00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة الاعراف من ( آية 90 ـ 124) 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : التبيان في تفسير القرآن (الجزء الرابع)   ||   تأليف : شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي

قوله تعالى: وقال الملا الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون(90)

آية بلاخلاف.

في هذه الاية حكاية ماقالت الجماعة الكافرة الجاحدة بآيات الله ولنبوة شعيب للباقين منهم وأقسموا عليهم " لئن اتبعتم شعيبا " وانقدتم له ورجعتم إلى أمره ونهيه لان الاتباع هو طلب الثاني موافقة الاول فيما دعا اليه تقول: اتبعه اتباعا وتبعه تبعا، وهو متبع وتابع " إنكم اذا لخاسرون " وقوله " إنكم " جواب القسم واللام في (لخاسرون) لام التأكيد في خبر (إن) و (الخسران) ذهاب رأس المال، فكأنهم قالوا: لئن تبعتموه كنتم بمنزلة من ذهب رأس ماله أو أعظم من ماله، لانكم لاتنتفعون باتباعه فتخسرون في اشتغالكم بما لاتنتفعون به وبانقضاء عمركم إذ لم تكسبوا فيه نفعا لانفسكم.

___________________________________

(2) تفسير الطبري 12 / 564 وقد مر في 1 / 315، 345.

[470]

وقيل: معناه لها لكون، وقيل: لمفتونون.

و (اذا) من عوامل الافعال، وانما دخلت - ههنا - على الاسم، لانها ملغاة، واذا ألغيت من العمل صلح ذلك فيها، لانها حينئذ تجري مجرى الف الاستفهام في أنها لاتختص، لانها لاتعمل.

وقوله " إنكم إذا لخاسرون " جواب القسم وقد سد مسد جواب الشرط من قوله " لئن " ولايجوز قياسا على ذلك إن أتاك زيد إنه لكريم، لان جواب الشرط انما هو بالفعل أو الفاء لترتب الثاني بعد الاول بلا فصل.

قوله تعالى: فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين(91)

آية واحدة بلاخلاف.

قد مضى تفسير مثل هذه الاية فلامعنى لاعادته(1).

والفاء في فأخذتهم عطف على قوله " قال الملا " وفيها معنى الجواب كأنه قيل: كان جواب ما ارتكبوا من عظيم الفساد أخذ الرجفة لهم بالعذاب وأخذ الرجفة إلحاقها بهم مدمرة عليهم، ولايقال أخذتهم الرحمة، لان العذاب لماكان يذهب بهم اهلاكا، صلح فيه الاخذ ولايصلح في النعيم.

والرجفة الزلزلة، وهي حركة تزلزل الاقدام وتوجب الهلاك لشدتها.

والاصباح الدخول في الصباح، والامساء الدخول في المساء ويستعمل على وجهين: أحدهما - مايحتاج إلى خبر.

والاخر - مكتف بالاسم بمنزلة (سواء) والجثوم البروك على الركبة، جثم يجثم جثوما، وقد جثم هذا الامر على قلبي أي ثقل عليه لثبوته على تلك الحال.

___________________________________

(1) في تفسير آية 77 من هذه السورة.

[471]

قوله تعالى: ألذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانواهم الخاسرين(92)

آية بلاخلاف.

" الذين " الاولى في موضع رفع بأنه مبتدأ وخبره " كان لم يغنوا فيها " وهذه الاية إخبار من الله تعالى عن حال هؤلاء الكفار الذين كذبوا شعيبا.

وشبههم بمن لم يغن فيها، ومعنى " لم يغنوا " لم يقيموا اقامة مستغن بها عن غيرها، والغاني النازل، والمغاني المنازل، وغنى بالمكان اذا أقام به يغني غناء وغنيا، وقال النابغة:

غنيت بذلك اذهم لك جيرة *** منها بعطف رسالة وتودد(2)

وقال آخر: ولقد تغنى بها جيرانك المم‍؟؟ سكوا منك بعهد الوصال(3) وقال رؤبة: وعهد مغني رمته بضلفعا(1) وقال حاتم طي:

غنينا زمانا بالتصعلك *** فكلا سقاناه بكأسيهما الدهر

فمازادنا بغيا على ذي قرابة *** غنانا ولاأزرى بأحسابنا الفقر(2)

ووجه التشبيه في قوله " كأن لم يغنوا فيها " أن حال المكذبين يشبه حال من لم يكن قط في تلك الديار، لما أخذتهم الرجفة بالاهلاك، وهذا مما يتحسر عليه الناس اعظم الحسرة كما قال الشاعر:

كأن لم يكن بين الجحون إلى الصفا *** أنيس ولم يسمر بمكة سامر

___________________________________

(2) سيأتي هذا البيت في 5 / 417.

(3) قائله عبيدة بن الابرص ديوانه: 58 ومختارات ابن الشجري 2 / 37 والخصائص لابن جني 2 / 255.

(1) ديوانه: 87 وتفسير الطبري 12 / 570.

(2) مجمع البيان 2 . (صيدا) 450 واللسان . (صعلك).

[472]

بلى نحن كنا أهلها فأبادنا *** صروف الليالي والجدود العواثر(1)

وإنما أعيد ذكر (الذين) دفعة ثانية من غير كناية لتغليظ الامر في تكذيبهم شعيبا مع بيان أنهم الذين حصلوا على الخسران، لا من نسبوه إلى ذلك من أهل الايمان.

و (هم) في قوله " هم الخاسرون " فصل، ويسميه الكوفيون عمادا، وإنما دخل الفصل مع أن المضمر لايوصف، لانه يحتاج فيه إلى التوكيد ليتمكن معناه في النفس، وان الذي بعده من المعرفة لايخرجه ذلك من معنى الخبر، وإن كان الاصل في الخبر النكرة.

وهذه الاية جواب لقولهم " لئن اتبعتم شعيبا إنكم اذا لخاسرون " فبين الله في هذه الاية أن الخاسرين هم الذين كذبوه لاالذين اتبعوه.

قوله تعالى: فتولى عنهم وقال ياقوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين(93)

آية بلاخلاف.

هذا إخبار من الله تعالى عما فعل شعيب (ع) مع قومه لما أبلغهم رسالات ربه تعالى، فلما لم يقبلوها وأقاموا على تكذيبه وجحد ماأتى به، أنه تولى عنهم ومعناه أعرض عنهم إعراض آيس منهم، فنزل بهم العذاب " فتولى عنهم " لانه كان مقبلا عليهم بالوعظ والدعاء إلى الحق، فلما تمادوا في غيهم وأخذهم الله ببأسه تولى عنهم، وانما قال لمن هلك " لقد أبلغتكم رسالات ربي " لان معناه إن مانزل بكم من البلاء وان كان عظيما، فهو حق، لانه بجنايتكم على أنفسكم، فلاينبغي أن يحزن عليهم للامور التي ذكرناها من شأنهم.

قال ابن اسحاق عزى نفسه عنهم بعد أن كان حزن عليهم.

___________________________________

(1) قيل: إنه لعمروبن الحارث بن مضاض بن عمرو.

وقيل: هو للحارث الجرهمي اللسان . (حجن).

[473]

وقوله " رسالات ربي " إنما أتى بلفظ الجمع ليدل على اختلاف معاني الرسالة اذا جمعت، فهي تجري مجرى جمع الاجناس، كقولك تمور، وأما ضربات فانما يدل على عدد المرات.

وقوله " فكيف آسى " أحزن - في قول ابن عباس والحسن والسدي - والاسى شدة الحزن يقال أسى يأسى أسى قال الشاعر: وانحلبت عيناه من فرط الاسى(1) وقال امرؤ القيس:

وقوفا بها صحبي على مطيهم *** يقولون لاتهلك أسى وتجمل(2)

وقوله فكيف " آسى " لفظه لفظ الاستفهام والمراد به النفي، وانما كان كذلك: لان جوابه في هذا الموضع لايصح إلا بالنفي، كما يدخله معنى الانكار لهذه العلة.

قال العجاج: أطربا وأنت قنسري(3) أي لايكون ذلك مع كبر السن، وهذا تسل من شعيب (ع) بمايذكر من حاله معهم في مناصحته لهم وتأدية رسالة ربه اليهم، وأنه لاينبغي أن يأسى عليهم مع تمردهم في كفرهم وشدة طغيانهم، وانه لاحيلة في فلاحهم، قال البلخي: وفي ذلك دلالة على انه لايجوز للمسلم ان يدعو للكافر بالخير كما يقول: لعن الله فلانا واخزاه ثم يقول هداه الله وارشده ورحمه.

وقال ابوعبدالله البجلي: ابوجاد، وهواز، وحطي، وكلمون، وصعفص، وقرشت: أسماء ملوك مدين، وكان ملكهم يوم الظلة في زمان شعيب (كلمون) فقالت أخت كلمن تبكية:

___________________________________

(1) مر تخريجه في 3 / 578.

(2) ديوانه: 144 من معلقته الشهيرة التي مطلعها:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل *** بسقط اللوى بين الدخول فحومل

(3) مرتخريجه في 4 / 350.

[474]

كلمون هد ركني *** هلكه وسط المحلة

سيد القوم أتاه الحت‍ *** ف نارا وسط ظله

جعلت نارا عليهم *** دارهم كالمضمحلة(2)

قوله تعالى: وماأرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضّرّعون(94)

آية بلاخلاف.

أخبر الله تعالى في هذه الاية أنه لم يرسل رسولا إلى اهل قرية الا واخذ أهلها بالباساء والضراء تغليظا في المحنة وتشديدا للتكليف ليلين قلوبهم، ولكي يتضرعوا إلى ربهم في كشف مانزل بهم في ذلك، وانما يفعل بهم ذلك لعلمه بما لهم فيه من الصلاح لكي يتضرعوا.

والقرية أصلها الجمع من قولهم: قريت الماء أقريه قريا اذا جمعته، فالقرية مجتمع الناس في المنازل المتجاورة مماهو دون المدينة، وكذلك تسمى المدينة أيضا قرية.

والنبي هو الذي يؤدي عن الله تعالى بلا واسطة من البشر، وقيل: هو من كان ينبئ بالوحي عن الله تعالى مما أنزله عليه.

وقيل: في معنى " الباساء والضراء " ثلاثة أقوال: احدها - ان البأساء مانالهم من الشدة في أنفسم، والضراء مانالهم في أموالهم.

والثاني - ماقال الحسن: ان البأساء الجوع، والضراء الالام من الامراض والشدائد التي تصيبهم.

الثالث - قال السدي: ان البأساء الجوع والضراء الفقر.

وقيل في معنى " لعلهم " قولان: احدهما - انما عاملناهم معاملة الشاك في ايراد أسباب التضرع مظاهرة عليهم في الحجة.

