00989338131045
 
 
 
 
 
 

  سورة البقرة ( من آية 1 ـ 21) 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : التبيان في تفسير القرآن ( الجزء الاول)   ||   تأليف : شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي

[47] 

2 - سورة البقرة

وهي مائتان وست وثمانون آية في الكوفي وسبع بصري وخمس مدني وروي أن قوله: واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله - نزلت في حجة الوداع.

الآية: 1 - 9

بسم الله الرحمن الرحيم

الم(1)

آية عند الكوفيين.

المعنى: - واختلف العلماء في معنى أوائل هذه السور مثل (آلم) و (آلمص) و (كهيعص) و (طه) و (صاد) و (قاف) و (حم) وغير ذلك على وجوه فقال بعضهم انها إسم من أسماء القرآن ذهب اليه قتادة ومجاهد وابن جريح وقال بعضهم هي فواتح يفتح بها القرآن روي ذلك عن مجاهد أيضا واختاره البلخي وفائدتها أن يعلم ابتداء السورة وانقضاء ما قبلها وذلك معروف في كلام العرب وأنشد بعضهم بل وبلدة ما الانس من أهلها(1) ويقول آخر بل ما هيج أحزانا وشجوا قد شجا وقوله (بل) ليس من الشعر وانما أراد أن يعلم أنه قطع كلامه وأخذ في غيره وأنه مبتدأ الذي أخذ فيه غير ناسق له على قبله.

وقال بعضهم هي اسم للسورة روي ذلك عن زيد بن أسلم والحسن وقال بعضهم هي اسم الله الاعظم وروي ذلك عن السدي اسماعيل وعن الشعبي وقال بعضهم هي قسم اقسم الله به وهي من اسمائه وروي ذلك عن ابن عباس وعكرمة وقال قوم هي حروف مقطعة من اسماء واقعا كل حرف من ذلك بمعنى غير معنى الحرف الاخر يعرفه النبي صلى الله عليه وآله نحو قال الشاعر:

نادوهم أن ألجموا ألاتا *** قالوا جميعا كلهم ألافا

___________________________________

(1) في اللسان وفي تفسير الطبري (اهالها)

[48]

يريد ألا تركبون قالواألا فاركبوا وقال آخر: قلنا لها قفي فقالت قاف بمعنى قالت انا واقفه روى ذلك أبوالضحى عن ابن عباس وعن ابن مسعود وجماعة من الصحابة وقال بعضهم هي حروف هجاء موضوعة روي ذلك عن مجاهد وقال بعضهم هي حروف هجاء يشتمل كل حرف على معان مختلفة روي ذلك عن أنس واختاره الطبري وقال بعضهم هي حروف من حساب الجمل وقال بعضهم لكل كتاب سر وسرالقرآن في فواتحه هذه أقوال المفسرين.

فاما أهل اللغة فانهم اختلفوا فقال بعضهم هي حروف المعجم استغني بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تمام ثمانية وعشرين حرفا كما يستغنى بذكر أب ت ث عن ذكر الباقي وبذكر قفانبك عن ذكر باقي القصيدة قالوا ولذلك رفع ذلك الكتاب لان معناه عن الالف واللام والميم من الحروف المقطعة.

وقوله: ذلك الكتاب

الذي أنزلته اليك مجموعا لا ريب فيه كما قالوا في أبي جاد أب ت ث ولم يذكروا باقي الحروف.

وقال راجز بني أسد:

لما رأيت أمرها في حطي *** أخذت منها بقرون شمط

فاراد الخبر عن المرأة بانها من أبي جاد فاقام قوله في حطي مقامه لدلالة الكلام عليه وقال آخرون بل ابتدئت بذلك أوائل السور ليفتح لاستماعه أسماع المشركين اذ تواصوا بالاعراض عن القرآن حتى اذا استمعوا له تلا عليهم آلم وقال بعضهم الحروف التي هي اوائل السور حروف يفتتح الله بها كلامه.

وقال ابومسلم: المراد بذلك ان هذا القرآن الذى عجزتم عن معارضته ولم تقدروا على الاتيان بمثله هو من جنس هذه الحروف التي تتحاورون بها في كلامكم وخطابكم فحيث لم تقدروا عليه فاعلموا انه من فعل الله وانما كررت في مواضع استظهارا في الحجة وحكي ذلك عن قطرب وروي في اخبارنا ان ذلك من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله واختاره الحسين بن علي المغربي واحسن الوجوه التي قبلت قول من قال: انها اسماء للسور خص الله تعالى بها بعض السور بتلك كما قيل للمعوذتين:

[49]

المقشقشتان أي تبرء‌ان من النفاق وكما سميت الحمد أم القرآن وفاتحة الكتاب ولا يلزم أن لا تشترك سورتان أو ثلاث في إسم واحد وذلك أنه كما يشترك جماعة من الناس في إسم واحد فاذا اريد التمييز زيد في صفته وكذلك اذا أرادوا تمييز السورة قالوا: الم ذلك الم الله الم وغير ذلك وليس لاحد أن يقول: كيف تكون أسماء للسور والاسم غير المسمى فكان يجب ألا تكون هذه الحروف من السورة وذلك خلاف الاجماع قيل: لايمتنع أن يسمى الشئ ببعض ما فيه ألا ترى انهم قالوا: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة ولا خلاف انها اسماء للسور وان كانت بعضا للسور ومن فرق بين الاشخاص وغيرها في هذا المعنى: فاوجب في الاشخاص أن يكون الاسم غير المسمى ولم يوجب في غيرها فقد أبعد لانه لا فرق بين الموضعين على ما مضى القول فيه ولا يلزم أن تسمى كل سورة بمثل ذلك لان المصلحة في ذلك معتبرة وقد سمى الله كل سورة بتسمية تخصها وإن لم تكن من هذا الجنس كما انه لما سمى الحمد باسمائها لم يلزم ذلك في كل سورة وقيل انها أوائل أسماء يعلم النبي صلى الله عليه وآله تمامها والغرض بها نحو ما رويناه عن ابن عباس كما قال الشاعر: سألتها الوصل فقالت: قاف يعني: وقفت وقال آخر: بالخير خيرات وإن شرافا يريد: فشرا وقال آخر: ولا أريد الشر إلا أن تا يعني: إلا أن تشاء وقال آخر:

ما للظليم(1) عال(2) كيف لا يا *** ينقد عنه جلده اذا يا

___________________________________

(1) الظليم: ذكر النعام.

(2) عال: دعاء عليه من قولهم: عال عوله أي ثكلته أمه فاختصر في الطبعة الايرانية " غال " بدل " عال " و " ينقل " بدل " ينقد " و " جلد " بدل " جلده " والصحيح ما ذكرناه.

[50]

أي: اذا يفزع فعلى هذا يحتمل ان يكون الالف: انا واللام: الله والميم: اعلم وكذلك القول في لحروف وعلى هذا لا موضع (لالف لام ميم) من الاعراب وعلى قول من قال انها اسماء السور موضعها الرفع كأنه قال هذه الم او يكون ابتداء‌ه ويكون خبره ذلك الكتاب واجمع النحويون على ان هذه الحروف وجميع حروف الهجاء مبنية على الوقف لا تعرب كما بني العدد على الوقف ولاجل ذلك جاز ان يجمع بين ساكنين كما جاز ذلك في العدد تقول واحد اثنان ثلاثة اربعة فتقطع الف اثنين وهي الف وصل وتذكر الهاء في ثلاثة واربعة فلو لم تنو الوقف لقلت ثلاث بالثاء وحكي عن عاصم في الشواذ وغيره آلم الله بقطع الهمزة الباقون بفتح الميم وقالوا فتح الميم لا لتقاء الساكنين وقال قوم: لانه نقل حركة الهمزة اليه واختار ابوعلي الاول لان همزة الوصل تسقط في الوصل فلا يبقى هناك حركة تنقل وانشد في نقل حركة همزة الوصل قول الشاعر

اقبلت من(1) عند زياد كالخرف *** تخط رجلاي بخط مختلف

فيكتبان في الطريق لام الف ومتى أجريتها مجرى الاسماء لا الحكاية واخبرت عنها.

قلت: هذه كاف حسنة وهذا كاف حسن وكذلك باقي الحروف فتذكر وتؤنث فمن أنث قصد الكلمة ومن ذكر قصد الحرف.

فأما إعراب: ابي جاد هواز وحطي وكلمن فزعم سيبويه انها مصروفات تقول: علمت ابا جاد ونفعني ابوجاد وانتفعت بأبي جاد وكذلك هواز وهواز وهوازا وحطيا وحطي وحطي وأما كلمن وسعفص وقرشيات فأعجميات تقول: هذه كلمن وتعلمت كلمن وانتفعت بكلمن وكذلك سعفص وقرشيات اسم للجمع مصروفة لاجل الالف والتاء وأما معنى ابي جاد .

فقال الضحاك: انها اسماء الايام الستة التي خلق الله تعالى فيها الدنيا وقال الشعبي: انها أسماء ملوك مدين وانشد:

___________________________________

(1) قي الطبعة الايرانية " عن " والصحيح ما ذكرنا.

[51]

ألا يا شعيب قد نطقت مقالة *** سببت بها عمروا وأوحى بني عمرو

ملوك بي حطي وهواز منهم *** وسعفص أهل للمكارم والفخر

هم صبحوا أهل الحجاز بغارة *** لميل شعاع الشمس أو مطلع الفجر

وروي عن ابن عباس ان لابي جاد حديثا عجيبا ابي: آدم جد في اكل الشجرة " وهواز: فزل آدم فهوى من السماء إلى الارض واما حطي فحطت عنه خطيئته واما كلمن فأكل من الشجرة ومن عليه بالتوبة وسعفص: وعصى آدم فاخرج من النعيم إلى الكبد(1) وقرشيات: اقر بالذنب فسلم من العقوبة وهذا خبر ضعيف يتضمن وصف آدم وهو نبي بما لا يليق به.

وقال قوم: انها حروف من أسماء الله وروي ذلك عن معاوية بن قرة عن النبي صلى الله عليه وآله.

" ذلك الكتاب "

هذه لفظة يشاربها إلى ما قرب وذلك إلى ما بعد وذاك إلى ما بينهما ويحتمل أن يكون معنى ذلك ههنا هذا على قول عكرمة وجماعة من أهل العربية كالاخفش وأبي عبيدة وغيرهما قال:

أقول له والرمح يأطر(2) متنه *** تأمل خفافا انني أنا ذلكا

أي انني انا هذا.

وقال تعالى ذلك عالم الغيب والشهادة وهو موجود في الحال وانما جاز أن يستعمل هذا وهي اشارة إلى حاضر بمعنى ذلك وهي اشارة إلى غايب لانه كالحاضر عند الغايب ألا ترى ان الرجل يحدث حديثا فيقول السامع هذا كما قلت وربما قال ان ذلك كما قلت وانما جاز ذلك لقرب جوابه من كلام المخبر وكذلك لما قال تعالى (آلم) وذكرنا معنى ذلك قال لنبيه: يا محمد هذا الذي ذكرته وبينته ذلك الكتاب فلذلك حسن وضع ذلك في مكان هذا إلا أنه اشارة إلى ما مضى.

وقال قوم: ان معناه ذلك الكتاب الذي وعدوا به على لسان موسى وعيسى كما قال الذين اتيناهم الكتاب

___________________________________

(1) الكبد: الشدة.

(2) في الطبعة الايرانية (ناظر) والصحيح ما ذكرناه كما في الاغاني

[52]

يعرفونه كما يعرفون ابناء‌هم يعني: هذا ذلك الكتاب وقال قوم: انما اشار إلى ما كان نزل من القرآن بمكة من السور فقال ذلك والاول اقوى لانه اشبه باقوال المفسرين واما من حمل على انه اشار به إلى التوراة والانجيل فقد ابطل لانه وصفه بانه لا ريب فيه وانه هدى للمتقين وصف ما في ايديهم بانه مغير محرف في قوله: " يحرفون الكلم عن مواضعه "(1)

قوله تعالى: لاريب فيه

القراء‌ة: قرأ ابن كثير بوصل الهاء بياء في اللفظ وكذلك كل هاء كناية قبلها ياء ساكنة فان كان قبلها ساكن غير الياء وصلها بالواو ووافقه حفص في قوله: فيه مهانا ووافقه المنسى في قوله: واشركه في أمري ووافقه قتيبة في قوله: فملاقيه وسأصليه فمن كسر الهاء مع ان الاصل الضمة فلاجل الياء والكسرة اللتين قبلها والهاء تشبه الالف لانها من حروف الحلق ولما فيها من الخفاء: فكما نحوا بالالف نحو الياء بالامالة لاجل الكسرة والياء كذلك كسروا الهاء للكسرة والياء لتتجانس الصورتان وذلك حسن وتركوا الاشباع كراهية اجتماع المقاربة كما كرهوا اجتماع الامثال ومن أشبع وأتبعها الياء فان الهاء وإن كانت خفية فليس يخرجها ذلك من ان تكون كغيرها من حروف المعجم التي لا خفاء فيها نحو الراء والصاد وان الهاء والنون عند الجميع في وزن الشعر بمنزلة الراء والصاد وان كان في الراء تكرير وفي الصاد استطالة فاذا كان كذلك كان حجزها بين الساكنين كحجز غيرها من الحروف التي لا خفاء فيها.

المعنى: ومعنى لا ريب فيه أي لا شك فيه والريب الشك وهو قول ابن عباس ومجاهد وعطاء والسدي وغيرهم وقيل: هو أشد الشك وهو مصدر رابني الشئ

___________________________________

(1) سورة النساء آية 45

[53]

يريبني قال ساعدة بن جويه الهذلي:

وقالوا تركن الحي قد حصروا به *** فلا ريب ان قد كان ثم لحيم

أي أطافوا به واللحيم القتيل يقال لحم اذا قتل والهاء فيه عائدة على الكتاب ويحتمل ان يكون لا ريب فيه خبرا والمعنى انه حق في نفسه ولا يكون المراد به انه لا يقع فيه ريب لان من المعلوم أن الريب واقع فيه من الكفار وفي صحته ويجري ذلك مجرى الخبر اذا كان مخبره على ما هو به في أنه يكون صدقا وان كذبه قوم ولم يصدقوه ويحتمل أن يكون معناه الامر أي تيقنوه ولا ترتابوا فيه.

