00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة المائدة من ( آية 83 ـ 109) 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : التبيان في تفسير القرآن (الجزء الرابع)   ||   تأليف : شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي

التبيان في تفسير القرآن

تأليف

شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي

385 - 460 ه‍.

تحقيق وتصحيح أحمد حبيب قصير العاملي

المجلد الرابع

سورة المائدة

[2]

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله على ماتفضل وأنعم وصلى الله على محمد وآله وسلم وبعدلقد نفدت الطبعة الاولى من هذا السفر النفيس ورأينا الطلب لم يزل كما هو فعزمنا على إعادته طبعة ثانية متكلين على الله تعالى وحده. وسوف نعتني بضبط مافاتنا من الاخطاء إن شاء الله تعالى. وعلينا أن نبذل الجهد، وعلى الله التوفيق.

أحمد حبيب قصير العاملي

الآية: 83 - 89

[3]

قوله تعالى: وإذا سمعوا ماأنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين(83)

آية، بلاخلاف.

هذا وصف للذين آمنوا من هؤلاء النصارى الذين ذكرهم الله أنهم أقرب مودة للمؤمنين بأنهم اذا سمعوا ماأنزل الله من القرآن يتلى " ترى أعينهم تفيض من الدمع " يعني من آمن من هؤلاء النصارى.

قال الزجاج وأبوعلي: تقديره ومنهم اذا سمعوا ولم يذكر (منهم) لدلالة الكلام عليه وما وصفهم به فيما بعده. وفيض العين من الدمع امتلاؤها منه سيلا ومنه فيض النهر من الماء وفيض الاناء، وهو سيلانه عن شدة امتلاء، ومنه قول الشاعر:

ففاضت دموعي فظل الشؤو *** ن إما وكيفا وإما انحدارا(1)

وخبر مستفيض أي شائع، وفاض صدر فلان بسره، وأفاض القوم من عرفات إلى منى اذا دفعوا، وأفاض القوم في الحديث اذا اندفعوا فيه، والدمع الماء الجاري من العين ويشبه به الصافي، فيقال دمعة.

والمدامع مجاري الدمع وشجة دامعة تسيل دما.

وقوله " مما عرفوا من الحق " أي مما علموه من صدق النبي وصحة ماأتى به " يقولون ربنا " في موضع الحال، وتقديره قائلين " ربنا آمنا " أي صدقنا بما أنزلت " فاكتبنا مع الشاهدين " قيل في معناه قولان: أحدهما - فاجعلنا مع الشاهدين فيكون بمنزلة ماقد كتب ودون. الثانى - فاكتبنا معهم في أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ.

و (الشاهدين) قال ابن عباس وابن جريج: مع أمة محمد صلى الله عليه وآله الذين يشهدون بالحق من

___________________________________

(1) قائله الاعشى. ديوانه: 35.

[4]

قوله تعالى " وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس "(1) وقال الحسن: هم الذين يشهدون بالايمان. وقال أبوعلي الذين يشهدون بتصديق نبيك وكتابك.

قوله تعالى: ومالنا لانؤمن بالله وماجاء‌نا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين(84)

آية بلا خلاف.

هذا إخبار عن هؤلاء الذين آمنوا من النصارى بأنهم قالوا: " ومالنا " قال الزجاج: وهو جواب لمن قال لهم من قومهم معنفين لهم: لم آمنتم.

وقال غيره: قدروا في أنفسهم كأن سائلا يسألهم عنه، فاجابوا بذلك.

وقوله " لانؤمن " في موضع نصب على الحال، وتقديره أي شئ لنا تاركين للايمان أي في حال تركنا للايمان.

والايمان هو التصديق عن ثقة، لان الصدق راجع إلى طمأنينة القلب بماصدق به.

والحق هوالشئ الذي من عمل عليه نجا، ومن عمل على ضده من الباطل هلك.

ومعنى (من) - هاهنا - قيل في معناه قولان: أحدهما - تبيين الاضافة التي تقوم مقام الصفة، كأنه قيل: والجائي لنا الذي هو حق.

وقال آخرون: إنها للتبعيض لانهم آمنوا بالذي جاء‌هم على التفصيل.

ووصف القرآن بأنه (جاء) مجاز، كما قيل: نزل، ومعناه نزل به الملك، فكذلك جاء به الملك.

ويقال: جاء بمعنى حدث نحو " جاء‌ت سكرت الموت "(2) وجاء البرد والحر.

وقوله " ونطمع " فالطمع تعلق النفس بما يقوى أن يكون من معنى

___________________________________

(1) سورة 2 البقرة آية 143.

(2) سورة 50 ق آية 19

[5]

المحبوب، ونظيره الامل والرجاء فالطمع يكون معه الخوف أو لايكون.

" أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين " معناه أن يدخلنا معهم الجنة. والصالح هوالذي يعمل الصلاح في نفسه واذا عمله في غيره فهو مصلح، فلذلك لم يوصف الله تعالى بأنه صالح ووصف بأنه مصلح.

قوله تعالى: فاثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين(85)

آية بلاخلاف.

معنى " فأثابهم الله " جازاهم الله بالنعيم على العمل كما أن العقاب الجزاء بالعذاب على العمل وأصل الثواب الرجوع. ومنه قوله " هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون "(1) أي هل رجع اليهم جزاء عملهم.

وقوله " بما قالوا " يعني قولهم " ربنا آمنا " وقوله " جنات تجري من تحتها الانهار " إنما ذكرها بلفظ الجمع وإن كانت هي جنة الخلد، لانها جنة فيها جنات أي بساتين، وتذكر بالجمع لتبين عن اختلاف صورها وأحوال أشجارها وأنهارها ووجوه الاستمتاع بها، ووجه آخر: هو أن يكون جمعها مضافا اليهم كما يقال لهم جنة الخلد إلا أنها مرة تذكر على طريق الجنس، ومرة على غير طريق الجنس.

وقوله " وذلك جزاء المحسنين " (ذلك) إشارة إلى الثواب. والاحسان هو إيصال النفع الحسن إلى الغير، وضده الاساء‌ة، وهي إيصال الضرر القبيح اليه، وليس كل من كان من جهته إحسان فهو محسن مطلقا، فالمحسن فاعل الاحسان الخالي مما يطلبه، كما أن المؤمن هو فاعل الايمان الخالص مما يحبطه، وعندنا لايحتاج إلى شرط خلوه مما يبطله، لان الاحباط عندنا باطل، لكن يحتاج أن يشرط فيه أن يكون خاليا من وجوه القبح.

___________________________________

(1) سورة 83 المطففين آية 36:

[6]

وقوله " وذلك جزاء المحسنين " وإن كان مطلقا فهو مقيد في المعنى بالمحسنين الذين يجوز عليهم الوعد بالنفع، لانه وعد به، ألا ترى أن الله تعالى يفعل الاحسان وإن كان لايصح عليه الثواب لانه مضمن بمن يجوز عليه المنافع والمضار فجزاؤه هذه المنافع العظام دون المضار، لانه خرج مخرج استدعاء العباد إلى فعل الاحسان.

قوله تعالى: والذين كفروا وكذبوا بآياتنا اولئك أصحاب الجحيم(86)

آية بلاخلاف.

لما كان أهل الكتاب فريقين أحدهما آمنوا، والثاني كفروا، وذكر الوعد للمؤمنين منهم اقتضى أن يذكر الوعيد لمن كفر منهم وأطلق اللفظ ليكون لهم ولكل من جرى مجراهم، وإنما شرط في الوعيد على الكفر بالتكذيب بالايات وإن كان كل واحد منهما يستحق به العقاب، لان صفة الكفار من أهل الكتاب أنهم يكذبون بالايات، فلم يصلح - هاهنا - لو كذبوا لانهم قد جمعوا الامرين، ولان دعوة الرسول صلى الله عليه وآله بوعيد الكفار ظاهرة مع مجئ القرآن به في نحو قوله " ان الله لايغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء "(1) فلم يقع فيه اشكال لهذا.

وقوله " أولئك " يعني هؤلاء الكفار. و " أصحاب الجحيم " يعني الملازمون لها، كقولك أصحاب الصحراء وليس كمثل أصحاب الاموال، لان معنى ذلك ملاك الاموال. وليس من شرط المكذب أن يكون عالما أن ماكذب به صحيح بل اذا اعتقد أن الخبر كذب سمي مكذبا، وإن لم يعلم أنه كذب، وإنما يستحق الذم، لانه جعل

___________________________________

(1) سورة 4 النساء آية 47، 115.

[7]

له طريق إلى أن يعلم صحة ماكذب به.

و " الجحيم " النار الشديدة الايقاد وهو إسم من أسماء جهنم ويقال: جحم فلان النار اذا شدد ايقادها، ويقال أيضا لعين الاسد: جحمة لشدة ايقادها، ويقال ذلك للحرب أيضا قال الشاعر:

والحرب لاتبقى لجا *** حمها التخيل والمراح

إلا الفتى الصبار في النج‍ *** دات والفرس الوقاح(1)

قوله تعالى: يا أيها الذين امنوا لاتحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولاتعتدوا إن الله لايحب المعتدين(87)

آية بلاخلاف.

هذا خطاب للؤمنين خاصة نهاهم الله أن يحرموا طيبات ماأحل الله لهم.

والتحريم هو العقد على مالايجوز فعله للعبد، والتحليل حل ذلك العقد، وذلك كتحريم السبت بالعقد على أهله، فلايجوز لهم العمل فيه، وتحليله تحليل ذلك العقد بأنه يجوز لهم الان العمل فيه.

والطيبات اللذيذات التي تشتهيها النفوس وتميل اليها القلوب.

ويقال: طيب بمعنى حلال.

وتقول: يطيب له كذا أي يحل له، ولايليق ذلك بهذا الموضوع، لانه لايقال: لاتحرموا حلال ماأحل الله لكم.

والذي اقتضى ذكر النهي عن تحريم الطيبات - على ماقال ابن عباس ومجاهد وأبومالك وقتادة وابراهيم - حال الرهبان الذين حرموا على أنفسهم المطاعم الطيبة والمشارب اللذيذة وحبسوا أنفسهم في الصوامع وساحوا في الارض، وحرموا النساء، فهم قوم من الصحابة أن يفعلوا مثل ذلك، فنهاهم الله عن ذلك.

وقال أبوعلي: نهوا أن يحرموا الحلال من الرزق بما يخلطه من الغصب.

واختار الرماني الوجه الاول، لان أكثر المفسرين عليه.

___________________________________

(1) انظر 2: 438 من هذا الكتاب.

[8]

وقال السدي: نهاهم الله عما هم به عثمان بن مظعون من جب نفسه.

وقال عكرمة: هو ماهمت به الجماعة: من تحريم النساء والطعام واللباس والنوم.

وقال الحسن: لاتعتدوا إلى ماحرم عليكم وهو أعم فائدة.

والاعتداء مجاوزة حد الحكمة إلى مانهى عنه الحكيم، وزجر عنه إما بالعقل أو السمع، وهو تجاوز المرء ماله إلى ماليس له.

وقوله " إن الله لايحب المعتدين " معناه يبغضهم ويريد الانتقام منهم وانما ذكره على وجه النفي لدلالة هذا النفي على معنى الاثبات إذ ذكر في صفة المعتدين، وكأنه قيل يكفيهم في الهلاك ألا يحبهم الله.

قوله تعالى: وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون(88)

آية اجماعا.