___________________________________

(2) تفسير الطبري 12 / 568

[475]

الثاني - ان يكون (لعل) بمعنى اللام وتقديره ليضرعوا.

واصل " يضرعون " يتضرعون فادغمت التاء في الضاد ولايدغم الضاد في التاء، لان في التاء استطالة، وانما يدغم الناقص في الزائد، ولايدغم الزائد في الناقص لما في ذلك من الاخلال.

قوله تعالى: ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مسّ آباء‌نا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لايشعرون(95)

آية بلاخلاف.

أخبر الله تعالى في هذه الاية انه بدل مكان السيئة الحسنة " وقالوا قد مس آباء‌نا الضراء والسراء " ومعناه انه تعالى بعد ان يفعل بهم البأساء والضراء ليتضرعوا يبدل مكان السيئة الحسنة. والتبديل وضع أحد الشيئين مكان الاخر، فلما رفعت السيئة عنهم ووضعت الحسنة كانت مبدلة بها.

وقال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: المراد بالسيئة والحسنة - ههنا - الشدة والرخاء وهو مايسؤ صاحبه او يحسن اثره عليه.

وقال ابوعلي: جرى في هذا الموضع على سبيل المثل.

وقوله " حتى عفوا " قال ابن عباس ومجاهد والسدي وابن زيد: معناه حتى كثروا.

وقال الحسن حتى سمنوا، وأصله الترك من قوله " فمن عفي له من أخيه شئ "(1) أي ترك له، وعفوا تركوا حتى كثروا، قال الشاعر:

ولكنا نعض السيف منها *** بأسوق عافيات الشحم كوم(2)

وقوله " وقالوا قد مس آباء‌نا الضراء والسراء " معناه ان الكفار قال

___________________________________

(1) سورة 2 البقرة آية 178.

(2) مر تخريجه في 2 / 214

[476]

بعضهم لبعض: ان هكذا عادة الدهر، فكونوا على ماأنتم عليه كماكان آباؤكم فلم ينفكوا عن تلك الحال فينتقلوا.

وقوله " فأخذناهم بغتة وهم لايشعرون " اخبار من الله تعالى انه أخذ من ذكره ممن لم يقبل مواعظ الله وخرج عن طاعته إلى عداوته " بغتة " يعني فجاء‌ة وهي الاخذ على غرة من غير تقدمة تؤذن بالنازلة تقول: بغته يبغته بغتة كما قال الشاعر: * وافظع شئ حين يفجؤك البغت *(3) ومعنى الاية انه تعالى يدبر خلقه الذين يعملون بمعاصيه ان يأخذهم تارة بالشدة واخرى بالرخاء، فاذا فسدوا على الامرين جميعا اخذهم بغتة ليكون ذلك اعظم في الحسرة، وابلغ في باب العقوبة.

ومعنى قوله " وهم لايشعرون " أي لم يشعروا بنزول العذاب الا بعد حلوله.

قوله تعالى: ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض ولكن كذبوا فاخذناهم بما كانوا يكسبون(96)

آية بلاخلاف.

قرأ ابن عامر " لفتحنا " بتشديد التاء. الباقون بتخفيفها.

من شدد ذهب إلى التكثير، ومن خفف، فلانه يحتمل القلة والكثرة.

ومعنى (لو) امتناع الشئ لامتناع غيره، و (لولا) معناه امتناع الشئ لوجود غيره.

وقال الرماني: معنى (لو) تعليل الثاني بالاول الذي يجب بوجوبه، وينتفي بانتفائه على طريقة ان كان، و (ان) فيهاهذا المعنى على طريقة يكون.

والفرق بين (لو) و (ان) أن (ان) تعلق الثاني بالاول الذي يمكن أن يكون ويمكن أن لايكون كقولك ان آمن هذا الكافر استحق الثواب،

___________________________________

(3) مرتخريجه في 4 / 115.

[477]

وهذا مقدور وليس كذلك (لو) لانها قد تدخل على مالايمكن ان يكون كقولك: لو كان الجسم قديما لاستغنى عن صانع.

وفتحت (أن) بعد (لو) لانها مبنية على شبه التعليل اللفظي لاختصاصه بالفعل الماضي، فكأنه قيل لوكان أن اهل القرى آمنوا، وصارت (لو) خلفا منه.

واما (لولا انه خارج لاتيته) فتشبه (لو) من جهة تعليق الثاني بالاول فأجريت مجراها.

يقول الله تعالى " لو ان اهل " هذه " القرى " التي اهلكناها: من قوم لوط وصالح، وشعيب وغيرهم أقروا بوحدانيتي وصدقوا رسلي " لفتحنا عليهم بركات " وهي الخيرات النامية، وأصله الثبوت فنمو الخير يكون كناية عن ثبوته بدوامه، فبركات السماء بالقطر، وبركات الارض بالنبات والثمار، كما وعد نوح بذلك أمته، فقال " يرسل السماء عليكم مدرارا..(1) " الايات.

وقيل بركات السماء اجابة الدعاء، وبركات الارض تيسير الحوائج " ولكن كذبوا " يعني كذبوا برسلي فأخذناهم بما كانوا يكسبون من المعاصي ومخالفتي. والكسب العمل الذي يجتلب به نفع او يدفع به ضرر عن النفس، وقد يكسب الطاعة ويكسب المعصية اذا اجتلب النفع من وجه يقبح.

قال البلخي: وفى الاية دلالة على أن المقتول ظلما لولم يقتل لم تجب اماتته، لانه تعالى قال " لوأن اهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض " وهذا انما يقوله لقوم أهلكهم ودمر عليهم، وقدكان عالما بما ينزل بهم من الهلاك، فأخبر أنهم لو آمنوا لم يفعل بهم ذلك، ولعاشوا حتى ينزل عليهم بركات من السماء فيتمتعوا بذلك.

___________________________________

(1) سورة 11 هود آية 52 وسورة 71 نوح آية 11 وفى سورة 6 الانعام آية 6 " وأرسلنا السماء عليهم مدرارا. ".

[478]

قوله تعالى: أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون(97) أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحىً وهم يلعبون(98)

آيتان.

قرأ اهل المدينة وابن عامر (او) بسكون الواو الا ان ورشا على أصله في القاء حركة الهمزة على الساكن فتصير قراء‌ته مثل قراء‌ة الباقين.

الالف في قوله " أفأمن اهل " ألف الانكار، أنكر عليهم ان يأمنوا، وانمادخل حرف الاستفهام معنى الانكار لظهور المعنى فيه، وان الجواب عنه لايكون الا بالنفي.

والفاء في قوله " أفأمن " فاء العطف دخل عليها حرف الاستفهام، وانما جاز ذلك مع منافات العطف للاستئناف، لانهما انما يتنافيان في المفرد، لان الثاني اذا عمل فيه الاول كان من الكلام الاول، والاستئناف قد أخرجه عن ان يكون منه. واما في عطف جملة على جملة فيصح، لانه على استئناف جملة بعد جملة.

و (الامن) سكون النفس إلى الحال المنافية لانزعاجها.

والامن والثقة والطمئنية نظائر في اللغة، وضد الامن الخوف، وضد الثقة الريبة، وضد الطمأنينة الانزعاج.

والامن الثقة بالسلامة من الخوف.

والبأس العذاب، والبؤس الفقر والاصل الشدة، ورجل بئس شديد في القتال، ومنه قولهم: بئس الرجل زيد، معناه شديد الفساد.

والنوم نقيض اليقظة. والنوم سهو يغمر القلب ويغشي العين ويضعف الحس وينافي العلم.

نام الرجل ينام نوما وهو حسن النيمة اذا كان حسن هيئة النوم، ورجل نومة - بسكون الواو - اذا كان خسيسا لا يؤبه به - ذكره الزجاج - ورجل نومة - بفتح الواو - كثير النوم، والنيم: فرو النوم، لانه يغشي كما يغشي النوم أو لانه من شأنه أن ينام فيه.

ومعنى الاية الابانة عما يجب ان يكون عليه العبد من الحذر لبأس الله وسطوته، بالمسارعة إلى طاعته واتباع مرضاته.

[479]

والمعني بقوله " اهل القرى " هم اهل القرى الظالم اهلها، والمقيمون على معاصي الله في كل وقت وكل أوان، وان نزلت بسبب اهل القرى الظالم اهلها المشركين في زمن النبي صلى الله عليه وآله.

وقوله " او أمن اهل القرى " انماقال - ههنا - بالواو، وفي الاية الاولى بالفاء، لان الفاء تدل على ان الثاني ادى اليه الاول، كأنه قيل: أفأمنوا أن يأتيهم بأس الله من أجل ماهم عليه من تضييع امرالله، لانه يشبه الجواب، وليس كذلك الواو بل هي لمجرد العطف، وانما دخلت ألف الاستفهام عليها للانكار على مابيناه، والواو مفتوحة في " أو أمن " لانها واو العطف دخل عليها حرف الاستفهام، وانما فتحت لانها أخف الحركات، ولمثل ذلك فتحت ألف الاستفهام وكسرت باء الاضافة ولامها، لانهما حرفان لازمان لعمل الجر.

ومن قرأ هذه القراء‌ة قال لانها أشبه بما قبلها وما بعدها، لانه قال قبلها " أفأمن " وقال بعدها " أولم يهد " ومن سكن الواو أراد الاضراب عن الاول من غير ان يبطل الاول، لكن كقوله " الم. تنزيل الكتاب لاريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه "(1) فجاء هذا على معنى أمنواهذه الضروب من معاقبتهم والاخذ لهم. وان شئت جعلته مثل (أو) التي في قولك ضربت زيدا او عمرا، كأنك اردت أفأمنوا احدى هذه العقوبات، و (أو) حرف يستعمل على ضربين: احدهما - بمعنى احد الشيئين، كقولك: جاء‌ني زيد أو عمرو، كما تقول: جاء‌ني احدهما، ومن ذلك قولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين، لانه مخير في مجالسة ايهما شاء. والثاني - ان يكون بمعنى الاضراب بعدالخبر كقولك: انا أخرج ثم تقول: أو أقيم، فتضرب عن الخروج وتثبت الاقامة، كأنك قلت: لا بل أقيم.

ومن ثم قال سيبويه في قوله " ولاتطع منهم آثما او كفورا "(2) لو قلت ولا تطع كفورا انقلب المعنى، وانما كان ينقلب المعنى لانه لوكان

___________________________________

(1) سورة 32 الم السجد آية 1 - 3.

(2) سورة 76 الدهر آية 24

[480]

للاضراب لجاز ان يطيع الاثم، وذلك خلاف المراد، لان الغرض لاتطع هذا الضرب، ولاتطع هؤلاء.

