سورة النساء من ( آية 72 ـ 96) 

الكتاب : التبيان في تفسير القرآن (الجزء الثالث)   ||   القسم : كتب في تفسير القرآن   ||   القرّاء : 1902

قوله تعالى: (وإن منكم لمن ليبطئن فان أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا(72))

آية.

قال الحسن، ومجاهد، وقتادة، وابن جريج، وابن زيد: نزلت هذه الآية في المنافقين الذين كانوا يثبطون الناس عن الجهاد. فاذا أصابتهم مصيبة فيه، من قتل أو هزيمة، قالوا قول الشامت بهم في تلك الحال: قد أنعم الله علينا إذ لم نكن معهم شهداء أي حضورا.

وقال أبوجعفر (ع): من يتمنى التأخر عن جماعة المسلمين، لايكون إلا كافرا.

فقوله: " وان منكم لمن ليبطئن " خطاب للمؤمنين. وانما أضاف المنافقين إليهم لامرين: أحدهما - ان من عدادكم ودخلائكم. الثاني - أي منكم في الحال الظاهرة، أو حكم الشريعة من حقن الدم، ونحو ذلك من الموارثة، والمناكحة. واللام الاولى لام الابتداء بدلالة دخولها على الاسم، والثانية لام القسم بدلالة دخولها على الفعل مع نون التأكيد. وتقديره إن منكم لمن حلف بالله ليبطئن. وانما جاز صلة " من " بالقسم، ولم يجز بالامر والنهي لان القسم خبر يوضح الموصول، كما يوضح الموصوف في قولك: مررت برجل لتكرمنه، لانه خصصه بوقوع الاكرام به في المستقبل من كل رجل غيره. وليس كذلك

___________________________________

(1) - في المخطوطة زيادة: " على الاصل انثى ثبية " - في هذا الموضع.

(2) - مابين القوسين ساقط من المطبوعة وهو موجود في المخطوطة.

[255]

الامر في قولك: مررت برجل أضربه، لانه لايتخصص بالضرب في الامر كما، تخصص في الخبر.

قال: الفراء تدخل اللام في النكرات وفي من وما والذى. فاذا جئت بالمعرفة الموقتة، لم يجز ادخال اللام فيها. لاتقول إن عبدالله ليقومن وان زيدا ليذهبن، لان زيدا، وعبدالله، لايحتاجان إلى صلة، والابطاء: اطالة مدة العمل لقلة الانبعاث.. ضده الاسراع. وهو قصر مدة العمل، للتدبير فيه.

والاناة: اطالة الاحكام الذي لاسبيل إليه إلا بالتثبت فيه. وضدها العجلة وهي قصر المدة من غير إحكام الصنعة تقول: بطؤ في مشيه يبطؤ بطاء: إذاثقل وتباطأ تباطيا وبطأتبطيا واستبطأ استبطاء وأبطأ إبطاء: إذا تأخر.

قوله تعالى: (ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ياليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما(73))

آية بلاخلاف.

المعني بهذه الآية المنافقون الذين وصفهم الله بانهم يفرحون بتأخرهم عن المؤمنين إذا اصيبوا، وانهزموا. فاخبر عنهم انه إذا أصاب المؤمنين فضل من الله بان يظفروا أو يقهروا العدو، بانهم يتمنون الكون معهم، فيفوزوا فوزا عظيما.

وانما ذمهم الله بهذا التمني لاحد أمرين: أحدهما - لانهم قالوه على وجه ايثار الغنيمة لاعلى حال المثوبة من جهة الله لشكهم في الجزاء من الله. الثاني - قال قتادة وابن جريج انهم قالوا: ذلك على جهة الحسد للمؤمنين.

والاصابة. ملامسة المرمي لما وقعت به الرمية.

فاذا قيل: أصاب - مطلقا - فمعناه أصاب الغرض.

ويجوز أن ينفي فيقال: لم يصب، يعني الغرض، وان أصاب غيره.

[256]

وقوله: " كان لم تكن بينكم وبينه مودة " قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - انه اعتراض بين القول، والتمني، ولايكون له موضع من الاعراب. وتقديره ليقولن: ياليتني كنت معهم، فافوز فوزا عظيما. كأن لم يكن بينكم وبينه مودة.

الثاني - أن يكون اعتراضا وموضعه التقديم. وتقديره فان أصابتكم مصيبة، قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا كأن لم يكن بينكم، وبينه مودة. واختار هذا الوجه أبوعلي النحوي.

الثالث - أن يكون في موضعه على موضع الحال.

كما تقول: مررت بزيد كأن لم يكن بينك وبينه معرفة فضلا عن مودة.

والزجاج أجاز الوجوه الثلاثة.

المعنى: وفي معنى الآية قولان: أحدهما - قال الجبائي: المعنى ليقولن لهؤلاء الذين أقعدهم عن الجهاد، كأن لم يكن بينكم وبينه أي وبين محمد صلى الله عليه وآله مودة، فيخرجكم لتأخذوا من الغنيمة، ليبغضوا إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله. الثاني - انه يقول قول الممنوع بالعداوة. وانما أنى من جهله بتلك الحال. وهوالاظهر.

والمعنى كأنه لم يعاقد كم على الايمان ولم يظهر لكم مودة على حال يخاطبون بذلك من اقعدوه عن الخروج، ثم يقول من قبل نفسه: ياليتني كنت معهم.

