00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة المائدة من آية 1 ـ 62  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : تفسير الصافي ( الجزء الثاني)   ||   تأليف : المولى محسن الملقب ب‍ " الفيض الكاشاني "

تفسير الصافي

الجزء الثاني

[ 3 ]

تفسير الصافي تأليف فيلسوف الفقهاء،، وفقيه الفلاسفة، أستاذ عصره ووحيد دهره، المولى محسن الملقب ب‍ " الفيض الكاشاني " المتوفي سنة 1091 ه‍ الجزء الثاني منشورات مكتبة الصدر طهران - شارع ناصر خسرو تليفون 397696

[ 4 ]

" هوية الكتاب " الكتاب: تفسير الصافى المؤلف: فيسلوف الفقهاء المولى محسن الفيض الكاشاني قدس سره الطبعة: الثانية العدد: 5000 نسخة القطع: وزيرى عدد الصفحات مجلدات الخمس: 2288 صفحة ليتو غراف: آرمان المطبعة: مؤسسة الهادى - قم المقدسة تاريخ الطبعة: شهر رمضان 1416 قمرية - 1374 شمسية الناشر: مكتبة الصدر - بطهران شارع ناصر خسرو تليفون 397696 السعر: 850 تومان

[ 5 ]

سورة المائدة

هي مدينة في ابن عباس ومجاهد، وقيل هي مدينة كلها الا قوله: (اليوم اكملت لكم دينكم) فإنه نزل في حجة الوداع وهي مأة وعشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم (1) يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود. القمي عن الصادق (عليه السلام) أي بالعهود. أقول: الايفاء والوفاء بمعنى والعقد العهد الموثق ويشمل هيهنا كل ما عقد الله على عباده والزمه إياهم من الايمان به وبملائكته وكتبه ورسله وأوصياء رسله وتحليل حلاله وتحريم حرامه والاتيان بفرائضه وسننه ورعاية حدوده وأوامره ونواهيه وكل ما يعقده المؤمنون على أنفسهم لله وفيما بينهم من عقود الامانات والمعاملات الغير المحظورة. والقمي عن الجواد (عليه السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عقد عليهم لعلي بالخلافة في عشر مواطن ثم أنزل الله يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود التي عقدت عليكم لامير المؤمنين (عليه السلام) أحلت لكم بهيمة الأنعام قيل إضافة بيان أريد بها الأزواج الثمانية (1) والمستفاد من ظاهر الأخبار أن بيان حل الأنعام في آيات اخر. والمراد هنا بيان حل الأجنة التي في بطونها. ففي الكافي والتهذيب والفقيه والعياشي عن أحدهما في تفسيرها الجنين في بطن أمه إذا أشعر وأوبر فذكاته ذكاة أمه

____________________________

(1) الأزواج الثمانية المعز والضأن والبقر والإبل ذكرها وانثاها ويأتي مابين هذا. 

[ 6 ]

وزاد في الكافي والقمي فذلك الذي عنى الله عز وجل به. وفي رواية وإن لم يكن تاما فلا تأكله والعياشي عن الباقر (عليه السلام) هي الأجنة التي في بطون الأنعام وقد كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يأمر ببيع الأجنة. أقول: لعل هذا يكون أحد معانيها. ويحتمل أن يكون المراد بهذه الأخبار بيان الفرد الأخفي أو يكون تحديد الأول تسميتها بالبهيمة وحلها فلا ينافي التعميم مع أنه نص في حل الأم. والعياشي عنه (عليه السلام) أن عليا (عليه السلام) سئل عن أكل لحم الفيل والدب والقرد فقال ليس هذا من بهيمة الأنعام التي تؤكل إلا ما يتلى عليكم تحريمه غير محلي الصيد وأنتم حرم قيل يعنى أحلت لكم في حال امتناعكم من الصيد وأنتم محرمون لئلا يتحرج عليكم. أقول: وهو ينافي عموم حلها سائر الأحوال إن الله يحكم ما يريد من تحليل وتحريم. (2) يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله لا تتهاونوا بحرمات الله جمع شعيرة وهي ما جعله الله شعار الدين وعلامته من أعمال الحج وغيرها ولا الشهر الحرام بالقتال فيه (1) في المجمع عن الباقر (عليه السلام) نزلت في رجل من بني ربيعة يقال له: الحطم. أقول: يعني حين قدم حاجا وأراد المسلمون قتله في أشهر الحرم لكفره وبغيه وكان قد استاق سرح (2) المدينة قيل هي منسوخة بقوله اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم.

____________________________

(1) والشهر الحرام إماخصوص شهر الحج اوجنس يشتمل الأشهر الحرم جميعا وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم.

 (2) السرح كالقتل متعديا بمعنى الإرسال والإخراج وغيرهما ولازما بمعنى السير في السهلة والمراد هنا أراد السير الى المدينة. 

[ 7 ]

وفي المجمع عنه (عليه السلام) لم ينسخ من هذه السورة شئ ولا من هذه الاية لانه لا يجوز أن يبتدئ المشركون في الأشهر الحرم بالقتال إلا إذا قاتلوا ولا الهدى (1) ما أهدي إلى الكعبة ولا القلائد ما قلد به الهدي من نعل قد صلى فيه أو غيره ليعلم به أنه هدي فلا يتعرض له ولا آمين (2) البيت الحرام قاصدين لزيارته يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا أن يثيبهم من فضله ويرضى عنهم أو يرزقهم بالتجارة ويرضى عنهم بنسكهم بزعمهم والمقصود النهي عن التعرض لهؤلاء وقرئ رضوانا بضم الراء وإذا حللتم من احرامكم فاصطادوا ان شئتم ولا يجرمنكم (3) ولا يحملنكم ولا يكسبنكم شنآن قوم شدة بغضهم وعدواتهم وقرئ بسكون النون أن صدوكم عن المسجد الحرام لان صدوكم يعني عام الحديبية وقرئ بكسر الهمزة أن تعتدوا بالانتقام وتعاونوا على البر والتقوى على العفو والإغضاء و متابعة الأمر ومجانبة الهوى ولا تعاونو ا على الإثم والعدوان للتشفي والانتقام واتقوا الله إن الله شديد العقاب فانتقامه أشد. (3) حرمت عليكم الميتة بيان لما يتلى عليكم والدم أي المسفوح منه لقوله تعالى أو دما مسفوحا قيل كانوا في الجاهلية يصبونه في الأمعاء ويشوونها ولحم الخنزير وأن ذكي وإنما خص بالذكر دون الكلب وغيره لاعتيادهم أكله دون غيره وما أهل رفع الصوت لغير الله به كقولهم باسم اللات والعزى عند ذبحه والمنخنقة والموقوذة (4) والمتردية (5) والنطيحة وما اكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وان تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق في العيون عن الباقر (عليه السلام) في تفسيرها الميتة والدم ولحم الخنزير معروف وما اهل لغير الله به يعني ما ذبح للاصنام وأما المنخنقة فان المجوس كانوا لا يأكلون الذبايح ويأكلون الميتة وكانوا يخنقون البقر والغنم فإذا انخنقت وماتت

____________________________

(1) والهدي ما أهدى الى البيت وتقرب به إلى الله من النسك وهو جمع هدية كجدي وجدية والقلائد جمع قلادة.

(2) أي القاصدين زيارة والحج والعمرة وإحلال هذه الأشياء ان يتهاون بحرمتها فتضيع.

(3) وجرم مثل كسب في التعدية الى واحد واثنين تقول جرم ذنبا وجرمته ذنبا وكسب شيئا وكسبته اياه وأول المفعولين ضمير المخاطبين والثاني ان تعتدوا.

(4) وقذه يقذه وقذا ضربه حتى استخرى واشرف على الموت ومنه شاة موقوذة للتي وقذت بالخشب.

(5) المتردية التي تردت وسقطت من جبل أو حائط أو في بئر وما يدرك ذكاته. 

[ 8 ]

أكلوها والموقوذة كانوا يشدون أرجلها ويضربونها حتى تموت فإذا ماتت أكلوها والمتردية كانوا يشدون أعينها ويلقونها من السطح فإذا ماتت أكلوها والنطيحه (1) كانوا يناطحون بالكباش (2) فإذا مات أحدها أكلوه وما أكل السبع الا ما ذكيتم فكانوا يأكلون ما يأكله الذئب والأسد فحرم الله ذلك وما ذبح على النصب كانوا يذبحون لبيوت النيران وقريش كانوا يعبد ون الشجر والصخر فيذبحون لهماوأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق قال كانوا يعمدون إلى الجزور (3) فيجزونه عشرة أجزاء ثم يجتمعون عليه فيخرجون السهام فيدفعونها إلى رجل وهي عشرة سبعة لها أنصباء وثلاثة لا أنصباء لها فالتي لها أنصباء فالفذ والتوأم والمسبل والنافس والحلس والرقيب والمعلى فالفذ له سهم والتوأم له سهمان والمسبل له ثلاثة أسهم والنافس له أربعة أسهم والحلس له خمسة أسهم والزقيب له ستة أسهم والمعلى له سبعة أسهم والتي لا أنصباء لها السفيح والمنيح والوغد وثمن الجزور (3) على من لم يخرج له من الأنصباء شئ وهو القمار فحرمه الله والقمي مثله. وفي الفقيه والتهذيب عن الجواد (عليه السلام) ما يقرب منه إلا أنه قال والموقوذة التي مرضت ووقذها المرض حتى لم تكن بها حركة قال (عليه السلام) وكانوا في الجاهلية يشترون بعيرا فيما بين عشرة أنفس ويستقسمون عليه بالقداح ثم ذكر أسماءها السبعة والثلاثة كما ذكر قال فكانوا يجيلون السهام بين عشرة فمن خرج باسمه سهم من التي لا أنصباء لها الزم ثلث ثمن البعير فلا يزالون كذلك حتى تقع السهام الثلاثة التي لا أنصباء لها إلى ثلاثة منهم فيلزمونهم ثمن البعير ثم ينحرونه ويأكله السبعة الذين لم ينقدوا في ثمنه شيئا فلما جاء الاسلام حرم الله تعالى ذكره ذلك فيما حرم فقال عز وجل وان تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق يعني حرام.

____________________________

(1) نطحه نطحا أصابه بقرنه.

 (2) الكبش فحل الضأن في أي سن كان.

 (3) الجزور بالفتح وهي من الإبل خاصة ما كمل خمس سنين ودخل في السادسة يقع على الذكر والانثى والجمع جزر كرسول ورسل. 

[ 9 ]

أقول: معنى تجزيته عشرة أجزاء اشتراؤه فيما بين عشرة أنفس كما ذكر في حديث الجواد (عليه السلام) لا تجزية لحمه والأنصباء جمع نصيب والفذ بالفاء والذال المعجمة المشددة. والتوأم بالتاء المثناة الفوقانية والهمزة والمسبل كمحسن بالسين المهملة والباء الموحدة والنافس بالنون والفاء والسين المهملة والحلس بكسر الحاء وسكون اللام والسين المهملة وقد يحرك والزقيب بالزاي والقاف على وزن فعيل والمعلى بضم الميم وسكون العين وفتح اللام والسفيح بالسين المهملة والفاء والحاء المهملة على وزن فعيل كالمنيح بالنون والحاء المهملة. والوغد بالواو والغين المعجمة والدال المهملة وقيل معنى الاستقسام بالأزلام طلب معرفة ما قسم لهم بالأقداح يعني السهام وذلك أنهم إذا قصدوا فعلا ضربوا ثلاثة أقداح مكتوب على أحدها أمرني ربي وعلى اخر نهاني ربي وعلى الثالث غفل فان خرج الأمر مضوا على ذلك وان خرج الناهي تجنبوا عنه، وإن خرج الغفل أجالوها ثانيا. وفي بعض الأخبار إيماء إلى ذلك كما يأتي في أواخر السورة ويمكن التوفيق بالتعميم وقوله تعالى إلا ما ذكيتم يرجع إلى جميع ما تقدم ذكره من المحرمات سوى ما لا يقبل الذكاة من الخنزير والدم كذا في المجمع عن أمير المؤمنين (عليه السلام) والعياشي عن الرضا (عليه السلام) المتردية والنطيحة وما أكل السبع إذا أدركت ذكاته فكله. وفي المجمع عن الباقر والصادق عليهما الصلاة والسلام ان أدنى ما يدرك به الذكاة أن يدركه وهو يحرك أذنه أو ذنبه أو يطرف عينيه. وفي الكافي عن الصادق (عليه السلام) في كتاب علي (عليه السلام) إذا طرفت العين أو ركضت الرجل أو تحركت الذنب فكل منه فقد أدركت ذكاته وفي معناه أخبار آخر اليوم الان يئس الذين كفروا من دينكم انقطع طمعهم من دينكم أن تتركوه وترجعوا منه إلى الشرك القمي قال ذلك لما نزلت ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) فلا تخشوهم أن يظهروا

[ 10 ]

