00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة الاحقاف من آية 21 ـ آخر السورة من ( ص 282 ـ 310 )  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل (الجزء السادس عشر   ||   تأليف : سماحة آية الله العظمى الشيخ مكارم الشيرازي

[282]

 الآيات

وَاذْكُرْ أَخَا عَاد إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالاَْحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللهَ إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم عَظِيم( 21 ) قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّـدِقِينَ( 22 ) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللهِ وَأُبَلِّغُكُم مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلـكِنِّى أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ( 23 ) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هـذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ( 24 ) تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْء بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُواْ لاَ يُرَى إِلاَّ مَسَـكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِى الْقَوْمَ الْمُـجْرِمِينَ( 25 )

 

التّفسير

قوم عاد والريح المدمرة:

لما كان القرآن يذكر قضايا كلية، ثمّ يتطرق إلى بيان مصاديق واضحة لها،

[283]

ليطبق تلك الكليات. فإنّه هنا يسلك نفس السبيل، فبعد أن فصل حال المستكبرين المتمردين، تطرّق إلى ذكر قصة قوم عاد الذين هم صورة واضحة لأولئك العتاة، فتقول الآية: (واذكر أخا عاد).

إنّ التعبير بالأخ يعكس منتهى صفاء هذا النّبي العظيم وحرصه على قومه، وقد ورد هذا التعبير في القرآن المجيد ـ كما نعلم ـ في مورد عدة أنبياء عظام كانوا إخوة لأقوامهم حريصين رحماء بهم، لم يبخلوا من أجلهم بأي نوع من الإيثار والتضحية.

ويمكن أن يكون هذا التعبير إشارة إلى علاقة القرابة والرحم بين هؤلاء الأنبياء وأقوامهم.

ثمّ تضيف الآية: (إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه).

«الأحقاف» ـ كما قلنا سابقاً ـ تعني الكثبان الرملية التي تتشكل على هيئة مستطيل أو تعرجات ومنحنيات، على أثر هبوب العواصف في الصحاري، ويتّضح من هذا التعبير أنّ أرض قوم عاد كانت أرضاً حصباء كبيرة.

وذهب البعض أنّها في قلب جزيرة العرب بين نجد والأحساء وحضرموت وعمان.

إلاّ أنّ هذا المعنى يبدو بعيداً، حيث يظهر من آيات القرآن الأُخرى ـ في سورة الشعراء ـ أنّ قوم عاد كانوا يعيشون في مكان كثير المياه والأشجار الجميلة، ومثل هذا الحال بعيد جدّاً عن قلب الجزيرة.

وذهب جمع آخر من المفسّرين أنّها في الجزء الجنوبي للجزيرة حول اليمن، أو في سواحل بحر العرب(1).

واحتمل البعض أنّ الأحقاف كانت منطقة في أرض العراق في مناطق كلدة

____________________________________

1 ـ في ظلال القرآن، ذيل الآيات مورد البحث.

[284]

وبابل(1).

ونقل عن الطبري أنّ الأحقاف اسم جبل في الشام(2).

لكن يبدو أنّ القول بأنّ هذه المنطقة تقع جنوب الجزيرة العربية قرب أرض اليمن، هو الأقرب، بملاحظة ملاءمته المعنى اللغوي للأحقاف، وبملاحظة أنّ أرضهم كانت غزيرة المياه وفيرة الأشجار، في نفس الوقت الذي لم تكن فيه بمأمن من العواصف الرملية.

وجملة: (وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه) إشارة إلى الأنبياء الذين بعثوا قبله، بعضهم قريب عهد به، وهم الذين عبّر عنهم القرآن بـ (من بين يديه)والبعض الآخر تقادمت الفترة الزمنية بينهم وبينه الذين عبّر عنهم بـ(من خلفه).

أمّا ما احتمله البعض من أنّ المراد من هذه الجملة الأنبياء الذين جاؤوا قبل هود وبعده، فيبدو بعيداً جدّاً، ولا ينسجم مع جملة: (وقد خلت) التي تعني الزمن الماضي.

ولنرَ الآن ماذا كان محتوى دعوة هذا النّبي العظيم؟

يقول القرآن الكريم: (ألاّ تعبدوا إلاّ الله) ثمّ هدّدهم بقوله: (إنّي أخاف عليكم عذاب يوم عظيم).

وبالرغم من أنّ التعبير بـ(يوم عظيم) جاء بمعنى يوم القيامة غالباً، إلاّ أنّه أطلق أحياناً في آيات القرآن على الأيّام القاسية المرعبة التي مرّت على الأمم، وهذا المعنى هو المراد هنا، لأنّنا نقرأ في متابعة هذه الآيات أنّ قوم عاد قد ابتلوا بعذاب الله في يوم عسر مرعب وانتهى أمرهم.

إلاّ أنّ هؤلاء القوم المتمردين وقفوا بوجه هذه الدعوة الإلهية، وخاطبوا هوداً:

____________________________________

1 ـ و 3 ـ طبقاً لنقل المرحوم الشعراني في هامش تفسير أبي الفتوح الرازي، المجلد 10، صفحة 165.

2 ـ المصدر السابق.

[285]

(قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين)(1).

هاتين الجملتين تبيّنان بوضوح مدى انحراف هؤلاء القوم وتعصبهم، فهم في الجملة الأولى يقولون: إنّ دعوتك كاذبة، لأنّها تخالف آلهتنا التي تعوَّدنا على عبادتها، وهي إرث ورثناه عن آبائنا.

ونراهم في الجملة الثّانية يطلبون وقوع العذاب! ذلك العذاب الذي إن نزل بهم فلا رجعة معه مطلقاً، وأي ذي لب يتمنّى نزول مثل هذا العذاب، حتى وإن لم يكن لديه يقين بوقوعه؟

إلاّ أنّ هوداً (عليه السلام) قال في ردّه على هذا الطلب المتهور الذي يدل على الجنون: (قال إنّما العلم عند الله) فهو الذي يعلم متى وفي أي ظروف ينزل عذاب الإستئصال، فلا هو مرتبط بطلبكم وتمنيكم، ولا هو تابع لرغبتي، بل يجب أن يتمّ الهدف ويتحقق، ألا وهو إتمام الحجّة عليكم، فإن حكمته سبحانه تقتضي ذلك.

ثمّ يضيف: (وأبلغكم ما أرسلت به) فهو مهمتي الأساسية، ومسؤوليتي الرئيسية، أمّا اتخاذ القرار في شأن طاعة الله وأوامره فهو أمر يتعلق بكم، وإرادة نزول العذاب ومشيئته تتعلق به سبحانه.