قوله تعالى: هدى للمتقين(2)

المعنى: معناه نور وضياء ودلالة للمتقين من الضلالة وانما خص المتقين بذلك وان كان هدى لغيرهم من حيث انهم هم الذين اهتدوا به وانتفعوا به كما قال: " انما تنذر من اتبع الذكر "(1) وان كان انذر من لم يتبع الذكر ويقول القائل: في هذا الامر موعظة لي اولك وان كان فيه موعظة لغيرهما ويقال هديت فلانا الطريق اذا ارشدته ودللته عليه أهديه هداية.

الاعراب: ويحتمل ان يكون منصوبا على الحال من الكتاب وتقديره ذلك الكتاب هاديا للمتقين وذلك يكون مرفوعا بآلم والكتاب نعت لذلك ويحتمل ان يكون حالا من الهاء في (فيه) كأنه قال: لا ريب فيه هاديا ويحتمل ان يكون رفعا من وجوه: أولها - ان يكون خبرا بعد خبر كأنه قال: هذا كتاب هدى أي قد جمع انه الكتاب الذي وعدوا به وانه هدى كما يقولون: هذا حلو حامض يريدون انه

___________________________________

(1) سورة يس آية 11

[54]

قد جمع الطعمين ويحتمل ان يكون رفعا بانه خبر ابتداء محذوف وتقديره هو هدى لان الكلام الاول قد تم ويحتمل ان يكون رفعه على قولك ذلك الكتاب لا ريب كأنك قلت: هذا الكتاب حق لان لا شك بمعنى حق ثم قال بعد ذلك فيه هدى للمتقين وهدى يذكر في جميع اللغات وحكي عن بعض بني اسد هذه هدى حسنة تدغم النون في اللام عند الاكثر (والمتقين) مجرور باللام والمتقي هو الذي يتقي بصالح اعماله عذاب الله مأخوذ من اتقاء المكروه بما يجعله حاجزا بينه وبينه كما قال ابوحية النميري:

والقت قناعا دونه الشمس واتقت *** باحسن موصولين كف ومعصم

وقيل ان المتقين هم الذين اتقوا ما حرم عليهم وفعلوا ما وجب عليهم وقيل ان المتقين هم الذين يرجون رحمة الله ويحذرون عقابه وقيل ان المتقين هم الذين اتقوا الشرك وبرئوا من النفاق وهذا الوجه ضعيف لانه يلزم عليه وصف الفاسق المتهتك بانه متق اذا كان بريا من الشرك والنفاق وأصل الاتقاء الحجز بين الشيئين ومنه اتقاه بالترس لانه جعله حاجزا بينه وبينه واتقاه بحق كذلك ومنه الوقاية لانها تحجز بين الرأس والاذى ومن التقية في اظهار خلاف الابطان والفرق بينه وبين النفاق: ان المنافق يظهر الخير ويبطن الشر والمتقي يظهر القبيح ويبطن الحسن ويقال وقاه يقيه وقاية وتوقاه توقيا.

قوله تعالى: الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلوة ومما رزقناهم ينفقون(3) آية

بلا خلاف الذين في موضع خفض لانه نعت للمتقين ويجوز ان يكون رفعا على الابتداء (ويؤمنون) رفع لانه فعل مستقبل والواو والنون في موضع رفع لانه كناية عن الفاعل والنون الاخيرة مفتوحة لانها نون الجمع والصلاة نصب لانها مفعول به والايمان في اللغة هو التصديق منه قوله: وما انت بمؤمن لنا أي بمصدق لنا وقال: (يؤمنون بالجبت والطاغوت)(1)كذلك هو في الشرع

___________________________________

(1) سورة النساء آية 50

[55]

عند أكثر المرجئة والمراد بذلك التصديق بجميع ما اوجب الله او ندبه او اباحة وهو المحكي عن ابن عباس في هذه الآية لانه قال: الذين يصدقون بالغيب.

وحكى الربيع بن انس انه قال: الذين يخشون بالغيب وقال: معناه يطيعون الله في السر والعلانية وقيل: إن الايمان مشتق من الامان والمؤمن من يؤمن نفسه من عذاب الله والله المؤمن لاوليائه من عذابه وذلك مروي في اخبارنا.

وقالت المعتزلة باجمعها: الايمان هو فعل الطاعة ومنهم من اعتبر فرائضها ونوافها ومنهم من اعتبر الواجب منها لا غير واعتبروا اجتناب الكبائر من جملتها.

وروي عن الرضا عليه السلام: ان الايمان هو التصديق بالقلب والعمل بالاركان والقول باللسان وقد بينا الاقوى من ذلك في كتاب الاصول.

واما (الغيب) فحكي عن ابن عباس انه قال: ماجاء من عند الله وقال جماعة من الصحابة كابن مسعود وغيره: ان الغيب ماغاب عن العباد علمه من امر الجنة والنار والارزاق والاعمال وغير ذلك وهو الاولى لانه عام ويدخل فيه ما رواه اصحابنا من زمان الغية ووقت خروج المهدي عليه السلام.

وقال قوم الغيب هو القرآن حكي ذلك عن زر بن جيش وذكر البلخي ان الغيب كل ما ادرك بالدلائل والآيات مما تلزم معرفته.

وقال الرماني: الغيب خفاء الشئ عن الحس قرب أو بعد إلا انه قد كثرت صفة الغائب على البعيد الذي لا يظهر للحس واصل الغيب من غاب يقولون: غاب فلان يغيب وليس الغيب ما غاب عن الادراك لان ما هو معلوم وان لم يكن مشاهدا لا يسمى غيبا والاولى ان تحمل الآية على عمومها في جميع من يؤمن بالغيب.

وقال قوم: انها متناولة لمؤمني العرب خاصة دون غيرهم من مؤمني أهل الكتاب قالوا بدلالة قوله فيما بعد (والذين يؤمنون بماانزل اليك وما انزل من قبلك) قالوا ولم يكن للعرب كتاب قبل الكتاب الذي انزله الله على نبيه تدين بتصديقه وانما الكتاب لاهل الكتابين وهذا غير صحيح لانه لا يمنع أن تكون الآية الاولى عامة في جميع المؤمنين المصدقين بالغيب وإن كانت الآية الثانية خاصة في قوم لان تخصيص الثانية لايقتضي

[56]

تخصيص الاولى.

وقال قوم: انهما مع الايتين اللتين بعدهما أربع آيات نزلت في مؤمني أهل الكتاب لانه ذكرهم في بعضها وقال قوم: ان الاربع آيات من أول السورة نزلت في جميع المؤمنين واثنتان نزلتا في نعت الكافرين وثلاثة عشر في المنافقين وهذا أقوى الوجوه لانه حمل على عمومه وحكي ذلك عن مجاهد وقوله: " يقيمون الصلاة " فاقامتها أداؤها بحدودها وفرائضها وواجباتها كما فرضت عليهم يقال: أقام القوم سوقهم إذا لم يعطلوها من البيع والشراء قال الشاعر:

أقمنا لاهل العراقين سوق الضراب فخاموا وولوا جميعا

وقال أبومسلم محمد بن بحر: معنى (يقيمون الصلاة) يديمون أداء فرضها يقال للشئ الراتب قائم ولفاعله مقيم ومن ذلك: فلان يقيم أرزاق الجند وقيل انه مشتق من تقويم الشئ من قولهم: قام بالامر إذا أحكمه وحافظ عليه قيل انه مشتق مما فيه من القيام ولذلك قيل قد قامت الصلاة وأما الصلاة فهي الدعاء في اللغة، قال الشاعر:

وقابلها الريح في دنها(1) *** وصلى على دنها وارتسم

أي دعا لها وقال الاعشى:

لها حارس لا يبرح الدهر بيتها *** فان ذبحت صلى عليها وزمزما(2)

يعني دعا لها.

وأصل الاشتقاق في الصلاة من اللزوم من قوله تصلى نارا حامية والمصدر الصلا ومنه اصطلى بالنار إذا لزمها والمصلى الذي يحبئ في اثر السابق للزوم أثره ويقال للعظم الذي في العجز صلوا وهما صلوان فأما في الشرع ففي الناس من قال إنها تخصصت بالدعاء والذكر في موضع مخصوص ومنهم من قال وهو الصحيح انها في الشرع عبارة عن الركوع والسجود على وجه مخصوص وأركان واذ كار مخصوصة قيل انها سميت صلاة

___________________________________

(1) وفي رواية: ظلها.

(2) الزمزمة: صوت بعيد له دوي.

[57]

لان المصلي متعرض لا ستنجاح طلبته من ثواب الله ونعمه مع ما يسأل ربه فيها من حاجاته وأما الرزق فهو ماللحي الانتفاع به على وجه لا يكون لاحد منعه منه وهذا لا يطلق إلا فيما هو حلال فأما الحرام فلا يكون رزقا لانه ممنوع منه بالنهي ولصاحبه أيضا منعه منه ولانه أيضا مدحهم بالانفاق مما رزقهم والمغصوب والحرام يستحق الذم على إنفاقه فلا يجوز أن يكون رزقا وقوله (ومما رزقناهم ينفقون) حكي عن ابن عباس انها الزكاة المفروضة يؤتيها احتسابا وحكي عن ابن مسعود أنها نفقة الرجل على أهله لان الآية نزلت قبل وجوب الزكاة .

وقال الضحاك: هو التطوع بالنفقة فيما قرب من الله والاولى حمل الآية على عمومها فيمن أخرج الزكاة الواجبة والنفقات الواجبة وتطوع بالخيرات وأصل الرزق الحظ لقوله: "وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون "(1): أي حظكم وما جعله حظا لهم فهو رزقهم والانفاق أصله الاخراج ومنه قيل: نفقت الدابة إذا خرجت روحها والنافقاء جحر اليربوع من ذلك لانه يخرج منها ومنه النفاق لانه يخرج إلى المؤمن بالايمان والى الكافر بالكفر.

قوله تعالى: والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالاخرة هم يوقنون(4)

آية

القراء‌ة: لا يمد القراء الالف من ما إلا حمزة فانه مدها وقد لحن في ذلك وكان

___________________________________

(1) سورة الواقعة آية 82.

[58]

يقف قبل الهمزة فيقرأ: وبالاخرة تسكينا على اللام شيئا ثم يبتدئ بالهمزة وكذلك الارض وشئ يقطع عند الياء من شئ كأنه يقف ثم يهمز وموضع (ما) خفض بالباء ويكره الوقف على (ما) لان الالف حرف منقوص.

التفسير: وقال قتادة: " ماأنزل إليك " القرآن " وماأنزل من قبلك " الكتب الماضية وقد بينا أن الاولى حمل الايه على عمومها في المؤمنين وذكرنا الخلاف فيه والاخرة صفة الدار فحذف الموصوف قال الله تعالى: " وإن الدار الاخرة لهي الحيوان "(1) ووصفت بذلك لمصيرها آخرة لاولى قبلها كما يقال: جئت مرة بعد أخرى ويجوز أن يكون سميت بذلك لتأخيرها عن الخلق كما سميت الدنيا دنيا لدنوها من الخلق وإيقانهم ما جحده المشركون من البعث والنشور والحساب والعقاب وروي ذلك عن ابن عباس والايقان بالشئ هو العلم به وسمي يقينا لحصول القطع عليه وسكون النفس إليه.

قوله تعالى: أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون(5)

القراء‌ة: اولئك بهمزتين وفيهم من يخففهما وحمزة يمد اولئك واولئك اسم مبهم يصلح لكل حاضر تعرفه الاشارة كقولك ذاك في الواحد وأولاء جمع ذاك في المعنى ومن قصر قال أولا وأولالك واذا أمددته لم يجز زيادة اللام لئلا يجتمع ثقل الهمزة وثقل الزيادة وتقول: أولاء للقريب وها أولئك للبعيد وأولئك للمتوسط واضيف الهدى إلى الله لاحد الامرين: احدهما: لما فعل بهم من الدلالة على الهدى والايضاح له والدعاء اليه الثاني: لانه يثيب عليه فعلى هذا يضاف الايمان بأنه هداية من الله

___________________________________

(1) سورة العنكبوت آية 64

[59]

(وهدى) في موضع خفض بعلى ومعنى (على هدى): أي على حق وخير بهداية الله إياهم ودعائه إلى ما قالوا به ومن قال: هم على نور واستقامة أو بيان ورشد فهو داخل تحت ما قلنا والاولى أن يكون ذلك عاما فيمن تقدم ذكره في الايتين ومن خص ذلك فقد ترك الظاهر لان فيهم من خصها بالمعنيين في الآية الاولى وفيهم من خصها بالمذكورين في الآية الثانية وقد بينا أن الجمع محمول على العموم وحملها على العموم في الفريقين محكي عن ابن عباس وابن مسعود (والمفلحون) هم المنجحون الذين أدركوا ما طلبوا من عند الله بأعمالهم وإيمانهم والفلاح: النجاح.

قال الشاعر:

اعقلي إن كنت لما تعقلي *** ولقد أفلح من كان عقل

يعني من ظفر بحاجته وأصاب خيرا وتقول أفلح يفلح إفلاحا وتقول فلح يفلح فلاحا وفلاحا والفلاح البقاء أيضا .

قال لبيد:

نحل بلادا كلها حل قبلنا *** ونرجو فلاحا(1) بعد عاد وحمير

يعني البقاء وأصل الفلح القطع فكأنه قطع لهم بالخير ومنه قيل للاكار فلاحا لانه يشق الارض والفلاح المكاري لانه يقطع الارض .

قال الشاعر:

إن الحديد بالحديد يفلح

وفى اولئك لغات: فلغة أهل الحجاز: أوليك بالياء وأهل نجد وقيس وربيعة وأسد يقولون: اولئك بهمز وبعض بني سعيد من بني تميم يقولون: الاك مشددة وبعضهم يقول: الالك.

قال الشاعر:

ألالك قوم لم يكونوا أشابة(2) *** وهل يعظ الضليل إلا ألالكا

وهم دخلت للفصل .

قوله تعالى: إن الذين كفروا سواء عليهم ء‌أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون(6)

آية

النزول: نزلت في أبي جهل وفي خمسة من قومه من قادة الاحزاب قتلوا يوم بدر في قول الربيع بن أنس واختاره البلخي والمغربي.

وقال ابن عباس: نزلت في قوم

___________________________________

(1) وفي نسخة (الفلاح).

(2) لاشابة من الناس الاخلاط

[60]

باعيانهم من أحبار اليهود ذكرهم باعيانهم من اليهود الذين حول المدينة .