و (الضحى) صدر النهار في وقت انبساط الشمس واصله الظهور من قولهم: ضحا الشمس يضحو ضحوا اذا ظهر، وفعل ذلك الامر ضاحية اذا فعله ظاهرا والا ضحية من هذا، لانها تذبح عند الضحى يوم العيد، قال رؤبة: * هابي العشي ديسق ضحاؤه *(1)

وقال آخر: * عليه من نسج الضحى شفوف *(2) فشبه السراب بالسور البيض.

(واللعب) هوالعمل للذة لايراعى فيه الحكمة كعمل الصبي، لانه لايعرف الحكيم ولا الحكمة، وانما يعمل للذة، واصله الذهاب على غير استقامة، كلعاب الصبي اذا سال على فيه، وانما خص وقت الضحى بهذا الذكر، لانهم بمنزلة لايجوز لهم ان يأمنوا ليلا ولانهارا - في قول الحسن - ولانه ابتداء الدخول في الاستمتاع.

ومعنى الاية البيان عن وجوب الاخذ بالجرم في كل ما لايؤمنون معه هلاك النفس، لانكار الله عليهم ان يكونوا على حال الا من وقد ضيعوا الواجب من الامره.

قوله تعالى: أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون(99)

آية بلاخلاف.

انما دخلت الفاء في " أفأمنوا " بعد الواو في " أو أمن " لان فيها معنى (بعد) كأنه قيل ابعد هذاكله أمنوا مكر الله. ثم صار الفاء في " فلايأمن مكر الله " كأنها جواب لمن قال قد أمنوا، والمكر اخذ العبد بالضر من حيث

___________________________________

(1، 2) اللسان . (ضحا).

[481]

لايشعر الا أنه قد كثر استعماله في الحيلة عليه، قال الخليل: المكر الاحتيال باظهار خلاف الاضمار، وانما جاز اضافة المكر إلى الله لما في ذلك من المبالغة من جهة انه قد صار العذاب كالمكر على الحقيقة، لانه اخذ للعبد بالضر من حيث لايشعر، واصل المكر الالتفات، فمنه ساق ممكورة أي ملتفة حسنة قال ذو الرمة:

عجزاء ممكورة خمصانة قلق *** عنها الوشاح وثم الجسم والعصب(1)

والمكور شجر ملتف قال الراجز: * يستن في علقي وفي مكور *(2) ورجل ممكور قصير ملتف الخلقة ذكره الخليل في هذا الباب تقول: مكر يمكر مكرا اذا التف تدبيره على مكروه لصاحبه.

وقوله " فلا يأمن مكر الله الا القوم الخاسرون " انما ارتفع مابعد (الا) لان الرافع مفرغ له فارتفع لانه فاعل، وكلما فرغ الفعل لما بعد (الا) فهي فيه ملغاة، وكل ماشغل بغيره فهي فيه مسلطة، لان الاسم لايتصل على ذلك الوجه الا بها. وانما قال " فلا يأمن مكرالله الا القوم الخاسرون " مع ان الانبياء المعصومين يأمنون ذلك لامرين: أحدهما - انهم لايأمنون عقاب الله للعاصين، ولذلك سلموا مواقعة الذنوب الثاني - " فلا يأمن مكر الله " من المذنبين " الا القوم الخاسرون ".

ومعنى الاية الابانة عما يجب ان يكون عليه المكلف من الخوف لعقاب الله، ليسارع إلى طاعته واجتناب معاصيه، ولا يستشعر الامن من ذلك، فيكون قد خسر في دنياه وآخرته بالتهالك في القبائح.

___________________________________

(1) مقاييس اللغة 4 / 233 وسيأتي في 5 / 128 من هذا الكتاب.

(2) قائله العجاج. اللسان مكر)، . (علق).

الآية: 100 - 118

[482]

قوله تعالى: أوَ لم يهد للذين يرثون الارض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لايسمعون(100)

آية.

قيل في فاعل " يهد " من جهة الاعراب قولان: احدهما - انه مضمر كأنه قيل: أو لم يهد الله لهم، وقوي ذلك بقراء‌ة من قرأ بالنون على ماذكره الزجاج. الثاني - او لم يهد لهم مشيؤنا، لان " أن لونشاء " في موضعه والتقدير أو لم يكن هاديا لهم استئصالنا لمن اهلكناه.

وقيل في معنى الهداية - ههنا - قولان: احدهما - قال ابن عباس ومجاهد والسدي وابن زيد: يهدي لهم يبين لهم. الثاني - أن الهداية الدلالة المؤدية إلى البغية، والمعنى اولم نبين للذين متعناهم في الارض بعد إهلاكنا من كان قبلهم فيها. وجعلنا آباء‌هم المالكين. لها بعدهم، انا لو شئنا أصبناهم بعقاب ذنوبهم وأهلكناهم بالعذاب كما أهلكنا الامم الماضية قبلهم.

وقوله " للذين يرثون الارض من بعد أهلها " فالارث ترك الماضي للباقي مايصير له بعده، وحقيقة ذلك في الاعيان التي يصح فيها الانتقال، وقد استعمل على وجه المجاز في الاعراض، فقيل: العلماء ورثة الانبياء لانهم تعلموا منهم، وقاموا بما أدوه اليهم.

وقوله " ان لونشاء اصبناهم بذنوبهم " الاصابة ايقاع الشئ بالغرض المنصوب، وضده الخطأ وهو ايقاع الشئ بخلاف الغرض المطلوب.

وقوله " ونطبع على قلوبهم " قيل في معنى الطبع - ههنا - قولان: أحدهما - الحكم بأن المذموم كالممنوع من الايمان لايفلح، وهو أبلغ الذم. الثاني - انه علامة وسمة في القلب من نكتة سوداء ان صاحبه لايفلح تعرفه الملائكة.

[483]

وحكي عن البكرية في تأويل هذه الاية ان معنى الاية لونشاء طبعنا على قلوبهم، وانكر ابوعلي ذلك، وقال: هذا غلط لان معنى قوله: اني لوشئت اصبتهم بعقاب ذنوبهم وأهلكتهم كما أهلكت الامم قبلهم بعقوبة ذنوبهم، فلايجوز ان يعني اني لو شئت أهلكتهم فلا يتهيأ لهم ان يسمعوا بعد اهلاكهم، لان من المعلوم للعقلاء أجمع ان الموتى لايسمعون، ولا يقبلون الايمان.

وقوله " ونطبع على قلوبهم " انما هو استئناف وخبر منه أنه يفعل ذلك، ولم يرد أني لو شئت لطبعت لانه بين في هذه الاية وغيرها انه مطبع على قلوب الكافرين، كقوله " بل طبع الله عليها " يعني على القلوب " بكفرهم فلايؤمنون الا قليلا "(1) أي الا قليلا منهم، لان أهل الطبع قد يؤمن بعضهم، وهو خلاف قول الحسن، فان تأويله عنده الا ايمانا قليلا.

وقال الزجاج: هو على الاستئناف، لانه لو كان محمولا على اصبنا لكان وجه الكلام ولطبعنا، وهوقول الفراء.

وقوله " فهم لايسمعون " أي لايقبلون الايمان مع هدايتنا لهم وتخويفنا اياهم. وفائدة الاية الانكار على الجهال تركهم الاعتبار بمن مضى من الامم قبلهم، وانه قد طبع على قلوب من لايفلح منهم عيبا، وذما لهم.

وقال البلخي: شبه الله تعالى الكفر بالصدى الذي يركب المرآة والسيف لانه يذهب عن القلوب بحلاوة الايمان ونور الاسلام، كما يذهب الصدى بنور السيف، وصفاء المرآة، ولما صاروا عند امر الله لهم بالايمان إلى الكفر جاز ان يضيف الطبع إلى نفسه، كما قال " زادتهم رجسا إلى رجسهم "(2) وان كانت السورة لم تزدهم ذلك.

___________________________________

(1) سورة 4 النساء آية 154.

(2) سورة 9 التوبة 126

[484]

قوله تعالى: تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاء‌تهم رسلهم بالبينات فماكانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين(101)

آية بلاخلاف.

اخبر الله تعالى عن اهل القرى التي ذكرها وقص خبرها واشار ب‍ (تلك) اليها، لانه خاطب النبي صلى الله عليه وآله.

وقوله " نقص عليك من أنبائها " يعني قصص انباء القرى مافيه من الاعتبار بماكانوا عليه من الاغترار بطول الامهال مع اسباغ النعم وتظاهر المنن حتى توهموا أنهم على صواب فيما دعاهم اليه الشيطان من قبح الطغيان. والقصص اتباع الحديث، ويقال فلان يقص الاثر أي يتبعه ومنه " قالت لاخته قصيه "(1) أي اتبعي اثره، ومنه المقص لانه يتبع في القطع أثر القطع.

و (النبأ) هو الخبر الا ان النبأ خبر ععن امر عظيم الشأن وأخذ منه اسم نبي، ويقال: أنبأ بكذا بمعنى اخبر به.

وقوله " ولقد جاء‌تهم رسلهم بالبينات " يعني اتتهم رسلهم بالايات والدلالات، وانما أضاف الرسل اليهم مع أنهم رسل الله، لان الاختصاص فيهاعلى طريقة الملك اذ المرسل مالك لرسالته، وقد ملك العباد الانتفاع بها والاهتداء بمافيها من البيان والبرهان.

وقوله " فماكانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل " قيل في معناه قولان: احدهما - انه بمنزلة قوله " ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه " في قول مجاهد أي انا لم نهلكهم الا وفى معلومنا أنهم لايؤمنون. الثاني - ان عتوهم في كفرهم وتمردهم فيه يحملهم على ان لايتركوه

___________________________________

(1) سورة 28 القصص آية 11.

[485]

إلى الايمان - في قول الحسن والجبائي - فالاية على هذا مخصوصة بمن علم من حاله انه لايؤمن.

وقال الاخفش " بماكذبوا " معناه بتكذيبهم فجعل (ما) مصدرية. والمعنى لم يكونوا ليؤمنوا بالتكذيب.

وقوله " كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين " وجه التشبيه فيه أن دلالته على انهم لايؤمنون ذما بأنهم لايفلحون كالطبع على قلوب الكافرين الذين في مثل صفتهم في المعلوم.

قوله تعالى: وماوجدنا لأكثرهم من عهدٍ وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين(102)

آية بلاخلاف.

معنى قوله " وما وجدنا " أي ماأدركنا، لان الوجدان والالفاء والادراك والمصادفة نظائر.