(ولكني أراكم قوماً تجهلون) وجهلكم هذا هو أساس تعاستكم وشقائكم، فإنّ الجهل المقترن بالكبر والغرور هو الذي يمنعكم من دراسة دعوة رسل الله، ولا يأذن لكم في التحقيق فيها... ذلك الجهل الذي يحملكم على الإصرار على نزول عذاب الله ليهلككم، ولو كان لديكم أدنى وعي أو تعقل لكنتم تحتملون ـ على الأقل ـ وجود احتمال إيجابي في مقابل كلّ الإحتمالات السلبية، والذي إذا ما تحقق فسوف لا يبقى لكم أثر.

وأخيراً لم تؤثر نصائح هود (عليه السلام) المفيدة، وإرشاداته الأخوية في قساة القلوب أُولئك، وبدل أن يقبلوا الحق لجّوا في غيّهم وباطلهم، وتعصبوا له، وحتى نوح (عليه السلام)

____________________________________

1 ـ «لتأفكنا» من مادة «إفك»، أي الكذب والإنحراف عن الحق.

[286]

كذّبه قومه بهذا الإدعاء الواهي وهو أنّك إن كنت صادقاً فيما تقول فأين عذابك الموعود؟

والآن، وقد تمّت الحجة بالقدر الكافي، وأظهر أُولئك عدم أهليتهم للبقاء، وعدم استحقاقهم للحياة، فإنّ حكمة الله سبحانه توجب أن يرسل عليهم «عذاب الإستئصال»، ذلك العذاب الذي يجتث كلّ شيء ولا يبقي ولا يذر.

وفجأة رأوا سحاباً قد ظهر في الأفق، واتسع بسرعة: (فلمّا رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا)(1).

قال المفسّرون: إنّ المطر انقطع مدّة عن قوم عاد، وأصبح الهواء حاراً جافاً خانقاً، فلمّا وقع بصر قوم عاد على السحب المظلمة الواسعة في الأفق البعيد، وهي تتجه صوبهم فرحوا لذلك جدّاً، وهبّوا لإستقبالها، وجاؤوا إلى جوانب الوديان والسهول ومجاري السيول والمياه. ليروا منظر نزول المطر المبارك ليحيوا من جديد، وتسر بذلك نفوسهم.

لكن، قيل لهم سريعاً بأنّ هذا ليس سحاباً ممطراً: (بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم).

والظاهر أنّ المتكلم بهذا الكلام هو الله سبحانه، أو أنّ هوداً لمّا سمع صرخات فرحهم واستبشارهم قال لهم ذلك.

نعم، إنّها ريح مدمّرة: (تدمر كلّ شيء بأمر ربّها).

قال بعض المفسّرين: إنّ المراد من (كل شيء) البشر ودوابهم وأموالهم، لأنّ الجملة التالية تقول: (فأصبحوا لا يرى إلاّ مساكنهم)وهذا يوحي بأنّ مساكنهم كانت سالمة، أمّا هم فقد هلكوا، وألقت الرياح القوية أجسادهم في الصحاري البعيدة، أو في البحر.

____________________________________

1 ـ «عارض» من مادة (عرض)، وهنا بمعنى السحاب الذي ينتشر في عرض السماء، وربّما كان هذا أحد علامات السحب الممطرة بأنّها تتسع في ذلك الأفق ثمّ تصعد. و«الأودية» جمع واد، وهو المنخفض ومجرى السيول والمياه.

[287]

وقال البعض: إنّهم لم يلتفتوا إلى أنّ هذه السحب السوداء هي رياح قوية مغبرة، إلاّ عندما وصلت قريباً من ديارهم، ورفعت دوابهم ورعاتهم ـ الذين كانوا في الصحاري المحيطة بهم ـ من الأرض ورمتهم في الهواء، ورأوا أنّها تقتلع الخيام من مكانها وتلقيها في الهواء حتى كانت تبدو كالجواد!

عندما رأوا ذلك المشهد، فروا والتجأوا إلى دورهم وأغلقوا الأبواب عليهم، إلاّ أنّ الأعاصير اقتلعت الأبواب وألقتها على الأرض ـ أو حملتها معها ـ ورمت أجساد هؤلاء بالأحقاف، وهي الرمال المتحركة.

وجاء في الآية (7) من سورة الحاقة: (سخّرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام)وهكذا بقي هؤلاء القوم يئنون تحت تل من الرمال والتراب، ثمّ أزالت الرياح القوية التراب فظهرت أبدانهم مرّة أُخرى، فحملتها وألقتها في البحر(1).

وتشير الآية في النهاية إلى حقيقة، وهي أنّ هذا المصير غير مختص بهؤلاء القوم الضالين، بل: (كذلك نجزي القوم المجرمين).

وهذا إنذار وتحذير لكلّ المجرمين العصاة، والكافرين المعاندين الأنانيين، بأنّكم إن سلكتم هذا الطريق فسوف لن يكون مصيركم أحسن حالاً من هؤلاء، فإنّه تعالى قد يأمر الرياح بأن تهلككم، ذات الرياح التي يعبر القرآن الكريم بأنّها: (مبشرات بين يدي رحمته) لأنّ الرياح تتصف بصفة الأمر الإلهي المطلوب منها.

وقد يبدل الأرض التي هي مهد استقرار الإنسان واطمئنانه، إلى قبر له بزلزلة شديدة.

وقد يبدّل المطر الذي هو أساس حياة كلّ الكائنات الحية، إلى سيول جارفة تُغرق كل شيء.

نعم، إنّه عزَّوجلَّ يجعل جنود الحياة جنود موت وفناء، وكم هو مؤلم الموت

____________________________________

1 ـ تفسير الفخر الرازي، المجلد 28، صفحة 28، ذيل الآيات مورد البحث، وجاء هذا المعنى أيضاً في تفسير القرطبي، المجلد9، صفحة 6026.

[288]

الذي يأتي من سبب الحياة وأساسها؟ خاصّةً إذا كان الأمر كما في قوم هود إذ فرحوا وسروا في البداية ثمّ جاءتهم البطشة ليكون العذاب أشد وآلم.

والطريف أنّه يقول: إنّ هذه الرياح، هي في الأصل أمواج هوائية لطيفة تتحوّل إعصار يدمّر كلّ شيء بأمر الله(1).

 

* * *

 

____________________________________

1 ـ «تدمّر» من مادة تدمير، وهو الإهلاك والإفناء.