على دين الإسلام ويردوكم عن دينكم واخشون إن خالفتم أمري أن تحل بكم عقوبتي اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا في المجمع عنهما (عليهما السلام) إنما نزل بعد أن نصب النبي (صلى الله عليه وآله) عليا صلوات الله عليهما علما للانام يوم غدير خم عند منصرفه عن حجة الوداع قالا (عليه السلام) وهي آخر فريضة أنزلها الله ثم لم تنزل بعدها فريضة. وفي الكافي عن الباقر الفريضة تنزل بعد الفريضة الأخرى، وكان الولاية آخر الفرايض فأنزل الله اليوم أكملت لكم دينكم قال لا أنزل بعد هذه فريضة قد أكملت لكم الفرائض. والعياشي والقمي عنه ما يقرب منه. أقول: وإنما أكملت الفرائض بالولاية لان النبي (صلى الله عليه وآله) أنهى جميع ما استودعه الله من العلم إلى علي صلوات الله عليه ثم إلى ذريته الأوصياء واحدا بعد واحد فلما أقامهم مقامه وتمكن الناس من الرجوع إليهم في حلالهم وحرامهم و استمر ذلك بقيام واحد به بعد واحد كمل الدين وتمت النعمة انشاء الله وقد ورد هذا المعنى بعينه عنهم (عليهم السلام) ويأتي ما يقرب منه في خطبة الغدير فمن اضطر متصل بذكر المحرمات وما بينهما اعتراض والمعنى فمن اضطر إلى تناول شئ من هذه المحرمات في مخمصة في مجاعة غير متجانف غير مايل لاثم. والقمي عن الباقر (عليه السلام) غير متعمد الإثم. أقول: وذلك بأن يأكلها تلذذا أو مجاوزا حد الرخصة وهذا كقوله سبحانه غير باغ ولا عاد وقد مضى تفسيرهما في سورة البقرة فإن الله غفور رحيم لا يؤاخذه بأكله. (4) يسألونك ماذا احل: كأنهم لما تلى عليهم ما حرم عليهم سألوا عما احل لهم قل احل لكم الطيبات قيل ما لم يستخبثه الطباع السليمة ولم تتنفر عنه وما علمتم من الجوارح أي صيدهن وهي كواسب الصيد على أهلها من السباع والطير مكلبين مؤدبين لها والمكلب مؤدب الجوارح ومغريها بالصيد مشتق من الكلب.

[ 11 ]

في الكافي والتهذيب عن الصادق (عليه السلام) في كتاب علي (عليه السلام) في قول الله تعالى وما علمتم من الجوارح مكلبين قال هي الكلاب. وعنه (عليه السلام) إذا أرسلت بازا أو صقرا أو عقابا فلا تأكل حتى تدركه فتذكيه وإن قتل فلا تأكل. وعنه (عليه السلام) أنه سئل عن ارسال الكلب والصقر فقال أما الصقر فلا تأكل من صيده حتى تدرك ذكاته وأما الكلب فكل منه إذا ذكرت اسم الله عليه أكل الكلب منه أو لم يأكل وفي معناهما أخبار كثيرة تعلمونهن مما علمكم الله الهمكم من طرق التأديب وفسر أدبه باتباع الصيد بارسال ضاحبه وانزجاره بزجره وانصرافه بدعائه وإمساكه عليه الصيد في الكافي عن الباقر (عليه السلام) ما قتلت من الجوارح مكلبين وذكرتم اسم الله عليه فكلوا من صيدهن وما قتلت الكلاب التي لم تعلموها من قبل أن تدركوه فلا تطعموه. وفي الكافي والفقيه والتهذيب عن الصادق (عليه السلام) قال في صيد الكلب إن أرسله صاحبه وسمى فليأكل كل ما أمسك عليه وإن قتل وإن أكل فكل ما بقي وان كان غير معلم فعلمه في ساعته حين يرسله فليأكل منه فإنه معلم فأما ما خلا الكلاب مما تصيده الفهود والصقور وأشباه ذلك فلا تأكل من صيده إلا ما أدركت ذكاته لان الله عز وجل قال مكلبين فما خلا الكلاب فليس صيده بالذي يؤكل الا أن تدرك ذكوته وأما الأخبار التي وردت بخلاف ذلك فمحمولة على التقية لموافقتها مذاهب العامة كما بيناه في الوافي فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه. القمي عن الصادق (عليه السلام) أنه سئل عن صيد البزاة والصقور والفهود والكلاب قال: لا تأكل الا ما ذكيت إلا الكلاب قيل فإن قتله قال كل فإن الله يقول وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم ثم قال فكلوا مما أمسكن عليكم ثم قال كل شئ من السباع يمسك الصيد على نفسها الا

____________________________

(1) البازي ضرب من الصقور جمعه بواز وبزاة وأبوز وبؤز وبيزان. 

[ 12 ]

الكلاب المعلمة فإنها تمسك على صاحبها وقال إذا أرسلت الكلب المعلم فاذكر اسم الله عليه فهو ذكاته واتقوا الله فيما حرم عليكم إن الله سريع الحساب فيؤاخذكم بما جل ودق. (5) اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم القمي قال عنى بطعامهم هيهنا الحبوب والفاكهة غير الذبايح التي يذبحونها فانهم لا يذكرون اسم الله خالصا على ذبايحهم ثم قال والله ما استحلوا ذبايحكم فكيف تستحلون ذبايحهم. في الكافي وغيره عنهما (عليهما السلام) في عدة أخبار أن المراد به الحبوب والبقول وفي بعضها لا تأكل من ذبايح اليهود والنصارى ولا تأكل من آنيتهم وفي بعضها الذبيحة بالاسم ولا يؤمن عليها إلا أهل التوحيد وفي بعضها إذا شهدتموهم وقد سموا اسم الله فكلوا ذبايحهم وإن لم تشهدوهم فلا تأكلوا وإن أتاك رجل مسلم فأخبرك أنهم سموا فكل وفي بعضها لا تأكله ولا تتركه تقول أنه حرام ولكن تتركه تنزها عنه إن في آنيتهم الخمر ولحم الخنزير وطعامكم حل لهم فلا جناح عليكم أن تطعموهم منهم وتبيعوه منهم والمحصنات واحل لكم العقد على العفائف من المؤمنات العياشي عن الصادق (عليه السلام) هن المسلمات والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم في الفقيه عن الصادق (عليه السلام) هن العفايف. والعياشي عن الكاظم (عليه السلام) أنه سئل ما معنى احصانهن قال هن العفايف من نسائهم. وفي الكافي والمجمع والعياشي عن الباقر (عليه السلام) أنها منسوخة بقوله ولا تمسكوا بعصم الكوافر. وزاد في المجمع وبقوله ولا تنكحوا المشركات. والقمي أحل الله نكاح أهل الكتاب بعد تحريمه في قوله في سورة البقرة ولا تنكحوا

[ 13 ]

المشركات حتى يؤمن قال وإنما يحل نكاح أهل الكتاب الذين يؤدون الجزية وغيرهم لم تحل مناكحتهم. أقول: ويؤيد هذا الحديث النبوي أن سورة المائدة آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها. وفي الكافي: عن الحسن بن الجهم قال قال لي أبو الحسن الرضا (عليه السلام) يا أبا محمد ما تقول في رجل يتزوج نصرانية على مسلمة قلت جعلت فداك وما قولي بين يديك قال لتقولن فإن ذلك تعلم به قولي قلت لا يجوز نصرانية على مسلمة ولا على غير مسلمة قال ولم قلت لقول الله تعالى ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن قال فما تقول في هذه الاية والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم قلت فقرله ولا تنكحوا المشركات نسخت هذه الاية فتبسم ثم سكت. وفيه وفي الفقيه عن الصادق (عليه السلام) في الرجل المؤمن يتزوج النصرانية واليهودية قال إذا أصاب المسلمة فما يصنع باليهودية والنصرانية فقيل يكون له فيها الهوى فقال إن فعل فليمنعها من شرب الخمر وأكل لحم الخنزير واعلم أن عليه في دينه غضاضة (1). وعن الباقر (عليه السلام) لا ينبغي للمسلم أن يتزوج يهودية ولا نصرانية وهو يجد مسلمة حرة أو أمة. وعنه (عليه السلام) إنما يحل منهن نكاح البله (2). وفي الفقيه عنه (عليه السلام) أنه سئل عن الرجل المسلم أيتزوج المجوسية قال لا ولكن إن كانت له أمة مجوسية فلا بأس أن يطأها ويعزل عنها ولا يطلب ولدها وفي رواية لا يتزوج الرجل اليهودية والنصرانية على المسلمة ويتزوج المسلمة على اليهودية

____________________________

(1) قولهم ليس عليك في هذا الأمر غضاضة أي ذلة ومنقصة عليه في دينه غضاضة وما علي من غضاضة.

 (2) بله الرجل يبله بلها من باب تعب ضعف عقله فهو أبله والانثى بلهاء والجمع بله كأحمر وحمراء وحمر وفي الحديث عليك بالبلهاء قلت وما البلهاء قال ذوات الخذور العفايف. 

[ 14 ]

والنصرانية وفي التهذيب عن الصادق (عليه السلام) لا بأس أن يتمتع الرجل باليهودية والنصرانية وعنده حرة. وفيه في جواز التمتع بهما وبالمجوسية أخبار أخر إذا اتيتموهن أجورهن مهورهن محصنين اعفاء بالنكاح غير مسافحين غير مجاهرين بالزنا ولا متخذي أخدان (1) مسرين به والخدن الصديق يقع على الذكر والأنثى ومن يكفر بالإيمان بجحد الشرايع أو بتركها في الكافي عن الصادق (عليه السلام) في تفسيره ترك العمل الذي أقربه من ذلك أن يترك الصلوة من غير سقم ولا شغل. وفي رواية ترك العمل حتى يدعه أجمع والعياشي مثله وروى هو عن الصادق (عليه السلام) أدنى ما يخرج به الرجل من الإسلام أن يرى الرأي بخلاف الحق فيقيم عليه قال ومن يكفر بالايمان الذي لا يعمل بما أمر الله به ولا يرضى به وعن الباقر (عليه السلام) يعني ولاية علي (عليه السلام). والقمي قال من آمن ثم أطاع أهل الشرك فقد حبط عمله وهو في الاخرة من الخاسرين. (6) يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم الى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين وقرء بنصب الأرجل وهو مردود عندنا كما يأتي وأريد بالقيام القيام من النوم. ففي التهذيب والعياشي عن الصادق (عليه السلام) أنه سئل ما معنى إذا قمتم قال إذا قمتم من النوم. والعياشي عن الباقر (عليه السلام) سئل ما عنى بها قال عن النوم فاسترحنا من تكلفات المفسرين واضماراتهم (2) وأما وجوب الوضوء بغير حدث النوم فمستفاد من الأخبار كما أن وجوب الغسل بغير الجنابة مستفاد من محل آخر وكما أن سائر مجملات القرآن

____________________________

(1) قوله تعالى ولا متخذي أخذان أي ولا متفردين ببغية واحدة خادنها وخادنته اتخذها لنفسه صديقة يفجربها.

 (2) قال في مجمع البيان معناه إذا أردتم القيام الى الصلاة وأنتم على غير طهر وحذف الإرادة لان في الكلام دلالة على ذلك ومثله قوله فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله وإذا كنت فيهم لهم الصلاة وهو قول ابن عباس وأكثر المفسرين. 

[ 15 ]

إنما يتبين بتفسير أهل البيت وهم أدرى بما نزل في البيت من غيرهم والوجه ما يواجه به فلا يجب تخليل الشعر الكثيف اعني الذي لا يرى البشرة خلاله في التخاطب إذ المواجهة حينئذ إنما تكون بالشعر لا بما تحته كما ورد عن الباقر (عليه السلام) كل ما احاط به الشعر فليس على العباد ان يطلبوا ولا ان يبحثوا عنه ولكن يجري عليه الماء رواه في التهذيب وفيه وفي الكافي عن احدهما (عليهما السلام) انه سئل عن الرجل يتوضا ايبطن (1) لحيته يقال لا. وأما حد الوجه ففي الفقيه وفي الكافي والعياشي عن الباقر (عليه السلام) الوجه الذي امر الله بغسله الذي لا ينبغي لاحد أن يزيد عليه ولا ينقص منه إن زاد عليه لم يؤجر وان نفص منه أثم ما دارت الوسطى والابهام من قصاص شعر الراس الى الذقن وما جرت عليه الاصبهان من الوجه مستديرا فهو من الوجه وما سوى ذلك فليس من الوجه قيل الصدغ ليس من الوجه قال لا وأما في سائر الاعضاء فيجب ايصال الماء والبلل إلى البشرة وتخليل ما يمنع من الوصول كما هو مقتضى الأمر بالغسل والمسح فلا يجزي المسح على القلنسوة ولا على الخفين في التهذيب عن الباقر (عليه السلام) جمع عمر بن الخطاب أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وفيهم علي (عليه السلام) فقال ما تقولون في المسح على الخفين فقام المغيرة بن شعبة فقال رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يمسح على الخفين فقال علي قبل المائدة أو بعد المائدة فقال لا أدري فقال علي سبق الكتاب الخفين إنما انزلت المائدة قبل أن يقبض (صلى الله عليه وآله) بشهرين أو ثلاثة. أقول: المغيرة بن شعبة هذا هو أحد رؤساء المنافقين من أصحاب العقبة والسقيفة لعنهم الله. وفي الفقيه روت عائشة عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال أشد الناس حسرة يوم القيامة من رأى وضوءه على جلد غيره.