وقال قوم: نزلت في مشركي العرب واختار الطبري قول ابن عباس والذي نقوله إنه لابد أن تكون الآية مخصوصة لان حملها على العموم غير ممكن لانا علمنا أن في الكفار من يؤمن فلايمكن العموم وأما القطع على واحد مما قالوه فلا دليل عليه ويجب تجويز كل واحد من هذه الاقوال ومن مات منهم على كفره يقطع على أنه مراد بالآية فعلى هذه قادة الاحزاب مرادون على ما قال ربيع بن انس ومن قتل يوم بدر كذلك .

ومن قال ان الآية مخصوصة بكفار اهل الكتاب قال: لان ماتقدمها مختص بمؤمنيهم فيجب ان يكون ما يعقبها مختصا بكفارهم وقد قلنا إن الآية الاولى حملها على عمومها اولى ولو كانت خاصة بهم لم يجب حمل هذه الآية على الخصوص لما تقدم فيما مضى والذين نصب بأن. والكفر هو الجحود والستر ولذلك سمي الليل كافرا لظلمته.

قال الشاعر:

فتذكرا نقلا رشيدا بعد ما *** القت ذكاء(1) يمينها في كافر

وقال لبيد: في ليلة كفر النجوم غمامها يعني غطاها والكافور اكمام الكرم الذي يكون فيه والكفري وعاء الطلعة لانه يستر اللب ومنه قوله تعالى: (كمثل غيث أعجب الكفار نباته)(2) سمي الزارع كافرا لتغطيته البذر ويقال فلان متكفر بالسلاح اذا تغطى به.

وفي الشرع عبارة عمن جحد ما اوجب الله عليه معرفته من توحيده وعدله ومعرفة نبيه والاقرار بما جاء به من اركان الشرع فمن جحد شيئا من ذلك كان كافرا وربما تعلقت به احكام مخصوصة من منع الموارثة والمناكحة والمدافنة والصلاة عليه وربما لم يتعلق بحسب الدليل عليه.

قوله تعالى: " سواء عليهم ء‌أنذرتهم "

جمع بين الهمزتين أهل الكوفة وابن عامر

___________________________________

(1) وتصحيح البيت: ثقلا بدل نقلا ورثيدا بدل رشيدا ورثد المتاع وغيره فهو مرثود: وضع بعضه فوق بعض والثقل بيض النعام ذكاء: الشمس.

(2) سورة الحديد آية: 20.

[61]

إلا الحلواني وكذلك في كل همزتين في كلمة واحدة اذا كانت الاولى للاستفهام إلا في مواضع مخصوصه نذكرها فيما بعد الباقون بتخفيف الاولى وتليين الثانية وفصل بينهما بالالف أهل المدينة إلا ورشا وابا عمرو والحلواني عن هشام ومعنى قوله (سواء) أي معتدل مأخوذ من التساوي كقولك متساو وتقول: هذان الامران عندي سواء أي معتدلان ومنه قوله: (فانبذ اليهم على سواء)(1) عني بذلك اعلمهم وآذنهم للحرب ليستوي علمك وعلمهم بما عليه كل فريق منكم للاخر ومعناه: أي الامرين كان منك اليهم الانذار أم ترك الانذار فانهم لا يؤمنون.

وقال عبدالله بن قيس الرقيات:

تعدت بي الشهباء نحو ابن جعفر *** سواء عليها ليلها ونهارها

يعني بدلك عندها معتدل في السير الليل والنهار لانها لا فتور فيه ومنه قول الاخر:

وليل يقول المرء من ظلماته *** سواء صحيحات العيون وعورها

لان الصحيح لا يبصر فيه إلا بصرا ضعيفا من ظلمته وهذا لفظه لفظ الاستفهام ومعناه الخبر وله نظائر في القرآن كما تقول ما أبالي أقمت أم قعدت وانت مخبر لامستفهم لانه وقع موقع أي كأنك قلت لا أبالي أي الامرين كان منك وكذلك معنى الآية: سواء عليهم أي هذين منك اليهم حسن في موضعه سواء فعلت أم لم تفعل.

وقال بعض النحويين ان حرف الاستفهام انما دخل مع سواء وليس باستفهام لان المستفهم اذا استفهم غيره قال: أزيد عندك أم عمرو ويستفهم صاحبه ايهما عنده وليس احدهما احق بالاستفهام من الاخر فلما كان قوله: (سواء عليهم ء‌أنذرتهم أم لم تنذرهم) بمعنى التسويه أشبه ذلك الاستفهام اذ شبهه بالتسوية وقال جرير:

الستم خير من ركب المطايا *** واندى العالمين بطون راح

فهذا في صورة الاستفهام وهو خبر لانه لو أراد الاستفهام لما كان مدحا.

___________________________________

(1) سورة الانفال آية 59

[62]

وقال آخر:

سواء عليه أي حين أتيته *** أساعة نحس تتقى أم باسعد

ولا يجوز أن تقع أو في مثل هذا مكان أم لان أم هي التي تعادل بها الهمزة لا أو والفرق بينهما ان أو يستفهم بها عند أحد الامرين هل حصل أم لا وهو لا يعلمها معا كقول القائل: أذن أو أقام؟ اذ المراد تعلمهما فاذا علم واحدا منهما ولم يعلمه بعينه قال إذن أم اقام؟

يستفهم عن تعيين أحدهما هذا في الاستفهام وفي الخبر تقول: لا أبالي أقمت أم قعدت أي هما عندي سواء ولا يجوز ان تقول لا أبالي أقمت أو قعدت لانك ليت بمستفهم من شئ وحكي عن عاصم الجحدري انه قرأ سواو بواو مضمومة لا بهمزة وهذا غلط لان العرب كلها تهمز ما بعده مده يقولون: كساء ورداء وهواء وجزاء وغير ذلك وأما الانذار فهو اعلام وتخويف وكل منذر معلم وليس كل معلم منذرا وقد سمى الله نفسه بذلك فقال: (انا انذرناكم عذابا قريبا)(1) ان الاعلام يجوز وصفه به والتخويف أيضا كذلك في قوله: (ذلك يخوف الله به عباده) فاذا جاز وصفه بالمعنيين جاز وصفه بلفظ يشتمل عليهما وانذرت فعل متعد إلى مفعولين كقوله تعالى: (انذرتكم صاعقة) (وانا انذرناكم عذابا قريبا) وقد ورد معدا بالباء في قوله تعالى: (قل انما انذركم بالوحي)(2) قيل الانذار هو التحذير من مخوف يتسع زمانه الاحتراز فان لم يتسع زمانه للاحتراز كان اشعارا ولم يكن انذارا.

قال الشاعر:

انذرت عمرا وهو في مهل *** قبل الصباح فقد عصى عمرو

فان قيل الذين علم الله منهم انهم لا يؤمنون هل كانوا قادرين على الايمان أم لا؟ فان قلتم ما كانوا قادرين وقد كلفهم الله تعالى الايمان فقد كلفهم ما لا يقدرون عليه وهذا لا يجوز - وان كانوا قادرين - فقد قلتم: انهم كانوا قادرين على تجهيل الله قلنا: هذا يلزم المخالف مثله فانه لا خلاف أنهم مأمورون

___________________________________

(1) سورة النساء: آية 40.

(2) سورة انبياء: آية 45.

[63]

بالايمان فيقال لهم: انه لا يجب ذلك كما لا يجب اذا كانوا مأمورين بالايمان ان يكونوا مأمورين (بابطال ما علم الله)(1) ليس الله قد علم انه لا يقيم القيامة اليوم؟ ايقولون: انه قادر على اقامتها أم لا؟ فان قلتم: انه لا يقدر فقد عجزتم الله وان قلتم: انه يقدر فقد قلتم: انه يقدر على ان يجهل نفسه والجواب الصحيح عن ذلك: أن العلم يتناول الشئ على ما هو به ولا يجعله على ما هو به فليس يمتنع ان يعلم حصول شئ بعينه وان كان غيره مقدورا ألا ترى أن من خير بين الصدق والكذب وقد علم أن كل واحد منهما يقوم مقام صاحبه في باب الغرض وقد علم قد علم قبح الكذب وحسن الصدق لا يجوز أن يختار الكذب على الصدق - وان كان قادرا على الكذب - فبان بذلك صحة ما قلناه.

قوله تعالى: ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم(7)

آية

القراء‌ة: أجمع القراء السبعة على كسر الغين وضم التاء وروي عن بعض القراء فتح الغين وعن الحسن ضم الغين وحكي عن عاصم في الشواذ: غشاوة بنصب التاء ولايقرأ بجميع ذلك.

التفسير: (ختم الله على قلوبهم) أي شهد عليها بانها لا تقبل الحق يقول القائل: أراك تختم على كل ما يقولون فلان أي تشهد به وتصدقه وقد ختمت عليك بانك لا تعلم أي شهدت وذلك استعارة وقيل ان ختم بمعنى طبع فيها أثرا للذنوب كالسمة والعلامة لتعرفها الملائكة فيتبرء‌وا منهم ولا يوالوهم ولا يستغفروا لهم مع استغفارهم للمؤمنين وقيل: المعنى في ذلك أنه ذمهم بانها كالمختوم عليها في انها لا يدخلها الايمان ولايخرج عنها الكفر.

___________________________________

(1) مابين القوسين وضعه المصحح في الطبعة الايرانية

[64]

قال الشاعر:

لقد أسمعت لو ناديت حيا *** ولكن لا حياة لمن تنادي

أي كأنه لا حياة فيه والختم آخر الشئ ومنه قوله تعالى: (ختامه مسك)(1) منه: خاتم النبيين أي آخرهم ومنه: ختم الكتاب لانه آخر حال الفراغ منه والختم الطبع والخاتم الطابع وما يختم الله على القلوب من السمة والعلامة التي ذكرناها ليست بمانعة من الايمان كما أن ختم الكتاب والظرف والوعاء لا يمنع من أخذ ما فيه.

وحكي عن مجاهد أنه قال: الرين أيسر من الطبع والطبع أيسر من الختم ومن الاقفال والقفل اشد من ذلك وقيل: إن قوله تعالى: (ختم الله) إخبار عن تكبرهم وإعراضهم عن الاستماع لما دعوا اليه من الحق كما يقال: فلان اصم عن هذا الكلام اذا امتنع عن سماعه ورفع نفسه عن تفهمه والغشاوة: الغطاء وفيها ثلاث لغات: فتح الغين وضمها وكسرها وكذلك غشوة فيها ثلاث لغات.

ويقال: تغشاني السهم اذا تجلله وكل ما اشتمل على شئ مبني على فعالة كالعمامة والقلادة والعصابة وكذلك في الصناعة كالخياطة والقصارة والصباغة والنساجة غير ذلك وكذلك من استولى على شئ كالخلافة والامارة والاجارة وغير ذلك.

قال ابوعبيدة: (وعلى سمعهم) معناه على اسماعهم ووضع الواحد موضع الجمع لانه اسم جنس كما قال: (يخرجكم طفلا)(2) يعني اطفالا ويجوزان يكون اراد موضع سمعهم فحذف لدلالة الكلام عليه ويجوز ان يكون اراد المصدر لانه يدل على القليل والكثير فمن رفع التاء قال: الكلام الاول قد تم عند قوله: (وعلى سمعهم) واستأنف: (وعلى أبصارهم غشاوة) وتقديره: وغشاوة على أبصارهم ومن نصب قدره يعني: جعل على أبصارهم غشاوة كما قال الشاعر:

___________________________________

(1) سورة المطففين: آية 26.

(2) سورة الحج آية 5.

[65]

علفتها تبنا وماء باردا وقال الآخر: متقلدا سيفا ورمحا لما دل الكلام الاول عليه فاذا لم يكن في الكلام ما يدل عليه لا يجوز إضماره ويجوز أن ينصب بالفعل الاول الذي هو الختم ولان الختم لا يطلق على البصر كما ذكر في قوله تعالى: (وختم على سمعه وقلبه) ثم قال: (وجعل على بصره غشاوة)(1) لم يدخل المنصوب في معنى الختم.

وقال قوم: إن ذلك على وجه الدعاء عليهم لا للاخبار عنهم وهذا يمكن في قوله تعالى: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وفي قوله (وعلى أبصارهم غشاوة) فيمن نصب غشاوة فاما من رفع ذلك فلا يكون دعاء والاقوى أن ذلك خبر لانه خرج مخرج الذم لهم والازراء عليهم فكيف يحمل على الدعاء؟ ويحتمل أن يكون ا لمراد (بختم) أنه سيختم ويكون الماضي بمعنى المستقبل كما قال: (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار)(2) على هذا يسقط سؤال المخالف والقلب جعل الشئ على خلاف ما كان يقال: قلبه يقلبه قلبا والقليب البئر لان الماء ينقلب اليها وما به قلبة: أي انقلاب عن صحة وفلان حول قلب: اذا كان يقلب الامور برأيه ويحتال عليها والقلوب الذئب لتقلبه في الحيلة على الصيد بخبثه وسمي القلب قلبا لتقلبه بالخواطر.

قال الشاعر:

ما سمي القلب إلا من تقلبه *** والرأي يعزب والانسان أطوار

والبصر: مصدر بصر به يبصر بصرا بمعنى أبصره ابصارا والبصيرة: والابصار للحق بالقلب والبصائر قطع الدم لانها ترى كثيرة للعسل (ولهم عذاب عظيم) باظهار التنوين لان النون تبين عند حروف الحلق وهي ستة أحرف: العين والغين والحاء والخاء والهمزة والهاء ومن هذه الاحرف ما لايجوز فيه الاخفاء وهي العين كقوله: " من عندلله " و " من

___________________________________

(1) سورة الجاثية آية 22.

(2) سورة الاعراف آية 43.

