00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة الاعراف من ( آية 1 ـ 32) 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : التبيان في تفسير القرآن (الجزء الرابع)   ||   تأليف : شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي

7 - سورة الاعراف

قال قتادة سورة الاعراف مكية.

وقال قوم: هي مكية إلا قوله " واسألهم عن القرية "(1) إلى آخر السورة.

وقال قوم هي محكمة كلها.

وقال آخرون حرفان منها منسوخان أحدهما قوله " خذ العفو ") يريد من أموالهم وذلك قبل الزكاة.

والاخر قوله " واعرض عن الجاهلين "(3) نسخ بآية السيف(4).

وقال قوم ليس واحد منهما منسوخابل لكل منهما موضع والسيف له موضع.

وهو الاقوى، لان النسخ يحتاج إلى دليل.

___________________________________

(1) آية 162.

(2، 3) آية 198.

(4) يريد الاية 6 من سورة التوبة.

الآية: 1 - 19

بسم الله الرحمن الرحيم

المص(1) كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين(2)

آيتان في الكوفي وآية فيماعداه.

قد بينافي أول سورة البقرة اختلاف المفسرين في أوائل السور بالحروف المقطعة، وقلنا: ان الاقوى من ذلك قول من قال: انها أسماء للسور، وهو قول الحسن والبلخي والجبائي، واكثر المحصلين.

وروي عن ابن عباس أنه قال: هي اختصار من كلام لايفهمه الاالنبي صلى الله عليه وآله قال الشاعر:

 [341]

فادوهم أن الجمواألا تا *** قالوا جميعاكلهم ألافا(1)

يريد ألا تركبون قالوا فاركبوا.

وبني قوله " المص " على السكون في الوصل مع ان قبله ساكنا، لان حروف الهجاء توصل على نية الوقف، لانه يجزي على تفصيل الحروف، للفرق بينها وبين ماوصل للمعاني، وكأن مجموع الحروف يدل على معنى واحد، ومتى سميت رجلا ب‍ (المص)، وجبت الحكاية.

فان سميته ب‍ (صاد) أو (قاف) لم يجب ذلك، لان صاد، وقاف، لهما نظير في الاسماء المفردة، مثل، باب، وناب، ونار. وليس كذلك (المص) لانه بمنزلة الجملة، وليس له نظير في المفرد.

وانما عد الكوفيون " المص " آية، ولم يعدوا صلى الله عليه وآله لان " المص " بمنزلة الجملة مع ان آخره على ثلاثة أحرف بمنزلة المردف، فلمااجتمع هذان السببان، وكل واحد منهما يقتضي عده عدوه. ولم يعدوا (المر) لان آخره لايشبه المردف. ولم يعدوا صلى الله عليه وآله لانه بمنزلة اسم مفرد، وكذلك (ق) و (ن).

وانما سميت السورة بالحروف المعجمة، ولم تسم بالاسماء المنقولة لتضمنها معاني أخرى مضافة إلى التسمية، وهو أنها فاتحة لما هومنها، وأنها فاصلة بينها وبين ماقبلها، ولانه يأتي من التأليف بعدهاماهو معجز مع انه تأليف كتأليفها، فهذه المعاني من أسرارها.

وقيل في موضع (المص) من الاعراب قولان: اولهما - انه رفع بالابتداء وخبره كتاب، او ان يكون على هذه (المص) في قول الفراء. الثاني - لاموضع له، لانه في موضع جملة على قول ابن عباس، كأنه قال: أنا الله أعلم وافصل - اختاره الزجاج.

وقوله " كتاب انزل اليك " قيل في العامل في قوله " كتاب " ثلاثة أقوال: أحدها - هذا كتاب، فحذف لانها حال اشارة وتنبيه. الثاني - " المص كتاب " على أنه اسم للسورة وكتاب خبره.

___________________________________

(1) مرفي 1 / 470 وهو في تفسير القرطبي 1 / 135.

[342]

وقال الفراء: رفعه بحروف الهجاء، لانها قبله، كأنك قلت الالف واللام والميم والصاد، من الحروف المقطعة كتاب أنزل اليك مجموعا، فنابت (المص) عن جميع حروف المعجم، كما تقول: أ، ب، ت، ث ثمانية وعشرون حرفا. وكذلك تقول قرأت الحمد، فصار اسما لفاتحة الكتاب.

وقوله " فلايكن في صدرك حرج " يحتمل دخول الفاء وجهين: احدهما - أن يكون عطفا وتقديره اذا كان أنزل اليك لتنذر به، فلا يكن في صدرك حرج منه، فيكون محمولا على معنى اذا. والثاني - ان النهي وان كان متناولا للحرج، فالمعني به المخاطب، نهي عن التعرض للحرج، وجاز ذلك لظهور المعنى ان الحرج لاينهى، وكان مخرج له برده إلى نهي المخاطب ابلغ، لمافيه من أن الحرج لوكان مما ينهي له لنهيناه عنك، فأنته انت عنه بترك التعرض له.

وقيل في معنى الحرج في الاية ثلاثة أقوال: قال الحسن: معناه الضيق أي لايضيق صدرك لتشعب الفكر بك خوفا ألا تقوم، بحقه، وانما أنزل اليك لتنذربه.

الثاني - قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: ان معناه الشك ههنا والمعنى لاتشك فيما يلزمك له فانما أنزل اليك لتنذر به.

الثالث - قال الفراء: لايضيق صدرك بأن يكذبوك، كما قال - عز وجل - " فلعلك باخع نفسك على آثارهم ان لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ".

وقوله " لتنذر به " يعني لتخوف بالقرآن.

وقال الفراء والزجاج واكثر أهل العلم: هو على التقديم والتأخير، وتقديره أنزل اليك لتنذر به وذكرى للمؤمنين، والذكرى مصد رذكر يذكر تذكيرا، فالذكرى اسم للتذكير وفيه مبالغة، ومثله الرجعى، وقيل في موضعه ثلاثة أقوال: أولها - النصب على أنزل، للانذار وذكرى، كما تقول جئتك للاحسان وشوقا اليك.

[343]

الثاني - الرفع بتقدير وهو ذكرى.

الثالث - قال الزجاج: يجوز فيه الجر، لان المعنى، لان تنذر وذكرى.

قال الرماني: هذا ضعيف، لانه لايجوز ان يحمل الجر على التأويل، كما لايجوز مررت به وزيد.

قوله تعالى: إتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولاتتبعوا من دونه أولياء قليلا ماتذكرون(3)

آية قرأ حمزة، والكسائي وحفص " تذكرون " بتخفيف الذال بتاء واحدة. الباقون بالتشديد الاابن عامر، فانه قرأ يتذكرون بياء وتاء، قال الزجاج: التخفيف على حذف التاء الثانية كراهة اجتماع ثلاثة أحرف متقاربة، كما قالوا استطاع يستطيع، فحذفوا أحدى الثلاثة المتقاربة دون الاول، لان الاول بمعنى الاستقبال، لايجوز حذفها، والثانية يدل عليها تشديد العين.

ومن قرأ بتشديد الذال، فأصله تتذكرون فأدغم التاء في الذال لقرب مخرجهما، لان التاء مهموسة والذال مجهورة. والمجهورة أزيد صوتا وأقوى من المهموس فحسن ادغام الانقص في الازيد. ولايسوغ ادغام الازيد في الانقص، ألا ترى ان الصاد وأختيها لم يدغمن في مقاربهن لما فيهن من زيادة الصفير.

وقراء‌ة ابن عامر بالياء والتاء: انه مخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله أي قليلا ما يتذكرون هؤلاء الذين ذكروا بهذا الخطاب.

قوله " اتبعوا " خطاب من الله للمكلفين وأمر منه بأن يتبعوا ما أنزل عليهم من القرآن. ويحتمل ان يكون المراد قل لهم يامحمد: اتبعوا ماأنزل اليكم، لانه قال قبل ذلك " لتنذر به " وكان الخطاب متوجها اليه. والاتباع تصرف الثاني بتصريف الاول وتدبيره، فالاول امام والثاني مؤتم.

[344]

والفرق بين الاتباع والاتباع ان احدهما يتعدى إلى مفعول، والثاني يتعدى إلى مفعولين، تقول: اتبعت زيدا وأتبعت زيدا عمرا. ووجوب الاتباع فيما أنزل الله يدخل فيه الواجب والندب والمباح، لانه يجب ان يعتقد في كل جنس ماأمر الله به، كما يجب ان يعتقد في الحرام وجوب اجتنابه.

وقوله " ولا تتبعوا من دونه أولياء " نهي من الله ان يتبعوامن دون الله ويتخذوا أولياء. وأولياء جمع ولي وهوضد العدو، وهو يفيد الاولى ويفيد الناصر وغير ذلك مما بيناه فيما مضى(1).

وقوله " قليلا ماتذكرون " معناه الاستبطاء في التذكر، وخرج مخرج الخبر وفيه معنى الامر، ومعناه تذكروا كثيرا مما يلزمكم من أمر دينكم، وما أوجبه الله عليكم. واخبر انهم قليلا مايتذكرون و (ما) زائدة، وتذكر معناه أخذ في التذكر شيئا بعد شئ مثل تفقه وتعلم، ويقال: تقيس اذا انتمى إلى قيس، ولم يكن منهم، لانه يدخل نفسه فيهم شيئا بعد شئ.

قوله تعالى: وكم من قرية أهلكناها فجاء‌ها بأسنا بياتا أو هم قائلون(4)

آية بلاخلاف.

(كم) لفظة موضوعة للتكثير و (رب) للتقليل. وانما كان كذلك، لان (رب) حرف، و (كم) اسم. والتقليل ضرب من النفي و (كم) تدخل في الخبر بمعنى التكثير. فأما في الاستفهام، فلا، لان الاستفهام موكول إلى بيان المجيب والخبر إلى بيان المخبر، وانما دخلها التكثير، لان استبهام العدد ان يظهر او يضبط انما يكون لكثرته في غالب الامر، ف‍ (كم) مبهمة قال الفرزدق:

___________________________________

(1) سورة البقرة آية 257 في 2 / 313 - 314 وفي سورة المائدة آية 58، في 3 / 549 وغيرهما كثير.

[345]

كم عمة لك ياجرير وخالة *** فدعاء قد حلبت علي عشاري(2)

فدل ب‍ (كم) على كثرة العمات، وموضع (كم) في الاية رفع بالابتداء وخبرها (أهلكناها) ولو جعلت في موضع نصب جاز، كقوله " اناكل شئ خلقناه بقدر "(3)، والاول أجود.

اخبرالله تعالى - على وجه الترهيب للكفار والايعاد لهم - أنه اهلك كثيرا من القرى، يعني أهلها بما ارتكبوه من معاصيه، والكفر به، وانه أنزل عليهم بأسه، يعني عذابه " بيانا " يعني في الليل " أوهم قائلون " يعني في وقت القيلولة، وهو نصف النهار. وأصله الراحة، فمعنى أقلته البيع أرحته منه باعفائي اياه من عقده، وقلت اذا استرحت إلى النوم، في وسط النهار: القائلة.

والاخذ بالشدة في وقت الراحة أعظم في العقوبة فلذلك خص الوقتين بالذكر.

وقيل في دخول الفاء في قوله " فجاء‌ها بأسنا بياتا " ثلاثة أقوال: أحدها - أهلكناها في حكمنا " فجاء‌ها بأسنا " وقدقيل: هو مثل زرني واكرمني فان نفس الاكرام هي الزيارة، قال الرماني: وليس هذا مثل ذلك، لان هذا انما جاز لانه قصد الزيارة. ثم الاكرام بها.

والثاني - قال قوم " أهلكناها فجاء‌ها بأسنا " أي فكان صفة اهلاكنا أن جاء‌هم بأسنا.

والثالث - أهلكناها فصح انه جاء‌ها بأسنا.

وقال الفراء الفاء بمعنى الواو، وقال الرماني: هذا لايجوز، لانه نقل للحرف عن معناه بغير دليل.

وقال بعضهم: ان المعنى أهلكناها بخذلاننا لها عن الطاعة فجاء‌ها بأسنا عقوبة على المعصية، وهذا لايجوز لانه ليس من صفة الحكيم ان يمنع من طاعته حتى تقع المعصية، ثم يعاقب عليها.

___________________________________

(2) ديوانه 451 وتفسير الطبري 12 / 300 وسيبويه 1 / 253، 293.

(3) سورة 54 القمر آية 49.

[346]

وقوله " أوهم قائلون " قال الفراء: واو الحال مقدرة فيه، وتقديره أو " وهم قائلون " وانما حذفت استخفافا.

وقال الزجاج وجميع البصريين لايحتاج إلى ذلك، لانه يستغني برجوع الذكر عن الواو، كما يقال: جاء‌ني زيد راجلا او هو فارس، او جاء‌ني زيد هو فارس لم يحتج إلى واو، لان الذكر قد عاد على الاول.

