• الموقع : دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم / المكتبة .
              • الكتاب : تفسير كنز الدقائق ( الجزء الثاني ) ، تأليف : الميرزا محمد المشهدي .
                    • الموضوع : من آية ( 121 - 132) .

من آية ( 121 - 132)

الآية: 121 - 132

[ وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقعد للقتال والله سميع عليم(121) ]

تسؤهم: والمس مستعار للاصابة.

وإن تصبكم سيئة: محنة من فرقة أو إصابة عدو منكم. يفرحوا بها: لتناهي عداوتهم.

وإن تصبروا: على عداوتهم، أو على مشاق التكاليف.

وتتقوا: موالاتهم، أو ما حرم الله عليكم.

لا يضركم كيدهم شيئا: لما وعد الله الصابرين والمتقين الصبر. وضمت الراء للاتباع.

وقرأ ابن كثير ونافع وأبوعمرو ويعقوب، لا يضركم، من ضاره يضيره.

إن الله بما يعملون: من الصبر والتقوى وغيرهما.

محيط: بعلمه وقدرته، فمجازيكم بما أنتم أهله.

وقرئ بالياء، أي بما يعملون في عداوتكم عالم، فيعاقبهم عليه.

وإذ غدوت: أي واذكر إذ غدوت، من غدا عليه بكر.

من أهلك: قيل: من حجرة عائشة(1).

تبوئ المؤمنين: تنزلهم، أو تسوي وتهيئ لهم، وتؤيده القراء‌ة باللام.

مقعد للقتال: مواقف وأما كن له، وقد يستعمل المقعد والمقام بمعنى المكان على الاتساع، وإذا استعمل في أما كن الحرب اريد به الاشارة إلى وجوب الثبات فيها. والله سميع: لاقوالكم

___________________________________

(1) الكشاف: ج 1 ص 408 في تفسيره لقوله تعالى: " وإذ غدوت من أهلك " قال: من حجرة عائشة. (*)

[212]

عليم: بنياتكم.

وفي تفسير علي بن إبراهيم: قال: حدثني أبي، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سبب نزول هذه الآية أن قريشا خرجت من مكة يريدون حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) يبتغي موضعا للقتال(1).

وفي مجمع البيان: عن علي بن إبراهيم، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: كان سبب غزاة احد أن قريشا لما رجعت من بدر إلى مكة وقد أصابهم ما أصابهم من القتل والاسر - لانه قتل منهم سبعون واسر منهم سبعون - قال أبوسفيان: يا معشر قريش لا تدعوا نساء‌كم يبكين على قتلاكم، فإن الدمعة إذا خرجت أذهبت الحزن والحرقة والعداوة لمحمد ويشمت بنا محمد وأصحابه، فلما غزوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم احد أذنوا لنسائهم بالبكاء والنوح، فلما أرادوا أن يغزوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى احد ساروا في حلفائهم من كنانة وغيرها وجمع الجموع والسلاح وخرجوا من مكة في ثلاثة آلاف فارس وألفي راجل وأخرجوا معهم النساء يذكرنهم ويحثثنهم على حرب رسول الله، وأخرج أبوسفيان هند بنت عتبة، وخرجت معهم عمرة بنت علقمة الحارثية، فلما بلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذلك جمع أصحابه وحثهم على الجهاد، فقال عبدالله بن ابي وقومه: يا رسول الله لا تخرج من المدينة حتى نقاتل في أزقتها، فيقاتل الرجل الضعيف والمرأة والعبد والامة على أفواه السكك وعلى السطوح، فما أرادنا قوم قط فظفروا بنا ونحن في حصوننا ودورنا، وما خرجنا على عدونا قط إلا كان لهم الظفر علينا.

فقام سعد بن معاذ (رحمه الله) وغيره من الاوس فقالوا: يا رسول الله ما طمع فينا أحد من العرب ونحن مشركون نعبد الاصنام فكيف يظفرون بنا وأنت فينا، لا حتى نخرج إليهم ونقاتلهم، فمن قتل منا كان شهيدا، ومن نجى منا كان مجاهدا في سبيل الله، فقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) رأيه، وخرج مع نفر من أصحابه

___________________________________

(1) تفسير علي بن إبراهيم: ج 1 ص 110 في تفسيره لقوله تعالى: " وإذ غدوت من أهلك ". (*)

[213]

يتبوؤن موضع القتال، كما قال سبحانه " وإذ غدوت من أهلك " الآية.