____________________________

(1) قوله يبطن بتشديد الطاء من بطن بيطن إذا أدخل الماء تحتها مما هو مستور بشعرها. 

[ 16 ]

وروي عنها أنها قالت لان امسح على ظهر عير بالفلاة أحب إلي من أن أمسح على خفي ولم يعرف للنبي (صلى الله عليه وآله) خف الا خف هداه له النجاشي وكان موضع ظهر القدمين منه مشقوقا فمسح النبي (صلى الله عليه وآله) رجليه وعليه خفاه فقال الناس أنه مسح على خفيه وعلى أن الحديث في ذلك غير صحيح الأسناد انتهى كلام الفقيه ولما كانت اليد تطلق على ما تحت الزند وعلى ما تحت المرفق وعلى ما تحت المنكب بين الله سبحانه غاية المغسول منها كما تقول لغلامك اخضب يدك إلى الزند وللصيقل صقل سيفي إلى القبضة فلا دلالة في الاية على ابتداء الغسل بالاصابع وانتهائه إلى المرافق كما أنه ليس في هاتين العبارتين دلالة على ابتداء الخضاب والتصقيل باصابع اليد ورأس السيف فهي مجملة في هذا المعنى يحتاج إلى تبيين أهل البيت (عليهم السلام) والمرفق بكسر أوله وفتح ثالثه أو بالعكس مجمع عظمي الذراع والعضد ولا دلالة في الاية على إدخاله في غسل اليد ولا على ادخال الكعب في مسح الرجلين لخروج الغاية تارة ودخولها اخرى فهي في هذا المعنى مجملة وإنما تتبين بتفسيرهم والغسل يحصل بصب الماء على العضو أو غمسه فيه إن لم يدلك فالباء في برؤوسكم للتبعيض وكذا في بوجوهكم وكذا في المعطوفين عليهما أعني أرجلكم وأيديكم كذا عن الباقر (عليه السلام) كما يأتي والكعب عظم مائل إلى الإستدارة واقع في ملتقى الساق والقدم نات عن ظهره يدخل نتوه في طرف الساق كالذي في ارجل البقر والغنم وربما يلعب به الأطفال وقد يعبر عنه بالمفصل لمجاورته له وإنما اختلف الناس فيها لعدم غورهم في كلام أهل اللغة وأصحاب التشريح واعراضهم عن التأمل في الأخبار المعصومية ولما كانت الرجل تطلق على القدم وعلى ما تحت الركبة وعلى ما يشمل الفخذين بين الله سبحانه غاية الممسوح منها ثم دلالة الاية على مسح الرجلين دون غسلهما اظهر من الشمس في رابعة النهار وخصوصا على قراءة الجر ولذلك اعترف بها جمع كثير من القائلين بالغسل. في التهذيب عن الباقر (عليه السلام) أنه سئل عن قول الله عز وجل فامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين على الخفض هي أم على النصب قال بل هي على الخفض. أقول: وعلى تقدير القراءة على النصب أيضا يدل على المسح لانها تكون حينئذ

[ 17 ]

معطوفة على محل الرؤوس كما تقول مررت بزيد وعمروا إذ عطفتها على الوجوه خارج عن قانون الفصاحة بل عن اسلوب العربية روى العامة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) وابن عباس عن النبي (صلى الله عليه السلام) انه توضأ ومسح على قدميه ونعليه. ورووا أيضا عن ابن عباس أنه قال إن كتاب الله المسح ويأبى الناس إلا الغسل وانه قال الوضوء غسلتان ومسحتان من باهلني باهلته وأنه وصف وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فمسح على رجليه. وفي التهذيب عن الباقر (عليه السلام) أنه سئل عن مسح الرجلين فقال هو الذي نزل به جبرئيل. وفي الكافي عن الصادق (عليه السلام) أنه يأتي عن الرجل ستون وسبعون سنة ما قبل الله منه صلاة قيل وكيف ذلك قال لانه يغسل ما أمر الله بمسحه. وفي الفقيه عن علي (عليه السلام) أن الرجل ليعبد الله أربعين سنة ما يطيعه في الوضوء يغسل ما أمر الله بمسحه. وفي الكافي والعياشي عن الباقر (عليه السلام) أنه سئل عن وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فدعا بطست (1) أو تور فيه ماء فغمس يده اليمنى فغرف بها غرفة فصبها على وجهه ثم غمس كفه اليسرى فغرف بها غرفة فأفرغ على ذراعه اليمنى فغسل بها ذراعه من المرفق إلى الكف لا يردها إلى المرفق، ثم غمس كفه اليمنى فأفرغ بها على ذراعه اليسرى من المرفق وصنع بها ما صنع باليمنى ثم مسح رأسه وقدميه ببل كفه لم يحدث لهما ماء جديدا ثم قال ولا يدخل أصابعه تحت الشراك (2) قال ثم قال إن الله تعالى يقول إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وليس له أن يدع شيئا من وجهه إلا غسله وأمر بغسل اليدين إلى المرفقين فليس له أن يدع شيئا من يديه إلى المرفقين إلا غسله لان الله تعالى قال اغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ثم قال وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين فإذا مسح بشئ من رأسه أو بشئ من قدميه ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع فقد أجزأ فقيل أين الكعبان قال هيهنا يعني

____________________________

(1) والترديد من الراوي والتور بالفتح فالسكون اناء صغير من صفر أو خزف يشرب منه ويتوضا فيه ويؤكل منه.

 (2) الشراك بكسر الشين أحد سيور النعل التي يكون على وجهها توثق به الرجل ومنه الحديث لا تدخل يدرك تحت الشراك أي شراك النعل. 

[ 18 ]

المفصل دون عظم الساق قيل هذا ما هو فقال هذا من عظم الساق والكعب أسفل من ذلك قيل أصلحك الله فالغرفة الواحدة تجري للوجه وغرفة للذراع قال نعم إذا بالغت فيها والثنتان تأتيان على ذلك كله. وفي الفقيه والعياشي عن زرارة قال قلت لابي جعفر (عليه السلام) الا تخبرني من أين علمت وقلت أن المسح ببعض الرأس وببعض الرجلين فضحك (عليه السلام) ثم قال يا زرارة قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونزل به الكتاب من الله لان الله تعالى يقول فاغسلوا وجوهكم فعرفنا أن الوجه كله ينبغي أن يغسل ثم قال وأيديكم إلى المرافق فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه فعرفنا أنه ينبغي لهما أن يغسلا إلى المرفقين ثم فصل بين الكلام فقال وامسحوا برؤوسكم فعرفنا حين قال برؤوسكم أن المسح ببعض الرأس لمكان الباء ثم وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه فقال وأرجلكم إلى الكعبين فعرفنا حين وصلهما بالرأس أن المسح على بعضهما ثم فسر ذلك رسول الله للناس فضيعوه الحديث ويأتي تمامه عن قريب وأشار إليه بقوله لمكان الباء أن الباء للتبعيض فلا وجه لانكار سيبويه مجيئها له في سبعة عشر موضعا من كتابه. وإنما بسطنا الكلام في تفسير آية الوضوء لعموم البلوى بها وكثرة الإختلاف فيها والحمد لله على ما هدانا ببركة أهل بيت نبيه صلوات الله عليهم وتمام الكلام فيه يطلب من كتابنا الوافي وإن كنتم جنبا فاطهروا عطف على جزاء الشرط الأول أعني فاغسلوا وجوهكم يعني إذا قمتم من النوم إلى الصلاة فتوضؤوا وإن كنتم جنبا فاغتسلوا يدل عليه قوله تعالى وإن كنتم مرضى فإنه مندرج تحت الشرط ألبتة فلو كان قوله وإن كنتم معطوفا على قوله إذا ؟ قمتم أو كان مستأنفا لم يتناسق المتعاطفان وللزم أن لا يستفاد الإرتباط مابين الغسل والصلوة من الاية ولم يحسن لفظة إن بل ينبغي أن يقال وإذا كنتم جنبا كما هو غير خاف (1) على من تتبع أساليب الكلام ويدل عليه أيضا ما في الكافي عن الباقر (عليه السلام) أنه سئل عن المرأة يجامعها الرجل فتحيض وهي في المغتسل قال

____________________________

(1) خفي كرضي خفاء فهو خاف وخفي لم يظهر. 

[ 19 ]

جاءها ما يفسد الصلاة فلا تغتسل وفي التهذيب عن الصادق (عليه السلام) أنه سئل عن غسل الجنابة فقال تبدأ فتغسل كفيك ثم تفرغ بيمينك على شمالك فتغسل فرجك ومرافقك ثم تمضمض واستنشق ثم تغسل جسدك من لدن قرنك (1) الى قدميك ليس بعده ولا قبله وضوء وكل شئ أمسسته الماء فقد أنقيته ولو أن رجلا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك وإن لم يدلك جسده. وفي الكافي مقطوعا إن لم يكن أصاب كفه شئ غمسها في الماء ثم بدا بفرجه فأنقاه بثلاث غرف ثم صب على رأسه ثلاث أكف ثم صب على منكبه الأيمن مرتين وعلى منكبه الأيسر مرتين فما جرى عليه الماء أجزأه وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه قد مضى تفسير هذه الاية في سورة النساء فلا حاجة الى إعادته. وفي الفقيه في حديث زرارة السابق آنفا متصلا بآخره ثم قال ولم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه فلما وضع الوضوء إن لم يجدوا الماء أثبت بعض الغسل مسحا لانه قال بوجوهكم ثم وصل بها وأيديكم ثم قال منه أي من ذلك التيمم لانه علم أن ذلك أجمع لم يجر على الوجه لانه يعلق من ذلك الصعيد ببعض الكف ولا يعلق ببعضها قوله (عليه السلام) من ذلك التيمم الظاهر أن المراد به المتيمم به بدليل قوله ان ذلك يعني الصعيد أجمع لم يجر على الوجه ويستفاد منه أن لفظة من في منه للتبعيض وأنه يشترط علوق التراب بالكف وأنه لا يجوز التيمم بالحجر الغير المغبر كما مضى تحقيقه ما يريد الله بفرض الطهارات ليجعل عليكم من حرج من ضيق ولكن يريد ليطهركم من الأحداث والذنوب فإن الطهارة كفارة للذنوب كما هي رافعة للاحداث وليتم نعمته عليكم بهذا التطهير لعلكم تشكرون نعمته. (7) واذكروا نعمة الله عليكم بالاسلام ليذكركم المنعم ويرغبكم في شكره

____________________________

(1) القرن جانب الرأس. 

[ 20 ]

وميثاقه الذى واثقكم به قيل يعني عند اسلامكم بأن تطيعوا الله فيما يفرضه عليكم سركم أو ساءكم. وفي المجمع عن الباقر (عليه السلام) أن المراد بالميثاق ما بين لهم في حجة الوداع من تحريم المحرمات وكيفية الطهارة وفرض الولاية وغير ذلك. أقول: وهذا داخل في ذاك إذ قلتم سمعنا وأطعنا. القمي قال لما أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) الميثاق عليهم بالولاية قالوا سمعنا وأطعنا ثم نقضوا ميثاقه واتقوا الله في إنساء نعمته ونقض ميثاقه إن الله عليم بذات الصدور بخفياتها فضلا عن جليات أعمالكم. (8) يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط مر تفسيره ولا يجرمنكم ولا يحملنكم شنان قوم شدة عداوتهم وبغضهم على أن لا تعدلوا فتعدوا عليهم بارتكاب ما لا يحل كمثلة وقذف وقتل النساء وصبية ونقض عهد تشفيا مما في قلوبكم اعدلوا في أوليائكم وأعداءكم هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون فيجازيكم قيل تكرير هذا الحكم إما لاختلاف السبب كما قيل أن الأولى نزلت في المشركين وهذه في اليهود أو لمزيد الاهتمام بالعدل والمبالغة في إطفاء نائرة الغيظ. (9) وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم. (10) والذين كفروا وكذبوا بايتنا أولئك أصحاب الجحيم قابل الوعد بالوعيد وفاء بحق الدعوة. (11) يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا يبطشوا إليكم أيديهم بالقتل والإهلاك فكف أيديهم عنكم منعها أن تمد إليكم ورد مضرتها عنكم (1) القمي يعني أهل مكة من قبل فتحها فكف أيديهم بالصلح يوم الحديبية واتقوا الله

____________________________

(1) البطش الأخذ بسرعة والأخذ بعنف وسطوة 

[ 21 ]

وعلى الله فليتوكل المؤمنون فإنه الكافي لايصال الخير ودفع الشر. (12) ولقد أخذ الله ميثاق بنى إسرائيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا كفيلا أمينا شاهدا من كل سبط ينقب (1) عن أحوال قومه ويفتش عنها ويعرف مناقبهم وقال الله إنى معكم بالنصرة لئن أقمتم الصلوة وآتيتم الزكوة وآمنتم برسلى وصدقتموهم وعزرتموهم ونصرتموهم وقويتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا بالانفاق في سبيله لاكفرن عنكم سيئاتكم ولادخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر منكم فقد ضل سواء السبيل قيل أمر الله بني إسرائيل بعد هلاك فرعون بمصر بأن يسيروا إلى أريحا من أرض الشام وكان يسكنها الجبابرة وقال إني كتبتها لكم قرارا وأمر موسى (عليه السلام) بأن يأخذ من كل سبط نقيبا يكون كفيلا على قومه بالوفاء بما أمروا به من الخروج إلى الجبابرة والجهاد وقائدا ورئيسا لهم فاختار النقباء وأخذ الميثاق على بني إسرائيل وتكفل لهم به وسار بهم فلما دنا من أرضهم بعث النقباء يتجسسون فرأوا اجراما عظاما وقوة فرجعوا وأخبروا موسى بذلك فأمرهم أن يكتموا ذلك فحدثوا بذلك قومهم الا كالب بن يوفنا من سبط يهودا ويوشع بن نون من سبط افرائيم بن يوسف وكانا من النقباء. (13) فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم طردناهم من رحمتنا وجعلنا قلوبهم قاسية لا تنفعل عن الآيات والنذر، وقرئ قسية على المبالغة يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا تركوا نصيبا وافرا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم خيانة أو فرقة خائنة إلا قليلا منهم لم يخونوا فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين حث على الصفح القمي منسوخة بقوله اقتلوا المشركين. (14) ومن الذين قالوا إنا نصرى ادعوا نصرة الله بالاتسام بهذا الإسم أخذنا ميثاقهم كما أخذنا ممن قبلهم من بني إسرائيل فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا فالزمنا

____________________________

(1) يقال نقبوا في البلاد صاروا في نقوبها أي في طرقها طلبا للهرب ونقيب القوم كالكفيل والضمين ينقب عن الأسرار ومكنون الأضمار وانما قيل نقيب لانه يعلم دخيلة أمر القوم ويعرف الطريق الى معرفة امورهم. 