وقال الحسين بن علي المغربي: المعنى ليس الكون معهم في الخبر، والشر، كأهل المودات، وانما يتمنون ذلك عند الغنيمة كالبعداء يذمهم بسوء العهد مع سوء الدين. وانما نصب جواب التمني بالفاء، لانه مصروف عن العطف محمول على تأويل المصدر. وتقديره ياليتني كان لي حضور، معهم ففوز. ولوكان على العطف، لكان ياليتني كنت معهم ففزت.

وقرأ أبوجعفر المدني، وحفص، ورويس، والبرجمي: " كان لم تكن " - بالتاء - لان لفظة المودة مؤنثة. ومن قرأ بالياء، فلان التأنيث ليس بحقيقي، ومع ذلك قدوقع فصل بين الفعل، والفاعل.

[257]

قوله تعالى: (فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما(74))

آية.

لما أخبر الله تعالى في الآية الاولى ان قوما من المنافقين يثبطون المؤمنين عن جهاد العدو والقتال في سبيل الله، حث في هذه الآية على الجهاد، بأن قال: لاتلتفتوا إلى تثبيط المنافقين، وقاتلوا في سبيل الله بائعين للدنيا بالآخرة، إذ لكم بذلك أعظم الاجر وأكبر الحظ.

وقال الزجاج: فليكن من الذين يقاتلون في سبيل الله أو عمن كان بينه وبينكم عقد مودة.

ومعنى (يشرون الحياة الدنيا بالآخرة) يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة. وبيعهم إياها بالآخرة هو استبدالهم إياها بالآخرة ببذلهم أنفسهم، وأموالهم في سبيل الله، وبتوطين أنفسهم على الجهاد في طاعة الله.

يقال: شريت بمعنى بعت. واشتريت: ابتعت.

ويشرون: يبيعون - في قول الحسن، والسدي، وابن زيد، وجميع أهل اللغة -.

قال يزيد بن مفرغ:

وشريت بردا ليتني *** من بعد برد كنت هامة

وبرد اسم غلامه.

وشريته بمعنى بعته. وفي الآية حذف.

والتقدير يشرون الحياة الدنيا بالحياة الآخرة.

كأنه قال: يبيعون الحياة الفانية بالحياة الباقية.

ويجوز يبيعون الحياة الدنيا بنعيم الآخرة، ثم قال: (ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب). فالوعد على القتال، لاعلى القتل، والغلبة.

وقوله: " فيقتل " عطف على يقاتل. ولذلك جزمه والجواب قوله: " فسوف نؤتيه " وإنما قال: أو يغلب، لان الوعد على القتال حتى ينتهي إلى تلك الحال، لانه أعظم الجهاد. وعليه أعظم الاجر.

[258]

والاجر العظيم هو أعلى أثمان العمل. وذلك أن ثمن العمل على ثلاثة أوجه. ثمن أعلى، وثمن أدنى، وثمن أوسط بينهما فالله تعالى يثامن عليه بالثمن الاعظم الاعلى، فلذلك حسن وصف الاجر بالعظم من غير تقييد له، إذ كان لا ثمن أعظم مما يثامن الله عليه في ذلك العمل.

قوله تعالى: (ومالكم لاتقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والوالدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا(75))

آية.

المعنى والاعراب: معنى قوله: " ومالكم " أي شئ لكم. و " لاتقاتلون " في موضع الحال كأنه قال: أي شئ لكم تاركين، أي في حال القتال مع هذه الامورالتي تقتضي الحرص على الجهاد، أي لا عذر لكم ألا تقاتلوافي سبيل الله، ومثله قوله: " فما لهم عن التذكرة معرضين "(1) وقوله: " والمستضعفين " خفض بالعطف على ما عملت فيه (في) وتقديره في المستضعفين.

وقيل في معناه قولان: أحدهما - وعن المستضعفين، فوقع (في) موقع (عن) فاذا ذكرت (عن) فلصرف الاذى عنهم إذ كانت لما عدا الشئ وإذا ذكرت (في) فلان القتال مضمن بهم، لخلاصهم، إذا كانت في للوعاء.

الثاني - ان يكون على محذوف، وتقديره وفي اعزاز المستضعفين، وقد قال المبرد: هو عطف على اسم الله بتقدير، وسبيل المستضعفين " من الرجاء والنساء والوالدان ".

___________________________________

(1) سورة المدثر: آية 50

[259]

اللغة والمعنى: والوالدان جمع ولدعلى مثال خرب وخربان، وبرق وبرقان، وورل وورلان، مثل ولد وولدان، وهومن ابنية الكثير، والاغلب على بابه فعال نحو جبال وجمال.

وقوله: " الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها " قال ابن عباس والحسن وابن أبي نجيح، والسدي ومجاهد وابن زيد: إنها مكة، لان أهل مكة كانوا قد اجتهدوا أن يفتنوا قوما من المؤمنين عن دينهم، والاذى لهم وكانوا مستضعفين في أيديهم.

وقال تعالى " مالكم " لاتسعون في خلاصهم. وهم يسمون كل مدينة قرية، وإنما جاز أن يجري صفة ظالم على الاول وهو في المعنى للثاني، لانها قوية في العمل لقربها من الفعل متمكنة من الوصف بأنها تصرف تصرفه في التأنيث والتذكير والتثنية، والجمع، خلاف باب أفعل منك، فلذلك جاز مررت برجل ظالم أبوه، ولم يجز مررت برجل خير منه أبوه. والولي القيم بالامر حتى يستقذهم من أمر أعدائهم، لانه يتولى الامر بنفسه، ولايكله إلى غيره.

