أسرع في الجنة حيث شئت والسابعة أن ينظر في وجه الله وأنها الراحة لكل نبي وشهيد .
(75) وما لكم وأي عذر لكم لا تقاتلون في سبيل الله في طاعته واعزاز دينه
____________
(1) تبتدره خزنة الجنة أي يسرعون إليه (م) .

( 471 )


واعلاء كلمته والمستضعفين وفي سبيل المستضعفين بتخليصهم عن الأسر وصونهم عن العدو أو في خلاصهم أو نصب على الإختصاص فان سبيل الله يعم كل خير وهذا أعظمها من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا قيل هم الذين أسلموا بمكة وصدهم المشركون عن الهجرة فبقوا بين أظهرهم (1) يلقون منهم الأذى فكانوا يدعون الله بالخلاص ويستنصرونه فيسر لبعضهم الخروج إلى المدينة وبقي بعضهم إلى الفتح حتى جعل الله لهم خير ولي وخير ناصر وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم فولاهم أحسن التولي ونصرهم أعز النصر وكانوا قد أشركوا صبيانهم في دعائهم استنزالا برحمة الله بدعاء صغارهم الذين لم يذنبوا .
العياشي عنهما عليهما السلام في هذه الآية قالا نحن اولئك .
(76) الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله فيما يصلون به إلى الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فيما يبلغ بهم إلى الشيطان فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا ترغيب للمؤمنين إلى القتال وتشجيع لهم وتنبيه لهم على أنهم أولياء الله وأنه ناصرهم .
(77) ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم عن القتال وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة واشتغلوا بما أمرتم به وذلك حين كانوا بمكة وكانوا يتمنون أن يؤذن لهم فيه .
في الكافي عن الصادق عليه السلام كفوا أيديكم يعني كفوا السنتكم وقال أما ترضون أن تقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة وتكفوا وتدخلوا الجنة .
وعن الباقر عليه السلام أنتم والله أهل هذه الآية فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله يخشون الكفار أن يقتلوهم كما يخشون الله أن ينزل عليهم بأسه أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب .
____________
(1) واظهر الناس أوساطهم ومنه الحديث الأئمة تتقلب في الأرض بين أظهر كم أي في أوساطكم ومثله أقاموا بين ظهرانيهم وبين أظهرهم أي بينهم على سبيل الاستظهار والاستناد إليهم وزيدت فيه الف ونون مفتوحة تأكيدا ومعناه ظهرانيهم قدامهم وظهرانيهم ورائهم فهم مكنوفون من جوانبهم اذا ثم كثر حتى استعمل في الاقامة بين القوم مطلقا ( مجمع ) .

( 472 )


في الكافي والعياشي عنه عليه السلام كفوا أيديكم مع الحسن كتب عليهم القتال مع الحسين عليهم السلام إلى أجل قريب إلى خروج القائم فان معه الظفر قل متاع الدنيا قليل سريع التقضي والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا ولا ينقصون أدنى شيء من ثوابكم فلا ترغبوا عنه وقرىء بالغيبة .
(78) أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة في قصور مجصصة أو مرتفعة وإن تصبهم حسنة أي نعمة كخصب (1) يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة أي بلية كقحط يقولوا هذه من عندك يطيروا بك قل كل من عند الله يبسط ويقبض حسب ارادته فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا فيعلموا ان الله هو الباسط القابض وأفعاله كلها صادرة عن حكمة وصواب .
(79) ما أصابك يا انسان من حسنة من نعمة فمن الله تفضلا منه وامتنانا وامتحانا فان كل ما يأتي به العبد من عبادة فلا يكافي صغرى نعمة من أياديه وما أصابك من سيئة من بلية فمن نفسك لأنها السبب فيها لاستجلابها بالمعاصي وهو لا ينافي قوله قل كل من عند الله فان الكل منه ايجادا وإيصالا غير ان الحسنة احسان وامتحان والسيئة مجازاة وانتقام قال الله تعالى ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير .
القمي عنهم عليهم السلام إن الحسنات في كتاب الله على وجهين أحدهما الصحة والسلامة والسعة في الرزق والآخر الأفعال كما قال تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ، وكذلك السيئات فمنها الخوف والمرض والشدة ومنها الأفعال التي يعاقبون عليها .
وفي التوحيد عن الصادق عليه الصلاة والسلام كما ان بادي النعم من الله عز وجل نحلكموه (2) فكذلك الشر من أنفسكم وان جرى به قدره .
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام قال الله : ابن آدم بمشيتي كنت أنت
____________
(1) الخصب بالكسر كحمل : النماء والبركة وهو خلاف الجدب ( مجمع ) .
(2) نحلة أي أعطاه ووهبه من طيب نفس بلا توقع عوض (م) .


( 473 )


الذي تشاء لنفسك ما تشاء وبقوتي أديت فرائضي وبنعمتي قويت على معصيتي جعلتك سميعا بصيرا قويا ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وذلك أني أولى بحسناتك منك وأنت أولى بسيئاتك مني وذلك أني لا أسئل عما أفعل وهم يسألون .
والعياشي ما يقرب منه وأرسلنك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا على ذلك فما ينبغي لأحد أن يخرج من طاعتك .
(80) ومن يطع الرسول فقد أطاع الله لأنه في الحقيقة مبلغ والآمر والناهي هو الله وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال من أحبني فقد أحب الله ومن أطاعني فقد أطاع الله فقال المنافقون لقد قارف الشرك (1) وهو ينهى عنه ما يريد الا أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى فنزلت .
وفي الكافي والعياشي عن الباقر عليه السلام ذروة (2) الأمر وسنامه ومفتاحه وباب الأشياء ورضاء الرحمن الطاعة للامام بعد معرفته ثم قال ان الله تبارك وتعالى يقول من يطع الرسول فقد أطاع الله .
أقول : الامام في هذا الحديث يشمل الرسول وحكم سائر الأئمة حكمه لأنهم خلفاؤه جميعا وذلك لأن الإمام عليه السلام مبلغ كما أن الرسول مبلغ ومن تولى أعرض عن طاعته فما أرسلناك عليهم حفيظا تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها انما عليك البلاغ وعلينا الحساب .
(81) ويقولون إذا أمرتهم بأمر طاعة أمرنا وشأننا طاعة فإذا برزوا من عندك خرجوا بيت طائفة منهم دبروا ليلا غير الذي تقول خلاف ما قلت وأمرت به أو خلاف ما قالت لك من القبول وضمان الطاعة والله يكتب ما يبيتون (3) يثبته في صحايفهم للمجازات فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا يكفيك الله شرهم .
____________
(1) قرف الذنب واقترفه عمله وقارف الذنب وغيره إذا داناه ولاصقه وان شئت إذا أتاه وفعله (م) .
(2) والذروة بالكسر والضم من كل شيء أعلاه وسنام كل شيء أعلاه أيضا ومنه الحديث ذروة الإسلام وسنامه الجهاد .
(3) بيت فلان رأيه إذا فكر فيه ليلا وقدره ومنه إذ يبيتون ما لم يرض من القول ( مجمع ) .



  • المصدر : http://www.ruqayah.net/books/index.php?id=1090
  • تاريخ إضافة الموضوع : 0000 / 00 / 00
  • تاريخ الطباعة : 2024 / 04 / 15