00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة الانعام من ( آية 1 ـ 35) 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : التبيان في تفسير القرآن (الجزء الرابع)   ||   تأليف : شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي

6 - سورة الانعام

قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم: ان سورة الانعام مكية.

وقال يزيد بن رومان بعضها مكي وبعضها مدني.

وقال شهر بن خوشب: هي مكية إلا آيتين منها قوله تعالى: " قل تعالوا اتل عليكم ماحرم " والتي بعدها.

وروى عن ابن عباس انه قال نزلت سورة الانعام جملة بمكة معها سبعون الف ملك محدقون حولها بالتسبيح والتهليل والتحميد وهي مئة وخمس وستون آية كوفى وست في البصري وسبع في المدنيين.

وروي عن ابن عباس أيضا انه قال هي مكية غير ست آيات منها فانها مدنيات. " قل تعالوا اتل " وآيتان بعدها وقوله " وماقدروا الله حق قدره " إلى آخرها والاية التي بعدها " ومن اظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال اوحي.. " إلى آخرها.

وروي عن أنس بن مالك انه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مانزل علي سورة من القرآن جملة غير سورة الانعام وماجمعت الشياطين لسورة من القرآن جمعها لها ولقد بعث بها الي مع جبرائيل مع خمسين ملكا، أو قال خمسين الف ملك - شك الواقدي - نزل بها وتحفها حتى أقر - ها في صدري كما يقر الماء في الحوض وقد اعزني الله واياكم بهاعزا لا يذلنا بعده ابدا فيها دحض حجج المشركين ووعد من الله لايخلفه.

وروي عن كعب الاحبار انه قال: افتتحت التوراة بالحمدلله الذي خلق السماوات والارض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون. وختمت بالحمدلله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك إلى آخر الاية.

الآية: 1 - 19

[76]

بسم الله الرحمن الرحيم

ألحمد لله الذي خلق السموات والارض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون(1)

آية في الكوفي والبصري، وآيتان في المدنيين

قوله " والنور " آخر آية أخبر الله تعالى في هذه الاية أن المستحق للحمدمن خلق السماوات والارض وجعل الظلمات والنور أي خلقهما لما أشتملا عليه من عجائب الخلق ومتقن الصنع. ثم عجب ممن جعل له شركاء مع ماتري في السماوات والارض من الدلالة على أنه الواحد الذي لاشريك له، وقد بينافيما تقدم وجه دلالة ذلك على أنه واحد ليس باثنين.

وقوله " بربهم يعدلون " أي يجعلون له مثلا يستحق العبادة مأخوذ من قولك: لا أعدل بفلان أحدا، أي لانظير له عندي ولا أحد يستحق مايستحقه.

قال الكسائي: يقال عدلت الشئ بالشئ أعدله عدولا اذا ساويته، وعدل في الحكم يعدل عدلا.

وقال الحسن ومجاهد: معنى يعدلون يشركون. وانما ابتدأ تعالى هذه السورة بالحمد احتجاجا على مشركي العرب، وعلى من كذب بالبعث والنشور فابتدأ، فقال " الحمدلله الذي خلق السماوات والارض " فذكر أعظم الاشياء المخلوقة، لان السماء بغير عمد ترونها، والارض غير مائدة بنا. ثم ذكر الظلمات والنور، وذكر الليل والنهار، وهما مما به قوام الخلق. فأعلم الله تعالى أن هذه خلق له، وأن خالقها لاشئ مثله.

وروي عن أبي عبدالله (ع) أنه قال: ان الانعام نزلت جملة، وشيعها سبعون الف ملك حين أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله فعظموها، وبجلوها، فان اسم الله تعالى فيها في سبعين موضعا. ولو يعلم الناس مافي قراء‌تها من الفضل ماتركوها.

[77]

قوله تعالى: هوالذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون(2)

آية بلاخلاف.

معنى قوله " هوالذي خلقكم " أي انشأكم، وأخترعكم " من طين " ومعناه خلق أباكم - الذي هو آدم وانتم من ذريته، وهو بمنزلة الاصل لنا - من طين، فلماكان أصلنا من الطين جازان يقول " خلقكم من طين ".

وقوله " ثم قضى " معناه حكم بذلك. والقضاء يكون حكما، ويكون أمرا ويكون الاتمام والاكمال.

وقوله " أجلا وأجل مسمى عنده " قيل في معنام قولان: أحدهما - قال ابوعلي: كتب للمرء أجلا في الدنيا، وحكم بأنه أجل لنا، وهو الاجل الذي يحيى فيه أهل الدنيا إلى أن يموتوا، وهو أوقات حياتهم، لان أجل الحياة، هووقت الحياة، وأجل الموت هو وقت الموت " وأجل مسمى عنده " يعني آجالكم في الاخرة، وذلك أجل دائم ممدود لا آخر له، وانما قال له " مسمى عنده "، لانه مكتوب في اللوح المحفوظ، في السماء وهو الموضع الذي لايملك فيه الحكم على الخلق سواه.

وقال الزجاج: أحد الاجلين أجل الحياة، وهوالوقت الذي تحدث فيه الحياة، ويحيون فيه " وأجل مسمى عنده " يعني أمر الساعة والبعث. وبه قال الحسن، وسعيدبن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك.

وقال بعضهم: " قضى أجلا " يعني أجل من مضى من الخلق " وأجل مسمى عنده " أجل الباقين والذي نقوله: " ان الاجل هوالوقت الذي تحدث فيه الحياة أو الموت ولايجوز ان يكون المقدر أجلا، كمالايجوز أن يكون ملكا، فان سمي - مايعلم الله تعالى أنه لولم يقتل فيه لعاش اليه - أجلا، كان ذلك مجازا، لان الحي لايعيش اليه. ولايمتنع أن يعلم الله من حال المقتول أنه لولم يقتله القاتل لعاش إلى وقت آخر.

وكذلك ماروي: أن الصدقة وصلة الرحم تزيد في الاجل، وماروي في قصة قوم يونس وأن الله صرف عنهم العذاب، وزاد

[78]

في آجالهم، لايمنع منه مانع، وانما منع من التسمية لماقلناه.

وقوله: " ثم أنتم تمترون " خطاب للكفار الذين يشكون في البعث والنشور. احتج الله بهذه الاية على الذين عدلوا به غيره، فأعلمهم انه خلقهم من طين، ونقلهم من حال إلى حال، وقضى عليهم الموت، فهم يشاهدون ذلك، ويقرون بأنه لامحيص منه. ثم عجبهم من امترائهم أي من شكهم في انه الواحد القهار على مايشاء، وفي أنه لم يعبث بخلقهم وابقائهم واماتتهم بعد ذلك، وأنه لابد من جزاء المسيئ والمحسن، ومثله قوله: " ياأيها الناس ان كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم "(1) ان الذي قدر على ذلك قادر على أن يبعثكم بعد أن تكونوا ترابا.

وقوله " وأجل مسمى عنده " رفع على الابتداء وتم الكلام عند قوله: " ثم قضى أجلا ".

قوله تعالى: وهو الله في السموات وفي الارض يعلم سركم وجهركم ويعلم ماتكسبون(3)

آية إجماعا.

قوله " وهوالله في السماوات وفي الارض " يحتمل معنيين: أحدهما - قال الزجاج والبلخي، وغيرهما: انه المعبود في السماوات والارض، والمتفرد بالتدبير في السماوات وفي الارض، لان حلوله فيهما أو شئ منهما لايجوز عليه. ولايجوز أن تقول هو زيد في البيت، والدار، وأنت تريد أنه يدبرهما الا ان يكون في الكلام مايدل على ان المراد به التدبير كقول القائل: فلان الخليفة في الشرق والغرب، لان المعنى في ذلك أنه المدبر فيهما.

___________________________________

(1) سورة 22 الحج آية 5.

[79]

ويجوز ان يكون خبرا بعد خبر، كأنه قال: انه هو الله وهو في السماوات وفي الارض. ومثل ذلك قوله " وهوالذي في السماء إله وفي الارض إله "(1) والوجه الثاني - قال أبوعلي: ان قوله " وهوالله " قدتم الكلام، وقوله " في السماوات وفي الارض " يكون متعلقا بقوله " يعلم سركم وجهركم " في السماوات وفي الارض لان الخلق إما أن يكونوا ملائكة فهم في السماء‌أو البشر والجن، فهم في الارض، فهو تعالى عالم بجميع ذلك لايخفى عليه خافية، ويقويه قوله " ويعلم ماتكسبون " أي يعلم جميع ماتعملون من الخير والشر فيجازيكم على حسب أعمالكم، ولايخفى عليه شئ منها، وفي ذلك غاية الزجر والتهديد.

وفي الاية دلالة على فساد قول من قال: إنه تعالى في مكان دون مكان تعالى الله عن ذلك.

قوله تعالى: وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين(4)

آية بلاخلاف.

في هذه الآية اخبار من الله تعالى أنه لايأتي هؤلاء الكفار - المذكورين في أول الاية - من آيات من ربهم، وهي المعجزات التي يظهرها على رسوله وآيات القرآن التي كان؟ لها على نبيه صلى الله عليه وآله " الا كانوا عنها معرضين " لايقبلونها، ولايستدلون بها على مادلهم الله عليه من توحيده وصدق رسوله محمد صلى الله عليه وآله.

___________________________________

(1) سورة 10 يونس آية 22.

[80]

قوله تعالى: فقد كذبوا بالحق لما جاء‌هم فسوف يأتيهم أنباء ماكانوا به يستهزؤن(5)

آية بلاخلاف.

في هذه الاية اخبار منه تعالى أن الكفار قد كذبوا بالحق الذي أتاهم به محمد صلى الله عليه وآله لماجاء‌هم بالقرآن، وسائر أمورالدين، وانه سوف يأتيهم خبر العذاب الذي ينزله بهم عقوبة على كفرهم، وهذا العذاب هوالذي كانوا به يستهزؤن: بأخبار رسول الله إياهم به وبنزوله بهم. فبين أن ذلك سيحل بهم وسيقفون على صحته. ودل ذلك على أنهم كانوا يستهزؤن، وان كان لم يذكره ههنا وذكره في موضع آخر وومثل ذلك قول القائل للجاني عليه: سيعلم عملك. وانما يريد ستجازى على عملك.

وقال الزجاج: معنى " أنباء ماكانوا به يستهزؤن " أي تأويله. والمعنى سيعلمون مايؤل اليه استهزاؤهم.

قوله تعالى: ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الارض مالم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الانهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشانا من بعدهم قرنا آخرين(6)

آية بلاخلاف.

قوله " ألم يروا " خطاب للغائب وتقديره ألم ير هؤلاء الكفار: ألم يعلموا كم أهلكنا من قبلهم من قرن. ثم قال مكناهم في الارض مالم نمكن لكم " فخاطب خطاب المواجه، فكأنه اخبر النبي صلى الله عليه وآله ثم خاطبه معهم، كما قال: " حتى اذا كنتم في الفلك وجرينا بهم بربح طيبة "(1) فذكر لفظ الغائب بعد

___________________________________

(1) سورة 10 يونس آية 22

[81]

خطاب المواجه. ومعنى " من قرن " من أمة.

قال الحسن: القرن عشرون سنة.

وقال ابراهيم: اربعون سنة.

وقال ابوميسرة: هو عشر سنين.

وحكى الزجاج والفراء: أنه ثمانون سنة وقال قوم: هو سبعون سنة.

وقال الزجاج: عندي القرن هو أهل كل مدة كان فيها نبي أو كان فيها طبقة من أهل العلم، قلت السنون او كثرت، فيسمى ذلك قرنا، بدلالة قوله (ع): (خيركم قرني) يعني أصحابي (ثم الذين يلونهم) يعني التابعين (ثم الذين يلونهم) يعني تابعي التابعين.

قال: وجائز أن يكون القرن جملة الامة، وهؤلاء قرن فيها. واشتقاق القرن من الاقتران. وكل طبقة مقترنين في وقت قرن، والذين يأتوا بعدهم ذووا اقتران: قرن آخر.

وقوله " مكناهم في الارض " معناه جعلناهم ملوكا وأغنياء تقول مكنتك، ومكنت لك واحد.

وقوله " وأرسلنا عليهم السماء مدرارا " معناه أرسلنا عليهم مطرا كثيرا من السماء يقول القائل أصابتنا هذه السماء، ومازلنا نطأ السماء حتى أتيناكم، يعنون المطر.

وقوله " مدرارا " يعني غزيرا دائما كثيرا. وهو قول ابن عباس وأبي روق. و (مفعال) من ألفاظ المبالغة، يقال ديمة مدرارا اذاكان مطرها غزيرا حادا، كقولهم امرأة مذكار: اذاكانت كثيرة الولادة للذكور، ومئناث في الاناث.

ومفعال لايؤنث، يقال: امرأة معطار ومئناث ومذكار، بغير هاء.

بين الله تعالى أن هؤلاء الذين آتاهم الله هذه المنافع وأجرى من تحتهم الانهار، ووسع عليهم، ومكنهم في الارض، لماكفروا بنعم الله وارتكبوا معاصيه أهلكهم الله بذنوبهم، وانه انشأ قوما آخرين بعدهم.

يقال: انشأ فلان يفعل كذا أي ابتدأ فيه. وموضع (كم) نصب ب‍ أهلكنا)، لان لفظ الاستفهام لايعمل فيه ما قبله، فلذلك لايجوز أن يكون منصوبا ب‍ (يروا).