[66]

عليها " والهمزة نحو قوله: " غثاء أحوى "(1) والخاء والغين يجوز إخفاؤهما عندهم على ضعف فيه من قوله: " والمنخنقة " و (نارا خالدا) (فان خفتم) (من خلفهم) و (ميثاقا غليظا)(2) ماء غدقا)(3) قولا غير الذي)(4) ال الفراء: أهل العراق يبينون وأهل الحجاز يخفون وكل صواب فان قيل: اذا قلتم: ان الله ختم على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم فكيف يكونون قادرين على الايمان؟

قيل: يكونون عليه لان الختم والغشاوة ليسا بشئ يفعلهما الله تعالى في القلب والعين يصد بهما عن الايمان ولكن الختم شهادة على ما فسرناه من الله عليهم بانهم لا يؤمنون وعلى قلوبهم بانها لا تعي الذكر ولاتعي الحق وعلى اسماعهم بأنها لا تصغي إلى الحق وهذا إخبار عمن يعلم منه أنه لا يؤمن والغشاوة هي " إلفهم الكفر بحبهم له "(5) ولم يقل تعالى: إنه جعل على قلوبهم بل أخبر انه كذلك ومن قرأ بالنصب - وإن كان شاذا - يحتمل أن يكون أراد معنى قوله: ان السورة زادتهم رجسا إلى رجسهم والسورة لم تزدهم ولكنهم ازدادوا عندها وسنوضح ذلك فيما بعد ان شاء الله تعالى (ولهم عذاب عظيم) تقديره: ولهم بماهم عليه من خلافك عذاب عظيم وحكي ذلك عن ابن عباس وأصل العذاب الاستمرار بالشئ يقال: عذبه تعذيبا: إذا استمر به الالم وعذب الماء عذوبة: اذا استمر في الحلق وحمار عاذب وعذوب: اذا استمر به العطش فلم يأكل من شدة العطش وفرس عذوب مثل ذلك والعذوب الذي ليس بينه وبين السماء ستر وأعذبته عن الشئ بمعنى فطمته وعذبة السوط طرفه والعذاب استمرار الالم وأصل العظم عظم الشخص ومنه عظيم الشأن الغني بالشئ عن غيره

___________________________________

(1) سورة الاعلى آية 5.

(2) سورة النساء آية 20 و 153.

(3) سورة الجن: آية 16.

(4) سورة البقرة: آية 59.

(5) في الاصل بياض وفي النسخة الايرانية احتمالات استنتجنا منها العبارة الموجودة.

[67]

وعظمة الله تعالى كبرياؤه والعظام من العظم لانه من أكبر ما يركب منه البدن.

قوله تعالى: ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الاخر وماهم بمؤمنين(8)

آية

التفسير: (من) لفظ يخبر به عن الواحد من العقلاء واثنين وجماعة فلما قال: (وماهم بمؤمنين) دل على أنه أراد الجمع وانما قال: (يقول) بلفظ الواحد حملا له على اللفظ.

قال الشاعر: نكن مثل من ياذئب يصطحبان

وقيل في معنى الناس وجهان: أحدهما - أن يكون جمعا لا واحد له من لفظه واحدهم إنسان والانثى انسانة والثاني - أن أصله: أناس فاسقطت الهمزة منها لكثرة الاستعمال اذا دخلها الالف واللام للتعريف ثم أدغمت لام التعريف في النون كما قيل: (لكنا هو الله) واصله: لكن انا.

وقال بعضهم: ان الناس لغة غير اناس وإلا لقيل في التصغير: انيس ردا إلى اصله واشتقاقه من النوس: وهو الحركة ناس ينوس نوسا: اذا تحرك والنوس: تذبذب الشئ في الهواء ومنه نوس القرط في الاذن لكثرة حركته ولاخلاف بين المفسرين ان هذه الآية وما بعدها نزلت في قوم من المنافقين من الاوس والخزرج وغيرهم وروي ذلك عن ابن عباس وذكر اسماء‌هم ولا فائدة في ذكرها وكذلك ما بعدها إلى قوله: " وما كانوا مهتدين" كلها في صفه هؤلاء المنافقين والمنافق هو الذي يظهر الاسلام بلسانه وينكره بقلبه واليوم الآخر هو يوم القيامة وانما سمي يوم القيامة اليوم الآخر لانه يوم لا يوم بعده سواه وقيل: لانه بعد ايام الدنيا واول ايام الآخرة فان قيل:

[68]

كيف لا يكون بعده يوم ولا انقطاع للاخرة ولا فناء؟

قيل: اليوم في الآخره سمي يوما بليلته التي قبله فاذالم يتقدم النهار ليل لم يسم يوما فيوم القيامة يوم لا ليل بعده فلذلك سماه اليوم الآخر وانما قال: (وما هم بمؤمنين) مع قوله: (..من يقول آمنا بالله) تكذيبا لهم فيما اخبروا عن اعتقادهم من الايمان والاقرار بالبعث والنبوة فبين ان ما قالوه بلسانهم مخالف لما في قلوبهم وذلك يدل على ان الايمان لا يكون مجرد القول على ما قالته الكرامية (يقول) من القول ومنه: تقول اذا تخرص القول واقتال فهو مقيال: اذا أخذ نفعا إلى نفسه بالقول أودفع به ضررا عنها والمقول اللسان يقوله تقويلا اذا طالبه باظهار القول.

قوله تعالى: يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون(9)

آية

القراء‌ة: قرأ ابن كثير ونافع وابوعمرو وبضم الياء وبألف الباقون بفتح الياء بلا الف في قوله (وما يخدعون).

اللغة: قال ابوزيد: خدعت الرجل اخدعه خدعا بكسر الخاء وخديعة ويقال في المثل: إنك لاخدع من ضب حرشته.

وقال ابن الاعرابي: الخادع: الفاسد من الطعام ومن كل شئ وانشد:

ابيض اللون لذيذا طعمه *** طيب الريق اذا الريق خدع

اي تغير وفسد وقال ابوعبيدة: يخادعون بمعنى يخدعون.

قال الشاعر:

وخادعت المنية عنك سرا *** فلا جزع الاوان ولا رواعا

[69]

التفسير: وخداع المنافق إظهاره بلسانه من القول أو التصديق خلاف ما في قلبه من الشك والتكذيب وليس لاحد ان يقول: كيف يكون المنافق لله ولرسوله وللمؤمنين مخادعا وهو لايظهر بلسانه خلاف ما هو له معتقد إلا تقية؟

وذلك ان العرب تسمي من اظهر بلسانه غير ما في قلبه لينجو مما يخافه مخادعا لمن تخلص منه بما اظهرله من التقية فلذلك سمي المنافق مخادعا من حيث انه نجا من اجراء حكم الكفر عليه بما اظهره بلسانه فهو وان كان مخادعا للمؤمنين فهو لنفسه مخادع لانه يظهر لها بذلك أنه يعطيها أمنيتها وهو يوردها بذلك أليم العذاب وشديد الوبال فلذلك قال: " وما يخدعون إلا أنفسهم " وقوله: " وما يشعرون " يدل على بطلان قول من قال: إن الله لا يعذب إلا من كفر عنادا بعد علمه بوحدانيته ضرورة " لانه أخبر عنهم بالنفاق وبأنهم لا يعلمون ذلك والمفاعلة وإن كانت تكون من اثنين من كل واحد منهما لصاحبه مثل ضاربت وقاتلت وغير ذلك فقد ورد من هذا الوزن " فاعل " بمعنى (فعل) مثل: قاتله الله وطابقت النعل وعافاه الله وغير ذلك وقد حكينا أن معناه: يخدعون كما قال في البيت المقدم وقيل: إنه لم يخرج بذلك عن الباب ومعناه: ان المنافق يخادع الله بكذبه بلسانه على ما تقدم والله يخادعه بخلافه بما فيه نجاة نفسه كما قال: (انما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين)(1).

حكي عن الحسن ان معنى يخادعون الله انهم يخدعون نبيه لان طاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله كما قال: (وان يريدوا ان يخدعوك)(2) قيل معناه: انهم يعملون عمل المخادع كما يقال فلان يسخر من نفسه ومن قرأ (وما يخادعون) بألف طلب المشاكلة والازدواج كما قال: (وان عاقبتم فعاقبوا)(3) كما قال: ___________________________________

(1) سورة آل عمران: آية 178.

(2) سورة الانفال: آية 63.

(3) سورة النحل: آية 12.

[70]

(وجزاء سيئة سيئة مثلها)(1) كما قال الشاعر:

ألا لايجهلن احد علينا *** فنجهل فوق جهل الجاهلينا

وقال تعالى: (فيسخرون منهم سخر الله منهم)(2) مثله كثير وقيل في حجة من قرأ يخادعون بألف هو ان ينزل ما يخطر بباله ويهجس في نفسه من الخداع بمنزلة آخر يجازيه ذلك ويفاوضه فكأن الفعل من اثنين كما.

قال الشاعر وذكر حمارا أراد الورود:

تذكرمن أنى ومن أين شربه *** يؤامر نفسيه كذي الهجمة الابل(3)

فجعل ما يكون منه من وروده الماء والتمثل بينهما بمنزلة نفسين.

وقال الآخر: وهل تطيق وداعا ايها الرجل وعلى هذا قول من قرأ: (قال إعلم ان الله على كل شئ قدير) فوصل فخاطب نفسه ونظائر ذلك كثيرة وانما دعاهم إلى المخادعة امور احدها - التقية وخوف القتل والثاني - ليكرموهم إكرام المؤمنين الثالث - ليأنسوا اليهم في اسرارهم فينقلوها إلى اعدائهم والخداع مشتق من الخدع وهو اخفاء الشئ مع ايهام غيره ومنه المخدع: البيت الذي يخفى فيه الشئ فان قيل: أليس الكفار قد خدعوا المؤمنين بما اظهروا بالسنتهم حتى حقنوا بذلك دماء‌هم واموالهم - وان كانوا مخدوعين في أمر آخرتهم -.

قيل: لا نقول خدعوا المؤمنين لان اطلاق ذلك يوجب حقيقة الخديعة لكن نقول: خادعوهم وما خدعوهم بل خدعوا انفسهم كما قال في الآية ولو أن انسانا قاتل غيره فقتل نفسه جاز أن يقال: انه قاتل فلانا فلم يقتل إلا نفسه فيوجب مقاتلة صاحبه وينفي عنه قتله والنفس مأخوذة من النفاسة لانها أجل ما في الانسان تقول: نفس

___________________________________

(1) سورة الشورى: آية 40.

(2) سورة التوبة: آية 80.

(3) في الطبعة الايرانية نفسه بدل نفسيه.

[71]

ينفس نفاسة: اذا ضن به وتنافسوا في الامر: اذا تشاحوا والنفس: والروح ونفس عنه تنفيسا: اذا روح عن نفسه والنفس: والدم ومنه النفساء ونفست المرأة والنفس: خاصة الشئ قوله: " ومايشعرون " يعني وما يعلمون يقال ما شعر فلان بهذا الامر وهو لا يشعر به اذ لم يدر شعرا وشعورا ومشعورا قال الشاعر:

عقوا بسهم فلم يشعر به احد *** ثم استفاء‌وا وقالوا حبذا الوضح(1)

يعني: لم يعلم به أحد واصل الشعر: الدقة شعر به يشعر: اذا اعلمه بامر يدق ومنه الشعيرة والشعير لان في رأسهما كالشعر في الدقة والمشاعر: العلامات في مناسك الحج كالموقف والطواف وغيرهما واشعرت البدنة اذا اعلمتها على انها هدي والشعار ما يلي الجسد لانه يلي شعر البدن.

الاعراب: (إلا انفسهم) نصب على الاستثناء.

الآية: 10 - 19

قوله تعالى: في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون(10)

آية

القراء‌ة: امال الزاي ابن عامر والحلواني وحمزة وقرأ اهل الكوفة بفتح الياء يكذبون مخففا.

اللغة والتفسير: يقال زاد يزيد زيادة(2) وقال الشاعر كذلك زيد المرء بعد انتقاصه

___________________________________

(1) في الطبعة الايرانية بدل (عقوا) عفوا وبدل (استفاء‌وا) استقادوا وبدل (وقالوا) فقالوا.

(2) وزيدا وزيدا وزيدا ومزيدا وزيدانا.

[72]

و (زدت) فعل يتعدى إلى مفعولين قال تعالى (وزدناهم هدى وزدناهم عذابا فوق العذاب) وزاده بسطة في العلم والجسم وقوله (فزادهم ايمانا) والمعنى: زادهم فوق الناس لهم ايمانا اضمر المصدر في الفعل واسند الفعل اليه كما قال (مازادهم إلا نفورا)(1) أي ما زادهم مجئ النذير والمعنى ازدادوا عنده.

وقال ابوعبيدة المرض الشك والنفاق وقيل في قوله فيطمع الذي في قلبه مرض) أي فجور.

وقال سيبويه: مرضته قمت عليه ووليته وامرضته: جعلته مريضا وقيل إن المرض الغم والوجع من الحسد والعداوة لكم (فزادهم الله مرضا) دعاء عليهم كما قال تعالى: (ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم)(2) اصل المرض: السقم في البدن فشبه ما في قلوبهم من النفاق والشك بمرض الاجساد والاليم بمعنى المؤلم الموجع: فعيل بمعنى مفعل: مثل بديع بمعنى مبدع ومكان حريز بمعنى محرز فال ذو الرمة: يصك وجوهها وهج اليم فان قيل اذا كان معنى قوله: (في قلوبهم مرض) أي شك ونفاق ثم قال: (فزادهم الله مرضا) ثبت ان الله يفعل الكفر بخلاف ماتذهبون اليه قيل: ليس الامر على ما ذكرتم بل معناه: إن المنافقين كانوا كلما أنزل الله آية أو سورة كفروا بها فازدادوا بذلك كفرا إلى كفرهم وشكا إلى شكهم فجاز لذلك أن يقال: فزادهم الله مرضا لما ازدادوا هم مرضا عند نزول الآيات.

ومثل ذلك قوله حكاية عن نوح: (رب اني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا)(3) هم الذين ازدادوا فرارا عند دعائه: ومثل قوله: (فزادهم رجسا إلى رجسهم)(4) انما اراد انهم ازدادوا عند نزول الآية وكقوله:

___________________________________

(1) سورة فاطر آية 42.

(2) سورة التوبة آية 128.

(3) سورة نوح آية 6.

(4) سورة التوبة آية 126.

[73]

(فاتخذتموهم سخريا حتى انسوكم ذكري)(1) المؤمنون ما أنسوهم ذكر الله بل كانوا يدعونهم اليه تعالى لكن لما نسوا ذكر الله عند ضحكهم من المؤمنين اتخاذهم إياهم سخريا جاز أن يقال: إن المؤمنين انسوهم ويقول القائل لغيره اذا وعظه فلم يقبل نصيحته: قد كنت شريرا فزادتك نصيحتي شرا وانما يريد أنه ازداد عنده فلما كان المنافقون فقد مرضت قلوبهم بما فيها من الشك ثم ازدادوا شكاو كفرا عند ما كان تجدد من امر الله ونهيه وماينزل من آياته جاز أن يقال: (فزادهم الله مرضا) فان قيل: فعلى هذا ينبغي أن يكون انزال الآيات مفسدة لانهم يزدادون عند ذلك الكفر قلنا: ليس حد المفسدة ما وقع عنده الفساد وانما المفسدة ما وقع عندها الفساد ولولاها لم يقع ولم يكن تمكينا وهذا تمكين لهم من النظر في معجزاته ودلائله فلم يكن استفسادا ولو كان الامر على ما قالته المجبرة: إن الله يخلق فيهم الكفر لقالت الكفار ما ذنبنا والله تعالى يخلق فينا الكفر ويمنعنا من الايمان فلم تلوموننا على ما فعله الله؟ فتكون الحجة لهم لا عليهم وذلك باطل والتقدير في الآية في اعتقاد قلوبهم الذي يعتقدونه في الدين والتصديق بنبيه مرض وحذف المضاف واقام المضاف اليه مقامه.

