00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة يونس من اول السورة ـ 33 من ( 285 ـ 349 )  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل (الجزء السادس)   ||   تأليف : سماحة آية الله العظمى الشيخ مكارم الشيرازي

[285]

 

سُورَة يونس

مَكيَّة

وَعَدَدُ آياتِهَا مَائة وتسْع آياتْ

[287]

 

«سورة يونس(عليه السلام) »

محتوى وفضيلة هذه السورة

هذه السورة من السور المكية، وعلى قول بعض المفسّرين فإِنّها نزلت بعد سورة الإِسراء وقبل سورة هود، وتوكّد ـ ككثير من السور المكية ـ على عدة مسائل أساسية وأُصولية، وأهمها مسألة المبدأ والمعاد.

غاية مافي الأمر أنّها تتحدث أوّلا عن مسألة الوحي ومقام النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ تتطرق إِلى نماذج وعلامات الخلقة العظيمة التي تدل على عظمة الله عزوجل، وبعد ذلك تدعو الناس إِلى الإِلتفات إِلى عدم بقاء الحياة المادية في هذه الدنيا، وحتمية زوالها، ووجوب التوجه إِلى الآخرة والتهيؤ لها عن طريق الإِيمان والعمل الصالح.

وقد ذكرت السورة ـ كدلائل وشواهد على هذه المسائل ـ أقساماً مختلفة من حياة كبار الأنبياء، ومن جملتهم نوح وموسى ويونس(عليهم السلام) ولهذا سمّيت بسورة يونس.

وقد ذكرت كذلك، لتأييد هذه المباحث، كلاماً عن عناد وتصلب عبدة الأوثان، وترسم وتوضح لهم حضور الله سبحانه في كل مكان وشهادته، وتستعين لإِثبات هذه المسألة بأعماق فطرة هؤلاء التي تتعلق بالواحد الأحد عندما يقعون في المشاكل والمعضلات، حيث يتّضح هذا التعلق الفطري بالله سبحانه.

[288]

وأخيراً فإِنّها تستغل كل فرصة للبشارة والإِنذار، البشارة بالنعم الإِلهية التي لا حدود لها للصالحين، والإِنذار والإِرعاب للطاغين والعاصين، لتكملة البحوث أعلاه.

ولهذا فإِنّنا نقرأ في رواية عن الإِمام الصّادق(عليه السلام): «من قرأ سورة يونس في كل شهرين أو ثلاثة مرّة، لم يخف عليه أن يكون من الجاهلين، وكان يوم القيامة من المقربين»(1)، وذلك لأنّ آيات التحذير والوعيد وآيات التوعية كثيرة في هذه السورة، وإِذا ماقُرئت بدقة وتأمل، فإنّها ستكشف ظلمة الجهل عن روح ابن آدم، وسيبقى أثرها عدّة أشهر على الأقل، وإِذا ما أدرك الإِنسان محتوى السورة وعمل بها، فإِنّه سيكون ـ يقيناً ـ يوم القيامة من المقربين.

ربّما لانحتاج أن نذكّر بأنّ فضائل السور ـ كما قلنا سابقاً ـ لايمكن تحصيله بمجرّد تلاوة الآيات من دون إِدراك معناها، ومن دون العمل بمحتواها، لأن التلاوة مقدمة للفهم، والفهم مقدمة للعمل!.

* * *

____________________________

(1) تفسير نور الثقلين، ج2، ص290 ، وتفاسير أُخرى.

[289]

الآيتان

الر تِلْكَ أَيتُ الْكِتَبِ الْحَكِيمِ(1)أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَى رَجُل مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْق عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَفِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَحِرٌ مُّبِينٌ(2)

التّفسير

رسالة النّبي:

في هذه السورة نواجه ـ مرّة أُخرى ـ الحروف المقطعة في القرآن، والتي ذكرت بصورة (ألف ولام وراء) وقد تحدثنا في بدايه سورة البقرة وآل عمران والأعراف في تفسير هذه الحروف بالقدر الكافي، وسنبحثها في المستقبل ـ إن شاء الله تعالى ـ في الموارد المناسبة، وسنضيف إِليها مباحث ومطالب جديدة.

بعد هذه الحروف تشير الآية أوّلا إِلى عظمة آيات القرآن وتقول: (تلك آيات الكتاب الحكيم).

إِنّ التعبير بـ (تلك) وهي إِسم إِشارة للبعيد، بدل (هذه) التي تشير للقريب، والذي

[290]

جاء نظيره في بداية سورة البقرة، يعتبر من التعبيرات الجميلة واللطيفة في القرآن، وهو كناية عن عظمة ورفعة مفاهيم القرآن، لأنّ المطالب اليسيرة والبسيطة يشار لها غالباً باسم الإِشارة القريب، أمّا المطالب المهمّة العالية المستوى، والتي تعانق السحاب في علو أفقها، فإِنّها تُبيّن باسم الإِشارة البعيد.

إِنّ توصيف الكتاب السماوي ـ أي القرآن ـ بأنّه (حكيم) هو إِشارة إِلى أن آيات القرآن محكمة ومنظمة ودقيقة، بحيث لايمكن أن يأتيها أو يخالطها أي شكل من أشكال الباطل والخرافة، فهي لا تقول إلاّ الحق، ولا تدعو إلاّ إِلى طريق الحق.

أمّا الآية الثّانية فإِنّها تبيّن ـ ولمناسبة تلك الإِشارة التي مرّت إِلى القرآن والوحي الإِلهي في الآية السابقة ـ واحداً من إِشكالات المشركين على النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو نفس الإِشكال الذي جاء في القرآن بصورة متكررة. وهذا التكرار يبيّن أن هذا الإِشكال من إِشكالات المشركين المتكررة، وهو: لماذا نزل الوحي الإِلهي من الله على إِنسان مثلهم؟ ولماذا لم تتعهد الملائكة بمسؤولية هذه الرسالة الكبيرة؟ فيجيب القرآن عن هذه الأسئلة فيقول: (أكان للناس عجباً أن أوحينا إِلى رجل منهم).

الواقع أنّ كلمة «منهم» تضمنت الجواب على سؤالهم، أي إِنّ القائد والمرشد إِذا كان من جنس أتباعه، ويعلم أمراضهم، و مطلع على احتياجاتهم، فلا مجال للتعجب، بل العجب أن يكون القائد من غير جنسهم، بحيث يعجز عن قيادتهم نتيجة عدم اطلاعه على وضعهم.

ثمّ تشير إِلى محتوى الوحي الإِلهي. وتلخصه في أمرين:

الأوّل: إِنّ الوحي الذي أرسلناه، مهمته إِنذار الناس وتحذيرهم من عواقب الكفر والمعاصى: (أن أنذر الناس).

والثّاني: هو (وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربّهم).

وفي الوقت الذي يوجد بحث بين المفسّرين في المقصود من «قدم الصدق»، إلاّ

[291]

أنّ أحد التفاسير الثلاثة المذكورة هنا ـ أو كل الثلاثة ـ قابل للقبول بصورة علمية.

فالتّفسير الأوّل: إِن «قدم الصدق» هذا إِشارة إِلى أن الإِيمان له بـ «سابقة فطرية»، وإِنّ المؤمنين عندما يظهرون إِيمانهم فهم في الحقيقة يصدقون فطرتهم ـ لأنّ أحد معاني القدم هو السابقة ـ كما يقولون: لفلان قدم في الإِسلام، أو قدم في الحرب، أي إِنّ له سبقاً في الإِسلام أو الحرب.

والثّاني: إِنّه إِشارة إِلى مسألة المعاد ونعيم الآخرة، لأنّ أحد معاني القدم هو المقام والمنزلة، وهو يناسب كون الإنسان يرد إِلى منزله ومقامه برجله، وهذا التّفسير يعني أنّ للمؤمنين مقاماً ومنزلة ثابتة وحتمية عند الله سبحانه، وأن أي قوّة لا تستطيع تغييرها وجعلها في شكل آخر.

أمّا التّفسير الثّالث فهو أن القدم بمعنى القدوة والزعيم والقائد، أي إِننا أرسلنا للمؤمنين قائداً ومرشداً صادقاً.

لقد وردت عدّة روايات عن طريق الشيعة والسنة لهذه الآية تفسر قدم الصدق بأنّه النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أو ولاية علي(عليه السلام) وتؤيد هذا المعنى (1).

وكما قلنا فإنّ من الممكن أن تكون البشارة بكل هذه الأُمور هي المرادة من التعبير أعلاه .

وتنهي الآية حديثها بذكر اتهام طالما كرّره المشركون واتهموا به النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقالت: (قال الكافرون إنّ هذا لساحر مبين) .

إنّ كلمة (إن) و«لام» التأكيد وصفة «المبين»، كلها دلائل على مدى تأكيد أُولئك الكفار على هذه التهمة، وعبروا بـ (هذا) لتصغير مقام النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والتقليل من أهميته.

أمّا لماذا اتهموا النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بالسحر؟ فجوابه واضح، ذلك أنّهم لم يكونوا

____________________________

(1) تفسيرالبرهان، ج 2، ص 177، وتفسير القرطبي، ج 5، ص 3145 .

[292]

يمتلكون الجواب المقنع مقابل إِعجاز كلامه وشريعته وقوانينه العادلة الرفيعة. فلم يكن لهم سبيل إلاّ أن يفسروا هذه الظواهر الخارقة للعادة بأنّها سحر، وبهذا فقط يمكنهم ابقاء البسطاء تحت سيطرة الجهل وعدم الإِطلاع على الواقع.

إِنّ أمثال هذه التعبيرات التي كانت تصدر من ناحية الأعداء ضد النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)دليل بنفسها على أنّ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقوم بأعمال خارقة للعادة، بحيث تجذب القلوب والأفكار نحوها، خاصّة وأن التأكيد على السحر في شأن القرآن المجيد هو بنفسه دليل قاطع وقوي على الجاذبية الخارقة الموجودة في هذا الكتاب السماوي، ولأجل خداع الناس فإِنّهم كانوا يجعلونه في إِطار السحر.

وسنتحدث عن هذا الموضوع في الآيات المناسبة إِن شاء الله تعالى.

* * *

[293]

الآيتان

إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَاالأَرضَ فىِ سِتَّةِ أَيَّامِ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيع إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَالِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ(3)إِليْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللهِ حَقَّاً إِنَّهُ يَبْدَؤُاْ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَروُاْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيم وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانوُاْ يَكْفُرُونَ(4)

التّفسير

معرفة الله والمعاد:

بعد أن أشار القرآن الكريم إِلى مسألة الوحي والنّبوة في بداية هذه السورة، انتقل في حديثه إِلى أصلين أساسيين في تعليمات وتشريعات جميع الأنبياء، ألا وهما المبدأ والمعاد، وبيّن هذين الأصلين ضمن عبارات قصيرة في هاتين الآيتين.

فيقول أوّلا: (إِنّ ربّكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيّام). وكما أشرنا سابقاً، فإِنّ كلمة (يوم) في لغة العرب، وما يعادلها في سائر اللغات، تستعمل

[294]

في كثير من الموارد بمعنى المرحلة، كما نقول: في يوم ما كان الإِستبداد يحكم بلادنا، أمّا اليوم فهي في ظل الثورة الاسلامية تنعم الحرية، ويعني أن مرحلة الإِستبداد قد إنتهت وجاءت مرحلة استقلال الشعب وحريته(1).

وعلى هذا فإِنّ مفهوم الجملة أعلاه يكون: إِنّ الله سبحانه قد خلق السماء والأرض في ستة مراحل، ولما كنّا قد تحدثنا عن هذه المراحل الستة سابقاً، فإِنّنا لا نكرر الكلام هنا(2).

ثمّ تضيف الآية: (ثمّ استوى على العرش يدبر الأمر). كلمة «العرش» تأتي أحياناً بمعنى السقف، وأحياناً بمعنى الشيء الذي له سقف، وتارةً بمعنى الأسرّة المرتفعة، هذا هو المعنى الأصلي لها، أمّا معناها المجازي فهو القدرة، كما نقول: فلان تربع على العرش، أو تحطمت قوائم عرشه، أو أنزلوه من العرش، فكلها كناية عن تسلم القدرة أو فقدانها، في الوقت الذي يمكن أن لايكون للعرش أو الكرسي وجود في الواقع أصلا، ولهذا فإِنّ (استوى على العرش) تعني أنّ الله سبحانه قد أمسك بزمام أُمور العالم(3).

«التدبر» من مادة (التدبير) وفي الأصل من (دبر) بمعنى الخلف وعاقبة الشيء، وعلى هذا فإِنّ معنى التدبير هو التحقق من عواقب الأعمال، وتقييم المنافع، ثمّ العمل طبق ذلك التقييم. إِذن، وبعد أن تبيّن أنّ الخالق والموجد هو الله سبحانه، اتّضح أنّ الأصنام، ـ هذه الموجودات الميتة والعاجزة ـ لايمكن أن يكون لها أي تأثير في مصير البشر، ولهذا قالت الآية في الجملة التالية: (مامن شفيع إلاّ من بعد إِذنه)(4).

____________________________

(1) من أجل مزيد التوضيح، وذكر الأمثلة في هذا المجال راجع ذيل الآية (54) من سورة الأعراف.

(2) المصدر السّابق.

(3) لمزيد التوضيح والإِطلاع على معاني العرش المختلفة، راجع تفسير الآية (54) من سورة الأعراف و (255) من سورة البقرة.

(4) لقد أوضحنا توضيحاً كافياً مسألة الشفاعة المهمّة في المجلد الأوّل في تفسير الآية (47) من سورة البقرة.

[295]

وتتحدث الآية التالية ـ كما أشرنا ـ عن المعاد، وتبيّن في جمل قصار أصل مسألة المعاد، والدليل عليها، والهدف منها!.