سبب نزول هذه الاية والتي قبلها على ماقال عكرمة وأبوقلابة وأبو مالك وابراهيم وقتادة والسدي وابن عباس والضحاك: إن جماعة من الصحابة منهم علي (ع) وعثمان بن مظعون وابن مسعود وعبدالله بن عمر، هموا بصيام الدهر وقيام الليل، واعتزال الناس وجب أنفسهم وتحريم الطيبات عليهم.

فروي أن عثمان بن مظعون قال أتيت النبي صلى الله عليه وآله فقلت: يارسول الله إئذن لي في الترهب فقال: (لاإنما رهبانية أمتي الجلوس في المسجد وانتظار الصلاة بعدالصلاة) فقلت: يارسول الله أتأذن لي في السياحة قال: (سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله) فقلت: يارسول الله أتأذن لي في الاختصاء فقال: (ليس منا من خصا واختصا إنما اختصاء أمتي الصوم).

وقوله " وكلوا " لفظه لفظ الامر والمراد به الاباحة أباح الله تعالي

[9]

للمؤمنين أن يأكلوا مما رزقهم حلالا طيبا، فالرزق هوماللحي الانتفا به وليس لغيره منعه منه.

وقال الرماني: الرزق هو العطاء الجاري في الحكم ومن ذلك قيل: رزق السلطان الجند اذا جعل لهم عطاء جاريا في حكمه في كل شهرأو في كل سنة.

قال الرماني: وكلما خلقه الله في الارض مما يملك، فهو رزق للعباد في الجملة بدلالة قوله " هوالذي خلق لكم مافي الارض جميعا "(1) ولولا ذلك لجوزنا أن يكون منه ماليس للانس إلا أنه وإن كان رزقا لهم في الجملة فتفصيل قسمته على مايصح ويجوز من الاملاك، ولا يجوز أن يكون الرزق حراما، لان الله منع منه بالنهي، فاما البغاة فيرزقون حراما اذا حكموا بأن المال للعبد، وهو مغصوب لايحل، قال وماافترسه السبع رزق له بشرط غلبته عليه كما أن غنيمة المشركين رزق لنا بشرط غلبتنا عليها، لان المشرك يملك مافي يده، فاذا غلبنا عليه بطل ملكه، وصار رزقا لنا في هذه الحال، قال: وقد أمرنا بأن نمنعه من الانسان مع الامكان، وأذن لنا أن نمنعه من غيره من نحو الميتة والوحش إن شئنا ويسقط جميع ذلك في حال التعذر علينا.

وعندي أنه لايجب أن يطلق أن مايغلب عليه السبع رزق له بل إنما نقول: إن رزقه ماليس لنا منعه منه فأما مالنا منعه منه إما بأن يكون ملكا لنا أو أذن لنافيه، فلايكون رزقا له بالاطلاق، وقد يسلط الله السبع على بعض المشركين فيكون رزقا له وعقابا للمشرك، والاصل فيه قوله تعالى " وما من دابة في الارض إلا على الله رزقها "(2) فمفهوم هذا أنه رزقه بشرط الغلبة عليه.

فان قيل: اذاكان الرزق لايكون إلا حلالا فلم قال: (حلالا)؟ قيل: ذكر ذلك على وجه التأكيد كما قال " وكلم الله موسى تكليما "(3)

___________________________________

(1) سورة 2 البقرة آية 29.

(2) سورة 11 هود آية 6.

(3) سورة 4 النساء آية 163

[10]

وقد أطلق في موضع آخر على جهة المدح " ومما رزقناهم ينفقون "(1)

وقوله: " واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون " استدعاء إلى التقوى بألطف الاستدعاء وتقديره أيها المؤمنون بالله لاتضيعوا ايمانكم بالتقصير في التقوى فيكون عليكم الحسرة العظمى واتقوا تحريم ماأحله الله لكم في جميع معاصيه من أنتم به تؤمنون وهوالله تعالى. وأصل الصفة التعريف ثم يخرج إلى غيرذلك من المدح والذم وغير ذلك من المعاني التي تحسن في مخرج الصفة، فلذلك قال الذي " أنتم به مؤمون " وفي هاتين الايتين دلالة على كراهة التخلي والتفرد والتوحش والخروج عما عليه الجمهور في التأهل وطلب الولد وعمارة الارض.

قوله تعالى: لايؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ماتطعمون أهليكم أوكسوتهم أوتحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون(89)

آية بلاخلاف.

قرأ " عاقدتم " بالالف ابن عامر، و " عقدتم " بلا ألف مع تخفيف القاف حمزة والكسائي وأبوبكر عن عاصم. والباقون بالتشديد. ومنع من القراء‌ة بالتشديد الطبري، قال: لانه لا يكون إلا مع تكرير اليمين والمؤاخذة تلزم من غير تكرير بلا خلاف. وهذا ليس بصحيح لان تعقيد

___________________________________

(1) سورة 2 البقرة آية 3.

[11]

اليمين إن يعقدها بقلبه ولفظه ولو عقد عليها في أحدهما دون الاخر لم يكن تعقيدا، وهو كالتعظيم الذي يكون تارة بالمضاعفة وتارة بعظم المنزلة.

وقال أبوعلى الفارسي من شدد احتمل أمرين: أحدهما - أن يكون لتكثير الفعل القوله " ولكن يؤاخذكم " مخاطبا الكثرة، فهو مثل " وغلقت الابواب "(1). والاخر أن يكون (عقد) مثل (ضعف) لا يراد به التكثير، كما أن (ضاعف) لايراد به فعل من اثنين.

وقال الحسين بن علي المغربي: في التشديد فائدة، وهو أنه اذا كرر اليسين على محلوف واحد فاذا حنث لم يلزمه إلا كفارة واحدة. وفي ذلك خلاف بين الفقهاء. والذي ذكره قوي.

ومن قرأ بالتخفيف جاز أن يريد به الكثير من الفعلل والقليل إلا ان فعل يختص بالكثير كما أن الركبة تختص بالحال التي يكون عليها الركوب، وقالوا: عقدت الحبل والعهد واليمين عقدا ألا ترى أنها تتلقى بما يتلقى به القسم، قال الشاعر: قوم اذا عقدوا عقدا لجارهم(2) ويقال: أعقدت العسل فهو معقد وعقيد.

وحكى أبواسحاق عقدت العسل. والاول أكثر.

فأما قراء‌ة ابن عامر فيحتمل أمرين: أحدهما - ان يكون عاقدتم يراد به عقدتم كما أن (عافاه الله) و (عاقبت) (اللص) و (طارقت النعل) بمنزلة فعلت. ويحتمل أن يكون أراد فاعلت الذي يقتضي فاعلين فصاعدا، كأنه قال يؤاخذكم بما عاقدتم عليه اليمين، ولما كان عاقد في المعنى قريبا من عاهد؟؟ ب‍ (على) كما يعدى عاهد بها.

قال الله تعالى " ومن أوفي بما عاهد عليه الله "(3) والتقدير يؤاخذكم بالذي عاقدتم

___________________________________

(1) سورة 12 يوسف آية 23.

(2) اللسان (عقد).

(3) سورة الفتح آية 10

[12]

عليه، ثم قال: عاقدتموه الايمان فحذف الراجع. ويجوز أن يجعل (ما) مع الفعل بمنزلة المصدر فيمن قرأ عقدتم بالتخفيف والتشديد، فلا يقتضي راجعا كما لا يقتضيه في قوله " ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون "(1).

وقيل في سبب نزول هذه الاية قولان: أحدهما - قال ابن عباس: إن القوم لما حرموا الطيبات من المآكل والمناكح والملابس حلفوا على ذلك فنزلت الاية. وقال ابن زيد نزلت في عبدالله بن رواحة كان عنده ضيف فأخرت زوجته عشاه فحلف لا يأكل من الطعام، وحلفت المرأة لا تأكل إن لم يأكل، وحلف الضيف لا يأكل ان لم يأكلا، فأكل عبدالله بن رواحة واكلا معه، وأخبر النبي صلى الله عليه وآله بذلك فقال له: أحسنت. ونزلت هذه الاية.

واللغو في اللغة هو مالا يعتد به قال الشاعر:

أو مائة تجعل أولادها *** لغوا وعرض المائة الجلمد(2)

أي الذي يعارضها في قوة الجلمد يعني بالمائة نوقا أي لا يعتد به بأولادها.

ولغو اليمين هو الحلف على وجه الغلط من غير قصد مثل قول القائل: لا والله وبلى والله على سبق اللسان، هذا هو المروي عن أبي جعفر وأبي عبدالله (ع) وهو قول أبي علي الجبائي.

وقال الحسن وأبومالك: هو اليمين على ما يرى صاحبها أنه على ما حلف ولا كفارة في يمين اللغو عند أكثر المفسرين والفقهاء.

وروي عن ابراهيم أن فيها الكفارة بخلاف عنه. بين الله تعالى بهذه الاية أنه لا يؤآخذ على لغو الايمان وأنه يؤآخذ بما عقد عليه قلبه ونواه.

وقوله " فكفارته " (الهاء) يحتمل رجوعها إلى أحد ثلاثة أشياء.

أحدها - إلى (ما) من قوله بما عقدتم الايمان.

الثاني - على اللغو.

الثالث - على حنث اليمين لانه مدلول عليه.

والاول هو الصحيح، وبه قال

___________________________________

(1) سورة البقرة آية 10.

(2) اللسان (جلمد).

[13]

الحسن والشعبي وأبومالك وعائشة.

وقوله " إطعام عشرة مساكين " إنما ذكر بلفظ المذكر تغليبا للتذكير في كلامهم لانه لاخلاف أنه لو أطعم الاناث لاجزاه، ويحتاج أن يعطي قدر ما يكفيهم. وقد حده أصحابنا أن يعطي كل واحد مدين أو مدا، وقدره رطلان وربع منفردا، أو يجمعهم على ما هذا قدره ليألكوه. ولا يجوز أن يعطي خمسة ما يكفي عشرة، وهو قول أبي علي، وفيه خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف. وهل يجوز اعطاء القيمة؟ فيه خلاف، والظاهر يقتضي أنه لا يجزى والروايات تدل على إجزائه، وهو قول أبي علي وأهل العراق. وانما ذكر الكفارة في الاية ولم يذكر التوبة، لان المعنى فكفارته الشرعية كذا. واما العقاب فلانه يجوز أن تكون المعصية صغيرة أو كبيرة فلاجل ذلك لم يبين. وعندنا أن حكم التوبة معلوم من الشرع، فلذلك لم يذكر.

وقوله " من أوسط ما تطعمون " قيل فيه قولان: أحدهما - الخبز والادم دون اللحم، لان أفضله الخبز واللحم والتمر، وأوسطه الخبز والزيت أو السمن، وأدونه الخبز والملح. وبه قال ابن عمر والاسود وعبيدة وشريح.

الثاني - قيل: أوسطه في المقدار إن كنت تشبع أهلك أو لا تشبعهم، بحسب العسر واليسر، فبقدر ذلك - هذا قول ابن عباس والضحاك - وعندنا يلزمه أن يطعم كل مسكين مدين، وبه قال علي (ع) وعمر وابراهيم وسعيد بن جبير والشعبي ومجاهد.

وقال: يكفيه مد - ذهب اليه زيد ابن ثابت والشافعي والطبري وغيرهم - وروي ذلك في أخبارنا.