وقوله " لاكثرهم من عهد " فالعهد العقد الذي تقدم لتوطين النفس على أداء الحق، واذا أخذ على الانسان العهد فنقضه، قيل ليس عليه عهد أي كأنه لم يعهد اليه، فلما كان الله تعالى اخذ عليهم العهد بما جعله في عقولهم من وجوب شكر المنعم والقيام بحق المنعم، وطاعة المالك المحسن في اجتناب القبائح إلى المحاسن فألقوا ذلك لم يكن لهم عهد وكأنه قال وما وجدنا لاكثرهم من طاعة لانبيائهم - وقيل العهد ماعهد اليهم مع الانبياء ان يعبدوه ولايشر كوا به شيئا، وهو قول الحسن وابي علي.

والمعنى في النفي يؤل إلى انه لم يكن لاكثرهم عهد فيوجد.

وقوله " من عهد " قيل في دخول (من) ههنا قولان: احدهما - انها للتبعيض لانه اذا لم يوجد بعض العهد فلم يوجد الجميع لانه لو وجد جميعه لكان قد وجد بعضه. الثاني - انها دخلت على ابتداء الجنس إلى النهاية.

وقوله " وان وجدنا اكثرهم لفاسقين " معنى (ان) هي المخففة جاز الغاؤها من العمل وان

[486]

يليها الفعل، لانها حينئذ قد صارت حرفا من حروف الابتداء.

واللام في قوله " لفاسقين " لام الابتداء التي تكسر لها (ان) وانماجاز ان يعمل ماقبلها فيما بعدها، لانها مزحلقة عن موضعها اذ لها صدر الكلام ولكن كره الجمع بينها وبين (ان) فأخرت.

وقال قوم: المعنى وماوجدنا أكثرهم الافسقة.

فان قيل: كيف قال " اكثرهم لفاسقين " وهم كلهم فاسقون؟ قيل يجوز ان يكون الرجل عدلا في دينه غير متهتك ولامرتكب لما يعتقد قبحه وتحريمه، فيكون تأويل الاية وماوجدنا أكثرهم - مع كفره - الا فاسقا في دينه غير لازم لشريعته خائنا للعهد قليل الوفاء، وان كان ذلك واجب عليه في دينه. وفيها دلالة على انه يكون في الكفار من يفي بعهده ووعده وبعيد عن الخلف وان كان كافرا. وكذلك قد يكون منهم المتدين الذي لايرى ان يأتي ماهو فسق في دينه كالغصب والظلم، فأخبر تعالى انهم مع كفرهم كانوا لاوفاء لهم ولايدينون بمذهبهم بل كانوا يفعلون ماهو فسق عندهم، وذلك يدل على صح قول من يقول تجوز شهادة أهل الذمة في بعض المواضع.

قوله تعالى: ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين(103)

آية

أخبر الله تعالى في هذه الاية انه بعدارسال من ذكر قصته من الانبياء، وكفر قومهم، وانزال عذابه بهم. فالهاء والميم يجوز ان يكون كناية عن الانبياء الذين جرى ذكرهم، ويحتمل ان يكون كناية عن الامم التي - قد تقدم ذكرهم واهلاكهم - بعث اليهم موسى وارسله اليهم. والبعث الارسال وهو في الاصل النقل بأعتماد يوجب الاسراع إلى الشئ، فمنه قوله " انظرني

[487]

إلى يوم يبعثون "(1) أي من القبور، ومنه قوله " ثم بعثناكم من بعد موتكم "(2) أي نقلناكم إلى حال الحياة، وكذلك نقلنا موسى عن حاله بالارسال إلى فرعون وملائه " بآياتنا " يعني بحججنا وبراهيننا.

وقوله " فظلموا بها " معناه ظلموا أنفسم بجحدها، لان الظلم بالشئ على وجوه: منها السبب والالة والجهة، نحو ظلم بالسيف الذي قتل به الناس، وظلم بذنبه له، وظلم بغصبه المال، وظلم بجحده الحق. وقيل " ظلموا بها " أي جعلوا بدل الايمان الكفر بها، لان الظلم وضع الشئ في غير موضعه الذي هو حقه.

وقوله " فانظر كيف كان عاقبة المفسدين " معنى النظر هو محاولة التصور للشئ بالفكر فيه، وهو طلب ادراك المعنى بالتأويل له. وقيل: هو تحديق القلب إلى المعنى لادراكه، وكأنه قيل فانظر - يعني بالقلب - كيف كان عاقبتهم، وموضع (كيف) نصب لانه خبر (كان) وتقديره انظر أي شئ كان عاقبة المفسدين.

قوله تعالى: وقال موسى يافرعون إني رسول من رب العالمين(104)

آية بلاخلاف.

في هذه الاية حكاية لما قال موسى (ع) لفرعون ونداؤه له: اني رسول من قبل رب العالمين مبعوث اليك والى قومك و (من) في قوله " من رب العالمين " لابتداء الغاية، لان المرسل المبتدئ بالرسالة وانتهاؤها المرسل اليه.

و (موسى) على وزن (مفعل) والميم في موسى زائدة لكثرة زيادتها أولا

___________________________________

(1) سورة 7 الاعراف آية 13 وسورة 15 الحجر آية 36 وسورة 38 ص آية 79.

(2) سورة 2 البقرة آية 56.

[488]

كالهمزة التي صارت أغلب من زيادة الالف أخيرا.

و (أفعى) على وزن (أفعل) لهذه العلة.

و (موسى) اسم لاينصرف، لانه أعجمي ومعرفة، وموسى الحديد عربي ان سميت به رجلا لم تصرفه، لانه مؤنث ومعرفة على أكثر من ثلاثة احرف، كمالو سميته ب‍ (عناق) لم تصرفه. ولو سميته (فقد) صرفته.

و (فرعون) على وزن " فعلون " ومثله برذون، فالواو زائدة، لانها جاء‌ت مع سلامة الاصول الثلاثة، والنون زائدة للزومها.

و (فرعون) لاينصرف لانه أعجمي معرفة، وعرف في حال تعريفه لانه نقل من الاسم العلم، ولو عرب في حال تنكيره لاينصرف كما ينصرف (بأقرب) اسم رجل.

قوله تعالى: حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل(105)

آية بلاخلاف.

قرأ نافع وحده " حقيق علي " بتشديد الياء. الباقون بتخفيف الياء.

فمن قرأ بالتشديد قال تقديره: واجب علي ان لاأقول.

ومن خفف فعلى تقدير: حريص على أن لا أقول، قال ابوعلي قوله " حقيق " يحتمل وجهين: احدهما - ان (حق) الذي هو (فعل) قدتعدى ب‍ " على " قال الله " فحق علينا قول ربنا "(1) وقال " فحق عليها القول "(2) فحقيق يصل ب‍ (على) من هذا الوجه. والثاني - ان حقيقا بمعنى واجب، فكما ان واجب يتعدى ب (على) كذلك تعدى حقيق بها. ومن لم يشدد أجاز تعديه ب‍ (على) من الوجهين اللذين ذكرناهما،

___________________________________

(1) سورة 37 الصافات آية 31.

(2) سورة 17 الاسرى آية 16.

[489]

وقد قالوا: هو حقيق بكذا، فيجوز على هذا أن تكون (على) بمعنى الباء فتوضع (على) موضع الباء، قال ابوالحسن: كما قال " ولاتقعدوا بكل صراط توعدون "(3) والمعنى (على) قال أبوعلي: والاول أحسنها، لان أبا الحسن قال: لان (على) بمعنى الباء ليس بمقيس ألاترى انك لو قلت ذهبت على زيد تريد بزيد لم يجز، وقال: وجاز في الاية لان القراء‌ة وردت به، وتقدير " حقيق على ان لا اقول " حقيق بأن لا أقول قال الفراء: العرب تقول: رميت على القوس وبالقوس وجئت على حال حسنة وبحال حسنة، ومعناهما متقارب، لانه مستقل على القول بالنظر حتى يؤديه على الحق فيه. والحق أيضا منعقد بالقول فيه لاينفك.

وقوله " الا الحق " نصب بأنه مفعول القول على غير الحكاية بل على معنى الترجمة عن المعنى دون حكاية اللفظ.

وقوله " قد جئتكم ببينة من ربكم " خطاب من موسى لقومه أنه قد جاء قومه بدلائل من ربه عزوجل.

وقوله " فأرسل معي بني اسرائيل " خطاب من موسى لفرعون، وأمره اياه أن يخلي عن بني اسرائيل من اعتقاله، لانه كان قد اعتقلهم للاستخدام في الاعمال الشاقة من نحو ضرب اللبن ونقل التراب وماأشبه ذلك. ومعنى الاية البيان عن وجوب اتباع موسى (ع) لمكان الادلة التي تشهد بصدقه، وبأنه لايقول على الله الا الحق ولا يدعو الا إلى الرشد.

قوله تعالى: قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين(106)

آية بلاخلاف.

هذا حكاية عما قال فرعون لموسى (ع) من انه ان كان معك حجة

___________________________________

(3) سورة 7 الاعراف آية 85

[490]

ودلالة تشهد لك على ما تقول " فات بها " أي هات بها " ان كنت " صادقا " من الصادقين " على طريق اليأس منه بذلك وجهله بصحته وامكانه.

واختلف النحويون - ههنا - في نقل (ان) الماضي إلى الاستقبال.

فقال ابوعباس لم تنقله هنا من أجل قوة (كان) لانها أم الافعال، ولم يجزه من غيرها، وقال ابن السراج: المعنى ان تكن جئت بآية أي ان يصح ذلك، لانه اذا أمكن ان يجري الحرف على اصله لم يجز اخراجه، وانما جاز نقل (ان) الماضي إلى المستقبل للبيان عن قوتها في النقل اذ كانت تنقل الفعل نقلين إلى الشرط والاستقبال، كما أن (لم) تنقله إلى النفي والماضي.

وضمير المخاطب في " كنت " يرجع إلى المكنى، ولايجوز مثل ذلك في (الذي) لان (الذي) غائب فحقه أن يعود اليه ضمير الغائب، وقد أجازوه - اذا تقدمت كناية المتكلم كما في قول الشاعر:

وان الذي قتلت بكرا بالقنا *** وتركت تغلب غير ذات سنام(1)

فعلى هذا لايجوز أتيت الذي ضربك عمرو، والوجه ضربه.

وانما جاز وقوع الامر في جواب الشرط، لان فيه معنى: ان كنت جئت بآية فاني ألزمك أن تأتي بها، فقد عاد إلى انه يجب الثاني بوجوب الاول. ولايجوز مثل ذلك في الاستفهام، لانه لم يقع معرفة غيره، ولو اتسع فيه جاز، مثل أن تقول: ان كان عندك دليل فما هو؟، ولايجوز: ان قدم زيد، فأعمرو أقدمه؟ لان الالف لها صدر الكلام.