فمعنى الاية ان الله اهلك اهل قريات كثيرة بتمردهم في المعاصي، وحذر من ان يعمل مثل عملهم فينزل بالعامل مثل مانزل بهم.

قوله تعالى: فما كان دعويهم إذ جاء‌هم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين(5)

آية بلاخلاف.

اخبرالله تعالى انه لم يكن دعاء هؤلاء الذين أهلكهم عقوبة على معاصيهم وكفرهم في الوقت الذي جاء‌هم بأس الله، وهو شدة عذابه، ومنه البؤس شدة الكفر. والبئس الشجاع لشدة بأسه، وبئس من شدة الفساد الذي يوجب الذم.

" الا أن قالوا انا كنا ظالمين " يعني اعترافهم بذلك على نفوسهم واقرارهم به، وكان هذا القول منهم عند معاينة البأس واليقين بأنه نازل بهم، ويجوز ان يكون قالوه حين لابسهم طرف منه، لم يهلكوا منه، و (دعواهم) خبركان واسمها " ان قالوا " وهو بمعنى قولهم " وهما معرفتان يجوز ان يجعل كل واحدمنهما اسما والاخر خبرا، كما قال " ماكان حجتهم الا ان قالوا "(1) بالرفع، والنصب، وانما قدالخبر على الاسم، لان الثاني وقع موقع الايجاب، والاول موقع النفي، والنفي احق بالخبر.

والدعوى، والدعاء واحد. وفرق قوم بينهما بأن في الدعوى اشتراكا

___________________________________

(1) سورة 45 الجاثية آية 24

[347]

بين الدعاء والادعاء المال وغيره، واصله الطلب قال الشاعر: ولت ودعواها كثير صخبه(2) أي دعاؤها، ويجوز ان يقال: اللهم اشركنا في دعوى المسلمين يريد دعاء المسلمين حكاه سيبويه، قال الشاعر:

وان مذلت رجلي دعوتك اشتفي *** بدعواك من مذل بها فيهون(3)

معنى مذلت اي خدرت.

قوله تعالى: فلنسئلنّ الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين(6) فلنقصنّ عليهم بعلم وما كنا غائبين(7)

آيتان بلاخلاف.

الفاء في قوله " فلنسئلن الذين " عطف جملة على جملة، وقد يكون لهذا، وقديكون لعطف مفرد على مفرد، وقد يكون للجواب. وانما دخلت الفاء وهي موجبة للتعقيب مع تراخي مابين الاول والثاني، وذلك يليق ب‍ (ثم) لتقريب مابينهما، كما قال " اقتربت الساعة "(4) وقال " وماأمر الساعة الاكلمح البصر او هو أقرب "(5) وقال " اولم ير الانسان اناخلقناه من نطفة فاذا هو خصيم "(6) وبينهما بعد.

والنون في قوله " فلنسألن " نون التأكيد يتلقى بها القسم، وانما بني

___________________________________

(2) اللسان . (دعا)، وروايته " قالت " بدل .

(ولت) وفى رواية أخرى . (ولت ودعواها شديد صخبه).

(3) ديوانه 2 / 245 واللسان .

(مذل) وتفسير الطبري 12 / 304 ونهاية الارب 2 / 125.

وكانوا يدعون ان الانسان اذا خدرت رجله ودعا باسم من يحب زال الخدر.

(4) سورة 54 القمر آية 1.

(5) سورة 16 النحل آية 77.

(6) سورة 36 يس آية 77.

[348]

المضارع مع نون التأكيد، لانه انما دخلت عليه طلبا للتصديق، كما ان الامر طلب للفعل فأدخلت عليه نون التأكيد وتثبت مع الفعل، لان هذه الزيادة التي لاتكون للاسم باعدته كماباعدت الالف واللام مالاينصرف من الفعل، فانصرف.

أقسم الله تعالى في هذه الاية انه يسأل المكلفين الذين ارسل اليهم رسله واقسم أيضا انه ليسأل الصادقين المرسلين الذين بعثهم، فيسأل هؤلاء عن الابلاغ ويسأل اولئك عن الامتثال، وهو تعالى وان كان عالما بماكان منهم، فانما أخرجه مخرج التهديد والزجر ليتأهب العباد ويحسنوا الاستعداد لذلك السؤال. وحقيقة السؤال طلب الجواب بأداته في الكلام، وحقيقة الاستخبار طلب الخبر بأداته في الكلام.

وقوله " فلنقصن عليهم بعلم " قسم آخر، واخبار منه تعالى انه يقص عليهم بما عملوه فانه علم جميع ذلك. وانماذكره بنون الجمع لاحد أمرين: احدها - ان هذا على كلام العظماء من الملوك لان أفعالهم تضاف إلى أوليائهم. والثاني - ان الملائكة تقص عليهم بأمر الله.

وقال ابن عباس نقص عليه بمانجده في كتاب عمله.

وروي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: (ان الله يسأل كل احد بكلامه له ليس بينه وبينه ترجمان) والقص مايتلو بعضه بعضا. ومنه المقص، لان قطعه يتلو بعضه بعضا، ومنه القصة من الشعر، والقصة من الكتاب، ومنه القصاص لانه يتلو الجناية في الاستحقاق، ومنه المقاصة في الحق، لانه يسقط ماله قصاصا بماعليه. وانما دخلت نون التأكيد مع لام القسم في المضارع دون الماضي، لانها تؤذن بطلب الفعل الذي تدخل فيه نحو (لاكرمن زيدا) فان فيه طلب الاكرام بأداته، فالتصديق بالقسم، ولهذا ألزمت النون في طلب الفعل من جهتين، وفتحت هذه النون ماقبلها في جمع المتكلم، ولم تفتحه في

[349]

الغائب، لان الضمة يجب ان تبقى لتدل على الواو المحذوفة في (ليقصن) بالياء وليس كذلك المتكلم، لانه لا واوفيه.

ومعنى قوله " بعلم " قيل فيه وجهان: احدهما بأنا عالمون، والاخر بمعلوم، كماقال " ولايحيطون بشئ من علمه "(1) أي من معلومه، ووجه المسألة له والقصص عليهم أنه سؤال توبيخ وتقريع للضالين، وسؤال تذكير وتنبيه للمؤمنين، فبمقدار مايغتم أولئك يسر هؤلاء. ثم يسأل الرسل لان من الامم من يجحد، فيقول ماجاء‌نا من بشير ولانذير، ومنهم من يقول: والله ربنا ماكنا مشركين.

فان قيل كيف يجمع بين قوله " ولايسأل عن ذنوبهم المجرمون "(2) وقوله " فلنسألن الذين ارسل اليهم "؟ قلنافيه قولان: احدهما - انه نفى ان يسألهم سؤال استرشاد واستعلام وانما يسألهم سؤال توبيخ وتبكيت. الثاني - تنقطع المسألة عند حصولهم في العقوبة، كماقال " فيومئذ لايسأل عن ذنبه انس ولاجان "(3) وقال في موضع آخر " وقفوهم انهم مسئولون "(4) والوجه ماقلناه انه يسألهم سؤال توبيخ قبل دخولهم في النار فاذا دخلوها انقطع سؤالهم.

والسؤال في اللغة على اربعة اقسام: احدها - سؤال استرشاد واستعلام، كقولك؟ اين زيد؟، ومن عندك؟ وهذا لايجوز عليه تعالى. والثاني - سؤال توبيخ وتقريع، وهو خبر في المعنى، كقولك ألم احسن اليك فكفرت نعمتني؟ ألم اعطيك فجحدك عطيتي؟ !. ومنه قوله تعالى " ألم اعهد اليكم "(5) وقوله " ألم يأتكم رسل "(6) وقوله " ألم تكن

___________________________________

(1) سورة 2 البقرة آية 256.

(2) سورة 28 القصص آية 78.

(3) سورة 55 الرحمن آية 9.

(4) سورة 37 الصفافات آية 24.

(5) سورة 36 يس آية 60.

(6) سورة الانعام آية 130 وسورة 39 الزمر آية 71

[350]

آياتي تتلى عليكم "(7) وقال الشاعر:

ألستم خير من ركب المطايا *** واندى العالمين بطون راح(8)

ولوكان سائلا لماكان مادحا، وقال العجاج: * اطربا وانت قنسري *(9)

 معنى قنسري كبير السن، وهذا توبيخ لنفسه أي كيف اطرب مع الكبر والشيب.

الثالث - سؤال التحضيض وفيه معنى (ألا) كقولك: هلا تقوم، وألا تضرب زيدا أي قم واضرب زيدا.

والرابع - سؤال تقرير بالعجز والجهل، كقولك للرجل: هل تعلم الغيب؟ وهل تعرف مايكون غدا؟ وهل تقدر ان تمشي على الماء؟ وكماقال الشاعر: * وهل يصلح العطار ماأفسد الدهر *

المعنى وليس يصلح العطار ماأفسد الدهر، فاذا ثبت ذلك فقوله " فيومئذ لايسأل عن ذنبه انس ولاجان "(1) وقوله " ولايسأل عن ذنوبهم المجرمون "(2) المراد به لايسألون سؤال استعلام واستخبار ليعلم ذلك من قولهم، لانه تعالى عالم بأعمالهم قبل خلقهم.

واما قوله " فنسألن الذي ارسل اليهم ولنسألن المرسلين " وقوله " فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون "(3) فهو مسألة توبيخ وتقريع، كقوله " ألم أعهد اليكم "(4). وسؤاله للمرسلين ليس بتوبيخ ولاتقريع لكنه توبيخ للكفار وتقريع لهم أيضا. واما قوله " فلا انساب بينهم يؤمئذ ولا يتسائلون "(5) فمعناه سؤال

___________________________________

(7) سورة 23 المؤمنون آية 106.

(8) قائله حسان وقد مر في 1 / 61، 132، 400 و 2 / 327 وسيأتي في 5 / 319.

(9) اللسان . (قنسر)..

(1) سورة 55 الرحمن آية 39.

(2) سورة 28 القصص آية 78.

(3) سورة 15 الحجر آية 92.

(4) سورة 36 يس آية 60.

(5) سورة 23 المؤمنون آية 102.

[351]

تعاطي واستخبار عن الحال التي جهلها بعضهم لتشاغلهم عن ذلك، كما قال " لكل امرئ منهم يومنذ شأن يغنيه "(6) وقوله " واقبل بعضهم على بعض يتسألون "(7) فهوسؤال توبيخ وتقريع وتلاوم، كماقال " واقبل بعضهم على بعض يتلاومون "(8) وكقوله " انحن صددناكم عن الهدى بعداذ جاء‌كم "(9) وقوله " ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفافي النار "(10) وهذاكثير في القرآن، وليس في شئ من ذلك تضاد بين المسألتين، ولاتنافي بين الخبرين بل اثبات لسؤال عن شئ آخر ومثله قول الشاعر:

فأصبحت والليل لي ملبس *** واصبحت الارض بحراطما

فقوله: واصبحت والليل لي ملبس لم يرد به الصبح، لانه لو أراد لما نفاه ب‍ (والليل لي ملبس) وانما أراد اصبحت بمعنى اشعلت المصباح وهو السراج أي اسرجت في ظلمة الليل، فلم يكن خبراه متضادين.

وقوله " وماكنا غائبين " فالغائب البعيد عن حضرة الشئ، ومعناه في الاية انه لايخفى عليه شئ وذلك يدل على انه ليس بجسم، لانه لوكان جسما على العرش على مايذهب اليه المجسمة لكان غائبا عما في الارضين السفلى، لان من كان دون هذا بكثير فهو غائب عنا.

قوله تعالى: والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فاولئك هم المفلحون(8) ومن خفت موازينه فاولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون(9)

آيتان

___________________________________

(6) سورة 80 عبس آية 37.

(7) سورة 37 الصافات آية 27، 50 وسورة 52 الطور آية 25.

(8) سورة 68 القلم آية 30.

(9) سورة 34 سبأ آية 32.

(10) سورة 38 ص آية 61

[352]

ارتفع قوله " والوزن " بالابتداء، وخبره (الحق)، وهو الوجه المختار.

وقال الفراء: يجوز ان يكون خبره (يومئذ) وينصب (الحق) على المصدر. وتقديره والوزن يومئذ - يعني في يوم القيامة - حقا، فينصب الحق وان كان فيه الالف واللام، كما قال " فالحق والحق أقول "(1) والوزن في اللغة هو مقابلة أحد الشيئين بالاخر حتى يظهر مقداره، وقداستعمل في غير ذلك تشبيهابه، منها وزن الشعر بالعروض، ومنها قولهم: فلان يزن كلامه وزنا قال الاخطل:

واذا وضعت أباك في ميزانهم *** رجحواوشال أبوك في الميزان

وقيل في معنى الوزن في الاية أربعة أقوال: قال الحسن: موازين الاخرة لها كفتان فالحسنات والسيئات توضعان فيهما وتوزنان. ثم اختلفوا، فقال بعضهم: انما توضع صحائف الاعمال فتوزن، وهو قول عبدالله بن عمر.