فان قيل: كيف قال: (أولم يروا) والقوم كانوا غير مقرين بما أخبروا

[82]

به من شأن الامم قبلهم؟ قيل: كان الكثير منهم مقرا بذلك فأنه دعي بهذه الاية إلى النظر والتدبر ليعرف بذلك ماعرفه غيره.

قوله تعالى: ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين(7)

آية بلاخلاف.

أخبر الله تعالى في هذه الاية أنه لو نزل على نبيه كتابا يعني صحيفة مكتوبة في قرطاس حتى يلمسوه بأيديهم ويدركوه بحواسهم، لانهم سألوا النبي صلى الله عليه وآله ان يأتيهم بكتاب يقرؤونه من الله تعالى فلان بن فلان أن آمن بمحمد، وانه لو أجابهم إلى ذلك لما آمنوا، ونسبوه إلى السحر لعظم عنادهم وقساوة قلوبهم وعزمهم على أن لايؤمنون على كل حال. وعرفه أن التماسهم هذه الايات ضرب من العنت ومتى فعلوا ذلك أصطلمهم واستأصلهم، وليس تقتضى المصلحة ذلك، لما علم في بقائهم من مصلحة للمؤمنين، وعلمه بمن يخرج من أصلابهم من المؤمنين وأن فيهم من يؤمن فيما بعد، فلايجوز أخترام من هذه صفته - عند ابي علي والبلخي.

وقوله " ان هذا الاسحر مبين " معناه ليس هذا الا سحر مبين.

واحتج ابوعلي بهذه الاية على أنه متى كان في معلوم الله تعالى انه لو آتاهم الايات التي طلبوها لامنوا عندها وجب ان يفعلها بهم، قال: ولولا ذلك كذلك لم يحتج على العباد في منعه اياهم الايات التي طلبوها أي انما منعتهم اياها لانهم كانوا لايؤمنون، ولو آتاهم إياها لكانوا يقولون انها سحر مبين. وبهذا تبين بطلان قول من قال اللطف ليس بواجب، وانه يجوز ان يمنعهم الله ما طلبوا وان كانوا يؤمنون لو آتاهم ذلك ويكفرون لو منعهم اياه.

[83]

قوله تعالى: وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو انزلنا ملكا لقضي الامر ثم لاينظرون(8) ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم مايلبسون(9)

آيتان بلاخلاف.

اخبر الله تعالى في هذه الاية عن هؤلاء الكفار أنهم قالوا (لولا) ومعناه: هلا " أنزل عليه " يعنون على محمد " ملك " يشاهدونه فيصدقه. ثم أخبر عن عظم عنادهم انه لو أنزل عليهم الملك على ما اقترحوه لما آمنوا به، واقتضت الحكمة استئصالهم وألا ينظرهم ولايمهلهم. وذلك بخلاف ماعلم الله تعالى من المصلحة على مابيناه.

ومعنى " لقضى الامر " أي أتم إهلاكهم وقضي على ضروب كلها ترجع إلى معنى تمام الشئ وانقطاعه في قول الزجاج. فمنه " قضى أجلا وأجل مسمى عنده "(1) معناه ثم ختم بذلك وأتمه، ومنه الامر كقوله " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا اياه "(2) الا أنه أمر قاطع ومنه الاعلام نحو قوله " وقضينا إلى بني اسرائيل(3) أي أعلمناهم إعلاما قاطعا. ومنه الفصل في الحكم نحو قوله " ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضى بينهم "(4) أي لفصل الحكم بينهم. ومنه قولهم قضى القاضي. ومن ذلك قضى فلان دينه، أي قطع مالغريمه عليه وأداه اليه وقطع مابينه وبينه وكلما أحكم فقد قضي، تقول قضيت هذا الثوب وهذه الدار، أي عملتها وأحكمت عملها، قال أبوذؤيب

وعليهما مسرودتان قضاهما *** داود أو صنع السوابغ تبع(5)

وقال مجاهد معنى " وقالوا لولا أنزل عليه ملك " يريدون في صورته.

قال الله تعالى " ولو أنزلنا ملكا " في صورته " لقضي الامر " أي لقامت الساعة أو

___________________________________

(1) سورة 6 الانعام آية 2.

(2) سورة 17 الاسرى آية 23.

(3) سورة 17 الاسرى آية 4.

(4) سورة 42 الشورى آية 14.

(5) مرتخريجه في 1 / 429.

[84]

وجب استئصالهم ثم قال " ولو جعلناه ملكا لجعلناه " في صورة رجل، لان أبصار البشر لاتقدر على النظر إلى صورة ملك على هيئته للطف الملك وقلة شعاع أبصارنا وكذلك كان جبرائيل (ع) يأتي النبي صلى الله عليه وآله في صورة دحية الكلبي، وكذلك الملائكة الذين دخلوا على ابراهيم في صورة الاضياف حتى قدم اليهم عجلا جسدا، لانه لم يعلم أنهم ملائكة، وكذلك لماتسور المحراب على داود الملكان كانا في صورة رجلين يختصمان اليه.

وقال بعضهم: المعنى لو جعلنا مع النبي ملكا يشهد بتصديقه (لجعلناه رجلا) والاول أصح.

وقوله " وللبسنا عليهم مايلبسون " يقال: لبست الامر على القوم ألبسه اذا شبهته عليه، ولبست الثوب البسه، وكان رؤساء الكفار يلبسون على ضعفائهم أمر النبي (ع)، فيقولون: هو بشر مثلكم، فقال الله تعالى " ولو أنزلنا ملكا " فرأوا الملك رجلا ولم يعلمهم أنه ملك لكان يلحقهم من اللبس مايلحق ضعفائهم منهم. واللبوس مايلبس من الثياب واللباس الذي قد لبس واستعمل.

فان قيل: قوله: انه لوجعل الملك رجلا للبس عليهم يدل على أن له أن يلبس بالاضلال والتلبيس؟ قلنا: ليس ذلك في ظاهره، لانه لم يخبر أنه لبس عليهم وانما قال لوجعلته ملكا للبست ولم يجعله ملكا فاذا مالبس، كماقال تعالى " لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق مايشاء "(1) وليس يجوز عليه اتخاذ الولد ولا الاصطفاء له بحال، فسقط ماقالوه.

قوله تعالى: ولقد استهزى برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ماكانوا به يستهزؤن(10)

آية بلاخلاف.

___________________________________

(1) سورة 39 الزمر آية 4.

[85]

لما أخبر الله تعالى أنه لوأنزل الايات التي أقترحوها وامتنعوا عند ذلك من الاقرار بالله وتصديق نبيه اقتضت المصلحة استئصالهم كما اقتضت المصلحة استئصال من تقدم من الامم الماضية عند نزول الايات المقترحة، كما فعل بقوم صالح وغيرهم من أمم الانبياء، قال ذلك تسلية لنبيه (ع) من استمرارهم على الكفر.

ومعنى (الحيق) مايشتمل على الانسان من مكروه فعله كما قال: " ولايحيق المكر السيئ الا بأهله "(1) أي لاترجع عاقبة مكروهه الا عليهم.

والمعنى فحاق بالساخرين منهم: " ماكانوا به يستهزؤن " من وعيد أنبيائهم بعاجل العقاب في الدنيا نحومانزل بقوم عاد وثمود وغيرهم من الامم.

وقال ابوعلي: حاق وحق بمعنى واحد.

والمعنى انه لمانزل بهم العذاب حق بذلك الخبر عندهم: الخبر الذي كان أخبرهم به النبي صلى الله عليه وآله.

قوله تعالى: قل سيروا في الارض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين(11)

آية بلاخلاف.

أمر الله تعالى في هذه الاية نبيه (ع) ان يأمر هؤلاء الكفار ان يسيروا في الارض لينظروا إلى آثار تلك الامم فانها مشهورة ومتواتر خبرها معلوم مساكنها واراد بذلك زجر هؤلاء الكفار عن تكذيب محمد (ع) والتحذير لهم من ان ينزل بهم من العذاب مانزل بالمكذبين للرسل من قبلهم.

___________________________________

(1) سورة

[86]

قوله تعالى: قل لمن ما في السموات والارض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيمة لاريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لايؤمنون(12) وله ماسكن في الليل والنهار وهوالسميع العليم(13)

آيتان بلاخلاف.

أمر الله تعالى نبيه (ع) ان يقول لهؤلاء الكفار مقرعا لهم وموبخا على كفرهم " لمن في السماوات والارض " ثم امره (ع) ان يقول لهم ان ذلك " لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم " واللام لام القسم وتقديره والله ليجمعنكم ولذلك نصب (لام) ليجمعنكم، لان معنى كتب اليمين.

وقال الزجاج يجوز أن يكون (ليجمعنكم) بدلا من الرحمة مفسرا لها، لانه لما قال كتب على نفسه الرحمة فسر رحمته بأنه يمهلهم إلى يوم القيامة.

وقال الفراء: يجوز أن يكون قوله " كتب على نفسه الرحمة " غاية ثم استأنف قوله " ليجمعنكم.. لاريب فيه " تمام، ومعنى " كتب على نفسه الرحمة " أي كتب على نفسه ألا يستأصلكم ولايعجل عقوبتكم بل يعذر وينذر ويجمع آخركم إلى أولكم قرنا بعد قرن إلى يوم القيامة، وهوالذي لاريب فيه.

وفي قوله " ليجمعنكم إلى يوم القيامة " احتجاج على من أنكر البعث والنشور فقال ليجمعنكم إلى اليوم الذي أنكرتموه كما تقول: جمعت هؤلاء إلى هؤلاء، أي ضممت بينهم في الجمع.

وقوله " الذين خسروا أنفسهم " قال الاخفش (الذين) بدل من الكاف والميم. والمعنى ليجمعن هؤلاء المشركين الذين خسروا أنفسهم إلى هذااليوم الذي يجحدونه ويكفرون به.

وقال الزجاج: هو في موضع رفع على الابتداء وخبره " فهم لايؤمنون " لان (ليجمعنكم) مشتمل على سائر الخلق على الذين خسروا أنفسهم وغيرهم.

وقوله " وله ماسكن في الليل والنهار " أي مااشتمل عليه الليل والنهار فجعل الليل والنهار كالمسكن لما اشتملا عليه، لانه ليس يخرج منهما شئ فجمع

[87]

كل الاشياء بهذا اللفظ القليل الحروف، وهذا من أفصح مايكون من الكلام.

وقال النابغة:

فانك كالليل الذي هو مدركي *** وان خلت ان المنتأى عنك واسع(1)

فجعل الليل مدركا إذ كان مشتملا عليه.

وفي هذه الاية وفي التي قبلها إحتجاج على الكفار الذين عبدوا من دون الله تعالى، فقال تعالى: " قل لمن مافي السماوات والارض "؟ وكانوا لايشركون بالله في خلق السماوات والارض ومابينهما احدا وانما كانوا يشركون في العبادة، ويقولون: آلهتهم تقربهم إلى الله زلفى، لاأنها تخلق شيئا، ثم قال: " قل لله " فانهم لاينكرون ذلك، وهو كقوله " ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله "(2) فذكرهم ماهم به مقرون ليتنبهوا ويشهدوا بالحق ويتركوا ماهم عليه، ومعنى " خسروا أنفسهم " أهلكوها باستحقاق المصير إلى العذاب الاليم الدائم، الذي لاينتفعون معه بنفوسهم إذ كانوا لايؤمنون. ومن أهلك نفسه فقد خسرها.

وانما قال " وله ماسكن في الليل والنهار " لان في الحيوان مايسكن في الليل، وفيه مايسكن بالنهار وخص السكون بالذكر، لان الساكن أكثر من المتحرك، ولان الاية العجيبة في قيام الساكن بلا عمد أعظم.

قوله تعالى: قل أغير الله أتخذ ولياً فاطر السموات والارض وهو يطعم ولايطعم قل أني أمرت أن أكون أول من أسلم ولاتكونن من المشركين(14)

آية بلاخلاف.

أجمع القراء على ضم الياء وفتح العين من قوله " ولايطعم " وقرئ في الشواذ

___________________________________

(1) سمط اللالي: 570.

(2) سورة 43 الزخرف آية 87

[88]

بفتح الياء العين معا. فمن ضم الياء أراد أن غيره لايطعمه في مقابلة قوله: " وهو يطعم ".

ومن فتح الياء أراد أنه نفسه لايطعم.

والمعنى هو يرزق الخلق ولايرزقه أحد. والطعمة والطعم والاطعام الرزق، قال امرؤ القيس:

مطعم للصيد ليس له *** غيرها كسب على كبره(1)

وقال علقمة بن عدي:

ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمة *** أني توجه والمحروم محروم(2)

ألا ترى أنه وضع الحرمان في مقابلة الاطعام، كما يوضع أبدا مقابلا للرزق.

وقيل: إنه ذكر الاطعام، لان حاجة العباد اليه أشد، ولان نفيه عن الله أدل على نفي شبهه بالمخلوقين، لان الاطعام لايجوز الاعلى الاجسام. والاختيار في " فاطر " الخفض لانه من صفة (الله).

والرفع، والنصب جائزان على المدح.

فمن رفع فعلى اضمار (هو)، وتقديره: هو فاطر السماوات والارض، وهو يطعم ولايطعم.

ومن نصب فعلى معنى: اذكروا عني.