قوله تعالى: فألقى عصاه فاذا هي ثعبان مبين(107) ونزع يده فاذا هي بيضاء للناظرين(108)

آيتان بلاخلاف.

___________________________________

(1) مجمع البيان 3 / 456

[491]

هذا اخبار من الله تعالى عن القاء موسى عصاه، والعصا عود كالقضيب يابس وأصله الامتناع بيبسه يقال: عصى يعصي اذا أمتنع قال الشاعر:

تصف السيوف وغيركم يعصي بها *** يابن القيون وذاك فعل الصيقل(1)

وقيل: عصى بالسيف اذا أخذه أخذه العصا، ويقال لمن استقر بعد تنقل: ألقي عصاه، قال الشاعر:

فألقت عصاها واستقر بها النوى *** كما فر عينا بالاياب المسافر(2)

والعصى من بنات الواو، والمعصية من بنات الياء قال الشاعر:

فجاء‌ت بنسج العنكبوت كأنه *** على عصويها سابري مشبرق(3)

وتقول عصى يعصي فهو عاص مثل رمى يرمي واصل ألقى من اللقاء الذي هو الاتصال، فألقى عصاه أي أزال اتصالها عما كان، ومنه إلتقاء الحدين يعني اتصالهما، والملاقات كالمماسة، وزيدت ألف ألقي لتدل على هذا المعنى وانما صارت الياء الفا في ألقي، لانها في موضع حركة قبلها فتحة، ولذلك رجعت إلى أصلها في ألقيت. وانما وجب هذا، لانه بمنزلة التضعيف في موضع يقوى فيه التغيير مع نقل الحركة في حروف العلة.

وقوله " فاذا هي ثعبان " فالثعبان هوالحية الضخمة الطويلة.

وقال الفراء: الثعبان أعظم الحيات، وهو الذكر، وهو مشتق من ثعبت الماء أثعبه ثعبا اذا فجرته. والمثعب موضع انفجار الماء، فسمي الثعبان، لانه يجري كعنق الماء عند الانفجار قال الشاعر: * على نهج كثعبان العرين * وقيل: إن ذلك الثعبان فتح فاه، وجعل فيه فرعون بين نابيه فارتاع

___________________________________

(1) قائله جرير، ديوانه: 175 واللسان والتاج . (عصا).

(2) اللسان والتاج . (عصا) وقال ابن بري: هذا البيت لابن عبدربه السلمي.

(3) قائله ذو الرمة ديوانه 76، واللسان . (عصا) ومجمع البيان 2 / 456

[492]

فرعون واستغاث بموسى أن يأخذ، ففعل - في قول ابن عباس والسدي وسفيان - ومعنى " مبين " أي بين أنه حية لالبس فيه.

وقوله " ونزع يده " فالنزع هو ازالة الشئ عن مكانه الملابس له المتمكن فيه كنزع الرداء عن الانسان، والنزع والقلع والجذب نظائر، واليد معروفة وهي الجارحة المخصوصة، واليد النعمة، لانها بمنزلة مااشتدت بالجارحة، وقد يكون اليد بمعنى تحقيق الاضافة في الفعل، لانه بمنزلة ما عمل باليد التي هي جارحة.

وقوله " فاذا هي بيضاء للناظرين " معنى (اذا) - هنا - المفاجأة. وهي بخلاف (إذا) التي للجزاء، قال الزجاج هي من ظروف المكان مثل (ثم، وهناك)، والمعنى بيضاء المناظرين هناك، والبيضاء ضد السوداء وهو أن يكون به المحل أبيض، وكان موسى (ع) أسمر شديد السمرة.

وقيل: أخرج يده من جيبه فاذا هي بيضاء " من غير سوء "(1) يعني برص. ثم أعادها إلى كمه فعادت إلى لونها الاول - في قول ابن عباس ومجاهد والسدي - وقال أبوعلي: كان فيها من النور والشعاع مالم يشاهد مثله في يد أحد والناظر هو الطالب لرؤية الشئ ببصره لان النظر هو تطلب الادراك للمعنى بحاسة من الحواس، أو وجه من الوجوه.

___________________________________

(1) سورة 20 طه آية 22 وسورة 27 النمل آية 12 وسورة 28 القصص آية 38.

[493]

قوله تعالى: قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم(109) يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تامرون(110)

آيتان

هذا حكاية ماقال أشراف قوم فرعون، أن موسى ساحر عليهم بالسحر، وإنما قيل للاشراف الملا لامرين: أحدهما - قال الزجاج: لانهم مليئون بما يحتاج اليه منهم. الثاني - لانه يملا الصدر هيبتهم، فالملا جعل الوعاء على كل ما يحتمل مما يلقى فيه كامتلاء المكيال ونحوه.

ويقال: الخلاء والملا على وجه التقابل، وقوم فرعون هم الجماعة الذين كانوا يقومون بأمره ومعاونته ونصرته، ولهذا لايضاف القوم إلى الله، فلا يقال: ياقوم الله كمايقال يا عباد الله، والسحر لطف الحيلة في إظهار أعجوبة توهم المعجزة وقال الازهري السحر صرف الشئ عن حقيقته إلى غيره، والساحر إنما يكفر بادعاء المعجزة، لانه لايمكن مع ذلك علم النبوة. وأصل السحر خفاء الامر، ومنه خيط السحارة، لخفاء الامر فيها، ومنه قوله تعالى " إنما أنت من المسحرين "(1) أي الذين يعدون لخفاء الامر في العدو، والسحر العدو، والسحر آخر الليل لخفاء الشخص ببقية ظلمته، والسحور طعام السحر، والسحر الرئة وما تعلق بها لخفاء أمرها في انتفاخها تارة وضمورها أخرى، قال ذو الرومة:

وساحرة الشراب من الموامي *** يرقص في نواشرها الا روم(2)

ويقال: سحر الارض المطر اذا جادها فقطع نباتها من أصوله بقلب الارض ظهرا لبطن، سحرها سحرا والارض مسحورة، فشبه سحر الساحر بذلك بتخييله إلى من سحره أنه يرى الشئ بخلاف ماهو به.

___________________________________

(1) سورة 26 الشعراء آية 153، 185.

(2) ديوانه: 591 واللسان . (أرم) وتفسير الطبري 13 / 19 وروايته:

وساحرة السراب من الموامي *** ترقص في عساقفها الاروم

[494]

ومعنى قوله تعالى " يريد أن يخرجكم من أرضكم " بإزالة ملككم بتقوية أعدائكم عليكم.

وقوله " من أرضكم " فالارض المستقر الذي يمكن الحيوان التصرف فيه عليه. وجملة الارض التي جعلها الله قرارا للعباد فاذا أضيفت، فقيل أرض بني فلان، فمعناه مستقرهم خاصة.

وقوله " فماذا تأمرون " موضع (ما) يحتمل أن يكون رفعا، ويكون المعنى فما الذي تأمرون، ويجوز أن يكون نصبا بمعنى فبأي شئ تأمرون، ويجعل (ما) مع (ذا) بمنزلة اسم واحد، وفي الجواب يتبين الاعراب، ويحتمل أن يكون قوله " فماذا تأمرون " من كلام الملا بتقدير أن يكون قال بعضهم لبعض: ماذا تأمرون، ويحتمل أن يكونوا قالوا ذلك لفرعون على خطاب الملوك، ويحتمل أن يكون من كلام فرعون والتقدير قال فرعون: فماذا تأمرون خطابا لقومه، فعلى هذا تقول قلت لجاريتك قومي أنا قائمة، وتقديره قالت: أنا قائمة، وهو قول الفراء وأبي علي الجبائي، وأنشد الفراء قول عنترة، وزعم أن فيه معنى الحكاية:

الشاتمي عرضي ولم أشتمهما *** والناذرين إذا لقيتهما دمي(1)

لان المعنى قالا إذا لقينا عنترة لنقتلنه.

قوله تعالى: قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين(111) يأتوك بكل ساحر عليم(112)

آيتان بلا خلاف.

قرأ أهل الكوفة إلا عاصما " سحار " بتشديد الحاء وألف بعدها. الباقون (ساحر) بألف قبل الحاء على وزن (فاعل) وقرأ عاصم إلا يحيى وحمزة " أرجه " بسكون الهاء من غير همزة.

وقرأ أهل البصرة والداحوني

___________________________________

(1) ديوانه: 31 ومعاني القرآن للفراء 1 / 387.

[495]

عن هشام ويحيى بالهمزة، وضم الهاء من غير اشباع.

وقرأ ابن كثير والحلواني عن هشام كذلك إلا أنهما وصلا الهاء بواو في اللفظ، وروى ابن ذكوان بالهمز وكسر الهاء من غير اشباع.

وقرأ أبوجعفر من طريق بن العلاف وقالون والمسيبي بكسر الهاء من غير اشباع، وبغير همز. الباقون وهم الكسائي وخلف واسماعيل وورش، وأبوجعفر من طريق النهر واني بكسر الهاء ووصلها بياء في اللفظ من غير همز، وكذلك اختلافهم في الشعراء.

والهمزة لغة قيس وغيرهم، وترك الهمزة لغة تميم وأسد يقولون: أرجيت الامر، وقال أبوزيد: أرجيت الامر إرجاء اذا أخرته.

وقوله تعالى " أرجيه " أفعله من هذا، ولابد من ضم الهاء مع الهمزة، لايجوز غيره، والايبلغ الواو أحسن، لان الهاء خفية فلو بلغ بها الواو لكان كأنه قد جمع بين ساكنين، ألا ترى أن من قال: رده يافتى بضم الدال اذا وصل بالهاء في ضمير المؤنث، قال ردها ففتح، كما تقول رد لخفاء الهاء، وكذلك " أرجهه " لاينبغي أن يبلغ بها الواو فيصير كأنه جمع بين ساكنين، ومن ألحق الواو فلان الهاء محركة ولم يلتق ساكنان لان الهاء فاصل، قال (أرجيهوا) كما يقال (أضربهو) فلو كان الياء حرف لين، لكان وصلها بالواو أقبح نحو (عليهو) لاجتماع حروف متقاربة مع أن الهاء ليست بحاجز قوي في الفصل، واجتماع المتقاربة كاجتماع الامثال.