[289]

الآيات

وَلَقَدْ مَكَّنَّـهُمْ فِيَما إِن مَكَّنـكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَـرُهُمْ وَلاَ أَفِئِدَتُهُم مِن شَىْء إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِآيَـتِ اللهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ( 26 ) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الآيَـتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ( 27 ) فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللهِ قُرْبَاناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ( 28 )

 

التّفسير

لستم بأقوى من قوم عاد أبداً:

إنّ هذه الآيات بمثابة استنتاج للآيات السابقة التي كانت تتحدث عن عقاب قوم عاد الأليم، فتخاطب مشركي مكّة وتقول: (ولقد مكّناهم فيما إن مكّناكم

[290]

فيه)(1) فقد كانوا أقوى منكم من الناحية الجسمية، وأقدر منكم من ناحية المال والثروة والإمكانات المادية، فإذا كان بإمكان القوّة الجسمية والمال والثروة والتطور المادي أن تنقذ أحداً من قبضة الجزاء الإلهي، فكان ينبغي على قوم عاد أن يصمدوا أمام العاصفة ولا يكونوا كالقشة في مهب الرياح، تتقاذفهم كيف شاءت ولا يبقى من آثارهم إلاّ أطلال مساكنهم!

إنّ هذه الآية شبيهة بما ورد في سورة الفجر في شأن قوم عاد: (ألم تر كيف فعل ربّك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد)(2).

أو هي نظير ما جاء في الآية (36) من سورة ق: (وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشدّ منهم بطشاً).

وخلاصة القول: إنّ الذين كانوا أشدّ منكم وأقوى، عجزوا عن الوقوف أمام عاصفة العذاب الإلهي، فكيف بكم إذن؟

ثمّ تضيف الآية: (وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة)(3) فقد كانوا أقوياء في مجال إدراك الحقائق وتشخيصها أيضاً، وكانوا يدركون الأُمور جيداً، وكانوا يستغلون هذه المواهب الإلهية من أجل تأمين حاجاتهم ومآربهم المادية على أحسن وجه، لكن: (فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله)(4) وأخيراً: (وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون).

نعم، لقد كان أولئك مجهزين بالوسائل المادية، وبوسائل إدراك الحقيقة، إلاّ أنّهم لما كانوا يتعاملون مع آيات الله بمنطق الإستكبار والعناد، وكانوا يتلقون كلام

____________________________________

1 ـ «إن» في جملة (إن مكّناكم فيه) نافية ولدينا شواهد متعددة من آيات القرآن الكريم وردت في المتن. إلاّ أنّ البعض اعتبرها شرطية، أو زائدة ولا نرى ذلك صواباً.

2 ـ الفجر، الآيات 6 إلى 8.

3 ـ يجدر الإنتباه إلى أنّ الأبصار والأفئدة وردت بصيغة الجمع، في حين أنّ السمع قد ورد بصيغة المفرد، ويمكن أن يكون هذا الإختلاف بسبب أنّ للسمع معنى المصدر، والمصدر يستعمل دائماً بصيغة المفرد، أو لوحدة المسموعات أما تفاوت المرئيات والمدركات.

4 ـ من في (من شيء) زائدة وللتأكيد، أي لم ينفعهم أي شيء.

[291]

الأنبياء بالسخرية والإستهزاء، لم ينفذ نور الحق إلى قلوبهم، وهذا الكبر والغرور والعداء للحق هو الذي أدى إلى أن لا يستفيدوا ولا يستخدموا وسائل الهداية والمعرفة كالعين والأذن والعقل، ليجدوا طريق النجاة ويسلكوه، فكانت عاقبتهم أن ابتلوا بذلك المصير المشؤوم الذي أشارت إليه الآيات السابقة.

فإذا كان أُولئك القوم قد عجزوا عن القيام بأي عمل مع كلّ تلك القدرات والإمكانيات التي كانوا يمتلكونها، وأصبحت جثثهم الهامدة كالريشة في مهب الرياح تتقاذفهم من كلّ جانب بكلّ مذلة واحتقار، أولى لكم أن تعتبروا إذ أنتم أضعف منهم وأعجز.

وليس عسيراً على الله تعالى أن يأخذكم بأشد العذاب نتيجة أعمالكم وجرائمكم، وأن يجعل عوامل حياتكم أسباب فنائكم، وهذا خطاب لمشركي مكّة، ولكلّ البشر المغرورين الظالمين العتاة على مر التأريخ، وفي كلّ الأعصار والأمصار.

وحقاً فإنّ الأمر كما يقول القرآن الكريم، فلسنا أوّل من وطأ الأرض، فقد كان قبلنا أقوام كثيرون يعيشون فيها، ولديهم الكثير من الإمكانيات والقدرات، فكم هو جميل أن نجعل تأريخ أُولئك مرآة لأنفسنا لنعتبر به، ولنرى من خلاله مستقبلنا ومصيرنا.

ثمّ تخاطب الآية مشركي مكّة من أجل التأكيد على هذا المعنى، ولزيادة الموعظة والنصيحة، فتقول: (ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى).

أُولئك الأقوام الذين لا تبعد أوطانهم كثيراً عنكم، وكان مستقرهم في أطراف جزيرة العرب، فقوم عاد كانوا يعيشون في أرض الأحقاف في جنوب الجزيرة، وقوم ثمود في أرض يقال لها «حجر» في شمالها، وقوم سبأ الذين لاقوا ذلك المصير المؤلم في أرض اليمن، وقوم شعيب في أرض مدين في طريقكم الشام، وكان قوم لوط يعيشون في هذه المنطقة، وابتلوا بأنواع العذاب لكثرة معاصيهم وكفرهم.

[292]

لقد كان كلّ قوم من أُولئك عبرة، وكان كلّ منهم شاهداً ناطقاً معبراً، يسأل: كيف لا يستيقظ هؤلاء ولا يعون مع كلّ وسائل التوعية هذه؟!

ثمّ تضيف الآية بعد ذلك: (وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون) فتارة أريناهم المعجزات وخوارق العادات، وأُخرى أنعمنا عليهم، وثالثة بلوناهم بالبلاء والمصائب، ورابعة عن طريق وصف الصالحين المحسنين، وأخرى بوصف المجرمين، وأخرى وعظناهم بعذاب الإستئصال الذي أهلكنا به الآخرين. إلاّ أنّ الكبر والغرور والعجب لم يدع لهؤلاء سبيلاً إلى الهداية.

وتوبخ الآية الأخيرة من هذه الآيات هؤلاء العصاة، وتذمهم بهذا البيان: (فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قرباناً آلهة)(1).

حقّاً، إذا كانت هذه آلهة على حق، فلماذا لا تعين أتباعها وعبادها وتنصرهم في تلك الظروف الحساسة، ولا تنقذهم من قبضة العذاب المهول المرعب؟ إنّ هذا بنفسه دليل محكم على بطلان عقيدتهم حيث كانوا يظنّون أنّ هذه الآلهة المخترعة هي ملجأهم وحماهم في يوم تعاستهم وشقائهم.