فتقول أوّلا: (إِليه مرجعكم جميعاً) وبعد الإِستناد إِلى هذه المسألة المهمّة والتأكيد عليها تضيف: (وعد الله حقّاً) ثمّ تشير إِلى الدليل على ذلك بقولها: (إِنّه يبدأ الخلق ثمّ يعيده) أي إِنّ هؤلاء الذي يشكّون في المعاد يجب عليهم أن ينظروا إِلى بدء الخلق، فإِنّ من أوجد العالم في البداية يستطيع أن يعيده من جديد. وقد مر بيان هذا الإِستدلال بصورة أُخرى في الآية (29) من سورة الأعراف ضمن جملة قصيرة تقول: (كما بدأكم تعودون) وقد سبق شرح ذلك في تفسير سورة الأعراف.

إِنّ الآيات المرتبطة بالمعاد في القرآن توضح أنّ العلة الأساسية في تشكيك وتردد المشركين والمخالفين، هي أنّهم كانوا يشكون في إِمكان حدوث مثل هذا الشيء، وكانوا يسألون بتعجب بأنّ هذه العظام النخرة التي تحولت إِلى تراب، كيف يمكن أن تعود لها الحياة وترجع إِلى حالتها الأُولى؟ ولهذا نرى أنّ القرآن قد وضع إِصبعه على مسألة الإِمكان هذه ويقول: لا تنسوا أن الذي يبعث الوجود من جديد، ويحيي الموتى هو نفسه الذي أوجد الخلق في البداية.

ثمّ تبيّن الهدف من المعاد بأنّه لمكافأة المؤمنين على جميع أعمالهم الصالحة حيث لا تخفى على الله سبحانه مهما صغرت: (ليجزي الذين أمنوا وعملوا الصالحات بالقسط) أمّا أُولئك الذين اختاروا طريق الكفر والإِنكار، ولم تكن لديهم أعمال صالحة ـ لأنّ الإِعتقاد الصالح أساس العمل الصالح ـ فإِنّ العذاب الأليم وأنواع العقوبات بانتظارهم: (والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون).

وهنا نقطتان تسترعيان الإِنتباه:

1 ـ لما لم يكن لله سبحانه وتعالى مكان خاص، وخاصّة إِذا علمنا أنّه موجود

[296]

في كل مكان في جميع العوالم، وأنّه أقرب إِلينا منّا، فإِنّ هذه الحقيقة قد جعلت المفسّرين يفسرون (إِليه مرجعكم جميعاً) في هذه الآية، والآيات الأُخرى في القرآن، تفاسير مختلفة:

فقيل تارةً أن المقصود هو أنّكم ترجعون إِلى جزاء الله سبحانه.

وربّما اعتبر بعض الجاهلين هذا التعبير دليلا على تجسم الله سبحانه في يوم القيامة، وبطلان هذه العقيدة أوضح من أن يحتاج إِلى بيان وإِثبات.

إِلاّ أنّ الذي يبدو بدقة من خلال آيات القرآن الكريم، إِنّ عالم الحياة كقافلة تحركت من عالم العدم وتستمر في مسيرتها اللانهائية نحو اللانهاية التي هي ذات الله المقدسة، بالرغم من أنّ المخلوقات محدودة، والمحدود لايمكن أن يكون لا نهائياً قط، غير أنّ سيره إِلى التكامل لا يتوقف أيضاً، وحتى بعد قيام القيامة فإِنّ السير التكاملي سيستمر، كما أوضحنا ذلك في بحث المعاد.

يقول القرآن الكريم: (يا أيّها الإِنسان إِنّك كادح إِلى ربّك كدحاً).

ويقول: (يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي إِلى ربّك).

ولما كان بداية الحركة من جهة الخالق، حيث شعت منه أوّل بارقة للحياة، وأن هذه الحركة التكاملية ـ أيضاً ـ تسير نحوه، فقد عبّرت الآية بالرجوع. وبعبارة مختصرة فإِنّ هذه التعبيرات إِضافةً إِلى أنّها تشير إِلى أن بداية حركة عامّة الموجودات من الله سبحانه، فإِنّها تبيّن أيضاً أنّ هدف هذه الحركة وغايتها، هي ذات الله المقدسة. وإِذا لاحظنا أن تقديم كلمة «إليه» يدل على الحصر، سيتّضح أن اي وجود غير ذات الله المقدسة لايمكن أن يكون هدفاً وغاية لهذه الحركة التكاملية لا الأصنام ولا أي مخلوق آخر، لأنّ كل هذه الوجودات محدودة، ومسير الإنسان مسير لا نهائي.

2 ـ إِنّ كلمة «القسط» تعني في اللغة إِعطاء سهم آخر، ولذلك فقد أخفي فيها

[297]

مفهوم العدل والإِنصاف. واللطيف أنّ الآية قد استعملت هذه الكلمة في حق ذوي الأعمال الصالحة فقط، ولم تذكرها في جزاء الكافرين والسيئي الأعمال، وذلك لأنّ العذاب ليس على شكل الحصص والأرباح، وبتعبير أخر فإنّ كلمة القسط تناسب الجزاء الحسن فقط، لا العقاب.

* * *

[298]

الآيتان

هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَآءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الأَيَاتِ لِقُوْم يَعْلَمُونَ(5) إِنَّ فِى اخْتِلاَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللهُ فِى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لأَيَات يَتَّقُونَ(6)

التّفسير

جانب من آيات عظمة الله:

لقد مرّت في الآيات السابقة إِشارة عابر إِلى مسألة المبدأ والمعاد، إلاّ أن هذه الآيات وما بعدها تبحث بصورة مفصلة هذين الأصلين الأساسيين اللذين يمثلان أهم دعامة لدعوة الأنبياء، وبتعبير آخر فإِنّ الآيات اللاحقة بالنسبة للسابقة بمثابة التفصيل للإِجمال.

لقد أشارت الآية الأُولى التي نبحثها إِلى جوانب من آيات عظمة الله سبحانه في عالم الخلقة فقالت: (هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً).

إِنّ الشمس التي تعم العالم بنورها لاتعطي النور الحرارة للموجودات فحسب، بل هي العامل الأساس في نمو النباتات وتربية الحيوانات، و إِذا دقّقنا النظر رأينا

[299]

أنّ كل حركة على وجه الكرة الأرضية، حتى حركة الرياح وأمواج البحار وجريان الأنهار والشلالات، هي من بركات نور الشمس، وإِذا ما انقطعت هذه الأشعة الحياتية عن كرتنا الأرضية يوماً فإِنّ السكون والظلمة والموت سيخيّم على كل شيء في فاصلة زمنية قصيرة.

والقمر بنوره الجميل هو مصباح ليالينا المظلمة، ولا تقتصر مهمّته على هداية المسافرين ليلا وإِرشادهم إِلى مقاصدهم، بل هو بنوره المناسب يبعث الهدوء والنشاط لكل سكان الأرض.

ثمّ أشارت الآية إِلى فائدة أُخرى لوجود القمر فقالت: (وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب) أي إِنّكم لو نظرتم إِلى القمر، وأنّه في أوّل ليلة هلال رفيع، ثمّ يكبر حتى يكون بدراً في ليلة النصف من الشهر، وبعدها يبدأ بالنقصان التدريجي حتى اليوم أو اليومين الأخيرين حيث يغيب في المحاق، ثمّ يظهر على شكل هلال من جديد ويدور إِلى تلك المنازل السابقة، لعلمتم أن هذا الإِختلاف ليس عبثاً ، بل إِنّه تقويم طبيعي دقيق جدّاً يستطيع الجاهل والعالم قراءته، ويقرأ فيه تاريخ أعماله وأُمور حياته(1).

ثمّ تضيف الآية: إِن هذا الخلق والدوران ليس عملا غير هادف، أو هو من باب اللعب، بل (ماخلق الله ذلك إلاّ بالحق).

وفي النهاية توكّد الآية: (يفصل الآيات لقوم يعلمون) إلاّ أنّ هؤلاء الغافلين وفاقدي البصيرة بالرغم من أنهم يمرون كثيراً على هذه الآيات والدلائل، إلاّ أنّهم لا يدركون أدنى شيء منها.

وتتطرق الآية الثّانية إِلى قسم آخر من العلامات والدلائل السماوية والأرضية الدالّة على وجوده سبحانه، فتقول: (إِنّ في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في

____________________________

(1) لقد بحثنا في المجلد الثّاني حول كون القمر تقويماً طبيعياً يمكن من خلال حالاته المختلفة تعيين أيّام الشهر بدقّة (راجع تفسير الآية 189 من سورة البقرة) .

[300]

السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون) فليست السماء والأرض بذاتهما من آيات الله وحسب، بل إن كل واحدة من الموجودات التي توجد فيهما تعتبر آية بحد ذاتها، إلاّ أنّ الذين يدركون تلك الآيات هم الذين سمت أرواحهم وصفت نتيجة لتقواهم وبعدهم عن المعاصي، وهم الذين يقدرون على رؤية وجه الحقيقة وجمال المعشوق.

* * *

ملاحظات

وهنا ملاحظات ينبغي الإِنتباه لها:

1 ـ هناك نقاش طويل بين المفسّرين في الفرق بين كلمتي الضياء والنور، فالبعض منهم اعتبرهما مترادفتين وأن معناهما واحداً، والبعض الأخر قالوا: إِنّ الضياء استعمل في ضوء الشمس فالمراد به النور القوي، أمّا كلمة النور التي استعملت في ضوء القمر فإِنّها تدل على النور الأضعف.

الرأي الثّالث في هذا الموضوع هو أنّ الضياء بمعنى النور الذاتي، أمّا النور فإِنّه أعم من الضياء ويشمل الذاتي والعرضي، وعلى هذا فإِنّ اختلاف تعبير الآية يشير إِلى هذه النقطة. وهي أنّ الله سبحانه قد جعل الشمس منبعاً فوّاراً للنور، في الوقت الذي جعل للقمر صفة الإِكتساب، فهو يكتسب نوره من الشمس.

والذي يبدو أنّ هذا التفاوت مع ملاحظة آيات القرآن، هو الأصح، لأنا نقراً في الآية (16) من سورة نوح: (وجعل القمر فيهن نوراً وجعل الشمس سراجاً) وفي الآية (61) من سورة الفرقان، (وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً) فإِذا لاحظنا أنّ نور السراج ينبع من ذاته، وهو منبع وعين للنور، وأن الشمس قد شُبهت في الآيتين بالسراج، سيتّضح أنّ هذا التفاوت مناسب جداً في الآيات مورد البحث.

2 ـ هناك اختلاف بين أهل الكتاب وكتّاب اللغة في أن (ضياء) جمع أم مفرد،

[301]

فالبعض، كصاحب كتاب «القاموس»، اعتبرها مفرداً، إلاّ أن البعض الآخر كالزجّاج إِعتبر الضياء جمعاً للضوء، وقد قبل هذا المعنى صاحبا تفسير «المنار» وتفسير «القرطبي»، وخاصّة صاحب المنار، حيث استفاد على أساس هذا المعنى إِستفادة خاصّة من الآية، فهو يقول: إِن ذكر الضياء بصيغة الجمع في شأن نور الشمس إِشارة إِلى الشيء الذي أثبته العلم اليوم بعد قرون، وهو أنّ نور الشمس مكون من سبعة أنوار، وبتعبير آخر سبعة ألوان، هي الألوان التي تظهر في قوس قزح، وتلاحظ عند مرور النور عبر المناشير البلورية.

ولكن يبقى هنا سؤال، وهو: هل أن نور القمر، رغم أنّه أضعف، غير متكون من الألوان المختلفة؟

3 ـ هناك بحث ونقاش بين المفسّرين في أنّ ضمير (قدّره منازل) يعود إِلى القمر فقط، أم يرجع إِلى الشمس والقمر؟ فالبعض يعتقد أن الضمير وإِن كان مفرداً، إِلاّ أنّه يعود إِلى الإِثنين معاً، ونظير ذلك في الأدب العربي غير قليل.

اختيار هذا الرأي من أجل أن القمر ليس الوحيد الذي له منازل، بل إِنّ للشمس أيضاً منازل، ففي كل وقت تكون في برج خاص، والإِختلاف في الأبراج هذا هو مبدأ التاريخ والأشهر الشمسية.

والحق أنّ ظاهر الآية يوحي بأنّ هذا الضمير المفرد يعود للقمر فقط، لقربه منه، وهذا بنفسه يحتوي على نكتة، ذلك:

أوّلا: إِنّ الأشهر التي عرفت في الإِسلام والقرآن رسمياً هي الأشهر القمرية.

ثانياً: إِنّ القمر كرة متحركة ولها منازل، أمّا الشمس فإِنّها تقع في وسط المنظومة الشمسية، وليس لها حركة ضمن مجموع هذه المنظومة، وإِنّ اختلاف الأبراج ومسير الشمس في المدار الفلكي ذي الإِثني عشر برجاً، والذي يبداً من الحمل وينتهي بالحوت، ليس بسبب حركة الشمس، بل بسبب حركة الأرض حول الشمس، ودوران الأرض هذا هو السبب في أن نرى الشمس تقابل كل شهر

[302]

واحداً من البروج الفلكية الإِثني عشر، وعلى هذا فليس للشمس منازل مختلفة خلافاً للقمر. (دققوا جيداً).

إِنّ هذه الآية في الحقيقة تشير إِلى إِحدى المسائل العلمية المرتبطة بالأجرام السماوية كانت خافية على البشر في ذلك الزمان حيث ما يدركوا هذا الفرق بين حركة الشمس والقمر.

4 ـ لقد عدت الآيات أعلاه اختلاف الليل والنهار من آيات الله سبحانه، وذلك لأنّ نور الشمس إِذا استمر في إِشعاعه على الأرض، فإِنّ من المسلّم أن درجة الحرارة سترتفع إِلى الحد الذي تستحيل معه الحياة على وجه الأرض.

وكذلك الليل إِذا استمر فإِنّ كل شيء سينجمد لشدّة البرودة.

إِلاّ أنّ الله سبحانه قد جعل هذين الكوكبين يتبع أحدهما الآخر لتهيئة أسباب الحياة والمعيشة على وجه الكرة الأرضية(1).