قال أبوعلي الفارسي: من وصل الهاء ب‍ (يا)، فلان هذه الهاء توصل في الادراج بواو، أو ياء، نحو (بهي) أو (بهو) و (ضربهو) ولاتقول في الوصل (به) ولا (به) ولا (ضربه) حتى تشبع فتقول " بهو " ماعلم (بهي) الا في ضرورة الشعر كقوله: وماله من مجلد يلبد وقال: ومن كسر الهاء مع الهمز، فقد غلط وانما يجوز اذا كان قبله ياء فقال " أرجيه " بكسر الهاء، ولم يستقم، لان هذه الياء في تقدير الهمزة،

[496]

فكما لم يدغم الواو اذا خففت الهمزة لان الواو في تقدير الهمزة كذلك لايحسن تحريك الهاء بالضم مع الياء، المنقلبة عن الهمزة، وقياس من قال (رويا) فادغم أن يحرك الياء أيضا بالضم، وعلى هذا المسلك من قال (يتيهم إذا كسر الهاء مع قلب الهمزة ياء، قال: ومعنى " أرجه " أخره، وقال قتادة: معناه إحبسه، يقال أرجأت الامر إرجاء ومنه قولهم: المرجئة، وهم الذين يجيزون الغفران لمرتكبي الكبائر من غير توبة.

قال الرماني: لاوجه لقراء‌ة حمزة عند البصريين في القياس، ولا الاستعمال على لغة من همز، وقال الزجاج إسكان هاء الضمير لايجوز عند حذاق النحويين، وأجاز الفراء ذلك، قال يقولون: هذه طلحة أقبلت، وأنشد قول الراجز:

أنحى علي الدهر رجلا ويدا *** يقسم لايصلح إلا أفسدا

فيصلح اليوم يفسده غدا(1) وزعم ان اسكان هاء التأنيث جائز وأنشد

لمارأى ان لادعه ولاشبع *** مالى إلى؟؟ حقف فاضطجع(2)

وقال الاخر:

لست لزعبلة إن لم أغي‍ *** ر بكلتي إن لم أساو بالطول(3)

كلتي معناه طريقتي، و (الطول) جمع امرأة طولى، قال الزجاج: هذا

___________________________________

(1) قائله دويد بن زيد بن نهد القضاعي وهو أحد المعمرين أنظر طبقات فحول الشعراء: 180 والمعمرين: 20 ومعاني القرآن للفراء 1 / 388 وتفسير الطبري 13 / 21 وأمال الشريف المرتضى 1 / 137.

(2) اللسان . (ضجع) وتفسير الطبري 13 / 21 ومعاني القرآن للفراء 1 / 388 وهو يصف ذئبا قد قطع أمله من أن ينال الظبي، ولم يجد ما يشبعه فلما يئس أضطجع بقرب شجرة.

(3) معاني القرآن 1 / 388.

[497]

الشعر الذي أنشده الفراء لايعرف، ولاوجه له، وإنما لم يلين أبو عمرو الهمزة الساكنة على أصله في تخفيف الهمزة لان سكونه علامة للجزم، فلا يترك همزه، لان التسكين عارض وكذلك " مؤصدة " لايترك همزه، لانه يخرج من لغة إلى لغة. والاخ هو من النسب بولادة الادنى من أب أو أم أو منهما ويقال الاخ الشقيق ويسمى الصديق الاخ تشبيها بالنسيب فأما الموافق في الدين فانه أخ بحكم الله في قوله " إنما المؤمنون أخوة "(4).

ومعنى الاية أن قوم فرعون أشاروا عليه بأن يؤخر موسى وأخاه إلى أن يرسل في بلاد مملكته حاشرين، وقال ابن عباس: هم الشرط، وقال مجاهد والسدي: يحشرون من يعلمونه من السحرة والعالمين بالسحر ليقابل بينهم وبين موسى جهلا منهم بأن ذلك ليس بسحر، ومثله في عظم الاعجاز لاتتم فيه الحيلة، لان السحر هو كل أمر يوهموه على من يراه، ولا حقيقة له، وإنما يشتبه ذلك على الجهال والاغبياء دون العقلاء المحصلين.

وقوله " يأتوك بكل ساحر عليم " (يأتوك) جزم، لانه جواب الامر، والمعنى إن ترسل يأتوك، وحجة من قال " ساحر " قوله " ماجئتم به " السحر " 1) والفاعل من السحر ساحر، ويقويه قوله " فألقى السحرة " ساجدين "(2) والسحرة جمع ساحر، ولانه قال " سحروا أعين الناس "(3) واسم الفاعل ساحر، ومن قرأ " سحار " فلانه وصف ب‍ (عليم)، ووصفه به يدل على تناهيه فيه وحذقه، فحسن لذلك أن يذكر بالاسم الدال على المبالغة.

والاتيان هو الانتقال إلى مطلوب، ومثله المجئ أتى يأتي إتيانا وأتي يؤتى إيتاء اذا أعطي، وإنما دخلت (كل) وهي المعموم على واحد، لانه في معنى الجمع، كأنه قال بكل السحرة اذا أفردوا ساحرا ساحرا.

___________________________________

(4) سورة 48 الحجرات آية 10.

(1) سورة 10 يونس آية 81.

(2) سورة 26 الشعراء آية 46.

(3) سورة 7 الاعراف آية 115.

[498]

والفرق بينه وبين كل السحرة أنه اذا قيل بكل السحرة، فالمعنى المطلوب للجميع، واذا قيل: بكل ساحر، فالمعنى المطلوب لكل واحد منهم، ويبين ذلك قول القائل: لكل ساحر درهم، ولكل السحرة درهم، فان الاول يفيد أن لكل واحد درهما، والثاني أن الجميع لهم درهم.

والباء في قوله " بكل " قيل فيه قولان: أحدهما - انه للتعدية كما يعدى بالالف، ومنه ذهبت به وأذهبته وأتيت به وأتيته. الثاني - أنها بمعنى (مع) أي يأتون ومعهم كل ساحر عليم.

قوله تعالى: وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين(113) قال نعم وإنكم لمن المقربين(114)

آيتان

قرأ أهل الحجاز وحفص " إن لنا لاجرا " بهمزة واحدة على الخبر، وقرأ بهمزتين مخففتين ابن عامر وأهل الكوفة إلا حفصا وروح، إلا أن الحلواني عن هشام يفصل بينهما بألف، وأبوعمرو ورويس لايفصل.

قال أبوعلي: الاستفهام في هذا الموضع أشبه، لانهم يستفهمون عن الاجر، وليس يقطعون أن لهم الاجر، ويقوي ذلك إجماعهم في الشعراء، وربما حذفت همزة الاستفهام، قال الحسن قوله تعالى " وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني اسرائيل "(1) إن من الناس من يذهب إلى انه على الاستفهام وقد جاء ذلك في الشعر:

أفرح أن أرزأ الكرام وأن *** أورث ذودا شصائصا نبلا(2)

___________________________________

(1) سورة 26 الشعراء آية 22.

(2) اللسان . (نبل) يقول أأفرح بصغار الابل التي ورثتها، وقد رزئت بالكرام؟

[499]

وهذا أقبح من قوله:

وأصبحت فيهم آمنا لا كمعشر *** أتوني فقالوا من ربيعة أم مضر(3)

لان (أم) تدل على الهمزة.

وفى الكلام حذف، لان التقدير فأرسل فرعون في المدائن حاشرين يحشرون السحرة، فحشروهم " فجاء السحرة فرعون قالوا: ان لنا لاجرا " أي ان لنا ثوابا على غلبتنا موسى عندك " ان كنا نحن " يافرعون " الغالبين "، وهوقول ابن عباس والسدي.

وتقول: جئته وجئت اليه، فاذا قلت: جئت اليه، ففيه معنى الغاية لدخول (إلى) فيه وجئته معناه قصدته بمجيئي، واذا لم يعده لم يكن فيه دلالة على القصد كما تقول: جاء المطر.

وقوله " وجاء السحرة فرعون قالوا " إنما لم يقل: فقالوا حتى يتصل الثاني بالاول، لان معناه لما جاؤا قالوا، فلم يصلح دخول الفاء على هذا الوجه، وانما قالوا: أئن، لنا لاجرا، ولم يقولوا: لنا أجر، لان أحدهما سؤال عن تحقيق الاجر وتأكيده، كما لو قال أبا لله لنا أجر، وليس كذلك الوجه الاخر.

وقوله " إن كنا نحن " موضع (نحن) يحتمل وجهين: أحدهما - أن يكون رفعا ويكون تأكيدا للضمير المتصل في كنا. والثاني - لاموضع له، لانه فصل بين الخبر والاسم. والاجر الجزاء بالخير، والجزاء قد يكون بالشر بحسب العمل وبحسب مايقتضيه العدل. والغلبة ابطال المقاومة بالقوة، ومن هذا قيل في صفة الله (عزوجل) القاهر الغالب، لانه القادر الذي لا يعجزه شئ.

وقوله " قال نعم " حكاية عن قول فرعون مجيبا لهم عما سألوه من أن لهم أجرا أو لا؟ بأن قال نعم لكم الاجر، و (نعم) حرف جواب مع أنه

___________________________________

(3) قائله عمران بن حطان، يقوله في قوم نزل بهم متنكرا، وهو يشكر صنيعهم، انظر الكامل 7 / 187 والخصائص لابن جني 2 / 281.

[500]

يجوز الوقف عليها، لانها في الايجاب نظيرة (لا) في النفي، وإنما جاز الوقف عليها، لانها جواب لكلام يستغني بدلالته عما يتصل بها.

وقوله " قال " أصله (قول) فانقلبت الواو الفا لتحركها وانفتاح ماقبلها وإنما قلبوها مع خفة الفتحة لتجري على (قلت وتقول) في الاعلال مع أن الالف الساكنة أخف من الواو المتحركة، وان كانت بالفتحة.

والواو في قوله تعالى " وانكم " واو العطف كأنه قال: لكم ذاك، وانكم لمن المقربين، وهو في مخرج الكلام، كأنه معطوف على حرف. وكسرت الف " إنكم " لانها في موضع استئناف بالوعد، ولم تكسر لدخول اللام في الخبر، لانه لولم يكن اللام لكانت مكسورة.

ومثل هذا قوله تعالى " وماأرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام "(1) ومعنى " من المقربين " انكم من المقربين إلى مراتب الجلالة التي يكون فيها الخاصة، ولايتخطى فيها العامة. وفي الاية دليل لقوم فرعون على حاجته وذلته لو استدلوا واحسنوا النظر لنفوسهم، لانه لم يحتج إلى السحرة الا لذلة وعجز، وكذلك في طلب السحرة الاجر دليل على عجزهم عماكانوا يدعون من القدرة على قلب الاعيان، لانهم لو كا نوا قادرين على ذلك لاستغنوا عن طلب الاجر من فرعون، ولقلبوا الصخر ذهبا ولقلبوا فرعون كلبا واستولوا على ملكه.

قال ابن اسحاق: وكان السحرة خمسة عشر ألفا.

وقال ابن المكندر: كانوا ثمانين ألفا، وقال كعب الاحبار: كانوا إثنى عشر الفا.

وقال عكرمة: كانوا سبعين ألفا ذكره الطبري.

___________________________________

(1) سورة 25 الفرقان آية 20.