[ 22 ]

بينهم العداوة بالافعال والبغضاء بالقلوب إلى يوم القيمة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون بالجزاء والعقاب. (15) يا أهل الكتب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب كنعت (محمد صلى الله عليه وآله) وآية الرجم في التورية وبشارة عيسى بأحمد (صلى الله عليه وآله) في الانجيل ويعفوا عن كثير مما تخفونه لا يخبر به. القمي قال يبين النبي كثيرا مما أخفيتموه مما في التوراة من أخباره ويدع كثيرا لا يبينه. وفي المجمع عن الباقر (عليه السلام) عند تفسير يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من هذه السورة ان امرأة من خيبر ذات شرف بينهم زنت مع رجل من أشرافهم وهما محصنان فكرهوا رجمهما فأرسلوا إلى يهود المدينة وكتبوا إليهم أن يسألوا النبي (صلى الله عليه وآله) عن ذلك طمعا في أن يأتي لهم برخصة فانطلق قوم منهم كعب بن الأشرف وكعب بن أسيد وشعبة بن عمرو ومالك بن الضيف وكنانة بن أبي الحقيق وغيرهم فقالوا يا محمد أخبرنا عن الزاني والزانية إذا أحصنا ما حدهما فقال (صلى الله عليه وآله) وهل ترضون بقضائي في ذلك قالوا نعم فنزل جبرئيل بالرجم فأخبرهم بذلك فأبوا أن يأخذوا به فقال جبرئيل (عليه السلام) اجعل بينك وبينهم ابن صوريا ووصفه له فقال النبي (صلى الله عليه وآله) هل تعرفون شابا أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا قالوا نعم قال فأي رجل هو فيكم قالوا هو أعلم يهودي بقى على ظهر الأرض بما أنزل الله على موسى قال فأرسلوا إليه ففعلوا فأتاهم عبد الله بن صوريا فقال له النبي (صلى الله عليه وآله) إني أنشدك الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى وفلق لكم البحر فأنجاكم وأغرق آل فرعون وظلل عليكم الغمام وأنزل عليكم المن والسلوى هل تجدون في كتابكم الرجم على من أحصن قال ابن صوريا نعم والذي ذكرتني به لو لا خشية أن يحرقني رب التورية أن كذبت أو غيرت ما اعترفت لك ولكن أخبرني كيف هي في كتابك يا محمد قال (صلى الله عليه وآله) إذا شهد أربعة رهط عدول أنه قد أدخله فيها كما يدخل الميل في المكحلة وجب عليه الرجم فقال ابن صوريا هكذا أنزل الله في التوراة على موسى (عليه السلام) فقال له النبي (صلى

[ 23 ]

الله عليه وآله) فماذا كان أول ما ترخصتم به أمر الله قال كنا إذا زنى الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد فكثر الزنا في أشرافنا حتى زنى ابن عم ملك لنا فلم نرجمه ثم زنى رجل آخر فأراد الملك رجمه فقال له قومه لا حتى ترجم فلانا يعنون ابن عمه فقلنا تعالوا نجتمع فلنضع شيئا دون الرجم يكون على الشريف والوضيع فوضعنا الجلد والتحميم (1) وهو أن يجلد أربعين جلدة ثم يسود وجوههما ثم يحملان على حمارين ويجعل وجوههما من قبل دبر الحمار ويطاف بهما فجعلوا هذا مكان الرجم فقالت اليهود لابن صوريا ما أسرع ما أخبرته وما كنت لما أثنينا عليك بأهل ولكنك كنت غائبا فكرهنا أن نغتابك فقال إنه أنشدني بالتوراة ولولا ذلك لما أخبرته فأمر بهما النبي (صلى الله عليه وآله) فرجما عن باب مسجده وقال أنا أول من أحيى أمرك إذ أماتوه فأنزل الله سبحانه فيه يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير فقام ابن صوريا فوضع يده على ركبتي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم قال هذا مقام العائذ بالله وبك أن تذكر لنا الكثير الذي أمرت أن تعفو عنه فأعرض النبي (صلى الله عليه وآله) عن ذلك قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين قيل النور محمد (صلى الله عليه وآله) والكتاب القرآن وقيل كلاهما القرآن وأيد بتوحيد الضمير في به. والقمي قال يعني بالنور أمير المؤمنين والأئمة (عليهم السلام). (16) يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام طرق السلامة من العذاب ويخرجهم من الظلمات أنواع الكفر إلى النور بالإسلام بإذنه بارادته وتوفيقه ويهديهم إلى صراط مستقيم طريق هو أقرب الطرق الى الله والى جنته. (17) لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا فمن يمنع من قدرته وارادته شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك السموات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شئ قدير.

____________________________

(1) حمم رأسه إذا اسود الحلق وحممت سخمت وجهه بالفحم. 

[ 24 ]

(18) وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه أشياع إبنيه عزير والمسيح قل فلم يعذبكم بذنوبكم في الدنيا بالقتل والأسر والمسخ وفي الآخرة بالنار أياما معدودة بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وهم كفر والمعنى أنه يعاملكم معاملة سائر الناس لا مزية لكم عليهم ولله ملك سموات والأرض وما بينهما كلها سواء في كونه خلقا وملكا وإليه المصير فيجازيكم كلا بما كسب. (19) يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم ما يحتاج إلى البيان على فترة من الرسل على فتور من الارسال وانقطاع من الوحي قال الصدوق طاب ثراه في اكماله معنى الفترة ان لا يكون نبى ولا وصي ظاهر مشهور وقد كان بين نبينا (صلى الله عليه وآله) وبين عيسى (عليه السلام) أنبياء وأئمة مستورون خائفون منهم خالد بن سنان العبسي لا يدفعه دافع ولا ينكره منكر وكان بين مبعثه ومبعث نبينا (صلى الله عليه وآله) خمسون سنة. أقول: تصديق ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام) لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة اما ظاهر مشهور وإما خائف مغمور أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير كراهة أن تقولوا ذلك وتعتذروا به فقد جاءكم بشير ونذير فلا تعتذروا والله على كل شئ قدير قد مضى في سورة النساء عند قوله فكيف إذا جئنا من كل امة بشهيد إن الأمم يوم القيمة تجحد تأدية رسالات رسلهم وتقول ما جاءنا من بشير ولا نذير والرسل يستشهدون نبينا فيقول نبينا (صلى الله عليه وآله) لكل أمة بلى قد جائكم بشير ونذير والله على كل شئ قدير أي مقتدر على شهادة جوارحكم عليكم بتبليغ الرسل عليكم رسالاتهم. (20) وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين من فلق البحر وتظليل الغمام وانزال المن والسلوى وغير ذلك. (21) يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة.

[ 25 ]

العياشي عن الباقر (عليه السلام) يعني الشام التى كتب الله لكم أن تكون مسكنا لكم العياشي عن الصادق (عليه السلام) أن بني إسرائيل قال الله لهم ادخلوا الأرض المقدسة فلم يدخلوها حتى حرمها عليهم وعلى أنبيائهم وإنما أدخلها أبناء أبنائهم وعنهما (عليهما السلام) كتبها لهم ثم محاها ولا ترتدوا على أدباركم ولا ترجعوا مدبرين فتنقلبوا خاسرين ثواب الدارين. (22) قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين شديدي البطش والبأس والخلق لا تتأتى لنا مقاومتهم. إنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون إذ لا طاقة لنا بهم. (23) قال رجلان هما يوشع بن نون وكالب بن يوفنا وهما ابنا عمه كذا عن الباقر (عليه السلام) رواه العياشي من الذين يخافون أي يخافون الله ويتقونه أنعم الله عليهما بالايمان والتثبيت ادخلوا عليهم الباب باب قريتهم أي باغتوهم وضاغطوهم في المضيق وامنعوهم من الأصحار فإذا دخلتموه فإنكم غالبون لتعسر الكر عليهم في المضايق من عظم أجسامهم ولانهم أجسام لا قلوب فيها وعلى الله فتوكلوا في نصرته على الجبارين إن كنتم مؤمنين به ومصدقين لوعده (24) قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هيهنا قاعدون قالوها استهانة بالله ورسوله وعدم مبالاة بهما. (25) قال رب إنى لا أملك إلا نفسي وأخى فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين. (26) قال فإنها محرمة عليهم لا يدخلونها ولا يملكونها بسبب عصيانهم أربعين سنة يتيهون في الأرض يسيرون فيها متحيرين لا يرون طريقا فلا تأس على القوم الفاسقين لانهم أحقاء بذلك لفسقهم

____________________________

(1) أصحر الرجل أي خرج الى الصحراء. مجمع 

[ 26 ]

العياشي عن الباقر (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة حتى لا تخطئون طريقهم ولا تخطأكم سنة بني إسرائيل ثم قال أبو جعفر (عليه السلام) قال موسى لقومه يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التى كتب الله لكم فردوا عليه وكانوا ست مائة ألف فقالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين الآيات قال فعصى إلا أربعون ألفا وسلم هارون وابناه ويشوع بن نون وكالب بن يوفنا فسماهم الله فاسقين فقال لا تأس على القوم الفاسقين فتاهوا أربعين سنة لانهم عصوا فكانوا حذوا النعل بالنعل أن رسول الله لما قبض لم يكن على أمر الله إلا علي والحسن والحسين عليهم الصلاة والسلام وسلمان والمقداد وأبو ذر فمكثوا أربعين حتى قام علي فقاتل من خالفه. وعنه (عليه السلام) قال نعم الأرض الشام وبئس القوم أهلها وبئس البلاد مصر أما أنها سجن من سخط الله عليه ولم يكن دخول بني إسرائيل إلا معصية منهم لله لان الله قال ادخلوا الأرض المقدسة التى كتب الله لكم يعني الشام فأبوا أن يدخلوها فتاهوا في الأرض أربعين سنة في مصر وفيا فيها ثم دخلوها بعد أربعين سنة قال وما خروجهم من مصر ودخولهم الشام إلا بعد توبتهم ورضاء الله عنهم وعن الصادق (عليه السلام) وذكر موسى وقولهم اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هيهنا قاعدون قال فحرمها الله عليهم أربعين سنة وتيههم فكانوا إذا كان العشاء وأخذوا في الرحيل نادوا الرحيل الرحيل الوحا (1) الوحا فلم يزالوا كذلك حتى تغيب الشمس حتى إذا ارتحلوا واستوت بهم الأرض قال الله تعالى للارض ديري بهم فلم يزالوا كذلك حتى إذا أسحروا وقارب الصبح قالوا إن هذا الماء قد أتيتموه فانزلوا فإذا أصبحوا إذا تيههم (2) ومنازلهم التي كانوا فيها بالامس فيقول بعضهم لبعض يا قوم لقد ضللتم وأخطأتم الطريق فلم يزالوا كذلك حتى اذن الله لهم فدخلوها وقد كان كتبها لهم. وفي الكافي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن موسى كليم الله مات في التيه

____________________________

(1) الوحا الوحا بالمد والقصر أي السرعة وهو منصوب بفعل مضر.

 (2) أرض تيه وتيه بالكسر وتيهاء ومتيهة كسفينة وتضم الميم وكمرحلة ومقعد مصلة وتيهه ضيعه. 