ثمّ تضيف: (بل ضلوا عنهم) فإنّ هذه الموجودات التي لا قيمة لها ولا أهمية، والتي ليست مبدأ لأي أثر، ولا تأتي بأي فائدة، وهي عند العسر صماء عمياء، فكيف تستحق الألوهية وتكون أهلاً لها؟

وأخيراً تقول الآية: (وذلك إفكهم وما كانوا يفترون) فإنّ هذا الهلاك والشقاء، وهذا العذاب الأليم، واختفاء الآلهة وقت الشدّة والعسر، كان نتيجةً لأكاذيب أُولئك وأوهامهم وافتراءاتهم(2).

* * *

____________________________________

1 ـ المفعول الأوّل لـ (اتخذوا) محذوف، و(آلهة) مفعولها الثاني، و(قرباناً) حال، والتقدير: اتخذوهم آلهة من دون الله حال كونهم متقرباً بهم، ويحتمل أيضاً أن تكون (قرباناً) مفعولاً لأجله. وقد احتملت احتمالات أُخرى في تركيب الآية، لكنّها لا تستحق الإهتمام.

2 ـ بناءً على هذا فإنّ للآية محذوفاً، والتقدير: وذلك نتيجة إفكهم. ويحتمل أيضاً أن لا يحتاج الآية إلى محذوف، وفي هذه الحالة يصبح المعنى: كان هذا كذبهم وافتراءهم، غير أنّ المعنى الأوّل يبدو هو الأنسب.

[293]

الآيات

وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنصِتُواْ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْ إِلَى قَوْمِهِم مُنذِرِينَ( 29 ) قَالُواْ يَـقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَـباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِى إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيق مُسْتَقِيم( 30 ) يَـقَوْمَنَا أَجِيبُواْ دَاعِىَ اللهِ وَآمِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِنْ عَذَاب أَلِيم( 31 ) وَمَن لاَ يُجِبْ دَاعِىَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِز فِى الاَْرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَـئِكَ فِى ضَلَـل مُبِين( 32 )

 

سبب النّزول

وردت روايات مختلفة في سبب نزول هذه الآيات، ومن جملتها: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج من مكّة إلى سوق عكاظ في الطائف ـ وكان معه زيد بن حارثة ـ من أجل أن يدعو الناس إلى الإسلام، إلاّ أنّ أحداً لم يجبه، فاضطر الى الرجوع إلى مكّة، وفي طريق عودته وصل إلى موضع يقال له: وادي الجن، فبدأ بتلاوة القرآن

[294]

في جوف الليل، وكانت طائفة من الجن يمرون من هناك، فلما سمعوا قراءة النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) للقرآن أصغوا إليه وقال بعضهم لبعض: اسكتوا وأنصتوا، فلما أتمّ  رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تلاوته آمنوا به، وأتوا قومهم كرسل يدعونهم إلى الإسلام، فآمن لهم جماعة، وأتوا جميعاً الى النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فعلّمهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الإسلام، فنزلت هذه الآيات وآيات سورة الجن(1).

ونقل جماعة عن ابن عباس سبب نزول آخر يقرب من سبب النّزول السابق، باختلاف: إنّ النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان مشتغلاً بصلاة الصبح وكان يقرأ القرآن فيها، وكان جماعة من الجن في حالة بحث وتحقيق، إذ كان انقطاع أخبار السماء عنهم قد أقلقهم، فسمعوا صوت تلاوة النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: هذا سبب انقطاع أخبار السماء عنّا، فرجعوا إلى قومهم ودعوهم إلى الإسلام(2).

وقد أورد العلاّمة الطبرسي في مجمع البيان سبباً ثالثاً للنزول هنا، وهو يرتبط بقصة سفر النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الطائف وخلاصته:

بعد وفاة أبي طالب صعب الأمر على النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فرحل إلى الطائف لعله يجد أنصاراً، فبرز إليه أشراف الطائف وكذّبوه أشدّ تكذيب، ورموا النّبي بالحجارة حتى سالت الدماء من قدميه، فأعياه التعب، فأتى إلى جنب بستان واستظل بظل نخلة، وكانت الدماء تسيل منه.

وكان البستان لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وكانا من أثرياء قريش، فتأذى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من رؤيتهما لعلمه بعدائهما للإسلام من قبل، فأرسلا غلامهما «عداساً» ـ وكان رجلاً نصرانياً ـ إلى النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بطبق من العنب، فقال النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لعداس: «من أي أرض أنت»؟ قال: من نينوى، قال: «من مدينة العبد الصالح يونس بن

____________________________________

1 ـ تفسير علي بن إبراهيم طبقاً لنقل نور الثقلين، المجلد 5، صفحة 19، باختصار يسير.

2 ـ ورد هذا الحديث الذي أوردنا ملخصه في صحيح البخاري ومسلم ومسند أحمد بصورة مفصلة، طبقاً لنقل في ظلال القرآن، المجلد 7، صفحة 429.

[295]

متى»، فقال: وما يدريك من يونس بن متى؟ قال: «أنا رسول الله، والله تعالى أخبرني خبر يونس بن متى» فعرف عداس صدق النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فخرّ ساجداً لله تعالى، ووقع على قدمي النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يقبلهما.

فلما رجع لامه عتبة وشيبة على ما صنع، فقال: لقد أخبرني هذا الرجل الصالح بما يجهله أهل هذه البلاد من أمر نبيّنا يونس، فضحكا وقالا: لا يفتننك عن نصرانيتك، فإنّه رجل خداع!

فرجع النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى مكّة، ولم يكن حاصل سفره هذا إلاّ مؤمن واحد، فوصل نخلاً في جوف الليل، فما إن حلّ حتى تهيّأ للصلاة، وكان جماعة من الجن من أهل نصيبين أو اليمن يمرون من هناك، فسمعوا صوت تلاوة القرآن في صلاة الصبح فأصغوا إليه وآمنوا(1).

* * *

 

التّفسير

إيمان طائفة من الجن:

جاء في هذه الآيات ـ وكما أُشير في سبب النّزول ـ بحث مختصر حول إيمان طائفة من الجن بنبيّ الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) وكتابه السماوي، لتوضح لمشركي مكّة حقيقة، هي: كيف تؤمن طائفة من الجن البعيدين ـ ظاهراً ـ بهذا النبي الذي هو من الإنس، وبعث من بين أظهركم، وأنتم تصرون على الكفر، وتستمرون في عنادكم ومخالفتكم؟

وسيكون لنا بحث مفصل حول (الجن) وخصوصياته في تفسير سورة الجن إن شاء الله تعالى، ونتناول هنا تفسير الآيات مورد البحث فقط.