وحكى أبوعلي ان منهم سلمة بن هشام، والوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة وأبوجندل بن سهيل، وانما قال: (يقولون.. الظالم أهلها) وان كان فيهم الولدان لاينطقون تغليبا للاكثر، كقولك قال أهل البصرة، وإن كان قولا لبعضهم.

قوله تعالى: (الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا(76))

آية بلاخلاف.

المعنى: أخبر الله تعالى في هذه الآية أن الذين صدقوا بالله، ورسوله يقاتلون في سبيل الله، وفي معنى سبيل الله قولان:

[260]

أحدهما - طاعة الله، لانها تؤدي إلى ثواب الله في جنته التي أعدها لاوليائه.

الثاني - قال أبوعلي: إنه دين الله الذي شرعه الذي يؤدي إلى ثوابه ورحمته.

وتقديره في نصرة دين الله، ثم قال: " والذين كفروا " يعني الذين جحدوا آيات الله الدالة على توحيده، ونبوة نبيه.

وقوله: " يقاتلون في سبيل الطاغوت " قد فسرناه فيما مضى.

فقال قوم: هوالشيطان. وقال آخرون: هوماعبد من دون الله.

والاول قول الحسن والشعبي. والثاني حكاه الزجاج.

وقال أبوالعالية: هوالكاهن.

وهو يؤنث ويذكر قال الله تعالى: " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به "(1) فذكره وقال: " والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها "(2) فانث قال أبوعبيدة هو ههنا في موضع جماعة، كماقال: " حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير "(3) وكان المراد به الجنس.

وقوله: " فقاتلوا أولياء الشيطان " يقوي قول من قال: المراد بالطاغوت الشيطان.

وقوله: " إن كيد الشيطان كان ضعيفا " إنما دخلت (كان) ههنا مؤكدة لتدل على ان الضعف لكيد الشيطان لازم في جميع الاوقات فيما مضى، والحال، والمستقبل. وليس هو عارضا في حال دون حال. والكيد السعي في فساد الحال على وجه الاحتيال تقول كاده يكيده كيدا، فهو كائد له. إذا عمل في ايقاع الضرر به على وجه الحيلة عليه. وانما وصف تعالى كيد الشيطان، بالضعف لامرين:

أحدهما - لضعف نصرته، لاوليائه بالاضافة إلى نصرة الله المؤمنين - ذكره الجبائي - وقال الحسن: أخبرهم أنهم سيظهرون عليهم، فلذلك كان ضعيفا.

الثاني - لضعف دواعي أوليائه إلى القتال بانها من جهة الباطل إذ لانصير لهم. وانما يقاتلون بما تدعو إليه الشبهة. والمؤمنون يقاتلون بماتدعو إليه الحجة.

___________________________________

(1) سورة النساء: آية 59.

(2) سورة الزمر: آية 17.

(3) سورة المائدة: آية 4.

[261]

قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا(77))

آية بلاخلاف.

القراء‌ة، والحجة: قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف، والحلواني عن هشام ولا يظلمون بالياء. الباقون بالتاء. فمن قرأبالياء حمل الكلام على لفظ الغيبة ومن قرأ بالتاء فعلى المواجهة.

النزول: وقيل في سبب نزول هذه الآية قولان: أحدهما - قال ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وقتادة، والسدي: انها نزلت في ناس من الصحابة استأذنوا النبي صلى الله عليه وآله قال ابن عباس: منهم عبدالرحمن ابن عوف. وهم بمكة في قتال المشركين. فلم ياذن لهم: فلما كتب عليهم القتال. وهم بالمدينة قال فريق منهم ما حكاه الله في الآية. فان قيل: كيف. وز ذلك، والله تعالى يقول: " كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " فامرهم باقامة الصلاة وايتاء الزكاة، ولم تكن الزكاة فرضت بمكة؟ قيل: قد قال البلخي في ذلك: إنه يجوز أن يكون قوم من المنافقين عرضوا على رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك والاقوى عندي أن يكون الله قال ذلك على وجه الندب، والاستحباب دون الزكاة المقدرة على وجه مخصوص.

الثاني - قال مجاهد: نزلت في اليهود. نهى الله هذه الامة أن يصنعوا مثل صنيعهم.

[262]

المعنى: قوله: (ألم تر) معناه ألم ينته علمك إلى هؤلاء تعجيبا من ذلك.

ولو قال: ألم تر هؤلاء أو ألم تعلم هؤلاء‌لم يظهر فيه معنى التعجب منهم كمايظهر ب (إلى)، لانها تؤذن بحال بعيدة قد لاينتهي إليها، لبعدها، لما فيها من العجب الذي يقع بها.

وقوله: (الذين قيل لهم كفوا أيديكم) يعني حين طلبوا القتال وقيل لهم: اقتصروا على اقامة الصلاة وإيتاء الزكاة (فلما كتب عليهم القتال) يعني الجهاد (إذا فريق منهم) يعني جماعة (يخشون الناس كخشية الله) قال الحسن: هو من صفة المؤمنين لما طبعوا عليه من البشرية والخوف، لاعلى وجه كراهة المخالفة.

وقال أبوعلي: هومن صفة المنافقين، لانهم كانوا كذلك حرصا منهم على الدنيا والبقاء فيها والاستكثار منها وقال يخشون القتل من قبل المشركين كما يخشون الموت من قبل الله.

وقوله: (أوأشد خشية) ليس معنى (أو) ههنا الشك، لان ذلك لايجوز عليه تعالى.

وقيل في معناها قولان: أحدهما - أنها دخلت للابهام على المخاطب. والمعنى أنهم على احدى الصفتين. وهذا أصل (أو) وهو معنى واحدعلى الابهام.