[ 27 ]

فصائح من السماء مات موسى وأي نفس لا تموت. والقمي عن الباقر (عليه السلام) مات هارون قبل موسى وماتا جميعا في التيه والقمي لما أراد موسى (عليه السلام) أن يفارقهم فزعوا وقالوا إن خرج موسى من بيننا نزل علينا العذاب ففزعوا إليه وسألوه أن يقيم معهم ويسأل الله أن يتوب عليهم. (27) واتل عليهم نبأ ابني آدم قابيل وهابيل بالحق بالصدق إذ قربا قربانا القربان ما يتقرب به إلى الله من ذبيحة أو غيرها فتقبل من أحدهما لانه رضى بحكم الله وأخلص النية لله وعمد إلى أحسن ما عنده وهو هابيل ولم تقبل من الآخر لانه سخط حكم الله ولم يخلص النية في قربانه وقصد إلى أخس ما عنده وهو قابيل قال لاقتلنك توعده (1) بالقتل لفرط حسده له على تقبل قربانه قال إنما يتقبل الله من المتقين يعني إنما أتيت من قبل نفسك بترك التقوى لا من قبلي قيل فيه إشارة إلى أن الحاسد ينبغي أن يرى حرمانه من تقصيره ويجتهد في تحصيل ما به صار المحسود محظوظا الا في إزالة حظه فان ذلك مما يضره ولا ينفعه وان الطاعة لا تقبل إلا من مؤمن متق. (28) لئن بسطت إلى يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدى وقرء يدي باسكان الياء إليك لاقتلك إنى أخاف الله رب العالمين. (29) انى أريد أن تبوء أن ترجع بإثمى وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين لعل غرضه بالذات أن لا يكون ذلك له لا أن يكون لاخيه في ثواب الأعمال عن الباقر (عليه السلام) من قتل مؤمنا أثبت الله على قاتله جميع الذنوب وبرأ المقتول منها وذلك قول الله عز وجل إنى أريد أن تبوء باثمي و إثمك فتكون من أصحاب النار. (30) فطوعت له نفسه (2) اتسعت له قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين دينا

____________________________

(1) في الكلام حذف وتقدير أي قال الذي لم يتقبل منه للذي تقبل منه لاقتلنك فقال له لم تقتلني قال انه تقبل قربانك ولم يتقبل قرباني قال له وما ذنبي انما يتقبل الله من المتقين. إ (2) أي شجعته وزينته وقيل رخصته وسهلته من أطاع له المرتع إذا إتسع 

[ 28 ]

ودنيا إذ بقي مدة عمره مطرودا محزونا نادما. في المجمع عن الباقر (عليه السلام) أن حواء إمرأة آدم كانت تلد في كل بطن غلاما وجارية فولدت في أول بطن قابيل وقيل قابين وتوأمته أقليما بنت آدم والبطن الثاني هابيل وتوأمته ليوذا فلما أدركوا جميعا أمر الله تعالى أن ينكح آدم (عليه السلام) قابيل أخت هابيل وهابيل أخت قابيل فرضي هابيل وأبى قابيل لان أخته كانت أحسنهما وقال ما أمر الله بهذا ولكن هذا من رأيك فأمرهما أن يقربا قربانا فرضيا بذلك فعمد هابيل وكان صاحب ماشية فأخذ من خير غنمه وزبدا ولبنا وكان قابيل صاحب زرع فأخذ من شر زرعه ثم صعدا فوضعا القربانين على الجبل فأتت النار فأكلت قربان هابيل وتجنبت قربان قابيل وكان آدم غايبا بمكة خرج إليها ليزور البيت بأمر ربه فقال قابيل لا عشت يا هابيل في الدنيا وقد تقبل قربانك ولم يتقبل قرباني وتريد أن تأخذ اختي الحسناء وآخذ أختك القبيحة فقال له هابيل ما حكاه الله تعالى فشدخه بحجر فقتله والعياشي عن الصادق (عليه السلام) في حديث سبق صدره في أول سورة النساء قيل له إنهم يزعمون أن قابيل إنما قتل هابيل لانهما تغايرا على أختهما فقال تقول هذا ما تستحي أن تروي هذا على نبي الله آدم فقيل فبم قتل قابيل هابيل فقال في الوصية ثم قال إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى آدم أن يدفع الوصية واسم الله الأعظم إلى هابيل وكان قابيل أكبر فبلغ ذلك قابيل فغضب فقال أنا أولى بالكرامة والوصية فأمرهما أن يقربا قربانا بوحي من الله إليه ففعلا فتقبل الله قربان هابيل فحسده قابيل فقتله. وفي الأكمال عن الباقر (عليه السلام) قال بعد ذكر قربانيهما وكان القربان إذا قبل تأكله النار فعمد قابيل فبنى لها بيتا وهو أول من بنى للنار البيوت وقال لاعبدن هذه النار حتى يتقبل قرباني ثم إن عدوالله إبليس قال لقابيل إنه قد تقبل قربان هابيل ولم يتقبل قربانك فان تركته يكون له عقب يفتخرون على عقبك فقتله قابيل فلما رجع إلى آدم قال له يا قابيل أين هابيل فقال ما أدري وما بعثتني راعيا له فانطلق آدم فوجد هابيل مقتولا فقال لعنت من أرض كما قبلت دم هابيل فبكى آدم على هابيل أربعين ليلة وفي الكافي عنه (عليه السلام) ما في معناه.

[ 29 ]

(31) فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يوارى سواة أخيه (1) قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوارى سواة أخي فأصبح من النادمين (2) على قتله. القمي عن السجاد بعد ذكر قربانيهما قال فلم يدر كيف يقتله حتى جاء إبليس فعلمه فقال ضع رأسه بين حجرين ثم أشدخه فلما قتله لم يدر ما يصنع به فجاء غرابان فاقتتلا حتى قتل أحدهما صاحبه ثم حفر الأرض الذي بقي بمخالبه ودفن فيها صاحبه قال قابيل يا ويلتى الآية فحفر له حفيرة فدفنه فيها فصارت سنة يدفنون الموتى فرجع قابيل إلى أبيه فلم ير معه هابيل فقال له آدم أين تركت ابني قال له قابيل أرسلتني عليه راعيا فقال آدم انطلق معي إلى مكان القربان وأوجس (3) قلب آدم بالذي فعل قابيل فلما بلغ مكان القربان استبان قتله فلعن آدم الأرض التي قبلت دم هابيل وأمر آدم أن يلعن قابيل ونودي قابيل من السماء لعنت كما قتلت أخاك ولذلك لا تشرب الأرض الدم فانصرف آدم فبكى على هابيل أربعين يوما وليلة فلما جزع عليه شكى ذلك إلى الله فأوحى إليه أني واهب لك ذكرا يكون خلفا من هابيل فولدت حواء غلاما مباركا فلما كان اليوم السابع أوحى الله إليه يا آدم إن هذا الغلام هبة مني لك فسمه هبة الله فسماه هبة الله. وفي المجمع روت العامة عن الصادق (عليه السلام) قتل قابيل هابيل وتركه بالعراء (4) لا يدري ما يصنع به فقصده السباع فحمله في جراب (5) على ظهره حتى أروح (6) وعكفت (7) عليه الطير والسباع تنتظر متى يرمي به فتأكله فبعث الله غرابين فاقتتلا

______________________

(1) سوأة أخيه أي عورته وما لا يجوز أن ينكشف من جسده وقيل أي جيفته والسوء الخالة القبيحة ويا ويلتى كلمة عذاب يقال ويل له وويله ومعناه الدعاء بالاهلاك. (2) قوله فأصبح من النادمين على قتله ولكن لم يندم على الوجه الذي يكون توبة كمن يندم على الشرب لانه يصدعه فلذالك ندمه عن الجبائي وقيل من النادمين على حمله لا على قتله وقيل من النادمين على موت أخيه لا على انكار الذنب. (3) الوجس كالوعد الفزع يقع في القلب أو السمع من صوت أو غيره كالوجسان والصوت الخفي وقوله تعالى فأوجس في نفسه أي أحس وأضمر. (4) العراء بالمد فضاء لا يتوارى فيه شجر أو غيره ويقال العراء وجه الأرض. (5) الجراب بالكسر وعاب من أهاب شاة يوعى فيه الحب والدقيق ونحوهما. (6) أروح أي انتن ريحه. 7 - عكفت عليه الطير أي اجتمعت. (*)

[ 30 ]

فقتل أحد ها صاحبه ثم حفر له بمنقاره وبرجليه ثم ألقاه في الحفيرة وواراه وقابيل ينظر إليه فدفن أخاه. العياشي عن الباقر (عليه السلام) أن قابيل بن آدم معلق بقرونه في عين الشمس تدور به حيث دارت في زمهريرها وحميمها إلى يوم القيامة فإذا كان يوم القيامة صيره إلى النار. وعنه (عليه السلام) وذكر ابن آدم القاتل فقيل له ما حاله أمن أهل النار هو فقال سبحان الله الله أعدل من ذلك أن يجمع عليه عقوبة الدنيا وعقوبة الأخرة. وفي الإحتجاج قال طاووس اليماني لابي جعفر (عليه السلام) هل تعلم أي يوم مات ثلث الناس فقال يا عبد الله لم يمت ثلث الناس قط إنما أردت ربع الناس قال وكيف ذلك قال كان آدم وحواء وقابيل وهابيل فذلك ربع قال صدقت قال أبو جعفر هل تدري ما صنع بقابيل قال لا قال علق بالشمس ينضح (1) بالماء الحار إلى أن تقوم الساعة. (32) من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل القمي لفظ الاية خاص في بني إسرائيل ومعناها جار في الناس كلهم إنه من قتل نفسا بغير نفس بغير قتل نفس يوجب الإقتصاص أو فساد في الأرض أو بغير فساد فيها كالشرك وقطع الطريق فكأنما قتل الناس جميعا لهتكه حرمة الدماء وتسنينه سنة القتل وتجرأة الناس عليه في الفقيه والعياشي عن الصادق (عليه السلام) واد في جهنم لو قتل الناس جميعا كان فيه إنما يدخل ذلك المكان قيل فان قتل آخر قال يضاعف عليه. وفي رواية أخرى له في النار مقعد لو قتل الناس جميعا لم يزدد على ذلك المقعد. والعياشي ما يقرب من الروايتين ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ومن تسبب لبقاء حياتها بعفو أو منع من القتل أو استنقاذ من بعض أسباب الهلاك فكأنما فعل ذلك بالناس جميعا، القمي قال من أنقذها من حرق أو غرق أو هدم أو سبع أو كفله حتى

____________________________

(1) النضح الرش ونضحت الثوب نضحا من باب ضرب ونفع رششته بالماء. 

[ 31 ]

يستغني أو أخرجه من فقر إلى غني وأفضل من ذلك من أخرجها من ضلال إلى هدى. وفي الكافي عن الباقر (عليه السلام) في تفسيرها قال من حرق أو غرق قيل فمن أخرجها من ضلال إلى هدى قال ذلك تأويلها الأعظم. وفيه والعياشي مثله عن الصادق (عليه السلام). وعنه (عليه السلام) من أخرجها من ضلال إلى هدى فكأنما أحياها ومن أخرجها من هدى إلى ضلال فقد قتلها وعنه (عليه السلام) تأويلها الأعظم أن دعاها فاستجابت له. وفي الفقيه عنه (عليه السلام) من سقى الماء في موضع يوجد فيه الماء كان كمن أعتق رقبة ومن سقى الماء في موضع لا يوجد فيه كان كمن أحيا نفسا " فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جآئتهم رسلنا بالبينات الواضحة بعد ما كتبنا عليهم هذا التشديد العظيم تأكيدا للامر وتجديدا للعهد كي يتحاموا (1) من أمثال هذه الجنايات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون مجاوزون عن الحق، في المجمع عن الباقر (عليه السلام) المسرفون هم الذين يستحلون المحارم ويسفكون الدماء. (33) إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض في الكافي والعياشي عن الصادق (عليه السلام) قدم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوم من بني ضبة مرضى فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) أقيموا عندي فإذا برأتم بعثتكم في سرية فقالوا أخرجنا من المدينة فبعث بهم إلى إبل الصدقة يشربون من أبوالها ويأكلون من ألبانها فلما برأوا واشتدوا قتلوا ثلاثة ممن كانوا في الإبل وساقوا الإبل فبلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الخبر فبعث إليهم عليا وهم في واد قد تحيروا ليس يقدرون أن يخرجوا منه قريب من أرض اليمن فأسرهم وجاء بهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فنزلت عليه هذه الآية فاختار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) القطع فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وعنه (عليه السلام) أنه سئل عن هذه الآية

____________________________

(1) حاميت عنه محاماة وحماء منعت عنه. 