قال الشاعر:

هلا سألت الخيل يا ابنة مالك *** ان كنت جاهلة بما(2) لم تعلمي

يعني اصحاب الخيل كما قال: (يا خيل الله اركبي) يعني يا اصحاب خيل الله وكما قال تعالى: (واسأل القرية)(3) وانما اراد اهلها.

وروي عن ابن عباس أن المرض المراد به الشك والنفاق وبه قال قتادة وعبدالرحمن بن زيد والكذب ضد الصدق وهو الاخبار عن الشئ لا على هو به يقال كذب يكذب كذبا وكذابا - خفيف وثقيل - مصدران والكذب كالضحك والكذاب كالكتاب والاكذاب: جعل الفاعل على صفة الكذب والتكذب: التحلي

___________________________________

(1) سورة الاحزاب: آية 111.

(2) في الطبعة الايرانية (لما).

(3)"ورة يوسف: آية 82.

[74]

بالكذب وجهة من ضم الياء شدد الذال أنه ذهب إلى أنهم استحقوا العذاب بتكذيبهم النبي - صلى الله عليه وآله - وبما جاء به ومن فتح الياء وخفف الذال قدر المضاف كأنه قال: بكذبهم وهو اشبه بما تقدم وهو قولهم: (آمنا بالله وباليوم الآخر)(1) فاخبر الله عنهم فقال: (وماهم بمؤمنين) ولذلك يحمد تكذيبهم وادخل كان ليعلم ان ذلك كان فيما مضى كقول القائل: ما احسن ما كان زيدا وقال بعض الكوفيين: لا يجوز ذلك لان حذف كان انما أجازوه في التعجب لان الفعل قد تقدمها فكأنه قال حسنا كان زيد ولا يجوز ذلك ههنا لان كان تقدمت الفعل.

قوله تعالى: واذا قيل لهم لا تفسدوا في الارض قالوا إنما نحن مصلحون(11)

آية

القراء‌ة: رام ضم القاف فيها وفي أخواتها الكسائي وهشام ورويش(2) ووافقهم ابن ذكوان في السين والحاء مثل: حيل وسيق وسيئت ووافقهم اهل المدينة في سيق وسيئت فمن ضم ذهب إلى ما حكي عن بعض العرب: قد قول وقد بوع المتاع بدل قيل وبيع ومن كسرها قال: لان ياء الساكنة لاتكون بعد حرف مضموم ومن اشم قال: اصله قول فاستثقلت الضمة فقلبت كسرة واشمت ليعلم ان الاصل كانت ضمة.

المعنى: وروي عن سلمان - رحمه الله - أنه قال: لم يجئ هؤلاء وقال أكثر المفسرين: إنها نزلت في المنافقين الذين فيهم الآيات المتقدمة وهو الاقوى ويجوز أن يراد بها من صورتهم صورتهم فيحمل قول سلمان - رحمه الله - على أنه

___________________________________

(1) سورة البقرة: آية 8.

(2) لم نعثر على هذا الاسم في كتب الرجال ولعله ورش.

[75]

أراد بعد انقراض المنافقين الذين تناولتهم الآية.

ومعنى قولهم له: (انما نحن مصلحون) يحتمل امرين: احدهما - ان يقول: إن هذا الذي عندكم فساد هو صلاح عندنا لانا إذا قابلناهم استدعيناهم إلى الحق في الدين والثاني - أن يجحدوا ذلك البلاغ والافساد مأخوذ من الفساد: وهو كلما يغير عن استقامة الحال تقول: فسد يفسد فسادا والافساد: إحداث الفساد والمفاسدة: المعاملة بالفساد والتفاسد: تعاطي الفساد بين اثنين والاستفساد المطاوعة على الفساد لا تفسدوا في الارض فيقولون انما نحن مصلحون ويقال لهم: آمنوا كما آمن الناس فيقولون أنؤمن كما آمن السفهاء؟

فليس هؤلاء منافقين بل مظهرون لكفرهم والآية في المنافقين قيل: المنافقون وإن كانوا يظهرون الايمان للنبي - صلى الله عليه وآله - فانهم كانوا لايألون المسلمين خبالا وكانوا يثبطون عن النبي صلى الله عليه وآله ويدعون إلى ترك نصرته من يثقون باستماعهم منهم ومن يظنون ذلك به فربما صادفوا من المؤمنين التقي فيجيبهم بما ذكر الله فاذا أخبر أولئك النبي - صلى الله عليه وآله - ثم ذكروا له(1) ما قالوا وعاتبهم النبي صلى الله عليه وآله عادوا إلى إظهار الايمان والندم عليه أو كذبوا قائله والحاكي عنهم وكان لا يجوز في الدين إلا قبول ذلك منهم بما يظهرون وخاصة في صدر الاسلام والحاجة إلى تألف قلوبهم ماسة(2) ومن قرأ الاخبار تبين صحة ما قلناه والافساد في الارض: العمل فيها بما نهى الله عنه وتضييع ما أمر الله بحفظه كما قال تعالى حاكيا عن الملائكة: (أتجعل فيها من يفسد فيها)؟(3) يعنون من يعصيك ويخالف امرك وهذه صفة المنافقين والارض: هي المستقر للحيوان ويقال لقوائم البعير: أرض وكذلك

___________________________________

(1) في الطبعة الايرانية: ثم ذكروه ولعل الصحيح ما ذكرنا.

(2) في الطبعة الايرانية (ماسة) ضرب عليها ولعل وجودها اصح.

(3) سورة البقرة: آية 30.

[76]

الفرس ان قوي والارض: الرعدة وقال ابن عباس: ما أدري إذا زلزلت الارض لم بي أرض؟ أي رعدة والارضة: دويبة تأكل الخشب والصلاح: استقامة الحال فالاصلاح: جعل الحال على الاستقامة والاصطلاح الاجتماع والتصالح: التمالي على الصلاح ومنه المصالحة والاستصلاح والصالح: والمستقيم الحال والمصلح: المقوم للشئ على الاستقامة.

قوله تعالى: ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون(12)

التفسير: ألا: فيها تنبيه ومعناها لاستفتاح الكلام ومثله: ألا ترى؟ أما تسمع؟ وأصلها (لا) دخل عليها ألف الاستفهام والالف اذا دخل على الجحد أخرجه إلى الايجاب نحو قوله: (أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى)؟ لانه لا يجوز للمجيب إلا الاقرار ببلى والهاء والميم في موضع النصب بأن وهم فصل عند البصريين ويسميه الكوفيون عمادا وقوله (لا يشعرون) قد فسرناه(1) وفيها دلالة على من قال: بان الكفار معاندون عالمون بخطاياهم وان المعرفة مزورة ووصفهم بانهم (هم المفسدون) لا يمنع من وصف غيرهم بانه مفسد لان ذلك دليل الخطاب.

وحكي عن ابن عباس: أن معنى قوله (انما نحن مصلحون) انما يريد الاصلاح بين الفريقين من المؤمنين واهل الكتاب وحكي عن مجاهد انهم اذا ركبوا معصية الله قيل لهم: لاتفعلوا هذا قالوا: إنما نحن مصلحون أي: انما نحن على الهدى وكلا الامرين محتمل لانهما جميعا عندهم أنه إصلاح في الدين وإن كان ذلك إفسادا عند الله ومن حيث أنه خلاف لما أمرهم به وإنما جاز تكليف ما لا يشعر أنه على ظلال لان له طريقا إلى العلم

___________________________________

(1) في قوله: " يخادعون الله. " تتمة الآية.

[77]

قوله تعالى: وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون(13)

قرأ ابن عامر وأهل الكوفة بتحقيق الهمزتين وكذلك كل همزتين مختلفتين من كلمتين الباقون بتخفيف الاولى وتليبن الثانية.

المعنى: المعني بهذه الآية هم الذين وصفهم تعالى بانهم يقولون: " آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين " والمعنى إذا قيل لهم آمنوا بمحمد صلى الله عليه وآله وبما جاء من عندالله كما آمن به الناس يعني المؤمنين حقا لان الالف واللام ليسا فيه للاستغراق بل دخلا للعهد فكأنه قيل: آمنوا كما آمن الناس الذين تعرفونهم باليقين والتصديق بالله ونبيه - صلى عليه وآله - وبما جاء به من عند الله والالف في قوله: (أنؤمن) ألف إنكار وأصلها الاستفهام ومثله (أتطعم من لو يشاء الله أطعمه)(1) كقول القائل: أأضيع ديني وأثلم مرؤتي؟

وكل هذا جواب لكن قد وضع السؤال فيه وضعا فاسدا لوصفهم ان الذين دعوا إليهم سفهاء وموضع (إذا) نصب وتقديره: قالوا إذا قيل لهم ذلك انؤمن فالعامل فيه قالوا والسفهاء جميع سفيه مثل: علماء وعليم وحكماء وحكيم والسفيه: الضعيف الرأي الجاهل القليل المعرفة بمواضع المنافع والمضار ولذلك سمى الله الصبيان سفهاء بقوله: (لا تؤتوا السفهاء اموالكم)(2) فقال عامه اهل التأويل هم النساء والصبيان لضعف آرائهم وأصل السفه: خفة الحلم وكثرة الجهل يقال: ثوب سفيه اذا

___________________________________

(1) سورة يس: آية 47.

(2) سورة النساء: آية 4

[78]

كان رقيقا باليا وسفهته الريح: اذا طيرته كل مطير وفي اخبارنا أن شارب الخمر سفيه فأمر الله تعالى أن يؤمنوا كما آمن المؤمنين المستبصرون فقالوا: أنؤمن كما آمن الجهال ومن لا رأي له ومن لا عقل له كالصبيان والنساء فحكم الله عليهم حينئذ بانهم السفهاء باخباره عنهم بذلك وهو من تقدم ذكره من المنافقين والسفيه إنما سمي مفسدا من حيث انه يفسد من حيث يظن انه يصلح ويضيع من حيث يرى أنه يحفظ وكذلك المنافق يعصي ربه من حيث يظن انه يطيع ويكفر به من حيث يظن أنه يؤمن به والالف واللام في السفهاء للعهد كما قلناه في الناس وهذه الآية ايضا فيها دلالة على من قال: إن الكافر لا يكون إلا معاندا لانه قال: (ولكن لا يعلمون).

قوله تعالى: وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون(14)

القراء‌ة: قرئ في الشواذ واذا لا قوا الذين قرأها اليماني وفى القراء من همز " مستهزئون " ومنهم من ترك الهمزة.

المعنى: حكي عن ابن عباس أنه قال: هذه في صفة المنافقين فكان الواحد منهم اذا لقي اصحاب النبي - صلى الله عليه وآله - قال إنا معكم - أي على دينكم - وإذا خلوا إلى شياطينهم - يعني اصحابهم - قالوا انما نحن مستهزئون - يعني نسخر منهم يقال خلوت اليه وخلوت معه ويقال خلوت به على ضربين: احدهما - بمعنى خلوت معه والآخر - بمعنى سخرت منه وخلوت اليه في قضاء الحاجة لا غير وخلوت به له معنيان: احدهما - هذا والآخر - سخرت منه قال الاخفش:

[79]

رقد تكون " إلى " في موضع الباء " وعلى " في موضع عن وانشد:

اذا رضيت علي بنو قشير *** لعمر الله أعجبني رضاها

فعلى هذا يحتمل أن تكون الآية: (خلوا مع..) وقال الرماني: الفرق بين اللقاء والاجتماع أن اللقاء لا يكون إلا على وجه المجاورة والاجتماع قد يكون كاجتماع العزمين في محل وقد بينا معنى الشيطان فيما مضى(1) معكم (ومعكم) - بفتح العين وسكونها - لغتان وترك الهمزة في (مستهزئون) لغة قريش وعامة غطفان وكنانه بعضها يجعلها بمنزلة (يستقصون ويستعدون) بحذفها وبعض بني تميم وقيس يشيرون إلى الزاء بالرفع بين الرفع والكسر وهذيل وكثير من تميم يخففون الهمزة.

وقال بعض الكوفيين: إن معنى (إذا خلوا): إذا انصرفوا خالين فلاجل ذلك قال: إلى شياطينهم على المعنى وهو مليح وقيل: إن شياطينهم: رؤساؤهم وقيل: أريد بهم أصحابهم من الكفار.

وروي عن أبي جعفر عليه السلام: أنهم كهانهم والاستهزاء: طلب الهزء بايهام أمر ليس له حقيقة في من يظن فيه الغفلة والهزء: ضد الجد يقال هزئ به هزء والتهزي: طلب الهزء: بالشئ وغرضهم كان بالاستهزاء مع علمهم بقبحه حقن دمائهم باظهار الايمان واذا خلواالى شياطينهم كشفوا مافي نفوسهم.

قوله تعالى: الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون(15)

الاعراب: الله: رفع بالابتداء وخبره: يستهزئ بهم

___________________________________

(1) مر في الاستعاذة

[80]

المعنى: والله تعالى لا يجوز عليه حقيقة الاستهزاء لانها السخرية على ما بيناه ومعناها من الله هو الجزاء عليها وقد يسمى الشئ باسم جزائه كما يسمى الجزاء باسم ما يستحق به كما قال تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها)(1) قال: (ومكروا ومكرالله)(2) قال: (وان عاقبتم فعاقبوا)(3) الاول ليس بعقوبة والعرب تقول: الجزاء بالجزاء والاول ليس بجزاء (والبيت الاول شاهد بذلك) (؟) وقيل إن استهزاء‌هم لما رجع عليهم جاز أن يقول عقيب ذلك: (الله يستهزئ بهم) يراد به ان استهزاء‌هم لم يضر سواهم وانه (دبر)(4) عليهم واهلكهم يقول القائل: أراد فلان أن يخدعني فخدعته: أي دبر علي امرا فرجع ضرره عليه.