الثاني - على طريق الاباحة نحو قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين. ومعناه إن قلت يخشون الناس كخشية الله فانت مصيب، وان قلت يخشونهم أشد من ذلك فأنت مصيب لانه قد حصل لهم مثل تلك الخشية وزيادة.

وقولهم: " لم كتبت علينا القتال " معناه ألزمتنا وأوجبت علينا.

وقوله: (لولا أخرتنا) معناه هلا أخرتنا " إلى أجل قريب وهو إلى أن نموت بآجالنا فأعلمهم الله تعالى أنه متاع الدنيا قليل، وأن الآخرة خير لاهل التقى وأعلمهم أن آجالهم لاتخطئهم " ولايظلمون فتيلا " أي لايبخسون هذا القدر، وكيف ما زادعليه.

[263]

والفتيل: ماتقتله بيدك من الوسخ ثم تلقيه في قول ابن عباس.

وقيل: هو مافي شق، النواة، لانه كالخيط المفتول في شق النواة.

قوله تعالى: (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا(78))

آية بلاخلاف.

اللغة والمعنى: أعلمهم الله تعالى في هذه الآية أن الآجال لاتخطئهم، ولاتنفعهم الخشية من القتل ولو كانوافي بروج مشيدة، وأينما كانوا من المواضع أدركهم الموت بمعنى أصابهم. " وأينما " كتبت موصولة.

وفي قوله: " ان ماتوعدون " مفصولة، لان الاولى زائدة. والثاني - بمعنى الذي ففصلت هذه كما تفصل الاسماء، ووصلت تلك كما توصل الحروف.

وقيل في معنى البروج ثلاثة أقوال: أحدها - قال مجاهد، وابن جريج: هي القصور. الثاني - قال السدي، والربيع: هي قصور في السماء، باعيانها.

وقال الجبائي: هي البيوت التي تكون فوق الحصون. وأصل البروج الظهور.

يقال تبرجت المرأة: إذا أظهرت محاسنها.

والبرج - في العين - اتساعها لظهورها بالاتساع.

والمشيدة: المزينة بالجص. وهوالشيد.

قال الجبائي: معناه المجصصة.

وقال الزجاج، وغيره: معناه المطولة في ارتفاع.

وقال قوم: المشدد، والمخفف سواء إلا من جهة تكثير الفعل.

وقال آخرون: المشيدة بالتشديد - المطولة.

والمشيدة بالتخفيف - المطلية بالجص والنورة.

والشيد رفع البناء. تقول شاد بناء يشيده شيدا: إذا رفعه.

[264]

والشيد: الجص، لانه مما يرفع به البناء. ويجوز أشاد الرجل بناء‌ه.

فأما بالذكر فتقول أشاد بذكره لاغير: إذا رفع منه.

وقوله: (وان تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وان تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك) حكاية عن المنافقين، وصفة لهم. في قول الحسن، وأبي علي وأبي القاسم.

وقال الزجاج: قيل: هوفي صفة اليهود.

وبه قال الفراء. وذلك أن اليهود، لما قدم النبي صلى الله عليه وآله المدينة، فكانوا إذا زكت ثمارهم، واخصبوا، قالوا هذا من عند الله، فاذا أجدبوا، وخاست ثمارهم، قالوا هذا لشؤم محمد صلى الله عليه وآله. وفي معنى الحسنة، والسيئة ههناقولان: قال ابن عباس، وقتادة، وأبوالعالية: هوالسراء والضراء والبؤس. والرخاء، والنعمة والمصيبة، والخصب، والجدب.

وقال الحسن، وابن زيد: هو النصر، والهزيمة.

وقوله: (من عندك) قيل في معناه قولان: أحدهما - قال ابن زيد: معناه بسوء تدبيرك. والثاني - قال الجبائي، والبلخي، والزجاج. أي بشؤمك الذي لحقنا كما حكي عن قوم موسى (وان تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه) فامر الله تعالى نبيه أن يقول: إن جميع ذلك من عندالله، ثم قال: " فما لهؤلاء القوم لايكادون يفقهون حديثا " قال الفراء: (مال) كثرت في الكلام حتى توهموا أن اللام متصلة بما، وانهاحرف واحد، ففصلوا اللام بماخفضت في بعض المواضع، ووصلوهافي بعض المواضع. والاتصال الوجه. والوقف عل اللام، لايجوز، لانها لام الخفض.

والمعنى أي شئ لهؤلاء القوم، لايفقهون حديثا، أي لايفهمون معناه. تقول: فقه الرجل يفقه فقهاوالاسم الفقيه: وصار بعرف الاستعمال علما على علم الفقهاء من علوم الدين.

وفقه الرجل يفقه فقها: إذا صار فقيها.

وأفقهته: أفهمته والتفقه: تعلم الفقه وتفاقه: إذا تعاطى ليرى انه فقيه. وليس هوكذلك.

ومثله تعالم وقيل: معنى الحديث ههنا القرآن.

وقوله: (لايكادون) معناه لايقاربون فيه معنى الحديث الذي هو القرآن، لانهم بعيدون منه باعراضهم عنه، وكفرهم به ولا

[265]

يفهمون ان ما ذكرناه من السراء، والضراء، والشدة والرخاء على ما وصفناه.

قوله تعالى: (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا(79))

آية بلاخلاف.

المعنى: قال الزجاج: هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وآله. والمراد به الامة.