وقوله " أو كسوتهم " فالذي رواه أصحابنا أنه ثوبان لكل واحد مئزر وقميص، وعند الضرورة قميص، وقال الحسن ومجاهد وعطاء وطاوس وابراهيم: ثوب.

وقوله " أو تحرير رقبة " فالرقبة التي تجزي في الكفارة

[14]

كل رقبة كانت سليمة من العاهة صغيرة كانت أو كبيرة مؤمنة كانت أو كافرة والمؤمنة أفضل، لان الاية مطلقة مبهمة. وفيه خلاف ذكرناه في الخلاف.

وما قلناه قول أكثر المفسرين: الحسن وغيره، ومعنى فتحرير رقبة عتق رقبة.

وقيل: تحرير من الحرية أي جعلها حرة قال الفرزدق: ابني عدانة انني حررتكم فوهبتكم لعطية بن جعال(1) أي أعتقتكم من ذل الهجاء ولزوم العار. وهذه الثلاثة أشياء مخير فيها بلا خلاف وعندنا أنها واجبة على التخيير.

وقال قوم إن الواجب منها واحد لابعينه. والكفارة قبل الحنث لا تجزي وفيه خلاف.

وقوله " فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام " يحتمل رفعه أن يكون بالابتداء وخبره فكفارته، ويجوز أن يكون رفعا بالخبر، ويكون تقديره فكفارته صيام. وحد من ليس بواجد هو (من ليس عنده مايفضل عن قوته وقوت عياله يومه وليلته) وهو قول قتادة والشافعي. وصوم الثلاثة أيام متتابعة، وبه قال ابن كعب وابن عباس ومجاهد وابراهيم وقتادة وسفيان وأكثر الفقهاء. ويقويه أنه في قراء‌ة ابن مسعود وابي " صيام ثلاثة أيام متتابعات ".

وقال مالك والحسن: التتابع أفضل والتفريق يجوز.

فاما اذا قال القائل: إن فعلت كذا فلله علي أن أتصدق بمئة دينار، فان هذا نذر عندنا، وعند أكثر الفقهاء، - يلزمه به مئة دينار.

وقال أبوعلي عليه كفارة يمين - لقوله " ذلك كفارة أيمانكم " وهو عام في جميع الايمان. وهذا ليس بيمين عندنا بل هو نذر يلزمه الوفاء به لقوله " أوفوا بالعقود "(2) واليمين على ثلاثة أقسام: أحدها - عقدها طاعة وحلها معصية، فهذه يتعلق بحنثها كفارة بلا خلاف كقوله: والله لاشربت خمرا، ولاقتلت نفسا. الثاني - عقدها معصية وحلها طاعة كقوله: والله لاصليت ولاصمت، فاذا جاء بالصلاة والصوم، فلا كفارة عليه - عندنا - وخالف جميع الفقهاء

___________________________________

(1) ديوانه: 726، والنقائض: 275.

(2) سورة 6 الانعام آية 1

[15]

في ذلك واوجبوا عليها عليه الكفارة.

الثالث - أن يكون عقدها مباحا كقوله: والله لالبست هذا الثوب فمتى حنث تعلق به الكفارة بلاخلاف.

وقوله " ذلك كفارة أيمانكم اذا حلفتم " معناه حنثتم.

وقوله " واحفظوا ايمانكم " قيل في معناه قولان: أحدهما - احفظوها أن تحلفوا بها، ومعناه لاتحلفوا. الثاني - احفظوها من الحنث، وهو الاقوى، لان الحلف مباح إلا في معصية بلا خلاف - وانما الواجب ترك الحنث، وذلك يدل على أن اليمين في المعصية غير منعقدة، لانها لو انعقدت للزم حفظها، واذا لم تنعقد لم تلزمه كفارة على مابيناه.

وقوله " كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون " معناه إن الله يبين لكم آياته وفرائضه كما بين لكم أمر الكفارة لتشكروه على تبيينه لكم أموركم ونعمه عليكم وتسهيله عليكم المخرج من الاثم بالكفارة. فأما إقسام الايمان وما ينعقد منها ومالا ينعقد وشرائطها، فقد بيناها في كتب الفقه مشروحة لانطول بذكرها الكتاب.

الآية: 90 - 99

قوله تعالى: ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون(90)

آية بلاخلاف.

هذا خطاب للمؤمنين أخبرهم الله تعالى أن الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس، فالخمر عصير العنب المشتد، وهو العصير الذي يسكر كثيرة وقليله. والخمر حرام وتسمى خمرالانها بالسكر تغطي على العقل،

[16]

والاصل في الباب التغطية من قول أهل اللغة خمرت الاناء اذا غطيته، ومنه دخل في خمار الناس اذا خفي فيما بينهم بسترهم له والخمير العجين الذي يغطى حتى يختمر، وخمار المرأة، لانها تغطي رأسها به. وخامره الحزن اذا خالطه منتشرا في قلبه واستخمرت فلانا أي استعبدته. والاصل فيه أمرته أن يتخذ الخمر، ثم كثر حتى جرى في كل شئ يأمر به. وعلى هذا الاشتقاق يجب أن يسمى النبيذ وكل مسكر على اختلاف أنواعه خمرا، لاشتراكها في المعنى وان يجري عليها أجمع جميع أحكام الخمر. و " الميسر " القمار كله مأخوذ من تيسير أمر الجزور بالاجتماع على القمار فيه والذي يدخل فيه ييسر والذي لايدخل فيه برم.

قال أبوجعفر (ع) ويدخل فيه الشطرنج والنرد وغير ذلك حتى اللعب بالجوز. والاصل فيه اليسر خلاف العسر وسميت اليد اليسرى تفاؤلا بتيسير العمل بها.

وقيل: بل لانها تعين اليمنى فيكون العمل أيسر، وذهب يسرة خلاف يمنة.

" والانصاب " الاصنام واحدها نصب.

وقيل لها أنصاب، لانها كانت تنصب للعبادة وأصله الانتصاب: القيام، نصب ينصب نصبا.

ومنه النصب التعب عن العمل الذي ينتصب له، ونصاب السكين، لانها تنصب فيه، ومناصبة العدو: الانتصاب لعداوته قال الاعشى:

وذا النصب المنصوب لاتنسكنه *** ولاتعبد الشيطان والله فاعبدا(1)

و " الازلام " القداح، وهي سهام كانوا يجيلونها ويجعلون عليها علامات (إفعل، ولاتفعل ونحو ذلك على مايخرج من ذلك في سفر أو إقامة أو غير ذلك من الامور المهمة، وكانوا يجيلونها للقمار، واحدها زلم، وزلم.

وقال الاصمعي: كان الجزور يقسمونه على ثمانية وعشرين جزء‌ا.

وقال أبو عمرو: كان عددها على عشرة.

وقال أبوعبيدة: لاعلم لي بمقدار عدتها، وقد ذكرت أسماؤها مفصلا، وهي عشرة: ذوات الحظوظ منها سبعة

___________________________________

(1) ديوانه 46 وروايته (الاوثان) بدل (الشيطان).

[17]

وأسماؤها: الفذ، والتوء‌م والرقيب، والحلس، والنافس، والمسبل، والمعلى.

والاغفال التي لا حظوظ لها ثلاثة اسماؤها: السفيح، والمنيح، والوغد. ذكر القتيبي ذلك.

وقوله " رجس " أي نجس " والرجز " العذاب. ومنه قوله " لئن كشفت عنا الزجر "(1) أي العذاب وقوله " والرجز فاهجر "(2) يعني الاوثان.

ومعناه الرجس فاهجر، وأصل الرجز تتابع الحركات يقال ناقة رجزاء اذا كانت ترتعد قوائمها في ناحية. وقال الزجاج: يقال: رجس يرجس اذا عمل عملا قبيحا. والرجس بفتح الراء شدة الصوت، وسحاب الرجاس، ورعد رجاس اذاكان شديد الصوت قال الشاعر: وكل رجاس يسوق الرجسا(3) وقوله " من عمل الشيطان " إنما نسبها إلى عمل الشيطان وهي أجسام لما يأمر به فيها من الفساد فيأمر بالسكر ليزيل العقل، ويأمر بالقمار لاستعمال الاخلاق الدنيئة ويأمر بعبادة الاوثان لما فيها من الكفر بالله العظيم، ويأمر بالازلام لما فيها من ضعف الرأي والاتكال على الاتفاق.

وقوله " فاجتنبوا " أمر بالاجتناب أي كونوا جانبا منه في ناحية " لعلكم تفلحون " ومعناه لكي تفوزوا بالثواب. وفي الاية دلالة على تحريم الخمر، وهذه الاشياء الاربعة من أربعة أوجه: أحدها - أنه وصفها بأنها رجس وهي النجس والنجس محرم بلا خلاف.

الثاني - نسبها إلى عمل الشيطان وذلك لايكون الا محرما.

والثالث - أنه أمرنا باجتنابه. والامر يقتضي الايجاب.

الرابع - أنه جعل الفوز والفلاح باجتنابه.

___________________________________

(1) سورة 7 الاعراف آية 133.

(2) سورة 74 المدثر آية 5.

(3) اللسان (رجس).

[18]

والهاء في قوله " فاجتنبوه " راجعة إلى عمل الشيطان، وتقديره اجتنبوا عمل الشيطان.

قال ابن عباس: الرجس - هاهنا - معناه السخط.

وقال ابن زيد: هو الشر.

قوله تعالى: إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر، والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلوة فهل أنتم منتهون(91)

آية بلاخلاف.

قيل في سبب نزول هذه الاية قولان: أحدهما - أنه لاحق سعد بن أبي وقاص رجلا من الانصار، وقد كانا شربا الخمر فضربه بلحي جمل ففزر أنف سعدبن ابي وقاص، فنزلت هذه الاية. الثاني - أنه لمانزل قوله " ياأيها الذين آمنوا لاتقربوا الصلاة وأنتم سكارى "(1) قال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت هذه الاية. والشيطان انما يريد إيقاع العداوة والبغضاء بينهم بالاغراء المزين لهم ذلك حتى اذا سكروا زالت عقولهم وأقدموا من المكاره والقبائح على ماكانت تمنعه منه عقولهم.

وقال قتادة: كان الرجل يقامر في ماله وأهله فيقمر، ويبقى حزينا سليبا فيكسبه ذلك العداوة والبغضاء.

وقوله " ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة " أي يمنعكم من الذكر لله بالتعظيم له والشكر له على آلائه، لما في ذلك من الدعاء إلى الصلاح واستقامة الحال في الدين والدنيا بالرغبة فيما عنده، والتوسل اليه بالاجتهاد في طاعته التي تجمع محاسن الافعال ومكارم الاخلاق.

وقوله " فهل أنتم منتهون "؟ صيغته صيغة الاستفهام ومعناه النهي، وانما جاز ذلك، لانه اذا ظهر قبح الفعل للمخاطب صار في منزلة من نهي عنه،

___________________________________

(1) سورة 4 النساء آية 42.

[19]

فاذا قيل له: أتفعله؟ بعد ماقد ظهر من أمره وصار في محل من عقد عليه باقراره.

فان قيل: ما الفرق بين انتهوا عن شرب الخمر، وبين لا تشربوا الخمر، قلنا: لانه اذا قال: انتهوا دل ذلك على أنه مريد لامر ينافي شرب الخمر. وصيغة النهي إنما تدل على كراهة الشرب، لانه قد ينصرف عن الشرب إلى أخذ أشياء مباحة، وليس كذلك المأمور به، لانه لاينصرف عنه إلا في محذور. والمنهي عنه قد ينصرف عنه إلى غير مفروض.