وقعد عنه عبدالله بن ابي وجماعة من الخزرج ابتغوا رأية.

ووافت قريش إلى احد، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) عبأ أصحابنه، وكانوا سبعمائة رجل، فوضع عبدالله بن جبير في خمسين من الرماة على باب الشعب.

وأشفق أن يأتيهم كمينهم من ذلك المكان، فقال (صلى الله عليه وآله) لعبدالله بن جبير وأصحابه: إن رأيتمونا قد هزمناهم حتى أدخلناهم مكة، فلا تبرحوا من هذا المكان وإن رأيتموهم قد هزمونا حتى أدخلونا المدينة فلا تبرحوا والزموا مراكزكم.

ووضع أبوسفيان خالد بن الوليد في مائتي فارس كمينا، وقال له: إذا رأيتمونا قد اختلطنا بهم فاخرجوا عليهم من هذا الشعب حتى تكونوا من ورائهم.

فلما أقبلت الخيل واصطفوا وعبأ رسول الله (صلى الله عليه واله) أصحابه ودفع الراية إلى أميرالمؤمنين (عليه السلام) فحمل الانصار على مشركي قريش فانهزموا هزيمد قبيحة، ووقع أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) في سوادهم وانحط خالد بن الوليد في مائتي فارس على عبدالله بن جبير فاستقبلوهم بالسهام، فرجع ونظر أصحاب عبدالله بن جبير إلى أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ينهبون سواد القوم، فقالوا لعبدالله بن جبير: قد غنم أصحابنا ونبقى نحن بلا غنيمة، فقال لهم عبدالله: اتقوا الله، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد تقدم إلينا ألا نبرح، فلم يقبلوا منه، وأقبلوا ينسل رجل فرجل حتى أخلوا مراكزهم، وبقي عبدالله بن جبير في اثني عشر رجلا.

وكانت راية قريش مع طلحة بن أبي طلحة العبدي من بني عبدالدار، فقتله علي (عليه السلام) فأخذ الراية أبوسعيد بن أبي طلحة فقتله علي (عليه السلام) وسقطت الراية، فأخذها شافع بن طلحة، فقتله، حتى قتل تسعة من بني عبدالدار، حتى صار لواؤهم إلى عبد لهم أسود يقال له: صواب، فانتهى إليه علي (عليه السلام) فقطع يده، فأخذ الراية باليسرى فضرب يسراه فقطعها، فاعتنقها

[214]

بالجذماوين(1) إلى صدره ثم التفت إلى أبي سفيان فقال: هل أعذرت في بني عبدالدار؟ فضربه علي (عليه السلام) على رأسه فقتله، فسقط اللواء، فأخذتها عمرة بنت علقمة الكنانية فرفعتها، وانحط خالد بن الوليد على عبدالله بن جبير وفرقوا أصحابه وبقي في نفر قليل فقتلهم على باب الشعب، ثم أتى المسلمين من أدبارهم، ونظرت قريش في هزيمتها إلى الراية قد رفعت، فلا ذوابها، وانهزم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) هزيمة عظيمة، وأقبلوا يصعدون في الجبال وفي كل وجه، فلما رأى رسول الله الهزيمة كشف البيضة عن رأسه، وقال: أنا رسول الله إلي، إلى أين تفرون عن الله تعالى وعن رسوله.

قال وكانت هند بنت عتبة في وسط العسكر، وكلما انهزم رجل من قريش دفعت إليه ميلا ومكحلة، وقالت: إنما أنت امرأة فاكتحل بهذا.

وكان حمزة بن عبدالمطلب يحمل على القوم فإذا رأوه انهزموا ولم يثبت له أحد، وكانت هند قد أعطت وحشيا عهدا لئن قتلت محمدا أو عليا أو حمزة لاعطينك كذا وكذا، وكان وحشي - عبدالجبير بن مطعم - حبشيا، فقال وحشي: أما محمد فلا أقدر عليه، وأما علي فرأيته حذرا كثير الالتفات فلا مطمع فيه، فكمن لحمزة، قال: فرأيته يهد الناس هدا فمربي فوطأ على جرف نهر، فسقط، فأخذت حربتي فهززتها ورميتها فوقعت في خاصرته وخرجت من ثنته(2) فسقط، فأتيته فشققت بطنه فأخذت كبده، وجئت به إلى هند، فقلت: هذه كبد حمزة فإخذتها فلاكتها، فجعلها الله في فمها مثل الداعضة، وهي عظم رأس الركبة، فلفظتها ورمت بها.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فبعث الله ملكا فحمله ورده إلى موضعه.