إِنّ أثر العدد والحساب والتاريخ والسنة والشهر في نظام حياة البشر والروابط الإِجتماعية والمكاسب والأعمال لا يخفى على أحد.

5 ـ إِنّ مسألة العدد والحساب التي أشير إِليها في الآيات أعلاه، هي في الواقع واحدة من أهم مسائل حياة البشر في جميع النواحي والمجالات.

نعلم إنّ أهمية أية نعمة تتّضح أكثر عندما نلاحظ الحياة بدون تلك النعمة، وعلى هذا فلو أن حساب التاريخ وامتياز الأيّام والأشهر والسنين رفع من حياة البشر، مثلا لا توجد أيام واضحة ومحددة للأسبوع، ولا أيّام الشهر، ولا عدد الشهور والسنين، ففي هذه الحالة ستتعرض كل المسائل التجارية والإِقتصادية والسياسية وكل الإتفاقيات والبرامج الزمنية المعدة للخلل وعندها سوف لا يثبت حجر على حجر و ستنفرط عقده النظم في الاعمال، وحتى وضع الزراعة وتربية الحيوانات والصناعات الإِنتاجية ستعمها الفوضى والإِضطراب.

____________________________

(1) لقد أوردنا توضيحات أُخرى حول هذا الموضوع في المجلد الأوّل (راجع تفسير الآية 164 من البقرة).

[303]

لكن لما كان الله سبحانه قد خلق الإِنسان ليحيا حياة سعيدة مقرونة بالنظام، فإِنّه قد وضع وسائلها تحت تصرفه.

صحيح أن الإِنسان يمكنه تنظيم أعماله إِلى حدّ ما بالأُمور الاعتبارية، إلاّ أنّه إِذا لم يستند إِلى الميزان الطبيعي فإنّ مقياسه الجعلي لا يكون عاماً و شاملا، وليس قابلا للإِعتماد.

إِنّ دوران الشمس والقمر ـ وبتعبير أصح دوران الأرض حول الشمس ـ والمنازل التي لهما، يشكل تقويماً طبيعياً واضح الأساس ويستفيد منه الجميع في كل مكان، ويعتمدون عليه، فكما أن مقدار اليوم والليلة يعتبر مقياساً تاريخياً صغيراً ينشاً نتيجة عالم طبيعي، أي حركة الأرض حول نفسها، فإِنّ الشهر والسنة يجب أن تستند إِلى دوران طبيعي، وعلى هذا المنوال فإِنّ حركة القمر حول الأرض يشكل مقياساً أكبر، فإِنّ الشهر يساوي ثلاثين يوماً تقريباً، وحركة الأرض حول الشمس ينتج منها مقياس أعظم، وهو السنة.

قلنا: إِنّ التقويم الإِسلامي يستند إِلى التقويم القمري ودوران القمر، ورغم أنّ دوران الشمس في الأبراج الإِثني عشر طريقة جيدة لتعيين الأشهر الشمسية، أنّ هذا التقويم مع أنّه طبيعي، إلاّ أنّه لا ينفع الجميع، وإِنّما يستطيع علماء النجوم فقط عبر رصد النجوم من تحديد كون الشمس في البرج الفلاني، ولهذا السبب فإِنّ الآخرين مجبورون على مراجعة التقاويم التي نظمت من قبل هؤلاء المنجمين.أن دوران القمر المنتظم حول الأرض يعطي تقويماً واضحاً يستطيع قراءة خطوطه وخرائطه حتى الأميون وسكّان البوادي.

وتوضيح ذلك إن هيئة القمر تختلف في كل ليلة في السماء عن الليلة السابقة واللاحقة، بحيث لا توجد ليلتان في طول الشهر تتحد فيها هيئة القمر في السماء، وإِذا دققنا قليلا في وضع القمر كل ليلة فإِنّنا سنعتاد رويداً رويداً على تعيين تلك الليلة من ليالي الشهر.

[304]

وقد يتصور البعض أن نصف الشهر الثّاني تتكرر في صور النصف الأوّل بعينها، وأنّ صورة القمر في ليلة الإِحدى والعشرين مثلا هي بعينها صورته في الليلة السابقة، إلاّ أن هذا اشتباه كبير، لأنّ جانب النقص في القمر في النصف الأوّل هو الطرف الأعلى، في حين أنّ جانب نقصه في النصف الثّاني من الطرف الأسفل، وبتعبير آخر فإِنّ أطراف الهلال الدقيقة تكون إِلى الشرق في البداية، بينما هي في الجانب الغربي عند أواخر الشهر، إِضافةً إِلى أنّ القمر يرى في الغرب أوائل الشهر، أمّا في أواخره فإِنّه يرى في الشرق، ويتأخر كثيراً في طلوعه. وعلى هذا فإِنّه يمكن الإِستفادة من شكل القمر مع تغييراته التدريجية كعداد يومي، ولتحديد أيّام الشهر بدقة من خلال شكل القمر.

على كل حال، فإِنّنا في هذه الموهبة التي نسميها «النظام التأريخي»، مدينون لهذا الخلق الإِلهي، ولولا حركات القمر والشمس (والأرض) لكان لنا وضع مضطرب وفوضوي في الحياة لم يكن في الحسبان تصوره.

إِنّ السجناء في الزنزانات الإِنفرادية المظلمة، والذين أضاعوا الزمان والأوقات ولم يهتدوا إِليها، قد أحسوا بهذه الحيرة وعدم الهدفية والتكليف.

يقول أحد السجناء في عصرنا الحاضر الذي قضى شهراً في زنزانة إِنفرادية مظلمة لعملاء الظالمين: لم تكن لي أيّة وسيلة أو طريقة لتحديد أوقات الصلاة، إلاّ أنّهم عندما كانوا يأتونني بالغداء كنت أصلي الظهر والعصر، وإِذا ما أتوا بالعشاء أصلي المغرب والعشاء، وصلاة الصبح عادة مع الفطور! ولكي أحسب الأيّام فإِنّي كنت آخذ وجبات الطعام بنظر الإِعتبار، فكل ثلاث وجبات أعدها يوماً، غير أني لا أعلم ماذا حدث عندما خرجت من السجن، فقد رأيت اختلافاً بين حسابي وحساب الناس!.

* * *

[305]

الآيات

إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِالْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ أَيَاتِنَا غَفِلُونَ(7) أُوْلئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ(8) إِنَّ الَّذِينَ أَمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَرُ فىِ جَنَّاتِ النَّعِيمِ(9)دَعْوَاهُمْ فِيَْهَا سُبْحَنَك اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُم أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(10)

التّفسير

أهل الجنّة والنّار:

كما مرت الإِشارة، فإِنّ القرآن قد عرض في بداية هذه السورة بحثاً إِجمالياً عن موضوع المبدأ والمعاد، ثمّ بدأ بشرح هذه المسألة، ففي الآيات السابقة كان هناك شرح وبحث حول مسألة المعاد، ويلاحظ في هذه الآيات تفصيل حول المعاد ومصير الناس في العالم الآخر.

ففي البداية يقول: (إِنّ الذين لايرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنّوا

[306]

بها) فهم لايعتقدون بالمعاد وتجاهلوا الآيات البينات فلم يتدبروا فيها كيما تستيقظ قلوبهم ويتحرك فيهم روح الاحساس بالمسؤولية (والذين هم عن آياتنا غافلون) فكلا هاتين الطائفتين مصيرهم الى النّار: (أُولئك مأواهم النّار بما كانوا يكسبون).

إِنّ النتيجة الطبيعية والحتمية لعدم الإِيمان بالمعاد هي الإِرتباط بهذه الحياة المحدودة والعلائق المادية، والإِطمئنان بها والإِعتماد عليها، ونتيجة ذلك ـ أيضاً ـ هو تلوّث الاعمال وفساد السلوك في أنماط الحياة المختلفة، ولاتكون عاقبة ذلك إِلاّ النّار.

وكذلك فإِنّ الغفلة عن الآيات الإِلهية هي أساس البعد عن الله سبحانه، والإِبتعاد عن الله هو العلّة لعدم الإِحساس بالمسؤولية والتلوّث بالظلم والفساد والمعصية، وعاقبة ذلك لا تكون إلاّ النّار.

بناءً على هذا، فإِنّ كلا الفريقين أعلاه ـ أي الذين لا يؤمنون بالمبدأ، أو لايؤمنون بالمعاد ـ سيكونان ملوّثين حتماً بالاعمال الذميمة، ومستقبل كلا الفريقين مظلم.

إِنّ هاتين الآيتين توكّدان مرّة أُخرى هذه الحقيقة، وهي أنّ إِصلاح مجتمع ما وإِنقاذه من نار الظلم والفساد، يتطلب تقوية رُكني الإِيمان بالله والمعاد اللذين هما شرطان ضروريان وأساسيان، فإنّ عدم الإِيمان بالله سبحانه سيقتلع الإِحساس بالمسؤولية من وجود الإِنسان، والغفلة عن المعاد يذهب بالخوف من العقاب، وعلى هذا فإِنّ هذين الأساسين العقائديين هما أساس كل الإِصلاحات الإِجتماعية.

ثمّ يشير القرآن إِلى وضع فئة أُخرى في مقابل هذه الفئة، فيقول: (إِنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربّهم بإِيمانهم) فإِنّ نور الهداية الإِلهية الذي ينبعث

[307]

من نور إِيمانهم يضيء كل آفاق حياتهم، وقد اتّضحت لهم الحقائق باشراقات هذا النور بحيث لم تعد شراك المذاهب المادية وزبارجها، ولا الوساوس الشيطانية وبريق المطامع الدنيوية قادرة على التعتيم على افكارهم ودفعهم في طريق الإِنحراف عن الصواب والحق.

إِنّ وضع هؤلاء في الحياة الأُخرى أنّهم (تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم).

إِنّ هؤلاء يرفلون في محيط مملوء بالصلح والصفاء وعشق الله وأنواع النعم، ففي كل وقت تنير وجودهم نفحة ورشحة من ذات الله وصفاته، فإِنّ (دعواهم فيها سبحانك اللّهم) وكلما التقى بعضهم بالآخر فإِنّهم يتحدثون عن الصفاء والسلام (وتحيّتهم فيها سلام) وأخيراً فإِنّهم كلّما إلتذوا بنعم الله المختلفة شكروا ذلك (وآخر دعواهم أن الحمد لله ربّ العالمين).

* * *

ملاحظات

1 ـ المقصود من لقاء الله الذي جاء في الآية الأُولى ليس هو اللقاء الحسي قطعاً، بل المقصود أنّ الإِنسان إِضافةً إِلى الحصول على الثواب وعطايا الله، فإِنّه يشعر يوم القيامة بنوع من الحضور القلبي بالنسبة للذات المقدسة، لأنّه حينئذ سيرى آيات الله وعلاماته بصورة أوضح في كل مكان، وسيحصل على رؤية وإدراك جديد لمعرفته(1).

2 ـ إِنّ الحديث في قوله تعالى: (يهديهم ربّهم بإِيمانهم) عن هداية الإِنسان في

____________________________

(1) لمزيد التوضيح راجع المجلد الأوّل من تفسيرنا هذا ذيل الآية (46) من سورة البقرة.

[308]

ظل الإِيمان، وهذه الهداية لا تختص بعالم الآخرة، بل إِنّ الإِنسان ينجو بنور إِيمانه في هذه الدنيا من كثير من الإِشتباهات والخدع والأخطاء والمعاصي المتولّدة من الطمع والأنانية والأهواء، وسوف يحدد طريقه إِلى الجنّة في الآخرة في ظلّ إِشعاع هذا الإِيمان كما يقول القرآن: (يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم)(1).

وفي حديث عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «إِنّ المؤمن إِذا خرج من قبره صُوّر له عمله في صورة حسنة فيقول له: أنا عملك، فيكون له نوراً وقائداً إِلى الجنّة»(2).

3 ـ ورد في هذه الآيات: (تجري من تحتهم الأنهار) في الوقت الذي عبرت آيات أُخرى من القرآن بـ(تجري من تحتها الأنهار)، وبتعبير آخر، فإِنّنا نقرأ في مواضع أُخرى أنّ الأنهار تجري من تحت أشجار الجنّة، أمّا هنا فإِنّ الأنهار تجري من تحت أهل الجنّة!.

إِنّ هذا التعبير يمكن أن يشير إِلى أنّ قصور أهل الجنّة قد تكون مبنيّة على الأنهار، وهذا يضفي عليها جمالا خارقاً.

وقد يشير إِلى أنّ أنهار الجنّة مسخرّة لأوامرهم وفي قبضتهم، كما نقرأ في قصّة فرعون أنّه كان يقول: (أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي)(3).

وقد احتمل كذلك أن تكون «تحت» بمعنى «بين أيدي» أي أن أنهار الماء تجري مقابلهم.

4 ـ ممّا يلفت النظر أن آخر آية من الآيات قيد البحث تشير إِلى ثلاث حالات، أو ثلاث نعم كبيرة لأهل الجنّة:

____________________________

(1) الحديد، 12.

(2) تفسير الفخر الرازي، الجزء 17، ص 40.

(3) الزخرف، 52.

[309]

الحالة الأُولى: هي حالة التوجه إِلى ذات الله المقدسة، والبهجة التي تحصل لهم نتيجة هذا التوجه لايمكن مقارنتها بأية لذّة أُخرى.

الحالة الثّانية: اللّذة التي تحصل نتيجة الإِرتباط بالمؤمنين الآخرين في ذلك المحيط المفعم بالودّ والتفاهم، وهذه اللّذة هي أحلى لذّة بعد لذة التوجه إِلى الله سبحانه.