ومعنى: " فاطر السماوات والارض " خالقهما، كما قال: " ومالي لا أعبد الذي فطرني واليه ترجعون "(3) أي خلقني.

قال ابن عباس: ما كنت أدري مامعنى (فاطر) حتى اختصم الي اعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها أي ابتدأتها. وأصل الفطر الشق، ومنه قوله تعالى: " اذا السماء انفطرت "(4) أي انشقت. ومعني " فطر السماوات والارض " خلقهما خلقا قاطعا. والانفطار، والفطور تقطع وتشقق وفي الاية دلالة وحجة على الكفار، لان من خلق السماوات والارض وأنشأ مافيها، وأحكم تدبيرهما، واطعم من فيهما هوالذي ليس كمثله شئ

___________________________________

(1) ديوانه: 104، واللسان (طعم).

(2) اللسان: الالف اللينة تفسير (أنى).

(3) سورة 36 يس آية 22.

(4) سورة 82 الانفطار آية 1

[89]

وان الخلق فقراء اليه وهو الغني القادر القاهر، فلايجوز لمن عرف ذلك أو جعل له السبيل إلى معرفته ان يعبد غيره.

وقوله " وأمرت أن أكون أول من أسلم " معناه أن أكون اول من خضع، وآمن وعرف الحق من قومي، وأن اترك ماهم عليه من الشرك.

ومثله قوله " قل ان كان للرحمان ولد فأنا أول العابدين "(3) بأنه لم يكن للرحمان ولد، يعني من هذه الامة، لانه قد عبدالله النبيون والمؤمنون قبله، ومثله قوله " سبحانك تبت اليك وأنا أول المؤمنين "(4) ممن سألك أن تريه نفسك - بأنك لاترى.

وقول السحرة " إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا ان كنا أول المؤمنين(5) بأن هذا ليس بسحر، وأنه الحق، أي أول المؤمنين من السحرة، ومعنى الولي - هاهنا - الاله الذي أعبده ليتولاني، ويحفظني.

وقوله: " وأمرت أن أكون أول من أسلم ولاتكونن من المشركين " أي أمرت بالامرين معا: أن أكون أول من أسلم من هذه الامة، وألا أكون من المشركين. والمعنى أمرت بذلك ونهيت عن الشرك، لان الامر لا يتناول ألا يكون الشئ، لانه لايكون أمرا إلا بارادة المأمور، والارادة لاتتعلق بألا يكون الشئ. وانما المراد ماقلناه: أنه كره مني الشرك.

قوله تعالى: قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم(15)

آية بلاخلاف.

أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله بهذه الاية أن يقول لهؤلاء الكفار: إنه يخاف

___________________________________

(3) سورة 43 الزخرف آية 81.

(4) سورة 7 الاعراف آية 142.

(5) سورة 26 الشعراء آية 52.

[90]

- ان عصاه - عذابه وعقوبته في يوم عظيم وهو يوم القيامة.

ومعنى العظيم - هاهنا - أنه شديد على العباد، وعظيم في قلوبهم.

وفي الاية دلالة على ان من زعم أن من علم الله أنه لايعصى فلايجوز أن يتوعده بالعذاب. وعلى من زعم أنه لايجوز أن يقال فيما قد علم الله أنه لايكون أنه لوكان لوجب فيه كيت وكيت، لانه كان المعلوم لله تعالى أن النبي صلى الله عليه وآله لايعصي معصية يستحق بها العقاب يوم القيامة، ومع هذا فقد توعده به.

قوله تعالى: من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين(16)

آية بلاخلاف.

قرأ اهل الكوفة الا حفصا، ويعقوب " من يصرف " بفتح الياء وكسر الراء. الباقون بضم الياء وفتح الراء.

وفاعل (يصرف) هوالضمير العائد إلى " ربي " من قوله: " إني أخاف ان عصيت ربي ".

ويكون حذف الضمير العائد إلى العذاب، والمعنى من يصرف الله عنه، وكذلك هو في قراء‌ة أبي.

قال أبوعلي: وليس حذف الضمير بالسهل لانه ليس بمنزلة الضمير الذي يحذف من الصلة اذا عاد إلى الموصول، نحو " أهذا الذي بعث الله رسولا "(1) و " سلام على عباده الذين اصطفى الله "(2) أي بعثهم الله واصطفاهم، ولايعود الضمير المحذوف - هاهنا - إلى موصول ولاالى (من) التي المجزاء، وانما يرجع إلى العذاب من قوله " ان عصيت ربي عذاب يوم عظيم "، وليس هذا بمنزلة قوله " والحافظين فروجهم "(3) لان هذا فعل واحد قد تكرر وعدي الاول فيهما

___________________________________

(1) سورة 25 الفرقان آية 41.

(2) سورة 27 النسل آية 59.

(3) سورة 33 الاحزاب آية 35

[91]

إلى المفعول، فعلم بتقدير الاول أن الثاني بمنزلته. والذي يحسن قراء‌ة من قرأ " يصرف " بفتح المياء أن مابعده من قوله " فقد رحمه " فعل مسند إلى ضمير اسم الله. فقد اتفق الفعلان في الاسناد إلى هذا الضمير، فيمن قرأ " يصرف " بفتح الياء. ويقويه أيضا أن الهاء المحذوفة من (يصرفه) لماكان في حيز الجزاء، وكان ما في حيزه في أنه لايتسلط على الموصول، حسن حذف الهاء منه كما حسن حذفها من الصلة.

ومن ضم الياء فالمسند اليه الفعل المبني للمفعول ضمير العذاب المتقدم ذكره، ويقوي ذلك قوله " ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم "(4) ألا ترى أن الفعل بني للمفعول، وفيه ضمير العذاب.

وقال الزجاج: التقدير من يصرف الله عنه العذاب فيمن فتح الياء. ومن ضم الياء، فتقديره من يصرف عنه العذاب.

قوله تعالى: وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شئ قدير(17) وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير(18)

آيتان بلاخلاف.

معنى الاية الاولى أنه لايملك النفع والضرر الا الله تعالى أو من يملكه الله ذلك. فبين تعالى أنه مالك السوء من جهته " فلاكاشف له الاهو " ولا يملك كشفه سواه مما يعبده المشركون ولاأحد سوى الله، وأنه إن ناله بخير فهو على ذلك قادر.

وقوله يمسسك بضر أو بخير، معناه يمسك ضره أو خيره. فجعل المس لله على وجه المجاز، وهو في الحقيقة الخير والضر، وهو مجاز في الخير والضر أيضا، لانهما عرضان لاتصح عليهما المماسة. وأراد

___________________________________

(4) سورة 11 هود آية 8

[92]

تعالى بذلك الترغيب في عبادته، وحده، وترك عبادة سواه، لانه المالك للضر والنفع دون غيره، وأنه القادر عليهما. والقاهر هو القادر على أن يقهر غيره. فعلى هذا يصح وصفه فيما لم يزل بأنه قاهر.

وفي الناس من قال: لايسمى قاهرا الا بعد أن يقهر غيره، فعلى هذا لايوصف تعالى فيما لم يزل بذلك.

ومثل قوله " فوق عباده " قوله " يد الله فوق أيديهم "(1) والمراد أنه أقوى منهم، وأنه مقتدر عليهم، لان الارتفاع في المكان لايجوز عليه تعالى، لانه من صفات الاجسام. فاذا المراد بذلك أنه مستعل عليهم، مقتدر عليهم. وكل شئ قهر شيئا فهو مستعل عليه، ولما كان العباد تحت تسخيره وتذليله وأمره ونهيه، وصف بأنه فوقهم.

وقوله " وهوالحكيم الخبير " معناه أنه مع قدرته عليهم لايفعل الا ما تقتضيه الحكمة، ولايفعل مافيه مفسدة، أو وجه قبح لكونه عالما بقبح الاشياء وبأنه غني عنها.

قوله تعالى: قل أي شئ أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لانذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله الهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني برئ مما تشركون(19)

آية بلاخلاف.

اختلفوا في الهمزتين اذاكانت الاولى مفتوحة، والثانية مكسورة من كلمة واحدة نحو (أئنك) و (أاذا) و (أانا) و (أافكا) فقرأ ابن عامر وأهل الكوفة وروح بتحقيق الهمزتين حيث وقع إلا في قوله " أئنكم لتشهدون " هاهنا.

___________________________________

(1) سورة 48 الفتح آية 10.

[93]

وفي الاعراف " أئنكم لتأتون الرجال "(1) و " أان لنا لاجرا "(2) و (أاما) حيث وقع. و " أانك لانت يوسف "(3) و " أاذا مامت "(4) وفي العنكبوت " أانكم لتأتون الفاحشة "(5) و " أانا لمغرمون "(6) في الواقعة. والاستفهامين في الرعد. وبني اسرائيل. والمؤمن. والنحل. وسجدة لقمان. والصافات. والواقعة. والنازعات.

وسنذكر الخلاف فيها في مواضعها.

الباقون بتحقيق: الاولى وتليين الثانية. وفصل بينهما بألف أهل المدينة. الا ورشا، وابوعمرو، والحلواني عن هشام، وافقهم الداجوني عن هشام على الفصل في قوله " أإنا لتاركوا آلهتنا ". و " أاذا متنا " في (ق).

وأما قوله " أئنكم ". هاهنا فقرأه ابن عامر وأهل الكوفة الا الكسائي عن أبي بكر وروح بتحقيق الهمزتين إلا أن الحلواني عن هشام يفصل بينهما بألف الباقون بتحقيق الاولى وتليين الثانية. وفصل بينهما بألف أهل المدينة الا ورشا وأبوعمرو والكسائي عن أبي بكر.

وقد روي عن الكسائي عن أبي بكر أنه لايفصل.

أمر الله تعالى صلى الله عليه وآله أن يقول لهؤلاء الكفار " أي شئ أكبر شهادة " لانهم كانوا مقرين بأنه لاشئ أكبرشهادة من الله، واذا أقروا بأنه الله حينئذ أمره أن يقول لهم هو الشهيد بيني وبينكم على مابلغتكم ونصحتكم وقررت عندكم من أن إلهكم إله واحد، وعلى براء‌تي من شرككم. والوقوف على قوله " قل الله " وقف تام. وفي الاية دلالة على من قال: لايوصف تعالى بأنه شئ. لانه لوكان كماقال لما كان للاية معنى كما أنه لايجوز أن يقول القائل: أي الناس أصدق؟ فيجاب ب‍ (جبرائيل) لمالم يكن من جملة الناس بل كان من الملائكة.

___________________________________

(1) سورة 7 الاعراف آية 80.

(2) سورة 7 الاعراف آية 112.

(3) سورة 12 يوسف آية 90.

(4) سورة 19 مريم آية 66.

(5) سورة 29 العنكبوت آية 28.

(6) سورة 56 الواقعة آية 66

[94]

فان قيل قوله " أي شئ أكبر شهادة " تمام، وقوله " قل الله " ابتداء، وليس بجواب، ولو كان جوابا كان ما بعده من قوله " شهيد بيني وبينكم " لاابتداء له ولامعنى له؟ ! قيل: لسنا ننكر ذلك - الا أن هذا وان كان هكذا لولا أنه متقررا عند السائل والمسؤل - ان الله شهيد - ماكان للكلام معنى، ولكان قوله: " قل أي شئ أكبر شهادة " لغوا وحشوا، وذلك منزه عن كلامه تعالى.

وقوله: " لانذركم به ومن بلغ " وقف تام. أي من بلغه القرآن الذي أنذرتكم به، فقد انذرته كما انذرتكم، وهوقول الحسن رواه عن النبي صلى الله عليه وآله: انه قال: (من بلغه أني أدعو إلى لاإله إلا الله، فقد بلغه). يعني بلغته الحجة، وقامت عليه.

وقال مجاهد: لانذركم به " يعني اهل مكة.

" ومن بلغ " من أسلم من العجم وغيرهم.

وقوله " آلهة أخرى " ولم يقل اخر، لان الالهة جمع والجمع يقع على التأنيث، كما قال: " ولله الاسماء الحسنى "(1) و " قال فمابال القرون الاولى "(2) ولم يقل الاول.

والشاهد: هوالمبين لدعوى المدعي.

قال الحسن: قال المشركون لرسول الله صلى الله عليه وآله: من يشهد لك؟ فنزلت هذه الاية.

وهي قوله: " وأوحى إلى هذا القرآن لانذركم به " أي اني أخوفكم به، لان الانذار هوالاعلام على وجه التخويف.

" ومن بلغ " يعني القرآن و (من) في موضع نصب بالانذار.

ثم قال موبخا " أئنكم لتشهدون ان مع الله آلهة اخرى " ثم قال لنبيه: قل أنت يامحمد: لاأشهد بمثل ذلك بل اشهد انه إله واحد " واني برئ مما تشركون " بعبادته مع الله واتخاذه إلها.

___________________________________

(1) سورة 7 الاعراف آية 179.

(2) سورة 20 طه آية 51

الآية: 20 - 39

[95]

قوله تعالى: ألذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناء‌هم الذين خسروا أنفسهم فهم لايؤمنون(20)

آية بلاخلاف.

" الذين آتيناهم الكتاب " رفع بالابتداء.

وقوله " يعرفونه " خبر.