وقال ابوعلي: انما تتفضل كفة الحسنات من كفة السيئات بعلامة يراها الناس يومئذ، وذهب عبيد بن عمير إلى انه يوزن الانسان فيؤتى بالرجل العظيم الجثة، فلايزن جناح بعوضة.

وقال مجاهد: الوزن عبارة عن العدل في الاخرة وانه لاظلم فيها على أحد، وهو قول البلخي وهو أحسن الوجوه، وبعده قول الجبائي. ووجه حسن ذلك - وان كان الله تعالى عالما بمقادير المستحقات - مافيه من المصلحة في دار التكليف وحصول الترهيب به والتخويف.

وقوله " يومئذ " يجوز في (يومئذ) الاعراب والبناء، لان اضافته إلى مبني اضافة غير محضة تقربه من الاسماء المركبة، واضافته إلى الجملة تقربه من الاضافة الحقيقة. ونون يومئذ لانه قد قطع عن الاضافة اذ شأن التنوين ان يعاقبها، وقد قطع (اذ) في هذا الموضع عنها. و (الحق) وضع الشئ موضعه على وجه تقتضيه الحكمة. وقد

___________________________________

(1) سورة 38 ص آية 84.

[353]

استعمل مصدرا على هذا المعنى وصفة، كماجرى ذلك في العدل، قال الله تعالى " ذلك بأن الله هوالحق "(1) فجرى على طريق الوصف.

وقوله " فمن ثقلت موازينه " فالثقل عبارة عن الاعتماد اللازم سفلا ونقيضه الخفة، وهي اعتماد لازم علوا، ومثلت الاعمال بهما لماذكر من المقارنة. والمعنى ان من كانت طاعاته أكثر، فهو من الفائزين بثواب الله. ومن قلت طاعاته " فأولئك الذين خسروا أنفسهم " بأن استحقوا عذاب الابد جزاء على ماكانوا يظلمون أنفسهم بجحود آياتنا وجحتنا.

وقوله " موازينه " فالموازين جمع ميزان، وأصله من الواو، وقلبت ياء لسكونها وانكسار ماقبلها. ولم يقلب في (خوان) لتحركها وأنها لم تجر على فعل لها. والخسران ذهاب رأس المال، ومن اعظم رأس المال النفس، فاذا أهلك نفسه بسوء عمله، فقد خسر نفسه. وظلمهم بآيات الله مثل كفرهم بها وجحدهم اياها.

قوله تعالى: ولقد مكّنّاكم في الارض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون(10)

آية بلاخلاف.

روى خارجة عن نافع همز (معايش) وروي ذلك عن الاعمش، وعبدالرحمن الاعرج. الباقون غير مهموز.

وعند جميع النحويين أن (معايش) لايهمز، ومتى همز كان لحنا، لان الياء فيها اصلية، لانه من عاش يعيش، ولم يعرض فيها علة كماعرض في (اوائل) وهي في مدينة) زائدة علة لاتدخلها الحركة كمالاتدخل الالف، ومثله (مسألة، ومسائل، ومنارة ومنائر، ومقام ومقاوم) قال الشاعر:

واني لقوام مقاوم لم يكن *** جرير ولامولى جرير يقومها

___________________________________

(1) سورة 22 الحج آية 6، 62 وسورة 31 لقمان آية 30.

[354]

ووزنه (مفعلة) مثل مسورة ومساور، ومن همزها اعتقدها (فعلية) على وزن (صحيفة) فجمعهاعلى (فعائل) مثل (صحائف) وذلك غلط، لان الياء أصلها لقولهم عاش يعيش عيشا ومعيشة.

قال ابوعلي من همز (مدائن) لم يجعله (مفعلة) ولكنه (فعيلة) بدلالة قولهم: مدني، ولايجوز ان يكون (مفعلة) من دان يدين، ومن أخذه من ذلك قال في الجمع مداين، بتصحيح الياء.

واعتل (معيشة) لانه على وزن (يعيش) وزيادتها تختص بالاسم دون الفعل، فلم يحتج إلى الفصل بين الاسم والفعل، كما احتيج اليه فيما كان زيادته مشتركة، نحو الهمزة في (أجاد) و (هو أجودمنك)، وموافقة الاسم لبناء الفعل توجب في الاسم الاعتلال، ألا ترى انهم أعلوا (بابا) و (دارا) لماكانا على وزن الفعل.

وصححوا نحو (حول) و (غيبة) و (لومة) لمالم تكن على مثال الفعل، ف‍ (معيشة) موافقة للفعل في البناء، مثل (يعيش) في الزنة، وتكسيرها يزيل مشابهتها في البناء، فقد علمت بذلك زوال المعنى الموجب للاعلال في الواحد وفى الجمع، فلزم التصحيح في التكسير لزوال المشابهة في اللفظ، لان التكسير معنى لايكون في الفعل، وانما يختص الاسم به، فاذا زالت مشابهة الفعل وجب تصحيحه.

ومن همز (مصايب) فانه غلط، كما غلط من همز (معايش) ومثله جاء في جمع (مسيل) أمسلة، جاء ذلك في الشعر لبني هذيل، فتوهموه (فعيلة) وانماهو (مفعلة) وحكى يعقوب: مسيل وميسل، فالميم على هذا فاء ومسيل (فعيل)، وعلى الاول (مفعل) من سال.

قال الزجاج: من همز (مصايب) جعل الهمزة بدلا من الواو، كما قالوا: أقب في (وقب) وهذا ان وقع في أول الكلام. وقد قالوا في (أدور) أدأر، فهمزوه، فجاز على هذا ان يكونوا حملوا المكسورة على المضمومة. ويقال: عاش فلان بمعنى حيي، وطيب العيش طيب الحياة، فلهذا كانت المعيشة مضمنة بالحياة.

[355]

وحد المعيشة الرماني: بأنها وصلة من جهة مكسب المطعم والمشرب والملبس إلى مافيه الحياة.

اخبر الله تعالى على وجه الامتنان على خلقه بأصناف نعمه انه مكن عباده في الارض بمعنى مكنهم من التصرف فيها، والتمكين اعطاء مايصح معه الفعل مع ارتفاع المنع، لان الفعل كما يحتاج إلى القدرة فقديحتاج إلى آلة والى سبب، كما يحتاج إلى رفع المنع، فالتمكين عبارة عن حصول جميع ذلك. والارض هذه الارض المعروفة، وفى الاصل عبارة عن قراريمكن أن يتصرف عليه الحيوان، فعلى هذا لو خلق مثلها، لكانت أرضا حقيقة.

وقوله " وجعلنالكم فيها معايش " فالجعل وجود مابه يكون الشئ على خلاف ماكان، مثل ان تقول جعلت الساكن متحركا، لانك فعلت فيه الحركة، ونظيره التصيير والعمل،. وجعل الشئ أعم من حدوثه، لانه قد يكون بحدوث غيره فيه ممايتغير به.

وقوله " قليلا ماتشكرون " نصب قليلا ب‍ (تشكرون)، وتقديره تشكرون قليلا. و (ما) زائدة. ويحتمل ان تكون مع مابعدها بمنزلة المصدر، وتقديره قليلا شكركم. والشكر هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم، والحمد مثله.

وقيل: الفرق بينهما ان كل شكر حمد، وليس كل حمد شكرا، لان الانسان يحمد على احسانه إلى نفسه، ولايشكر عليه، كما انه يذم على اساء‌ته إلى نفسه، ولايجوز ان يكفر من اجل اساء‌ته إلى نفسه.

قوله تعالى: ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين(11)

آية بلاخلاف.

هذا خطاب من الله تعالى لخلقه بأنه خلقهم. والخلق هواحداث الشئ على تقدير تقتضيه الحكمة، لازيادة على ماتقتضيه، فيخرج إلى الاسراف،

[356]

ولاناقص عنه فيخرج إلى الاقتار. وقد استوفينا اختلاف الصور، والصورة بنية مقومة على هيئة ظاهرة.

وقوله " ثم قلنا للملائكة اسجدوا لادم " فالسجود هو وضع الجبهة على الارض واصله الانخفاض من قول الشاعر: ترى الاكم فيها سجدا للحوافر(1) وقيل في معنى السجود لادم قولان: احدهما - انه كان تكرمة لادم وعبادة لله، لان عبادة غير الله قبيحة لايامر الله بها. وعند اصحابنا كان ذلك دلالة على تفصيل آدم على الملائكة على مابينا في سورة البقرة.(2)

وقال أبوعلي الجبائي: امروا ان يجعلوه قبلة، وأنكر ذلك أبوبكر بن أحمدبن علي الاخشاد بأن قال: هو تكرمة. لان الله تعالى امتن به على عباده، وذكرهم بالنعمة فيه. فان قيل كيف قال " ثم قلنا للملائكة " مع أن القول للملائكة كان قبل خلقنا وتصويرنا؟

قلنا عن ذلك ثلاثة أجوبة: احدها - قال الحسن وابوعلي الجبائي: المراد به خلقنا اياكم ثم صورنا اياكم. ثم قلنا للملائكة، وهذا كما يذكر المخاطب ويراد به أسلافه، وذكرنا لذلك نظائر فيما مضى، منها قوله " واذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور "(3) أي ميثاق اسلافكم. قال الزجاج المعنى ابتدأنا خلقكم بأن خلقنا آدم، ثم صورناه، ثم قلنا.

الثاني - قال ابن عباس ومجاهد والربيع وقتادة والضحاك والسدي: ان المعنى خلقناآدم ثم صورناكم في ظهره. ثم قلنا للملائكة.

الثالث - خلقناكم ثم صورناكم ثم إنا نخبركم أنا قلنا للملائكة، كما تقول: اني راحل ثم اني معجل. وقال الاخفش (ثم) ههنابمعنى الواو، كما

___________________________________

(1) مرفي 1 / 263.

(2) المجلد الاول صفحة 139.

(3) سورة 2 البقرة آية 63، 93

[357]

قال " ثم الله شهيد على ماتعملون " ومثله قوله " ثم كان من الذين آمنوا "(4) على قول بعض المتأخرين معناه وكان من الذين آمنوا، ومثله " استغفروا ربكم ثم توبوا اليه "(5) على بعض الاقوال معناه وتوبوا اليه، قال الزجاج هذا خطأ عند جميع النحويين.

وقال الشاعر:

سألت ربيعة من خيرها *** اباثم اما فقالوا له(6)

معناه سألت اولا عن الاب ثم الام.

وقال بعضهم: معناه خلقناكم في ظهور آبائكم ثم صورناكم في بطون امهاتكم.

وقال قوم: في الاية تقديم وتأخير، وتقديره خلقناكم بمعنى خلقنا أباكم أي قدرناكم. ثم قلنا للملائكة اسجدوا. ثم صورناكم.

قوله تعالى: قال مامنعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين(12)

آية بلاخلاف.

هذا حكاية لماكان من خطاب الله لابليس حين امتنع من السجود لادم، انه قال له " مامنعك " بمعنى اي شئ منعك " ان لاتسجد " وفيه ثلاثة أقوال: احدها - ان تكون (لا) صلة مؤكدة، كماقال " لئلا يعلم اهل الكتاب "(7) ومعناه ليعلم، كقوله " لا أقسم بيوم القيامة " وكقوله " فلا أقسم بمواقع النجوم " وكماقال الشاعر:

أبى جوده لاالبخل واستعجلت به *** نعم من فتى لايمنع الجود قاتله(8)

معناه أبى جوده البخل، وروى أبوعمروبن العلا: أبى جوده لا البخل

___________________________________

(4) سورة 90 البلد آية 17.

(5) سورة 11 هود آية 3، 52، 90.

(6) تفسير الطبري 12: 322.

(7) سورة 57 الحديد آية 29.

(8) اللسان . (نعم) وتفسير الطبري 21 / 224 وأمالي ابن الشجرى 2 / 228، 221 وشرح شواهد المغني 217. وقد روي . (فاعله) بدل . (قاتله) وروي أيضا " قائله ".

[358]

بالجر، كأنه قال ابى جوده كلمة البخل، ورواه كذا عن العرب.

وقال الزجاج: فيه وجه ثالث لاالبخل على النصب بدلا من (لا) كأنه قال ابى جوده ان يقول (لا) فقال نعم. وهي حكاية في كل هذا.

الثاني - انه دخله معنى مادعاك ان لاتسجد.

الثالث - معنى " ألاتسجد " ماالحال ان لاتسجد أو ماأحوجك.