الحالة الثّالثة: اللّذة التي تحصل من التمتع بأنواع نعم الجنّة، وهي تدفعهم إِلى التوجه إِلى الله أيضاً، وبالتالي حمده وشكره. (فتأمل بدقة)

* * *

[310]

الآيتان

وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشِّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَيَرْجُونَ لِقَآءَنا فِى طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ(11)وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ(12)

التّفسير

الهمج الرّعاع:

الكلام في هذه الآيات يدور كذلك حول عقاب المسيئين، فتقول الآية الأُولى بأنّ الله سبحانه إِذا جازى المسيئين على أعمالهم بنفس العجلة التي يجب بها هؤلاء تحصيل النعم والخير، فستنتهي أعمار الجميع ولا يبقى لهم أثر: (ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضى إِليهم أجلهم). إلاّ أنّ لطف الله سبحانه لما كان شاملا لجميع العباد، حتى المسيئين والكافرين والمشركين، فلا يمكن أن يعجل بعذابهم وجزائهم لعلهم يعون ويتوبون، ويرجعون عن الضلال إِلى الحق والهدى.

[311]

هذا إِضافةً إِلى أنّ الجزاء إِذا ما تمّ بهذه السرعة فإِنّه يعني زوال حالة الإِختبار التي هي أساس التكليف تقريباً، وستتصف طاعة المطيعين بالجبر والإِضطرار، لأنّهم بمجرّد أن يعصوا فسيلاقون جزاءهم الأليم فوراً.

واحتُمل أيضاً في تفسير هذه الآية أنّ جماعة من الكفار العنودين، الذين تحدث القرآن عنهم مراراً، كانوا يقولون للأنبياء: إِذا كان ما تقولونه حقّاً، فادعوا الله أن ينزل عليناً البلاء، فاذا استجاب الله تعالى دعوة هؤلاء ما كان ليبقى من هؤلاء أحد.

لكن يبدو أنّ التّفسير الأوّل هو الأقرب.

وفي الختام تقول الآية: يكفي عقاباً لهؤلاء أن نتركهم وشأنهم ليبقوا في حيرتهم، فلا هم يميزون الحق من الباطل، ولا هم يجدون سبيل النجاة من متاهاتهم: (فنذر الذين لايرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون).

عند ذلك تشير الآية إِلى وجود نور التوحيد في فطرة الانسان وأعماق روحه وتقول: (وإذا مسّ الإنسان الضرّ دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً).

نعم ... إِنّ خاصية المشاكل والشدائد الخطيرة، أنّها تزيل الحجب عن فطرة الإِنسان الطاهرة، وتحرق في فرن الحوادث كل الطبقات السوداء التي غطت هذه الفطرة، ويسطع عندها ـ ولو لمدّة قصيرة ـ نور التوحيد.

ثمّ تقول الآية: إِنّ هؤلاء الأفراد الى درجة من الجهل وضيق الاُفق بحيث أنّهم يعرضون بمجرّد كشف الضرّ عنهم، حتى كأنّهم لم يدعونا ولم نساعدهم: (فلمّا كشفنا عنه ضرّه مرّ كأن لم يدعنا إِلى ضرّ مسّه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون).

أمّا من الذي يزين لهم أعمالهم؟ فقد بحثنا ذلك في ذيل الآية (122) من سورة الأنعام، ومجمل الكلام هو:

إِنّ الله سبحانه هو الذي يزين الأعمال، وذلك بجعل هذه الخاصية في الأعمال

[312]

القبيحة والمحرّمة، بحيث أن الإِنسان كلما تلوّث بها أكثر، فإنّه سيتطبع عليها، وبمرور الزمن يزول قبحها تدريجياً، بل وتصل الحال إِلى أن يراها حسنة وجميلة.

وأمّا لماذا سمّت الآية أمثال هؤلاء «مسرفين» فلأنّه لا إِسراف أكثر من أن يهدر الإِنسان أهم رأس مال في وجوده، إلاّ وهو العمر والسلامة والشباب والقوى، ويصرفه في طريق الفساد والمعصية، أو في طريق تحصيل متاع الدنيا التافه الفاني، ولايربح من ذلك شيئاً.

ألا يعد هذا العمل إِسرافاً، وأمثال هؤلاء مسرفين؟

* * *

وهنا يجب الإِلتفات إِلى نقطة مهمّة:

الإِنسان في القرآن الكريم:

لقد وردت حول الإِنسان تعبيرات مختلفة في القرآن الكريم:

فعبّرت عنه آيات كثيرة أنّه «بشر» وعبّرت عنه آيات متعددة بالإِنسان، وفي آيات أُخرى «بنى آدم»، والعجيب أنّ في كثير من الآيات التي عبّرت عنه بالإِنسان، ذكرت صفاته المذمومة وغير الحميدة.

فقد عرفته هذه الآيات بأنّه موجود كثير النسيان وناكر للجميل، وفي آية أُخرى بأنّه موجود ضعيف: (وخلق الإِنسان ضعيفاً)(1) ، وفي آية أُخرى بأنّه ظالم وكافر: (إِن الإِنسان لظلوم كفار)(2)، وفي موضع آخر أنّه بخيل: (وكان الإِنسان قتوراً)(3)، وفي موضع آخر أنّه عجول: (وكان الإنسان عجولا)(4) وفي مكان

____________________________

(1) النساء، 38.

(2) إِبراهيم، 34.

(3) الإِسراء، 100.

(1) الإسراء، 11.

[313]

آخر أنّه كفور: (وكان الإِنسان كفوراً)(1)، وفي مورد آخر أنّه موجودكثير الجدل: (وكان الإِنسان أكثر شيء جدلا)(2).

وفي موضع آخر أنّه ظلوم جهول: (إِنّه كان ظلوماً جهولا)(3)، وفي مكان آخر أنّه كفور مبين: (إِن الإِنسان لكفور مبين)(4)، وفي مكان آخر أنّه موجود قليل التحمل والصبر، يبخل عند النعمة، ويجزع عند البلاء: (إِن الإِنسان خلق هلوعاً إِذا مسّه الشر جزوعاً وإِذا مسّه الخير منوعاً)(5)، وفي مورد آخر مغرور: (يا أيّها الإنسان ماغرك بربك الكريم)(6)، وفي موضع آخر أنّه موجود يطغى عند الغنى: (إِن الإِنسان ليطغى أن رآه ا(7)ستغنى).

وبناء على هذا فإنّا نرى القرآن المجيد قد عرّف الإِنسان بأنّه موجود يتضمّن جوانب وصفات سلبية كثيرة، ونقاط ضعف متعددة.

فهل أنّ هذا هو نفس ذلك الإِنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم وأفضل تكوين: (لقد خلقنا الإِنسان في أحن تقويم)(8)؟

وهل أن هذا هو نفس الإِنسان الذي علمه الله مالم يعلم: (علم الإِنسان مالم يعلم)(9)؟

____________________________

(1) الإِسراء، 67.

(2) الكهف، 54.

(3) الأحزاب، 72.

(4) الزخرف، 19.

(5) المعارج ، 19 ـ 21.

(6) الأنفطار، 6.

(7) العلق ، 6.

(8) سورة التين، 4.

(9) العلق، 5.

[314]

وهل هو نفس الإِنسان الذي علمه الله البيان: (خلق الإِنسان علمه البيان)(1).

وأخيراً، فهل أنّ هذا هو الإِنسان الذي حثّه الله على السعي والكدح في المسير إِلى الله: (يا أيّها الإِنسان إِنّك كادح إِلى ربّك كدحاً)(2).

يجب أن نرى من هم الذين تتكرّس فيهم كل نقاط الضعف هذه، بالرغم من كل هذه الكرامة والمحبة الإِلهية؟

الظاهر أنّ هذه المباحث تتعلق بمن لم ينشأ في حجر القادة الإلهيين، بل نشأ ونما كما تنمو الأعشاب، فلا معلم ولا دليل، وقد اطلق العنان لشهواته وغاص وسط الأهواء والميول.

من الطبيعي أنّ مثل هذا الإِنسان لا يستفيد من إِمكاناته وثرواته العظيمة، ويسخرها في طريق الإِنحرافات والأخطاء، وعند ذلك سيظهر كموجود خطر، وفي النهاية عاجز وبائس. وإِلاّ فالانسان الذي يستفيد من وجود القادة الإِلهيين، ويستغل فكره في مسير الحركة التكاملية والحق والعدل، فإِنّه يخطو نحو مرتبة الآدمية، ويستحق اسم «بني آدم» ويصل إِلى درجة لا يرى فيها إلاّ الله سبحانه، كما يقول القرآن: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا)(3).

* * *

____________________________

(1) الرحمن، 3.

(2) الإِنشقاق، 6.

(3) الإِسراء، 70.

[315]

الآيتان

وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِى الْقَوْمَ الُْمجْرِمِينَ(13) ثُمَّ جَعَلْنَكُمْ خَلئِفَ فِى الأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ(14)

التّفسير

الإِعتبار بالظّالمين السابقين:

تشير هذه الآيات أيضاً إِلى معاقبة الأفراد الظالمين والمجرمين في هذه الدنيا، وقد نبّهت المسلمين ـ بعد أن أطلعتهم على تاريخ من قبلهم ـ إِلى أنّهم إِذا سلكوا نفس طريق هؤلاء، فسينتظرهم نفس المصير.

فالآية الأُولى تقول: (ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا) ثمّ تضيف: (كذلك نجزي القوم المجرمين).

ثمّ تبيّن الآية التالية هذا الأمر بصورة أكثر صراحة، وتقول: (ثمّ جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون).

* * *

[316]

ملاحظات

1 ـ إنّ كلمة «قرون» ـ جمع قرن ـ تستعمل عادة بمعنى الزمان الطويل ، ولكن حسب ما قاله علماء اللغة فإِنّها جاءت أيضاً بمعنى القوم والجماعة الذين يعيشون في عصر واحد، لأنّ مادتها الأصلية بمعنى الإِقتران والقرب، والمراد هنا في هذه الآية هو المعنى الأخير ، أي: الجماعات والأقوام الذين يعيشون في عصر واحد.

2 ـ لقد ذكرت الآيات ـ أعلاه ـ أنّ سبب فناء وهلاك الأقوام السابقة هو الظلم، وذلك لأنّ للفظ الظلم من المفهوم والمعنى الجامع مايدخل ضمنه كل نوع من الذنب والفساد.

3 ـ يستفاد من جملة: (وما كانوا ليؤمنوا) أنّ الله سبحانه يهلك فقط أُولئك الذين لا أمل في إِيمانهم حتى في المستقبل، وعلى هذا فإِنّ الأقوام التي يمكن أن تؤمن في المستقبل لا يشملها مثل هذا العقاب، لأنّ الفرق كبير بين أن يقال: لم يؤمنوا، وبين أن يقال: لم يكونوا يؤمنون (فتدبّر) .

4 ـ إِنّ جملة (لننظر كيف تعملون) لا تعني النظر بالعين الباصرة قطعاً، ولا تعني التفكر والنظر القلبي، لأنّ الله سبحانه منزّه عن كليهما، بل المراد منها أنّها حالة شبيهة بالإِنتظار، أي إِنّنا سنترككم وأنفسكم ثمّ ننتظر ماذا تعملون؟

* * *

[317]

الآيات

وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ أَيَاتُنَا بَيِّنَت قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ائْتِ بِقُرْءَان غَيْرِ هَذَآ أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآىءِ نَفْسِى إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَىَّ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يُوْم عَظِيم(15) قُل لَّوْ شْآءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ(16) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمِّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِأَيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الُْمجْرِمُونَ(17)

سبب النّزول

قال بعض المفسّرين: إِنّ هذه الآيات نزلت في عدّة نفر من عبدة الأوثان، ذلك أنّهم أتوا إِلى النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وقالوا له: إِنّ ما ورد في هذا القرآن من الأمر بترك عبادة اصنامنا الكبيرة، اللات والعزّى ومناة وهبل، وذم هذه الآلهة، ممّا لا يمكن أن نتحمله، فإِذا أردت أن نتبعك فَأْتِ بقرآن آخر لا يوجد فيه هذا الذم والتوبيخ

[318]

لآلهتنا، أو غيّر على الأقل هذه الأُمور التي وردت في هذا القرآن! فنزلت هذه الآيات وأجابتهم.

التّفسير

كتعقيب للآيات السابقة التي كانت تتحدث عن المبدأ والمعاد، تبحث هذه الآيات نفس الموضوع والمسائل المتعلقة به.

في البداية تشير إِلى واحد من الإِشتباهات الكبيرة لعباد الأصنام، وتقول: (وإِذا تتلى عليهم أياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله).

إِنّ هؤلاء الجهلة العاجزين لم يرضوا بالنّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قائداً ومرشداً لهم، بل كانوا يدعون لاتباع خرافاتهم وأباطيلهم ويطلبون منه قرآناً يوافق انحرافاتهم ويؤيدها، لا أنّه يصلح مجتمعهم، فبالاضافة الى أنّهم لم يؤمنوا بالقيامة، ولم يشعروا بالاثمّ في مقابل أعمالهم كان قولهم هذا يدل على أنّهم لم يفهموا معنى النّبوة، أو أنّهم كانوا يتخذونها هزواً.

إِنّ القرآن الكريم يلفت نظر هؤلاء الى هذا الإِشتباه الكبير، ويأمر النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أن يقول لهم: (قل مايكون لي أن أبدّله من تلقاء نفسي)(1) ثمّ يضيف للتأكيد: (إِن اتبع إلاّ مايوحى إِليّ). ولست عاجزاً عن تغيير أو تبديل هذا الوحي الإلهي ـ فحسب ـ بل: (إِنّي أخاف إِن عصيت ربّي عذاب يوم عظيم).

ثمّ تتطرق الآية التالية إِلى دليل هذا الموضوع وتقول: قل لهم بأنّي لست مختاراً في هذا الكتاب السماوي: (قل لو شاء الله وما تلوته عليكم ولا أدراكم به)والدليل على ذلك (فقد لبثت فيكم عمراً من قبله) لكنّكم لم تسمعوا منّي مثل هذا

____________________________

(1) كلمة (تلقاء)مصدر أو اسم مصدر وجاءت بمعنى المقابلة والمحاذاة، وفي الآية وأمثالها بمعنى الناحية والعندية والجهة، أي إِنني لا أستطيع تغيير ذلك من ناحيتي، أو من عندي.