وقوله " الذين خسروا أنفسهم " أيضا رفع، ويحتمل رفعه وجهين: أحدهما - ان يكون نعتا ل‍ (الذين) الاولى - ويحتمل ان يكون رفعا على الابتداء وخبره " فهم لايؤمنون. فان حملته على النعت كان المعني به أهل الكتاب وان حملته على الابتداء يتناول جميع الكفار.

وقال بعض المفسرين: مامن كافر الاوله منزلة في الجنة وأزواج فان أسلم وسعد صار إلى منزله وأزواجه، وان كفر صار منزله وأزواجه إلى من أسلم، فذلك قوله " الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون "(1)

وقوله: " الذين خسروا أنفسهم واهليهم يوم القيامة " وهذه الاية لابد أن تكون مخصوصة بجماعة من أهل الكتاب، وهم الذين عرفوا التوراة والانجيل فعرفوا صحة نبوة محمد صلى الله عليه وآله بماكانوا عرفوه من صفاته المذكورة، ودلائله الموجودة في هذين الكتابين كما عرفوا ابناء‌هم في أنها صحيحة لامرية فيها ولم يرد أنهم عرفوا بنبوته اضطرارا، كما عرفوا أبناء‌هم ضرورة على أن احدا لايعرف أن من ولد على فراشه ابنه على الحقيقة، لانه يجوز ان يكون من غيره، وان حكم بأنه ولده لكونه مولودا على فراشه، فصار معرفتهم بالنبي صلى الله عليه وآله آكد من معرفتهم بابنائهم لهذا المعنى. ولم يكن جميع أهل الكتاب كذلك، فلذلك خصصنا الاية.

فان قيل: كيف يصح - على مذهبكم في الموافاة - ان يكونوا عارفين بالله، وبنبيه ثم يموتون على الكفر؟ ! قلنا عنه جوابان: احدهما - ان لايكونوا عارفين بذلك بل يكونوا معتقدين أعتقاد تقليد،

___________________________________

(1) سورة 23 المؤمنون آية 11.

[96]

ويعتقدون مع ذلك انهم عالمون به، فقال الله تعالى " يعرفونه كما يعرفون ابناء‌هم " في اعتقادهم، لاانهم يعرفونه على الحقيقة كما قال " ذق إنك أنت العزيز الكريم "(1) يعني عند نفسك، وقومك.

الثاني - ان يكونوا عرفوا ذلك على وجه لايستحق به الثواب، لانهم يكونون نظروا في الادلة لا لوجه وجوب ذلك عليهم، فولد ذلك المعرفة لكن لايستحق بها الثواب. وقد بينا مثل ذلك في عدة مواضع فيما مضى(2) فسقط السؤال.

وقوله " الذين خسروا أنفسهم " يعني بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وآله على وجه المعاندة " فهم لايؤمنون " وخسرانهم أنفسهم اهلاكهم لها بهذا الكفر، وتصييرهم لها إلى ان لاينتفعون بها. ومن جعل نفسه بحيث لاينتفع بها فقد خسر نفسه.

قوله تعالى: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لايفلح الظالمون(21)

آية.

أخبر الله تعالى ان من أفترى على الله الكذب فوصفه بخلاف صفاته، واخبر عنه بخلاف مااخبر به عن نفسه، وعن أفعاله أنه لاأحد أظلم لنفسه منه اذ كان بهذا الفعل قد أهلك نفسه وأوقعها في العذاب الدائم في النار. ثم أخبر أن الظالم لايفلح أي لايفور برحمة الله وثوابه ورضوانه، ولابالنجاة من النار، لان الظلم - هاهنا هو الكفر بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وذلك لايغفر بلاخلاف.

___________________________________

(1) سورة 44 الدخان آية 49.

(2) في 1 / 192 و 2 / 21 و 498

[97]

قوله تعالى: ويوم نحشرهم جميعا ث‍م نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون(22)

آية.

قرأ يعقوب " ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول " بالياء فيهما. الباقون بالنون فيهما من قرأ بالياء رده إلى الله تعالى في قوله " على الله كذبا " وتقديره: يوم يحشرهم الله فيقول.

ومن قرأ بالنون ابتدأ، وتقدير الاية إذكر يوم نحشرهم جميعا، يعني يوم القيامة، لانهم يحشرون فيه جميعا من قبورهم إلى موضع الحساب، وأنه يقول - للذين اشركوا بالله، وعبدوا معه الها غيره - في هذا اليوم: أين الذين كنتم تزعمون أنهم شركائي؟ ! وأين شركائي في زعمكم؟ ! وإنما يقول هذا توبيخا لهم وتبكيتا على ماكانوا يدعون أنهم يعبدونه من الاصنام والاوثان، ويعتقدون أنها شركاء لله، وأنها تشفع لهم، يوم القيامة، فاذا لم يجدوا لما كانوا يدعونه صحة، ولم ينتفعوا بهذه الاوثان ولا بعبادتهم، فيعلمون أنهم كانوا كاذبين في أقوالهم.

قوله تعالى: ثم لم يكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ماكنا مشركين(23) أنظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ماكانوا يفترون(24)

آيتان بلاخلاف.

قرأ حمزة والكسائي والعليمي، ويقعوب " ثم لم يكن " بالياء. الباقون بالتاء.

وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وحفص الا ابن شاهين " فتنتهم " بالرفع. الباقون بالنصب.

وقرأ حمزة والكسائي وخلف " والله ربنا " بنصب الباء. الباقون بكسرها.

من قرأ بالتاء ورفع الفتنة أثبت علامة التأنيث. وتكون (أن) في موضع نصب. وتقديره ثم لم تكن فتنتهم الا قولهم.

وقد روى شبل عن ابن كثير " تكن " بالتاء " فتنتهم " نصبا مثل قراء‌ة نافع وأبي عمروعن عاصم. ووجهه

[98]

انه أنث " ان قالوا " لماكان الفتنة في المعنى، كما قال " فله عشر أمثالها "(1) فأنث لماكانت الامثال في المعنى الحسنات. ومثله كثير في الشعر، قال ابوعلي والاول أجود من حيث كان الكلام محمولا على اللفظ.

ويقوي قراء‌ة من قرأ: (فتنتهم) بالنصب أن قوله (ان قالوا) أن يكون الاسم دون الخبر أولى لان (أن) اذا وصلت لم توصف، فأشبهت بامتناع وصفها المضمر، فكما أن المضمر اذا كان مع المظهر كان (أن يكون) الا سم أحسن، كذلك اذا كانت (أن) مع اسم غيرها كانت (أن يكون) الاسم أولى.

ومن قرأ (والله ربنا) - بكسر الباء - فعلى جعل الاسم المضاف وصفا للمفرد، لان قوله (والله) جربوا ولاقسم. ولو أسقطت لقال: (الله) بالنصب ومثله قولهم: رأيت زيدا صاحبنا وبكرا جارك، ويكون قوله " ماكنا مشركين " جواب القسم.

ومن نصب الباء يحتمل أمرين: احدهما - أن ينصبه بفعل مقدر، وتقديره: اعني ربنا. والثاني - على النداء. ويكون قد فصل بالاسم المنادى بين القسم والمقسم عليه بالنداء، وذلك غير ممتنع، لان النداء كثير في الكلام. وقد حال الفصل بين الفعل ومفعوله في قوله: " انك آتيت فرعون وملاه زينة وأمولا في الاحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك "(2). والمعنى آتيتهم أموالا ليضلوا ولايؤمنوا وقد جاء الفصل بين الصلة والموصول، وهو اشدها قال الشاعر:

ذاك الذي وأبيك يعرف مالك *** والحق يدفع ترهات الباطل(3)

وقال ابوعبيدة: من قرأ بالتاء المعجمة من فوقها ونصب " فتنتهم " أضمر في (يكن) إسما مؤنثا ثم يجيئ بالتاء لذلك الاسم، وانما جعله مؤنثا لتأنيث (فتنة) قال لبيد:

___________________________________

(1) سورة 6 الانعام آية 160.

(2) سورة 10 يونس آية 88.

(3) اللسان (تره).

[99]

فمضى وقدمها وكانت عادة *** منه اذا هي عودت أقدامها(2)

فأنث الاقدام لتأنيث (عادة).

وقوله: " ثم لم تكن فتنتهم " أي لم تكن بليتهم التي ألزمتهم الحجة وزادتهم لائمة الا قولهم.

ومعنى الاية: أنه تعالى لماذكر قصص هؤلاء المشركين الذين كانوا مفتنين بشركهم، أعلم النبي صلى الله عليه وآله أن افتتانهم بشركهم، وإقامتهم عليه لم يكن الا أن تبرء‌وا منه، وقالوا انهم ماكانوا مشركين، كما يقول القائل اذا رأى إنسان انسانا يحب غاويا فاذا وقع في هلكة تبرأ منه فيقول له ماكانت محبتك لفلان الا أن انتفيت منه.

فان قيل: كيف قالوا وحلفوا أنهم ماكانوا مشركين - وقد كانوا مشركين - وهل هذا إلا كذب، والكذب قبيح ولايجوز من أهل الاخرة أن يفعلوا قبيحا، لانهم ملجؤن إلى ترك القبيح، لانهم او صح لم يكونوا ملجئين وكانوا مختارين، وجب أن يكونوا مزجورين عن فعل القبيح، وإلا أدى إلى اغرائهم بالقبيح وذلك لايجوز، ولو زجروا بالوعيد عن القبائح لكانوا مكلفين ولوجب أن يتناولهم الوعد والوعيد، وذلك خلاف الاجماع، وقد وصفهم الله تعالى أيضا بأنهم كذبوا على انفسهم، فلايمكن جحد أن يكونوا كاذبين، فكيف يمكن أن يرفع ذلك؟ وماالوجه فيه؟ والجواب عن ذلك من وجوه: احدها - ماقاله البلخي: إن القوم كذبوا على الحقيقة، لانهم كانوا يعتقدون أنهم على الحق، ولايرون أنهم مشركون، كالنصارى ومن أشبههم، فقالوا في الموقف ذلك.

وقيل: ان يقع بهم العذاب فيعلموا بوقوعه أنهم كانوا على باطل فيقولوا " والله ربنا ماكنا مشركين " وهم صادقون عند أنفسهم وكذبهم الله في ذلك، لان الكذب هوالاخبار بالشئ لاعلى ماهو به، علم المخبر بذلك أو لم يعلم، فلما كان قولهم " والله ربنا ماكنا مشركين " كذبا في

___________________________________

(2) اللسان (قدم) وروايته (عردت) بدل (عودت).

[100]

الحقيقة جاز أن يقال لهم " أنظر كيف كذبوا على أنفسهم.

قال البلخي: ويدل على ذلك قوله " وضل عنهم ماكانوا يفترون " أي ذهب عنهم وأغفلوه، لانهم لم يكونوا نظروا نظرا صحيحا ولم يجاروا في نظرهم الالف والعادة، فيعلموا في هذا الوقت أن قولهم شرك، ولو صاروا إلى العذاب لعلموا أنهم كانوا مشركين، واستغنوا بذلك، لكن هذا القول يكون عند الحشر.

وقيل: الجزاء بدلالة أول الاية.

وقال مجاهد: قوله " أنظر كيف كذبوا على أنفسهم " تكذيب من الله إياهم.

وقال الجبائي: قولهم " والله ربنا ماكنا مشركين " اخبار منهم أنهم لم يكونوا مشركين عند أنفسهم في دار الدنيا، لانهم كانوا يظنون انهم على الحق، فقال الله تعالى مكذبا لهم " أنظر " يامحمد " كيف كذبوا على أنفسهم " في دار الدنيا، لا أنهم كذبوا في الاخرة، لانهم كانوا مشركين على الحقيقة، وان اعتقدوا أنهم على الحق.

وقوله: " وضل عنهم ماكانوا يفترون " أي ضلت عنهم أوثانهم التي كانوا يعبدونها ويفترون الكذب بقولهم: إنها شفعاؤنا عند الله غدا، فذهبت عنهم في الاخرة فلم يجدوها، ولم ينتفعوا بها.

وقال قوم: انه يجوز أن يكذبوا يوم القيامة للذهول والدهش، لانهم يصيرون كالصبيان الذين لاتمييز لهم ولاتحصيل معهم - اختاره أحمد ابن علي بن الاخشاد. وأجاز النجار أن يكفروا في النار فضلا عن وقوعه قبل دخولهم فيها، وهذا بعيد. والوجهان الاولان أقرب.

وقيل فيه وجه آخر، وهو أنهم أملوا أملا فخاب أملهم ولم يقع الامر على ماأرادوا، لان من عادة الناس أنهم اذا عوقبوا بعقوبة فتكلموا واستعانوا وصاحوا فان العذاب يسهل عليهم بعض السهولة، وظنوا أن عذاب الاخرة كذلك، فقالوا: " والله ربنا ماكنا مشركين " وقالوا " ربنا ظلمنا أنفسنا "(1)

___________________________________

(1) سورة 7 الاعراف آية 22.

(2) سورة 23 المؤمنون آية 107

[101]

الجن والانس نجعلهما تحت أقدامنا "(3) فأملوا أن يخف عنهم العذاب بمثل هذا الكلام على عادة الدنيا، فلم يخف ولم يكن لهم فيه راحة، فقال الله " انظر كيف كذبوا على أنفسهم " أي خابوا فيما أملوا من سهولة العذاب وذلك مشهور في كلام العرب، قال الشاعر:

كذبتم وبيت الله لاتأخذونها *** مراغمة مادام للسيف قائم(4)

وقال آخر:

كذبتم وبيت الله لاتنكحونها *** بني شاب قرناها تصرو تحلب(5)

أي كذبكم أملكم.