وحكي عن بعض من تقدم أنه قال اذا تخادع لك انسان ليخدعك فقد خدعته وقيل ايضا: إن الاستهزاء من الله: الاملاء الذي يظنونه إغفالا وقيل: إنه لما كان ما اظهره من اجراء حكم الاسلام عليهم في الدنيا بخلاف ماأجراه عليهم في الآخرة من العقاب وكانوا فيه على اغترار به كان كالاستهزاء.

وروي في الاخبار أنه يفتح لهم باب جهنم فيظنون أنهم يخرجون منها فيزدحمون للخروج فاذا انتهوا إلى الباب ردتهم الملائكة حتى يرجعوا فهذا نوع من العقاب وكان الاستهزاء كما قال الله تعالى: (كلما أرادوا أن يخرجوا فيها من غم اعيدوا فيها)(5) قوله (يمدهم) حكي عن ابن عباس وابن مسعود أنهما قالا: معناه يملي لهم بأن يطول أعمارهم وقال مجاهد: يزيدهم وقال بعض النحويين يمدهم كما يقولون نلعب الكعاب: أي بالكعاب وحكي أن مد وأمد لغتان وقيل مددت له وأمددت له يقال مد البحر فهو ماد وأمد الجرح فهو ممد قال الجرمى: ما كان من الشر فهو

___________________________________

(1) سورة الشورى: آية: 40.

(2) سورة آل عمران: آية 54.

(3) سورة النحل: آية 126 "؟ ".

(4) في الطبعة الايرانية (دمر) بدل " دبر " وما ذكر في المتن هو الصحيح بقرينة ما يأتي من قوله: ".. دبر علي أمرا ".

(5) سورة الحج: آية 22

[81]

مددت وما كان من الخير فهو أمددت فعلى هذا إن اراد تركهم فهو من مددت واذا أراد اعطاء‌هم يقال أمدهم وقرئ في الشواذ: ويمدهم - بضم الياء .

وقال بعض الكوفيين كل زيادة حدثت في الشئ من نفسه فهو مددت - بغير ألف - كما يقولون مد النهر ومده نهر آخر فصار منه اذا اتصل به وكل زيادة حدثت في الشئ من غيره فهو أمددت - بألف - كما يقال أمد الجرح لان المدة(1) من غير الجرح وأمددت الجيش واقوى الاقوال أن يكون المراد به نمدهم على وجه الاملاء والترك لهم في خيرهم كما قال: " انما نملي لهم ليزدادوا إثما)(2) كما قال: (ويمدهم في طغيانهم يعمهون) يعني يتركهم فيه والطغيان: الفعلان من قولك طغى فلان يطغى طغيانا اذا تجاوز حده ومنه قوله: (كلا إن الانسان ليطغى)(3) ي يتجاوز حده والطاغية: الجبار العنيد.

وقال أمية بن أبي الصلت:

ودعا الله دعوة لات هنا *** بعد طغيانه فظل(4) مشيرا

يعني لاهنا ومعناه في الآية: في كفرهم يترددون والعمه: التحير يقال: عمه يعمه عمها فهو عمه وعامه: أي حائر عن الحق.

قال رؤبة:

ومهمه اطرافه في مهمه *** أعمى الهدى بالحائرين(5)

العمه جمع عامه فان قيل: كيف يخبر الله أنه يمدهم في طغيانهم يعمهون وانتم تقولون: إنما أبقاهم ليؤمنوا لا ليكفروا وانه أراد منهم الايمان دون الكفر؟ قيل معناه: أنه يتركهم وما هم فيه لا يحول بينهم وبين ما يفعلونه ولا يفعل بهم

___________________________________

(1) المدة: مايجتمع في الجرح من القيح.

(2) سورة آل عمران: آية 178.

(3) سورة العلق: آية 6.

(4) في الطبعة الايرانية " فصار " بدل فضل والبيت في ديوان امية و " لات هنا " كلمة ثدور في كلامهم يريدون بها: " ليس هذا حين ذلك " و " هنا " مفتوحة الهاء مشددة النون مثل " هنا مضمومة الهاء مخففة النون.

(5) الصحيح ماذكرنا وفي الطبعة الايرانية " فالحائرين " وفي تفسير الطبري نقلا عن ديوان رؤبة بالجاهلين.

[82]

من الالطاف التي يؤتيها المؤمنين فيكون ذلك عقوبة لهم واستصلاحا ونظير ذلك قول القائل لاخيه اذا هجره أخوه متجنيا عليه اذا استعتبه فلم يراجعه: سأمد لك في الهجران مدا يريد سأتركك وما صرت اليه تركا ينبهك على قبح فعلك لا أنه يريد بذلك أن يهجره أخوه ولكن على وجه الغضب والاستصلاح والتنبيه.

قوله تعالى: أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فماربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين(16)

القراء‌ة: ضم جميع القراء الواو من (اشتروا الضلالة) وروى السوخردي عن زيد ابن اسماعيل بتخفيف ضمة الواو وكذلك نظائره نحو: (لنبلون) (فتمنوا الموت) وروى عن يحيى بن يعمر في الشواذ أنه كسرها شبهها بواو: (لو) في قوله: (لو استطعنا لخرجنا)(1) ضم يحيى بن وثاب واو (لووا) وفيما ذكرناه شبهها بواو الجمع والصحيح ما عليه القراء لان الواو في الآية ونظائرها واو الجمع فحركت بالحركة التي من جنسها لا لتقاء الساكنين.

المعنى: وهذه الآية الاشارة بها إلى من تقدم ذكره من المنافقين وقال ابن عباس اشتروا الكفر بالايمان وقال قتادة: استحبوا الضلالة على الهدى وقال ابن مسعود: اخذوا الضلالة وتركوا الهدى وقال مجاهد آمنوا ثم كفروا وهذه الاقوال متقاربة المعاني فان قيل كيف اشتروا هؤلاء القوم الضلالة بالهدى وانما كانوا منافقين لم يتقدم نفاقهم ايمان؟ فيقال فيهم باعوا ما كانوا عليه بضلالتهم التي استبدلوها منه والمفهوم من الشراء اعتياض شئ يبذل شئ مكانه عوضا منه وهؤلاء ما كانوا قط على الهدى

___________________________________

(1) سورة التوبة: آية 43.

[83]

قلنا: من قال: بان الآية مخصوصة بمن كفر بعد إيمانه فقد تخلص من هذا السؤال غيرأن هذا لايصح عندنا من أن من آمن بالله لايجوز أن يكفر وان حملنا على اظهار الايمان لم يكن في الآية توبيخ ولا ذم والآية تتضمن التوبيخ على ماهم عليه لانها اشارة إلى ما تقدم وتلك صفات المنافقين والجواب عن ذلك ان نقول: إن من ارتكب الضلالة وترك الهدى جاز ان يقال ذلك فيه ويكون معناه: كان الهدى الذي تركه هو الثمن الذي جعله عوضا عن الضلالة التي أخذها فيكون المشتري أخذ المشترى مكان الثمن المشترى به كما قال الشاعر:

أخذت بالجمة رأسا أزعرا *** وبالثنايا الواضحات الدردرا

وبالطويل العمر عمرا جيدرا *** كما اشترى المسلم اذ تنصرا(1)

ومنهم من قال: استحبوا الضلالة على الهدى انما قال ذلك لقوله تعالى (واما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى)(2) حمل هذه الآية عليه ومن حملها على انهم اختاروا الضلالة على الهدى فان ذلك مستعمل في اللغة يقولون اشتريت كذا على كذا واشتريته يعنون اخترته.

قال اعشى بني ثعلبة:

فقد اخرج الكاعب المسترا(3) *** ة من خدرها واشيع القمارا

يعني: المختارة.

قال ذو الرمة في معنى الاختيار:

يذب القصايا عن شراة كأنها *** جماهير تحت المدجنات الهواضب(4)

وقال آخر:

___________________________________

(1) زعر الشعر فهو زعر وازعر: قل وتفرق الدردر: مغارز اسنان الصبي أو هي قبل نباتها وبعد سقوطها الجيدر: القصير والمراد قصير العمر.

(2) سورة حم السجدة: آية 17.

(3) في الطبعة الايرانية " المشتراة " وكذلك في مخطوطة تفسير الطبري اما في ديوانه 35 وطبقات فحول الشعراء 36 واللسان " سرا " فكما ذكرنا.

(4) ديوانه يذب: يدفع ويطرد والقصايا: وهي من الابل ورذالتها ضعفت فتخلفت وجماهير ج جمهور: وهو رملة مشرفة على ما حولها والهواضب: التي دام مطرها والمدجنات من سحابة داجنة: أي كثيفة

[84]

إن الشراة روفة الاموال *** وحزرة القلب خيار المال(1)

والاول أقوى لقوله: (فما ربحت تجارتهم) فبين ان ذلك بمعنى الشراء والبيع الذي بتعارفه الناس والربح - وان اضافه إلى التجارة - فالمراد به التاجر لانهم يقولون ربح: بيعك وخسر بيعك وذلك يحسن في البيع والتجارة لان الربح والخسران يكون فيهما ومتى التبس فلا يجوز إطلاقه لا يقال: ربح عبدك اذا أراد ربح في عبده لان العبد نفسه قد يربح ويخسر فلما أوهم لم يطلق دلك فيه وقيل: إن المراد فما ربحوا في تجارتهم كما يقال: خاب سعيك: أي خبت في سعيك وانما قال ذلك لان المنافقين بشرائهم الضلالة خسروا ولم يربحوا لان الرابح من استبدل سلعة بما هو أرفع منها فاما اذا استبدلها بما هو أدون منها فانما يقال خسر فلما كان المنافق استبدل بالهدى الضلالة وبالرشاد الخيبة عاجلا وفي الآخرة الثواب بالعقاب كان خاسرا غير رابح وانما قال: " وما كانوا مهتدين " لانه يخسر التاجر ولا يربح ويكون على هدى فأراد الله تعالى أن ينفي عنهم الربح والهداية فقال: " فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين " باستبدالهم الكفر بالايمان واشترائهم النفاق بالتصديق والاقرار بها فان قيل: لم قال: فما ربحت تجارتهم في موضع ذهبت رؤوس اموالهم؟

قيل: لانه قد ذكر الضلالة بالهدى فكأنه قال: طلبوا الربح فما ربحوا لما هلكوا وفيه معنى ذهبت رؤوس اموالهم ويحتمل ان يكون ذلك على التقابل: وهو ان الذين اشتروا الضلالة بالهدى لم يربحوا كما ان الذين اشتروا الهدى بالضلالة ربحوا.

قوله تعالى: مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاء‌ت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون(17)

اللغة: إن قيل: كيف قال: (مثلهم) أضاف المثل إلى الجمع ثم شبهه بالواحد في

___________________________________

(1) في الطبعة الايرانية: " الشراء " يدل " الشراة " وحوزة بدل " حزرة " والصحيح ما ذكرنا كما عن اللسان في مادة " حزر " وروقة الناس: خيارهم وحزرة نفسي: خير ما عندي

[85]

قوله:

كمثل الذي استوقد نارا " هلا قال كمثل الذين استوقدوا نارا

يكني به عن جماعة من الرجال والنساء والصبيان والذي لا يعبر به إلا عن واحد مذكر ولو جاز ذلك لجاز أن يقول القائل: كأن أجسام هؤلاء - ويشير إلى جماعة عظيمي القامة - نخلة وقد علمنا أن ذلك لا يجوز؟ قلنا: في الموضع الذي جعله مثلا لافعالهم جائز حسن وله نظائر كقوله: " تدور اعينهم كالذي يغشى عليه من الموت "(1)

والمعنى: كدور أعين الذي يغشى عليه من الموت وكقوله " ماخلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة "(2) ومعناه إلا كبعث نفس واحدة لان التمثيل وقع للفعل بالفعل وأما في تمثيل الاجسام لجماعة من الرجال في تمام الخلق والطول بالواحد من النخيل فغير جائز ولا في نظائره.

التفسير: والفرق بينهما أن معنى الآية أن مثل اسنضاء‌ة المنافقين بما أظهروا من الاقرار بالله وبمحمد صلى الله عليه وآله وبما جاء به قولا - وهم به مكذبون اعتقادا - كمثل استضاء‌ة الموقد ثم اسقط ذكر الاستضاء‌ة واضاف المثل اليهم كما قال الشاعر وهو نابغة جعدة:

وكيف تواصل من اصبحت *** خلالته كأبي مرحب(3)

أي كخلالة أبي مرحب واسقط لدلالة الكلام عليه وأما إذا أراد تشبيه الجماعة من بني آدم وأعيان ذوي الصور والاجسام بشئ فالصواب أن يشبه الجماعة بالجماعة والواحد بالواحد لان عين كل واحد منهم غير اعيان الاخر كما قال تعالى: " كأنهم خشب مسندة "(4) وقال: " كأنهم اعجاز نخل خاوية "(5)

___________________________________

(1) سورة الاحزاب آية 19.

(2) سورة لقمان آية 28.

(3) الخلة والخلالة الصداقة التي ليس فيها خلل وابومرحب كناية عن الظل يريد أنها تزول كما يزول الظل لا تبقى له مودة.

(4) سورة المنافقون: آية 4.

(5) سورة القمر آية 20.

[86]

واراد جنس النخل ومثل قوله: ما افعالكم إلا كفعل الكلب ثم يحذف الفعل فيقال: ماافعالكم إلا كالكلب وقيل إن " الذي " بمعنى الذين كقوله: " والذى جاء بالصدق وصدق به اولئك هم المتقون "(1) وقال الشاعر:

وان الذي حانت بفلج دماؤهم *** هم القوم كل القوم يا ام خالد

وانما جاز ذلك لان الذين منهم يحتمل الوجوه المختلفة وضعف هذا الوجه من حيث ان في الآية الثانية وفي البيت دلالة على انه اريد به الجمع وليس ذلك في الآية التي نحن فيها وقيل فيه وجه ثالث وهو ان التقدير: مثلهم كمثل اتباع الذي استوقد نارا وكما قال: (واسأل القرية)(2) انما اراد اهلها وفى الآية حذف (طفئت عليهم النار)

وقوله: (استوقد نارا) معناه: اوقد نارا كما يقال استجاب بمعنى اجاب قال الشاعر:

وداع دعا يا من يجيب إلى الندى *** فلم يستجبه عند ذاك مجيب

يريد: فلم يجبه الوقود: الحطب والوقود: مصدر وقدت النار وقودا والاستيقاد: طلب الوقود: والايقاد: ايقاد النار والتوقد: التوهج والايقاد: التهاب النار وزند ميقاد: سريع الوري وقلب وقاد: سريع الذكاء والنشاط وكل شئ يتلالا فهو يتقد وفي الحجر نار لا تقد لانها لا تقبل الاحتراق والوقود: ظهور النار فيما يقبل الاحتراق وأصل النار النور نار الشئ اذاظهر نوره وانار: اظهر نوره واستنار: طلب اظهار نوره والمنار: العلامات والنار: السمت وضاء‌ت النار: ظهر ضوؤها وكل ما وضح فقد اضاء واضاء القمر الدار: كقوله اضاء‌ت ما حوله.