[319]

الكلام مطلقاً، ولو كانت هذه الآيات من عندي لتحدثت بها لكم خلال هذه الأربعين سنة، فهل لا تدركون أمراً بهذه الدرجة من الوضوح: (أفلا تعقلون).

وكذلك، ومن أجل التأكيد يضيف: بأنّي أعلم أنّ أقبح أنواع الظلم هو أن يفتري الإِنسان على الله الكذب: (فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً) وعلى هذا فكيف يمكن أن أرتكب مثل هذا الذنب الكبير ؟ ! .

وكذلك فإِنّ التكذيب بآيات الله سبحانه من أشدّ الكبائر وأعظمها: (أو كذب بآياته) فإِذا كنتم جاهلين بعظمته ما ترتكبونه من الاثمّ في تكذيب وإِنكار آيات الحق، فإِنّي لست بجاهل بها، وعلى كل حال فإِنّ عملكم هذا جرم كبير، و (إنّه لايفلح الظالمون).

* * *

ملاحظات

1 ـ إِنّ المشركين كانوا يطلبون من النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إِمّا أن يستبدل القرآن بكتاب آخر، أو يبدله، والفرق واضح بين الاثنين، ففي الطلب الأوّل كان هدفهم هو اقتلاع وجود هذا الكتاب تماماً ليحل محله كتاب آخر من طرف النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، أمّا في الطلب الثّاني فكانوا يريدون على الأقل أن تبدل الآيات التي تخالف أصنامهم حتى لايشعروا بأي ضيق وانزعاج من هذه الناحية.

ونحن نرى كيف أنّ القرآن الكريم أجابهم بلهجة قاطعة بأنّ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ليس له أي اختيار وتصرف في التبديل، ولا التغيير، ولا تسريع نزول الوحي أو تأخره.

وندرك من ذلك حماقة وغباء هؤلاء فهم يقبلون بالنّبي الذي يتبع خرافاتهم وأهواءهم، لا القدوة والمربي والقائد والدليل! .

2 ـ ممّا يستحق الإِنتباه، أنّ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في الإِجابة عن الطلبين اكتفى بذكر عدم القدرة بتنفيذ الطلب الثّاني وقال: إِنّي لا أستطيع أن أغيره من تلقاء نفسي، وبهذا

[320]

البيان يكون قد نفى الطلب الأوّل بطريق أولى، لأنّ تغيير بعض الآيات إِذا كان خارجاً عن حدود صلاحية النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فهل بامكانه تبديل كل هذا الكتاب السماوي؟

إِنّ هذا نوع من الفصاحة في التعبير، حيث أنّ القرآن الكريم يعيد ويكرر كل المسائل في غاية الضغط والإِختصار في العبارة، بدون جملة أو كلمة زائدة إِضافية.

3 ـ يمكن أن يقال: إِنّ الدليل المذكور في الآيات ـ أعلاه ـ على أنّ القرآن ليس من النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّه حتماً من الله سبحانه، ليس مقنعاً. فما هو وجه الملازمة في أنّ هذا الكتاب إِذا كان من النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فلابدّ أن يكون قد سُمعت منه نماذج ومقاطع من قبل؟

إِلاّ أنّ جواب هذا السؤال واضح بأدنى دقة وتأمل، لأنّ النبوغ الفكري وقدرة و الإِكتشاف والإِبداع في الإِنسان ـ حسب ما قاله علماء النفس ـ يبدأ من سن العشرين ويصل كحد أقصى إِلى سن الخامسة والثلاثين أو الأربعين، أي إِن الإِنسان اذا لم يُقدم حتى ذلك الوقت على إِبداع وابتكار عمل جديد، فلايمكنه بعد هذا السن غالباً.

إِنّ هذا الموضوع الذي يعتبر اليوم كشفاً نفسياً لم يكن في الماضي واضحاً إِلى هذا الحدّ، إِلاّ أنّ أغلب الناس يعلمون هذا الموضوع بهداية الفطرة، بأن من غير الممكن أن يكون للإِنسان معتقد ويعيش بين قوم، ولا يُظهر ذلك مطلقاً. والقرآن الكريم قد استند أيضاً إِلى هذا الأساس وهو: كيف يستطيع النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إِلى هذا العمر أن يمتلك مثل هذه الأفكار ويكتمها الى ذلك الوقت؟

4 ـ كما أشرنا في ذيل الآية (21) من سورة الأنعام، فإنّ القرآن قد عرّف في موارد كثيرة جماعة من الناس بأنّهم «أظلم» وربّما يبدو لأوّل وهلة أن هناك تناقضاً، فإِنّا إِذا وصفنا جماعة بأنّهم أظلم ، فكيف يمكن أن تتقبل مجموعة أُخرى

[321]

هذه الصفة ؟

وقد قلنا في جواب هذا السؤال: إِنّ كل هذه العناوين ترجع إِلى عنوان واحد، وهو مسألة الشرك والكفر والعناد والإِفتراء والتكذيب بالآيات الإِلهية، وفي الآيات التي نبحثها، تنحدر من هذا الأصل أيضاً. (لمزيد التوضيح راجع تفسير الآية (21) من سورة الأنعام).

* * *

[322]

الآية

وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلآءِ شُفَعَؤُنَا عِندَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَيَعْلَمُ فِى السَّمَوَاتِ وَلاَ فِى الأَرْضِ سُبْحَنَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(18)

التّفسير

آلهة بدون خاصية!

واصلت الآية الحديث عن التوحيد أيضاً، وذلك عن طريق نفي أُلوهية الأصنام، وذكرت عدم أهلية الأصنام للعبادة وأنتفاء قيمتها وأهميتها: (ويعبدون من دون الله ما لايضرهم ولا ينفعهم).

من البديهي أن الأصنام ـ حتى لو فرضنا أنّها منشأ الضر والنفع والربح والخسارة ـ ليست لها لياقة أن تكون معبودة، إلاّ أنّ القرآن الكريم يريد بهذا التعبير أن يوضح هذه النقطة، وهي أنّ عبدة الأصنام لايمتلكون أدنى دليل على صحة هذا العمل، ويعبدون موجودات لا خاصية لها مطلقاً، وهذه أقبح وأسوأ عبادة.

ثمّ تتطرق إِلى إِدعاءات عبدة الأوثان الواهية، (ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند

[323]

الله) أي إِنّ هذه الأصنام والآلهة تستطيع بشفاعتها أن تكون سبباً للضر والنفع رغم عجزها عن أي عمل بصورة مستقلة.

لقد كان الإِعتقاد بشفاعة الأصنام أحد أسباب عبادتها، وكما جاء في التواريخ، فإِنّ عمرو بن لحي كبير العرب عندما ذهب إِلى المياه المعدنية في الشام لمعالجة نفسه بها، جلب انتباهه وضع عبدة الأصنام، ولما سأل منهم عن الباعث على هذا العمل والعبادة، قالوا له: إِنّ هذه الأصنام هي سبب نزول الأمطار، وحل المشاكل، ولها الشفاعة بين يدي الله، ولما كان رجلا خرافياً وقع تحت تأثير هذه الأجوبة، وطلب منهم بعض الأصنام ليأخذها إِلى الحجاز، وعن هذا الطريق راجت عبادة الأصنام بين أهل الحجاز.

إِنّ القرآن يقول في دفع هذا الوهم: (قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض) وهو كناية عن أن الله سبحانه لو كان له مثل هؤلاء الشفعاء. فإِنّه يعلم بوجودهم في أي نقطة كانوا من السماء والأرض، لأنّ سعة علم الله لا تدع أصغر ذرة في السماء والأرض إلاّ وتحيط بها علماً.

وبتعبير آخر، إن ذلك يشبه تماماً ما لو قيل لشخص: أعندك مثل هذا الوكيل؟ وهو في الجواب يقول: لا علم لي بوجود هذا الوكيل، وهذا أفضل دليل على نفيه حيث لايمكن أن لا يعلم الإِنسان بوكيله.

وفي آخر الآية تأكيد لهذا الموضوع حيث تقول: (سبحانه وتعالى عمّا يشركون).

لقد بُحث موضوع الشفاعة بصورة مفصلة في المجاد الأوّل ذيل الآية (46) من سورة البقرة.

* * *

[324]

الآية

وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيَما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ(19)

التّفسير

إِنّ هذه الآية ـ تتمّة للبحث الذي مرّ في الآية السابقة حول نفي الشرك وعبادة الأصنام ـ تشير إِلى فطرة التوحيد لكل البشر، وتقول: (وما كان الناس إلاّ أُمّة واحدة).

إِنّ فطرة التوحيد هذه، والتي كانت سالمة في البداية، إلاّ أنّها قد اختلفت وتلوّثت بمرور الزمن نتيجة الأفكار الضيقة، والميول الشيطانية والضعف، فانحرف جماعة عن جادة التوحيد وتوجهوا إِلى الشرك، وقد انقسم المجتمع الإِنساني إِلى قسمين مختلفين: قسم موحّد، وقسم مشرك: (فاختلفوا). بناءً على هذا فإِنّ الشرك في الواقع نوع من البدعة والإِنحراف عن الفطرة، الإِنحراف المترشح من الأوهام والخرافات التي لا أساس لها.

وقد يطرح هنا هذا السؤال، وهو: لماذا لا يرفع الله هذا الإِختلاف بواسطة عقاب المشركين السريع، ليرجع المجتمع الإِنساني جميعه موحِّداً؟

ويجيب القرآن الكريم مباشرة عن هذا السؤال بأنّ الحكمة الإلهية تقتضي

[325]

حرية البشر في مسير الهداية، فهي رمز التكامل والرقي، ولو لم يكن أمره كذلك فإِنّ الله سبحانه كان سيقضي بينهم في اختلافاتهم: (ولولا كلمة سبقت من ربّك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون).

بناءً على هذا فإِنّ (كلمة) في الآية إِشارة إِلى السنّة وقانون الخلقة الذي يقتضي حرية البشر، لأنّ المنحرفين والمشركين لو كانوا يعاقبون سريعاً ومباشرة، فإِنّ إِيمان الموحّدين سيكون اجبارياً و نتيجة للخوف والرهبة، ومثل هذا الإِيمان لا يُعدُّ فخراً. ولا دليلا على التكامل، والله سبحانه قد أجّل العقاب والجزاء لعالم الآخرة لينتخب الصالحون والطاهرون طريقهم بحرية تامّة.

* * *

[326]

الآية

وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ أَيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغيْبُ للهِ فَانتَظِرُواْ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ(20)

التّفسير

المعجزات المقترحة!

مرّة أُخرى يتطرق القرآن الكريم إِلى اختلاق المشركين للحجج عند امتناعهم عن الإِيمان والإِسلام (ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربّه).

من الطبيعي، وبدليل القرائن التي سنشير إِليها بعد حين، أنّ هؤلاء لم يقصدوا أي معجزة، لأنّ من المسلّم أنّه كان للنّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إِضافةً إِلى القرآن معاجر أُخرى، وتاريخ الإِسلام وبعض الآيات القرآنية شاهدة على هذه الحقيقة.

إِنّ هؤلاء كانوا يظنون أنّ الإِعجاز أمر بيد النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو يستطيع أن يقوم به في أي وقت وبأية كيفية يريد، مضافاً الى أنّه مأمور أن يستفيد من هذه القوّة مقابل كل مُدّع لجوج معاند والعمل حسب ميله لإقناعه وإِقامة الحجة عليه، ولهذا فإِنّ القرآن الكريم يأمر النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مباشرة: (فقل إِنّما الغيب لله) وبناء على هذا، فإِنّ المعجزة ليست بيدي لآتيكم كل يوم بمعجزة جديدة إِرضاءً لأهوائكم وحسب ميولكم ورغباتكم، ثمّ لا تؤمنون بعد ذلك بأعذار واهية وحجج ضعيفة.

[327]

وفي النهاية تقول الآية بلهجة التهديد: (فانتظروا إِنّي معكم من المنتظرين)فانتظروا العقاب الإِلهي، وأنا أنتظر النصر!

أو كونوا بانتظار ظهور مثل هذه المعجزات، وأكون بانتظار عقابكم أيّها المعاندون!.

* * *

ملاحظتان

وهنا ملاحظتان ينبغي الإِلتفات إِليهما:

1 ـ كما أشرنا أعلاه فإِنّ كلمة (آية) أي المعجزة ـ وإِن كانت مطلقة وتشمل كل أنواع المعاجز ـ إلاّ أنّ القرائن تبيّن أنّ هؤلاء لم يطلبوا المعجزة لمعرفة صدق النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل كانوا طلاب معاجز إِقتراحية، أي إِنّهم كانوا كل يوم يقترحون على النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) معجرة جديدة ويأملون أن يطيعهم في ذلك، فكأنّ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)إِنسان لا عمل له سوى صنع المعجزات، وهو منتظر لكل من هبّ ودبّ ليقترح عليه شيئاً فيحقق له اقتراحه، غافلين عن أن المعجزة هي من فعل الله سبحانه أوّلا، ولا تتم إِلاّ بأمره وإِرادته، وهي ـ ثانياً ـ معجزة لمعرفة أحقّية النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والإهتداء به، ووقوعها مرّة واحدة كاف لهذا الغرض، وعلاوة على ذلك فإِنّ نبيّ الإِسلام قد أظهر من المعجزات القدر الكافي، فطلب المزيد لا يكون إلاّ بدافع الاقتراحات الأهوائية والشهوانية.

والشاهد على أنّ المقصود من (الآية) هنا المعجزات الإِقتراحية، هو:

أوّلا: إِنّ نهاية الآية تهدد هؤلاء، ولو كانوا يطلبون المعجزة لاكتشاف الحقيقة، فلا وجه لهذا التهديد.