[ 32 ]

فقال ذلك إلى الإمام يفعل به ما يشاء قيل فمفوض ذلك إليه قال لا ولكن نحو الجناية وفي حديث آخر ليس أي شئ شاء صنع ولكنه يصنع بهم على قدر جناياتهم من قطع الطريق فقتل وأخذ المال قطعت يده ورجله وصلب ومن قطع الطريق وقتل ولم يأخذ المال قتل ومن قطع الطريق وأخذ المال ولم يقتل قطع يده ورجله ومن قطع الطريق ولم يأخذ مالا ولم يقتل نفي من الأرض وفي معناه أخبار أخر وعن الرضا (عليه السلام) ما يقرب منه وأنه سئل كيف ينفى وما حد نفيه فقال ينفى من المصر الذي فعل فيه ما فعل إلى مصر آخر غيره ويكتب إلى أهل ذلك المصر بأنه منفي فلا تجالسوه ولا تبايعوه ولا تناكحوه ولا تواكلوه ولا تشاربوه فيفعل ذلك به سنة فان خرج من ذلك المصر إلى غيره ؟ كتب إلهم بمثل ذلك حتى يتم السنة وفي حديث آخر فانه سيتوب قبل ذلك وهو صاغر قيل فإن توجه إلى أرض الشرك ليدخلها قال إن توجه إلى أرض الشرك ليدخلها قوتل أهلها. أقول إنما يقاتل أهلها إذا أرادوا استلحاقه إلى أنفسهم وأبوا أن يسلموه إلى المسلمين ليقتلوه وهذا معنى قوله قوتل أهلها. وفي رواية أخرى للعياشي يضرب عنقه إن أراد الدخول في أرض الشرك وفي رواية له عن الجواد (عليه السلام) في جماعة قطعوا الطريق قال فإن كانوا أخافوا السبيل فقط ولم يقتلوا أحدا ولم يأخذوا مالا امر بايداعهم الحبس فإن ذلك معنى نفيهم من الأرض. وفي رواية في الكافي أن معنى نفي المحارب أن يقذف في البحر ليكون عدلا للقتل والصلب. وعن الباقر (عليه السلام) من حمل السلاح بالليل فهو محارب إلا أن يكون رجلا ليس من أهل الريبة ذلك لهم خزي في الدنيا ذل وفضيحة ولهم في الاخرة عذاب عظيم لعظم ذنوبهم. (34) إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم قيل الاستثناء مخصوص بما هو حق الله أما القتل قصاصا فالى الأولياء يسقط بالتوبة

[ 33 ]

وجوبه لا جوازه والتوبة بعد أخذه إنما تسقط العذاب دون الحد إلا أن تكون عن الشرك. (35) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ما تتوسلون إليه به إلى ثوابه والزلفى منه من فعل الطاعات وترك المعاصي بعد معرفة الإمام واتباعه من وسل إلى كذا إذا تقرب إليه. القمي قال تقربوا إليه بالإمام (عليه السلام). وفي العيون عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الأئمة من ولد الحسين (عليهم السلام) من أطاعهم فقد أطاع الله ومن عصاهم فقد عصى الله هم العروة الوثقى والوسيلة إلى الله. وفي الكافي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة الوسيلة إنها أعلى درجة في الجنة ثم وصفها ببسط من الكلام من أراده فليرجع إليه وجاهدوا في سبيله سبيل الله بمحاربة أعدائه الظاهرة والباطنة لعلكم تفلحون بالوصول إلى الله والفوز بكرامته. (36) إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض من صنوف الأموال جميعا ومثله معه ليفتدوا به ليجعلوه فدية لانفسهم من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم تمثيل للزوم العذاب لهم وأنه لا سبيل لهم إلى الخلاص منه ولهم عذاب أليم. (37) يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم العياشي عنهما (عليهما السلام) أنهم أعداء علي (عليه السلام). (38) والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما السرقة أخذ مال الغير في خفية. في الكافي عن الصادق (عليه السلام) أنه سئل في كم يقطع السارق قال في ربع دينار قيل في درهمين قال في ربع دينار بلغ الدينار ما بلغ قيل أرأيت من سرق أقل من ربع دينارهل يقع عليه حين سرق اسم السارق وهل هو عند الله سارق في تلك الحال فقال كل من سرق من مسلم شيئا قد حواه وأحرزه فهو يقع عليه اسم السارق وهو عند الله سارق ولكن لا يقطع إلا في ربع دينار وأكثر ولو قطعت أيدي السراق فيما هو أقل من

[ 34 ]

ربع دينار لالفيت عامة الناس مقطعين وعنه (عليه السلام) القطع من وسط الكف ولا يقطع الإبهام وإذا قطعت الرجل ترك العقب لم يقطع. وفي رواية يقطع الأربع أصابع ويترك الإبهام يعتمد عليها في الصلاة ويغسل بها وجهه للصلاة وفي معناهما أخبار أخر والعياشي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه كان إذا قطع السارق ترك له الإبهام والراحة فقيل له يا أمير المؤمنين تركت عامة يده فقال فإن تاب فبأي شئ يتوضأ يقول الله فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم، وعن الجواد أن القطع يجب أن يكون من مفصل اصول الأصابع فيترك الكف والحجة في ذلك قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) السجود على سبعة أعضاء الوجه واليدين والركبتين والرجلين فإذا قطعت يده من الكوع (1) أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها وقال الله تعالى وان المساجد لله يعني به هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها فلا تدعوا مع الله أحدا وما كان لله لم يقطع. وفي الكافي عن الباقر (عليه السلام) قال قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في السارق إذا سرق قطعت يمينه فإذا سرق مرة اخرى قطعت رجله اليسرى ثم إذا سرق مرة أخرى سجنه وتركت رجله اليمنى يمشى عليها إلى الغائط ويده اليسرى يأكل بها ويستنجي بها وقال إني لاستحيي من الله أن أتركه لا ينتفع بشئ ولكن أسجنه حتى يموت في السجن وقال ما قطع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من سارق بعد بده ورجله. والعياشي ما يقرب منه وفي معناه أخبار كثيرة جزاء بما كسبا نكلا من الله عقوبة منه والله عزيز حكيم. (39) فمن تاب من السراق من بعد ظلمه بعد سرقته وأصلح أمره برد المال

____________________________

(1) الكوع بالضم طرف الزند الذي يلي الابهام والجمع أكواع وعن الأزهري الكوع طرف الزند الذي يلي رسغ اليد المحاذي للابهام وهما عظمان متلاصقان في الساعد أحد هما أدق من الآخر وطرفا يلتقيان عند مفصل الكف فالذي يلي الخنصر يقال له الكرسوع والذي يلي الإبهام يقال له الكوع وهما عظما ساعدي الذراع. 

[ 35 ]

والتفصي عن التبعات فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم يقبل توبته فلا يقطع ولا يعذب في الاخرة إلا إذا كانت توبته بعد أن يقع في يد الإمام فلا يسقط القطع حينئذ وإن عفا عنه صاحبه. ففي الكافي عن أحدهما (عليهما السلام) في رجل سرق أو شرب الخمر أو زنا فلم يعلم ذلك منه ولم يؤخذ حتى تاب وصلح فقال إذا صلح فعرف منه أمر جميل لم يقم عليه الحد. وعن الصادق (عليه السلام) من أخذ سارقا فعفا عنه فذاك له فإذا رفع إلى الإمام قطعه فإن قال الذي سرق منه أنا أهب له لم يدعه الإمام حتى يقطعه إذا رفع إلى الإمام وإنما الهبة قبل أن يرفع الى الإمام وذالك قول الله والحافظون لحدود الله فإذا انتهى الحد إلى الإمام فليس لاحد أن يتركه. وعنه (عليه السلام) أنه سئل عن الرجل يأخذ اللص يرفعه أو يتركه فقال إن صفوان بن أمية كان مضطجعا في المسجد الحرام فوضع رداءه قد سرق حين رجع إليه فقال من ذهب بردائي فذهب يطلبه فأخذ صاحبه فرفعه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال اقطعوا يده فقال صفوان تقطع يده من أجل ردائي يا رسول الله قال نعم قال فإني أهبه له فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فهلا كان هذا قبل أن ترفعه إلي قيل فالامام بمنزلته إذا رفع إليه قال نعم. (40) ألم تعلم أن الله له ملك السموت والأرض يعذب من يشآء ويغفر لمن يشآء والله على كل شئ قدير. (41) يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر في إظهاره إذا وجدوا منه فرصة من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم يعني المنافقين ومن الذين هادوا سماعون للكذب (1) قائلون له أو سماعون كلامك ليكذبوا عليك سماعون لقوم آخرين لم يأتوك أي لجمع آخر من اليهود لم يحضروا مجلسك وتجافوا عنك تكبرأ وافراطا

____________________________

(1) على تضمين السماع معنى القبول حتى يصح استعماله مع اللام. 

[ 36 ]

في البغضاء يعني مصغون لهم قائلون كلامهم أو سماعون منك لاجلهم وللانهاء إليهم يحرفون الكلم من بعد مواضعه يميلونه عن مواضعه التي وضعه الله فيها بتغييره وحمله على غير المراد وإجرائه في غير مورده أو إهماله يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه ان أوتيتم هذا المحرف فاقبلوه واعملوا به وإن لم تؤتوه بل أفتاكم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بخلافه فاحذروا قبول ما أفتاكم به قيل كان سبب نزول هذه الآية ما مر في تفسير قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من هذه السورة من قصة ابن صوريا ومحاكمته بين نبينا (صلى الله عليه وآله) واليهود. والقمي كان سبب نزولها إنه كان في المدينة بطنان من اليهود من بني هارون وهم النضير وقريظة وكانت قريظة سبعمأة والنضير ألفا وكانت النضير أكثر مالا وأحسن حالا من قريظة وكانوا حلفاء لعبدالله بن أبي فكان إذا وقع بين قريظة والنضير قتل وكان القتيل من بني النضير قالوا لبني قريظة لا نرضى أن يكون قتيل منا بقتيل منكم فجرى بينهم في ذلك مخاطبات كثيرة حتى كادوا أن يقتلوا حتى رضيت قريظة وكتبوا بينهم كتابا على أنه أي رجل من اليهود من النضير قتل رجلا من بني قريظة أن يحنب (1) ويحمم والتحنيب أن يقعد على جمل ويولى وجهه إلى ذنب الجمل ويلطخ وجهه بالحمأة (2) ويدفع نصف الدية وأيما رجل قتل رجلا من النضير أن يدفع إليه الدية كاملة ويقتل به فلما هاجر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ودخل الأوس والخزرج في الإسلام ضعف أمر اليهود فقتل رجل من بني قريظة رجلا من بني النضير فبعثوا إليهم بني النضير ابعثوا إلينا بدية المقتول وبالقاتل حتى نقتله فقالت قريظة ليس هذا حكم التوراة وإنما هو شئ غلبتمونا عليه فإما الدية وإما القتل وإلا فهذا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بيننا وبينكم فهلموا نتحاكم إليه فمشت بنو النضير إلى عبد الله بن ابي فقالوا سل محمدا أن لا ينقض شرطنا في هذا الحكم الذي بيننا وبين قريظة في القتل فقال عبد الله بن ابي ابعثوا رجلا يسمع كلامي وكلامه فإن حكم لكم بما تريدون وإلا

____________________________

(1) حنب تحنيبا نكس.

 (2) الحمأة الطين الأسود المنتن. 

[ 37 ]

فلا ترضوا به فبعثوا معه رجلا فجاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال يا رسول الله إن هؤلاء القوم قريظة والنضير قد كتبوا بينهم كتابا وعهدا وثيقا تراضوا به والآن في قدومك يريدون نقضه وقد رضوا بحكمك فيهم فلا تنقض كتابهم وشرطهم فإن النضير لهم القوة والسلاح والكراع (1) ونحن نخاف الدواير فاغتم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من ذلك ولم يجبه بشئ فنزل عليه جبرئيل بهذه الآيات قال يحرفون الكلم من بعد مواضعه يعني عبد الله بن ابي وبني النضير وإن لم تؤتوه فاحذروا يعني عبد الله قال لبني النضير إن لم يحكم بما تريدونه فلا تقبلوا ومن يرد الله فتنته اختباره ليفضح فلن تملك له من الله شيئا فلن تستطيع له من الله شيئا في دفعها أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم من العقوبات المرتبة على الكفر كالختم والطبع والضيق لهم في الدنيا خزى هوان بالزام الجزية على اليهود وإجلاء بني النضير منهم وإظهار كذبهم في كتمان الحق وظهور كفر المنافقين وخوفهم جميعا من المؤمنين ولهم في الاخرة عذاب عظيم وهو الخلود في النار. (42) سماعون للكذب كرره للتأكيد أكلون للسحت أي الحرام من سحته إذا استأصله لانه مسحوت البركة وقرئ بضمتين. وفي الكافي عن الصادق (عليه السلام) أنه سئل عن السحت فقال الرشا في الحكم. وعنه (عليه السلام) السحت ثمن الميتة وثمن الكلب وثمن الخمر ومهر البغي والرشوة وأجر الكاهن وفي رواية ثمن الكلب الذي لا يصيد. وعن الباقر (عليه السلام) كل شئ غل من الإمام فهو سحت وأكل مال اليتيم وشبهه سحت والسحت أنواع كثيرة منها أجور الفواجر وثمن الخمر والنبيذ المسكر والربا بعد البينة وأما الرشا في الحكم فإن ذلك الكفر بالله العظيم وبرسوله. وفي الفقيه عن الصادق (عليه السلام) أنه سئل عن قاض بين فريقين يأخذ من السلطان على القضاء الرزق قال ذلك السحت وفي العيون عن أمير المؤمنين (عليه

____________________________

(1) الكراع اسم لجماعة الخيل خاصة. قوله تعالى ان تصيبنا دائرة أي من دوائر الزمان أعني صروفه التي تدور وتحيط بالانسان مرة بخير ومرة بشر. 