كما قال (ياأيها النبي إذا طلقتم النساء)(1) فان المراد به الامة.

وقال قوم: المخاطب به الانسان، كأنه قال: ما أصابك أيها الانسان - في قول قتادة، والجبائي -.

وقيل في معنى الحسنة والسيئة ههنا قولان: أحدهما - قال ابن عباس، والحسن: الحسنة ما أصابه يوم بدر من الظفر، والغنيمة. والسيئة ما أصابه يوم أحد من كسر رباعيته صلى الله عليه وآله، والهزيمة.

وقال الجبائي: معناهما النعمة، والمصيبة. ويدخل في النعمة نعمة الدنيا، والدين. وفي المصيبة مصائب الدنيا، والدين إلا أن أحدهما من عمل العبد للطاعة، وماجر إليه ذلك العمل.

والآخر - من عمل العبد للمعصية وما جر إليه عمله لها.

وهذا يوافق الاول الذي حكيناه عمن تقدم.

والثاني - ان الحسنة، والسيئة: الطاعة، والمعصية - ذكره أبوالعالية، وأبوالقاسم - ويكون المعنى ان الحسنة التي هي الطاعة باقدار الله، وترغيبه فيها، ولطفه لها.

والسيئة بخذلانه على وجه العقوبة له على المعاصي المقدمة.

وسماه سيئة كما قال: " وجزاء سيئة سيئة مثلها "(2) والتقدير ما أصابك من ثواب حسنة

___________________________________

(1) - سورة الطلاق: آية / 1.

(2) - سورة الشورى: آية 40.

[266]

فمن الله، لانه الذي عرضك للثواب، وأعانك عليها. وماأصابك من عقاب سيئة فمن نفسك، لانه تعالى نهاك عنها، وزجرك عن فعلها. فلما ارتكبتها كنت الجاني على نفسك. وانما احتاج إلى التقدير، لان ما أصابك ليس هو ما أصبته. ويجوز أن يكون المراد بالسيئة ما يصيبهم في دار الدنيا من المصائب، لانه لايجوز أن يكون ذلك عقابا أو بعض ما يستحقونه.

وقوله: " فمن نفسك " معناه فبذنبك في قول الحسن، وقتادة، والسدي، وابن جريج، والضحاك.

قال البلخي: مصيبة هي كفارة ذنب صغير، أو عقوبة ذنب كبير. ويحتمل أن يكون المراد أو تأديب وقع لاجل تفريط.

فان قيل: كيف عاب قول المنافقين في الآية الاولى، لما قالوا إذا أصابتهم حسنة انها من عندالله، وإذا إصابتهم سيئة، قالوا هذه من عندك.

وقد اثبت مثله في هذه الآية؟ قلنا عنه جوابان: أحدهما - ان ذلك على وجه الحكاية. والتقدير يقولون: ما أصابك من حسنة، فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك. ويكون (يقولون) محذوفا، لدلالة سياق الكلام عليه.

الثاني - ان معناهما مختلف، فالاول عند أكثر أهل العلم ان المراد به النعمة، والمصيبة من الله تعالى. وفي الآية الثانية المراد به الطاعة، والمعصية. فلما اختلف معناهما، لم يتناقضا.

ويكون وجه ذكر هذه الآية عقيب الاولى ألا يظن ظان ان الطاعات والمعاصي من فعل الله، لما قال في الآية الاولى: (قل كل من عند الله) وفي الآية دلالة على فساد مذهب المجبرة، لانه تعالى قال: " فمن نفسك " فاضاف المعصية إلى العبد ونفاها عن نفسه تعالى. ولو كانت من خلقه، لكانت منه على أوكد الوجوه. ولاينافي ذلك قوله في الآية الاولى " كل من عندالله " لانا بينا وجه التأويل فيه.

قال الرماني: وفي الآية دلالة على أنه تعالى، لايفعل الالم إلا على وجه اللطف، أو العقاب دون العوض فقط، لان المصائب إذا كانت كلها من قبل ذنب العبد، فهي اما عقوبة، واما من قبل تأديب المصلحة.

وقوله: (وأرسلناك للناس رسولا) معناه من الحسنة ارسالك يامحمد (صلى

[267]

الله عليه وآله) ومن السيئة خلافك يامحمد صلى الله عليه وآله وكفى بالله شهيدا لك وعليك.

والمعنى وكفى الله.

وقوله: (ما أصابك من حسنة) معنى " من " هنا للتبيين ولو قال: إن أصابك من حسنة كانت زائدة لامعنى لها.

الاعراب والحجة: (ورسولا) نصب بارسلناك، وانما ذكره تأكيدا لان أرسلناك دل على أنه رسول، " وشهيدا " نصب على التمييز، لانك إذا قلت كفى الله ولم تبين في أي شئ الكفاية كنت مبهما.

وقوله: " وما أصابك من سيئة فمن نفسك " دخلت الفاء في الجواب لان معنى (ما) من وادخل من على السيئة، لان ما نفي و (من) يحسن ان تزاد في النفي مثل ما جاء‌ني من أحد.

الآية: 80 - 89

قوله تعالى: (من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا(80))

آية.

بين الله تعالى بهذه الآية أن طاعة الرسول صلى الله عليه وآله طاعة الله. وانما كان كذلك، لان طاعة الرسول بامر الله، فهي طاعة الله على الحقيقة، وبارادته وان كانت أيضا طاعة للنبي من حيث وافقت ارادته المستدعية للفعل. فاما الامر الواحد، فلايكون من آمرين كما لا يكون فعل واحد من فاعلين.