وقال الفراء لماتقدم الجحد في اول الكلام أكدبهذا، كماقال الشاعر:

ماان رأينا مثلهن لمعشر *** سود الرؤوس فوالج وفيول(9)

ف‍ (ما) للنفي وان) للنفي فجمع بينهما تأكيدا.

فان قيل كيف قال " مامنعك " ولم يكن ممنوعا؟ ! قلنا: لان الصارف عن الشئ بمنزلة المانع منه، كما ان الداعي اليه بمنزلة الحامل عليه.

وقوله " أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين " حكاية لجواب ابليس حين ذمه تعالى على الامتناع من السجود، فأجاب بماقال، وهذا الجواب غير مطابق لانه كان يجب أن يقول معنى كذا، لان قوله " أناخير منه " جواب لمن يقول أيكما خير، ولكن فيه معنى الجواب، ويجري ذلك مجرى أن يقول القائل لغيره: كيف كنت، فيقول أناصالح، وكان يجب أن يقول كنت صالحا لكنه جاز ذلك، لانه أفاد انه صالح في الحال مع ماكان صالحا فيما مضى. ووجه دخول الشبهة عليه في أنه خلقه من نار وخلق آدم من طين أنه ظن أن النار اذاكانت أشرف لم يجز أن يسجد الاشرف للادون، وهذا خطأ، لان ذلك تابع لما يعلم الله من مصالح العباد، ومايتعلق به من اللطف لهم، ولم يكن ذلك استخفافا بهم بالاعمال.

___________________________________

(9) معاني القرآن 1 / 176، 374 وتفسير الطبري 12 / 325.

(الفوالج) جمع . (فالج) وهو الجمل ذو سنامين. و . (الفيول) جمع . (فيل).

وكانت هذه الجمال تجلب من السند، وهي البلاد التي فيها الفيلة.

[359]

وقد قال الجبائي: إن الطين خير من النار، لانها أكثر منفعة للخلق من حيث أن الارض مستقر الخلق وفيها معايشهم، ومنها تخرج أنواع أرزاقهم لان الخيرية في الارض أو النار، إنما يراد بهما كثرة المنافع، دون كثرة الثواب، لان الثواب لايكون إلا للمكلف المأمور، وهذان جمادان. وعلى مايذهب اليه أصحابناأن ذلك يدل على تفضيل آدم على الملائكة وكان ذلك مستحقا، فلذلك أسجدالله الملائكة له.

فإن قيل: لم اعترض إبليس على الله مع علمه أنه لايفعل إلا الحكمة؟ قلنا عنه جوابان: أحدهما - أنه اعترض كمايعترض السفيه على الحكيم الحليم في تدبيره من غير فكر في العاقبة. والثاني - أن يكون جهل هذا بشبهة دخلت عليه. وعلى مانذهب اليه من أنه لم يكن عرف الله قط سقطت الشبهة.

واستدل أيضا بهذه الاية على أن الجواهر متماثلة بأن قيل: لاشئ أبعد إلى الحيوان من الجماد، فاذاجاز أن ينقلب الطين حيوانا وإنسانا جاز أن ينقلب إلى كل حال من أحوال الجواهر، لانه لافرق بينهما في العقل.

واستدل أيضا بهذه الاية على أن الامر من الله يقتضي الايجاب بأن الله تعالى ذم إبليس على امتناعه من السجود حين أمره، فلوكان الامر يقتضي الندب لما استحق العيب بالمخالفة وترك الامتثال، والامر بخلاف ذلك في الاية.

قوله تعالى: قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين(13)

آية

قوله " قال فاهبط منها " حكاية لقول الله تعالى لابليس وأمره إياه أن

[360]

يهبط منها، ومابعد القول وإن كان استئنافا والفاء لايستأنف بها وانمايكون كذلك، لان ماقيل له بعدجوابه الذي أجاب به، فهو حكاية ماكان من الكلام له الثاني بعد الاول. والهبوط والنزول واحد. وفرق بينهما بأن النزول يقتضي تنزله إلى جهة السفل بمنزلة بعد منزلة، وليس كذلك الهبوط، لانه كالانحدار في المرور إلى جهة السفل، وكأن الانحدار دفعة واحدة، كما قال الشاعر:

كل بني حرة مصيرهم *** قل وإن أكثروا من العدد

إن يغبطوا يهبطواوإن *** أمروا يوما فهم للفناء والفند(1)

وقيل في الضمير الذي في قوله " منها " قولان: احدهما - قال الحسن: إنه كناية عن السماء، لانه كان في السماء فاهبط منها. الثاني - قال أبوعلي: كناية عن الجنة.

فان قيل من أين علم ابليس أن الله تعالى قال له هذا القول؟ قلنا عنه جوابان: أحدهما - قال أبوعلي: إنه قال له على لسان بعض الملائكة. الثاني - أنه رأى معجزة تدله على ذلك.

وقوله " فمايكون لك أن تتكبر فيها " معناه ليس لك أن تتكبر فيها، والتكبر إظهاركبر النفس على جميع الاشياء، فهو في صفة العبادذم، وفي صفة الله مدح، كماقال تعالى " الجبار المتكبر "(2) فالجبار القاهر لجميع الاشياء. والمتكبر الدال بذاته على أنه أكبر من جميع الاشياء.

وقوله " فاخرج إنك من الصاغرين " أمر من الله لابليس بالخروج، لانه من الصاغرين. والصاغر هو الذليل بصغر القدر، صغر يصغر صغرا وصغارا، وتصاغرت اليه نفسه ذلا ومهانة، والاصل الصغر.

___________________________________

(1) قائلة لبيد وقد مر في 1 / 73.

(2) سورة 59 الحشر آية 23.

[361]

قوله تعالى: قال أنظرني إلى يوم يبعثون(14) قال إنك من المنظرين(15)

آيتان.

في الاية الاولى حكاية عن إبليس أنه سأل الله تعالى أن ينظره.

والانظار الامهال إلى مدة فيها النظر في الامر طال أمر قصر.

والانظار والامهال والتأخير والتأجيل نظائر في اللغة، وبينها فرق.

وضد الامهال الاعجال.

وأصل الانظار المقابلة، وهي المناظرة.

و (الجبلان يتناظران) أي يتقابلان، ونظر اليه بعينه أى قابله لينظر له ونظر اليه بيده، ليظهر له حال في اللين والخشونة أو الحرارة والبرودة.

وقوله " إلى يوم يبعثون " مدة للانظار الذي طلبه.

والبعث الاطلاق في الامر، والانبعاث الانطلاق.

والبعث والحشر والنشر والجمع نظائر.

ويجوز في " يوم يبعثون " ثلاثة أوجه من العربية: بالجر وترك التنوين على الاضافة، والجر مع التنوين على الصفة. والفتح وترك التنوين على البناء. وليس بالوجه، لان الفعل معرب.

والوجه في مسألة إبليس الانظار - مع علمه أنه مطرود ملعون مسخوط عليه - علمه بأن الله يظاهر إلى عباده بالاحسان، ويعمهم بفضله وإنعامه، فلم يصرف ارتكابه المعصية وإصراره على الخطيئة عن المسألة طامعا في الاجابة، وعن انس من بلوغ المحبة.

وقيل في قوله " قال إنك من المنظرين " هل فيه إجابة إلى ماالتمسه أم لا؟ فقال السدي وغيره: إنه لم يجبه " إلى يوم يبعثون " لانه يوم القيامة، وهو يوم بعث لايوم موت، ولكن انظر إلى يوم الوقت المعلوم، كما ذكره في سورة اخرى(1). ويقوي ذلك قوله " إنك من المنظرين " وليس لاحد أن ينظر أحدا إلى يوم القيامة على هذا المعنى.

___________________________________

(1) سورة 38 ص آية 79 - 81.

[362]

الثاني - أنه سأل تأخير الجزاء بالعقوبة إلى يوم يبعثون. لما خاف من تعجيل العقوبة، فأنظر على هذا.

وقال قوم: انظر إلى يوم القيامة، والاقوى الوجه الثاني، لانه لايجوز أن يعلم الله أحدا من المكلفين الذين ليسوا بمعصومين أنه يبقيهم إلى وقت معين، لانه في ذلك إغراء له بالقبح من حيث أنه يعلم انه باق إلى ذلك الوقت فيرتكب القبيح، فاذا قارب الوقت جدد التوبة فيسقط عنه العقاب. وهل يجوز اجابة دعاء الكافر أم لا؟ فيه خلاف: فذهب أبوعلي إلى أنه لايجوز، لمافي ذلك في التعظيم والتبجيل لمجاب الدعوة في مجرى العادة، ألا ترى أنه اذا قيل: فلان مجاب الدعوة دل ذلك على أنه صالح المؤمنين. وأجاز ذلك أبوبكر بن الاخشاد على وجه الاستصلاح. وكان يقول: بتفصيل ذلك بحسب الوجه الذي يقع عليه.

وكسرت " إن " لانها حكاية بعدالقول، وهي تكسر في هذا الموضع، وفي الابتداء بها، واذا كان في خبرها لام التأكيد. وانما عملت (إن) لشبهها بالفعل الماضي من حيث كانت على ثلاثة أحرف مفتوحة الاخر، فهي بمنزلة (كان) إلا أنه خولف بعملها لانها حرف.

قوله تعالى: قال فبما أغويتني لاقعدنّ لهم صراطك المستقيم(16) ثم لآتينّهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولاتجد أكثرهم شاكرين(17)

آيتان بلاخلاف.

قوله " قال فبما " حكاية عن قول إبليس، لمالعنه الله، وطرده وحكى سؤاله الانظار، واجابة الله تعالى إلى شئ منه، قال حينئذ " فبما أغويتني " أي فبالذي أغويتني.

[363]

وقيل في معنى هذه الباء ثلاثة أقوال: احدهما - اني مع اغوائك إياي كما تقول بقيامك تناول هذا أي مع قيامك.

الثاني - معناه اللام، والتقدير فلاغوائك إياي.

الثالث - أنها بمعنى القسم كقولك بالله لافعلن.

وقيل في معنى اغويتني ثلاثة أقوال: أحدها - قال أبوعلي والبلخي: معناه بما خيبتني من جنتك، كما قال الشاعر:

فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره *** ومن يعولا يعدم على الغي لائما(1)

أي من يخب، وقال قوم: يجوز أن يكون أراد إنك امتحنتني بالسجود، لادم فغويت عنده، فقال (أغويتني) كماقال " فزادتهم رجسا إلى رجسهم "(2).

الثاني - قال ابن عباس وابن زيد: معناه حكمت بغوايتي كقولك: أضللتني أي حكمت بضلالتي.

الثالث - أغويتني بمعنى أهلكتني بلعنك إياي، كماقال الشاعر:

معطفة الاثناء ليس فصيلها *** برازئها درا ولاميت غوى(3)

أي ولاميت هلاكا بالقعود عن شرب اللبن.

ومنه قوله " فسوف يلقون غيا "(4) أي هلاكا.

ويقولون: غوى الفصيل اذا أنفذ اللبن فمات. والمصدر غوى مقصورا وقوله " لاقعدن لهم " جواب القسم. والقسم محذوف، لان غرضه بالكلام التأكيد، وهوضد قوله " ص والقرآن ذي الذكر "(5)

___________________________________

(1) مرهذا البيت في 2 / 312 وسيأتي في 5 / 548.

(2) سورة 9 التوبة آية 126.

(3) قائله . (مدرج الريح الجرمي) وأسمه . (عامر بن المجنون)، الشعر والشعراء: 713، والمعاني الكبير: 1047 والمخصص 7 / 41، 180 وتهذيب اصلاح المنطق 2 / 54 واللسان .

(غوى) وتفسير الطبري 12 / 333.

(4) سورة 19 مريم آية 59.

(5) سورة 38 ص آية 2.

[364]

فانه حذف الجواب، وهي القسم، لان الغرض تعظيم المقسم به. وقعوده على الصراط معناه أنه يقعد على طريق الحق ليصدعنه بالاغواء حتى يصرفه إلى طريق الباطل عداوة له وكيدا.

وقوله " صراطك " المستقيم " قيل في نصب (صراطك) أنه نصب على الحذف دون الظرف، وتقديره على صراطك، كما قيل ضرب زيد الظهر والبطن أي على الظهر والبطن قال الشاعر:

لدن بهز الكف يعسل متنه *** فيه كما عسل الطريق الثعلب(6)

وقال آخر:

كأني اذا أسعى لاظفر طائرا *** مع النجم في جو السماء يصوب(7)

أي لاظفرعلى طائر، وإغواء الله تعالى لابليس لم يكن سببا لضلاله، لانه تعالى علم أنه لولم يغوه لوقع منه مثل الضلال الذي وقع أبوأعظم، فأما قول من قال: إنه لوكان مايفعل به الايمان هو مايفعل به الكفر، لكان قوله " بما أغويتني " وبما أصلحتني بمعنى واحد، فكلام غير صحيح، لان صفة الالة التي يقع بها الايمان خلاف صفتها اذا وقع بها الكفر. وإن كانت واحدة كالسيف. ولا يجب من ذلك أن تكون صفتها واحدة من أجل أنها واحدة بل لايمتنع أنه متى استعمل آلة الايمان في الضلال سمي إغواء، وإن استعمل في الايمان سمي هداية، وإن كان مايصح به الايمان والكفر والضلال واحدا.