قوله تعالى: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فان توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين(92)

آية بلاخلاف.

لما أمر الله تعالى باجتناب الخمر والميسر والانصاب والازلام أمرفي هذه الاية بطاعته في ذلك وغيره من أوامر الله تعالى. والطاعة هي امتثال الامر، والانتهاء عن المنهي عنه، ولذلك يصح أن تكون الطاعة طاعة لاثنين بأن يوافق أمرهما وإرادتهما.

وقوله " واحذروا " أمر منه تعالى بالحذر، وهو امتناع القادر من الشئ لما فيه من الضرر. والخوف هو توقع الضرر الذي لايؤمن كونه. والجزع مفاجأة الضرر الذي يزعج النفس مثله. الفزع والرعب مثل الجزع.

وقوله " فان توليتم فاعلموا انما على رسولنا البلاغ المبين " معناه الوعيد والتهديد كأنه قال: فاعلموا أنكم قد حق لكم العقاب لتوليكم عما أدى رسولنا من البلاغ المبين، يعني الاداء الظاهر الواضح، فوضح كلام موضع كلام للايجاز ولو كان على صيغته من غير هذا التقدير لم يصح، لان عليهم أن يعلموا ذلك تولوا أو لم يتولوا. و " ما " في قوله: " أنما " كافة

[20]

ل‍ " أن " عن عملها، وذلك أنها لما كانت من عوامل الاسماء خاصة ثم احتيج إلى ادخالها على غيرها زيد عليها (ما) ليعلم تغيرها عن حالها فصارت كافة لها.

قوله تعالى: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين(93)

آية.

قال ابن عباس وابن مالك والبراء بن عازب ومجاهد، وقتادة والضحاك: إنه لما نزل تحريم الخمر قالت الصحابة كيف بمن مات من اخواننا وهو يشربها، فأنزل الله الاية وبين أنه ليس عليهم في ذلك شئ اذا كانوا مؤمنين عاملين للصالحات، ثم يتقون المعاصي وجميع ما حرم الله عليهم.

فان قيل لم كرر الاتقاء ثلاث مرات في الاية؟ قيل: الاول المراد به اتقاء المعاصي.

الثاني - الاستمرار على الاتقاء.

والثالث - اتقاء مظالم العباد، وضم الاحسان إلى الاتقاء على وجه الندب واعتبر أبوعلي في الثالث الامرين.

وقوله " والله يحب المحسنين " أي يريد ثوابهم واجلالهم واكرامهم.

والاحسان النفع الحسن الواصل إلى الغير، ولايقال لكل حسن إحسان، لانه لايقال في العذاب بالنار أنه إحسان وان كان حسنا.

والصلاح استقامة الحال وهو مما يفعله العبد، وقديفعل الله تعالى له الصلاح في دينه باللطف فيه.

والايمان هو الاطمئنان إلى الصواب بفعله مع الثقة به وهو من أفعال العباد.

وعلى هذا يحمل قوله " وآمنوا " والاول على الايمان بالله الذي هوالتصديق.

وروي أن قدامة بن مظعون شرب الخمر في أيام عمر، فأراد

[21]

عمر أن يقيم عليه الحد فقال " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا " فأراد عمر أن يدرأ عنه الحد حين لم يعلم تحريمها.

فقال أمير المؤمنين (ع) أديروه على الصحابة، فان لم يسمع أحدا منهم قرأ عليه آية التحريم، فأدرؤا عنه، وان كان قد سمع فاستتيبوه، وأقيموا عليه الحد، فان لم يتب وجب عليه القتل.

قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم(94)

آية واحدة بلا خلاف.

هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين وقسم منه أنه يبلوهم بشئ من الصيد، لان اللام في قوله: " ليبونكم " لام القسم والواو مفتوحة لالتقاء الساكنين في قول بعضهم مثل (واو) اغزون. وأما واو " ليبونكم " قال سيبويه هي مبنية على الفتح.

وقال الزجاج: فتحت واو " ليبلونكم " لانها حرف الاعراب الذي تتعاقب عليه الحركات وضمت واو " لتبلون " لانها واو الجمع، فصح لالتقاء الساكنين نحو قوله " فلا تخشوا الناس واخشوني "(1) ومعنى " ليبلونكم " ليختبرن طاعتكم من معصيتكم " بشئ من الصيد " وأصله اظهار باطن الحال ومنه البلاء للنعمة لانه يظهر به باطن حال المنعم عليه في الشكر، والكفر. والبلاء النقمة، لانه يظهر به مايوجبه كفر النعمة. والبلى الخلوقة لظهور تقادم العهد فيه.

وقوله " بشئ من الصيد " قيل في معنى (من) ثلاثة أوجه: أحدها - صيد البر، دون البحر. والاخر صيد الاحرام دون الاحلال.

___________________________________

(1) سورة 5 المائدة آية 47.

[22]

الثالث - للتجنيس نحو اجتنبوا الرجس من الاوثان - في قول الزجاج - وقوله " تناله أيديكم ورماحكم " يعني به فراخ الطيور وصغار الوحش في قول ابن عباس ومجاهد، وزاد مجاهد: واليض. والذي تناله الرماح الكبار من الصيد.

قال أبوعلي: معنى " تناله أيديكم ورماحكم " إن صيد الحرم يقرب من الناس ولاينفر منهم فيه كما ينفر في الحل، وذلك آية من آيات الله.

وقال الحسن ومجاهد: حرم الله بهذه الاية صيد البر كله.

وقال أبوعلي: صيد الحرم هوالمحرم بهذه الاية.

وقال الزجاج: بين النبي صلى الله عليه وآله تحريم صيد الحرم على المحرم وغيره بهذه الاية، وهذا صحيح. وصيد غير المحرم إنما يحرم على المحرم دون المحل.

وقوله " ليعلم الله من يخافه بالغيب " معناه لعاملكم معاملة من يطلب أن يعلم، مظاهرة في العدل. ووجه آخر - ليظهر المعلوم، والاول أحسن. واختار البلخي الوجه الثاني، قال والله تعالى وان كان عالما ابما يفعلونه فيما لم يزل، فانه لايجوز أن يثيبهم ولايعاقبهم على مايعلم منهم، وانما يستحقون ذلك اذا علمه واقعا منهم على وجه كلفهم، فاذا لابد من التكليف والابتلاء.

وقوله " من يخافه بالغيب " يعني من يخشى عقابه اذا توارى بحيث لايقع عليه الحس - في قول الحسن - تقول: غاب يغيب غيابا فهو غائب عن الحس، منه الغيبة وهي الذكر بظهر الغيب بالقبيح.

وقال قوم: معناه من يخاف صيد الحرم في السر كمايخافه في العلانية، فلايعرضون له على حال.

وقوله " فمن اعتدى بعد ذلك " يعني من تجاوز حدالله بمخالفة أمره وارتكاب نهيه بالصيد في الحرم، وفي حال الاحرام " فله عذاب أليم " أي مؤلم.

قال البلخي: يجوز أن يكون ذلك في النار، ويجوز أن يكون غير ذلك من صنوف الالام والعقوبات، قال سليمان " لاعذبنه عذابا شديدا "(1) يعني الهدهد ولم يرد عذاب النار.

___________________________________

(1) سورة 27 النحل آية 21:

[23]

قوله تعالى: ياأيها الذين آمنوا لاتقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ماقتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذوانتقام(95)

آية بلاخلاف.

قرأ أهل الكوفة ويعقوب " فجزاء " منونا " مثل " رفع. الباقون بالاضافة.

وقرأ ابن عامر وأهل المدينة " أو كفارة " بغير تنوين " طعام " بالخفض.

الباقون بالتنوين وأجمعوا على جمع مساكين.

وقرأ بعضهم (أو عدل ذلك بالكسر) قال الاخفش: وهو الوجه، لان العدل هو المثل.

والعدل مصدر عدلت هذا بهذا عدلا حسنا.

والعدل أيضا المثل " ولايقبل منها عدل "(1) أي مثل.

قال الفراء: العدل - بفتح العين - ماعدل الشئ من غير جنسه - وبكسر العين - المثل، تقول: عندي غلام عادل غلامك - بالكسر - لانه من جنسه وان أردت قيمته دراهم، قلت: عندي عدل غلامك، لانها من غير جنسه.

قال أبوعلي الفارسي: حجة من رفع المثل أنه صفة للجزاء والمعنى فعليه جزاء من النعم مماثل المقتول. والتقدير فعليه جزاء أي فاللازم له أو فالواجب عليه جزاء من النعم مماثل ماقتل من الصيد.

وقوله " من النعم " على هذه القراء‌ة صفة للنكرة التي هي (جزاء) وفيه ذكر، ويكون مثل صفة للجزاء لان المعنى عليه جزاء مماثل للمقتول من الصيد من النعم. والمماثلة في القيمة أو الخلقة على اختلاف الفقهاء في ذلك. ولاينبغي

___________________________________

(1) سورة 2 البقرة آية 123.

[24]

إضافة (جزاء) إلى المثل ألا ترى انه ليس عليه جزاء مثل ماقتل في الحقيقة، وانما عليه جزاء المقتول لاجزاء مثله، ولاجزاء عليه لمثل المقتول الذي لم يقتله. واذاكان كذلك علمت ان الجزاء لاينبغي أن يضاف إلى (مثل) ولا يجوز أن يكون قوله " من النعم " على هذه القراء‌ة متعلقا بالمصدر كما جاز أن يكون الجار متعلقا به في قوله " وجزاء سيئة سيئة مثلها "(1) ب‍ (مثلها) لانك قد وصفت الموصول، واذا وصفته لم يجز أن تعلق به بعد الوصف شيئا كما انك اذا عطفت عليه أو أكدته لم يجز أن تعلق به شيئا بعد العطف عليه والتأكيد له.

فأما في قراء‌ة من أضاف الجزاء إلى المثل، فان قوله " من النعم " يكون صفة للجزاء كما كان في قول من نون، ولم يضف صفة له. ويجوز فيه وجه آخر لايجوز في قول من نون ووصف: وهو أن يقدره متعلقا بالمصدر. ولايجوز على هذا القول أن يكون فيه ذكر كما تضمن الذكر لماكان صفة. وانما جاز تعلقه بالمصدر على قول من أضاف، لانك لم تصف الموصول كما وصفته في قول من نون، فيمتنع تعلقه به.

وأما من أضاف الجزاء إلى (مثل) فانه وإن كان جزاء المقتول لاجزاء مثله فانهم مثل قد يقولون: أنا أكرم مثلك. يريدون أنا أكرمك، وكذلك اذا قال (فجزاء مثل) فالمراد ما قتل، فاذا كان كذلك كانت الاضافة في المعنى كغير الاضافة لان المعنى فعليه جزاء ما قتل. ولو قدرت الجزاء تقدير المصدر واضفته إلى المثل كما تضيف المصدر إلى المفعول به لكان في قول من جر (مثلا) على الاتساع الذي وصفناه ألا ترى أن المعنى " فجزاء مثل " أي يجازى مثل ما قتل، والواجب عليه في الحقيقة جزاء المقتول لاجزاء مثل المقتول.