وقوله: (ومن تولى) أي اعرض ولم يطع " فما أرسلناك عليهم حفيظا " وقيل في معناه ثلاثة أقوال: أحدها - قال ابن زيد: حافظا لهم من التولي حتى يسلموا.

والثاني - حافظا لاعمالهم التي يقع الجزاء عليها، لان الله تعالى هوالمجازي عليها.

الثالث - قال أبوعلي: حافظا لهم من المعاصي حتى لاتقع.

[268]

قال ابن زيد: هذا أول مابعث، كما قيل له: " ان عليك إلا البلاغ "(1) ثم أمر فيما بعد بالجهاد ووجه جواب الجزاء في قوله: " فما أرسلناك عليهم حفيظا " من المعاصي حتى لاتقع - في قول أبي علي - وعلى القول الآخر لانك لم ترسل عليهم حفيظا لاعمالهم التي يقع الجزاء عليها، فتخاف أن لاتقوم بها. وفي الآية دلالة على ان الرسول لايأمر بالخطأ، لان الله تعالى جعل طاعته طاعة نفسه. والله لايأمر بالخطأ بلا خلاف.

النظم: ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها انه لما ذكر الحسنة التي هي نعمة من الله، بين أن منها ارسال نبي الله ثم بين أن منها طاعة الرسول التي هي طاعة الله. فهو في ذكر نعم الله مجملة، ومفصلة. وفيها تسلية للنبي صلى الله عليه وآله في تولي الناس عنه وعن الحق الذي جاء به، مع تضمنها تعظيم شأنه بكون طاعته طاعة الله.

قوله تعالى: (ويقولون طاعة فاذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون فاعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا(81))

آية بلاخلاف.

قرأ أبوعمر بادغام التاء في الطاء.

وبه قرأ حمزة: والباقون بالاظهار والفتح.

وفرق الكسائي بين بيت طائفة فاظهر في الفعل وادغم في الاسم إذا قال بيتت طائفة.

قال المبرد، والزجاج: لاوجه لذلك، بل هما سواء. وانماحسن ادغام التاء في الطاء، لقرب مخرجهما. ولم يجز إدغام الطاء في التاء، لما فيها من الاطباق. وكذلك يجوز إدغام الباء في الميم في " تكتب ما يبيتون " ولايجوز ادغام الميم في الباء نحو " لااقسم بهذا البلد " لانه يخل باذهاب الغنة في ذلك، ولايخل بها في الاول.

___________________________________

(1) سورة الشورى: آية 48.

[269]

ويحتمل رفع طاعة وجهين: أحدهما - أمرنا طاعة. والثاني - منا طاعة.

قال الزجاج: الاول أحسن، لانه أجمع. ويجوز طاعة " نصبا " على معنى نطيع طاعة. ولم يقرأ به. ومن القائلون لهذا القول؟ قيل فيه قولان: [ أحدهما ] - قال الحسن، والسدي، والضحاك: هم المنافقون. الثاني - انهم الذين حكى عنهم انهم يخشون الناس كخشية الله أوأشد خشية وقوله: (فاذا برزوا من عندك) يعني خرجوا من عندك بيت طائفة منهم يعني دبر جماعة منهم ليلا.

قال المبرد: التبييت كل شئ دبر ليلا.

وقال الجبائي معناه دبروه في بيوتهم وهذا بعيد لاوجه له في اللغة.

قال الرماني: وفيه معنى الاخفاء في النفس، وكذلك لايوصف تعالى به.

قال عبيدة بن همام:(1)

أتوني فلم أرض ما بيتوا *** وكانوا أتوني بشئ نكر

لانكح أيمهم منذرا *** وهل ينكح العبد حر لحر؟ !(2)

ومعنى " بيت طائفة منهم غير الذي تقول " [ أي غير ما تقول بأن اضمروا الخلاف فيما أمرتهم به أو نهيتهم عنه - هذا قول ابن عباس، وقتادة: والسدي.

وقال الحسن: قدرت طائفة منهم ](3) غير الذي تقول على جهة التكذيب.

وقوله: (والله يكتب ما يبيتون) فيه قولان: الاول - نكتبه في اللوح المحفوظ ليجازوا به.

الثاني - قال الزجاج: يكتب بان ينزله اليك في الكتاب. ثم أمرالله نبيه

___________________________________

(1) قيل هو أخوبني العدوية من بني مالك بن حنظلة من بني تيم وقيل: عبيد بن همام التغلبي وقيل غيرذلك.

(2) مجاز القرآن 1: 133، الحيوان 4: 376 الكامل للمبرد 2: 35، 106، الازمنة والامكنة للمرزوقي 1: 263، ديوان الاسود بن يعفر النهشلي: أعشى بني نهشل في ديوان الاعشيين: 298، واللسان (تكر).

(3) ما بين القوسين ساقط من المطبوعة. وهوفي المخطوطة.

[270]

بالاعراض عنهم، وألاتسميهم باعيانهم ابقاء عليم، وبستر أمورهم إلى أن يستقر أمر الاسلام. وأمره بان يتوكل عليه " وكفى بالله وكيلا " يعني حفيظا، لما يجب تفويضه إليه من التدبير. وأصل الوكيل القائم بما فوض إليه من التدبير. ومعنى بيت اضمر. وأصله إحكام الامر ليلا من البيات.

قوله تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا(82))

آية.

المعنى: هذا الآية تدل على أربعة أشياء:

أحدها - على بطلان التقليد، وصحة الاستدلال في اصول الدين، لانه حث ودعا إلى التدبر. وذلك لايكون إلابالفكر والنظر.