____________________________________

1 ـ مجمع البيان، المجلد 9، صفحة 92. وأورد هذه القصة باختلاف يسير ابن هشام في تأريخه (السيرة النبوية)، المجلد 2، صفحة 62 ـ 63.

[296]

لقد كانت قصة قوم عاد تحذيراً لمشركي مكّة في الحقيقة، وقصة إيمان طائفة من الجن تحذيراً آخر.

تقول الآية أوّلاً: (وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن).

إنّ التعبير بـ (صرفنا) ـ من مادة صرف، يعني نقل الشيء وتبديله من حالة إلى اُخرى ـ ولعله إشارة إلى أنّ الجن كانوا يصغون إلى أخبار السماء عن طريق استراق السمع، ومع ظهور نبيّ الإسلام(صلى الله عليه وآله وسلم) رجعوا إليه واتّجهوا نحو القرآن.

و«النفر» كما يقول الراغب في مفرداته ـ عدّة رجال يمكنهم النفر، والمشهور بين أرباب اللغة أنّه الجماعة من الثلاثة إلى العشرة، وأوصلها البعض إلى الأربعين.

ثمّ تضيف الآية: (فلمّا حضروه قالوا أنصتوا) وذلك حينما كان النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يتلو آيات القرآن في جوف الليل، أو في صلاة الصبح.

«انصتوا» من مادة إنصات، وهو السكوت مع الإستماع والإنتباه.

وأخيراً أضاء نور الإيمان قلوب هؤلاء، فلمسوا في أعماقهم كون آيات القرآن حقاً، ولذلك: (فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين) وهذا دأب المؤمنين دائماً، في أن يطلعوا الآخرين على الحقائق التي اطلعوا عليها، ويدلوهم على مصادر إيمانهم ومنابعه الفياضة.

وتبيّن الآية التالية كيفية دعوة هؤلاء قومهم عند عودتهم إليهم، تلك الدعوة المتناسقة الدقيقة، الوجيزة والعميقة المعنى: (قالوا يا قومنا إنّا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى).

ومن صفاته أنّا رأيناه يصدق الكتب السماوية السالفة ويتطابق معها في محتواها، وفيه العلائم الواردة في تلك الكتب: (مصدقاً لما بين يديه)(1).

وصفته الأُخرى أنّه: (يهدي إلى الحق) بحيث أنّ كلّ من يستند إلى عقله وفطرته يرى آيات حقانيته واضحة جلية.

____________________________________

1 ـ لقد أوردنا تفسير هذه الجملة مفصلاً في ذيل الآية 41 من سورة البقرة.

[297]

وآخر صفة أنّه يهدي إلى الرشد: (والى طريق مستقيم).

إنّ التفاوت بين الدعوة إلى الحق والى الصراط المستقيم، يكمن ظاهراً في أنّ الأوّل إشارة إلى العقائد الحقة، والثّاني إلى البرامج العملية المستقيمة الصحيحة.

وجملة: (أنزل من بعد موسى) وجملة: (مصدقاً لما بين يديه) تؤيدان أنّ هذه الطائفة كانوا مؤمنين بالكتب السماوية السابقة، وخاصة كتاب موسى (عليه السلام)، وكانوا يبحثون عن الحق.

وإذا رأينا أنّ الكلام لم يرد عن كتاب عيسى الذي أنزل بعد موسى (عليه السلام)، فليس ذلك بسبب ما روي عن ابن عباس من أنّ الجن لم يكونوا مطلعين على نزول الإنجيل مطلقاً، إذ أنّ الجن كانوا مطلعين على أخبار السماوات وعالمين بها، فكيف يمكن أن يغفلوا عن أخبار الأرض إلى هذا الحد؟ بل بسبب أنّ التوراة كانت هي الكتاب الأساسي، فحتى المسيحيون كانوا قد أخذوا ويأخذون أحكام شريعتهم عنها.

ثمّ أضافوا: (يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به) إذ ستمنحون حينها مكافأتين عظيمتين: (يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم)(1).

المراد من: (داعي الله) نبيّ الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي كان يرشدهم إلى الله سبحانه، ولما كان أغلب خوف الإنسان واضطرابه من الذنوب وعذاب القيامة الأليم، فقد ذكروا لهم الأمن تجاه هذين الأمرين، ليلفت انتباههم قبل كلّ شيء.

واعتبر جمع من المفسّرين كلمة (من) في (من ذنوبكم) زائدة، ليكون ذلك تأكيداً على غفران جميع الذنوب في ظل الإيمان. في حين اعتبرها البعض تبعيضية، وأنّها إشارة إلى تلك الذنوب التي اقترفوها قبل إيمانهم، أو الذنوب التي تتعلق بالله سبحانه، لا بحق الناس.

غير أنّ الأنسب هو كون (من) زائدة وللتأكيد، والآية الشريفة تشمل كلّ

____________________________________

1 ـ «يجركم» من مادة (إجارة)، وقد وردت بمعان مختلفة: الإغاثة، الإنقاذ من العذاب الإيواء، والحفظ.

[298]

الذنوب.

وتذكر الآية الأخيرة ـ من هذه الآيات ـ كلام مبلغي الجن، فتقول: (ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء) ينصرونه من عذاب الله، ولذلك فإنّ: (أُولئك في ضلال مبين).

أي ضلال أشد وأسوأ وأجلى من أن يهبّ الإنسان إلى محاربة الحق ونبيّ الله، بل حتى إلى محاربة الله الذي لا ملجأ له سواه في كلّ عالم الوجود، ولا يستطيع الإنسان أن يفر من حكومته إلى مكان آخر؟!

وقد قلنا مراراً: إنّ (معجز) ـ أو سائر مشتقات هذه الكلمة ـ تعني في مثل هذه الموارد العجز عن المطاردة والتعقيب والمجازاة، وبتعبير آخر: الفرار من قبضة العقاب.

وعبارة (في الأرض) إشارة إلى أنّكم حيثما تذهبون في الأرض فإنّه ملك الله وسلطانه، ولا يمكن أن تكونوا خارج حدود قدرته وقبضته، وإذا كانت الآية لا تتحدث عن السماء، فلأنّ مكان الإنس والجن هو الأرض على كلّ حال.

* * *

 

بحثان

1 ـ الإعلام المؤثر

كما قلنا سابقاً، فإنّ البحث حول الجن وكيفية حياتهم والخصوصيات الاُخرى المتعلقة بهم ستأتي في تفسير سورة الجن إن شاء الله تعالى، والذي يستفاد من هذه الآيات أنّ الجن موجودات عاقلة لها إدراك وشعور، وهم مكلّفون بالواجبات الإلهية، وفيهم المؤمن والكافر، ولديهم الإطلاع الكافي على الدعوات الإلهية.