وقوله " ثم لاتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم " قيل في معناه ثلاثة أقوال: أحدها - قال ابن عباس وقتادة وابراهيم بن الحكم والسدي وابن

___________________________________

(6) قائله ساعدة بن جؤية الهذلي ديوانه 1 / 190 وسيبويه 1 / 16، 190 وخزانة الادب 1 / 474 وتفسير الطبري 12 / 337 وغيرها.

(7) تفسير الطبري 12 / 337.

[365]

جريج: من قبل دنياهم وآخرتهم. ومن جهة حسناتهم وسيئاتهم.

الثاني - قال مجاهد: من حيث يبصرون ومن حيث لايبصرون.

الثالث - قال البلخي وأبوعلي: من كل جهة يمكن الاحتيال عليهم بها.

وقال ابن عباس: ولم يقل من فوقهم، لان رحمة الله تنزل عليهم من فوقهم، ولم يقل من تحت أرجلهم، لان الاتيان منه موحش.

وقال أبوجعفر (ع) " ثم لاتينهم من بين أيديهم " معناه أهون عليهم أمر الاخرة، ومن خلفهم آمرهم بجمع الاموال والبخل بها عن الحقوق لتبقى لورثتهم " وعن أيمانهم " وأفسد عليهم أمر دينهم بتزيين الضلالة وتحسين الشبهة " وعن شمائلهم " بتجيب اللذات اليهم وتغليب الشهوات على قلوبهم.

وقال الزجاج: " من بين أيديهم " معناه أغوينهم حتى يكذبوا بالبعث والنشور، " ومن خلفهم " حتى يجحدوا ماكان من أخبار الامم الماضية والانبياء السالفة. وإنما دخلت (من) في الخلف والقدام، و (عن) في اليمين والشمال، لان في القدام والخلف معنى طلب النهاية، وفي اليمين والشمال الانحراف عن الجهة. ودخول (ثم) في الكلام: بيان أن هذا المعنى يكون بعد القعود في طريقهم.

وقوله " ولا تجد أكثرهم شاكرين " إخبار من إبليس أن الله لايجد أكثر خلقه شاكرين.

وقيل: يمكن أن يكون علم ذلك من أحد وجهين: أحدهما - قال أبوعلي: ذلك علمه من جهة الملائكة باخبار الله تعالى إياهم. الثاني - قال الحسن: يجوز أن يكون أخبر عن ظنه ذلك، كما قال تعالى " ولقد صدق عليهم أبليس ظنه " لانه لما أغوى آدم فاستزله، قال ذرية هذا أضعف منه، وظن أنهم سيجيبونه ويتابعونه.

قوله تعالى: قال اخرج منها مذءوما مدحورا لَمن تبعك منهم لأملانّ جهنم منكم أجمعين(18)

آية بلا خلاف.

[366]

حكي عن عاصم في الشواذ " لمن تبعك " بكسر اللام، ويكون خبره محذوفا وتقديره لمن تبعك النار، وليس بمعروف. هذا خبر من الله تعالى أنه " قال أخرج منها " يعني من الجنة " مذؤما " قال ابن عباس: معناه معيبا.

وقال ابن زيد: مذموما، يقال: ذأمه يذأمه ذأما وذامه يذيمه ذيما وذاما.

وقيل الذأم والذيم أشد العيب. ومثله اللوم قال الشاعر:

صحبتك إذ عيني عليها غشاوة *** فلما انجلت قطعت نفسي أذيمها(1)

وأكثر الرواية ألومها.

وقوله " مدحورا " فالدحر الدفع على وجه الهوان والاذلال يقال: دحره يدحره دحرا ودحورا. وقيل الدحر الطرد - في قول مجاهد والسدي -.

وقوله " لمن تبعك منهم " جواب القسم، وحذف جواب الجزاء في " لمن تبعك " لان جواب القسم أولى بالذكر من حيث أنه في صدر الكلام، ولو كان في حشو الكلام، لكان الجزاء أحق منه، كقولك: إن تأتني والله أكرمك، ولايجوز أن تكون (من) ههنا بمعنى الذي، لانها لاتقلب الماضي إلى الاستقبال، ويجوز أن تقول: والله لمن جاء‌ك أضربه بمعنى لاضربه، ولم يجز بمعنى لاضربنه، كما يجوز والله أضرب زيدا بمعنى لاضرب ولايجوز بمعنى لاضربن، لان الايجاب لابد فيه من نون التأكيد مع اللام على قول الزجاج. وإنما قال " لاملان جهنم منكم " بلفظ الجمع وإن كان المخاطب واحدا على التغليب للخطاب على الغيبة، كما يغلب المذكر على المؤنث، وكما يغلب الاخف على الاثقل في قولهم: سنة العمرين، لان المفرد أخف من المضاف، لان المعنى لاملان جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين، كماذكره في موضع آخر.

وقوله " أجمعين " تأكيد لقوله " منكم " وهو وإن كان بلفظ الغائب أكد به المخاطب، لانه تابع للاول، فإن كان غائبا فهو غائب وإن كان مخاطبا،

___________________________________

(1) قائله . (الحارث بن خالد المخزومي) الاغاني .

(دار الثقافة) 3 / 313 وتفسير الطبري 1 / 265 و 12 / 343.

[367]

فهو مخاطب وإن كان متكلما، فهو متكلم كقولك: نحن منطلق أجمعون عامدون، لان الاتباع قد دل على ذلك.

قوله تعالى: وياآدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولاتقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين(19)

اية بلاخلاف.

في هذه الاية حكاية خطاب الله تعالى لادم وأمره إياه أن يسكن هو وزوجه حواء الجنة. واختلفوا في الجنة التي أسكن الله آدم فيها. فقال قوم: إنها جنة الخلد، لان الجنة اذا أطلقت معرفة بالالف واللام لايعقل منها في العرف إلا جنة الخلد، كما أن السموات والارض إذا أطلق لم يعقل منه إلا السموات المخصوصة دون سقف البيت.

وقوله " وزوجك " إنماجاء به على لفظ التذكير، لان الاضافة أغنت عن ذلك وأبانت عن المعنى، فكان الحذف أحسن، لانه أو جز يقال: لصاحب المنزل ساكن فيه، وإن كان يتحرك فيه أحيانا للتغليب، لان سكونه فيه أكثر، بجلوسه ونومه في ليله. وغير ذلك من أوقاته، وأباح الله تعالى لهما أن يأكلا من حيث شاء‌ا، وأين شاء‌ا ماشاء‌ا، ونهاهما على وجه الندب ألا تقربا هذه الشجرة. وعندنا إن ذلك لم يكن محرما عليهما بل نهاهما نهي تنزيه دون حظر وبالمخالفة فاتهما ثواب كثير، وإن لم يفعلا بذلك قبيحا، ولا أخلا بواجب. ومن خالفنا قال أخطأ في ذلك على خلاف بينهم بأن ذلك صغيرة أو كبيرة. ومن قال كانت صغيرة، منهم من قال: وقع ذلك منه سهوا ونسيانا. ومنهم من قال: وقع ذلك تأويلا من حيث نهي عن جنس الشجر، فحمله على شجرة بعينها، فأخطأ في التأويل.

وقد بينا فساد ذلك فيما مضى(1).

___________________________________

(1) في المجلد الاول ص 160 - 164.

[368]

وقوله " فتكونا من الظالمين " يحتمل أن يكون نصباعلى جواب النهي. والثاني - أن يكون جزما عطفا على النهي، فكأنه قال لا تقربا هذه الشجرة، ولاتكونا من الظالمين. ومعنى " الظالمين " على مذهبنا المرادبه الباخسين نفوسهم ثوابا كثيرا، والمفوتين نعيما عظيما. ومن قال: إنهما ارتكبا قبيحاقال: ظلما أنفسهما بارتكاب القبيح. وعلى مذهب من يقول بأن ذلك كانت صغيرة وقعت مكفرة لابد أن يحمل الظلم ههنا على نقصان الثواب الذي انحبط بمقارنة الصغيرة له، فأبو علي: ذهب إلى أن ذلك وقع منه نسيانا.

وقال البلخي وقع منه تأويلا، لانه نهي عن جنس الشجرة فتأوله على شجرة بعينها، وهذا خطأ، لان مايقطع سهواأو نسيانا لايحسن المؤاخدة به. وأما الخطأ في التأويل فقد زاد من قال ذلك قبيحاآخر. أحدهما ارتكاب المنهي. والثاني الخطأ في التأويل به.

الآية: 20 - 39

قوله تعالى: فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ماووري عنهما من سوآتهما وقال مانهيكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين(20)

آية بلاخلاف.

قرأ يحيى بن كثير ويعلى بن حكيم " إلا أن تكونا ملكين " بكسر اللام من قوله " هل أدلك على شجرة الخلد وملك لايبلى " الباقون بفتح اللام. أخبر الله تعالى أنه لما نهى آدم وزوجته عن أكل الشجرة وسوس لهما الشيطان. والوسوسة الدعاء إلى أمر بضرب خفي كالهمهمة والخشخشة.

قال رؤبة مراجعة:

وسوس يدعو مخلصا رب الفلق *** سرا وقد أون تأوين العقق(1)

___________________________________

(1) ديوانه: 108 واللسان . (؟؟) وهومن ارجوزة يصف بها صائدا مختفيا يرتقب حمر الوحش.

[369]

وقال الاعشى:

تسمع للحلى وسواسا إذا انصرفت *** كما استعان بريح عشرق زجل(2)

وقوله " ليبدي لهما " فالابداء الاظهار، وهوجعل الشئ على صفة مايصح أن يدرك، وضده الاخفاء وكل شئ أزيل عن الساتر فقد أبدي.

وقوله " ماووري " فالمواراة جعل الشئ وراء مايستره. ومثله المساترة، وضده المكاشفة، ولم يهمز، لان الثانية مدة، ولولا ذلك لوجب الهمز. وقيل للفرج سوأة، لانه يسوء صاحبه إظهاره، وكلما قبح إظهاره سوأة، والسوء من هذا المعنى. واذا بالغوا قالوا: السوأة السوآء، ولم يقصد آدم وحواء (عليهما السلام) بالتناول من الشجرة القبول من إبليس والطاعة له بل إنما قصدا عند دعائه شهوة نفوسهما، ولو قصدا القبول منه لكان ذلك قبيحالا محالة. وقال الحسن لو قصدا ذلك لكانا كافرين.

وفرق بين وسوس اليه ووسوس له مثل قولك ألقى اليه المعنى، ووسوس له معناه أوهمه النصيحة له. فان قيل كيف وصل إبليس إلى آدم وحواء حتى وسوس لهما؟ وهو خارج الجنة، وهما في الجنة، وهما في السماء وهو في الارض؟ قلنا: فيه أقوال.

أحدهما - قال الحسن: كان يوسوس من الارض إلى السماء وإلى الجنة فوصلت وسوسته بالقوة التي خلقها الله له.

الثاني - قال أبوعلي إنهما كانا يخرجان من السماء فبلغهما وهما هناك.

الثالث - قال أبوبكر بن الاخشيد إنه خاطبهما من باب الجنة وهما فيها.

وقوله " مانهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين " فيه قولان: أحدهما - أن فيه حذفا وتقديره إلا أن تكونا ملكين ولستما ملكين. ومعناه لئلا تكونا ملكين.

___________________________________

(2) ديوانه: 42 القصيدة 6.

[370]

الثاني - الاكراهة أن تكونا ملكين.

فإن قيل كيف يموه عليهما أن الاكل من الشجرة يوجب الانقلاب من صورة البشرية إلى صورة الملائكة أو يوجب الخلود في الجنة؟ ! قلنا: عن ذلك جوابان: احدهما - أنه أوهم أن ذلك في حكم الله في كل من أكل من تلك الشجرة. الثاني - أنه أراد إلا أن تكونا بمنزلة الملائكة في علو المنزلة.

واستدل جماعة من المعتزلة بهذه الاية على أن الملائكة أفضل من البشر، والانبياء منهم. وهذا ليس بشئ، لانه لم يجر ههنا ذكر لكثرة الثواب وأن الملائكة أكثر ثوابا من البشر بل كان قصد إبليس أن يقول لادم مانهاك الله عن أكل الشجرة إلا أن تكونا ملكين، فإن كنتما ملكين فقدنهاكما، وحيث لستما من الملائكة فما نهاكما الله عن أكلها، وتلخيص الكلام أن المنهي من أكل الشجرة هم الملائكة فقط، ومن ليس منهم فليس بمنهي، ولاتعلق لذلك بكثرة الثواب ولابقلته وعلى قول من كسر اللام لام متعلق في الاية ولاشبهة. والشجرة التي نهي عنهاآدم، قال قوم هي الكرمة، وقال آخرون هي السنبلة. وقيل فيه أقوال غيرهما ذكرناها في سورة البقرة(1).