قال: فجاء‌ت إليه فقطعت مذاكيره وقطعت اذنيه، وقطعت يده ورجله.

ولم يبق مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا أبودجانة سماك بن خرشة

___________________________________

(1) الاجذم مقطوع اليد (مجمع البحرين لغة جذم) والجذما وان بالجيم والذال المعجمة اليدان المقطوعتان (كذا في الهامش).

(2) الثنة بالضم العانة (كذا في هامش مجمع البيان). (*)

[215]

[ إذهمت طآئفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون(122) ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون(123) ]

وعلي (عليه السلام) فكلما حملت طائفة على رسول الله (صلى الله عليه وآله) استقبلهم علي (عليه السلام) فدفعهم عنه حتى انقطع سيفه فدفع إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) سيفه ذوالفقار، وانحاز رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى ناحية احد، فوقف، وكان القتال من وجه واحد، فلم يزل علي (عليه السلام) يقاتلهم حتى أصابه في وجهه ورأسه ويديه وبطنه ورجليه سبعون جراحة، قال: فقال جبرئيل (عليه السلام): إن هذه لهي المواساة يا محمد، فقال له: إنه مني وأنا منه.

وقال الصادق (عليه السلام): نظر رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى جبرئيل بين السماء والارض على كرسي من ذهب، وهو يقول: لا سيف إلا ذوالفقار ولافتى إلا علي(1).

وروى أن سبب انهزامهم نداء إبليس فيهم: أن محمدا قد قتل، وكان النبي (صلى الله عليه وآله) حينئذ في زحام الناس وكانوا لا يرونه(2).

إذهمت: متعلق بقوله " سميع عليم " أو بدل من " إذغدوت ".

طآئفتان منكم: في تفسير علي بن إبراهيم: يعني عبدالله بن ابي وأصحابه وقومه(3).

___________________________________

(1) مجمع البيان: ج 2 ص 495 إلى 497 في تفسيره لقوله تعالى: " وإذ غدوت من أهلك " الآية.

باختلاف في بعض الفاظه.

(2) الصافي: ج 1 ص 348 في تفسيره لقوله تعالى: " وإذ غدوت " الآية.

(3) تفسير علي بن إبراهيم: ج 1 ص 110 قال: نزلت في عبدالله بن أبي وقوم من أصحابه اتبعوا رأيه في ترك الخروج والقعود عن نصرة رسول الله (صلى الله عليه وآله). (*)

[216]

قال البيضاوي: هما بنو سلمة من الخزرج، وبنو الحارثة من الاوس وكانا جناحي العسكر(1).

وفي مجمع البيان عنهما (عليهما السلام): هما بنو سلمة وبنو حارثة، حيان من الانصار(2).

أن تفشلا: أن تجبنا وتضعفا.

قيل: روي أنه (عليه السلام) خرج في زهاء ألف فارس ووعدهم النصر إن صبروا، فلما بلغوا الشوط(3) اختزل ابن ابي في ثلاثمائة وقال: على م نقتل أنفسنا وأولادنا، فتبعهم عمرو بن حزم الانصاري وقال: أنشد كم في نبيكم وأنفسكم، فقال ابن ابي: لو نعلم قتالا لا تبعناكم، فهم الحيان باتباعه، فعصمهم الله، فمضوا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ثم قال ذلك القائل: والظاهر أنه ماكان عزيمة، لقوله: والله وليهما: أي عاصمهما من اتباع تلك الخطرة.

قال: ويجوز أن يراد، والله وليهما فما لهما يفشلان(4) وفي الرواية التي قدمناها ماينا في ذلك من أن عبدالله بن ابي قعد عنه وجماعة من الخزرج اتبعوا رأيه.

وعلى الله فليتوكل المؤمنون: فليعتمدوا عليه في الكفاية، لا على غيره، لينصرهم كما نصرهم ببدر.

ولقد نصركم الله ببدر: تذكير ببعض ما أفادهم التوكل.

___________________________________

(1) أنوار التنزيل وأسرار التأويل (تفسير البيضاوي) ج 1 ص 180 في تفسيره لقوله تعالى: " طائفتان منكم ".