___________________________________

(1) سورة الزمر آية 33.

(2) سورة يوسف: آية 82

[87]

قال الشاعر:

اضاء‌ت لهم احسابهم ووجوههم *** دجى الليل حتى نظم الدر ثاقبه(1)

وقوله: (حوله) مأخوذ من الحول وهو الانقلاب يقال حال الحول: اذا انقلب إلى أول السنة وأحال في كلامه اذا صرفه عن وجهه وحوله عن المكان: أي نقله إلى مكان آخر: وتحول: تنقل واحتال عليه وحاوله طالبه بالانقلاب إلى مراده والحول بالعين - بالفتح - والحول - بالكسر - الانقلاب عن الامر ومنه قوله " لا يبغون عنها حولا "(2) والحوالة انقلاب الحق عن شخص إلى غيره والمحالة: البكرة والحيلة: إيهام الامر للخديعة وحال بينه وبينه: مانع والحائل: الناقة التي انقطع حملها والحائل: العير وحوله الصبا: أي دايرته ذهب به واذهبه: أي أهلكه لا ذهابه إلى مكان يعرف ومنه (ذهب الله بنورهم) والمذهب: الطريقة في الامر والذهبه: المطرة الجود.

وقوله: (وتركهم في ظلمات): أي أذهب النور بالظلمات وتاركه متاركه وتتاركوا: تقابلوا في الترك واترك اتراكا: اعتمد الترك والتركة والتريكة: بيضة النعام المنفردة لتركها وحدها والظلمات: جمع الظلمة واصلها انتقاص الحق من قوله: ولم تظلم منه شيئا أي لم تنقص واظلم الجواد الحتمل انتقاص الحق لكرمه ومن أشبه أباه فما ظلم أي ما انتقص حق الشبه وظلمت الناقة: اذا نحرت من غير علة والظلم: ماء الاسنان من اللون لا من الريق والظلم الثلج.

وقوله: (في ظلمات لا يبصرون) قال ابن عباس: إنهم بيصرون الحق ويقولون به حتى اذا خرجوا من ظلمة الكفر أطفأوه بكفرهم به فتركهم في ظلمات الكفر فهم لا بيصرون هدى ولا يستقيمون على حق وروي عنه أيضا أنه قال: هذا مثل ضربه الله تعالى للمنافقين أنهم كانوا يعتزون الاسلام فيناكحهم(3) المسلمون

___________________________________

(1) وفي رواية " الجزع " بدل " الدر ".

(2) سورة الكهف: آية 109.

(3) في الطبعة الايرانية بصيغة الماضي والظاهر من السياق ان الصيغة ما ذكرنا.

[88]

ويولدونهم وبقاسمونهم الفئ فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العز كما سلب صاحب النار ضوء‌ه وتركهم في عذاب وهو أحسن الوجوه وقال أبومسلم: معناه أنه لا نور لهم في الآخرة وإن ما أظهروه في الدنيا يضمحل سريعا كاضمحلال هذه اللمعة وحال من يقع في الظلمة بعد الضياء اشقى في الحيرة فكذلك حال المنافقين في حيرتهم بعد اهتدائهم ويزيد استضرارهم على استضرار من طفئت ناره بسوء العاقبة.

وروي عن ابن مسعود وغيره أن ذلك في قوم كانوا اظهروا الاسلام ثم أظهروا النفاق فكان النور الايمان والظلمة نفاقهم وقيل فيها وجوه تقارب ما قلناه وتقدر بعد قوله: (فلما اضاء‌ت ما حوله) (انطفأت) لدلالة الكلام عليها كما قال ابوذؤيب الهذلي:

دعاني اليها القلب إني لامره *** مطيع فما ادري ارشد طلابها؟(1)

وتقديره ارشد طلابها ام غي؟ وقال الفراء يقال ضاء القمر يضوء واضاء يضئ لغتان وهو الضوء والضوء - بفتح الضاد وضمها - وقد اظلم الليل وظلم - بفتح الظاء وكسر اللام - وظلمات على وزن غرفات وحجرات وخطوات فاهل الحجاز وبنو اسد يثقلون وتميم وبعض قيس يخففون والكسائي يثم الهاء الرفع بعد نصب اللام في قوله (حوله) و (نجمع عظامه) في حال الوقف الباقون لا يشمون وهو احسن.

قوله تعالى: صم بكم عمي فهم لا يرجعون(18)

آية بلا خلاف

التفسير واللغة: قال قتادة " صم " لا يسمعون الحق " بكم لا ينطقون به " عمي "

___________________________________

(1) وفي ديوان الهذليين: 71 " عصاني اليها القلب " والروايتان صحيحتان

[89]

لا يرجعون عن ضلالتهم صم رفع على انه خبرابتداء محذوف وتقديره هؤلاء الذين ذكرناهم في القصة: صم بكم عمي والاصم هو الذي ولد كذلك وكذلك الابكم هو الذي ولد أخرس.

ويقال الابكم: المسلوب الفؤاد ويجوز أن يجمع أصم: صمان: مثل اسود وسودان واصل الصم: السد فمنه الصم: سد الاذن بما لا يقع معه سمع وقناة صماء: كبيرة الجوف صلبة لسد جوفها بامتلائها وفلان أصم لسد خروق مسامعه عن ادراك الصوت وحجر أصم أي صلب وفتنة.

صماء: أي شديدة والتصميم: المضي في الامر والصمام: مايشد به رأس القارورة لسده رأسها والفعل: أصمها والصميم: العظم الذي هو قوام العضو لسد الخلل به وأصل اليكم: الخرس وقيل هو الذي يولد أخرس وبكم عن الكلام: اذا امتنع منه جهلا أو تعمدا كالخرس والابكم: الذي لا يفصح لانه كالخرس واصل العمى: ذهاب الادراك بالعين والعمى في القلب كالعمى في العين بآفة تمنع من الفهم واعماه: إذا اوجد في عينيه عمى وعمى الكتاب تعمية وتعامى عن الامر تعاميا وتعمى الامر: تطمس كأن به عمى وما اعماه: من عمى القلب ولا يقال ذلك من الجارحة والعماية: الغواية والعماء: السحاب الكثيف المطبق.

والرجوع: مصدر رجع يرجع رجوعا ورجعه رجعا والارتجاع: اجتلاب الرجوع والاسترجاع: طلب الرجوع وتراجع: تحامل وترجع: تعمد للرجوع ورجع: كثر في الرجوع ورجع الجواب: رده والمرجوعة: جواب الرسالة والرجع: المطر ومنه قوله: (والسماء ذات الرجع)(1) الرجع: نبت الربيع والرجوع عن الشئ بخلاف الرجوع اليه والمعنى: إنهم صم عن الحق لا يعرفونه لانهم كانوا يسمعون بآذانهم وبكم عن الحق لاينطقون مع ان ألسنتهم صحيحة عمي لا يعرفون الحق واعينهم صحيحة كما قال: (وتراهم ينظرون اليك وهم لا يبصرون) (فهم لايرجعون) ويحتمل امرين:

___________________________________

(1) سورة الطارق آية 11.

[90]

أحدهما - ما روي عن ابن عباس أنه على الذم والاستبطاء والثاني - ما روي عن ابن مسعود انهم لايرجعون إلى الاسلام وقال قوم: إنهم لا يرجعون عن شراء الضلالة بالهدى وهو أليق بما تقدم وهذا يدل على أن قوله: " ختم الله على قلوبهم " وطبع الله عليها ليس هو على وجه الحيلولة بينهم وبين الايمان لانه وصفهم بالصم والبكم والعمى مع صحة حواسهم وانما أخبر بذلك عن إلفهم الكفر واستثقالهم للحق والايمان كأنهم ما سمعوه ولا رأوه

فلذلك قال: " طبع الله على قلوبهم " " وأضلهم " " وأصمهم " " وأعمى أبصارهم " " وجعل على قلوبهم أكنة " " فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم " وكان ذلك إخبارا عما أحدثوه عند امتحان الله إياهم وأمره لهم بالطاعه والايمان لانه ما فعل بهم ما منعهم من الايمان وقد يقول الرجل: حب المال قد اعمى فلانا واصمه ولا يريد بذلك نفي حاسته لكنه اذا شغله عن الحقوق والقيام بمايجب عليه قيل: اصمه واعماه وكما قيل في المثل: حبك للشئ يعمي ويصم - يريدون به ما قلناه - وقال مسكين الدارمي:

اعمى اذا ما جارتي خرجت *** حتى يواري جارتي الخدر

ويصم عما كان بينهما *** سمعي وما بي غيره وقر(1)

وقال آخر: اصم عما ساء‌ه سميع فجمع الوصفين وانما جاز (صم وبكم) بعد وصف حالهم في الآخرة كمافي قوله: (وتركهم في ظلمات لا يبصرون) لامرين: احدهما - ان المعتمد من الكلام على ضرب المثل لهم في الدنيا في الانتفاع باظهار الايمان الثاني إنه اعتراض بين مثلين بما يحقق حالهم فيهما على سائر امرهما وقيل إن معناه: التقديم والتأخير

___________________________________

(1) في الطبعة الايرانية بدل " يصم " " تصم " وبدل: " سمعي " " أذني " وبدل " بي " " في " وبدل " غيره " " سمعها " والبيتان في " معجم الادباء 11: 132

[91]

قوله تعالى: أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين(19)

اللغة والتفسير: الصيب على فيعل من صاب يصوب وأصله صيوب لكن استقبلتها يا ساكنة فقلبت الواو ياء وأدغمتا كما قيل: سيد من ساد يسود وجيد من جاد يجود قياسا مطردا والصيب المطر وكل نازل من علو إلى أسفل يقال فيه صاب يصوب قال الشاعر:

كأنهم صابت عليهم سحابه *** صواعقها لطيرهن دبيب(1)

وقال عبيد بن الابرص:

حي عفاها صيب رعده *** داني النواحي مغدق وابل

وهذا مثل ضربه الله للمنافقين كان المعنى: أو كاصحاب صيب فجعل كفر اللاسلام لهم مثلا فيما ينالهم فيه من الشدائد والخوف وما يستضيئون به من البرق مثلا لما يستضيئون به من الاسلام وما ينالهم من الخوف في البرق بمنزلة ما يخافونه من القتل بدلالة قوله: (يحسبون كل صيحة عليهم)(2) قال ابن عباس: الصيب القطر وقال عطا: هو المطر وبه قال ابن مسعود وجماعة من الصحابة وبه قال قتادة وقال مجاهد: الصيب: الربيع وتأويل الآية: مثل استضاء‌ة المنافقين بضوء إقرارهم بالاسلام مع استسرارهم الكفر كمثل موقد نار يستضئ بضوء ناره أو كمثل مطر مظلم ودقه يجري من السماء تحمله مزنة ظلماء في ليلة مظلمة فان قيل: فان كان المثلان للمنافقين

___________________________________

(1) في الطبعة الايرانية (يطرهن) بدل (لطيرهن) والبيت لعلقمة بن عبده والبيت في ديوانه وفي شرح المفضليات.

(2) سورة المنافقون: آية 4.

[92]

فلم قال: (أو كصيب) وأو لاتكون إلا للشك وان كان مثلهم واحدا منهما فما وجه ذكر الآخر بأو وهي موضوعه للشك من المخبر عما أخبر به؟ قيل: إن (أو) قد تستعمل بمعنى الواو كما تستعمل للشك بحسب ما يدل عليه سياق الكلام قال توبة بن الحمير:

وقد زعمت ليلى باني فاجر *** لنفسي تقاها أو عليها فجورها

ومعلوم أن توبة لم يقل ذلك على وجه الشك وانما وضعها موضع الواو.

وقال جرير:

نال الخلافة أو كانت له قدرا *** كما أتى ربه موسى على قدر

ومثله كثير.

قال الزجاج: معنى (أو) في الآية التخيير كأنه قال: إنكم مخيرون بان تمثلوا المنافقين تارة بموقد النار وتارة بمن حصل في المطر يقال: جالس الحسن أو ابن سيرين أي: انت مخير في مجالسة من شئت منهما والرعد: قال قوم: هو ملك موكل بالسحاب يسبح روي ذلك عن مجاهد وابن عباس وابي صالح وهو المروي عن أئمتنا (عليهم السلام).

وقال قوم: هو ريح يختنق تحت السماء رواه ابوخالد عن ابن عباس وقال قوم: هو اصطكاك اجرام السحاب فمن قال انه ملك قدر فيه صوته كأنه قال: فيه ظلمات وصوت رعد لانه روي انه يزعق به كما يزعق الراعي بغنمه والصيب اذا كان مطرا والرعد إذا كان صوت ملك كان يجب أن يكون الصوت في المطر لانه قال (فيه) والهاء راجعة اليه والمعلوم خلافه لان الصوت في السحاب والمطر في الجو إلى أن ينزل ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن يقال: لا يمتنع أن يحل الصوت المطر حين انفصاله من السحاب ولا مانع يمنع منه ويحتمل أن يكون المراد بفي (مع) كأنه قال: معه ظلمات ورعد وقد بينا جوازه فيما مضى.

واما البرق فمروي عن علي (عليه السلام) أنه قال: مخاريق الملائكة من حديد تضرب بها السحاب فتنقدح منها النار وروي عن ابن عباس: انه سوط من نور يزجر به الملك السحاب وقال قوم: إنه ما رواه ابوخالد عن ابن

[93]

عباس وقال مجاهد: هو مصع ملك والمصاع: المجالدة بالسيوف وبغيرها قال أعشى بني ثعلبة يصف جواري لعبن بحليهن:

اذا هن نازلن أقرانهن *** وكان المصاع بما في الجون(1)

يقال منه: ماصعه مصاعا والمعاني متقاربة لان قول علي عليه السلام: إنه مخاريق وقول ابن عباس: إنه سياط يتقاربان وما قال مجاهد: إنه مصاع قريب لانه لا يمتنع انه أراد مصاع الملك بذلك وإزجاره به والصواعق جمع صاعقة: وهو الشديد من صوت الرعد فتقع منه قطعة نار تحرق ما وقعت فيه والصاعقة: صيحة العذاب والصاعاق: الصوت الشديد للثور والحمار صعق صعاقا والصعق: الموت من صوت الصاعقة والصعق الغشي من صوت الصاعقة صعق فهو صعق ومنه قوله (وخر موسى صعقا)(2).