قوله تعالى: وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين(21)

آية بلاخلاف.

المقاسمة لاتكون إلا بين اثنين، والقسم كان من ابليس لادم، لان آدم مقسم له. وانما قال وقاسمهما كما يقال: عاقبت اللص طارقت النبل وناولت الرحل وعافاه الله، وكذلك قاسمته، لان في جميع ذلك معنى المقابلة، كأنه قابله في المنازعة باليمين والمعاقبة مقابلة بالجزاء وكذلك المعافاة، وقال الهذلي:

وقاسمها بالله جهدا لانتم *** ألذ من السلوى اذا ما نشورها(2)

___________________________________

(1) في تفسير آية 35 المجلد 1 / 158، 162.

(2) ديوان الهذليين 1 / 158 وتفسير الطبري 12 / 350

[371]

أي حالفها، وفي موضع آخر " قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه واهله "(3) أي تحالفوا - وسئل الحسن فقيل له: أليس الله خلق آدم ليكون خليفة في الارض قال: بلى، وقال وكان لابد له من ان يهبط الارض، قال: لا والله، ولكن لو هبط مطيعا لله كان خيرا له من ان يهبط عاصيا، ولم يعاتبه الله على الهبوط، وانما عاتبه على مخالفة الامر.

وأصل القسم القسمة، قال أعشى بني ثعلبة:

رضيعي لبان ثدي أم تقاسما *** باسحم داج عوض لانتفرق(1)

والقسم تأكيد الخبر بطريقة والله، وبالله، وتالله. اخبر الله تعالى في هذه الاية ان ابليس حلف، لادم وحواء انه لهما ناصح في دعائهما إلى التناول من الشجرة ولذلك تأكدت الشبهة عندهما، وظنا ان أحدا لايقدم على اليمين بالله إلا صادقا، فكان ذلك داعيا لهما إلى تناول الشجرة.

ويجوز ان تقول: اني لك لناصح، ولايجوز ان تقول: أنا لك لناصح، لان لام الابتداء موضعها صدر الكلام لاتؤخر عنه الا في باب (ان) خاصة لئلا يجتمع حرفا تأكيد في موضع واحد، فيوهم اختلاف المعنى، لان الاصل في اجتماع الحرفين في موضع انه لاينوب احدهما عن الاخر، وتقدير الكلام، وقاسهما اني لكما ناصح، ثم فسر ذلك بقوله من الناصحين ليكون متعلقا بقوله لمن الناصحين فقدم الصلة على الموصول، ومثله قوله " واناعلى ذلكم من الشاهدين "(2) وتقديره وأنا على ذلكم شاهد، وبينه بقوله من الشاهدين.

___________________________________

(3) سورة النمل آية 49.

(1) ديوان: 150 واللسان . (عوض)، .

(سحم) وتفسير الطبري 12 / 350.

(2) سورة 21 الانبياء آية 56.

[372]

قوله تعالى: فدليهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناديهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين(22)

اية بلاخلاف.

معنى قوله " فدلاهما " حطهما إلى الخطيئة بغرور، ومنه قولهم: فلان يتدلى إلى الشر، لان الشر سافل والخير عال.

وقيل: دلاهما من الجنة إلى الارض بغرور. الغرور إظهار النصح مع ابطان الغش، وأصله الغر: طي الثوب يقال: اطوه على غره أي على كسر طيه، وقال الشاعر:

كأن غر متنه اذ نجنبه *** سير صناع في خريز تكلبه(1)

فالغرور بمنزلة الغر لما فيه من اظهار حال واخفاء حال، ومنه الغرر لخفاء مالا يؤمن فيه. والغر الذي لم يجرب الامور، لانها تخفى عليه. والغرة الاخذ على غفلة.

والغرارة الوعاء، لانها تخفي مافيها.

والاغر الابيض لظهور الثوب في غره، ومنه الغرة في الجبهة.

وقوله " فلماذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما " أي ظهرت عورتاهما، ولم يكن ذلك على وجه العقوبة، لان الانبياء لايستحقون العقوبة، وانما كان ذلك لتغير المصلحة، لانهما لماتناولا من الشجرة اقتضت المصلحة اخراجهما من الجنة ونزعهما لباسهما الذي كان عليهما، واهباطهما إلى الارض، تكليفهما فيها.

وقوله " وطفقا " قال ابن عباس: معنى طفق جعل يفعل، ومثله قولهم: ظل يفعل واخذ يفعل وابتدأ يفعل، فقديكون ذلك بأول الفعل قد يكون بالقصد إلى الفعل، ويقال: طفق يطفق وطفق يطفق طفقا.

وقوله " يخصفان عليهما من ورق الجنة " معناه يقطفان من ورق الجنة ليستترا به، ويحوزان بعضه إلى بعض، ومنه المخصف: المثقب الذي يخصف به النعل، والخصاف الذي يرفع النعل قال الشاعر:

___________________________________

(1) قائله . (دكين بن رجاء الفقيمي) اللسان .

(كلب) و " غرمتنه " ماتثنى من جلده و .

(سير صناع) أي سير متصنع به من كثر الخرز فيه.

[373]

واسعى للندى والثوب جرد *** محاسرة وفى نعلي خصاف

يعني ترقيع، وقال الاعشى:

قالت أرى رجلا في كفه كتف *** او يخصف النعل لهفي آية صنعا(1)

ومنه قول النبي صلى الله عليه وآله (خاصف النعل في الحجرة) يعني عليا (ع).

والاخصاف سرعة العدو، لانه يقطعه بسرعة.

والخصف ثياب غلاظ جدا، لانه يعسر قطعها لغلظها.

وكان الحسن يقرأ " يخصفان " بمعنى يختصفان.

وقوله " من ورق الجنة " قيل: انه من ورق التين. واصل الورق ورق الشجرة، ومنه الورق اسم الدراهم. والورقة سواد في غبرة كأنه كلون الورق الذي بهذه الصفة، وحمامة ورقاء. وفي ذلك دلالة على ان ستر العورة كان واجبا في ذلك الوقت.

وقوله " " وناداهما ربهما ألم انهكما عن تلكما الشجرة " حكاية عما قال الله تعالى لادم وحواء - بعد ان بدت سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الشجر - أليس كنت نهيتكما عن تلكما الشجرة، وانما قال " تلكما " لانه خاطب اثنين واشار إلى الشجرة، فلذلك قال (تلكما) و " أقل لكما " عطف على " أنهكما " فلذلك جزمه " ان الشيطان لكما عدو مبين " يعني ظاهر العداوة. وقد بينا ان آدم لم يرتكب قبيحا وان ماتوجه اليه بصورة النهي كان المراد به ضربا من الكراهة دون الحظر، وانما قلنا ذلك لقيام الدلالة على عصمتهما من سائر القبائح صغائرها وكبائرها، فعلى هذا لايحتاج ان نقول: انهما تأولا فأخطئا، على ماقال البلخي والرماني، أو وقع منهما سهواعلى ماقاله الجبائي.

قوله تعالى: قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين(23)

آية بلاخلاف.

___________________________________

(1) ديوانه: 83 القصيدة 13.

[374]

في هذه الاية حكاية عما قال آدم وحواء (ع) لما عاتبهما الله ووبخهما على ارتكابهما مانها هما عنه، واخبار عن اعترافهما على أنفسهما بأن قالا " ربنا ظلمنا أنفسنا " ومعناه بخسناها الثواب بترك المندوب اليه. والظلم هو النقص. وعلى مذهب من يقول انهما فعلا صغيرة لابد ان يحمل قوله " ظلمنا انفسنا " على تنقيص الثواب، لان عندهم ان الصغيرة انقصت ثواب طاعاتهم، فكان ذلك ظلما للنفس، فأما من يقول: ان الصغيرة تقع مكفرة من غير ان تنقص من ثواب فاعلها شئ، فلايتصور معنى لقوله " ظلمنا أنفسنا " ولا يثبت فيهما فائدة، لانهما لم يستحقا عقابا بلاخلاف.

وصفة ظالم مفارقة لقولنا: ظلمنا، لان الظالم اسم ذم في اكثر التعارف، وظلم قد يستعمل في غير المستحق للعقاب والذم، كما ان اسم (مؤمن) اسم مدح لمستحق الثواب، وآمن يؤمن بخلاف ذلك عند القائلين بالوعيد.

وقوله " وان لم تغفر لنا " معناه ان لم تستر علينا، لان الغفر هو الستر على مابيناه فيما مضى، وعلى مذهب من يقول: ان معصيتهم كانت صغيرة وقعت مكفرة لا معنى لقوله " وان لم تغفر لنا "، لان الغفران كائن لامحالة، ولايحسن المؤاخذة به.

وقوله " لنكونن من الخاسرين " المعنى ان لم تتفضل علينا بنعمك التي تتم بهاما فوتناه نفوسنا من الثواب بضروب تفضلك لنكونن من جملة من خسر، ولم يربح. والانسان يصح ان يظلم نفسه بأن يدخل عليها ضررا غير مستحق، ولايدفع عنها ضررا أعظم، ولايجتلب منفعة توفي عليه. ولايصح ان يكون معاقبا لنفسه، ويجوز ان يأمر الله تعالى المكلف ان يضر بنفسه، ولايحسن ان يأمره ان يعاقب نفسه، لان امر الحكيم يدل على الترغيب في الشئ، ولايجوز أن يرغبه في عقابه، كما لايجوز ان يرغبه في ذمه ولعنه.

[375]

قوله تعالى: قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الارض مستقر ومتاع إلى حين(24)

آية بلاخلاف.

اختلفوا في المعنى بهذه الاية، فقال السدي وأبوعلي الجبائي وأبوبكر ابن الاخشيد: ان المراد بالخطاب آدم وحواء وابليس، جمع بينهم في الذكر، وان كان الخطاب لهم وقع في أوقات متفرقة، لان ابليس امر بالهبوط حين أمتنع من السجود، وآدم وحواء حين أكلا من الشجرة، وانتزع لباسهما.

وقال أبوصالح: الخطاب متوجه إلى آدم وحواء والحية.

وقال الحسن - قولا بعيدا من الصواب - وهو ان المراد به آدم وحواء والوسوسة، وهذا قول منعزب عنه، لان الوسوسة لا تخاطب. والهبوط هو النزول بسرعة، والبعض هو أحد قسمي العدة، وأحد قسمي العشرة بعضها، واحد قسمي الاثنين بعضهما ولابعض للواحد، لانه لاينقسم.

وقوله " بعضكم لبعض " أضاف (البعض) إلى جملة هو منها، ولايجوز ان يضاف (غير) إلى جملة هو منها، لان اضافة (غير) إلى الجملة والتفصيل لصحة ان يكون لكل واحد غير، وليس كذلك بعض، لانه لايصح ان يكون لكل واحد بعض فأضافته إلى الجملة فقط. والعدو ضد الولي، ومن صفة العدو انه مراصد بالمكاره. ومن صفة الولي انه مراصد بالمحاب.

وقال الرماني: العدو هو النائي بنصرته في وقت الحاجة إلى معونته، والولي هو الداني بنصرته في وقت الحاجة إلى معونته.

وقوله " ولكم في الارض مستقر " فالمستقر قيل في معناه قولان: أحدهما - قال ابوالعالية: هو موضع استقرار. الثاني - انه الاستقرار بعينه، لان المصدر يجي ء على وزن المفعول نحو

[376]

و " ندخلكم مدخلا كريما "(1) أي ادخالا كريما قال الشاعر:

أقاتل حتى لاأرى لي مقاتلا *** وانجو اذا غم الجبان من الكرب(2)

وقوله " ومتاع إلى حين " فالمتاع الانتفاع بمافيه عاجل استلذاذ، لان المناظر الحسنة يستمتع بها لما فيها من عاجل اللذة. والحين الوقت، قصيرا كان او طويلا، الا انه قد استعمل على طول الوقت - ههنا - وليس بأصل فيه كقول القائل: مالقيته منذحين قال الشاعر:

ومامزاحك بعد الحلم والدين *** وقد علاك مشيب حين لاحين(3)

أي وقت لاوقت، وقال البلخي " إلى حين " معناه إلى القيامة.

قوله تعالى: قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون(25)

آية بلاخلاف.

قرأ ابن ذكوان وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب " تخرجون " بفتح التاء وضم الراء. الباقون بضم التاء وفتح الراء. من قرأ بضم التاء، فلقوله " انكم مخرجون "(4) وقوله " كذلك نخرج الموتى "(5).