ثانياً: رأينا قبل عدّة آيات أن هؤلاء كانوا عنودين ولجوجين إِلى الحد الذي اقترحوا فيه على النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبدل كتابه السماوي، أو يغير على الأقل الآيات

[328]

التي تشير إِلى نفي عبادة الأصنام.

ثالثاً: حسب القاعدة المسلمة لدينا بأنّ «القرآن يفسر بعضه بعضاً» فإِنّا نستطيع أن نفهم جيداً من خلال بعض الآيات ـ كالآيات (90) و (94) من سورة الإِسراء ـ أن عبدة الأصنام اللجوجين هؤلاء، لم يكونوا طلاب معجزة لأجل الهداية، ولهذا نراهم كانوا يقولون أحياناً: نحن لن نؤمن لك حتى تفجر العيون من هذه الأرض اليابسة، ويقول الآخر: إِنّ هذا ليس بكاف، بل يجب أن يكون لك بيت من ذهب، وثالث يقول: وهذا أيضاً لا يقنعنا حتى ترقى في السماء أمام أعيننا، ويضيف رابع أنّ هذا الرقي في السماء ليس كافياً أيضاً إلاّ إذا أتيتنا بكتاب من الله لنا !! وأمثال ذلك من السفاسف والخزعبلات.

إِذن، فقد اتّضح ممّا قلنا أعلاه أنّ الاستدلال بهذه الآية على نفي أية معجزة، أو كل المعجزات غير القرآن الكريم زيف يجانب الحقيقة، (وستطالعون ـ إِن شاء الله مزيداً من التوضيح حول هذا الموضوع في ذيل الاية (59) من سورة الإِسراء).

2 ـ يمكن أن تكون كلمة «الغيب» في جملة: (إِنّما الغيب لله)إِشارة إِلى أنّ المعجزة أمر مربوط بعالم الغيب، وليست من اختيارات الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل هي مختصة بالله تعالى.

أو أن تكون إِشارة إِلى أن مصالح الأُمور والوقت المناسب لنزول المعجزة هي جزء من أسرار الغيب ومختصات الله سبحانه، فمتى رأى أن الوقت مناسب لنزول المعجزه، وأنّ طالب المعجزة باحث عن الحقيقة، أنزل المعجزة، لأنّ الغيب والأسرار الخفية من مختصات ذاته المقدسة.

إِلاّ أنّ التّفسير الأوّل يبدو أقرب للصواب.

* * *

[329]

الآيات

وَإِذَآ أذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِى أَيَاتِنَا قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ(21)هُوَ الَّذِى يُسَيِّرُكُمْ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِى الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيح طَيِّبَةِ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحُ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَان وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللهَ مُخْلِصِينَ لهُ اُلدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ(22) فَلَمَّآ أَنجَهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَآأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(23)

التّفسير

يدور الكلام في هذه الآيات ـ أيضاً ـ حول عقائد وأعمال المشركين، ثُمَّ دعوتهم إِلى التوحيد ونفي كل أنواع الشرك.

فالآية الأُولى تشير إِلى بعض سلوكيات المشركين الحمقاء، وتقول: أِنّنا عندما

[330]

نبتلي الناس بالمشاكل والنكبات من أجل إِيقاظهم وتنبيههم، ثمّ نرفع هذا البلاء عنهم ونذيقهم طعم الراحة والهدوء بعد تلك الضرّاء، فإِنّهم بدلا من أن ينتبهوا لهذه الآيات ويرجعوا إِلى الصواب، يسخرون بها، أو يفسرونها بتفسيرات غير صحيحة، فمثلا يفسرون الإِبتلاءات والمشاكل بأنّها نتيجة غضب الأصنام، والنعم والطمأنينة بأنّها دليل على شفقتها، أو أنّهم يعدون كل هذه الأُمور صدفة محضة: (وإِذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إِذا لهم مكر في آياتنا).

إِنّ كلمة «مكر» في الآية أعلاه، والتي تعني بشكل عام إعمال الفكر، تشير إِلى التوجيهات الخاطئة وطرق التهرّب التي يفكر بها المشركون عند مواجهة الآيات الإلهية، وظهور أنواع البلايا والنعم.

إِلاّ أنّ الله سبحانه حذر هؤلاء بواسطة نبيّه، وأمره أن (قل الله أسرع مكراً). وكما أشرنا مراراً، الى أنّ المكر في الأصل هو كل نوع من التخطيط المقترن بالعمل المخفي، لا المعنى الذي يفهم من هذه الكلمة اليوم، وهو الإِقتران بنوع من الشيطنة، وعلى هذا فإِنّه يصدق على الله سبحانه كما يصدق على العباد(1). لكن ما هو مصداق المكر الإِلهي في هذه الآية؟

الظاهر أنّها إِشارة إِلى نفس تلك العقوبات الإِلهية التي يحلّ بعضها في نهاية الخفاء وبدون أية مقدمة وبأسرع ما يكون، بل إِنّه يعاقب ويعذب بعض المجرمين بأيديهم أحياناً. ومن البديهي أن من هو أقدر من الكل وأقوى من الجميع على دفع الموانع وتهيئة الأسباب، ستكون خططه ـ أيضاً ـ هي الأسرع. وبتعبير آخر فإِنّ الله سبحانه في أي وقت يريد أنزال العقاب بأحد العباد أو تنبيهه، فإِنّ هذا العقاب سيتحقق مباشرة، في حين أن الآخرين ليسوا كذلك.

ثمّ يهدد هؤلاء بأن لا تظنوا أنّ هذه المؤامرات والخطط ستُنسى، بل إِنّ رسلنا ـ أي الملائكة ـ يكتبون كل هذه المخططات التي تهدف إِلى إِطفاء نور الحق: (إِنّ

____________________________

(1) لمزيد التوضيح راجع المجلد الثّاني من تفسيرنا هذا، ذيل الآية (54) من سورة آل عمران.

[331]

رسلنا يكتبون ما تمكرون) ولذلك يجب أن تهيئوا أنفسكم للجواب والعقاب في الحياة الأُخرى.

وسنبحث كتابة الأعمال والملائكة المأمورين بها في الآيات المناسبة.

وتغوص الآية التالية في أعماق فطرة البشر، وتوضح لهؤلاء حقيقة التوحيد الفطري، وكيف أن الإِنسان عندما تلّم به المشاكل الكبيرة وفي أوقات الخطر، ينسى كل شيء إلاّ الله تبارك وتعالى ويتعلق به، لكنّه بمجرّد أن يرتفع البلاء وتزول الشدّة وتحل المشكلة، فإِنّه سيسلك طريق الظلم ويبتعد عن الله سبحانه.

تقول الآية: (هو الذي يسيركم في البرّ والبحر حتى إِذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنّهم أحيط بهم) في هذا الحال بالضبط تذكروا الله ودعوه بكل إخلاص وبدون أية شائبة من الشرك، و (دعوا الله مخلصين له الدين) فيرفعون أيديهم في هذا الوقت للدعاء: (لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين). فلا نظلم احداً ولانشرك بعبادتك غيرك.

ولكن ما أن أنجاهم الله وأوصلهم إِلى شاطىء النجاة بدؤوا بالظلّم والجور: (فلمّا أنجاهم إِذا هم يبغون في الأرض بغير الحق) لكن يجب أن تعلموا ـ أيّها الناس ـ إِنّ نتيجة ظلمكم ستصيبكم أنتم (يا أيّها الناس إِنّما بغيكم على أنفسكم) وآخر عمل تستطيعون عمله هو أن تتمتعوا قليلا في هذه الدنيا: (متاع الحياة الدنيا(1) ثمّ إِلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون).

* * *

____________________________

(1) إِنّ كلمة (متاع) منصوبة بفعل مقدر، وفي الأصل كانت: تتمتعون متاع الحياة الدنيا.

[332]

ملاحظات

وهنا يجب الإِلتفات إِلى عدّة ملاحظات:

1 ـ إِنّ ما قرأناه في الآيات أعلاه غير مختص بعبدة الأوثان، بل هو قانون كلي ينطبق على كل الأفراد الملوّثين من عبيد الدنيا المشغوفين بها فعندما تحيط بهم أمواج البلايا والمحن وتقصر أياديهم عن كل شيء، ولا يرون لهم ناصراً ولا معينا، فإِنّهم سيمدون أيديهم بالدعاء بين يدي الله سبحانه ويعاهدونه بألف عهد وميثاق، وينذرون ويقطعون العهود بأنّهم إِن تخلصوا من هذه البلايا والأخطار سيفعلون كذا وكذا.

إِلاّ أنّ هذه اليقظة والوعي التي هي انعكاس لروح التوحيد الفطري، لا تستمر طويلا عند أمثال هؤلاء، فبمجرّد أن يهدأ الطوفان وتنقشع سحب البلاء، فإِنّ حجب الغفلة ستغشي قلوبهم، تلك الحجب الكثيفة التي لاتنقشع عن تلك القلوب إلاّ بالطوفان.

ورغم أنّ هذه اليقظة مؤقتة، وليس لها أثر تربوي في الأفراد الملوّثين جدّاً، أنّها تقيم الحجّة عليهم، وستكون دليلا على محكوميتهم.

أمّا الذين تلوثوا بالمعاصي قليلا، فإِنّهم سيتنبهون في هذه الحوادث ويصلحون مسارهم. وأمّا عباد الله الصالحون فأمرهم واضح، فإِنّ توجههم إِلى الله سبحانه في السراء بنفس قدر توجههم إِليه في الضراء، لأنّهم يعلمون أن كل خير وبركة تصل إِليهم، وتبدو ظاهراً أنّها نتيجة للعوامل الطبيعية ، فإِنّها في الواقع من الله تعالى.

وعلى كل حال، فإِنّ هذا التذكير والتذكر قد جاء كثيراً في آيات القرآن المجيد.

2 ـ لقد ذكرت «الرحمة» في الآيات أعلاه مقابل «الضراء»، ولم تذكر السراء، وهي إِشارة إِلى أنّ أي حسن ونعمة تصل إِلى الإِنسان فهي من الله سبحانه ورحمته اللامتناهية. في حين أنّ السوء والنقمات إِذا لم تكن للعبرة، فإِنّها من آثار أعمال

[333]

الإِنسان نفسه.

3 ـ إِنّ الضمائر في بداية الآية الثّانية من الآيات التي نبحثها وردت بصيغة المخاطب، إلاّ أنّها في الأثناء بصيغة الغائب، ومن المسلم أن لذلك نكتة ما:

قال بعض المفسّرين: إِنّ تغيير أسلوب الآية من أجل أنّها تبيّن حال المشركين وتعرضهم في الحال ابتلائهم بالطوفان والبلاء درساً وعبرة للآخرين، ولهذا فإِنّها فرضتهم غائبين وفرضت الباقين حضوراً.

وقال البعض الآخر: إِنّ النكتة هي عدم الإِعتناء بهؤلاء وتحقيرهم، حيث أن الله سبحانه قد قبل حضور هؤلاء وخاطبهم. ثمّ أبعدهم عنه وتركهم.

ويحتمل أيضاً أن تكون الآية بمثابة تجسيم طبيعي عن وضع الناس، فما داموا جالسين في السفينة ولم يبتعدوا عن الساحل فإِنّهم في إطار المجتمع، وعلى هذا يمكن أن يكونوا مخاطبين، أمّا عندما تبعدهم السفينة عن الساحل، ويختفون عن الأنظار تدريجياً، فإِنّهم يعتبرون كالغائبين، وهذا في الواقع تجسيم حي لحالتين مختلفتين عند هؤلاء.

4 ـ إِنّ جملة (أحيط بهم) تعني أنّ هؤلاء قد أحاطت بهم الأمواج المتلاطمة من كل جانب، إلاّ أنّها هنا كناية عن الهلاك والفناء الحتمي لهؤلاء.

* * *

[334]

الآيتان

إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا كَمَآء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَآءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ ممّا يأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَآ أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَهَآ أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَهَا حَصِيداً كَأَن لّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الأَيَتِ لِقُوْم يَتَفَكَّرُونَ(24) وَاللهُ يَدْعُواْ إِلى دَارِ السَّلَمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاط مُّسْتَقِيم(25)

التّفسير

لوحة الحياة الدّنيا:

مرّت الإِشارة في الآيات السابقة إِلى عدم استقرار ودوام الحياة الدنيا، ففي الآية الأُولى من الآيات التي نبحثها تفصيل لهذه الحقيقة ضمن مثال لطيف وجميل لرفع حجب الغرور والغفلة من أمام نواظر الغافلين والطغاة (إِنّما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء).

إِنّ قطرات المطر هذه تسقط على الأراضي التي لها قابلية الحياة. و بهذه القطرات ستنمو مختلف النباتات التي يستفيد من بعضها الإِنسان، ومن بعضها

[335]

الآخر الحيوانات (فاختلط به نبات الأرض ممّا يأكل الناس والأنعام).

إِنّ هذه النباتات علاوة على أنّها تحتوي على الخواص الغذائية المهمّة للكائنات الحيّة الأُخرى، فإِنّها تغطي سطح الأرض وتضفي عليها طابعاً من الجمال (حتى إِذا أخذت الأرض زخرفها وازّيّنت) في هذه الأثناء حيث تتفتح الجنابذ وتورق أعالي الأشجار وتعطي ذلك المنظر الزاهي وتبتسم الأزهار وتتلألأ الأعشاب تحت أشعة الشمس، وتتمايل الأغصان طرباً مع النسيم، وتُظهر حبات الغذاء والأثمار أنفسها شيئاً فشيئاً وتجسم جانباً دائب الحركة من الحياة بكل معنى الكلمة، وتملأ القلوب بالأمل، والعيون بالسرور والفرح، بحيث (وظن أهلها أنّهم قادرون عليها).. في هذه الحال وبصورة غير مرتقبة يصدر أمرنا بتدميرها، سواء ببرد قارص، أو ثلوج كثيرة، أو إعصار مدمّر، ونجعلها كأنّ لم تكن شيئاً مذكوراً (أتاها أمرنا ليلا أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس).