وقال ابوداود الازدي:

قلت لما نصلا من فتنة *** كذب العير وان كان برح(6)

والمعنى أمل أنه يتخلص بشئ فكذبه أمله، لانه ظن أنه اذا مر بارحا وهو أن يأخذ في ناحية الشمال إلى ناحية اليمين لم يتهيأ لي طعنه، فلما قلب رمحه وطعنه قال: كذب العير أي كذب أمله.

و (الفتنة) في الاية معناها المعذرة - في قول قتادة - لانها اعتذار عن الفتنة، فسميت بأسم الفتنة. وقال قوم: هي المحنة. وقال قوم: تقديره عاقبة فتنتهم.

وفتنتهم يجوز أن تكون بمعنى اغترارهم أي اغتروا بهذا الكذب وظنوا أنه سينجيهم، وكذبوا على أنفسهم لما رجعت مضرته اليهم صار عليهم وان قصدوا أن يكون نهم. وفي الاية دلالة على بطلان قول من قال المعارف ضرورية، لان الله تعالى أخبر عنهم أنهم قالوا " والله ربنا ماكنا مشركين " فلايخلو أن يكونوا صادقين أوكاذبين، فان كانوا صادقين لانهم كا نوا عارفين في دار الدنيا فقد كذبهم الله في ذلك بقوله " أنظر كيف كذبوا " وان كانوا كاذبين لانهم كانوا عارفين، فقد وقع منهم القبيح في الاخرة، وذلك لايجوز. ومعنى الاية على مابيناه

___________________________________

(3) سورة 41 حم السجدة آية 29.

(4) مجمع البيان 2: 290.

(5) قائله الاسدى. اللسان (قرن).

(6) اللسان (كذب).

[102]

من أنهم أخبروا أنهم لم يكونوا مشركين عند أنفسهم في دار الدنيا وان الله كذبهم وأنهم كانوا كاذبين على الحقيقة وان أعتقدوا خلافه في الدنيا. فأما معارفهم في الاخرة فضرورية عند البصريين، وعند البلخي ومن وافقه، حاصلة على وجه هم ملجؤن اليها، فعلى الوجهين معالايجوز أن يقع منهم القبيح لامحالة.

قوله تعالى: ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لايؤمنوا بها حتى إذا جاؤك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الاولين(25)

آية بلاخلاف.

قال مجاهد قوله " ومنهم من يستمع اليك " يعني قريشا.

وقال البلخي: أي من أهل الكتاب والمشركين من يجالسك ويريد الاستماع منك والاصغاء اليك " وجعلنا على قلوبهم أكنة " لانهم لايفقهوه، لالفهم الكفر وشدة عداوتهم " حتى اذا جاؤك يجادلونك " أي حتى اذا صار الامر إلى الجدال ظهروا الكذب وعاندوا، فقالوا " ان هذا الا أساطير الاولين " أي ليس هذا إلا أساطير الاولين.

وقال قوم: نزلت في النظر بن الحارث بن كلدة.

وقال الضحاك: معنى أساطير الاولين أحاديث الاولين وكل شئ في القرآن أساطير، فهو أحاديث. و (الاكنة) جمع كنان) - بكسر الكاف - وهو كالغطاء والاغطية " وفي آذانهم وقرأ " أي ثقلا، والوقر بكسر الواو الحمل، يقال وقرت الاذن لوقر قال الشاعر:

وكلام سيئ قد وقرت *** أذني منه ومابي من صمم

ونخلة موقرة وموقر، ونخيل مواقير.

قال يونس سألت رؤبة، فقال

[103]

وقرت أدنه - بضم الواو وكسر القاف - يوقر - بفتح الياء والقاف - اذا كان فيها الوقر.

وقال أبوزيد: سمعت العرب تقول: أذن موقرة - بضم الميم وفتح القاف - ومن الحمل يقال: أوقرت الدابة فهي موقرة. ومن السمع وقرت سمعه - بتشديد القاف - فهو موقر، قال الشاعر: ولي هامة قد وقر الضرب سمعها(1) واساطير واحدها أسطورة، وإسطارة، مأخوذ من سطر الكتاب، قال الراجز:

اني وأسطار سطرن سطرا *** لقائل يانصر نصرا نصرا(2)

وأسطار جمع سطر.

ومن قال في واحده: سطر، قال في الجمع أسطر، وجمع الجمع أساطير، ومعناها الترهات البسابس يعني ليس له نظام.

وقال الاخفش: أساطير جمع لاواحد له، نحو (مذاكير وأبابيل) وقال بعضهم: واحد الابابيل إبيل - بتشديد الباء وكسر الالف -.

ومعنى قوله: " وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه " قد مضى نظائره.

في قوله: " وجعلنا قلوبهم قاسية "(3) أي منعناهم الالطاف التي تبسط المؤمنين وتبعثهم على الازدياد من الطاعة، لان الله تعالى لما أزاح علتهم علله بالدعاء والبيان والانذار والترغيب والترهيب فأبوا الا كفرا وعنادا وتمردا على الله وإعراضا عنه وعما دعاهم اليه، فمنعهم الطافه عقوبة لهم حيث علم أنهم لاينتفعون بذلك ولاينتهون إلى الحق، وألفوا الكفر وأحبوه حتى صاروا كالصم عن الحق وصارت قلوبهم كأنها في أكنة فجاز أن يقال في اللغة جعل على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقرا، كما يقول القائل لغيره أفسدت سيفك اذا ترك استعماله حتى يصدي، وجعلت أظافيرك سلاحا اذا لم يقلمها.

ويقال للرجل اذا آيس من عبده أو ولده بعد الاجتهاد في تأديبه فخلاه واقصاه قد جعلته بحيث لايفلح

___________________________________

(1) تفسير الطبري 11: 306.

(2) قائله رؤبة ملحقات ديوانه 174 واللسان والصحاح (نصر).

(3) سورة 5 المائدة آية 14.

[104]

أبدا وتركته أعمى أصما، وجعلته ثورا وحمارا، وان كان لم يفعل به شيئا من ذلك ولم يرده بل هو مهموم به محب لخلافه، ولايجوز أن يكون المراد بذلك أنه كلفهم ما لا يطيقونه، وذلك لايليق بحكمته تعالى، ولكانوا غير ملومين في ترك الايمان حيث لم يمكنوا منه، وكانوا ممنوعين منه، وكانت الحجة لهم على الله تعالى دون أن تكون الحجة له، وذلك باطل، بل لله الحجة البالغة.

قوله " وان يروا كل آية لايؤمنون بها " أي كل علامة ومعجزة تدلهم على نبوة النبي صلى الله عليه وآله لايؤمنون بها لعنادهم.

قال الزجاج (أن يفقهوه) في موضع نصب لانه مفعول له، والمعنى جعلنا على قلوبهم أكنة لكراهة أن يفقهوه فلما حذفت اللام نصب الكراهة، ولما حذفت الكراهة أنتقل نصبها إلى (أن).

قال أبوعلي: كانوا اذا سمعوا القرآن من النبي آذوه ورجموه وشغلوه عن صلاته، فحال الله بينهم وبين استماع ذلك في تلك الحال التي كانوا عازمين فيها على ماذكرناه بأن ألقى عليهم النوم اذا قعدوا يرصدونه فكانوا ينامون فلا يسمعون قراء‌ته ولايفقهون أنه قرآن، ولايعرفون مكانه ليسلم النبي صلى الله عليه وآله من شرهم وأذاهم فجعل منعه إياهم عن استماع القرآن، وعن التعرف لمكان النبي صلى الله عليه وآله لئلا يرجموه ولايؤذوه " أكنة أن يفقهوه " أنه قرآن وأن محمدا هوالذي يقرأه.

وبين أن كل آية يرددها عليهم النبي صلى الله عليه وآله من قبل الله لايؤمنون بها، فلهذا منعهم الله من إستماع القرآن، لانهم لم يكونوا يسمعونه ليستدلوا به على توحيد الله وصحة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وانما كانوا يريدون بذلك تعرف مكانه ليؤذوه ويرجموه، فلهذا منعهم الله من استماع القرآن وفهمه ولوكانوا ممن يؤمن ويقبل مايردد عليه من الايات من قبل الله ويستدلوا بها على نبوة محمد صلى الله عليه وآله ماكان الله يمنعهم من سماع ذلك وفهمه.

وقوله " حتى اذا جاؤك يجادلونك " يعني أنهم اذا دخلوا اليه بالنهار انما يجيئون مجيئ مخاصمين مجادلين رادين مكذبين، ولم يكونوا يجيئون مجيئ من يريد الرشاد والنظر في الدلالة الدالة على توحيد الله ونبوة نبيه صلى الله عليه وآله

[105]

وكانوا يريدون ذلك بأن يقولوا هذا أساطير الاولين، يعنون إنه من كلام الاولين وحوادثهم.

وفي معنى هذه الاية قوله تعالى في بني اسرائيل: " واذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لايؤمنون بالاخرة حجابا مستورا. وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا "(1) فمعنى الايتين واحد وسبب نزولهما واحد، وانما أنزلت هذه الايات لئلا يمتنع النبي من قراء‌ة القرآن خوفا من أذى الكفار فيفوت المؤمنين سماعه فيغتمون لذلك وتفوتهم مصلحته بل حثه الله على قراء‌ته وضمن له المنع من أذاهم.

وقوله: " وان يروا كل آية لايؤمنوا بها " كالتعليل لجعله قلوبهم في أكنة، والوقر في آذانهم، فقال: إنما فعلت هذا لعلمي بأنهم لايؤمنون وأنه ليس في سماعهم ذلك الا تطرق الاذى به عليك منهم، وقولهم " ان هذا الا أساطير الاولين ". وتحتمل الاية وجها آخر وهو: أنه يعاقب الكفار الذين لايؤمنون بعقوبات يجعلها في قلوبهم من نحو الضيق الذي ذكر أنه يخلقه فيها، ويجعل هذه العقوبات دلالة لمن شاهد قلوبهم واستماعهم من الملائكة، وشاهد منها هذه العقوبات، على أنهم لايؤمنون من غير أن يكون ذلك حائلا بينهم وبين الايمان. ثم أخبر أنها بمنزلة الاكنة على قلوبهم عن فقه القرآن وبمنزلة الوقر في الاذان على وجه التمثيل له بذلك تجوزا واستعارة.

ووجه الشبه بينهما أن من كانت في نفسه هذه العقوبات معلوم أنه لايؤمن كما أن من على قلبه أكنة لايؤمن، وكما سمي الكفر عما، سماه باسم العمى على وجه التشبيه.

ويحتمل أيضا أن يكون الكفر الذي في قلوبهم من جحد توحيد الله وجحد نبوة نبيه، سماه كنا تشبيها ومجازا، وإعراضهم عن تفهم القرآن والاصغاء اليه على وجه الاستعارة وقرأ توسعا، لان مع الكفر والاعراض لايحصل الايمان والفهم كما أن مع الكن - والوقر لايحصلان، ونسب هذا

___________________________________

(1) سورة 17 الاسراء آية 45 - 46

[106]

الجعل إلى نفسه، لانه الذي شبه أحدهما بالاخر وذلك سائغ في اللغة كما يقول القائل لغيره - اذا أثنى على إنسان وذكر فضائله ومناقبه - جعلته فاضلا خيرا عدلا، وان كان لم يفعل به ذلك. وبالعكس من ذلك اذا ذكر مقابحه ومخازيه وفسقه يحسن أن يقال له: جعلته فاسقا شريرا، وان لم يفعل في الحالين شيئا من ذلك وكل ذلك مجاز.

ومنه قولهم: جعل القاضى فلانا عدلا وجعله ثقة وجعله ساقطا فاسقا، كل ذلك يراد به الحكم عليه بذلك والابانة عن حاله كما قال الشاعر.

جعلتني باخلا كلاب ورب معنى *** اني لاسمح كفا منك في اللزب(1)

أي سمتني باخلا.

وقوله " ومنهم من يستمع اليك.. " فكنى عنها بلفظ الواحد حملا له على اللفظ، فلما قال " وجعلنا على قلوبهم أكنة " رده إلى المعنى فعامله معاملة الجمع، لان لفظة (من) تقع على الواحد وعلى الجمع حقيقة.

قوله تعالى: وهم ينهون عنه وينؤن عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون(26)

آية بلاخلاف.

وقوله " وهم " كناية عن الكفار الذين تقدم ذكرهم عند أكثر المفسرين: الجبائي والبلخي وغيرهم.

وقال قوم: نزلت في أبي لهب، لانه كان يتبعه في المواسم فينهى الناس عن أذاه وينأى عن اتباعه. والاول أشبه بسياق الاية.

وقيل: نزلت في أبي طالب، وهذا باطل عندنا، لانه دل الدليل على إيمانه بما ثبت عنه من شعره المعروف وأقاويله المشهورة الدالة على أعترافه بالنبي صلى الله عليه وآله.

وقال مجاهد: نزلت في قريش.

___________________________________

(1) مجمع البيان 2: 286. و (كلاب) اسم قبيلة.