خاطب الله بهذه الاية المؤمنين ونهاهم عن قتل الصيد وهم حرم وقوله " وأنتم حرم " قيل فيه ثلاثة أوجه: أحدها - وانتم محرمون لحج أو عمرة.

___________________________________

(1) سورة 42 الشورى آية 40.

[25]

الثاني - وانتم في الحرم. يقال: أحرمنا أي دخلنا في الحرم كما يقال أنجدنا واتهمنا.

الثالث - وأنتم في الشهر الحرام. يقال أحرم اذا دخل في الشهر الحرام.

قال أبوعلي: الاية تدل على تحريم قتل الصيد في حال الاحرام بالحج، والعمرة وحين الكون في الحرم.

وقال الرماني: يدل على الاحرام بالحج أو العمرة فقط.

والذي قاله أبوعلي أعم فائدة، وأما القسم الثالث فلا خلاف أنه غير مراد. وقاتل الصيد اذا كان محرما لزمه الجزاء عامدا كان في القتل أو أخطأ أو ناسيا لاحرامه أو ذاكرا.

وبه قال مجاهد، والحسن - بخلاف عنه - وابن جريج، وابراهيم، وابن زيد، وأكثر الفقهاء، واختاره البلخي والجبائي.

وقال ابن عباس وعطاء والزهري واختاره الرماني: انه يلزمه اذا كان متعمدا لقتله ذاكرا لاحرامه، وهو أشبه بالظاهر.

والاول يشهد به روايات أصحابنا. واختلفوا في مثل المقتول فقال الحسن وابن عباس والسدي ومجاهد وعطاء والضحاك: هو أشبه الاشياء به من النعم: إن قتل نعامة فعليه بدنة، حكم النبي صلى الله عليه وآله بذلك في البدنة. وان قتل أروى(1) فبقرة. وان قتل غزالا أو أرنبا، فشاة. وهذا هو الذي تدل عليه روايات أصحابنا.

وقال قوم: يقوم الصيد بقيمة عادلة ثم يشترى بثمنه مثله من النعم ثم يهدى إلى الكعبة، فان لم يبلغ ثمن هدي كفر أو صام، وفيه خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف واختلف من قال بذلك في المكان الذي يقوم فيه الصيد، فقال ابراهيم، والنخعي وحماد، وأبوحنيفة، وأبويوسف، ومحمد: يقوم بالمكان الذي أصاب فيه إن كان بخراسان أو غيره.

وقال ابن عامر والشعبي: يقوم بمكة أو منى.

___________________________________

(1) " الاروى " اناث الوعل، وهو اسم جمعها وواحدها (أرية) بضم الهمزة وسكون الراء وكسر الواو وفتح الياء المشددة.

[26]

وقوله: " يحكم به ذوا عدل منكم " يعني شاهدين عدلين فقيهين يحكمان بأنه جزاء مثل ما قتل من الصيد.

وقوله: " هديا بالغ الكعبة " ف‍ (هديا) نصب على المصدر. ويحتمل ان يكون نصبا على الحال، و (بالغ الكعبة) صفة له وتقديره يهديه هديا يبلغ الكعبة وقوله " بالغ الكعبة " فهو وان كان مضافا إلى المعرفة فالنية فيه الانفصال، كما نقول هذا ضارب زيد، فيمن حذف النون ولم يكن قد فعل، فانه يكون نكرة، والهدي يجب أن يكون صحيحا بالصفة التي تجزي في الاضحية، وهو قول أبي علي.

وقال الشافعي يجوز في الهدي ما لا يجوز في الاضحية. وان قتل طائرا أو نحوه قال أبوعلي عليه دم شاة. وعندنا فيه دم.

وقال قوم يجوز ان يهدي سخلة أو جديا. والنعم هي الابل والبقر والغنم.

وقوله " أو كفارة طعام مسكين " فمن رفع (طعام مساكين) جعله عطفا على الكفارة عطف بيان لان الطعام هو الكفارة، ولم يضف الكفارة إلى الطعام، لانها ليست للطعام وانما هي لقتل الصيد، فلذلك لم يضف الكفارة إلى الطعام. ومن اضافها إلى الطعام، فلانه لما خير المكفر بين ثلاثة أشياء: الهدى، والطعام، والصيام اجاز الاضافة لذلك، فكأنه قال: كفارة طعام لاكفارة هدي، ولاكفارة صيام، فاستقامت الاضافة لكون الكفارة من هذه الاشياء وقيل في معناه قولان: أحدهما - يقوم عدله من النعم ثم يجعل قيمته طعاما في قول عطا. وهو مذهبنا.

وقال قتادة: يقوم نفس الصيد المقتول حياثم يجعل طعاما.

وقوله: " أو عدل ذلك صياما " نصب صياما على التمييز وفي معناه قولان: أحدهما - لكل مد يقوم من الطعام يوم في قول عطاء. وقال غيره: عن كل مدين يوم وهو مذهبنا.

[27]

وقال سعيد بن جبير: يصوم ثلاثة أيام إلى عشرة أيام.

وقوله " ليذوق وبال امره " يعني عقوبة ما فعله ونكاله.

وقال المغربي: الوبال من الطعام الوبيل الذي لا يستمرى، أو لا يوافق، وهو قول الازهري قال كثير:

فقد أصبح الراضون إذ أنتم بها *** مشوم البلاد يشتكون وبالها

وقوله: " عفا الله عما سلف " قيل في معناه قولان: أحدهما - قال الحسن: عفا الله عما سلف من امر الجاهلية.

وقال آخرون: عما سلف من الدفعة الاولى في الاسلام.

وقوله: " ومن عاد فينتقم الله منه " اختلفوا في لزوم الجزاء بالمعاودة على قولين: أحدهما - قال عطاء وابراهيم وسعيد بن جبير ومجاهد: يلزمه الجزاء بالمعاودة وهو قول بعض أصحابنا. الثاني - قال ابن عباس، وشريح، والحسن، وابراهيم، بخلاف عنه: لاجزاء عليه وينتقم الله منه، وهو الظاهر من مذهب أصحابنا، واختار الرماني الاول. وبه قال أكثر الفقهاء، قال: لانه لا ينافي الانتقام منه. واختلفوا في (أو) في الاية هل هي على جهة التخيير أم لا؟ على قولين: أحدهما - قال ابن عباس، والشعبي، وابراهيم، والسدي وهو الظاهر في رواياتنا انه ليس على التخيير لكن على الترتيب. وانما دخلت (أو) لانه لايخرج حكمه على أحد الثلاثة، على انه إن لم يجد الجزاء فالاطعام وان لم يجد الاطعام فالصيام. وفي رواية أخرى عن ابن عباس، وعطاء والحسن وابراهيم - على خلاف عنه - واختاره الجبائي، وهو قول بعض أصحابنا انه على التخيير.

وقوله " والله عزيز ذو انتقام " معناه قادر لايغالب " ذو انتقام " معناه

[28]

ينتقم ممن يتعدا أمره ويرتكب نهيه. وليس في الاية دليل على العمل بالقياس، لان الرجوع إلى ذوي عدل في تقويم الجزاء مثل الرجوع إلى المقولين في قيم المتلفات، ولا تعلق لذلك بالقياس.

قوله تعالى: أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون(96)

آية بلا خلاف.

قال ابن عباس، وزيد بن ثابت، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وقتادة، والسدي، ومجاهد: الذي أحل من هذه الاية من صيد البحر الطري منه وأما العتيق فلا خلاف في كونه جلالا، واذا حل صيد البحر حل صيد الانهار، لان العرب تسمى النهر بحرا. ومنه قوله " ظهر الفساد في البر والبحر "(1) والاغلب على البحر هو الذي يكون ماؤه ملحا لكن اذا اطلق دخل فيه الانهار بلا خلاف.

وقوله " وطعامه " يعني طعام البحر وقيل في معناه قولان: أحدهما - قال أبوبكر وعمر، وابن عباس وابن عمر، وقتادة هو ما قذف به ميتا. الثاني - في رواية أخرى عن ابن عباس وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وقتادة ومجاهد وابراهيم بخلاف عنه انه المملوح، واختار الرماني الاول. وقال لانه بمنزلة ما صيد منه وما لم يصد منه فعلى هذا تصح الفائدة في الكلام والذي يقتضيه ويليق بمذهبنا القول الثاني، فيكون قوله " صيد البحر " المراد به ما أخذ طريا.

___________________________________

(1) سورة 30 الروم آية 41.

[29]

وقوله " وطعامه " ما كان منه مملوحا، لان ما يقذف به البحر ميتا لا يجوز عندنا أكله لغير المحرم ولا للمحرم.

وقال قوم معنى " وطعامه " ما نبت بمائة من الزرع والثمار حكاه الزجاج.

وقوله " متاعا لكم وللسيارة " نصب متاعا على المصدر لان قوله " أحل لكم " يدل على انه قد متعهم متاعا وقال ابن عباس والحسن وقتادة معناه منفعة للمقيم والمسافر.

وقوله " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " يقتضي ظاهره تحريم الصيد في حال الاحرام وأكل ما صاده غيره، وبه قال علي (ع) وابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير، وقال عمر وعثمان والحسن، لحم الصيد لايحرم على المحرم اذا صاده غيره، ومنهم من فرق بين ما صيد وهو محرم وبين ما صيد قبل احرامه. وعندنا لا فرق بينهما والكل محرم، والصيد يعبر به عن الاصطياد فيكون مصدرا ويعبر به عن المصيد، فيكون اسما. ويجب أن تحمل الاية على تحرم الجميع.

وقوله " واتقوا الله الذي اليه تحشرون " أمر منه تعالى بان يتقي جميع معاصيه ويجتنب جميع محارمه من الصيد في الاحرام وغيره، لان اليه الرجوع في الوقت الذي لا يملك أحد فيه الضرر والنفع سواه، وهو يوم القيامة فيجازي كلا بعمله: المحسن على إحسانه والمسئ على اساء‌ته.

قوله تعالى: جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الارض وأن الله بكل شئ عليم(97)

آية بلا خلاف.

قرأ ابن عامر وحده " قيما للناس " بلا الف. الباقون قياما بالالف.

[30]

قال أبوعلي الفارسي: قوله " جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس " تقديره جعل الله حج الكعبة أونصب الكعبة قياما لمعايش الناس أو مكاسب الناس، لانه مصدر (قام) كأن المعنى قام بنصبه ذلك لهم، فاستتبت بذلك معايشهم، واستقامت أحوالهم به فالقيام كالعياذ والعيال. وعلى هذا لحقته تاء التأنيث في هذه المصادر فجاء‌ت (فعالة) كالزيادة والسياسة والحياكة، فكما جاء‌ت هذه المصادر على (فعال) أو (فعالة) كذلك حكم القيام أن يكون على (فعال).

ووجه قراء‌ة ابن عامر أحد أمرين: إما أن يكون جعله مصدرا كالشبع أو حذف الالف وهو يريدها كما يقصر الممدود، وهذا الوجه انما يجوز في الشعر دون الكلام. وانما أعلوا الواو فقلبوها ياء‌ا لاعتلال الفعل، ولم يصححوها كما صحت في الحول والعوض، ألا ترى أنهم قالوا ديمة وديم، وحيلة وحيل فأعلوها في المجموع لاعتلال آحادها، فاعلال المصدر لاعتلال الفعل أولى.

والقوام هو العماد تقول: هو قوام الامر وملاكه، وهو ما يستقيم به أمره وقلبت الواو ياء‌ا لانكسار ماقبلها في مصدر (فعل، يفعل) وهو قام بالامر قياما كقولك صام صياما.