(2) مجمع البيان: ج 2 ص 495 في نقل المعنى لقوله تعالى: " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا " رواه عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهما السلام).

(3) الشوط اسم حائط من بساتين المدينة (مجمع البحرين: ج 4 ص 259 لغة شوط).

(4) من قوله: قيل: إلى هنا من كلام (البيضاوي): ج 1 ص 180، لاحظ تفسيره لقوله تعالى: " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا " الآية. (*)

[217]

" وبدر " اسم ماء بين مكة والمدينة كان لرجل يسمى بدرا فسمي به(1)(2).

وأنتم أذلة: حال من المفعول.

وإنما قال " أذلة " دون ذلائل، ليدل على قلتهم، لضعف الحال وقلة المراكب والسلاح.

وفي تفسير علي بن إبراهيم: قال أبوعبدالله (عليه السلام): ماكانوا أذلة وفيهم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإنما نزل(3) " ولقد نصركم الله ببدر وأنتم الضعفاء "(4).

وفي تفسير العياشي: عن أبي بصير قال: قرأت عند أبي عبدالله (عليه السلام): " ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة " فقال: مه ليس هكذا أنزلها الله، إنما انزلت: وأنتم قليل(5)(6)

___________________________________

(1) كذا في التفاسير، لا حظ مجمع البيان: ج 2 ص 498، والبيضاوي: ج 1 ص 180، والكشاف: ج 1 ص 411 وغيرها في تفسيرهم للآية.

(2) بدر بالفتح ثم السكون، ماء مشهور بين مكة والمدينة، أسفل وادي الصفراء، بينه وبين الجار - وهو ساحل البحر - ليلة، ويقال: أنه ينسب إلى بدر بن يخلد بن النضر بن كنانة، وقيل: بل هو رجل من بني ضمرة سكن هذا الموضع فنسب إليه ثم غلب اسمه عليه، وقال الزبيربن بكار: قريش بن الحارث بن يخلد، به سميت قريش فغلب عليها، وابنه بدر بن قريش به سميت بدر التي كانت بها الوقعة المباركة، لانه كان احتفرها، وبهذا الماء كانت الوقعة المشهورة التي أظهر الله بها الاسلام وفرق بين الحق والباطل في شهر رمضان سنة اثنتين للهجرة، ولما قتل من قتل من المشركين ببدر وجاء الخبر إلى مكة ناحت قريش على قتلاهم، ثم قالوا: لا تفعلوا فيبلغ محمدا وأصحابه، فيشمتوا بكم، وبين بدر والمدينة سبعة برد، وبدر الاولى والثانية كله موضع واحد، وقد نسب إلى بدر جميع من شهدها من الصحابة الكرام (تلخيص من معجم البلدان: ج 1 ص 357 في بدر).

(3) لا يذهب الوهم إلى ارادة التغيير في النص.

بل ارادة التفسير أي ليس المراد من الذلة في الآية هو الوهن في العزيمة، بل القلة في العدد.

ومن ثم قال المصنف في توجيه هذه الروايات: ان الآية ماانزلت بمعنى انتم اذلة في الواقع، بل بهذا المعنى، اي بمعن انتم ضعفاء او انتم قليل ونحو ذلك.

(4) تفسير علي بن إبراهيم: ج 1 ص 122 في تفسيره لقوله تعالى: " ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ".

(5) تفسير العياشي: ج 1 ص 196 ح 133.

(6) المراد: انها نزلت بهذا المعنى.

أي لم تنزل الاية لتدل على ارادة الذلة بمعنى الصغار والحقارة، بل نزلت (*)بمعنى القلة والضعف. وهكذا فهم المصنف المفسر رحمه الله.

قال: ومعنى هذه الاخبار: ان الآية ما انزلها الله بمعنى انتم اذلة في الواقع، بل بهذا المعنى.

الامر الذي يدلنا بوضوح على ان صاحب التفسير كان ممن لا يرى التحريف في كتاب الله وكان لايأخذ بظاهر روايات قد يتشبث بها من يروقه القول بذلك.

[218]

[ إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلثة ء‌الف من الملائكة منزلين(124) ]

عن ربعي بن حريز، عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنه قرأ ولقد نصكرم الله ببدر وأنتم ضعفاء وما كانوا أذلة ورسول الله فيهم (عليه وآله السلام)(1).