روي شهر ابن حوشب: ان الملك اذا اشتد غضبه طارت النار من فيه فهي الصواعق وقيل: إن الصواعق نار تنقدح من اصطكاك الاجرام وقريش وغيرهم من الفصحاء يقولون: صاعقة وصواعق والقوم يصعقون وتميم وبعض ربيعة يقولون: صواقع والقوم يصقعون وفي تأويل الآية وتشبيه المثل أقاويل:

روي عن ابن عباس: أنه مثل للقرآن شبه المطر المنزل من السماء بالقرآن وما فيه الظلمات بما في القرآن من الابتلاء وما فيه من الرعد بما في القرآن من الزجر وما فيه من البرق بما فيه من البيان وما فيه من الصواعق بما في القرآن من الوعيد آجلا والدعاء إلى الجهاد عاجلا والثاني - وقيل: إنه مثل للدنيا وما فيها من الشدة والرخاء والبلاء كالصيب الذي يجمع نفعا وضرا فان المنافق يدفع عاجل الضر ويطلب آجل النفع والثالث - انه مثل القيمة لما يخافونه من وعيد الآخرة لشكهم في دينهم

___________________________________

(1) في الطبعة الايرانية (كان) بدل وكان ما ذكرنا عن ديوانه 15.

(2) سورة الاعراف: آية 142.

[94]

وما فيه من البرق بما فيه من إظهار الاسلام من حقن دمائهم ومناكحتهم ومواريثهم وما فيه من الصواعق بما في الاسلام من الزواجر بالعقاب في العاجل والآجل والرابع - أنه ضرب الصيب مثلا بضرب إيمان المنافق ومثل ما في الظلمات بضلالته وما فيه من البرق بنور إيمانه ومافيه من الصواعق بهلاك نفاقه والوجه الاخير اشبه بالظاهر وأليق بما تقدم.

وروي عن ابن مسعود وجماعة من الصحابة: أن رجلين من المنافقين من أهل المدينة هربا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاصابهما المطر الذي ذكره الله (فيه رعد شديد وصواعق وبرق) فجعلا كلما اصابتهما الصواعق جعلا أصابعهما في آذانهما من الفرق(1) أن تدخل الصواعق في آذانهما فتقتلهما واذا لمع البرق مشيا في ضوئه واذا لم يلمع لم يبصرا فاقاما في مكانهما لا يمشيان فجعلا يقولان: ليتنا قد اصبحنا فنأني محمدا فنضع أيدينا في يده فاصبحا فاتياه وأسلما وحسن إسلامهما فضرب الله شأن هذين المنافقين مثلا لمنافقي المدينة وأنهم اذا حضروا النبي صلى الله عليه وآله جعلوا أصابعهم فرقا من كلام النبي صلى الله عليه وآله أن ينزل فيهم شئ كما قام ذانك المنافقان يجعلان أصابعهما في آذانهما (واذا أضاء لهم مشوا فيه): يعني اذا كثرت اموالهم وأصابوا غنيمة وفتحا مشوا فيه وقالوا دين محمد (صلى الله عليه وآله) صحيح (واذا أظلم عليهم قاموا): يعني اذا أهلكت أموالهم وولد البنات واصابهم البلاء قالوا: هدا من أجل دين محمد صلى الله عليه وآله وارتدوا كما قام ذانك المنافقان اذا أظلم البرق عليهما ويقوي عندي أن هذا مثل آخر ضربه الله بالرعد والبرق ولما هم فيه من الحيرة والالتباس يقول لا يرجعون إلى الحق إلا خلسا كما يلمع البرق ثم يعودون إلى ضلالهم واصلهم الذي هم عليه ثابتون واليه يرجعون والكفر كظلمة الليل والمطر الذي يعرض في خلالهما البرق لمعا وهم في

___________________________________

(1) الفرق: الخوف

[95]

اثناء ذلك يحذرون الوعيد والعذاب العاجل إن أظهروا الكفر كما يحذرون الصواعق من الرعد فيضعون أصابعهم في آذانهم ارتياعا وانزعاجا في الحال ثم يعودون إلى الحيرة والضلال (حذر الموت): نصب على التمييز وتقديره (من حذر الموت) ويجوز ان يكون نصبا لانه مفعول له فكأنه قال: يفعلون هذا الاجل حذر الموت ويحتمل أن يكون نصبا على الحال والموت: ضد الحياة والاماتة: فعل بعده الموت والميتة: مالم تدرك ذكاته والميتة: الموت في حال مخصوص من ذلك ميتة سوء والموتان: وقوع الموت في المواشي وموتت المواشي: اذا كثر فيها الموت وموتان الارض: التي لم تزرع والحذر: طلب السلامة من المضرة وحذره تحذيرا وحاذره محاذرة والحذيرة: المكان الغليظ لانه يتحذر منه قوله: (محيط بالكافرين) يحتمل أمرين: احدهما - إنه عالم بهم - وإن كان عالما بغيرهم - إنما خصهم لما فيه من التهديد والثاني - إنه المقتدر عليهم - وان كان مقتدرا على غيرهم - لانه تقدم ذكرهم ولما فيه من الوعيد والمحيط: القادر.

قال الشاعر:

أحطنا بهم حتى اذا ما تيقنوا *** بما قدروا مالوا جميعا إلى السلم

أي قدرنا عليهم فاما الاحاطة بمعنى كون الشئ حول الشئ مما يحيط به فلا يجوز على الله تعالى لانه من صفات الاجسام والذي يجوز الاحاطة بمعنى الاقدار والملك كما يقال: أحاط ملكك بمال عظيم: يعنون أنه يملك مالا عظيما ويقال حاطه يحوطه حوطا: اذا حفظه من سوء يلحقه ومنه الحائط لانه يحيط بما فيه واحاط به: جعل عليه كالحائط الدائر والاحتياط: الاجتهاد في حفظ الشئ

[96]

الآية: 20 - 29

قوله تعالى: يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شئ قدير(20)

المعنى: معنى (يكاد): يقارب وفيه مبالغة في القرب وحذفت منه أن لانها للاستقبال قال الفرزدق:

يكاد يمسكه عرفان راحته *** ركن الحطيم اذا ما جاء يستلم

(يخطف) فيه لغتان يقال: خطف يخطف وخطف يخطف والاول أفصح وعليه القراء وروي عن الحسن (يخطف) - بكسر الخاء وكسر الطاء ويروى (يخطف) بكسر الياء والخاء والطاء والخطف: السلب ومنه الحديث أنه نهى عن الخطفة: يعني النهبة ومنه قيل الخطاف: والذي يخرج به الدلو من البئر (خطاف) لاختطافه واستلابه قال نابغة بني ذبيان:

خطاطيف حجن في حبال متينة *** تمد بها أيد اليك نوازع(1)

جعل ضوء البرق وشدة شعاع نوره كضوء إقرارهم بألسنتهم بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله واليوم الآخر ثم قال: (كلما أضاء لهم مشوا فيه): يعني كلما أضاء البرق لهم وجعل البرق مثلا لايمانهم وإضاء‌ة الايمان أن يروا فيه مايعجبهم في عاجل دنياهم من إصابة الغنائم والنصرة على الاعداء فلذلك أضاء لهم لانهم إنما يظهرون بألسنتهم ما يظهرونه من الاقرار ابتغاء ذلك ومدافعة عن انفسهم واموالهم كما قال: " ومن الناس من يعبدالله على حرف فان أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه "(2) (واذا أظلم عليهم): يعني

___________________________________

(1) خطاطيف: ج خطاف وحجن ج أحجن: وهو المعوج ونوازع ج نازع ونازعة من قولهم نزع الدلو من البئر ينزعها جذبها أخرجها.

(2) سورة الحج آية 11.

[97]

ضوء البرق على السائرين في الصيب الذي ضربه مثلا للمنافقين وظلام المنافقين: أن يروا في الاسلام ما لايعجبهم في دنياهم من ابتلاء الله المؤمنين بالضراء وتمحيصه اياهم بالشدائد والبلاء من إخفاقهم في مغزاهم أو إدالة عدوهم أو إدبار دنياهم عنهم أقاموا على نفاقهم وثبتوا على ضلالهم كما ثبت السائر في الصيب الذي ضربه مثلا (اذا أظلم) وخفت ضوء البرق فحار في طريقه فلم يعرف منهجه.

وقوله: (ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم) انما خص الله تعالى ذكر السمع والبصر انه لو شاء لذهب بهما دون سائر اعضائهم لما جرى من ذكرهما في الآيتين من قوله: (يجعلون اصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت) وفي قوله (يخطف أبصارهم) فلما جرى ذكرهما على وجه المثل عقب بذكر ذلك بانه لو شاء اذهبه من المنافقين عقوبة لهم على نفاقهم وكفرهم كما توعد في قوله: (محيط بالكافرين) وقوله: " بسمعهم " قدبينا فيما تقدم أنه مصدر يدل على الجمع وقيل: إنه واحد موضوع للجمع فكأنه أراد " باسماعهم " قال الشاعر:

كلوا في نصف بطنكم تعفوا *** فان زمانكم زمن خميص(1)

اراد البطون.

ويقال: ذهبت به واذهبته وحكي أذهب به وهو ضعيف ذكره الزجاج والمعنى: ولو شاء‌الله لاظهر على كفرهم فدمر عليهم وأهلكهم لانه) على كل شئ قدير): أي قادر وفيه مبالغة.

قوله تعالى: ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون(21)

القراء‌ة: أفصح اللغات فتح الهاء ب‍ " أيها " وبعض بني مالك من بني اسد رهط شقيق بن سلمة يقولون: ياأيه الناس ويا أيته المرأة ويا أيه الرجل ولا يقرأ بها ومن

___________________________________

(1) من ابيات سيبويه التي لا يعلم قائلها سيبويه الخزانة.

[98]

رفعها توهمها آخر الحروف وقد حذفت الالف في الكتابة من ثلاثة مواضع: أيه المؤمنون وياأيه الساحر وأيه الثقلان وسنذكر خلاف القراء في التلفظ بها.

النزول: وروي عن علقمة والحسن: أن كلما في القرآن " يا أيها الذين آمنوا " نزل بالمدينه وما فيه " ياايها الناس " نزل بمكة واعلم أن " أيا " اسم مبهم ناقص جعل صلة إلى نداء ما فيه الالف واللام ويلزمه ها التي للتنبيه لابهامه ونقصه واجاز المازني " يا اي الظريف " قباسا على " يازيد الظريف " ولم يجزه غيره لان " ايا " ناقص والنصب عطفا على الموضع بالحمل على المعنى ولايحمل على التأويل إلا بعد التمام وهذا هو الصحيح عندهم.

المعنى: وهذه الآية متوجهة إلى جميع الناس: مؤمنهم وكافرهم لحصول العموم فيها إلا من ليس بشرائط التكليف من المجانين والاطفال وروي عن ابن عباس أنه قال: قوله " اعبدوا ربكم " أي وحدوه وقال غيره: ينبغي أن يحمل على عمومه في كل ما هو عبادة لله: من معرفته ومعرفة أنبيائه والعمل بما أوجبه عليهم وندبهم اليه وهو الاقوى وقوله: " لعلكم تتقون ": أي تتقون عذابه بفعل ما أوجبه عليكم كما قال: " واتقوا النارالتي أعدت للكافرين "

الاعراب: وقوله: " والذين " في موضع نصب لانه عطف على الكاف والميم في قوله: (خلقكم) وهو مفعول به (من قبلكم): اي من تقدم زمانكم من الخلائق والبشر وقال مجاهد: (تتقون): مطيعون والاول أقوى والخلق: هو الفعل على تقدير وخلق الله السماوات: فعلها على تقديرما تدعواليه الحكمة من غير زيارة ولانقصان ومثله الرزق والخلق: الطبع والخليقة: الطبيعة وخليق به: شبيه به والخلاق: النصيب والاختلاق: افتعال الكذب والخلق: البالي والاخلق: والاملس

[99]

ومعنى " لعلكم تتقون " قال الشاعر:

وقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا *** نكف ووثقتم لناكل موثق

فلما كففنا الحرب كانت عهودكم *** كلمح سراب في الملا متألق(1)

يعني قلتم لنا: كفوا لنكف لانه لو كان شاكا لما كانوا وثقوا كل موثق ويقول القائل: اقبل قولي لعلك ترشد وادخاله " لعل " ترقيق للموعظة وتقريب لها من قلب الموعوظ يقول القائل لاجيره: اعمل لعلك تأخذ الاجرة وليس يربد بذلك الشك وانما يريد لتأخذ اجرتك.

وقال سيبويه: انما ورد ذلك على شك المخاطبين كما قال تعالى: (فقولا له قولا لينا لعله يتذكراو يخشى) واراد بذلك الابهام على موسى وهارون وفائدة ايراد لفظة " لعل " هو ان لا يحل العبد ابدا محل الامن المدل لكي يزداد حرصا على العمل وحذرا من تركه واكثر ما جاء‌ت لعل وغيرها من معاني التشكيك فيما يتعلق بالاخرة في دار الدنيا فاذا ذكرت الاخرة مفردة جاء اليقين.

وهذه الآية يمكن الاستدلال بها على ان الكفار مخاطبون بالعبادات لدخولهم تحت الاسم وقال بعضهم: معنى قوله (لعلكم تتقون) لكي تتقوا النار في ظنكم ورجائكم لانهم لا يعلمون انهم يوقون النار في الآخرة لان ذلك من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله قال: لعلكم تتقون ذلك في ظنكم ورجائكم واجرى (لعل) على العباد دون نفسه تعالى الله عن ذلك وهذا قريب مما حكيناه عن سيبويه و (لعل) في الآية يجوز أن تكون متعلقة بالتقوى ويجوز أن تكون متعلقة بالعبادة في قوله: (اعبدوا) وهو الاقوى.


 




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 200

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 9087026

  • التاريخ : 30/09/2020 - 18:34

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net