(لم تغن) مأخوذة من مادة (غنا) بمعنى الإِقامة في مكان معين، وعلى هذا فإِنّ جملة (ولم تغن بالأمس) تعني أنّها لم تكن بالأمس هنا، وهذا كناية عن فناء الشيء بالكلية بصورة كأنّه لم يكن له وجود مطلقاً !.

وللتأكيد تقول الآية في النهاية: (كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون).

إنّ ما ذكر اعلاه تجسيم واضح وصريح عن الحياة الدنيوية السريعة الإنقضاء والخداعة، والمليئة بالتزاويق والزخارف، فلا دوام لثرواتها ونعيمها، ولا هي مكان أمن وسلامة. ولهذا فإِنّ الآية التالية أشارت بجملة قصيرة إِلى الحياة المقابلة لهذه الحياة، وقالت: (والله يدعو إِلى دار السلام).

فلا وجود ولا خبر هناك عن مطاحنات واعتداءات المتكالبين على الحياة المادية، ولا حرب ولا إِراقة دماء ولا استعمار ولا استثمار، وكل هذه المفاهيم قد جمعت في كلمة دار السلام.

وإِذا تلبّست الحياة في هذه الدنيا بعقيدة التوحيد والايمان بالمبدأ والمعاد،

[336]

فإِنّها ستتبدل أيضاً إِلى دار السلام، ولا تكون حينئذ كالمزرعة التي أتلفها البلاء والوباء.

ثمّ تضيف الآية: إنّ الله سبحانه يهدي من يشاء ـ إِذا كان لائقاً لهذه الهداية ـ إِلى صراطه المستقيم، ذلك الصراط التي ينتهي إِلى دار السلام ومركز الأمن والأمان (ويهدي من يشاء إِلى صراط مستقيم).

* * *

ملاحظات

1 ـ لما كان القرآن كتاب تربية وتكامل للإِنسان، فإنّه يستعين بالأمثلة لتوضيح الحقائق العقلية في كثير من الموارد، وقد يجسّد المواضيع التي لها امتداد زمني طويل في مسرحية وتمثيلية قصيرة وقابلة للمطالعة أمام أعين الناس.

إِنّ متابعة تأريخ مليء بالحوادث يتعلق بإِنسان ما، أو جيل ما، والذي قد يطول لمائة سنة أحياناً ليس بالأمر الهين بالنسبة للأفراد العاديين، أمّا عندما تتلخص هذه الساحة والحياة في عدّة أشهر، كما هو الحال في حياة كثير من النباتات، من الولادة إِلى الرشد والنمو والجمال، ثمّ الهلاك والموت، وتظهر أمام الإِنسان، فإنّه يستطيع أن يرى ببساطة مراحل حياته وكيفيتها في هذه المرآة الشفافة.

جسموا هذه اللقطات أمام أعينكم تماماً: حديقة مليئة بالأشجار والخضرة والنباتات الدائمة الثمر، وصخب الحياة يعم كل أرجائها ... وفجأة في ليلة مظلمة، أو يوم صحو تغطي السحب السوداء وجه السماء، وترعد وتبرق ثمّ تهب الاعاصير العاتية وتنهمر الأمطار الشديدة من كل جانب وتدمرها.

غداً نأتي لرؤية تلك الحديقة ... الأشجار متكسرة ... النباتات والأعشاب مبعثرة وميتة، وكل شيء أمامنا ملقىً على الأرض بصورة لا نصدق معها أنّ هذه هي تلك الحديقة الغنّاء الجميلة التي كانت تبتسم في وجوهنا بالأمس!.

[337]

نعم، هكذا هي الحوادث في حياة البشر، خصوصاً في عصرنا الحاضر حيث تدمّر زلزلة أو حرب لاتطور إلاّ ساعات قليلة مدينة عامرة وجميلة، ولا تبقي منها إِلاّ الأنقاض. واجساد متنائرة هنا وهناك.

آه ... ما أشد غفلة الذين يفرحون بمثل هذه الحياة الزائلة الفانية ؟!

2 ـ في جملة (فاختلط به نبات الأرض) ينبغي الإِلتفات إِلى أنّ الإِختلاط في الأصل ـ كما قال الراغب في المفردات ـ هو الجمع بين شيئين أو أكثر، سواء كانت سائلة أو جامدة. والإِختلاط أعم من الإِمتزاج، لأن الإِمتزاج يطلق عادة على السوائل، وعلى هذا يكون معنى الجملة أنّ النباتات يختلط بعضها بالبعض الآخر بواسطة ماء المطر، سواء النباتات التي تنفع الإِنسان، أو الحيوان(1).

وتشير الجملة أعلاه ـ أيضاً ـ إِشارة ضمنية إِلى هذه الحقيقة، وهي أنّ الله سبحانه ينبت من ماء المطر، الذي هو نوع واحد وليس له إلاّ حقيقة واحدة، أنواع النباتات المختلفة التي تؤمن مختلف حاجات الانسان والحيوان من المواد الغذائية.

* * *

____________________________

(1) يتّضح ممّا قيل أعلاه أنّ الباء في (به) سببية، ولكن قد احتمل البعض أنّها بمعنى (مع)، أي إِنّ ماء ينزل من السماء ويختلط بالنباتات، وينميها وينضجها. إلاّ أنّ هذا الإِحتمال الثّاني لا يناسب آخر الآية الذي يقول: (ممّا يأكل الناس والأنعام) لأنّ ظاهر هذه الجملة أنّ المقصود هو الإختلاط بين أنواع الأعشاب، لا اختلاط الماء والنبات. دققوا ذلك.

[338]

الآيتان

لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَذِلَّةٌ أُوْلئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ(26) وَالّذِينَ كَسَبُواْ السِّيِّئاَتِ جَزَآءُ سِيِّئة بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُتُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللهِ مِنْ عَاصِم كَأَنَّمَآ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ الَّيْلِ مُظْلِماً أُوْلئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ(27)

التّفسير

بيض الوجوه وسود الوجوه:

مرّت الإِشارة في الآيات السابقة إِلى عالم الآخرة ويوم القيامة، ولهذه المناسبة فإِنّ هذه الآيات تبيّن مصير الصالحين وعاقبة المذنبين فتقول في البداية: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة)(1).

ومع أن هناك بحث بين المفسّرين في المقصود من الزيادة في هذه الجملة، إلاّ أنّنا إِذا علمنا أنّ القرآن يفسّر بعضه بعضاً، رأينا أنّ المراد هو الإِشارة إِلى الثواب

____________________________

(1) ينبغي التنبه إِلى أن (الحسنى) في هذه الجملة مبتدأ مؤخر، ومعنى الآية هكذا. الحسنى للذين أحسنوا، ولذلك فإنّ (زيادة) المعطوفة عليها مرفوعة، والحسنى صفة للمثوبة المقدّرة، وقد حلّت محلّ الموصوف.

[339]

المضاعف الكثير، الذي يتضاعف أحياناً عشر مرات، وأُخرى آلاف المرات حسب نسبة الإِخلاص والطهارة والتقوى وقيمة العمل، فنقرأ في الآية (160) من سورة الأنعام. (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها).

وفي الآية (127) من سورة النساء : (فأمّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله).

وفي الآيات المرتبطة بالإِنفاق في سورة البقرة آية (261) يدور الحديث أيضاً عن مكافأة الصالحين ومضاعفة عملهم إِلى سبعمائة ضعف، أو مضاعفته أضعافاً كثيرة من قبل الله سبحانه.

والنقطة الأُخرى التي ينبغي الإِلتفات إِليها هنا، هي أن من الممكن أن تستمر هذه الزيادة والإِضافة حتى في عالم الآخرة، أي أنّه في كل يوم سيمنحهم الله سبحانه موهبة ولطفاً جديداً، وهذا يبيّن أن حياة العالم الآخر ليست على وتيرة واحدة، بل تستمر في حركتها نحو التكامل الى ما لانهاية.

والرّوايات التي وردت عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في تفسير هذه الآية، والتي تبيّن أن المراد من «الزيادة» هو التوجه إِلى نور الذات الإِلهية المقدسة والإِستفادة من هذه الموهبة المعنوية الكبيرة قد تكون إِشارة إِلى هذه النكتة.

وفي بعض الرّوايات المنقولة عن أهل البيت(عليهم السلام)، فسّرت «الزيادة» بزيادة النعم الدّنيوية التي يتفضل بها الله على الصالحين علاوة على ثواب الآخرة، ولكن لامانع من أن تكون الزيادة في الآية أعلاه إِشارة إِلى كل هذه المواهب.

ثمّ تضيف الآية: (ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة). «يرهق» مأخوذة من مادة «رهق»، وهي بمعني التغطية القهرية والجبرية، «والقتر» بمعنى «الغبار» والدخان.

وفي النهاية تقول: (أُولئك أصحاب الجنّة هم فيها خالدون)التعبير بالأصحاب إِشارة إِلى التناسب الموجود بين روحية هذه المجموعة ومحيط الجنّة.

ثمّ يأتي الحديث في الآية التالية عن أصحاب النّار الذين يشكلون الطرف

[340]

المقابل للمجموعة الأُولى، فتقول: (والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها)وهنا لايوجد كلام عن الزيادة، لأنّ الزيادة في الثواب فضل ورحمة، أمّا في العقاب فإِنّ العدالة توجب أن يكون بقدر الذنب ولا يزيد ذرة واحدة. إلاّ أن هؤلاء عكس الفريق الأوّل مسودة وجوههم (وترهقهم ذلة)(1).

ويمكن أن يقول قائل: إِنّ هؤلاء يجب أن لا يروا من العقاب إلاّ بقدر ذنوبهم، وأنّ اسوداد الوجه هذا، وغبار الذل الذي يغطيهم شيء إضافي. لكن ينبغي الإِنتباه إلى أن هذه هي خاصية وأثر العمل الذي ينعكس من داخل روح الإِنسان إِلى الخارج، تماماً كما نقول: إِنّ الأفراد المعتادين على شرب الخمر يجب أن يجلدوا. وفي الوقت نفسه فإِنّ الخمر تولد مختلف أمراض المعدة والقلب والكبد والأعصاب.

وعلى كل حال، فقد يظن المسيئون أنّهم سوف يكون لهم طريق للهرب أو النجاة، أو أنّ الأصنام وأمثالها تستطيع أن تشفع لهم، إلاّ أن الجملة التالية تقول بصراحة: (مالهم من الله من عاصم).

إِنّ وجوه هؤلاء مظلمة ومسودة إِلى الحد الذي (كأنّما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلماً أُولئك أصحاب النّار هم فيها خالدون).

* * *

____________________________

(1) من الممكن، بقرينة الآية السابقة، أن تكون جملة (ترهقهم ذلة) بتقدير: (يرهقهم قتر وذلة)، وبقرينة المقابلة حذفتُ (قتر) لأجل الإِختصار.

[341]

الآيات

وَيُوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ(28) فَكَفَى بِالله شَهِيدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَفِلِينَ(29) هُنالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْس مَّآ أَسْلَفَتْ وَرُدُّواْ إِلىَ اللهِ مَوْلَهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ(30)

التّفسير

مشهد من قيامة عبدة الأوثان:

تتابع هذه الآيات أيضاً البحوث السابقة حول المبدأ والمعاد ووضع المشركين، وتجسم حيرة وانقطاع هؤلاء عند حضورهم في محكمة العدل الإِلهي، ووقوفهم بين يدي الله لمحاسبتهم.

فتقول أوّلا: (ويوم نحشرهم جميعاً ثمّ نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم)(1). واللطيف أنّ الآية أعلاه قد عبّرت عن الأصنام بشركائكم، في

____________________________

(1) إِنّ (مكانكم) في الواقع مفعول لفعل مقدر، وكانت في الأصل (ألزموا مكانكم أنتم وشركاؤكم حتى تسألوا) وهذه الجملة في الحقيقة تشبه الآية (24) من سورة الصافات، حيث تقول (وقفوهم إِنهم مسؤولون).

[342]

حين أنّ المشركين كانوا قد جعلوا الأصنام شريكة لله، لاشريكة أنفسهم.

إِنّ هذا التعبير في الحقيقة إِشارة لطيفة إِلى أن الأصنام لم تكن شريكة لله، وأن أوهام وتخيلات عبدة الأوثان هي التي أعطتها هذا المقام، وهذا يشبه تماماً ما لو عيّن المشرف على التعليم معلماً أو مديراً غير صالح لمدرسة ما، صدرت ومنهما أعمال قبيحة وغير لائقة. فتقول للمشرف: تعال وانظر، هذا معلمك وهذا مديرك يرتكبان مثل هذه الاعمال، في حين أنّه ليس معلمه ولامديره، بل معلم المدرسة ومديرها الذي اختارهما.

ثمّ تضيف: أنّنا سوف نعزل هاتين الفئتين ـ أي العابدون والمعبودون ـ عن بعضهم البعض، ونسأل كلا منهما على انفراد، تماماً كما هو المتداول في كل المحاكم حيث يسأل كل واحد على انفراد، فنسأل العابدين: بأي دليل جعلتم هذه الأصنام شريكة لله وعبدتموها؟ ونسأل المعبودين: لماذا أصبحتم معبودين؟ أو لماذا رضيتم بهذا العمل؟ (فزيلنا بينهم)(1).

في هذه الأثناء ينطق الشركاء الذين صنعتهم أوهام هؤلاء: (وقال شركاؤهم ما كنتم إِيانا تعبدون) فأنتم في الواقع كنتم تعبدون أهواءكم وميولكم وأوهامكم، لا أنّكم كنتم تعبدوننا، ولو سلمّنا ذلك فإِنّ عبادتكم لنا لم تكن بأمرنا ولا برضانا، والعبادة كهذه ليست بعبادة في الحقيقة.

ثمّ، ومن أجل التأكيد الأشد، يقولون: (فكفى بالله شهيداً بيننا وبينكم إِن كنّا عن عبادتكم لغافلين)(2).