وفي رواية: ما أذل الله رسوله قط، وإنما انزلت: وأنتم قليل(2).

ومعنى هذه الاخبار: أن الآية ما أنزلها الله، بمعنى انتم أذلة في الواقع، بل بهذا المعنى.

والاخبار التي دلت على أن عدتهم كانت ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا قد مرت.

فاتقوا الله: في الثبات.

لعلكم تشكرون: ما أنعم به عليكم.

إذ تقول للمؤمنين: ظرف لنصركم الله، وقيل: بدل ثان من " إذ غدوت " على أن قوله لهم ذلك يوم احد، وكان مع اشتراط الصبر والتقوى عن المخالفة، فلما لم يصبروا عن الغنائم وخالفوا أمر الرسول (صلى الله عليه وآله)، لم تنزل الملئكة.

ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلثة ء‌الف من الملئكة منزلين: إنكار

___________________________________

(1) تفسير العياشي: ج 1 ص 196 ح 135.

(2) تفسير العياشي: ج 1 ص 196 قطعة من ح 134. (*)

[219]

[ بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فور هم هذا يمددكم ربكم بخمسة ء‌الف من الملئكة مسومين(125) ]

أن لا يكفيكم ذلك، وإنما جئ ب‍ " لن "، إشعارا بأنهم كانوا لآيسين من النصر، لضعفهم وقلتهم وقوة العدو وكثرتهم.

وقرأ ابن عامر " منزلين " بالتشديد، للتكثير، أو للتدريج.

قيل: أمدهم الله يوم بدر، أولا بألف من الملائكة، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف(1).

بلى: إيجاب لما بعد " لن " أي بلى يكفيكم، ثم وعد لهم الزيادة على الصبر والتقوى حثا عليهما وتقوية لقلوبهم، فقال: إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم: أي المشركون.

من فورهم هذا: من ساعتهم هذه.

وهو في الاصل مصدر فارت القدر، إذا غلت، فاستعير للسرعة، ثم أطلق للحال التي لاريب فيها ولا تراخي، أي يأتي المشركون في الحال.

يمددكم ربكم بخمسة ء‌الف من الملئكة: بلا تراخ وتأخير.

مسومين: معلمين، من التسويم الذي هو إظهار سيماء الشئ، أو مرسلين من التسويم بمعنى الاسامة.

وقرأ ابن كثير وأبوعمرو وعاصم ويعقوب بكسر الواو.

وفي تفسير العياشي: عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كانت على الملائكة العمائم البيض المرسلة يوم بدر(2).

___________________________________

(1) أنوار التنزيل وأسرار التأويل (تفسير البيضاوي): ج 1 ص 180 في تفسيره لقوله تعالى: " ألن يكفيكم أن يمد كم ".

(2) تفسير العياشي: ج 1 ص 196 ح 136. (*)

[220]

[ وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عندالله العزيز الحكيم(126) ليقطع طرفا من الذين كفروا أويكبتهم فينقلبوا خآئبين(127) ]

وعن ضريس بن عبدالملك، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الملائكة الذين نصروا محمد (صلى الله عليه وآله) يوم بدر، في الارض، ماصعدوا بعد ولا يصعدون حتى ينصروا صاحب هذا الامر، وهم خمسة آلاف(1).

وماجعله الله: وماجعل إمداد كم بالملائكة.

إلا بشرى لكم: إلا بشارة لكم بالنصر.

ولتطمئن قلوبكم به: ولتسكن إليه من الخوف.

وما النصر إلا من عندالله: لامن العدة والعدد.

وفيه تنبيه على أنه لاحاجة إلى مدد، إنما أمدهم ووعد لهم بشارة لهم وربطا على قلوبهم، من حيث أن نظر العامة إلى الاسباب أكثر، وحثا على أن لا يبالوا بمن تأخر عنهم.

العزيز: الذي لا يغالب في أقضيته.

الحكيم: الذي ينصر ويخذل على مقتضى الحكمة والمصلحة.

ليقطع طرفا من الذين كفروا: متعلق ب‍ " نصركم " أو " وما النصر " إن كان اللام فيه للعهد.

والمعنى: لينقض منهم بقتل سبعين وأسر سبعين من صناديدهم.

أو يكبتهم: يخزيهم، والكبت شدة الغيظ، أو وهن يقع في القلب، و " أو " للتنويع دون الترديد.