والمسألة الملفتة للنظر في هذه الآيات هو الأسلوب الذي اتبعه هؤلاء للتبليغ من أجل الإسلام بين قومهم، فهم بعد حضورهم عند النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وسماعهم آيات

[299]

القرآن، وإطلاعهم على محتواها، أتوا قومهم مسرعين وشرعوا بدعوتهم.

لقد تحدّثوا أوّلاً عن كون القرآن حقّاً، وأثبتوا ذلك بأدلة ثلاثة، ثمّ بدأوا بترغيبهم، فبشروهم بالنجاة والخلاص من قبضة عذاب الآخرة في ظل الإيمان بهذا الكتاب السماوي، وكان ذلك تأكيداً على مسألة المعاد من جانب، وصرف الإهتمام إلى قيم الآخرة الأصيلة في مقابل قيم الدنيا الزائلة الفانية من جانب آخر.

ثمّ نبّهوهم في المرحلة الثّالثة على أخطار ترك الإيمان، وحذروهم تحذيراً مقترناً بالإستدلال والحرص، وأخيراً بيّنوا لهم عاقبة الإنحراف عن هذا المسير، فالإنحراف عنه هو الضلال المبين.

إنّ هذا الأسلوب في التبليغ والإعلام أُسلوب مؤثر نافع لكلّ فرد ولكلّ فئة.

 

2 ـ أفضل دليل على عظمة القرآن محتواه

يظهر جلياً من الآيات أعلاه ـ وآيات سورة الجن ـ أنّ هذه الفرقة من الجن قد انجذبوا إلى القرآن وانشدوا إليه بمجرّد سماع آياته، ولا يوجد أي دليل على أنّهم قد طلبوا من نبيّ الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) معجزة أُخرى.

لقد اعتبر هؤلاء انسجام القرآن المجيد مع آيات الكتب السابقة من جهة، وأنّه يدعو الى الحق من جهة ثانية، واستقامة برامجه العملية وتخطيطه من جهة ثالثة، كافياً لأن يدل على كونه حقّاً.

والحق أنّ الأمر كذلك، فإنّ التدبّر في محتوى القرآن والتحقيق فيه يغنينا عن الحاجة إلى أي دليل آخر.

إنّ كتاباً لشخص أُمي لم يدرس، وفي محيط مليء بالجهل والخرافات، يكون فيه هذا المحتوى السامي، والعقائد الطاهرة النقية، والتوحيد الخالص، والقوانين المحكمة المنسجمة، والإستدلالات القوية القاطعة، والبرامج المتينة البنّاءة،

[300]

والمواعظ والإرشادات العالية الجلية، وبتلك الجاذبية القوية، والجمال المذهل، كل ذلك يشكل بنفسه أفضل دليل على حقانية هذا الكتاب السماوي، فإنّ ظهور الشمس دليل على ظهورها ـ كما يقول المثل ـ(1).

 

* * *

 

____________________________________

1 ـ كان لنا بحث مفصّل حول إعجاز القرآن في التّفسير الأمثل، ذيل الآية (23) من سورة البقرة.

[301]

الآيات

أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَـوَاتِ وَالاَْرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَـدِر عَلَى أَن يُحِْىَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ( 33 ) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هـذَا بِالْحَقِّ قَالُواْ بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ( 34 ) فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِن نَهَار بَلَـغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَـسِقُونَ( 35 )

 

التّفسير

فاصبر كما صبر أولو العزم:

تواصل هذه الآيات ـ وهي آخر آيات سورة الأحقاف ـ البحث حول المعاد، حيث جاءت الإشارة إلى مسألة المعاد في الآيات السابقة حكاية عن لسان مبلغي الجن. هذا من جهة.

[302]

ومن جهة أُخرى فإنّ سورة الأحقاف تتحدث في فصولها الأولى عن مسألة التوحيد، وعظمة القرآن المجيد، وإثبات نبوة نبي الإسلام(صلى الله عليه وآله وسلم)، وتبحث في آخر فصل من هذه السورة مسألة المعاد لتكمل بذلك البحث في الأصول الإعتقادية الثلاثة.

تقول الآية الأولى: (أوَ لم يروا أنّ الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحي الموتى بلى إنّه على كلّ شيء قدير) فإنّ خلق السماوات والأرض مع موجوداتها المختلفة المتنوعة علامة قدرته تعالى على كلّ شيء، لأنّ كل ما يقع في دائرة مخلوق لله في هذا العالم، فإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن أن يكون عاجزاً عن إعادة حياة البشر؟ وهذا بحدِّ ذاته دليل قاطع مفحم على مسألة إمكان المعاد.

وأساساً فإنّ أفضل دليل على إمكان أي شيء وقوعه، فكيف ندع إلى أنفسنا سبيلاً للشك في قدرة الله المطلقة على مسألة المعاد ونحن نرى نشأة الموجودات الحية وتولدها من موجودات ميتة، وعلى هذا النطاق الواسع؟

هذا أحد أدلة المعاد العدديدة التي يؤكد عليها القرآن ويستند إليها في آيات مختلفة، ومن جملتها الآية (81) من سورة يس(1).

وتجسّد الآية التالية مشهداً من العذاب الأليم المحيط بالمجرمين ومنكري المعاد، فتقول: (ويوم يعرض الذين كفروا على النّار).

أجل، فمرّة تُعرض النّار على الكافرين، وأخرى يعرضون الكافرين على النّار، ولكل من العرضين هدف أشير إليه قبل عدّة آيات.

وعندما يعرضون الكافرين على النّار، ويرون ألسنة لهبها العظيمة المحرقة المرعبة يقال لهم: (أليس هذا بالحق)؟ وهل تستطيعون اليوم أن تنكروا البعث ومحكمة الله العادلة، وثوابه وعقابه، وتقولون: ما هذا إلاّ أساطير الأولين؟

____________________________________

1 ـ طالع التفصيل حول هذا الموضوع، وأدلّة المعاد المختلفة في ذيل آخر آيات سورة يس.

[303]

غير أنّ أُولئك الذين لا حيلة لهم: (قالوا بلى وربّنا) فهنا يقول الله سبحانه، أو ملائكة العذاب: (قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون).

وبهذا فإنّهم يرون كلّ الحقائق بأُم أعينهم في ذلك اليوم ويعترفون بذلك الإعتراف الذي لن ينفعهم، وسوف لن تكون نتيجته إلاّ الهم والحسرة، وتأنيب الضمير والعذاب الروحي.