[107]

بين الله تعالى أن هؤلاء الكفار الذين ذكرهم كانوا ينهون عن اتباع القرآن، وقبوله والتصديق بنبوة نبيه، ويبعدون عنه، لان معنى (ينأون) يبعدون إلى حيث لايسمعونه خوفا من أن يسبق إلى قلوبهم الايمان به والعلم بصحته.

وقوله " وان يهلكون الا أنفسهم " معناه ليس يهلكون إلا أنفسهم " ومايشعرون " انهم مايهلكون بنهيهم عن قبوله، وبعدهم عنه " الا أنفسهم " لانهم لايعلمون اهلاكهم اياها بذلك وإهلاكهم اياهاهو مايستحقون به الصيرورة إلى العذاب الابدي في النار. وهل هناك هلاك أعظم من ذلك؟ !.

والنأي: البعد " ينأون " أي يتباعدون عنه، تقول نأيت عن الشئ أنأى نأيا، اذا بعدت عنه.

والنؤي حاجز يجعل حول البيت من الخوف لان لايدخله الماء من خارج يحفر حفرة حول البيت فيجعل ترابها على شفير الحفيرة، فيمنع التراب الماء أن يدخل من خارج، وهو مأخوذ من النأي، أي تباعد الماء عن البيت.

وفي الاية دلالة على بطلان قول من قال معرفة الله ضرورة، وأن من لايعرف الله ولا يعرف نبيه لاحجة عليه، لان الله بين أن هؤلاء الكفار قد أهلكوا أنفسهم بنهيهم عن قبول القرآن وتباعدهم عنه وانهم لايشعرون ولايعلمون باهلاكهم أنفسهم بذلك، فلو كان من لايعرف الله ولانبيه ولادينه لاحجة عليه، لكانوا هؤلاء معذورين ولم يكونوا هالكين وذلك خلاف مانطق به القرآن.

قوله تعالى: ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا ياليتنا نرد ولانكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين(27)

آية بلاخلاف.

قرأ حمزة ويعقوب وحفص " ولانكذب.. وتكون " بالنصب فيهما،

[108]

وافقهم ابن عامر في " ونكون " الباقون بالرفع فيهما، فمن قرأ بالرفع أحتملت قراء‌ته أمرين: أحدهما - ان يكون معطوفا على نرد، فيكون قوله: " نرد ولانكذب .. ونكون " داخلا في التمني ويكون قد تمني الرد وألا يكذب وأن يكون من المؤمنين، وهو اختيار البلخي والجبائي والزجاج. والثاني - أن يكون مقطوعا عن الاول، ويكون تقديره ياليتنا نرد ولانكذب كما يقول القائل: دعني ولاأعود، أي فاني ممن لايعود، فانما يسألك الترك، وقد أوجب على نفسه ألا يعود ترك أو لم يترك. ولم يقصد أن يسأل أن يجمع له الترك وأن لايعود.

وهذا الوجه الذي اختاره أبوعمرو في قراء‌ة جميع ذلك بالرفع، فالاول الذي هو الرد داخل في التمني ومابعده على نحو دعني، ولاأعود، فيكونون قد أخبروا على النيات أن لايكذبوا ويكونوا من المؤمنين.

واستدل أبوعمرو على خروجه من المتمني بقوله " وإنهم لكاذبون " فقال ذلك يدل على أنهم أخبروا بذلك عن أنفسهم، ولم يتمنوا، لان التمنى لايقع فيه الكذب وانما يقع في الخبر دون التمني.

ومن نصب " نكذب.. ونكون " أدخلهما في التمني، لان التمني غير موجب، فهو كالاستفهام والامر والنهي والعرض، في إنتصاب مابعد ذلك كله من الافعال اذا دخلت عليها الفاء أو الواو على تقدير ذكر المصدر من الفعل الاول، كأنه قال: ياليتنا يكون لنا رد، وانتفاء للتكذيب وكون من المؤمنين.

ومن نصب " ونكون " فحسب، ورفع " نرد ولانكذب " يحتمل أيضا وجهين: احدهما - أن يكون داخلا في التمني، فيكون في المعنى كالنصب. والثاني - انه يخبر على النيات أن لايكذب رد أولم يرد.

[109]

ومن نصب " ولانكذب.. ونكون " جعلهما جميعا داخلين في التمني كما أن من رفع وعطفه على التمني كان كذلك.

فان قيل: كيف يجوز أن يتمنوا الرد إلى الدنيا وقد علموا عند ذلك انهم لايردون؟ قيل عن ذلك أجوبة: احدها - قال البلخي: إنا لانعلم أن أهل الاخرة يعرفون جميع أحكام الاخرة، وانمانقول: انهم يعرفون الله بصفاته معرفة لايتخالجهم فيها الشك لما يشاهدونه من الايات والعلامات الملجئة لهم إلى المعارف.

وأما التوجع والتأوه التمني للخلاص والدعاء بالفرج يجوز أن يقع منهم وأن تدعوهم أنفسهم اليه.

وقال ابوعلي الجبائي والزجاج: يجوز أن يقع منهم التمني للرد، ولان يكونوا من المؤمنين، ولامانع منه.

وقال آخرون: التمني قد يجوز لما يعلم انه لايكون ألا ترى أن المتمني يتمنى أن لايكون فعل ماقد فعله ومضى وقته، وهذا لاحيلة فيه، فعلى هذا قوله في الاية الثانية " وانهم لكاذبون " يكون حكاية حال منهم في دار الدنيا، كماقال: " وكلبهم باسط ذراعيه "(1) وكما قال " وان ربك ليحكم بينهم يوم القيامة "(2) وانما هو حكاية للحالة الاتية.

وقوله " ولوترى إذ وقفوا على النار " أمال في الموضعين ابوعمرو وغيره وهي حسنة في أمثال ذلك، لان الراء بعده الالف مكسورة وهو حرف كأنه مكرر في اللسان فصارت الكسرة فيه كالكسرتين، فحسن لذلك الامالة.

وقوله " إذ وقفوا " يحتمل ثلاثة أو جه: احدها - أن يكون عاينوها ووردوها قبل ن يدخلوها. ويجوز أن يكونوا أقيموا عليها نفسها.

والثاني - أن يكونوا عليها وهي تحتهم.

وثالثها - أن يكون معناه دخلوها فعرفوا مقدار عذابها كما يقول القائل:

___________________________________

(1) سورة 18 الكهف آية 18.

(2) سورة 16 النحل آية 124

[110]

قدوقفت على ما عند فلان، أي فهمته وتبينته.

قال الكسائي: يقال: وقفت الدابة وغيرها اذا حبستها - بغير ألف وهي لغة القرآن، وهو الافصح، وكذلك وقفت الارض اذا جعلتها صدقة.

وقال ابوعمرو ماسمعت احدا من العرب يقول: أوقفت الشئ بالالف الا أني لو رأيت رجلا بمكان، فقيل له ما أوقفك هاهنا لرأيته حسنا.

وأستدل أبوعلي بهذه الاية على ان القدرة قبل الفعل خلافا للمجبرة بأن قال تمنوا الرد إلى دار الدنيا إلى مثل الحالة التي كانوا عليها، ولايجوز من عاقل أن يتمنى أن يرد إلى الدنيا ويخلق فيه القدرة الموجبة للكفر، لان ذلك لايخلصه من العذاب بل يؤديه إلى حالته التي كان عليها. وهذا ضعيف، لان لقائل أن يقول: إنهم تمنوا الرد ورفع التكذيب وحصول الايمان بأن تحصل لهم قدرة الايمان، ولاتحصل لهم قدرة التكذيب، وليس في الاية أنهم سألوا الرد إلى الحالة التي كانوا عليها، فلا متعلق في ذلك.

واستدل ايضا على أنه اذا كان المعلوم من حال الكافر أنه يؤمن وجب تبقيته بأن قال: أخبر الله أنه انما لم يردهم لانهم " لوردوا لعادوا لما نهو عنه " وظاهر ذلك يقتضى أنه لوعلم أنه لو ردهم لامنوا، لوجب أن يردهم، واذا وجب أن يردهم اذا علم أنهم يؤمنون بأن يجب تبقيتهم اذا علم أنهم يؤمنون أولى. وهذا أيضا ضعيف. لان الظاهر أفاد أنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وليس فيه أنهم لو ردوا لامنوا أو ماحكمهم بل هو موقوف على الدلالة، لانه دليل الخطاب على أن غاية مافيه أنه يفيد أنه لوعلم من حالهم أنه متى ردهم آمنوا يردهم، فمن أين أن ذلك واجب عليه؟ ! وهل هذا الا كقوله " وماكنا معذبين حتى نبعث رسولا " في أنه لاخلاف بين أهل العدل أنه كان يجوز له أن يعذب وان لم يبعث رسولا بأن لاتقتضي المصلحة بعثته ويقتصر بهم على التكليف العقلي، فانهم متى عصوا كان له أن يعذبهم فلا شبهة في الاية.

[111]

قوله تعالى: بل بدا لهم ماكانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون(28) آية

قوله " بل بدا لهم ماكانوا يخفون من قبل " معناه من عقاب الله فعرفوه معرفة من كانوا يسترونه عنه.

وقال قوم: بدا لبعضهم من بعض ماكان علماؤهم يخفونه عن جهالهم وضعفائهم مما في كتبهم فبدا للضعفاء عنادهم.

وقيل: معناه بل بدا من أعمالهم ماكانوا يخفونه، فأظهره الله وشهدت به جوارحهم.

وقال الزجاج: ظهر للذين اتبعوا الغواة ماكان الغواة يخفونه من أمر البعث والنشور، لان المتصل بهذا قوله " وقالوا إن هي الاحياتنا الدنيا نموت ونحيا ومانحن بمبعوثين " لنجزى على المعاصى.

وقوله: " ولو ردوا لعادوا لما نهواعنه " قال بعضهم: لو ردوا ولم يعاينوا العذاب لعادوا كأنه ذهب إلى أنهم لم يشاهدوا مايضطرهم إلى الارتداع، وهذا ضعيف، لان هذا القول يكون منهم بعد أن يبعثوا ويعلموا أمر القيامة ويعاينوا النار بدلالة قوله: " ولو ترى إذ وقفوا على النار " وهذه الايات كلها في المعاندين، لانه قال في أولها " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناء‌هم " ثم قال بعد ذلك " وان يروا كل آية لايؤمنوا بها "

وقال ابوعلي الجبائي: الاية مخصوصة بالمنافقين وظهر لهم ماكانوا يخفونه من كفرهم الذي كانوا يضمرونه. قال والاية الاولى وان كان ظاهرها يقتضي جميع الكفار والمنافقون داخلون فيهم فيجوز أن يخبر عنهم بهذا الحكم.

قال: ويحتمل أن يكون أراد بها الكافرين الذين كان النبي يخوفهم بالعذاب على كفرهم فلم يؤمنوا بذلك لكن دخلهم الشك والخوف وأخفوه عن ضعفائهم وعوامهم، فاذا كان يوم القيامة ظهر ذلك وان أخفوه في الدنيا فيتمنون حينئذ الرد إلى حال الدنيا.

وقيل: " بل بدالهم ماكانوا يخفون من قبل " معنى " يخفون " يجدونه خافيا.

ومعنى " بل بدا " ليس تمنيهم الرجعة واظهار الانابة حقا للايمان الصحيح، بل لما شاهدوه من العذاب الاليم.

[112]

وقوله " ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه " معناه إنهم لو ردوا إلى حال التكليف والى مثل ماكانوا عليه في الدنيا من المهلة والتمكين من الايمان والتوبة والقدرة على ذلك، لعادوا لمثل ماكانوا عليه من الكفر الذي نهواعنه.

وقوله تعالى " وانهم لكاذبون " قدبينا ان المراد به الحكاية عن حالهم في الدنيا وأنهم كانوا فيها كاذبين في كفرهم وتكذيبهم رسول الله والقرآن.

وقال البلخي هذا الكذب وقع منهم في الحال وان لم يعلموه كذبا، لانهم أخبروا عن عزمهم أنهم لو ردوا لكانوا مؤمنين. وقد علم الله أنهم لو عادوا إلى الدنيا لعادوا إلى كفرهم، وكان إخبارهم بذلك كذبا، وان لم يعلموه كذلك، لان مخبره على خلاف ماأخبروه وهذا الذي ذكروه ضعيف، لانهم اذا أخبروا عن عزمهم على الايمان ان ردوا أو كانوا عازمين عليه لايكونون كاذبين، لان مخبر خبرهم العزم، وهوعلى ماأخبروا فكيف يكذبون فيه، والاول أقوى.

فأما الكذب مع العلم بأنه ليس كذلك، فلاخلاف بين أبي علي وأبي القاسم أنه لايجوز أن يقع منهم في الاخرة، لان أهل الاخرة ملجؤن إلى ترك القبيح، لانهم لولم يكونوا ملجئين لوجب أن يكونوا مزجورين من القبيح بالامر والنهي والثواب والعقاب، وذلك يوجب أن يكون ذاك التكليف، ولاخلاف أنه ليس هناك تكليف. وإن لم يزجروا ولم يلجؤا إلى تركه كانوا مغريين بالقبيح وذلك فاسد. فاذا لايجوز أن يقع منهم القبيح بحال.

وقال بعض المفسرين سئل النبي صلى الله عليه وآله فقيل له: مابال أهل النار عملوا في عمر قصير بعمل أهل النار فخلدوا في النار؟ وأهل الجنة عملوا في عمر قصير بعمل أهل الجنة فخلدوا في الجنة؟ ! فقال: (ان الفريقين كان كل واحدمنهما عازما على أنه لو عاش أبدا عمل بذلك).