___________________________________

(1) تفسير العياشي: ج 1 ص 197 ح 138. (*)

[221]

[ ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون(128) ]

فينقلبوا خآئبين: فينهزموا منقطعي الآمال. ليس لك من الامر شئ: جملة معترضة.

أو يتوب عليهم أو يعذبهم: أما عطف على " يكبتهم " والمعنى أن الله مالك أمر هم، فأما أن يهلكم أو يكبتهم أو يتوب عليهم إن أسلموا.

أو يعذبهم إن أصروا، وليس لك من أمر هم شئ، وإنما أنت عبد مأمور لانذارهم وجهادهم، أو معطوف على الامر، أو " شئ " بإضمار أن، أي ليس لك من أمرهم، أو من التوبة عليهم، أو من تعذيبهم شئ أو ليس لك من أمرهم شئ أو التوبة عليهم أو تعذيبهم.

ويحتمل أن يكون " أو " بمعنى (ألا أن) أي ليس لك من أمرهم شئ إلا أن يتوب الله عليهم فتسربه، أو يعذبهم فتشفى منهم.

وفي تفسير العياشي: عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قرأ " ليس لك من الامر شئ أن يتب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون "(1).

وفيه عن الباقر (عليه السلام) أنه قرأ: " أن تتوب عليهم أو تعذبهم "(2) بالتاء فيهما.

وعلى هذا تكون " أن " بتأويل المصدر بدلا عن شئ.

فإنهم ظلمون: قد استحقوا العذاب بظلمهم.

وفي تفسير العياشي: عن جابر الجعفي قال: قرأت عند أبي جعفر (عليه السلام): " ليس لك من الامر شئ " قال: بلى والله، إن له من الامر شيئا وشيئا

___________________________________

(1) و(2) تفسير العياشي: ج 1 ص 198 ح 141 أورد الحديثين تحت رقم واحد وأورد اختلافهما برمز

(خ ل). (*)

[222]

وشيئا، وليس حيث ذهبت، ولكني أخبرك أن الله (تبارك وتعالى) لما أخبر نبيه أن يظهر ولاية علي (عليه السلام)، ففكر في عداوة قومه له ومعرفته بهم وذلك الذي فضله الله به عليهم في جميع خصاله(1) وحسدهم له عليها، ضاق عن ذلك، فأخبر الله أنه ليس له من هذا الامر شئ، إنما الامر فيه إلى الله أن يصيرعليا وصيه وولي الامر بعده، فهذا عنى الله، وكيف لا يكون له من الامر شئ، وقد فوض الله إليه أن جعل ما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام، قوله: " وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا "(2)(3).

وعن جابر قال: قلت لابي جعفر (عليه السلام): قوله لنبيه " ليس لك من الامر شئ " فسره لي؟ فقال: يا جابر إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان حريصا أن يكون علي (عليه السلام) من بعده على الناس، وكان عندالله خلاف ما أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: قلت: فما معنى ذلك؟ قال: نعم عنى بذلك قول الله لرسوله (صلى الله عليه وآله): " ليس لك من الامر شئ " يا محمد في علي، الامر إلي في علي وفي غيره، ألم أنزل عليك فيما أنزلت من كتابي إليك " ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون " الآيات(4) قال: ففوض رسول الله (صلى الله عليه وآله) الامر إليه(5).

ومعنى قوله (عليه السلام): (أن يكون علي بعده على الناس) أن يكون خليفة له عليهم في الظاهر أيضا من غير دافع له.

قال البيضاوي: روي أن عتبة بن أبي وقاص شجه يوم احد وكسر رباعيته، فجعل (صلى الله عليه وآله وسلم) يمسح الدم عن وجهه ويقول: كيف يفلح قوم

___________________________________

(1) سقط هنا من بعض النسخ المخطوطة ما لفظه (كان أول من آمن برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبمن أرسله، وكان أنصر الناس لله ولرسوله، وأقتلهم لعدوهما وأشدهم بغضا لمن خالفهما، وفضل علمه الذي لم يساوه أحد، ومناقبه التي لا تحصى شرفا، فلما فكر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في عداوة قومه له في هذه الخصال).

(2) الحشر: 7.

(3) تفسير العياشي: ج 1 ص 197 ح 139.

(4) العنكبوت: 2.