ويأمر الله سبحانه نبيّه في آخر آية من هذه الآيات، وهي آخر آية في سورة الأحقاف، على أساس ملاحظة ما مرّ في الآيات السابقة حول المعاد وعقاب الكافرين، أن: (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل) فلست الوحيد الذي واجه مخالفة هؤلاء القوم وعداوتهم، فقد واجه أولو العزم هذه المشاكل وثبتوا أمامها واستقاموا، فنبيّ الله العظيم نوح (عليه السلام) دعا قومه (950) سنة، ولم يؤمن به إلاّ فئة قليلة، وكان قومه يؤذونه دائماً، ويسخرون منه.

وألقوا إبراهيم (عليه السلام) في النّار، وهددوا موسى (عليه السلام) بالقتل، وكان قلبه قد امتلأ قيحاً من عصيانهم، وكانوا يريدون قتل المسيح (عليه السلام) بعد أن آذوه كثيراً، فأنجاه الله منهم.

وخلاصة القول: إنّ الأمر كان وما يزال كذلك ما كانت الدنيا، ولا يمكن التغلب على هذه المشاكل إلاّ بقوّة الصبر والإستقامة والثبات.

 

من هم أولو العزم من الرسل؟

هناك بحث واختلاف كبير جدّاً بين المفسّرين في: مَن هم أولو العزم؟ وقبل أن نحقق في هذا، ينبغي أن نحقق في معنى (العزم)، لأنّ (أولو العزم) بمعنى ذوي العزم.

«العزم» بمعنى الإرادة الصلبة القوية، ويقول الراغب في مفرداته: إنّ العزم هو عقد القلب على إمضاء الأمر.

وقد استعملت كلمة العزم في مورد الصبر في آيات القرآن المجيد أحياناً، كقوله

[304]

تعالى: (ولمن صبر وغفر إنّ ذلك لمن عزم الأُمور)(1).

وجاءت أحياناً بمعنى الوفاء بالعهد، كقوله تعالى: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً)(2).

لكن بملاحظة أنّ أصحاب الشرائع والأديان الجديدة من الأنبياء قد ابتلوا بمشاكل أكثر، وواجهوا مصاعب أشد، وكانوا بحاجة إلى عزم وإرادة أقوى وأشد لمواجهتها، فقد أطلق على هذه الفئة من الأنبياء (أولو العزم) والآية مورد البحث إشارة إلى هذا المعنى ظاهراً. وهي تشير ضمناً إلى أن نبيّ الإسلام(صلى الله عليه وآله وسلم)من هذه الفئة، لأنّها تقول: (فاصبر كما صبر أولو العزم).

وإذا كان البعض قد فسّر العزم والعزيمة بمعنى الحكم والشريعة فمن هذه الجهة، وإلاّ فإنّ كلمة العزم لم تأتِ في اللغة بمعنى الشريعة.

وعلى أية حال، فطبقاً لهذا المعنى تكون (من) في (من الرسل) تبعيضية، وإشارة الى فئة خاصّة من الأنبياء كانوا أصحاب شريعة، وهم الذين أشارت إليهم الآية 7 من سورة الأحزاب: (وإذ أخذنا من النبيّين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً).

فقد أشارت الآية إلى هؤلاء الأنبياء الخمسة بعد ذكر جميع الأنبياء بصيغة الجمع، وهذا دليل على خصوصيتهم.

وتتحدث الآية (13) من سورة الشورى عنهم أيضاً، فتقول: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى).

وقد رويت في هذا الباب روايات كثيرة في مصادر الشيعة والسنّة، تدل على أنّ الأنبياء أولي العزم كانوا خمسة، كما ورد في حديث عن الإمامين الباقر

____________________________________

1 ـ الشورى، الآية 43.

2 ـ سورة طه، الآية 115.

[305]

والصادق عليهما السلام: «ومنهم خمسة: أولهم نوح، ثمّ إبراهيم ثمّ موسى، ثمّ عيسى،ثمّ محمّد»(1).

وجاء في حديث آخر عن الإمام علي بن الحسين (عليه السلام): «منهم خمسة أولو العزم من المرسلين: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمّد». وعندما يسأل الراوي: لم سموا (أولو العزم)؟ يقول الإمام (عليه السلام) مجيباً: «لأنّهم بعثوا إلى شرقها وغربها، وجنّها وإنسها»(2).

وكذلك ورد في حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام): «سادة النبيّين والمرسلين خمسة، وهم أولو العزم من الرسل، وعليهم دارت الرحى: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمّد»(3).

وروي هذا المعنى في تفسير الدر المنثور عن ابن عباس أيضاً، بأنّ الأنبياء أولي العزم هم هؤلاء الخمسة(4).

إلاّ أنّ بعض المفسّرين يعتقد أنّ (أولو العزم) إشارة إلى الأنبياء الذين أُمروا بمحاربة الأعداء وجهادهم.

واعتبر البعض عددهم (313) نفراً(5)، ويرى البعض أنّ جميع الأنبياء (أولو عزم) أي أصحاب إرادة(6) صلبة وطبقاً لهذا القول، فإنّ (من) في (من الرسل) بيانية لا تبعيضية.

إلاّ أنّ التّفسير الأوّل أصح منها جميعاً، وتؤيده الروايات الإسلامية.

ثمّ يضيف القرآن بعد ذلك: (ولا تستعجل لهم) أي للكفار لأنّ القيامة ستحل

____________________________________

1 ـ مجمع البيان، المجلد 9، صفحة 94، ذيل الآيات مورد البحث.

2 ـ بحار الأنوار، المجلد 11، صفحة 58، حديث 61، ويتحدث الحديث 55، صفحة 56، من المجلد المذكور بصراحة في هذا الباب.

3 ـ الكافي، المجلد 1، باب طبقات الأنبياء والرسل، حديث 3.

4 ـ الدر المنثور، المجلد 6، صفحة 45.

5 ـ المصدر السابق.

6 ـ المصدر السابق.

[306]

سريعاً، وسيرون بأعينهم ما أطلقوه عليها وادعوه فيها، ويجزون أشدّ العذاب، وعندها سيطلعون على أخطائهم، ويعرفون ما كانوا عليه من الضلالة والغي.

إنّ عمر الدنيا قصير جدّاً بالنسبة إلى عمر الآخرة، حتى: (كأنّهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلاّ ساعة من نهار).

إنّ هذا الإحساس بقصر عمر الدنيا بالنسبة إلى الآخرة، إمّا بسبب أنّ هذه الحياة ليست إلاّ ساعة أمام تلك الحياة الخالدة حقيقة وواقعاً، أو لأنّ الدنيا تنقضي عليهم سريعاً حتى كأنّها لم تكن إلاّ ساعة، أو من جهة أنّهم لا يرون حاصل كلّ عمرهم الذي لم يستغلوه ويستفيدوا منه الإستفادة الصحيحة إلاّ ساعة لا أكثر.