[113]

قوله تعالى: وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا ومانحن بمبعوثين(29) ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون(30)

آيتان بلاخلاف.

اخبر الله تعالى في هذه الاية عن الكفار الذين ذكرهم في الاية الاولى، وبين أنهم قالوا لما دعاهم النبي صلى الله عليه وآله إلى الايمان والاقرار بالبعث والنشور وخوفهم من العقاب في خلافه، وحذرهم عذاب الاخرة والحشر والحساب على سبيل الانكار لقوله والتكذيب له " ماهي الا حياتنا الدنيا " وعنوا أنه لاحياة لنا في الاخرة على ماذكرت، وانما هي هذه حياتنا التي حيينا بها في الدنيا وانا لسنا بمبعوثين إلى الاخرة بعد الموت.

ثم خاطب نبيه صلى الله عليه وآله فقال " ولو ترى اذ وقفوا على ربهم " يعني على ماوعدهم ربهم من العذاب الذي يفعله بالكفار في الاخرة والثواب الذي يفعله بالمؤمنين، وعرفوا صحة ماكان اخبرهم به من الحشر والحساب. وقال لهم ربهم عند مشاهدتهم ووقوفهم عليه " أليس هذا بالحق؟ قالوابلى وربنا " مقرين بذلك مذعنين له وان كانوا قبل ذلك في الدنيا ينكرونه، قال حينئذ " فذوقوا العذاب بماكنتم تكفرون " بذلك.

ويحتمل أن يكون معنى " اذ وقفوا على ربهم " أنهم حبسوا ينتظر بهم مايأمر كقول القائل: احبسه على أمره به. وقد ظن قوم من المشبهة أن قوله " اذ وقفوا على ربهم " أنهم يشاهدونه، وهذا فاسد، لان المشاهدة لاتجوز الا على الاجسام أو على ماهو حال في الاجسام، وقد ثبت حدوث ذلك أجمع، فلايجوز أن يكون تعالى بصفة ماهو محدث. وقد بينا أن المراد بذلك: وقوفهم على عذاب ربهم وثوابه، وعلمهم بصدق ما أخبرهم به في دار الدنيا دون أن يكون المراد به رؤيته تعالى ومشاهدته، فبطل ماظنوه، وايضا فلا خلاف أن الكفار لايرون الله، والاية مختصة بالكافرين فكيف يجوز أن يكون

[114]

المراد بها الرؤية ! فلابد للجمع من التأويل الذي بيناه.

ويجوز ان يكون المراد بذلك اذاعرفوا ربهم، لانه سيعرفهم نفسه ضرورة في الاخرة، وتسمى المعرفة بالشئ وقوفا عليه يقول القائل: وقفت على معنى كلامك، والمعنى علمته، واذا كان الكفار لايعرفون الله في الدنيا وينكرونه، عرفهم الله نفسه ضرورة، فذلك يكون وقوفهم عليه، فاذاعرفوه قال لهم " أليس هذا بالحق " يعني ماوعدهم به، فيقولون " بلى " لانهم شاهدوا العقاب والثواب ولم يشكوا فيهما.

قوله تعالى: قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاء‌تهم الساعة بغتة قالوا ياحسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء مايزرون(31)

آية بلاخلاف.

اخبر الله تعالى أنه خسر هؤلاء الكفار " الذين كذبوا بلقاء الله " يعني الذين كذبوا بما وعد الله به من الثواب والعقاب وجعل لقاء‌هم لذلك لقاء له تعالى مجازا، كما يقول المسلمون لمن مات منهم: قد لقي الله وصار اليه. وانما يعنون: لقي ما يستحقه من الله وصار إلى الموضع الذي لايملك الامر فيه سواه، كماقال " ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون "(1) والموت لايشاهد، وانما أراد انكم كنتم تمنون الموت من قبل ان تلقوا أسبابه، فقد رأيتم أسبابه وانتم تنظرون، فجعل لقاء أسبابه لقاء ه.

وقوله " حتى اذا جاء‌تهم الساعة بغتة " كل شئ أتى فجأة، فقد بغت يقال: قد بغته الامر يبغته بغتا وبغتة اذا أتاه فجأة قال الشاعر:

___________________________________

(1) سورة 3 آل عمران آية 143

[115]

ولكنهم ماتوا ولم أخش بغتة *** وافظع شئ حين يفجؤك البغت(2)

وقوله " قالوا ياحسرتنا على مافرطنا فيها " قدعلم أن الحسرة لاتدعى وانما دعاؤها تنبيه للمخاطبين. و (الحسرة) شدة الندم حتى يحسر النادم كما يحسر الذي تقوم به دابته في السفر البعيد.

قال الزجاجا: العرب اذا اجتهدت في المبالغة في الاخبار عن أمر عظيم يقع فيه جعلته نداء، فلفظه لفظ ماينبه، والمنبه به غيره، كقوله " ياحسرة على العباد "(3) وقوله " ياحسرتي على ما فرطت "(4) و " ياويلتا أألد وأنا عجوز "(5) و " ياويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا "(6)، فهذا أبلغ من ان يقول: أنا اتحسر على العباد وابلغ من ان يقول: الحسرة علينا في تفريطنا.

قال سيبويه: اذا قلت ياعجباه فكأنك قلت احضر وتعال ياعجب، فانه من أزمانك. وتأويل " ياحسرتنا " انتبهوا على أنا قد خسرنا.

وقوله " على مافرطنا فيها " يعني قدمنا العجز. وقيل معناه ماضيعنا فيها يعني في الساعة. وانما يحسروا على تفريطهم في الايمان والتأهب لكونها بالاعمال الصالحة.

وقوله " وهم يحملون أوزارهم " يعني ثقل ذنوبهم، وهذا مثل جائزان يكون جعل ماينالهم من العذاب بمنزلة أثقل مايتحمل، لان الثقل قد يستعمل في الوزن وقد يستعمل في الحال تقول في الحال: قد ثقل علي خطاب فلان، ومعناه كرهت خطابه كراهة اشتدت علي. ويحتمل أن يكون المراد بالاوزار العقوبات التي استحقوها بالذنوب والعقوبات قدتسمى اوزارا، فبين أنه لثقلها عليهم يحملونها على ظهورهم. وذلك يدل على عظمها.

و (الوزر) الثقل في اللغة اشتقاقه من الوزر، وهوالجبل الذي يعتصم به. ومنه قيل: وزير،

___________________________________

(2) قائله: يزيد بن ضبة الثقفي. اللسان (بغت) ومجاز القرآن 1: 193.

(3) سورة 36 يس آية 30.

(4) سورة 39 الزمر آية 56.

(5) سورة 11 هود آية 72.

(6) سورة 36 يس آية 52

[116]

كأنه يعتصم الملك به، ومنه قوله " واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي "(3) وقال " وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا "(4).

وقوله " الاساء مايزرون " يعني بئس الشئ شيئا يزرونه أي يحملونه، وقدبينا عمل (بئس، ونعم) فيما مضى. ومثله " ساء مثلا القوم "(5) ومعناه ساء مثلا مثل القوم.

وقال بعضهم: معنى " يحملون أوزارهم على ظهورهم " وصف افتضاحهم في الموقف بما يشاهدونه من حالهم وعجزهم عن عبور الصراط كما يعبره المخفون من المؤمنين.

ومعنى قوله " ألاساء " ماينالهم جزاء لذنوبهم واعمالهم الردية اذ كان ذلك عذابا ونكالا.

وقوله " يزرون " من وزر يزر وزرا اذا أثم. وقيل أيضا، وزر، فهو موزور اذا فعل به ذلك. ومنه الحديث في النساء يتبعن جنازة قتيل لهن (أرجعن موزورات غير مأجورات) والعامة تقول مازورات.

قوله تعالى: وما الحيوة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الاخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون(32)

آية بلاخلاف.

قرأ ابن عامر " ولدار الاخرة " بلام واحدة مع تخفيف الدال. وخفض (الاخرة) على الاضافة. الباقون بلامين وتشديد الدال وضم الاخرة.

وقرأ اهل المدينة وابن عامر وحفص ويعقوب " تعقلون " بالتاء هاهنا وفي (الاعراف ويوسف) وافقهم يحيى والعليمي في (يوسف).

ومن قرأ بلامين وشدد الدال جعل (الاخرة) صفة ل‍ (وللدار)، وأجراها في الاعراب مجراها. واستدل على كونها صفة (للدار) بقوله: " وللاخرة خير لك من الاولى "(6) فاقامتها مقامها يدل على أنها هي وليس غيرها. فيجوز أن يضيف اليها، وقووا ذلك

___________________________________

(3) سورة 20 طه آية 29 - 30.

(4) سورة 25 الفرقان آية 35.

(5) سورة 7 الاعراف آية 176.

(6) سورة 93 الضحى آية 4

[117]

بقوله " وإن الدار الاخرة لهي الحيوان "(2) وقوله " تلك الدار الاخرة "(3) ومن قرأ بلام واحدة وخفف الدال فانه لم يجعل " الاخرة " صفة (للدار) لان الشئ لايضاف إلى نفسه لكنه جعلها صفة للساعة، وكأنه قال: ولدار الساعة الاخرة، وجاز وصف الساعة ب‍ (الاخرة) كما وصف اليوم بالاخر في قوله: " وارجوا اليوم الاخر "(4) وحسن اضافة (الدار) إلى الاخرة ولم يقبح من حيث استقبح اقامة الصفة مقام الموصوف، لان الاخرة صارت كالابطح والابرق، ألا ترى أنه قدجاء " وللاخرة خير لك من الاولى(5) واستعملت استعمال الاسماء ولم تكن مثل الصفات التي لم تستعمل استعمال الاخرة. ومثل (الاخرة) في انها استعملت استعمال الاسماء قولهم: الدنيا، لما استعملت استعمال الاسماء حسن أن لاتلحق لام التعريف في نحو قول الشاعر: في سعي دنيا طال ماقد مدت وقال الفراء: جعلت (الدار) هاهنا اسما و (الاخرة) صفتها، وأضيفت في غير هذا الموضع. ومثله مما يضاف إلى مثله قوله: " حق اليقين "(6) والحق هو اليقين، ومثله قولهم بارحة الاولى، ويوم الخميس، فيضاف الشئ إلى نفسه اذا اختلف اللفظ، واذا اتفق لم يجز ذلك، لايقولون حق الحق ولا يقين اليقين، لانهم يتوهمون اذا اختلفا في اللفظ أنهما مختلفان في المعنى.

بين الله تعالى في هذه الاية أن مايتمتع به في الدنيا بمنزلة اللعب واللهو، اللذين لاعاقبة لهما في المنفعة ويقتضي زوالهما عن أهلها في أدنى مدة وأسرع زمان، لانه لاثبات لهما ولابقاء، فأما الاعمال الصالحات، فهي من أعمال الاخرة وليست بلهو ولالعب. وبين ان الدار الاخرة ومافيها من أنواع النعيم والجنان خير للذين يتقون معاصى الله، لانها باقية دائمة لايزول عنهم نعيمها

___________________________________

(2، 4) سورة 29 العنكبوت آية 64، 36.

(3) سورة 28 القصص آية 83.

(5) سورة 93 الضحى آية 4.

(6) سورة 56 الواقعة آية 5.

[118]

ولايذهب عنهم سرورها.

وقوله " أفلا تعقلون " أن ذلك كما وصفت لهم فيزهدوا في شهوات الدنيا ويرغبوا في نعيم الاخرة بفعل مايؤديهم اليه من الاعمال الصالحة.

ومن قرأ (يعقلون) بالياء، فلانه قدتقدم ذكر الغيبة في قوله " للذين يتقون " والتقدير أفلا يعقل الذين يتقون ان الدار الاخرة خير لهم من هذه الدار فيعملوا بما ينالون به من النعيم الدائم. ومن قرأ بالتاء قصد خطاب جميع الخلق المواجهين به. والعقل هو الامساك عن القبيح وقصر النفس وحبسها على الحسن والحجا أيضا احتباس وتمكث، قال الشاعر: فهن يعكفن به اذا حجا(1) وانشد الاصمعي حيث يحجا مطرق بالفالق(2) حجا أقام بالمكاره، والحجا مصدر كالشبع، ومنه الحجيا اللغز للتمكث الذي يلقى عليه حتى يستخرجها.

قال ابوزيد: جمع حجى حجيات، فجاء‌ت الحجيا مصغرة كالثريا والجديا، والنهى يحتمل أن يكون جمعا بدلالة قوله " لاولي النهى "(3) لانه اضافه إلى الجمع.

ويجوز ان يكون مفردا في موضع الجمع، وهو في معنى ثبات، وحسن.

ومنه النهي، والنهى والتنهية للمكان الذي ينتهي اليه الماء فينتقع فيه لتسفله ويمنعه ارتفاع ماحوله من أن يسيح فيذهب على وجه الارض.

___________________________________

(1) قائله العجاج. اللسان (حجا) وعجزه (عكف النبيط يلعبون الفنزجا).

(2) قائله عمار بن أيمن الرياني. اللسان (حجا).

(3) سورة 20 طه آية 54، 128.

[119]

قوله تعالى: قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فانهم لايكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون(33)

آية بلا خلاف.