فأماا صحة الواو فمن قاومه قواما مثل حاوره حوارا قال الراجز: قوام دنيا وقوام دين(1) وتقدير الاية جعل الله حج الكعبة أو نصب الكعبة قياما لمعاش الناس ومصالحهم.

وقوله " والشهر الحرام " معطوف على المفعول الاول ل‍ (جعل) كما تقول ظننت زيدا منطلقا وعمرا أي فعل ذلك ليعلموا أن الله يعلم مصالح ما في السماوات والارض، ومايجري عليه شأنهم في معاشهم وغير ذلك مما يصلحهم

___________________________________

(1) مجاز القرآن 1 / 177.

[31]

" وأن الله بكل شئ عليم " بما يقيمهم، ويصلحهم عليه.

وقيل في قوله " قياما للناس " ان معناه أمنا لهم. وقيل انه مما ينبغي أن يقيموا به. والاول أقوى.

وقال قوم لماكان في المناسك زجرا عن القبيح ودعا إلى الحق كان بمنزلة الرئيس الذي يقوم به أمر أتباعه.

وقال سعيدبن جبير " قياما للناس " صلاحا لهم. وقيل: يقوم به أبدانهم.

وقيل " قياما " يقومون به في متعبداتهم قال مجاهد وعكرمة: سميت الكعبة كعبة لتربيعها.

وقال أهل اللغة وانما قيل كعبة البيت واضيف لان كعبة تربع اعلاه والكعوبة: النتوء، فقيل للتربيع كعبة لنتوء زوايا المربع. ومنه كعب ثدي الجارية اذا نتأ ومنه كعب الانسان لنتوئه. وسميت الكعبة حراما لتحريم الله إياها ان يصاد صيدها أن يخلى خلاء‌ها أويعضد شجرها.

وقوله " والشهر الحرام " قال الحسن: هي الاشهر الحرام الاربعة، فهذا على مخرج الواحد مذهب الجنس. وهي واحد فرد، وثلاثة سرد، فالفرد رجب، والسرد ذو القعدة وذو الحجة والمحرم.

و (القلائد) قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - ان الرجل من العرب كان ينتهي به الحال من الضرر والجوع إلى ان يأكل العصب فيلقى الهدي مقلدا فلا يعرض له.

الثاني - أن من أراد الاحرام تقلد قلادة من شعر أو لحي الشجرة، فتمنعه من الناس حتى يأتي أهله.

الثالث - قال الحسن: القلائد ان يقلد الابل والبقر النعالا أو الخفاف، تقور تقويرا، على ذلك مضت السنة، فهذا على صلاح التعبد بها، وهذا هو المعتمد عليه عندنا.

فان قيل: مامعنى قوله " ذلك لتعلموا أن الله يعلم مافي السماوات ومافي الارض " بعد قوله " جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس " وأي تعلق لها بذلك؟ وما في ذلك مما يدل على أنه بكل شئ عليم؟ قيل عن

[32]

ذلك ثلاثة أجوبة: أحدها - أنه تعالى لما اخبر بما في هذه السورة من قصة موسى وعيسى وقومهما وبالتوراة والانجيل، ومافيهما من الاحكام واخبار الامم وفصله، وذلك كله مما لم يشاهده محمد صلى الله عليه وآله ولاقومه ولاأحد في عصره ولاوقفوا على شئ من ذلك، قال ذلك لتعلموا أن الله تعالى لولا أنه بكل شئ عليم لما جاز أن يخبركم عنهم، فاخباره بذلك يدل على أنه بكل شئ عليم.

وأيضا فان ماجعله الله من البلد الحرام والشهر الحرام من الايات والاعاجيب دالا على أنه تعالى لايخفى عليه شئ، لانه جعل البيت الحرام والحرم أمنا، يأمن فيه كل شئ ويسكن قلبه فالظبي يأنس بالسبع والذئب مادام في الحرم، فاذا خرج عن الحرم خاف وطلبه السبع وهرب منه الظبي حتى يرجع إلى الحرم، فاذا رجع اليه كف عنه السبع، وهذا من عظيم آيات الله وعجيب دلائله، وكذلك الطير والحمامة تأنس بالانسان، فاذا خرج من الحرم خافه ولم يدن من أحد حتى يعود إلى الحرم، والطير يستشفي بالبيت الحرام اذا مرض يسقط علم؟؟ البيت استشفاء به، فاذا زال عنه المرض لم ير على سطح البيت ولا محاذيه في الهواء إجلالا له وتعظيما، مع أمور كثيرة يطول ذكرها، فيكون مادبره الله من ذلك دالا على أنه عالم بمصالح الخلق وبكل شئ.

وأيضا فانه أخبرهم بأنه قد علم قبل أن يخلقهم ماهم صائرون اليه من القتال والغارة والسبي والسلب فجعل من سنن ابراهيم واسماعيل ان من دخل الحرم لم يقتل. وكذلك من عاذ بالبيت. وأن أشهر الحرم لا يجوز فيها قتال وأن من أهدى أو قلد أمن على نفسه، وكل ذلك يدل على أن من دبره عالم بالعواقب ولايخفى عليه شئ من الاشياء على وجه من الوجوه.

قوله تعالى: إعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم(98)

آية

[33]

أمر الله تعالى أن يعلم المكلف أنه شديد العقاب، فالعلم مااقتضى سكون النفس، وان شئت قلت هو اعتقاد الشئ على ماهو به مع سكون النفس إلى ما اعتقده، والاول أخص، ولايجوز أن يحد العلم بأنه المعرفة، لان المعرفة هي العلم، ولايحد الشئ بنفسه. والعلم يتناول الشئ على ماهو به وكذلك الرؤية. والفرق بينهما ان العلم يتعلق بالمعلوم على وجوه، والرؤية لاتتعلق إلا على وجه واحد. والعلم محله القلب. والرؤية ليست معنى على الحقيقة وانما تثبت للرائي بكونه رائيا صفة. ومن قال هو معنى قال محلها العين.

وفي الاية دلالة على أن المعرفة بالله وبصفاته ليست ضرورية، لانها لو كانت ضرورية لما أمرنا بها. وليس لاحد أن يقول انما أمر على جهة التذكير، والتنبيه، لان ذلك ترك للظاهر. والعقاب هوالضرر المستحق على جهة الاهانة والمقارن بالاستخفاف، ولو اقتصرت على ان تقول هوالضرر المستحق أو الضرر الذي يقارنه استخفاف واهانة لكان كافيا لان ما ليس بعقاب ليس بمستحق ولايقارنه استخفاف وإهانة وانما سمي عقابا لانه يستحق عقيب الذنب الواقع من صاحبه.

وقوله " وان الله غفور رحيم " منصوب ب‍ (إعلموا) وتقديره واعلموا ان الله غفور رحيم، والمغفرة هي ستر الخطيئة برفع عقابها. وأصلها الستر ومنه المغفرة وضم ذكر الرحمة إلى المغفرة لبيان سبوغ نعم الله تعالى، وانه اذا أزال العقوبة بالتوبة أوجب الرحمة التي هي المغفرة. وذلك يدل على أن الغفران عند التوبة غير واجب وأنه تفضل وإلا لم يكن كذلك.

قوله تعالى: ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ماتبدون وما تكتمون(99)

آية بلاخلاف.

[34]

لما أنذر تعالى في الاية الاولى شدة العقاب وبشر بالعفو والغفران ذكر في هذه أنه ليس على الرسول إلا البلاغ. وأما القبول والامتثال فانه متعلق بالمكلفين المبعوث اليهم.

وأصل الرسول الاطلاق من قولهم أرسل الطير إرسالا اذا أطلقه ومنه قولهم: ترسل في القراء‌ة ترسلا اذا تثبت.

واسترسل الشئ اذا تسلل وانطلق.

ورسله مراسلة، وتراسلوا تراسلا.

والرسل اللبن لاسترساله من الضرع.

وفي الحديث (اعطي من رسلها) وقوله: " والمرسلات عرفا "(1) قيل: هي الخيل. وقيل هي الرياح.

والفرق بين الرسول والنبي أن النبي لايكون الا صاحب المعجز الذي ينبئ عن الله أي يخبر، والرسول اذا كان رسول الله فهو بهذه الصفة، وقد يكون الرسول رسولا لغير الله، فلايكون بهذه الصفة. والانباء عن الشئ قد يكون من غير تحميل النبأ. والارسال لايكون الا بتحميل الرسالة.

والبلاغ وصول المعنى إلى غيره، وهو هاهنا وصول الانذار إلى نفوس المكلفين.

وأصل البلاغ البلوغ تقول: بلغ يبلغ بلوغا وأبلغه ابلاغا وتبلغ تبلغا وبالغ مبالغة وبلغه تبليغا، ومنه البلاغة لانها إيصال المعنى إلى النفس في حسن صورة من اللفظ.

وتبالغ الرجل اذا تعاطى البلاغة وليس ببليغ، وفي هذا بلاغ أي كفاية لانه يبلغ مقدار الحاجة.

" والله يعلم ماتبدون وما تكتمون " معناه أنه لايخفى عليه شئ من احوالكم التي تظهرونها أو تخفونها وتكتمونها وفي ذلك غاية التهديد والزجر.

___________________________________

(1) سورة 77 المرسلات آية 1.

الآية: 100 - 109

قوله تعالى: قل لايستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله ياأولي الالباب لعلكم تفلحون(100)

آية معنى قوله " لايستوى " لايتساوى. والاستواء على أربعة اقسام:

 [35]

استواء في المقدار. واستواء في المكان. واستواء في الذهاب. واستواء في الانفاق.

والاستواء بمعنى الاستيلاء راجع إلى الاستواء في المكان، لانه تمكن واقتدار وقوله " الخبيث والطيب " قيل في معناهما قولان: أحدهما - الحرام، والحلال في قول الحسن وأبي علي. الثاني - قال السدي الكافر، والمؤمن.

والخبيث الردي بالعاجلة ويسوى بالاجلة. ومنه خبث الحديد، وهو رديئه بعد مايخلص بالنار جيدة ففي الخبيث امتزاج جيد بردئ ولذلك قال " ولو اعجبك كثرة الخبيث " والاعجاب سرور بما يتعجب منه.

والعجب والاعجاب والتعجب من أصل واحد.

وعجب يعجب عجبا والعجب مذموم، لانه كبر يدخل النفس بحال يتعجب منها.

وعجب الذنب أصله عجوب الرمل أو آخره لانفراده عن جملته كانفراد مايتعجب منه.

ومعنى الاية أنه لايتساوى الحرام والحلال وان أعجبك يامحمد كثرة ماتراه من الحرام والمراد به أمته.

وقوله " فأتقوا الله " معناه أجتنبوا ماحرمه عليكم " يااولي الالباب " يعني يااولي العقول " لعلكم تفلحون " معناه لتفلحوا وتفوزوا بالثواب العظيم الدائم.

قوله تعالى: ياأيها الذين آمنوا لاتسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسئلوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم(101) قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين(102)

آيتان بلا خلاف.

قيل في سبب نزول هذه الاية قولان: أحدهما - قال ابن عباس وأنس وابوهريرة والحسن وقتادة وطاوس

[36]

والسدي: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله رجل يقال اله عبدالله وكان يطعن في نسبه فقال: يارسول الله من أبي، فقال له حذافة. فنزلت الاية.