هنا سيغطي سيل الأحزان والحسرة قلوب هؤلاء، ولات حين ندم، إذ لا سبيل الى الرجوع.

لهذا نرى النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد سئل: كم ما بين الدنيا والآخرة؟ فقال: «غمضة عين، ثمّ يقول: قال الله تعالى: (كأنّهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلاّ ساعة من نهار)»(1). وهذا يوحي بأنّ التعبير بالساعة لا تعني مقدار الساعة المتعارفة، بل هو إشارة إلى الزمان القليل القصير.

ثمّ تضيف الآية كتحذير لكلّ البشر «بلاغ»(2) لكلّ أُولئك الذين خرجوا عن خط العبودية لله تعالى.. لأولئك الغارقين في بحر الحياة الدنيا السريعة الزوال والفناء، والعابدين شهواتها.. وأخيراً هو بلاغ لكلّ سكان هذا العالم الفاني.

وتقول في آخر جملة تتضمن استفهاماً عميق المعنى، وينطوي على التهديد: (فهل يهلك إلاّ القوم الفاسقون

* * *

 ____________________________________

1 ـ روضة الواعظين، طبقاً لنقل نور الثقلين، المجلد 5، صفحة 25.

2 ـ «بلاغ» خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: هذا القرآن بلاغ، أو: هذا الوعظ والإنذار بلاغ.

[307]

ملاحظة

كان نبيّ الإسلام مثال الصبر والإستقامة:

إنّ حياة أنبياء الله العظام ـ وخاصة نبيّ الإسلام(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ تبيان لمقاومتهم اللامحدودة أمام الحوادث الصعبة والشدائد العسيرة، والعواصف الهوجاء، والمشاكل القاصمة، ولما كان طريق الحق مليئاً بهذه المشاكل دائماً، فيجب على سالكيه أن يستلهموا العبر من أولئك العظماء في هذا المسير.

إنّنا ننظر عادة من نقطة مضيئة في تاريخ الإسلام إلى أيّام مرّت على الإسلام ونبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) صعبة مظلمة، وهذه النظرة من المستقبل إلى الماضي تجسم الوقائع والحقائق بشكل آخر، فينبغي علينا أن ندرك أنّ النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان وحيداً فريداً لا يرى في أفق الحياة أية علامة للإنتصار.

فأعداؤه شمروا عن سواعدهم للفتك به، حتى أنّ أقاربه وعشيرته كانوا في الخط الأوّل في هذه المجابهة!

كان يذهب دائماً إلى قبائل العرب ويدعوهم، ولكن لم يكن يجيبه أحد.

كانوا يرجمونه حتى تسيل الدماء من عقبيه، لكنه لم يكن يكف عن عمله.

لقد فرضوا عليه الحصار الإجتماعي والإقتصادي والسياسي بحيث أغلقوا جميع الأبواب والطرق بوجهه وبوجه أتباعه، حتى مات بعضهم جوعاً، وأقعد المرض بعضهم الآخر.

لقد مرّت على النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أيّام يصعب على القلم واللسان وصفها، فعندما جاء إلى الطائف ليدعو الناس إلى الإسلام، لم يكتفوا بعدم إجابة دعوته، بل رموه بالحجارة حتى سال الدم من قدميه.

لقد كانوا يحثون الجهلاء من الناس على أن يصرخوا، ويسيؤوا في كلامهم إليه، فيضطر إلى أن يلتجئ إلى بستان ويستظل بظل شجرة، ويناجي ربّه فيقول: «اللّهمَّ إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين: أنت

[308]

رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي...»(1).

كانوا يسمونه ساحراً تارة، وأُخرى يخاطبونه بالمجنون.

كانوا يلقون التراب والرماد على رأسه حيناً، وحيناً يجمعون على قتله، فيحاصرون بيته بالسيوف والرماح.

إلاّ أنّه رغم كلّ تلك الظروف استمر في صبره وصموده واستقامته.

وأخيراً جنى الثمرة الطيبة لهذه الشجرة المباركة، فقد عمّ دينه شرق العالم وغربه، لا جزيرة العرب وحدها، ويدوّي اليوم صوت انتصاره صباح مساء في كلّ أرجاء الدنيا، وفي قارات العالم الخمسة، وهذا هو معنى: (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل).

وهذا هو طريق محاربة الشياطين، وطريق الإنتصار عليهم، والوصول إلى الأهداف الإلهية السامية.

إذا كان الأمر كذلك، فكيف يطمح طلاب الراحة والسلامة إلى أن يصلواإلى أهدافهم الكبيرة من دون صبر وتحمل للعذاب والآلام؟

وكيف يأمل مسلمو اليوم أن ينتصروا على كلّ هؤلاء الأعداء الذين اجتمعت كلمتهم على إفنائهم والقضاء عليهم، دون الإستلهام من دين نبي الإسلام الأصيل؟

والقادة الإسلاميون بخاصة مأمورون بهذا الأمر قبل الجميع، كما ورد في حديث عن أمير المؤمنين علي(عليه السلام): «إنّ الصبر على ولاة الأمر مفروض، لقول الله عزَّ وجلَّ لنبيّه: (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل) وإيجابه مثل ذلك على أوليائه وأهل طاعته بقوله: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)»(2).

اللّهمَّ امنحنا هذه الموهبة العظيمة، هذه العطية السماوية، وهذا الصبر والثبات

____________________________________

1 ـ سيرة ابن هشام، المجلد 2، صفحة 61.

2 ـ احتجاج الطبرسي طبقاً لنقل نور الثقلين، المجلد 5، صفحة 23.

[309]

والإستقامة أمام المشاكل.

اللّهمَّ وفقنا لحفظ مشعل النور الذي حمله أولو العزم من أنبيائك، وخاصة خاتم النبيين محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، من أجل هداية البشرية بعد تحملهم الجهود المضنية، ووفقنا لأن نكون أهلاً لحراسته.

إلهنا! إنّ أعداء الحق متحدون ومتحزّبون ضده، ولا يرتدعون عن إقتراف أية جريمة وجناية، اللّهمَّ فامنحنا صبراً وثباتاً أعظم مما لديهم لئلا نركع أمام سيل المشاكل وعظمتها، ووفقنا لأن نتخطى الأمواج والعواصف ونتركها وراءنا، وهذا لا يتمّ إلاّ بعونك ولطفك اللامحدود.

آمين يا ربّ العالمين.

نهاية سورة الأحقاف

* * *

 




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (11)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 201

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 10108201

  • التاريخ : 28/07/2021 - 16:44

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net