هناك بحث بين المفسّرين في المراد من الأصنام والشركاء، أي معبودات هي؟ وكيف أنّها تتكلم بهذا الكلام؟

____________________________

(1) «زيلنا» من مادة التزييل، بمعنى التفريق، قال بعض أرباب اللغة: إِن مادتها الثلاثية، زال يزيل، بمعنى الفرقة، لا أنّها من مادة: زال يزول بمعنى الزوال.

(2) (إِن) في الجملة أعلاه مخففة من الثقيلة، وهي للتأكيد ومعنى الجملة هو: إِنّنا كنّا عن عبادتكم لغافلين.

[343]

فالبعض احتمل أن يكون المراد منها المعبودات الإِنسانية والشيطانية، أو من الملائكة التي لها عقل وشعور وإِدراك، إلاّ أنّهم رغم ذلك لا يعلمون بأنّ فئة تعبدهم، أمّا لأنّهم يعبدونهم حال غيابهم، أو بعد موتهم، وعلى هذا فإِنّ تكلم هؤلاء سيكون أمراً طبيعياً جدّاً، وهذه الآية نظيرة الآية (41) من سورة سبأ، التي تقول: (ويوم يحشرهم جميعاً ثمّ يقول للملائكة أهؤلاء إِيّاكم كانوا يعبدون).

والإِحتمال الآخر الذي ذكره كثير من المفسّرين، هو أن الله سبحانه يبعث الحياة والشعور في الأصنام في ذلك اليوم بحيث تستطيع إِعادة الحقائق وذكرها، والجملة أعلاه للاصنام التي دعاها الله سبحانه للشهادة، وأنّهم كانوا غافلين عن عبادة من يعبدهم، وبذلك تكون أكثر تناسباً مع هذا المعنى، لأنّ الأصنام الحجرية والخشبية لا تفهم شيئاً أصلا.

ويمكن أن نحتمل في تفسير هذه الآية أنّها تشمل كل المعبودات، غاية ما في الأمر أن المعبودات التي لها عقل وشعور تعيد الحقائق وتذكرها بلسانها، أمّا المعبودات التي لا عقل لها ولا شعور فإِنّ الكلام عن لسان حالها، وتتحدث عن طريق انعكاس آثار العمل، تماماً كما نقول: إِنّ سيماءك تخبر عن سرك، والقرآن الكريم يبيّن أيضاً في الآية (21) من من سورة فصلت أن جلود الإِنسان ستنطق يوم القيامة، وكذلك في سورة الزلزلة يبيّن أنّ الأرض التي كان يسكنها الإِنسان ستذكر الحقائق.

إِنّ هذه المسألة ليست صعبة التصور في زماننا الحاضر، فإِذا كان شريط أصم يسجل كل كلامنا ويعيده عند الحاجة، فلا عجب أن تعكس الأصنام أيضاً واقع أعمال عابديها!.

على كل حال، ففي ذلك اليوم وذلك المكان وذلك الحال ـ كما يتحدث القرآن في آخر آية من آيات البحث ـ فإِنّ كل إِنسان سيختبر كل أعماله التي عملها سابقاً ويرى نتيجتها، بل نفس أعماله، سواء العابدون والمعبودون المضلون الذين كانوا

[344]

يدعون الناس إِلى عبادتهم، وسواء المشركون والمؤمنون، من أي قوم ومن أي قبيل: (هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت) وفي ذلك اليوم سيرجع الجميع إِلى الله مولاهم الحقيقي، ومحكمة المحشر تبيّن أن الحكم لايتم إلاّ بأمره (وردوا إِلى الله مولاهم الحق).

وأخيراً فإِنّ جميع هذه الأصنام والمعبودات المختلقة التي جعلها هؤلاء شريكة لله كذباً ستفنى وتمحى: (وضل عنهم ماكانوا يفترون)فإِنّ القيامة ساحة ظهور كل الأسرار الخفية للعباد، ولا تبقى آية حقيقة إلاّ وتُظهر نفسها. ومن الطبيعي أنّ هناك مواقف ومقامات لا تحتاج إِلى سؤال أو جدال وبحث، بل إنّ الحال يحكي عن كل شيء، ولا حاجة للمقال.

* * *

[345]

الآيات

قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ وَ الأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَرَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّيتَ مِنَ الْحَىِّ وَمَن يُدَبِّرُ الاْمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَتَتَّقُونَ(31) فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ(32)كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ  لاَ يُؤْمِنُونَ(33)

التّفسير

الحديث في هذه الآيات عن علامات ودلائل وجود الله سبحانه وأهليته للعبادة، وتعقب أبحاث الآيات السابقة حول هذا الموضوع.

ففي البداية تقول: قل لهؤلاء المشركين وعبدة الأوثان الحائرين التائهين عن طريق الحق: من يرزقكم من السماء والأرض؟ (قل من يرزقكم من السماء والأرض).

«الرزق» يعني العطاء والبذل المستمر، ولما كان الواهب لكل المواهب في الحقيقة هو الله سبحانه، فإِنّ «الرازق» و «الرزّاق» بمعناهما الحقيقي لايستعملان

[346]

إلاّ فيه فقط، وإِذا استعملت هذه الكلمة في حق غيره فلا شك أنّها من باب المجاز، كالآية (233) من سورة البقرة التي تقول في شأن النساء المرضعات: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف).

وينبغي ـ أيضاً ـ أن نذكّر بهذه النقطة، وهي أنّ أكثر أرزاق الإنسان من السماء، فالمطر المحيي للنبات من السماء، الذي تحتاجه كل الكائنات الحية مستقر في فضاء الأرض، والأهم من ذلك كله أشعة الشمس التي لايبقي بدونها أي كائن حي، ولاتنبعث بدونها أية حركة في أنحاء الكرة الأرضية فإنّها تأتي من السماء، وحتى الحيوانات التي تعيش في أعماق البحار فإنّها حية بنور الشمس، لأنا نعلم أن غذاء الكثير منها أعشاب صغيرة جدّاً تنمو في طيات الأمواج على سطح المحيط مقابل أشعة الشمس، والقسم الآخر من هذه الحيوانات تتغذي على لحوم الحيوانات البحرية الأُخرى التي تتغذى على تلك النباتات .

والأرض وحدها هي التي تغذي جذور النباتات بواسطة موادها الغذائية، وربّما كان هذا هو السبب في أن تتحدث الآية أوّلا عن أرزاق السماء، ثمّ عن أرزاق الأرض حسب تفاوت درجة الأهمية .

ثمّ تشير الآية إلى حاستين من أهم حواس الإنسان، واللتان لايمكن كسب العلم وتحصيله بدونهما، فقالت: (أمن يملك السمع والأبصار). وفي الواقع فإنّ هذه الآية أشارت إلى النعم المادية أوّلا، ثمّ إلى المواهب والأرزاق المعنوية التي تصبح النعم المادية بدونها فاقدة للهدف والمحتوى.

إن كلمة (سَمع) مفردة، وهي بمعنى الأذن، و«الأبصار» وجمع بصر بمعنى العين، وهنا يأتي هذا السؤال، وهو: لماذا ذكرت كلمة السمع في كل القرآن بصيغة المفرد، وأمّا البصر فإنّها جاءت تارة بصيغة المفرد، وتارةً اُخرى بصيغة الجمع جواب هذا السؤال مذكور في المجلد الأوّل من هذا التّفسير ذيل الآية (7) من سوره البقرة .

ثمّ تطرقت الآية إلى ظاهرتي الموت والحياة اللتين هما أعجب ظواهر عالم

[347]

الخلقة، فتقول: (ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي) وهذا هو نفس الموضوع الذي حيّر عقول علماء الطبيعية وعلماء الاحياء، وهو كيف أتى الموجود الحي إِلى الوجود من موجود ميت؟ فهل إِنّ مثل هذه المسألة ـ التي لم تفلح جهود ومساعي العلماء الحثيثة إِلى الآن في كشف أسرارها ـ أمراً بسيطاً ومرتبطاً بالصدفة وبدون برنامج وهدف؟ لا شك أنّ من وراء ظاهرة الحياة المعقدة والظريفة والمليئة بالأسرار علم وقدرة خارقة وعقل كلي.

إِنّه لم يخلق الكائن الحي في البداية من الموجودات الأرضية الميتة وحسب، بل إِنّه قرر عدم خلود الحياة، ولهذا خلق الموت في قلب الحياة ليفسح المجال عن هذا الطريق لتغير الأحوال والتكامل.

ويحتمل ـ أيضاً ـ في تفسير هذه الآية أنّها تشمل الموت والحياة المعنويين إِضافة إِلى الموت والحياة الماديين، لأنّنا نرى أناساً عقلاء طاهرين ورعين مؤمنين يولدون أحياناً من أبوين ملوثين منحرفين لا إِيمان لهما، ويلاحظ أيضاً عكس ذلك حيث يأتي إِلى الوجود إِناساً تافهون لاقيمة لهم من أبوين فاضلين(1). خلافاً لقانون الوراثة.

طبعاً، لا يوجد مانع من أن تكون الآية أعلاه إِلى كلا القسمين، لأنّ كليهما من عجائب الخلقة ومن الظواهر العجيبة في العالم، وهما موضحان لهذه الحقيقة، وهي أن لقدرة الخالق العالم الحكيم دخلا في هذه الأُمور إِضافةً إِلى الأُمور الطبيعية.

وقد أعطينا توضيحات أُخرى حول هذا الموضوع في المجلد الخامس ذيل الآية (95) من سورة الأنعام.

ثمّ تضيف الآية: (ومن يدبر الأمر)، والكلام في الواقع بدأ عن خلق المواهب، ثمّ عن حافظها وحارسها ومدبرها. وبعد أن يطرح القرآن الكريم هذه الأسئلة

____________________________

(1) لقد جاء هذا المضمون في روايات متعددة في الجزء الأوّل ص 543 من تفسير البرهان في ذيل الآية (59)من سورة الأنعام.

[348]

الثلاثة يقول مباشرة بأنّ هؤلاء سيجيبون بسرعة: (فسيقولون الله).

يستفاد من هذه الجملة جيداً أنّه حتى مشركي وعبدة الأصنام في الجاهلة كانوا يعلمون أنّ الخالق والرازق والمحيي ومدبر أمور عالم الوجود هو الله سبحانه، وقد علموا هذه الحقيقة عن طريق العقل، وكذلك عن طريق الفطرة، وهي أنّ هذا النظام الدقيق للعالم لا يمكن أن يكون وليد الصدفة والفوضى، أو مخلوقاً من قبل هذه الأصنام.

وفي آخر الآية يأمر الله نبيّه (فقل أفلا تتقون) فإِنّ الوحيد الذي له أهلية العبادة هو الذي بيده الخلق وتدبير أمره، وإِذا كانت العبادة لأجل أهلية وعظمة ذات المعبود، فإنّ هذه الأهلية والعظمة منحصرة في الله تعالى، وإذا كانت من أجل أنّه مصدر الضر والنفع، فإنّ ذلك مختص بالله أيضاً.

وبعد أن عرضت الآية السابقة نماذج من آثار عظمة وتدبير الله في السماء والأرض، وأيقظت وجدان وعقل المخالفين ودعتهم للحكم في أمر الخالق، واعترف هؤلاء بذلك، خاطبتهم الآية التالية بلهجة قاطعة وقالت: (فذلكم الله ربّكم الحق) لا الأصنام، ولا سائر الموجودات التي جعلتموها شريكة للباري عزَّوجلّ، والتي تسجدون أمامها وتعظمونها.

كيف يمكن أن يكون هؤلاء أهلا للعبودية في حين أنّهم ليسوا فقط غير قادرين على المشاركة في خلق العالم وتدبيره فحسب، بل منغمسون في الفقر والاحتياج من الرأس حتى أخمص القدم.

ثمّ تنتهي إِلى ذكر النتيجة: (فماذا بعد الحق إلاّ الضلال فأنى تصرفون)وأَنّى تولوا وجوهكم عن عبادة الله وأنتم تعلمون ألا خالق ولا معبود حقّاً سواه؟

إِنّ هذه الآية في الواقع تطرح طريقاً منطقياً واضحاً لمعرفة الباطل وتركه، وهو أن يخطو الإِنسان أوّلا في سبيل معرفة الحق بآليات الوجدان والعقل، فإِذا عرف الحق فإِنّ كل ما خالفه باطل وضلال، ويجب أن يضرب عرض الحائط.

[349]

وتقول آخر آية في بيان العلة في عدم اتباع هؤلاء للحق رغم وضوح الأمر وظهور الحق: (كذلك حقّت كلمة ربّك على الذين فسقوا أنّهم لا يؤمنون)(1) وفي الواقع فإِنّ هذه خاصية الأعمال السيئة المستمرة لهؤلاء بحيث تُظلم قلوبهم وتلوث أرواحهم إِلى درجة لايرون معها الحق رغم وضوحه وتجلّيه، ويسلكون نتيجة لذلك طريق الضلال.

بناء على ذلك، فإِنّ الآية أعلاه لا دلالة لها مطلقاً على مسألة الجبر، بل هي إِشارة إِلى آثار أعمال نفس الإِنسان، لكن لاشك أنّ هذه الأعمال لها تلك الخاصية بأمر الله، تماماً كما نقول لشخص: لقد قلنا لك مائة مرّة أن لا تحوم حول المواد المخدرة والمشروبات المسكرة ولا تتناولها، لكنّك لم تصغ لنا، فأصبحت الآن من المدمنين عليها ومحكوماً بأن تبقى تعيساً لمدّة طويلة.

* * *

____________________________

(1) كاف التشبيه هنا إِشارة إِلى المطلب الذي ذكر في آخر جملة من الآية السابقة، ومعنى الآية هكذا: كما أنّه ليس بعد الحق إلاّ الضلال، كذلك حقّت كلمة ربّك.




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (11)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (108)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 214

  • عدد الأبواب : 96

  • عدد الفصول : 2011

  • تصفحات المكتبة : 21202506

  • التاريخ : 24/02/2024 - 18:42

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net