[ 38 ]

السلام) في قوله تعالى أكالون للسحت قال هو الرجل يقضي لاخيه الحاجة ثم يقبل هديته. والقمي قال السحت بين الحلال والحرام وهو أن يواجر الرجل نفسه على المسكر ولحم الخنزير وإتخاذ الملاهي فاجارته نفسه حلال ومن جهة ما يحمل ويعمل هو سحت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم تخيير له في التهذيب عن الباقر (عليه السلام) أن الحاكم إذا أتاه أهل التوراة والإنجيل يتحاكمون إليه كان ذلك إليه إن شاء حكم بينهم وإن شاء تركهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا بأن يعادوك لاعراضك عنهم فإن الله يعصمك من الناس وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط بالعدل الذي أمر الله به إن الله يحب المقسطين. (43) وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله تعجيب من تحكيمهم من لا يؤمنون به والحال إن الحكم منصوص عليه في الكتاب الذي عندهم وفيه تنبيه على أنهم ما قصدوا بالتحكيم معرفة الحق واقامة الشرع وإنما طلبوا به ما يكون أهون عليهم وإن لم يكن حكم الله في زعمهم ثم يتولون من بعد ذلك ثم يعرضون عن حكمك الموافق لكتابهم بعد التحكيم وما أولئك بالمؤمنين بكتابهم لاعراضهم عنه أولا وعما يوافقه ثانيا. (44) إنا أنزلنا التوراة فيها هدى بيان للحق ونور يكشف ما أسبتهم من الأحكام يحكم بها النبيون الذين أسلموا انقادوا لله قيل وصفهم بالاسلام لانه دين الله للذين هادوا يحكمون لهم والربانيون والأحبار يحكم بها الربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء (1). العياشي عن الصادق عليه الصلاة والسلام الربانيون هم الأئمة دون الأنبياء الذين يربون الناس بعلمهم والأحبار هم العلماء دون الربانيين قال ثم أخبر عنهم فقال بما استحفظوا من كتب الله وكانوا عليه شهداء ولم يقل بما حملوا منه.

____________________________

(1) أي كانو على حكم النبي (صلى الله عليه وآله) في الرجم أنه ثابت في التوراة شهداء عن ابن عباس وقيل كانوا شهداء على الكتاب أنه من عند الله عطاء. 

[ 39 ]

وعن الباقر (عليه السلام) هذه الآية فينا نزلت فلا تخشوا الناس واخشون قيل نهي للحكام أن يخشوا غير الله في حكوماتهم ويداهنوا فيها ولا تشتروا بآياتي ولا تستبدلوا بأحكامي التي أنزلتها ثمنا قليلا من رشوة أو جاه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون. في الكافي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من حكم بدرهمين بحكم جورثم جبر عليه كان من أهل هذه الآية. وعن الباقر والصادق (عليهما السلام) من حكم في درهمين بغير ما أنزل الله ممن له سوط أو عصا فهو كافر بما أنزل الله على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). (45) وكتبنا عليهم وفرضنا على اليهود فيها في التوراة أن النفس بالنفس (1) أي تقتل بها والعين بالعين (2) تفقأ بها والأنف بالأنف تجدع بها. والأذن بالأذن (3) تصلم بها والسن بالسن تقلع بها والجروح قصاص ذات قصاص وقرء بالرفع في الخمس وبتخفيف الأذن. القمي هي منسوخة بقوله كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى وقوله والجروح قصاص لم ينسخ فمن تصدق به بالقصاص أي عفا عنه فهو كفارة له. في الكافي عن الصادق (عليه السلام) يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما عفا من جراح وغيره وفي الفقيه مثله إلا أنه قال ما عفا عن العمد ومن لم يحكم بما أنزل الله من القصاص وغيره فأولئك هم الظلمون. (46) وقفينا على اثارهم واتبعنا على آثار النبيين الذين أسلموا بعيسى ابن مريم

____________________________

(1) معناه إذا قتلت نفسا اخرى عمدا فانه يستحق عليه العود إذا كان القاتل عاقلا مميزا أو كان المقتول مكافئا للقاتل.

 (2) قال العلماء كل شخصين جرى القصاص بينهما في العين والأنف والأذن والسن وجميع الأطراف إذا تماثلا في السلامة والشلل وإذا امتنع القصاص في النفس امتنع أيضا في الأطراف.

 (3) الا صطلام الإستيصال و هو افتعال من الصلم وهو القطع المستأصل. 

[ 40 ]

مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين إنما خصهم بالذكر مع عموم الموعظة لانهم اختصوا بالانتفاع به. (47) وليحكم وقرء بكسر اللام وفتح الميم أهل الانجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون (1). (48) وأنزلنا إليك الكتاب بالحق أي القرآن مصدقا لما بين يديه من الكتاب من جنس الكتب المنزلة ومهيمنا عليه ورقيبا على سائر الكتب يحفظه عن التغير ويشهد له بالصحة والثبات فاحكم بينهم بما أنزل الله أي انزل إليك ولا تتبع أهوآئهم عما جاءك من الحق بالانحراف عنه إلى ما يشتهونه لكل جعلنا منكم أيها الناس شرعة شريعة وهي الطريق إلى الماء شبه بها الدين لانه طريق إلى ما هو سبب الحياة الأبدية ومنهاجا وطريقا واضحا من نهج الأمر إذا أوضح، وفي الكافي عن الباقر (عليه السلام) في حديث فلما استجاب لكل نبي من استجاب له من قومه من المؤمنين جعلنا لكل منهم شرعة ومنهاجا والشرعة والمنهاج سبيل وسنة قال وأمر كل نبي بالاخذ بالسبيل والسنة وكان من السبيل والسنة التي أمر الله بها موسى (عليه السلام) أن جعل عليهم السبت ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة جماعة متفقة على دين واحد ولكن ليبلوكم فيما آتيكم من الشرائع المختلفة المناسبة لكل عصر وقرن هل تعلمون بها مصدقين بوجود الحكمة في اختلافها فاستبقوا الخيرات فابتدروها انتهازا (2) للفرصة وحيازة لقصب السبق والتقدم إلى الله مرجعكم جميعا وعد ووعيد للمبادرين والمقصرين فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون بالجزاء الفاصل بين المحق والمبطل والمبادر والمقصر. (49) وأن أحكم بينهم بما أنزل الله قيل عطف على الكتاب أي أنزلنا إليك الكتاب والحكم أو على الحق أي أنزلناه بالحق وبأن أحكم ويجوز الإستيناف بتقدير وأمرنا أن احكم.

____________________________

(1) قيل أن الأول في الجاحد والثاني والثالث في المقر التارك.

 (2) النهزة بالضم الفرصة وانتهزتها ونهز نهزا من باب نفع نهض لتناول شئ وانتهز الفرصة بادر وقتها. 

[ 41 ]

في المجمع عن الباقر (عليه السلام) انما كرر الأمر بالحكم بينهم لانهما حكمان أمر بهما جميعا لانهم احتكموا إليه في قتل كان بينهم ولا تتبع أهوائهم واحذرهم أن يفتنوك أن يضلوك ويصرفوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا عن الحكم المنزل وأرادوا غيره فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم فيه تنبيه على أن لهم ذنوبا كثيرة والتولي عن حكم الله مع عظمته واحد منها معدودة من جملتها وإن كثيرا من الناس لفاسقون هذا تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن امتناع القوم من الاقرار بنبوته والاسراع إلى إجابته بأن أهل الإيمان قليل وأن أهل الفسق كثير فلا ينبغي أن بعظم ذلك عليك. (50) أفحكم الجاهلية يبغون انكار على توليهم عن حكم الله وقرء بالتاء ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون أي هذا الأستفهام لقوم يوقنون فإنهم هم الذين يتدبرون الأمور ويتحققون الأشياء بأنظارهم فيعلمون أن لا أحسن حكما من الله. في الكافي عن الصادق عن أمير المؤمنين صلوات الله عليهما الحكم حكمان حكم الله وحكم الجاهلية فمن أخطأ حكم الله حكم بحكم الجاهلية وقد قال الله عز وجل ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون وأشهد على زيد بن ثابت لقد حكم في الفرائض بحكم الجاهلية. (51) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء لا تعتمدوا على الإنتصار بهم متوددين إليهم ولا تعاشروهم معاشرة الأحباب بعضهم أولياء بعض في العون والنصرة ويدهم واحدة عليكم وهم المتفقون في مضادتكم ومن يتولهم منكم فإنه منهم من استنصر بهم فهو كافر مثلهم. العياشي عن الصادق (عليه السلام) من تولى آل محمد صلوات الله عليهم وقدمهم على جميع الناس بما قدمهم من قرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو من آل محمد صلوات الله عليهم بمنزلة آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين لا أنه من القوم بأعيانهم وإنما هو منهم بتوليه إليهم واتباعه إياهم وكذلك حكم الله في كتابه ومن يتولهم منكم فإنه منهم وقول إبراهيم فمن تبعني فإنه منى إن الله لا يهدى القوم الظالمين

[ 42 ]

الذين ظلموا أنفسهم والمؤمنين بمولاة الكفار. (52) فترى الذين في قلوبهم مرض كابن أبي وأضرابه يسارعون فيهم موالاتهم ومعاونتهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة يعتذرون بأنهم يخافون أن تصيبهم دائرة من الدواير بأن ينقلب الأمر ويكون الدولة للكفار، روي أن عبادة بن الصامت قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن لي موالي من اليهود كثيرا عددهم وإني أبرء إلى الله وإلى رسوله من ولايتهم وأوالي الله ورسوله فقال ابن أبي إني رجل أخاف الدواير لا أبرئ من ولاية موالي فنزلت فعسى الله أن يأتي بالفتح لرسوله أو أمر من عنده فيه إعزاز المؤمنين وإذلال المشركين وظهور الإسلام فيصبحوا أي هؤلاء المنافقين على ما أسروا في أنفسهم من النفاق والشك في أمر الرسول نادمين. العياشي عن الصادق (عليه السلام) في تأويل هذه الآية اذن (1) في هلاك بني امية بعد احراق زيد سبعة أيام. (53) ويقول الذين آمنوا بعضهم لبعض أو لليهود وقرء بدون واو العطف وبالنصب عطفا على يأتي أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم تعجبا من حال المنافقين وتبحجا (2) بما من الله عليهم من الإخلاص وجهد الأيمان أغلظها حبطت أعملهم فأصبحوا خاسرين إما من جهة المقول أو من قول الله شهادة لهم. وفيه معنى التعجب كأنه قيل ما أحبط أعمالهم ما أخسرهم. (54) يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه وقرء يرتدد بدالين جوابه محذوف يعني فلن يضر دين الله شيئا فإن الله لا يخلي دينه من أنصار يحمونه. القمي قال هو مخاطبة لاصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذين غصبوا آل محمد صلوات الله عليهم حقهم وارتدوا عن دين الله فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه يحبهم الله ويحبون الله وقد سبق معنى المحبة من الله ومن العباد أذلة على

____________________________

(1) أي كما اذن الله في هلاكهم انما ذكر بمناسبة قوله فعسى الله أن يأتي بالفتح م أو أمر من عنده.

 (2) البجح محركة الفرح. 

[ 43 ]

المؤمنين (1) رحماء عليهم من الذل بالكسر الذي هو اللين لا من الذل بالضم الذي هو الهوان أعزة على الكافرين غلاظ شداد عليهم من عزه إذا غلبه يجاهدون في سبيل الله بالقتال لاعلاء كلمة الله وإعزاز دينه ولا يخافون لومة لائم فيما يأتون من الجهاد والطاعة. في المجمع عن الباقر والصادق (عليهما السلام) هم أمير المؤمنين وأصحابه حتى قاتل من قاتله من الناكثين والقاسطين والمارقين. قال ويؤيد هذا أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وصفه بهذه الصفات حين ندبه لفتح خيبر بعد أن رد عنها حامل الراية إليه مرة بعد أخرى وهو يجبن الناس يجبنونه لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرارا غير فرار لا يرجع حتى يفتح الله على يديه ثم أعطاها إياه فأما الوصف باللين على أهل الإيمان والشدة على الكفار والجهاد في سبيل الله مع أنه لا يخاف لومة لائم فمما لا يمكن دفع علي عن إستحقاق ذلك لما ظهر من شدته على أهل الشرك والكفر ونكابته فيهم ومقاماته المشهورة في تشييد الملة ونصرة الدين والرأفة بالمؤمنين وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال يوم البصرة والله ما قوتل أهل هذه الآية حتى اليوم وتلا هذه الآية، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يرد علي يوم القيامة رهط من أصحابي فيحلئون (2) عن الحوض فأقول يا رب أصحابي أصحابي فيقال لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى. والقمي إنها نزلت في مهدي الأمة وأصحابه (عليهم السلام) وأولها خطاب لمن ظلم آل محمد صلوات الله عليهم وقتلهم وغصبهم حقهم. وفي المجمع ويمكن أن ينصر هذا بأن قوله سبحانه فسوف يأتي الله بقوم يوجب أن يكون ذلك القوم غير موجودين في وقت نزول الخطاب فهو يتناول من يكون بعدهم بهذه

____________________________

(1) قال ابن عباس تراهم للمؤ منين كالولد لوالده وكالعبد لسيده وهم في الغلظة على الكافرين كاسبع على فريسته.