والثاني - يدل على فساد مذهب من زعم ان القرآن، لايفهم معناه إلا بتفسير الرسول له من الحشوية، والمجبرة، لانه تعالى حث على تدبره، ليعلموابه.

الثالث - يدل على أنه لو كان من عند غيرالله، لكان على قياس كلام العباد من وجود الاختلاف فيه.

الرابع - تدل على أن المتناقض من الكلام ليس من فعل الله، لانه لوكان من فعله، لكان من عنده، لامن عند غيره.

اللغة: والتدبر: هوالنظر في عواقب الامور. وأصله الدبر.

والتدابر: التقاطع، لان كل واحد يولي الآخر دبره، بعداوته له.

ودبر القوم يدبرون دبارا: إذا هلكوا، لانهم يذهبون في جهة الادبار عن الغرض.

وادبر القوم: إذا ولى أمرهم عن الرشد.

[271]

والدبر: النحل.

والدبر: المال الكثير.

والتدبير: اصلاح الامر لعاقبة.

وفي الحديث " لاتدابروا " أي لاتكونوا أعداء.

والفرق بين التدبر والتفكران التدبر تصرف القلب بالنظر في العواقب، والتفكر تصرف للقلب بالنظر في الدلائل.

والاختلاف: هو امتناع أحد الشيئين أن يسد مسد الآخر فيما يرجع إلى ذاته كالسواد الذي لايسد مسد البياض، وكذلك الذهاب في الجهات المختلفة جهة الخلف، والقدام واليمين، والشمال.

وقيل في معنى الاختلاف ههنا ثلاثة أقوال: أحدها - قال أبوعلي من جهة بليغ، ومرذول.

وقال الزجاج: الاختلاف في الاخبار بما يسرون.

الثالث - قال قتادة، وابن زيد: اختلاف تناقض من جهة حق، وباطل.

والاختلاف على ثلاثة اضرب: اختلاف تناقض، واختلاف تفاوت، واختلاف تلاوة. وليس في القرآن اختلاف تناقض، ولااختلاف تفاوت، لان اختلاف التفاوت هو في الحسن والقبح، واخطأ والصواب، ونحو ذلك مما تدعو إليه الحكمة أويصرف عنه. وأما اختلاف التلاوة، فهو ماتلاء‌م في الحسن، فكله صواب، وكله حق. وهو اختلاف وجوه القراء‌ات واختلاف مقادير الآيات والسور واختلاف الاحكام في الناسخ والمنسوخ. ومن اختلاف التناقض ما يدعو فيه أحد الشيئين إلى فساد الآخر. وكلاهما باطل. نحو مقدارين وصف أحدهما بأنه أكبر من الآخر ووصف الآخر بأنه أصغر منه، فكلاهما باطل إذ هو مساو له.

وفي الناس من قال: انتفاء التناقض عن القرآن إنما يعلم انه دلالة على أنه من فعل الله، لما أخبرنا الله تعالى بذلك. ولو لاأنه تعالى أخبر بذلك كان لقائل أن يقول(1): إنه يمكن أن يتفحظ متحفظ في كلامه ويهذبه تهذيبا، لايوجد فيه شئ من التناقض وعلى هذا لايمكن أن يجعل ذلك جهة اعجاز القرآن قبل أن يعلم صحة السمع، وصدق النبي صلى الله عليه وآله.

___________________________________

في المطبوعة (يكون) بدل (يقول).

[272]

قوله تعالى: (وإذا جاء‌هم أمر من الامن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا(83))

آية.

أخبر الله تعالى عن المنافقين، الذين تقدم وصفهم بأنهم إذا جاء‌هم " أمرمن الامن أو الخوف " وهوماكان يرجف به من الاخبار في المدينة: اما من قبل عدو يقصدهم أو يظهر المؤمنين على عدوهم، أو هلاك بعض أعدائهم وهو الامن.

والاول: الخوف اذاعوا به، وتحدثوا به من غير أن يعلموا صحته، فكره تعالى ذلك، لان من فعل هذا لايخلو كلامه من الكذب. ولما يدخل على المؤمنين به من الخوف ومعنى اذاعوا به: أعلنوه، وأفشوه في قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، وابن حريج وأصله اشاعة الخبر في الجماعة.

اللغة: يقال: اذاعه اذاعة واذاعوا به قال الشاعر:

اذاع به في الناس حتى كأنه *** بعلياء نار أوقدت بثقوب(1)

وأصل الاذاعة التفريق.

قال تبع: لما ورد المدينة:

ولقد شربت على براجم شربة *** كادت بباقية الحياة تذيع(2)

أي تفرق.

وبراجم: ماء بالمدينة كان يشرب منه، فنشبت(3) بحلقه علقة. وذاع الخبر ذيعا.

___________________________________

(1) قائله أبوالاسود الدؤلي. اللسان (ذيع) ومجاز القرآن 1: 133 والاغاني 12: 305.

(2) لم نجده في مصادرنا.

(3) في المطبوعة (فشبت) وفي مجمع البيان (فتشبثت). وقدأثبتنا ما في المخطوطة.

[273]

ورجل مذياع: لايستطيع كتمان خبر.

واذاع الناس بما في الحوض: إذا شربوه.

وكذلك اذاعوا بالمتاع: إذا ذهبوا به.

واذاعة السر: اظهاره.

والاذاعة، والاشاعة، والافشاء، والاعلان، والاظهار، نظائر وضده الكتمان، والاسرار، والاخفاء.