ومن فتح التاء، فلاجماع الكل في قوله " ثم اذا دعاكم دعوة من الارض اذا انتم تخرجون "(6) بفتح التاء ولقوله " إلى ربهم ينسلون "(7) فأسند الفعل اليهم، ولانه اشبه

___________________________________

(1) سورة 4 النساء آية 30.

(2) قائله كعب بن مالك. اللسان . (قتل).

(3) قائله جرير. ديوانه: 586 وسيبويه 1 / 358 ومجاز القرآن 1 / 212 وتفسير الطبري 12 / 359.

ورواية الديوان وسيبويه . (مابال جهلك بعد الحلم والدين).

(4) سورة 23 المؤمنون آية 35.

(5) سورة 7 الاعراف آية 56.

(6) سورة 30 الروم آية 25.

(7) سورة 36 يس آية 51.

[377]

بماقبله من قوله " فيها تحيون وفيها تموتون "(8) وكما قال " كما بدأكم تعودون "(9) اضاف الفعل اليهم.

وفي الاية اخبار من الله تعالى وحكاية عما قاله لادم انكم تحيون في هذه الارض التي تهبطون اليها، وفيها تموتون، ومنها تخرجون، للبعث يوم القيامة.

قال الجبائي في الاية دلالة على ان الله (عزوجل) يخرج العباد يوم القيامة من هذه الارض التي حيوا فيها بعد موتهم، وانه يفنيها بعد ان يخرج العباد منها في يوم الحشر، واذا أراد افناء‌ها زجرهم عنها زجرة فيصيرون إلى ارض اخرى وهذا معنى قوله " فانما هي زجرة واحدة فاذا هم بالساهرة "(10).

قوله تعالى: يابني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون(26)

آية بلاخلاف.

قرأ أهل المدينة، وابن عامر والكسائي " ولباس التقوى " بالنصب. الباقون بالرفع، ومن نصب حمله على (انزل) من قوله " قد أنزلنا عليكم لباسا، ولباس التقو " وانزلنا ههنا مثل قوله " وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد "(1) ومثل قوله " وأنزل لكم من الانعام ثمانية أزواج "(2) أي خلق.

وانما قال " أنزلنا عليكم لباسا " لاحد أمرين.

أحدهما - لانه ينبت بالمطر الذي ينزل من السماء، في قول الحسن والجبائي.

الثاني - لان البركات تنسب إلى أنها تأتي من السماء كقوله " وأنزلنا

___________________________________

(8) سورة 7 الاعراف آية 24.

(9) سورة 7 الاعراف آية 29.

(10) سورة 79 النازعات آية 14.

(1) سورة 57 الحديد آية 25.

(2) سورة 39 الزمر آية 6.

[378]

الحديد فيه بأس شديد "(3) وقوله " ذلك " على هذا مبتدأ وخبره (خير)، ومن رفع قطع اللباس من الاول واستأنف، فجعله مبتدأ وجعل قوله " ذلك " صفة له أوبدلا أو عطف بيان.

ومن قال " ذلك " لغو فقد أخطأ، لانه يجوز أن يكون على أحد ماقلناه، و (خير) خبر ل‍ (لباس) وتقديره لباس التقوى خير لكم إذا أخذتم به وأقرب لكم إلى الله مما خلق لكم من اللباس والرياش الذي يتجمل به، وأضيف اللباس إلى التقوى كما أضيف في قوله " فأذاقها الله لباس الجوع والخوف "(4) إلى (الجوع).

وهذه الاية خطاب من الله تعالى لاهل كل زمان من المكلفين على ما يصح ويجوز من وصول ذلك اليهم، كما يوصي الانسان لولده وولد ولده - وان نزلوا - بتقوى الله وايثار طاعته، ويجوز خطاب المعدوم بمعنى أن يراد بالخطاب اذاكان المعلوم أنه سيوجد وتتكامل فيه شروط التكليف، ولا يجوز أن يراد من لايوجد لان ذلك عبث لافائدة فيه. واللباس كلما يصلح للبس من ثوب أو غيره من نحو الدرع، ومايغشى به البيت من نطع او كسوة.

واصله المصدر تقول: لبسه يلبسه لبسا ولباسا، ولبسا - بكسر اللام - قال الشاعر:

فلما كشفن اللبس عنه مسحنه *** بأطراف طفل زان غيلا موشما(5)

الغيل الساعد، ووصفها بلطف الكف.

(والريش): مافيه الجمال، ومنه ريش الطائر، وقيل اصله المصدر من راشه يريشه، وقد تريش فلان أي صار له مايعيش به، قال الشاعر أنشده سيبويه:

وريشي منكم وهو اي معكم *** وإن كنت زيارتكم لماما(6)

___________________________________

(3) وسورة 57 الحديد آية 25.

(4) سورة 16 النحل آية 112.

(5) قائله " حميد بن ثور الهلالي " ديوانه 14 ومعاني القرآن 1 / 375 وتفسير الطبري 12 / 364 واللسان . (لبس). (طفل).

(6) كتاب سيبويه 2 / 45 نسبه إلى الراعي.

[379]

وقال سعيد الجهني الرياش المعاش.

وقال الزجاج: الريش اللباس يقولون: اعطيت الرجل فريشته أي كسوته، وجمعه رياش.

قال مجاهد: وإنما ذكر اللباس - ههنا - لان المشركين كانوا يتعرون في الطواف حتى تبدو سوآتهم باغواء الشياطين، كما أغوي أبويهم قبل هذا الاغواء.

وقوله " يواري سوآتكم " معناه يستر مايسوء‌كم إنكشافه من الجسد، لان السوء‌ة مايسوء انكشافه من الجسد، والعورة ترجع إلى النقيصة في الجسد قال الشاعر:

خرقوا جيب فتاتهم *** لم يبالوا سوء‌ة الرجله(7)

ولباس التقوى فيه خمسة أقوال: احدها - قال ابن عباس: هو العمل الصالح.

الثاني - قال قتادة والسدي وابن جريج هوالايمان.

الثالث - قال الحسن: هوالحياء الذي يكسبكم التقوى.

الرابع - قال الجبائي: هوالذي يقتصر عليه من أراد التواضع والنسك في العبادة من لبس الصوف والخشن من الثياب.

الخامس - قال الرماني: هوالعمل الذي يقي العقاب، وفيه الجمال مثل جمال الناس من الثياب.

وقال الحسين بن علي المغربي " لباس التقوى " يعني الذي كان عليكمافي الجنة خيرلكم بدلالة قوله " ذلك " وهي للبعيد.

وقوله " ذلك من آيات الله " معناه إن الذي فعلناه بكم من حجج الله التي دلتكم على توحيده من الله " لعلهم يذكرون " معناه لكي يتفكروا فيها ويؤمنوا بالله وبرسوله.

___________________________________

(7) اللسان . (رجل) والكامل للمبرد 1 / 165 وتفسير الطبري 12 / 361 وشرح الحماسة 1 / 117.

[380]

قوله تعالى: يابني آدم لا يفتنّنّكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يريكم هو وقبيلة من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لايؤمنون(27)

آية بلاخلاف.

هذا خطاب من الله لاولاد آدم العقلاء منهم المكلفين، فنهاهم أن يفتنوا بفتنة الشيطان. والفتنة هي الاختبار والابتلاء وافتتان الشيطان يكون بالدعاء إلى المعاصي من الجهة التي تميل اليها النفوس وماتشبهيه. وانما جاز ان ينهي الانسان بصيغة النهي للشيطان، لانه أبلغ في التحذير من حيث يقتضي أنه يطلبنا بالمكروه، ويقصدنا بالعداوة، فالنهي له يدخل فيه النهي لنا عن ترك التحذير منه وقوله " كمااخرج أبويكم من الجنة " يعني أغوى أبويكم آدم وحواء حتى خرجا من الجنة، فنسب الاخراج اليه لماكان باغوائه، وجرى ذلك مجرى ذم الله تعالى فرعون بأنه يذبح أبناء‌هم وإنما أمر بذلك، وتحقيق الذم فيها راجع إلى فعل القتل المذموم، ولكنه يذكر بهذه الصفة لبيان منزلة فعله في عظم الفاحشة.

وقوله " ينزع عنهما لباسهما " في موضع الحال من الشيطان، وتقديره نازعا عنهما لباسهما لكي تبدو سوء‌اتهما فيرياها، والنزع قلع الشئ من موضعه الذي هو ملابس له ويقال: نزع من الامر ينزع نزوعا تشبيها بهذا، ونازعه اذا حاول كل واحد منهما أن يزيل صاحبه عما هو عليه، وغرض الشيطان في ان يريا سوآتهما هو ان يغمهما ذلك ويسوء‌هما ان تبدو لغيرهما، كما بدالهما، لان ذلك صفة كل من له مروء‌ة. واللباس الذي ينزع عنهما قيل فيه ثلاثة

[381]

أقوال: احدها - قال ابن عباس - قال ابن عباس: كان لباسهما الظفر.

وقال وهب بن منية كان لباسهما نورا.

وقال قوم هي ثياب من ثياب الجنة.

وقوله " إنه " يعني الشيطان " يراكم هو وقبيله من حيث لاترونهم " وانما كانوا يرونا ولانراهم لان أبصارهم احدمن ابصارنا، وأكثر ضوء‌ا من أبصارنا، فابصارنا قليلة الشعاع، ومع ذلك أجسامهم شفافة وأجسامنا كثيفة، فصح أن يرونا ولايصح منا أن نراهم، ولو تكثفوا لصح منا أيضا أن نراهم.

وقال أبوعلي: في الاية دلالة على بطلان قول من يقول: إنه يرى الجن من حيث أن الله عمم أن لانراهم، قال: وإنما يجوز أن يروا في زمن الانبياء بأن يكثف الله أجسامهم.

وقال أبوالهذيل وأبوبكربن الاخشيد: يجوز أن يمكنهم الله أن يتكثفوا فيراهم حينئذ من يختص بخدمتهم. وقبيل الشيطان، قال الحسن وابن زيد: هو نسله، وبه قال أبوعلي، واستدل على ذلك بقوله " أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو "(1).

وقوله " إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لايؤمنون " معناه إنا حكمنا بذلك لانهم يتناصرون على الباطل، ومثله قوله " وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا "(2) أي حكموا بذلك حكما باطلا. و (حيث) في موضع خفض بحرف (من) غير أنها بنيت على الضم، وأصلها ان تكون مرفوعة لانها ليست لمكان بعينه، وان مابعدها صلة لها ليست بمضافة اليه. ومنهم من يقول (من حيث) خرجت - بالفتح - لالتقاء الساكنين. ومنهم من يقول (حوث) ولايقرأ بهما.

___________________________________

(1) سورة 18 الكهف آية 51.

(2) سورة 43 الزخرف آية 19.

[382]

قوله تعالى: وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباء‌نا والله أمرنا بها قل إن الله لايأمر بالفحشاء أتقولون على الله مالا تعلمون(28)

آية بلاخلاف.

الكناية في قوله " فعلوا فاحشة " كناية عن المشركين، الذين كانوا يبدون سوآتهم في طوافهم: النساء والرجال الحمس خاصة، وله خبر طويل - في قول ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والشعبي والسدي، وقالت العامريد:

اليوم يبدو بعضه او كله *** ومابدا منه فلا أحله(1)

قال الفراء: كانوا يعملون ستا من سور مقطعة يشدون على حقوهم فسمي حوقا، وإن عمل من صوف سمي رهطا.

وقال الحسن وأبوعلي: هي كناية عن عبدة الاوثان وفواحشهم الشرك بالله والكفر بنعمه.

والفاحشة ماعظم قبحه في قول الزجاج، يقال فحش يفحش فحشا، ولا يقال في الصغيرة - عند من قال بها - فاحشة، وإن قيل فيها: إنها قبيحة، كما لايقال في القوم فاحش، وإن قيل: قبيح. أخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار أنهم " إذا فعلوا فاحشة " وارتكبوا قبيحا اعتذروا لنفوسهم بأن قالوا: وجدنا آباء‌نا يفعلونها.

قال الحسن: وإنما دعاهم إلى هذا القول، لان أهل الجاهلية كانوا أهل اجبار، وقالوا: لوكره الله مانحن عليه من هذا الدين لنقلنا عنه، فهوقوله " والله أمرنا بها " وقال غيره: إنهم توهموا أن آباء‌هم لم يفعلوا ذلك إلا وهومن قبل الله. وإنما قال آباؤهم بسببه فحينئذ رد الله عليهم قولهم بأن قال " إن الله لايأمر بالفحشاء " ثم قالى على وجه الانكار " أتقولون على الله مالا تعلمون "؟ !

___________________________________

(1) تفسير الطبري: 12 / 377، 389، 390، 391، 393 ومعاني القرآن للفراء 1 / 377.