 (2) حلات ؟ الإبل بالتشديد تحلئة وتحلا طردتها عنه ومنعتها ان تراه وكذلك غيرالإبل. 

[ 44 ]

الصفة إلى قيام الساعة. أقول: لا منافاة بين الروايتين على ما حققناه في المقدمات من جواز التعميم ذلك فضل الله أي محبتهم لله سبحانه ولين جانبهم للمؤمنين وشدتهم على الكافرين تفضل من الله وتوفيق ولطف منه ومنة من جهته يؤتيه من يشاء يعطيه من يعلم أنه محل له والله واسع جواد لا يخاف نفاد ما عنده عليم بموضع جوده وعطائه. (55) إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة وهم راكعون. في الكافي عن الصادق (عليه السلام) في تفسير هذه الآية يعني أولى بكم أي أحق بكم وبأموركم من أنفسكم وأموالكم الله ورسوله والذين آمنوا يعني عليا وأولاده الأئمة إلى يوم القيامة ثم وصفهم الله عز وجل فقال الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة وهم راكعون وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) في صلاة الظهر وقد صلى ركعتين وهو راكع وعليه حلة قيمتها ألف دينار وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعطاه إياها وكان النجاشي أهداها له فجاء سائل فقال السلام عليك يا ولي الله وأولى بالمؤمنين من أنفسهم تصدق على مسكين فطرح الحلة إليه وأومى بيده إليه أن أحملها فأنزل الله عز وجل فيه هذه الآية وصير نعمة أولاده بنعمته فكل من بلغ من أولاده مبلغ الامامة يكون بهذه النعمة مثله فيتصدقون وهم راكعون والسائل الذي سئل أمير المؤمنين (عليه السلام) من الملائكة والذين يسألون الأئمة من أولاده يكونون من الملائكة. وعنه عن أبيه عن جده (عليهم السلام) في قوله عز وجل يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها قال لما نزلت إنما وليكم الله الاية اجتمع نفر من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في مسجد المدينة فقال بعضهم إن كفرنا بهذه الاية نكفر بسائرها وإن آمنا فإن هذا ذل حين يسلط علينا علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقالوا قد علمنا أن محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) صادق فيما يقول ولكنا نتولاه ولا نطيع عليا فيما أمرنا قال فنزلت هذه الاية يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها يعني ولاية علي وأكثرهم الكافرون بالولاية.

[ 45 ]

وعنه (عليه السلام) أنه سئل الأوصياء طاعتهم مفروضة قال نعم هم الذين قال الله أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم وهم الذين قال الله إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الآية. وفي الإحتجاج عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث فقال المنافقون هل بقى لربك بعد الذي فرض علينا شئ آخر يفترض فتذكره لتسكن أنفسنا إلى أنه لم يبق غيره فأنزل الله في ذلك قل إنما أعظكم بواحدة يعني الولاية فأنزل الله إنما وليكم الله ورسوله الآية وليس بين الأمة خلاف إنه لم يؤت الزكاة يومئذ أحد منهم وهو راكع غير رجل واحد ولو ذكر اسمه في الكتاب لاسقط مع ما أسقط. وعن الباقر (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث في قوله سبحانه يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك قال وأنا مبين لكم سبب نزول هذه الآية إن جبرئيل هبط إلي مرارا يأمرني عن السلام ربي وهو السلام أن أقوم في هذا المشهد فأعلم كل أبيض وأسود أن علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه أخي ووصيي وخليفتي والإمام من بعدي وهو وليكم بعد الله ورسوله وقد أنزل الله تبارك وتعالى علي بذلك آية من كتابه إنما وليكم الله ورسوله الآية وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) أقام الصلاة وآتى الزكاة وهو راكع يريد الله عز وجل في كل حال. وفي الخصال في إحتجاج علي صلوات الله عليه على أبي بكر قال فانشدك بالله ألي الولاية من الله مع ولاية رسوله في آية زكاة الخاتم أم لك قال بل لك وفيه في مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) وتعدادها قال وأما الخامسة والستون فإني كنت أصلي في المسجد فجاء سائل وأنا راكع فناولته خاتمي من أصبعي فأنزل الله تعالى إنما وليكم الله ورسوله الآية. والقمي عن الباقر (عليه السلام) قال بينما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جالس وعنده قوم من اليهود وفيهم عبد الله بن سلام إذ نزلت عليه هذه الاية فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المسجد فاستقبله سائل فقال هل أعطاك أحدشيئا قال نعم ذاك المصلي فجاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فإذا هو أمير المؤمنين (عليه السلام.

[ 46 ]

والأخبار مما روته العامة والخاصة في أن هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين (عليه السلام) كثيرة جدا ونقل في المجمع عن جمهور المفسرين أنها نزلت في أمير المؤمنين (عليه السلام) حين تصدق بخاتمه في ركوعه وذكر قصته عن ابن عباس وغيره ويمكن التوفيق بين ما رواه في الكافي أن المصدق به كان حلة وبين ما رواه غيره واشتهر بين الخاصة والعامة أنه كان خاتما بأنه لعله تصدق في ركوعه مرة بالحلة واخرى بالخاتم والآية نزلت بعد الثانية وفي قوله تعالى ويؤتون إشعار بذلك لتضمنه التكرار والتجدد كما إنه فيه إشعار بفعل أولاده أيضا. (56) ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون فإن هم الغالبون وضع الظاهر موضع المضمر تنبيها على البرهان عليه وكأنه قيل فإنهم حزب الله وإن حزب الله هم الغالبون (1) وتنويها بذكرهم وتعظيما لشأنهم وتشريفا لهم بهذا الإسم وتعريضا بمن يوالي غير هؤلاء بأنه حزب الشيطان وأصل الحزب القوم يجتمعون لامر حزبهم، في المجالس عن الباقر (عليه السلام) في قوله إنما وليكم الله الآية قال إن رهطا من اليهود أسلموا منهم عبد الله بن سلام وأسد وثعلبة وابن أمين وابن صوريا فأتوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا يا نبي الله إن موسى (عليه السلام) أوصى إلى يوشع بن نون فمن وصيك يا رسول الله ومن ولينا بعدك فنزلت هذه الاية إنما وليكم الله ورسوله الآية قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوموا فقاموا فأتوا المسجد فإذا سائل خارج فقال يا سائل أما أعطاك أحد شيئا قال نعم هذا الخاتم قال من أعطاكه قال أعطانيه ذلك الرجل الذي يصلي قال قال على أي حال أعطاك قال كان راكعا فكبر النبي (صلى الله عليه وآله) وكبر أهل المسجد فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) علي بن أبي طالب (عليه السلام) وليكم بعدي قالوا رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) نبيا وبعلي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه وليا فأنزل الله ومن يتول الله ورسوله والذين امنوا فإن حزب الله هم الغالبون.

____________________________

(1) يقال نوهت باسمه بالتشديد إذا رفعت ذكره ونوهته تنويها إذا رفعته وناه الشئ ينوه إذا ارتفع فهو نايه قاله الجزري. 

[ 47 ]

وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال والله لقد تصدقت بأربعين خاتما وأنا راكع لينزل في ما نزل في علي بن أبي طالب فما نزل. وفي الإحتجاج عن أمير المؤمنين (عليه السلام) والذين آمنوا في هذا الموضع هم المؤتمنون على الخلائق من الحجج والأوصياء في عصر بعد عصر. وفي التوحيد عن الصادق (عليه السلام) يجئ رسول الله صلى الله عليه وآله) يوم القيامة آخذا بحجزة (1) ربه ونحن آخذون بحجزة نبينا (صلى الله عليه وآله) وشيعتنا آخذون بحجزتنا فنحن وشيعتنا حزب الله وحزب الله هم الغالبون والله ما يزعم أنها حجزة الازار ولكنها أعظم من ذلك يجئ رسول الله (صلى الله عليه وآله) آخذا بدين الله ونحن نجئ آخذين بدين نبينا (صلى الله عليه وآله) وتجئ شيعتنا آخذين بديننا. (57) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء وقرء الكفار بالجر الى رتب النهي عن موالاتهم على اتخاذهم دينهم هزوا ولعبا إيماء إلى العلة وتنبيها على أن من هذا شأنه بعيد عن الموالاة جدير بالمعاداة قيل نزلت في رفاعة بن زيد وسويد بن الحارث أظهر الإسلام ثم نافقا وكان رجال من المسلمين يوادونهما خص المنافقين باسم الكفار وإن عم أهل الكتاب لتضاعف كفرهم واتقوا الله إن كنتم مؤمنين. (58) وإذا ناديتم إلى الصلوة اتخذوها هزوا ولعبا اتخذوا الصلاة والمناداة مضحكة روي أن نصرانيا بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول أشهد أن محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال أحرق الله الكاذب فدخل خادمه ذات ليلة بنار وأهله نيام فتطاير شرارة في البيت فأحرقه وأهله ذلك بأنهم قوم لا يعقلون فإن السفه يؤدي إلى الجهل بالحق والهزء به (2) والعقل يمنع منه.

____________________________

(1) في حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) خذوا بحجزة هذا الأنزع يعني عليا (عليه السلام) فانه الصديق الأكبر والفارق الأعظم يفرق بين الحق والباطل الحجرة بضم الحاء المهملة وإسكان الجيم والراي معقد الأزار ثم قيل للازار حجزة للمجاورة والجمع حجز مثل غرفة غرف وقد استعير الأخذ بالحجزة للتمسك والإعتصام يعني تمسكوا واعتصموا به.

 (2) الهزو والهزء السخرية والإستخفاف بعدى بالباء فيقال هزأت به واستهزأت به سخرت به ويقال هزأت منه أيضا. 

[ 48 ]

(59) قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا هل تنكرون منا وتعيبون إلا أن آمنا بالله وما انزل الينا ومآانزل من قبل بالكتب المنزلة كلها وان أكثركم فاسقون وبأن أكثركم خارجون عن أمر الله طلبا للرياسة وحسدا على منزلة النبوة. (60) قل هل انبئكم بشر من ذلك المنقوم يعني إن كان ذلك شرا عندكم فأنا اخبركم بشر منه مثوبة جزاء ثابتا عند الله والمثوبة مختصة بالخير كالعقوبة بالشر وضعت هيهنا موضعها على طريقة قوله سبحانه فبشرهم بعذاب أليم من لعنه الله أبعد من رحمته وغضب عليه وسخط عليه بكفره وانهماكه في المعاصي بعد وضوح الايات وجعل منهم القردة والخنازير مسخهم وعبد الطاغوت وقرء (1) بضم الباء وجر التاء ومن عبد الطاغوت وهو الشيطان وكل من عبد من دون الله قيل من جعل القردة هم اصحاب السبت والخنازير كفار اهل مائدة عيسى على نبينا و (عليه السلام) وقيل انهما معا اصحاب السبت مسخ شبانهم قردة وشيوخهم خنازير ومن عبد الطاغوت اصحاب العجل ويأتي ما ورد في ذلك في هذه السورة أولئك الملعونون شر مكانا وأضل عن سوآء السبيل عن قصد الطريق المتوسط بين غلو النصارى وغلو اليهود والمراد بصيغتي التفضيل الزيادة مطلقا لا بالاضافة إلى المؤمنين. (61) وإذا جاؤكم قالوا آمنا القمي نزلت في عبد الله بن ابي وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به يخرجون من عندك كما دخلوا لا يؤثر فيهم ما سمعوا منك والله أعلم بما كانوا يكتمون من الكفر فيه وعيد لهم. (62) وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم المعصية والعدوان تعدى حدود الله وأكلهم السحت الحرام كالرشوة لبئس ما كانوا يعملون.

____________________________

(1) أي وقرأ حمزة وحده قال أبو علي حجته في قراءته أنه يحمله على ما عمل فيه جعل كأنه وجعل فيهم عبد الطاغوت ومعنى جعل خلق كقوله وجعل الظلمات والنور وجعل عنها زوجها وليس عبد جمع لفظ لانه ليس من ابنية الجموع شئ على هذا البناء ولكنه واحد يراد به الكثرة الا ترى ان في الأسماء المفردة المضافة الى المعارف ما لفظه لفظ الأفراد ومعناه الجمع كما في قوله وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها ولان بناء فعل يراد به المبالغة والكثرة نحو يقظ وندس فكان تقديره أنه قد ذهب في عبادة الطاغوت كل مذهب وتكرر ذلك له ومن فتح فقال وعبد الطاغوت فإنه عطف على بناء الماضي الذي في الصلة وهو قوله لعنه الله وافرد الضمير في عبد وان كان المعنى يه الكثرة لان الكلام محمول على لفظه دون معناه وفاعله ضمير من كما ان فاعل الأمثلة للمعطوف عليه ضمير من فأفرد لحمل ذلك جمعا على اللفظ ولو حمل الكل على المعنى أو البعض على المعنى أو البعض على اللفظ والبعض على المعنى لكان مستقيما. 




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (11)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 201

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 10108254

  • التاريخ : 28/07/2021 - 17:00

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net