وقال أبو هريرة ومجاهد: نزلت حين سألوا عن أمر الحج لماانزل " ولله على الناس حج البيت " فقالوا: في كل عام؟ قال: لاولو قلت نعم لوجب.

وقال قوم وقع السؤال الاول والثاني في مجلس واحد، فخاطب الله تعالى بهذه الاية المؤمنين ونهاهم عن مسألة الاشياء التي اذا أبديت وأظهرت ساء‌ت واحزنت من أظهرت له. يقال بدا يبدو بدوا.

وابداه إبداء اذا أظهره وبدا له في الامر بدوا وبدا وبداء اذا تغير رأيه، لانه ظهر له.

والبادية خلاف الحاضرة.

والبدو خلاف الحضر من الظهور.

وقيل في وزن (اشياء) ثلاثة أقوال: قال الكسائي: هو أفعال إلا انه لم يصرف، لانهم شبهوه بحمراء فالزمه الزجاج ألا يصرف اسماء ولاانباء.

الثاني - قال الاخفش والفراء‌هي (فعلاء) كقولك هين وأهوناء فالزمه المازني وقال: سله كيف يصغرها؟ فقال الاخفش (أشياء) فقال يجب ان يصغرها شيئات كما يصغر اصدقاء في المؤنث صديقات في المذكر صد يقون.

قال الزجاج إنما قيل في هين: أهوناء لان هين أصله (هيين) على وزن فعيل فجمع على أفعلاء كنصب وانصباء.

الثالث - قال الخليل وسيبويه: (افعاء) مقلوبة كما قلبوا (انيق) عن انوق، وقسمي عن قؤوس.

وقوله " تسؤكم " معناه تحزنكم.

وقوله " عفاالله عنها والله غفور رحيم " قيل فيما يعود الضمير اليه في (عنها) قولان: احدهما - قال قوم على المسألة، لان قوله " لاتسألوا " دليل عليها فيكون العفو عن مسألتهم التي سلفت منهم. الثاني - على الاشياء التي سألوا عنهامن أمور الجاهلية، وماجرى مجراها مما يسؤهم تشديد المحنة فيها.

[37]

وقوله " قد سألها قوم من قبلكم " قال ابن عباس: سأل قوم عيسى (ع) إنزال المائدة ثم كفروا بها.

وقال غيره: هو قوم صالح سألوا الناقة ثم عقروها وكفروا بها.

وقال السدي هذا حين سألوا أن يحول لهم الصفا ذهبا.

وقال أبوعلي: انما كانوا سألوا نبيهم عن مثل هذه الاشياء يعني من آيات ونحوها فلما أخبرهم النبي صلى الله عليه وآله قالوا: ليس الامر كذلك، فكفروابه وقال الرماني: السؤال هو طلب الشئ اما بايجاده واما باحضاره واما بالبيان عنه، والذي يجوز السؤال عنه هو مايجوز العمل عليه من أمر دين أو دنيا.

ومالايجوز العمل عليه من أمر دين أو دنيا لايجوز السؤال عنه ولايجوز أن يسأل الله تعالى شيئا إلا بشرط انتقاء وجود القبح عن الاجابة، فعلى هذا لايجوز أن يسأل الانسان: من أبي لان المصلحة اقتضت ان من ولد على فراش انسان حكم بأنه ولده. وإن لم يكن مخلوقا من مائه، فالمسألة بخلافه سفه لايجوز.

قوله تعالى: ماجعل الله من بحيرة ولاسائبة ولاوصيلة ولاحام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لايعقلون(103)

آية بلاخلاف.

هذه الاية من الادلة الواضحة على بطلان مذهب المجبرة من قولهم: من أن الله تعالى هوالخالق للكفر والمعاصي وعبادة الاصنام وغيرها من القبائح، لانه تعالى نفى أن يكون هوالذي جعل البحيرة أو السائبة أو الوصيلة أو الحام، وعندهم ان الله تعالى هوالجاعل له والخالق، تكذيبا لله تعالى وجرأة عليه.

ثم بين تعالى أن هؤلاء بهذا القول قد كفروا بالله وأفتروا عليه بأن أضافوا اليه ماليس بفعل له، وذلك واضح لاإشكال فيه.

[38]

ومعنى " ماجعل الله من بحيرة " أي ما حرمها على ماحرمها أهل الجاهلية، ولاأمر بها.

و (البحيرة) هي الناقة التي تشق أذنها يقال بحرت الناقة أبحرها بحرا، والناقة مبحورة، وبحيرة: اذا شققتها شقا واسعا، ومنه البحر لسعته. وكانوا في الجاهلية اذا تنجت الناقة خمسة أبطن وكان آخرها ذكرا بحروا أذنها أي شقوها، وامتنعوا من ركوبها وذبحها، ولم تطرد عن ماء، ولم تمنع من رعي. واذا لقيها لمعيي لم يركبها.

و (السائبة) المخلاة وهي المسيبة. وكانوا في الجاهلية اذا نذر إنسان نذرا لقدوم من سفر أو برء من مرض أو ما أشبه ذلك قال: ناقتي سائبة، فكانت كالبحيرة في التخلية، وكان اذا أعتق الانسان عبدا، فقال: هو سائبة لم يكن بينهما عقل، ولا ولاء، ولاميراث.

و (الوصيلة) الانثى من الغنم اذا ولدت انثى مع الذكر قالوا: أوصلت أخاها فلم يذبحوه.

وقال أهل اللغة: كانت الشاة اذا ولدت انثى فهي لهم، واذا ولدت ذكرا ذبحوه لالهتهم في زعمهم، واذا ولدت ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوه لالهتهم.

و (الحام) الفحل من الابل الذي قدحمى ظهره من أن يركب بتتابع أولاد تكون من صلبه. وكانت العرب اذاأنتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا: حمى ظهره فلا يحمل عليه شئ ولايمنع من ماء ولامرعى.

وقال محمد ابن إسحاق: البحيرة بنت السائبة و (السائبة) هي الناقة اذا تابعت بين عشر أناث ليس فيهن ذكر سيبت فلم يركبوها ولم يجزوا وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف. فما نتجت بعد ذلك من أنثى شق أذنها ثم يخلي سبيلها مع أمها فلم يركب ظهرها ولم يجز وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ضيف كما فعل بأمها.

و (الوصيلة) هي الشاة إذا أتأمت عشر أناث متتابعات في خمسة أبطن ليس فيها ذكر جعلت وصيلة، وقالوا قد وصلت وكان ما ولدت بعد ذلك للذكور دون الاناث.

[39]

وقوله " ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب " إخبار منه تعالى؟ هؤلاء الذين كفروا يكذبون على الله بادعائهم أن هذه الاشياء من فعل الله أو بأمره.

وقوله " واكثرهم لايعقلون " خص الاكثر بأنهم لايعقلون لانهم أتباع، فهم لايعقلون أن ذلك كذب وافتراء كما يفعله الرؤساء - في قول قتادة والشعبي - وقال ابوعلي " أكثرهم لايعقلون " ماأحل لهم وماحرم عليهم، يعني أن المعاند هو الاقل منهم.

قوله تعالى:، وإذا قيل لهم تعالوا إلى ماأنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ماوجدنا عليه آباء‌نا أولو كان آباؤهم لايعلمون شيئا ولايهتدون(104)

آية بلاخلاف.

أخبر الله تعالى عن الكفار الذين أخبر عنهم أنهم لايعقلون، والذين جعلوا البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، و " الذين يفترون على الله الكذب " من كفار قريش وغيرهم من العرب بأنه " اذا قيل لهم تعالوا " أي هلموا " إلى ماأنزل الله " من القرآن واتباع مافيه، والاقرار بصحته " والى الرسول " وتصديقه، والاقتداء به وبأفعاله " قالوا " في الجواب عن ذلك " حسبنا " أي كفانا " ماوجدنا عليه آباء‌نا " يعني مذاهب آبائنا.

ثم اخبر تعالى منكرا عليهم فقال " أولو كان آباؤهم لايعلمون شيئا ولايهتدون " أي إنهم يتبعون آباء‌هم في ماكانوا عليه من الشرك وعبادة الاوثان وإن كان آباؤهم لايعلمون شيئا من الدين ولايهتدون اليه.

وقيل في معنى (لايهتدون) قولان احدهما - الذم بأنهم ضلال. والثاني - أنهم لايهتدون إلى طريق العلم بمنزلة العمي عن الطريق. وفي الاية دلالة على فساد التقليد، لان الله تعالى أنكر عليهم تقليد الاباء فدل

[40]

ذلك على أنه لايجوز لاحد أن يعمل على شئ من أمر الدين إلا بحجة. وفيها دلالة على وجوب المعرفة وأنها ليست ضرورية، لان الله تعالى بين الحجاج عليهم في هذه الاية ليعرفوا صحة مادعا الرسول اليه، ولو كانوا يعرفون الاحق ضرورة لم يكونوا مقلدين لابائهم وكان يجب أن يكون آباؤهم أيضا عارفين ضرورة، ولو كانوا كذلك لما صح الاخبار عنهم بأنهم لايعلمون شيئا ولايهتدون. وانما نفى عنهم الاهتداء والعلم معا لان بينهما فرقا، وذلك أن الاهتداء لايكون إلا عن بيان وحجة. والعلم مطلق وقد يكون الاهتداء ضرورة.

قوله تعالى: ياأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لايضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون(105)

آية واحدة بلاخلاف.

لما بين الله تعالى حكم الكفار الذين قلدوا آباء‌هم واسلافهم وركنوا اليهم في أديانهم، ذكر في هذه الاية أن المكلف انما يلزمه حكم نفسه وأنه لايضره ضلال من ضل اذا كان هو مهتديا، حتى يعلم بذلك أنه لايلزمهم من ضلال آبائهم شئ من الذم والعقاب.

و " أنفسكم " نصب على الاغراء كأنه قال: احفظوا أنفسكم أن تزلوا كما زل غيركم.

والعرب تغري ب‍ (عليك، واليك، ودونك، وعندك) فينصبون الاسماء بها، ولم يغروا ب‍ (منك) كما أغروا ب‍ (اليك)، لان (اليك) أحق بالتنبيه من (منك).

والاغراء تنبيه على مايجب أن يحذر، ولذلك لم يغروا ب (فيك) ونحوها من حروف الاضافة.

وحكى المغربي: أنه سمع من يغري ب‍ (وراء‌ك) و (قدامك).

[41]

وليس في الاية مايدل على سقوط انكار المنكر. وإنما يجوز الاقتصار على الاهتداء بأتباع أمر الله في حال التقية، هذا قول ابن مسعود، على أن الانسان إنما يكون مهتديا اذا اتبع أمر الله في نفسه وفي غيره بالانكار عليه.

وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال (اذا رأوا الناس منكرا فلم يغيروه عمهم الله بالعقاب) وفي الاية دلالة على فساد مذهب المجبرة في تعذيب الاطفال، لانه لوكان الامر على ماقالوه لم يأمن المؤمنون أن يؤخذوا بذنوب آبائهم، وقد بين الله تعالى أن الامر بخلافه مؤكدا لما في العقل.

وقوله " إلى الله مرجعكم جميعا " معناه اليه تعالى مآلكم في الوقت الذي لايملك أحد الضرر والنفع سواء بخلاف دار الدنيا التي مكن الله تعالى الخلق من الضرر والنفع فيها.