[501]

قوله تعالى: قالوا ياموسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين(115) قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم(116)

آيتان بلاخلاف.

هذا حكاية قول السحرة أنهم قالوا لموسى اختر أحد شيئين إما أن تلقي أنت عصاك أو نحن نلقي عصينا، وانما دخلت (أن) في قوله " إما أن تلقي " ولم تدخل في " إما يعذبهم وإما يتوب عليهم "(2) لان فيه معنى الامر كأنهم قالوا: اختر إما أن تلقي أي إما القاؤك وإما القاؤنا، ومثله " اما أن تعذب واما أن تتخذ فيهم حسنا "(3) فموضع (ان) نصب، ويجوز أيضا ان يكون التقدير إما إلقاؤك مبدوء به وإما القاؤنا، ويجوز أن تقول: يازيد اما أن تقوم أو تقعد، ولايجوز أن تقول يازيد ان تقوم أو تقعد، لان (إما) يبتدأ بالمعنى فيها أي بمعنى التخيير، فلذلك تدل على معنى اختر، وليس كذا (أو) وقد يقع موقع (اما) وليس بجيد، كما قال الشاعر:

فقلت لهن امشين إما نلاقه *** كما قال او تشفى النفوس فنعذرا(4)

وقال ذو الرمة:

فكيف بنفس كلما قلت أشرفت *** على البرء من حوصاء هيض اندمالها

تهاض بدار قد تقادم عهدها *** واما بأموات ألم خيالها(5)

على أن يلقي أحدنا فيبطل ماأتى به الاخر.

___________________________________

(2) سورة 9 التوبة آية 107.

(3) سورة 18 الكهف آية 87.

(4) معانى القرآن للفراء 1 / 390.

(5) هذان البيتان للفرزدق. ديوانه 2 / 618 ومجاز القرآن 1 / 390.

وهما مطلع قصيدة له يمدح بها ابن عبدالملك، ويهجو الحجاج بن يوسف.

وقد تكون نسبتهما الذي الرمة - هنا - خطأ من الناسخ.

موضع . (اما) موضع . (أو).

والالقاء ارسال المعتمد إلى جهة السفل، ومثله الطرح، وضده الامساك.

وقول القائل: إلق علي مسألة إلى هذا يرجع، وإنما قال " واما أن نكون نحن الملقين " ولم يقل واما أن نلقي، لانه ليس المعنى على ليكن القاء أحدنا فقط، فيجئ على التقابل، وانماهو

[502]

وقوله " ألقوا " حكاية عن قول موسى (ع) للسحرة (ألقوا) أنتم " فلما ألقوا سحروا أعين الناس " قال البلخي: معناه غشوا أعين الناس، وقال: السحرهو الخفة، والافراط فيهاحتى تخيل بها الاشياء عن الحقيقة والاحتيال بما يخفى على كثير من الناس كتغييرهم الطرجهالة والحيلة فيها ان يجعل (الطرجهالة) طاقين ويرقق بغاية الترقيق، ويجعل بين الطبقتين زيبق، فاذا وضعت في الشمس حمي الزيبق فسار بالطر جهالة، لان من طبع الزيبق اذا حمي ان يتحرك ويفارق مكانه.

وقال قوم: معناه خيلوا إلى أعين الناس بمافعلوه من لتخييل والخدع أنها تسعى، كماقال تعالى " يخيل اليه من سحرهم أنها تسعى(6) " وقال الرماني: معنى سحر العين قلبها عن صحة إدراكها بمايتخيل من الامور المموهة لها بلطف الحيلة التي تجري مجرى الخفة والشعبذة مما لايرجع إلى حقيقة، والمحدث لهذا التخيل هو الله تعالى عندما أظهروا من تلك المخاريق وإنما نسب اليهم لانهم لولم يعرضوا بما يعملونه لم يقع، كمالو جعل أحد طفلا تحت البرد، فمات، فهو القاتل له في الحكم، والله تعالى أماته، وإنما جاز من موسى (ع) أن يأمرهم بالقاء السحر وهو كفر لامرين: أحدهما - إن كنتم محقين فالقوا. الثاني - القوا على مايصح ويجوز، لاعلى مايفسد ويستحيل.

وقال الجبائي: هذا على وجه الزجر لهم والتهديد، وليس بأمر.

وقوله " فلما ألقوا سحروا أعين الناس " والفرق بين (لما) و (إذا) هو الفرق بين (لو) و (أن) في ان أحدهما للماضي والاخر للمستقبل، وكل هذه الاربعة تعليق أول بثان، الاان (لو) على طريقة الشك، و (لما) يقين.

وقوله " واسترهبوهم " معناه طلبوا منهم الرهبة، وهو خلاف الارهاب،

___________________________________

(6) سورة 20 طه آية 66.

[503]

لانه جعل الرهبة للذي يرهب، والعظيم مايملا الصدر بهوله، ووصف السحر بأنه عظيم لبعد مرام الحيلة فيه، وشدة التمويه به، فهو لذلك عظيم الشأن عند من يراه من الناس، ولانه على ماذكرناه من الخلاف في عدة السحرة من سبعين ألفا أو ثمانين الفا كان مع كل واحد حبل وعصا، فلما ألقوها وخيل إلى الناس أنها تسعى استعظموا ذلك وخافوه، فلذلك وصفه الله بأنه سحر عظيم.

و (إما) اذا كانت للتخيير، فأهل الحجاز ومن جاورهم من قيس وبعض تميم بكسرونها وينصبها قيس وأسد و (أما) اذاكانت منصوبة فهي التي يقتضي أن يكون في جوابها الفاء.

قوله تعالى: وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فاذا هي تلقف مايأفكون(117) فوقع الحق وبطل ماكانوا يعملون(118)

آيتان بلاخلاف.

قرأ حفص عن عاصم " تلقف " خفيفة. الباقون بتشديد القاف، وقرأ ابن كثير فاذا هي " تلقف " بتشديد التاء والقاف في رواية البزي عنه إلا النقاش، وابن فليح. والوحي هو القاء المعنى إلى النفس من جهة تخفى، ولذلك لم يشعر به إلا موسى (ع) حتى امتثل ماأمر به فاذا العصاحية تسعى.

وفي هذه الاية إخبار من الله تعالى أنه أوحى إلى موسى (ع) حين ألقى السحرة سحرهم وسحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤا بسحر عظيم: أن ألق عصاك ف‍ (أن) يحتمل أمرين: أحدهما - أن تكون مع مابعدها من الفعل بمنزلة المصدر، وتقديره أوحينا إلى موسى بالالقاء. الثاني - أن تكون (أن) بمعني أي لانه تفسير ماأوحي اليه.

[504]

" فاذا هي تلقف مايأفكون " معنى تلقف تبتلغ تناولا بفيها بسرعة منها، فهي تلتقمه استراطا حالا فحالا قال الشاعر:

وأنت عصى موسى التي لم تزل *** تلقف مايأفكه الساحر(1)

يقال: لقفته ألقفه لقفا ولقفانا، ولقفته ألقفه وتلقفته تلقفاإذا أخذته في الهواء.

ومن قرأ بتشديد التاء قال: أصله تتلقف فادغم احدى التائين في الاخرى بعد أن سكن الثانية.

ومن خفف القاف أخذه من لقفته.

ومن شددها قال: هو من تلقف.

وقوله " مايافكون " فالافك هو قلب الشئ عن وجهه، ومنه " المؤتفكات "(2) المنقلبات.

والافك الكذب لانه قلب المعنى عن جهة الصواب.

وقال مجاهد: " ما يأفكون " أي يكذبون.

وفي الاية حذف، وتقديره فألقى عصاه فصارت حية " فاذا هي تلقف مايأفكون " والمعنى إنها تلقف المأفوك الذي حل فيه الافك، وعلى هذا يحمل قوله تعالى " والله خلقكم وماتعملون "(3) ومعناه وماتعملون فيه.

وقوله " فوقع الحق " معناه ظهر الحق - في قول الحسن ومجاهد - وأصل الوقوع السقوط كسقوط الحائط والطائر تقول: وقع يقع وقعا ووقوعا وأوقعه ايقاعا، ووقع توقيعا وتوقع توقعا وأوقعه مواقعة، والميقعة المطرقة.

والواقعة النازلة من السماء، والوقائع الحروب.

قال الرماني: الوقوع ظهور الشئ بوجوده نازلا إلى مستقره.

و (الحق) كون الشئ في موضعه الذي اقتضته الحكمة.

والحق موافق لداعي الحكمة، ولذلك يقال وقع الشئ في حقه.

و (الباطل) الكائن بحيث يؤدي إلى الهلاك، وهو نقيض الحق، فالحق كون الشئ بحيث يؤدي إلى النجاة.

والعمل

___________________________________

(1) تفسير الطبري 7 / 260 والفتح القدير .

(تفسير الشوكاني) 2 / 221 وروايتهما . (تلقم) بدل .

(تلقف) وهو في مجمع البيان 2 / 460 . (تلقف).

(2) سورة 52 النجم آية 53.

(3) سورة 37 الصافات آية 96.

[505]

تصيير الشئ على خلاف ماكان اما بايجاده أو بايجاد معنى فيه ومثله التغيير.

و (ما) في قوله " ماكانوا يعملون " يحتمل أمرين: أحدهما - أن يكون بمعنى المصدر، والتقدير وبطل عملهم. والثاني - أن يكون بمعنى الذي وتقديره وبطل الحبال والعصي التي عملوا بها السحر.

و (ما) اذا كانت بمعنى المصدر لاتعمل عمل (إن) اذا كانت بمعنى المصدر، لامرين: أحدها - أن (ما) اسم، والاسم لايعمل في الفعل. والاخر - أن تنقل الفعل نقلين إلى المصدر والاستقبال تقول: يعجبني ماتصنع، ويعجبني أن تصنع الخير.

الآية: 119 - 139

قوله تعالى: فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين(119) وألقي السحرة ساجدين(120) قالوا آمنا برب العالمين(121) رب موسى وهرون(122)

أربع آيت.

أخبر الله تعالى أنه لماالقى موسى عصاه وصارت حية، وتلقفت ماأفكت السحرة: أن السحرة " غلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين " والغلبة الظفر بالبغية من العدو، وفي حال المنازعة تقول: غلب يغلب غلبة، فهو غالب وذاك مغلوب أي مقهور، وغالبه مغالبة وتغالبا تغالبا وغلب تغليبا. ومعنى (هنالك) أي عند ذلك الجمع، فهو ظرف مبهم كما أن (ذا) مبهم وفيه معنى الاشارة.

وقيل: هنا وهنا لك وهناك، مثل ذا وذاك وذلك.