[383]

لانهم ان قالوا لا، نقضوا مذهبهم، وإن قالوا: نعم، افتضحوا في قولهم وقال الزجاج: معنى " أتقولون على الله " أتكذبون عليه؟ ! وفي الاية حجة على أصحاب المعارف، وأهل التقليد، لانه ذم الفريقين، ولوكان الامر على ما يقولون لما توجه عليهما الذم !.

فإن قيل: إنما أنكر الله قولهم: إن الله أمرنا بها، ولايدفع ذلك أن يكون مريدا لها، لان الامر منفصل من الارادة. قلنا: الامر لايكون أمرا إلا بارادة المأمور به، فما أراده فقد رغب فيه ودعا اليه فاشتركا في المعنى.

قوله تعالى: قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون(29) فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون(30)

آيتان، تمام الاولى في الكوفي

" تعودون " وفي البصري تمام الاولى " مخلصين له الدين " وتمام الاخرى عند الجميع " مهتدون ". لما أخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار أنهم قالوا: إن الله أمرنا بمانفعله ونعتقده من الفواحش، ورد عليهم بقوله " إن الله لايأمر بالفحشاء " أمر نبيه صلى الله عليه وآله أن يقول " ان الله يأمر بالقسط " وهو العدل - في قول مجاهد والسدي وأكثر المفسرين - وأصله العدول، فاذاكان إلى جهة الحق، فهو عدل. ومنه قوله " إن الله يحب المقسطين "(1).

___________________________________

(1) سورة 5 المائدة آية 45 وسورة 49 الحجرات آية 9 وسورة 60 الممتحنة آية 8.

[384]

وإذا كان إلى جهة الباطل، فهوجور، ومنه قوله " وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا "(2). وأمرهم أن يقيموا وجوههم عندكل مسجد وقيل فيه وجوه: أحدها - قال مجاهد والسدي وابن زيد: معناه توجهوا إلى قبلة كل مسجد في الصلاة على استقامة. الثاني - قال الربيع: توجهوا بالاخلاص لله، لا للوثن ولاغيره.

وقال الفراء: معناه اذا دخل عليك وقت الصلاة في مسجد فصل فيه، ولاتقل آتى مسجد قومي، وهو اختيار المغربي: وقوله " وادعوه مخلصين له الدين " أمرهم بالدعاء والتضرع اليه تعالى على وجه الاخلاص. وأصل الاخلاص إخراج كل شائب من الخبث، ومنه إخلاص الدين لله (عزوجل) وهو توجيه العبادة اليه خالصا دون غيره.

وقوله " كما بدأكم تعودون " قيل في معناه قولان: أحدهما - قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد وابن زيد: كما خلقكم أولا تعودون بعد الفتاء، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال (يحشرون عراة حفاة عزلا، كما بدأنا أول خلق نعيده. وعدا علينا انا كنا فاعلين).

الثاني - قال ابن عباس وجابر في رواية أنهم يبعثون على ماماتوا عليه: المؤمن على إيمانه والكافر على كفره.

وإنما ذكر هذا القول، لاحد أمرين: أحدهما - قال الزجاج: على وجه الحجاج عليهم، لانهم كانوا لايقرون بالبعث. الثاني - على وجه الامر بالاقرار به، كأنه قيل وأقروا أنه كما بدأكم تعودون. والبدأ فعل الشئ أول مرة، والعود فعله ثاني مرة. قديكون فعل أول خصلة منه بدأ، كبدء الصلاة، وبدء القراء‌ة، بدأهم وأبداهم لغتان.

وقوله " فريقا هدى " فالفريق جماعة انفصلت من جماعة، وذكر (فريق) ههنا أحسن من ذكر (نفر وقوم أو نحوه) لمافيه من الاشعار بالمباينة ونصب " فريقا هدى ".

___________________________________

(2) سورة 72 الجن آية 15.

[385]

وقوله " وفريقا حق عليهم الضلالة " لتقابل فريقا هدى بعطف فعل على فعل، وتقديره وفريقا أضل إلا انه فسره مابعده نظير قوله " يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما "(1).

وقال الفراء: نصب فريقا على الحال، والعامل فيه (تعودون) فريقا، والثاني عطف عليه، ولو رفع على تقدير أحدهما كذا، والاخر كذا، كان جائزا كماقال " قدكان لكم آية في فئتين التقتا: فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة "(2) والهدي والاضلال في الاية يحتمل أربعة أوجه: أحدها - أنه حكم بأن هؤلاء مهتدون مدحا لهم، وحكم بأن اولئك ضالون ذمالهم.

الثاني - الدلالة التي انشرح بها صدور هؤلاء للاهتداء، وضاقت بها صدور أولئك لشدة محبتهم لماهم عليه من مذهبهم.

الثالث - هدى بأن لطف لهؤلاء بما اهتدوا عنده، وصار كالسبب لضلال أولئك بتخيرهم لينتقلوا عن فاسد مذهبهم.

الرابع - أنه هدى هؤلاء إلى طريق الثواب.

وأولئك لعمى والاضلال عنه بالعقاب في النار.

وقوله " انهم اتخذوا الشياطين اولياء من دون الله " اخبار منه تعالى انه فعل بهم مافعل من الضلال، لانهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله، والاتخاذ الافتعال من الاخذ بمعنى اعداد الشئ لامر من الامور، فلما أعدوا الشياطين لنصرتهم، كانوا قد اتخذوهم أولياء باعدادهم.

وقوله " ويحسبون انهم مهتدون " يعني هؤلاء الكفار يظنون أنهم مهتدون. والحسبان والظن واحد، وهو ماقوي عندالظان كون المظنون على ماظنه مع تجويزه أن يكون على غيره، فبالقوة يتميز من اعتقاد التقليد والتخمين، وبالتجويز يتميز من العلم، لان مع العلم القطع.

___________________________________

(1) سورة 76 الدهر آية 31.

(2) سورة 3 آل عمران آية 13.

[386]

قوله تعالى: يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لايحب المسرفين(31)

آية بلاخلاف.

أمر الله تعالى في هذه الاية أولاد آدم الذكور منهم، - لان (بني) جمع ابن، وإنما نصب لانه نداء مضاف، والابن هو الولد الذكر، والبنت الولد الانثى - أمرهم الله بأن يأخذوا، ومعناه أن يتناولوا زينتهم. والزينة هي اللبسة الحسنة، ويسمى مايتزين به زينة، كالثياب الجميلة والحلية. ونحو ذلك.

وقوله " عند كل مسجد " روي عن أبي جعفر (ع) أنه قال في الجمعات والاعياد.

وقال ابن عباس وعطاء وابراهيم والحسن وقتادة وسعيد ابن جبير: كانوا يطوفون بالبيت عراة فنهاهم الله عن ذلك.

وقال مجاهد: ماوارى العورة، ولوعباء‌ة.

وقال الزجاج: هو أمر بالاستتار في الصلاة، قال أبوعلي: ولهذا صار التزين للاعياد، والجمع سنة. وقيل في وجه شبهتهم في تعريهم في الطواف وإبداء السوأة وجهان: أحدهما - أن الثياب قد دنستها المعاصي فيجردوا منها. الثاني - تفألوا بالتعري من الذنوب.

وقوله " وكلوا واشربوا " صورته صورة الامر، ومعناه إباحة الاكل والشرب.

وقوله " ولاتسرفوا " نهي لم عن الاسراف، وهو الخروج عن حد الاستواء في زيادة المقدار.

وقيل: المراد الخروج عن الحلال إلى الحرام، وقيل: الخروج مما ينفع إلى مايضر، وقيل: الزيادة على الشبع فالاسراف والاقتار مذمومان.

وقوله " إنه لايحب المسرفين " معناه يبغض المسرفين، لانه ذم لهم، ولو كان بمعنى لايحبهم ولايبغضهم لم يكن ذما لهم ولامحا، وقال أبوعلي: من لايحبه الله فهو يبغضه ويعاديه.

[387]

قوله تعالى: قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحيوة الدنيا خالصة يوم القيمة كذلك نفصل الايات لقوم يعلمون(32)

آية بلاخلاف.

قرأ نافع وحده " خالصة يوم القيامة " بالرفع. الباقون بالنصب.

من رفعه جعله خبر المبتدأ الذي هو (هي) ويكون " للذين آمنوا " تبيينا للخلوص، ولاشئ فيه على هذا.

ومن قال هذا حلوحامض أمكن أن يكون " للذين آمنوا " خبراو (خالصة) خبرا آخر.

ومن نصب (خالصة) كان حالا مما في قوله " للذين آمنوا " ألا ترى أن فيه ذكرا يعود إلى المبتدأ الذي هو (هي) فخالصة حال عن ذلك الذكر، والعامل في الحال مافي اللام من معنى الفعل، و " هي " متعلقة بمحذوف يعود اليه الذكر الذي كأن يكون في المحذوف، ولوذكر ولم يحذف، وليس متعلقا بالخلوص، كما تعلق به في قول من رفع. وتقديره هوللذين آمنوا في الحياة الدنيا لهم خالصة، ذكره الفراء.

وحجة من رفع أن المعنى هي خالصة للذين آمنوا يوم القيامة، وإن شركهم فيها غيرهم من الكافرين في الدنيا.

ومن نصب فالمعنى عنده هي ثابتة للذين آمنوا في حال خلوصها يوم القيمة لهم وانتصابه على الحال أشبه بقوله " إن المتقين في جنات وعيون آخذين "(1) ونحو ذلك مما انتصب الامر فيه على الابتداء وخبره، وما يجري مجراه إذا كان فيه معنى (فعل).

___________________________________

(1) سورة 51 الذاريات آية 15.

[388]

لما أباح الله تعالى وحث على تناول الزينة في كل مسجد وندب اليه وأباح الاكل والشرب، ونهى عن الاسراف، وهناك قوم يحرمون كثيرا من الاشياء من هذا الجنس، قال الله تعالى منكرا ذلك " من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ".

وقيل في معنى الطيبات قولان: أحدهما - المستلذ من الرزق. الثاني - الحلال من الرزق، والاول أشبه بخلوصه يوم القيامة.

وإنما ذكر الطيبات من جملة ذلك - في قول ابن زيد والسدي - لانهم كانوا يحرمون البحائر والسوائب، وظاهر الاية يدل على أنه لايجوز لاحد تجنب الزينة والملاذ الطيبة على وجه التحريم، وأما من اجتنبها على ان غيرها أفضل منها فلا مانع منه.

ثم أخبر تعالى فقال (هي) يعني الطيبات " للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة " وقيل في معنى " خالصة يوم القيمة " قولان: أحدهما - قال ابن عباس والحسن والضحاك وابن جريج، وابن زيد: هي خالصة للمؤمنين دون أعدائهم من المشركين.

وقال أبوعلي: هي خالصة لهم من شائب مضرة تلحقهم.

وقال أبوعلي الفارسي: لايخلو قوله " في الحياة الدنيا " من أن يتعلق ب‍ (حرم) أو ب‍ (زينة) أو ب‍ (أخرج) أو ب‍ " الطيبات " أو ب‍ " الرزق " من قوله " من الرزق " أو بقوله " آمنوا " ولايجوز أن يتعلق ب‍ (حرم) فيكون التقدير قل من حرم في الحياة الدنيا، ويكون المعنى قل من حرم في وقت الحياة الدنيا، ولايجوز أن يتعلق ب‍ (زينة) لانه مصدر أوجار مجراه، ولما وصفها لم يجز أن يتعلق بها شئ بعد الوصف كما لايتعلق به العطف عليه، ويجوز أن يتعلق ب‍ (أخرج) لعباده في الحياة الدنيا.

فإن قيل: كيف يتعلق ب‍ (أخرج) وفيه فصل بين الصلة والموصول بقوله " قل هي للذين آمنوا " وهو كلام مستأنف ليس في الصلة؟ قيل لايمنع الفصل به، لانه مما يسدد القصة، وقد قال " والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة "(1) فقوله " وترهقهم ذلة "

___________________________________

(1) سورة 10 يونس آية 27.

[389]

معطوف على كسبوا، فكذلك قوله " قل هي للذين آمنوا ". ويجوز أن يتعلق ب‍ (الرزق) أيضا إن كان موصولا. ويجوز أن يتعلق ب‍ (آمنوا) الذي هو صلة (الذين) أي آمنوا في الحياة الدنيا، وكل ماذكرناه من هذه الاشياء يجوز أن يتعلق به هذا الظرف.

وقوله " كذلك نفصل الايات " أي كما نميز لكم الايات وندلكم بها على منافعكم وصلاح دينكم، كذلك نفصل الايات لكل عاقل يعلم معناها ودلالتها.




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (11)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 201

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 9842969

  • التاريخ : 16/05/2021 - 17:30

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net