وقوله " فينبئكم " معناه يخبركم بأعمالكم التي عملتموها في الدنيا من الطاعات والمعاصي، ويجازيكم بحسبها، وفي ذلك غاية الزجر والتهديد.

وقوله " لايضركم " يحتمل أن يكون جزما لانه جواب الامر، وحرك الراء لانها ثقيلة وأولها ساكن، فلا يستقيم إسكان آخرها، فيلتقي ساكنان.

قال الاخفش: والاجود أن يكون رفعا على الابتداء، لانه ليس بعلة لقوله " عليكم أنفسكم " وإنما أخبر أنه لايضرهم.

[42]

قوله تعالى: ياأيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذواعدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الارض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلوة فيقسمان بالله إن ارتبتم لانشتري به ثمنا ولوكان ذا قربى ولانكتم شهادة الله إنا إذا لمن الاثمين(106)

آية بلاخلاف.

ذكر الواقدي وابوجعفر (ع) أن سبب نزول هذه الاية ماقال أسامة بن زيد عن أبيه قال: كان تميم الداري وأخوه عدي نصرانيين وكان متجرهما إلى مكة، فلما هاجر رسول الله (ع) إلى المدينة قدم ابن أبي مارية مولى عمروبن العاص المدينة وهو يريد الشام تاجرا فخرج هو وتميم الداري وأخوه عدي حتى اذا كانوا ببعض الطريق مرض ابن أبي مارية فكتب وصية بيده ودسها في متاعه وأوصى اليهما ودفع المال اليهما وقال أبلغنا هذا أهلي، فلما مات فتحا المتاع وأخذا ما أعجبهما مناه ثم رجعا بالمال إلى الورثة، فلما فتش القوم المال فقدوا بعض ماكان خرج به صاحبهم، ونظروا إلى الوصية فوجدوا المال فيما تاما وكلموا تميما وصاحبه، فقالا: لاعلم لنا به ومادفعه الينا أبلغناه كماهو، فرفعوا أمرهم إلى النبي صلى الله عليه وآله فنزلة هذه الاية.

قوله تعالى " ياأيها الذين آمنوا شهادة بينكم " قيل في معنى الشهادة - هاهنا - ثلاثة أقوال: أحدها - الشهادة التي تقام بها الحقوق عند الحكام.

الثاني - شهادة الحضور لوصيين.

الثالث - شهادة أيمان بالله اذا ارتاب بالوصيين من قول القائل: أشهد بالله اني لمن الصادقين.

والاول أقوى واليق بالقصة.

وفي كيفية الشهادة قيل قولان: أحدهما - أن يقول صحيحا كان أو مريضا: اذا حضرني الموت فافعلوا كذا وكذا. ذكره الزجاج. الثاني - اذا حضرت أسباب الموت من المرض.

[43]

وقيل في رفع " شهادة " ثلاثة أقوال: أحدها - أن يكون رفعا بالابتداء وتقديره شهادة بينكم: شهادة اثنين، ويرتفع (اثنان) بأنه خبر الابتداء ثم حذف المضاف وأقيم المضاف اليه مقامه.

قال أبوعلي الفارسي: واتسع في (بين) وأضيف اليه المصدر، وذلك يدل على قول من يقول: ان الظرف الذي يستعمل يجوز أن يستعمل إسما في غير الشعر، كما قال تعالى " لقد تقطع بينكم "(1) فيمن رفع.

وجاء في الشعر: فصادف بين عينيه الجبوبا(2)

الثاني - على تقدير مخذوف وهو عليكم شهادة بينكم أو مما فرض عليكم شهادة بينكم، ويرتفع اثنان بالمصدر ارتفاع الفاعل بفعله.

والثالث - ان يكون الخبر " اذا حضر " فعلى هذا لايجوز أن يرتفع (اثنان) بالمصدر، لانه خارج عن الصلة بكونه بعد الخبر، لكن على تقدير ليشهد اثنان، ولايجوز أن يتعلق اذا حضر بالوصية لامرين: أحدهما - ان المضاف اليه لايعمل فيما قبل المضاف، لانه لو عمل فيما قبله للزم أن يقدر وقوعه في موضعه فاذا قدر ذلك لزم تقديم المضاف عليه على المضاف، ومن ثم لم يجز (القتال زيدا) حين يأتي. والاخر ان الوصية مصدر، فلا يتعلق به مايتقدم عليه.

وقوله " اذا حضر أحدكم الموت " يعني قرب أحدكم من الموت كما قال " حتى اذا حضر أحدهم الموت قال اني تبت الان "(3) وقال " حتى اذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا "(4) وقال " حتى اذا جاء أحدكم الموت قال رب

___________________________________

(1) 6 الانعام آية 94.

(2) قائله أبوخراش الهذلي.

اللسان (بين) وصدره: فلاقته ببلقعة براح يصف عقابا.

والجبوب - بفتح الجيم - وجه الارض.

والبلقع المكان الخالي، وبراح صفة له. والشاهد ضم النون في (بين).

(3) سورة 4 النساء آية 17.

(4) سورة 6 الانعام آية 61

[44]

ارجعون "(3) وكل ذلك يريد به المقاربة. ولولا ذلك لما أسند اليه القول بعدالموت.

وقوله " حين الوصية " فلايجوز أن يحمل على الشهادة، لانها اذا عملت في ظرف من الزمان لم تعمل في ظرف آخر منه، ويمكن حمله على أحد ثلاثة أشياء: أحدها - أن تعلقه بالموت كان الموت في ذلك الحين بمعنى قرب منه.

الثاني - على حضر أي اذا حضر: هذا الحين.

الثالث - أن يحمله على البدل من (اذا) لان ذلك الزمان في المعنى هو ذلك الزمان، فيبدله منه، ويكون بدل الشئ من الشئ اذاكان إياه.

وقوله " اثنان ذوا عدل منكم " خبر المبتداء الذي هو (شهادة) وتقديره شهادة بينكم شهادة اثنين على مابيناه، لان الشهادة لاتكون إلا من اثنين وقوله " منكم " صفة لقوله " اثنان " كما ان (ذواعدل) صفة لهما، وفي الظرف ضمير وفي معنى (منكم) قولان: أحدهما - قال سعيد بن المسيب وعبيدة ويحيى بن يعمر ومجاهد وقتادة وابن عباس: أي من المسلمين، وهوقول أبي جعفر وابي عبدالله (ع). الثاني - قال سعيد بن المسيب وعبيدة - في رواية اخرى - وعكرمة: إنهما من حي الموصي والاول أظهر وأصح، وهواختيار الرماني، لانه لاحذف فيه.

وقوله " أو آخران من غيركم " تقديره أو شهادة آخرين من غيركم، وحذف المضاف وأقام المضاف اليه مقامه. و (من غيركم) صفة للاخرين.

وقيل في معنى " من غيركم " قولان: أحدهما قال ابن عباس وأبوموسى الاشعري وسعيد بن المسيب وسعيد ابن جبير وشريح وابراهيم وابن سيرين ومجاهد وابن زيد واختاره أبوعلي الجبائي، وهو قول أبي جعفر وابي عبدالله (ع) أنهما من غير أهل ملتكم.

___________________________________

(1) سورة 23 المؤمنون آية 100

[45]

الثاني - قال عكرمة وعبيدة - بخلاف عنه - وابن شهاب والحسن: يعني من غير عشيرتكم.

قال الحسن لان عشيرة الموصي أعلم بأحواله من غيرهم، وهو اختيار الزجاج.

وقال: لانه لا يجوز قبول شهادة الكفار مع كفرهم وفسقهم وكذبهم على الله.

ومعنى (أو) - هاهنا - للتفصيل لاللتخيير، لان المنى أو آخران من غيركم إن لم تجدوا منكم، وهوقول ابي عبيدة وشريح ويحيى بن يعمر وابن عباس وابراهيم وسعيد بن جبير والسدي، وهوقول أبي جعفر وابي عبدالله (ع).

وقال قوم: هو بمعنى التخيير فيمن ائتمنه الموصي من مؤمن أوكافر.

وقوله " ان أنتم ضربتم في الارض " يعني ان انتم سافرفتم كما قال " واذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة "(1).

وقوله " فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة " فيه محذوف، وتقديره وقد اسنتم الوصية اليهما فارتاب الورثة بهما تحبسونهما.

وقوله " تحبسونهما " خطاب للورثة والهاء في (به) تعود إلى القسم بالله. والصلاة المذكورة في هذه الاية قيل فيها ثلاثة أقوال: أولها - قال شريح وسعيد بن جبير وابراهيم وقتادة، وهوقول أبي جعفر (ع) أنها صلاة العصر. الثاني - قال الحسن: هي الظهر أو العصر، وكل هذا لتعظيم حرمت وقت الصلاة على غيره من الاوقات. وقيل: لكثرة اجتماع الناس كان بعد صلاة العصر.

الثالث - قال: ابن عباس صلاة اهل دينهما يعني في الذميين لانهم لايعظمون أوقات صلاتنا.

وقوله " فيقسمان بالله " الفاء دخلت لعطف جملة (ان ارتبتم) في قول الاخرين الذين ليسا من أهل ملتنا أو من غير قبيلة الميت فغلب في ظنكم

___________________________________

(1) سورة 4 النساء آية 100

[46]

خيانتهم، ولاخلاف أن الشاهد لايلزمه اليمين إلا أن يكونا شاهدين على وصية مستندة اليهما فيلزمهما اليمين لانهما مدعيان.

وقوله " لانشتري به ثمنا " لانشتري جواب ما يقتضيه قوله " فيقسمان " لان (أقسم) ونحوه يتلقى بما تتلقى به الايمان. ومعنى قوله " لانشتري به ثمنا " لانشتري بتحريف شهادتنا ثمنا، فحذف المضاف وذكر الشهادة، لان الشهادة قول كما قال " واذا حضر القسمة أولوا القربى.. " ثم قال " فارزقوهم منه "(1) لماكانت القسمة يرادبها المقسوم، ألاترى ان القسمة التي هي افراد الانصباء لايرزق منه. وانما يرزق من التركة، وتقديره لانشتري به ثمنا أي ذا ثمن، ألاترى أن الثمن لايشترى، وانما الذي يشترى المبيع دون ثمنه، وكذلك قوله " اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا "(2) أي ذا ثمن. والمعنى انهم آثروا الشئ القليل على الحق، فاعرضوا عنه وتركوه، ولايكون (اشتروا) في الاية بمعنى (باعوا) لان بيع الشئ اخراج وانفاذله من البائع، وليس المعنى - هاهنا - على الانفاذ وانما هوعلى التمسك به، والايثار له على الحق.

وقوله " ولوكان ذا القربى " تقديره ولوكان المشهود له ذا قربى، وخص ذو القربى لميل الناس إلى قراباتهم، ومن يناسبونه.

وقوله " ولانكتم شهادة الله إنا إذا لمن الاثمين " معناه انا ان كتمناها لمن الاثمين.

وقال (شهادة الله) فأضاف الشهادة إلى الله لامره بها وباقامتها والنهي عن كتمانها في قوله " ومن يكتمها فانه آثم قلبه "(3) وقوله " وأقيموا الشهادة لله "(4)

___________________________________

(1) سورة 4 النساء آية 7.

(2) سورة 9 التوبة آية 10.

(3) سورة 2 البقرة آية 283.

(4) سورة 65 الطلاق آية 2




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (11)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 201

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 9843323

  • التاريخ : 16/05/2021 - 19:07

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net