(5) تفسير العياشي: ج 1 ص 197 ح 140 مع تفاوت يسير وزيادة ونقيصة، فلاحظ. (*)

[223]

[ ولله ما في السموت ومافى الارض يغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء والله غفور رحيم(129) يأيها الذين ء‌امنوا لا تأكلوا الربوا أضعفا مضعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون(130) واتقوا النار التى اعدت للكفرين(131) وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون(132) ]

خضبوا وجه نبيهم بالدم فنزلت.

وقيل: هم أن يدعوا عليهم فنهاه الله تعالى، لعلمه بأن فيهم من يؤمن(1).

ولله ما في السموت ومافى الارض: خلقا وملكا، فله الامر كله.

يغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء: فيه دلالة على نفي وجوب التعذيب.

والله غفور رحيم: لعباده، فلا تبادر إلى الدعاء عليهم.

في مجمع البيان: قيل: إنما ألهم الله الامر في التعذيب والمغفرة، ليقف المكلف بين الخوف والرجاء، ويلتفت إلى هذا قول الصادق (عليه السلام): لووزن رجاء المؤمن وخوفه لا عتدلا(2).

يأيها الذين ء‌امنوا لا تأكلو الربوا أضعفا مضعفة: لا تزيدوا زيادات مكررة.

ولعل التخصيص بحسب الواقع، إذ كان الرجل منهم يربى إلى أجل ثم يزيد فيه زيادة اخرى حتى يستغرق بالشئ الطفيف مال المديون. وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب " مضعفة ".

___________________________________

(1) انوار التنزيل واسرار التاويل (تفسير البيضاوي): ج 1 ص 181 في تفسيره لقوله تعالى: " ليس لك من الامر شئ ".

(2) مجمع البيان: ج 2 ص 502 في نقل المعنى لقوله تعالى: " يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ". (*)

[224]

وفي مجمع البيان: ووجه تحريم الربا هو المصلحة التي علمها الله وذكر فيه وجوه منها أن يدعوا إلى مكارم الاخلاق بالاقراض وإنظار المعسر من غير زيادة وهو المروي عن أبي عبدالله (عليه السلام)(1).

واتقوا الله: فيما نهيتم عنه.

لعلكم تفلحون: راجين الفلاح.

واتقوا النار التى أعدت للكافرين: بالتحرز عن متابعتهم وتعاطي أفعالهم.

قال البيضاوي: وفيه تنبيه على أن النار بالذات معدة للكافرين، وبالعرض للعصاة(2).

أقول: فيه تنبيه على أن النار معدة للكافرين، وكل من عذب بالنار من العصاة إنمايعذب إذا آل عصيانهم إلى الكفر، وأما إذا لم يؤل إليه فلا يعذب بالنار، لانها اعدت للكافرين، فلا يعذب بها غيرهم، وإلا لكان معدا لهم ولغيرهم، فلا يصدق اعدت للكافرين، إلا أن يقال: المراد بالنار نار معهودة معدة لهم، فلا يعذب بها غيرهم أيضا(3).

وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون: بإطاعتهما.

ولعل وعسى في أمثال ذلك يدل على عزة التوصل إلى ماجعل خيرا لهما(4).

___________________________________

(1) مجمع البيان: ج 2 - 1 ص 502.

(2) أنوار التنزيل وأسرار التأويل (تفسير البيضاوي): ج 1 ص 182 في تفسيره لقوله تعالى: " واتقوا النار التي اعدت للكافرين ".

(3) من أراد تفصيل هذه الاسئلة والاجوبة فليراجع التبيان ط بيروت: ج 2 ص 588 في تفسيره للآية، والتفسير الكبير لفخر الدين الرازي: ج 9 ص 2 في تفسيره للآية، وكذا بعض التفاسير الاخر.

(4) قال في الكشاف: ج 1 ص 414: وفي ذكره تعالى " لعل " و " عسى " في نحو هذه المواضع - وإن قال الناس ماقالوا - مالايخفى على العارف الفطن من دقة مسلك التقوى، وصعوبة إصابة رضى الله وعزة التوصل إلى رحمته وثوابه. (*)

[225]


  • المصدر : http://www.ruqayah.net/books/index.php?id=1681
  • تاريخ إضافة الموضوع : 0000 / 00 / 00
  • تاريخ الطباعة : 2024 / 04 / 15