قرأ نافع والكسائي والاعشى الاالنفار " لايكذبوك " بسكون الكاف وتخفيف الدال، وهوالمروي عن علي (ع) وعن ابي عبدالله (ع). الباقون بفتح الكاف وتشديد الذال من التكذيب.

وقرأ نافع " انه ليحزنك " بضم الياء وكسر الزاي. الباقون بفتحها وضم الزاي.

قال ابوعلي الفارسى (فعل، وفعلته) جاء في حروف، والاستعمال في (حزنته) أكثر من (أحزنته) فالي كثرة الاستعمال ذهب عامة القراء.

وقال تعالى " اني ليحزنني أن تذهبوا به "(1) ويقال حزن يحزن حزنا وحزنا، قال تعالى " ولاتحزن عليهم "(2) ثم قال: " ولاخوف عليهم ولاهم يحزنون "(3) قال سيبويه: قالوا (حزن الرجل، وحزنته) قال وزعم الخليل: أنك حيث قلت (حزنته) لم ترد ان تقول جعلته حزينا كما أنك حيث قلت أدخلته اردت جعلته داخلا، ولكنك أردت ان تقول جعلت فيه حزنا كما قلت كحلته أي جعلت فيه كحلا، ودهنته جعلت فيه دهنا، ولم يرد ب‍ (فعلته) هذا تعدية قوله حزن، ولو أردت ذلك لقلت احزنته ومثل ذلك ستر الرجل وسترت عليه، فاذا اردت تغيير ستر الرجل قلت أسترت كما تقول فزع وافزعته. وحجة نافع أنه اراد تغيير (حزن) فنقله بالهمزة.

وقال الخليل: اذا أردت تغيير (حزن) قلت (أحزنته) فدل ذلك على أن (أحزن) مستعمل وان كان (حزنته) اكثر.

وحكى أبوزيد: أحزنني الامر احزانا، وهو يحزنني، ضموا الياء.

وقال سيبويه: قال بعض العرب: افنيت الرجل وأحزنته وارجعته واعورت عينه، أي جعلته حزينا وفانيا، فغيروا ذلك كما فعلوا بالباب الاول.

___________________________________

(1) سورة 12 يوسف آية 13.

(2) سورة 15 الحجر آية 88 والنحل 16 آية 127 والنمل 27 آية 70.

(3) سورة 2 البقرة آية 38، 62، 112، 262، 274، و 5 المائدة آية 72 و 6 الانعام آية 48 و 7 الاعراف آية 34 و 10 يونس آية 62 وغيرها.

[120]

وقوله " قد نعلم انه " انما كسرت الهمزة، لان في خبرها لاما للتأكيد. لما علم الله تعالى أن النبي (ص) يحزنه تكذيب الكفار له وجحدهم نبوته سلاه عن ذلك بأن قال " فانهم لايكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " ومن قرأ بالتخفيف قال: معناه لا يلفونك كاذبا، كما يقولون: سألته فما ابخلته، وقاتلته فما أجبنته أي ماوجدته بخيلا ولا جبانا.

وقال أبوعبدالله (ع) معنى " لايكذبونك " لايأتون بحق يبطلون به حقك.

وقال الفراء: معنى التخفيف لايجعلونك كذابا، وانما يريدون أن ماجئت به باطل، لانهم لم يفتروا عليك كذبا، فيكذبوا لانهم لم يعرفوه (ص) وانما قالوا: ان ماجئت به باطل لانعرفه من النبوة، فأما التكذيب بأن يقال له كذبت، وقال بعض اهل اللغة: هذا المعنى لايجوز، لانه لايجوز أن يصدقوه ويكذبوا ماجاء به، وهو ان الله ارسلني اليكم وأنزل علي هذا الكتاب وهو كلام ربي.

ومن قرأ بالتشديد احتمل وجوها: احدها - انهم لايكذبونك بحجة يأتون بها أو برهان يدل على كذبك، لان النبي صلى الله عليه وآله اذا كان صادقا فمحال أن يقوم على كذبه حجة، ولم يردأنهم لايكذبونه سفها وجهلا به.

والثاني - أنه اراد فانهم لايكذبونك بل يكذبوني لانا من كذب النبي صلى الله عليه وآله فقد كذب الله، لان الله هو المصدق له كما يقول القائل لصاحبه: فلان ليس يكذبك، وانما يكذبني دونك، يريد ان تكذيبه اياك راجع إلى تكذيبي، لاني أنا المخبر لك وانت حال عني.

وثالثها - ان يكون اراد انهم لاينسبونك إلى الكذب لانك كنت معروفا عندهم بالامانة والصدق فانه صلى الله عليه وآله كان يدعى فيهم الامين قبل الوحي، وكان معروفا بينهم بذلك لكنهم لما أتيتهم بالايات جحدوها بقصدهم التكذيب بآيات الله وجحدها لا لتكذيبك، قال أبوطالب: ان ابن آمنة الامين محمدا

[121]

ورابعها - ان تكون الاية مخصوصة بقوم معاندين كانوا عارفين بصدقه ولكنهم يجحدونه عنادا وتمردا.

وقال الحسن: معناه " نعلم انه ليحزنك الذي يقولون " انك ساحروانك مجنون فانهم لايكذبونك، لان معرفة الله في قلوبهم بانه واحد " ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ".

وخامسها - قال الزجاج: لايكذبونك، لايقدرون أن يقولوا لك فيما انبأت به بما في كتبهم كذبت.

قال أبوعلي: يجوز ان يكون المعنى - فيمن ثقل - قلت له كذبت، مثل زنيته وفسقته اذا نسبته إلى الزنا والفسق. و (فعلت) جاء على وجوه نحو خطأته أي نسبته إلى الخطأ، وسقيته ورعيته، أي قلت له سقاك الله ورعاك، وقدجاء في هذا المعنى أفعلته، قالوا: أسقيته، أي قلت له سقاك الله، قال الشاعر:

وأسقيته حتى كاد مما أبثه *** تكلمني أحجاره وملاعبه(1)

فيجوز على هذا أن يكون معنى القراء‌تين واحدا، وان اختلف اللفظان، كما تقول: قللت وكثرت وأقللت وأكثرت بمعنى واحد حكاه سيبويه، وقال الكميت:

فطائفة قد اكفروني بحبكم *** وطائفة قالوا مسيئ ومذنب(2)

وحكى الكسائي عن العرب أكذبت الرجل اذا أخبرت انه جاء بكذب، وكذبته اذا اخبرت انه كذاب بقوله كذبته اذا اخبرت انه جاء بكذب، كقولهم: اكفرته اذا نسبوه إلى الكفر، وكذبته اخبرته أنه كذاب مثل فسقته اذا اخبرت انه فاسق.

وقوله " ولكن الظالمين " يعني هؤلاء الكفار " بآيات الله " يعني القرآن والمعجزات يجحدون ذلك بغير حجة، سفها وجهلا وعنادا.

___________________________________

(1) مقاييس اللغة 1: 172.

(2) قد مر هذا البيت في 1: 116.

[122]

قوله تعالى: ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاء‌ك من نبأ المرسلين(34)

آية بلا خلاف.

سلى الله تعالى بهذه الاية نبيه صلى الله عليه وآله بان اخبر ان الكفار قد كذبوا رسلا من قبلك، وصبر الرسل على تكذيبهم وعلى ما نالهم من أذاهم، وتكذيب الكفار لهم، حتى اذا جاء نصر الله اياهم على المكذبين، فمنهم من نصرهم عليهم بالحرب ومكنهم من الظفر بهم حتى قتلوهم، ومنهم من نصرهم عليهم بان أهلكهم واستأصلهم كما أهلك عادا وثمودا وقوم نوح ولوط، وغيرهم. فأمر الله نبيه صلى الله عليه وآله بالصبر على كفار قومه وأذاهم إلى ان يأتيه نصره كما صبرت الانبياء.

وقوله " لا مبدل لكلمات الله " معناه لاأحد يقدر على تكذيب خبر الله على الحقيقة، ولا على إخلاف وعده فان ما أخبر الله به ان يفعل بالكفار، فلابد من كونه لا محالة، وما وعدك به من نصره فلابد من حصوله، لانه لا يجوز الكذب في اخباره، ولا الخلف في وعده.

وقيل: معناه انه لا مبطل لحججه وبراهينه ولامفسد لادلته.

وقوله " ولقد جاء‌ك من نبأ المرسلين " معناه انه لا تبديل لخبر الله ولاخلف لذلك ولا تكذيب، وان ما أخبر الله به ان ينزله بالكفار فانه سيفعل بهم كما فعل بأمم من تقدم من الانبياء الذين أنزل الله عليهم العذاب واستأصلهم بتكذيبهم أنبياء‌هم وعرفك أخبارهم على صحتها.

[123]

قوله تعالى: وإن كان كبر عليك إعراضهم فان استطعت أن تبتغي نفقا في الارض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين(35)

آية بلا خلاف

خاطب الله تعالى بهذه الاية نبيه صلى الله عليه وآله فقال له " ان كان كبر عليك " وعظم عندك " اعراضهم " أي اعراض هؤلاء الكفار عما أتيتهم به من القرآن والمعجزات وامتناعهم من اتباعك والتصديق لك وكنت حزينا لذلك " فان استطعت " وقدرت أو تهيأ لك ان تبتغي نفقا ان تتخذ في جوف الارض مسكنا وهو النفق " في الارض " اذاكان له منفذ " أو سلما في السماء " أو ان تصعد إلى السماء بسلم " فتأتيهم بآية " يعني بآية تلجئهم إلى الايمان وتجمعهم عليه وعلى ترك الكفر فافعل ذلك. وحذف فافعل لدلالة الكلام عليه، كما تقول: ان رأيت ان تقوم ومعناه فقم، وان أرادغير ذلك لم يجز ان يسكت الا بعد ان يأتي بالجواب، لانه ان اراد ان أردت ان تقوم تصب خيرا فلابد من الجواب، ولم يرد بذلك آية يؤمنون عندها مختارين، لانه تعالى فعل بهم الايات التي تزاح علتهم بها ويتمكنون معها من فعل الايمان لانه لو علم تعالى أنه اذا فعل بهم آية من الايات يؤمنون عندها مختارين وجب ان يفعلها بهم.

وبين انه فعل بهم جميع ما لا ينافي التكليف وهم لايؤمنون كما قال " ولو أننا نزلنا اليهم الملائكة "(1) الاية، وكما قال " ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما اتبعوا قبلتك "(2) وانما لم يفعل ما يلجئهم إلى الايمان، لان ذلك ينافي التكليف ويسقط استحقاق الثواب الذي هو الغرض بالتكليف، وانما أراد الله تعالى ان يبين لنبيه صلى الله عليه وآله انه لا يستطيع هذا ولا يقدر عليه، فلا ينبغي ان يلزم نفسه الغم والجزع لكفرهم واعراضهم عن الايمان والتصديق به، وجعل ذلك عزاء لنبيه صلى الله عليه وآله وتسلية له ثم اخبر انه لو شاء ان يجمعهم على الايمان على وجه الالجاء لكان على ذلك قادرا لكنه ينافي ذلك الغرض بالتكليف، وجرى ذلك مجرى قوله " ان

___________________________________

(1) سورة 6 الانعام آية 111.

(2) سورة 2 البقرة آية 145

[124]

نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت اعناقهم لها خاضعين "(3) فانه أراد بذلك الاخبار عن قدرته وانه لو شاء الجاء‌هم إلى الايمان لكان عليه قادرا.

ولايدل ذلك على أنه لم يشأ منهم الايمان على وجه الاختيار منهم أو لم يشأ ان يفعل ما يؤمنون عنده مختارين، لان الله تعالى قد شاء منهم الايمان على هذا الوجه وانما أفاد نفي المشيئة لما يلجئهم إلى الايمان، لانه متى ألجأهم اليه لم يكن ذلك ايمانا يستحق عليه الثواب، والغرض بالاية ان يبين تعالى ان الكفار لم يغلبوا الله بكفرهم ولا قهروه بخلافه وانه لو أراد أن يحول بينهم وبينه لفعل، لكنه يريد ان يكون ايمانهم على وجه يستحقون به الثواب، ولا ينافي التكليف.

وقوله " فلا تكونن من الجاهلين " انما هو نهي محض عن الجهل ولايدل ذلك على ان الجهل كان جائزا منه صلى الله عليه وآله بل يفيد كونه قادرا عليه، لانه تعالى لا يأمر ولا ينهي الا بما يقدر المكلف عليه، ومثله قوله " لئن اشركت ليحبطن عملك "(4) وان كان الشرك لا يجوز عليه لكن لما كان قادرا عليه جاز أن ينهاه عنه.

والمراد هاهنا فلا تجزع ولا تحزن لكفرهم واعراضهم عن الايمان، وانهم لم يجمعوا على التصديق بك فتكون في ذلك بمنزلة الجاهلين الذين لا يصبرن على المصائب، ويأثمون لشدة الجزع.

والنفق: الطريق النافذ في الارض والنافقاء ممدودا وجر حجر اليربوع يحفره من باطن الارض إلى جلدة الارض فاذا بلغ الجلدة أرقها فاذا رابه ريب وقع برأسه هذا المكان وخرج منه، ومنه سمي المنافق منافق لانه أبطن غير ما أظهر، والسلم مشتق من السلامة لانه يسلمك إلى مصعدك.




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (11)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 201

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 9843308

  • التاريخ : 16/05/2021 - 18:57

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net