وإنما دخلت اللام في (هنالك) لتدل على بعد المكان المشار اليه، كمادخلت في (ذلك) لبعد المشار اليه، ف‍ (هنا) لمابعد قليلا، وهنالك لماكان أشد بعدا. وإنما دخل كاف المخاطبة مع بعد الاشارة ليشعر بتأكيد معنى الاشارة إلى المخاطب ليتنبه على بعد المشار اليه من المكان، والبعيد أحق بعلامة التنبيه من القريب.

وقوله " وانقلبوا صاغرين " أي رجعوا أذلاء، والصاغر الذليل،

[506]

والصغر والصغار الذلة، يقال: صغر الرجل يصغر صغرا وصغارا اذا ذل، وأصله صغر القدر.

وقوله تعالى " وألقى السحرة ساجدين " إنماجاء على مالم يسم فاعله لامرين: أحدهما - أنه بمعنى ألقاهم مارأوا من عظيم آيات الله بأن دعاهم إلى السجود لله والخضوع له. الثاني - أنهم لم يتمالكوا أن وقعوا ساجدين، فكأن ملقيا ألقاهم، ولم يكن ذلك على وجه الاضطرار إلى الايمان، لانه لو كان كذلك لما مدحوا عليه بل علموا ذلك بدليل، وهو عجزهم من ذلك مع تأتي سائر أنواع السحر منهم.

والالقاء اطلاق الشئ إلى جهة السفل ونقيضه الامساك، ومثله الاسقاط والطرح.

ومعنى الاية البيان عن حال من تيقن البرهان، فظهر منه الاذعان للحق والخضوع بالسجود لله تعالى، ولم يكن ممن تعامى عن الصواب وتعاشى عن طريق الرشاد.

وقوله تعالى " قالوا آمنا برب العالمين " حكاية لما قالت السحرة عند تبينهم الحق ووقوعهم للسجود لله تعالى واعترافهم بأنهم آمنوا برب العالمين الذي خلق السموات والارض ومابينهما وخلق موسى وهارون، والقول كلام يدل على الحكاية، ولو قيل: (تكلموا) لم يقتض حكاية كلامهم على صورته، فاذا قيل: (قالوا) اقتضى حكاية كلامهم.

والايمان هو التصديق الذي يؤمن من العقاب، وهو التصديق بما أوجب الله عليهم.

وقال الرماني: يجوز أن يقال لله أنه لم يزل ربا ولا مربوب، كماجاز لم يزل سميعا ولا مسموع، لانه صفة غير جارية على الفعل كما تجري صفة مالك على ملك يملك، فالمقدور هو المملوك.

وأصل الصفة ب‍ (رب) التربية وهي تنشئة الشئ، حالا بعد حال حتى يصير إلى حال التمام والكمال، ومنه رب النعمة يربها ربا إذا تممها، وربي الطفل تربية، والله تعالى رب العالمين المالك لهم ولتدبيرهم.

[507]

و (العالم) كل أمة من الحيوان وجمعة العالمون على تغليب مايعقل، وهو مأخوذ من العلم، لكنه كثر في استعمال أهل النظر على أنه لجميع ما أحاط به الفلك من الاجسام المتصرفة في الاحوال، وقال قوم (عالم) لايقع إلا لجماعة العقلاء. وقد بينا ذلك في فاتحة الكتاب.

وقوله " رب موسى وهارون " إنما خص موسى وهارون بالذكر بعد دخولهما في الجملة من " آمنا برب العالمين " لامرين: أحدهما - أن فيه معنى الذي دعا إلى الايمان موسى وهارون. الثاني - خصا بالذكر لشرف ذكرهما على غيرهما على طريق المدحة لهما والتعظيم. والرب بالاطلاق لايطلق إلا على الله تعالى، لانه يقتضي أنه رب كل شئ يصح ملكه، وفي الناس يقال: رب الدار ورب الفرس، ومثله (خالق) لايطلق إلا فيه تعالى، وفى غيره يقيد، يقال خالق الاديم.

قال الرماني: وإنما جاز نبيان في وقت ولم يجز إمامان في وقت، لان الامام لماكان يقام بالاجتهاد كانت إمامة الواحد أبعد من المناقشة واختلاف الكلمة وأقرب إلى الالفة ورجوع التدبير إلى رضا الجميع.

وهذا الذي ذكره غير صحيح، لان العقل غير دال على أن الامام يجب أن يكون واحدا كما أنه غير دال على أنه يجب أن يكون النبي واحدا، وإنما علم بالشرع أنه لايكون الامام في العصر الواحد إلا واحدا كما علمنا أنه لم يكن في عصر النبي صلى الله عليه وآله نبي آخر، واستوى الامران في هذا الباب.

قوله تعالى: قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون(123) لأقَطعنّ أيديَكم وأرجلكم من خلاف ثم لاصلبنكم أجمعين(124)

آيتان بلاخلاف.

[508]

قرأ حفص وورش ورويس " آمنتم " على الخبر. الباقون بهمزتين على الاستفهام.

وحقق الهمزتين أهل الكوفة إلا حفصا وروحا. الباقون بتحقيق الاولى وتليين الثانية إلا أن قنبلا في غير رواية ابن السائب يقلب همزة الاستفهام واوا اذا اتصلت بنون فرعون، ولم يفصل أحد بين الهمزتين بألف، قال أبوعلي: قياس قول أبي عمرو ومذهبه أن يفصل بين الهمزتين بألف كما يفصل بين النونات في (اخشينان) إلا أنه يشبه أن يكون ترك القياس، وقوله هنالما كان يلزم منه اجتماع المتشابهات فترك الالف التي تدخل بين الهمزتين، وخفف الهمزة الثانية التي هي همزة (افعل) من (آمن) فأما رواية أبي الاخريط عن ابن كثير بابدال الهمزة واوا، فانه أبدل من ألف الاستفهام واوا، لانضمام ماقبلها وهي النون المضمومة في (فرعون) وهذا في المنفصل مثل المتصل من نوره، فقوله (نوأ) على وزن (نود) وفى رواية قنبل عن القواس مثل رواية البزي عن أبي الاخريط غير انه يهمز بعد الواو، قال أبوعلي: من همز بعد الواو، لان هذه (الواو) هي منقلبة عن همزة الاستفهام، وبعد همزة الاستفهام همزة (أفعلتم) فخففها، ولم يخففها كماخفف في القول الاول، ووجهه ان الاولى لمازالت عن لفظ الهمزة وانقلبت واوا حقق الهمزة بعدها، لانه لم يجتمع همزتان.

ووجه القول الاول أن (الواو) لماكان انقلابها عن الهمزة تخفيفا قياس، كان في حكم الهمزة فلم يحقق معها الثانية كمالا تحقق مع الهمزة نفسها، لان الواو في حكمها، كماكانت في حكمها في (رويا) في تخفيف (رؤيا) فلم يدغموها في الياء، كما لم يدغم الهمزة فيها.

ومن قرأ على الخبر فوجهه أنه يخبرهم بايمانهم على جهة التقريع لهم بايمانهم، والانكار عليهم. ووجه الاستفهام أنه استفهام على وجه التوبيخ والتقريع، والانكار عليهم. وحمزة والكسائي قرء‌ا بهمزتين الثانية ممدودة، لان الهمزة الثانية تتصل بها الالف المنقلبة عن الهمزة التى هي فاء في (آمن). في هذه الاية حكاية لما قال فرعون للسحرة حين آمنوا بموسى وصدقوه

[509]

لظهور الحق، فقال لهم " آمنتم به؟ " وانما قال لهم ذلك، لانه توهم أن الاقدام على خلاف الملك بماعمل قبل الاذن فيه منكر يقتضي سطوة الملك بصاحبه والتنكيل به، وعندنا أن فرعون لم يعرف الله قط معرفة يستحق بها الثواب.

وقال الرماني: لايمتنع أن يكون عارفا بالله، وإنما قال هذا القول تمويها على قومه والمتحذير من مثل حال السحرة الذين أقدموا على المخالفة له في الايمان بموسى (ع).

وقوله تعالى " إن هذا لمكر مكر تموه في المدينة " معناه تواطأتم على هذا الامر لتستولوا على العباد والبلاد، فتخرجوا من المدينة أهلها وتتغلبوا عليها، والمكر قيل الاغترار بالحيلة إلى خلاف جهة الاستقامة وأصله الفتل والالتفاف كماقال ذو الرمة.

عجزاء ممكورة خمصانة قلق *** عنها الوشاح وثم الجسم والعصب(1)

والمكر والخدع نظائر في اللغة، وقوله " فسوف تعلمون " تهديد من فرعون لهم وتخويف من مخالفته، وإنما هدد فرعون ب‍ (سوف تعلم)، لان فيه معنى أقدمت بالجهل على سبب الشر، فسوف تعلم حين يظهر مسببه الذي أدى اليه كيف كانت منزلته، فهو أبلغ من الافصاح به.

وقوله " لاقطعن أيديكم " فالتقطيع تكثير القطع ونظيره التفصيل والتفريق، ونقيضه التوصيل تقول: قطع قطعا وأقطع اقطاعا، وقطع تقطيعا وتقطع تقطعا واقتطع اقتطاعا وتقاطع تقاطعا واستقطع واستقطاعا وقاطع مقاطعة وانقطع انقطاعا.

والايدي جمع يد، وهي الجارحة المخصوصة، واليد النعمة، لانها تسدي إلى صاحبها باليد.

والارجل جمع رجل وهي الجارحة التي يمشي بها من يمين وشمال.

والراجل خلاف الراكب وترجل الانسان اذا نزل عن دابته واقفا على رجله، ورجله غيره، وارتجل القول ارتجالا إذا كان فيه كالراجل الذي لم يستعن بركوب غيره.

ورجل الشعر إذا سرحه حاطا له عن ركوب بعضه بعضا.

___________________________________

(1) سيأتي في 5 / 128 وهو في مقاييس اللغة 4 / 233.

[510]

و (التقطيع من خلاف) هوقطع اليد اليمنى مع الرجل اليسرى، وهو قول الحسن، وقال غيره: وكذلك يكون قطع اليد اليسرى مع الرجل اليمنى.

وقوله " ثم لاصلبنكم أجمعين " القراء كلهم على ضم الهمزة، وتشديد اللام من (أصلبكم) وذكر الفراء " ولاصلبنكم " بفتح الهمزة وكسر اللام من الصلب، وهو الشد على الخشبة أو ماجرى مجراها من الاشخاص البارزة، وهو مشتق من صلابة الشد، يقال: صلب صلابة وصلبه تصليبا وتصلب تصلبا.

وقال ابن عباس: أول من صلب وقطع الايدي والارجل من خلاف فرعون.




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (11)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 201

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 9843247

  • التاريخ : 16/05/2021 - 18:32

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net