المعنى: ثم قال: (ولو ردوه إلى الرسول) بمعنى لو ردوه إلى سنته " وإلى أولي الامر منهم ".

قال أبوجعفر (ع): هم الائمة المعصومون.

وقال ابن زيد، والسدي، وأبوعلي: هم امراء السرايا، والولاة، وكانوا يسمعون باخبار السرايا ولا يتحققونه فيشيعونه ولايسألون أولي الامر.

وقال الحسن، وقتادة، وابن جريج، وابن أبي نجيح، والزجاج: هم أهل العلم، والفقه الملازمين للنبي صلى الله عليه وآله، لانهم لو سألولهم عن حقيقة ما أرجفوا به، لعلموا به.

قال الجبائي: هذا لايجوز، لان أولي الامر من لهم الامرعلى الناس بولاية والاول أقوى، لانه تعالى بين أنهم متى ردوه إلى أولي العلم علموه. والرد إلى من ليس بمعصوم، لايوجب العلم لجواز الخطأ عليه بلاخلاف سواء كانوا امراء السرايا، أو العلماء.

وقوله: " يستنبطونه " قال ابن عباس، وأبوالعالية: معناه يتحسسونه.

وقال الزجاج: يستخرجونه.

اللغة والاعراب والمعنى: والاستنباط، والاستخراج، والاستدلال، والاستعلام، نظائر، وأصل الاستنباط الاستخراج.

يقال لكل ما استخرج حتى تقع عليه رؤية العين، أو معرفة القلب: قد استنبط.

والنبط الماء يخرج من البئر أول ماتحفر.

وانبط فلان أي استنبط الماء من طين حر.

ومنه اشتقاق النبط، لاستنباطهم العيون.

والضمير في قوله: " منهم " يحتمل أن يعود إلى أحد أمرين: أحدهما - وهو الاظهرانه عائد إلى أولي الامر.

[274]

والآخر - إلى الفرقة المذكورة من المنافقين، أو الضعفة.

وقوله: (ولولافضل الله عليكم ورحمته) معناه لولااتصال مواد الالطاف من جهة الله، " لاتبعتم الشيطان إلا قليلا " وقيل فيما وقع الاستثناء منه: أربعة أقوال: أحدها - " لاتبعتم الشيطان إلا قليلا " منكم، فانه لم يكن يتبع الشيطان. ويكون الفضل ههنا بالنبي صلى الله عليه وآله، والقرآن - في قول الضحاك -، وهو اختيار الجبائي.

الثاني - لاتبعتم الشيطان إلا قليلا من الاتباع. ويكون الفضل على جملة اللطف، لان ذلك لم يكن يزكو به أحد منهم.

الثالث - قال الحسن، وقتادة. وذكره الفراء، لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلا.

الرابع - قال ابن عباس، وابن زيد: اذاعوا به إلا قليلا هو اختيار الكسائي والفراء والمبرد والبلخي والطبري. وتقديره يستنبطونه منهم إلا قليلا.

قال المبرد: لان العلم بالاستنباط في الناس أقل. وليس كذلك الاذاعة.

وغلط الزجاج النحويين في ذلك. وقال: كل هذه الاقوال جائزة.

وقال قوم حكاه الطبري: ان مخرجه الاستثناء. وهو دليل الجمع، والاحاطة.

والمعنى انه لولافضل الله لم ينج أحد من الضلالة. فجعل قوله: " إلا قليلا " دليلا على الاحاطة كما قال الطرماح يمدح بزيدبن المهلب: قليل المثالب والقادحة(1) والمعنى انه لامثالب.

___________________________________

(1) ديوانه: 139 وصدره: أشم كثير يدي النوال يدي - بضم الياء وكسر الدال وتشديد الياء - أو - بفتح الياء وكسر الدال وتشديد الياء - جمع (يد).

[275]

قوله تعالى: (فقاتل في سبيل الله لاتكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا(84))

آية بلاخلاف.

هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وآله خاصة أمره الله أن يقاتل في سبيل الله وحده بنفسه.

وقوله: " لا تكلف إلا نفسك " ومعناه لاتكلف إلا فعل نفسك، لانه لاضرر عليك في فعل غيرك فلاتهتم بتخلف المنافقين عن الجهاد فعليهم ضرر ذلك، وليس المراد لايأمر أحدا بالجهاد. وانما أراد ما قلناه ألا ترى أنه قال " وحرض المؤمنين " على القتال يعني حثهم على الجهاد. وفي ذلك دلالة على أنه لايجوز أن يؤاخذ الله الاطفال بكفر آبائهم ويؤيده قوله: " ولاتزر وازرة وزر أخرى " لان مفهوم هذا الكلام أنه لايجوز أن تؤخذ بذنب غيرك.

والفاء في قوله: " فقاتل في سبيل الله " قيل في معناه قولان: أحدهما - أن يكون جوابا لقوله: (ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما)(1) هكذا ذكره الزجاج، لانه محمول على المعنى من حيث دل على معنى إن أردت الفوز، فقاتل. الثاني - أن يكون متصلا بقوله: (وما لكم لاتقاتلون في سبيل الله)(2) فقال في سبيل الله.

كذا ذكره الزجاج ووجهه لاحظ لك في ترك القتال فتتركه، ثم وضع فقاتل موضع فتتركه.

وقوله: " وحرض المؤمنين " معناه حثهم " عسى الله أن يكف " قال الحسن، والبلخي، والزجاج: إن (عسى) من الله واجب ووجه ذلك ان اطماع الكريم انجاز وانما الاطماع تقوية أحد الامرين على الآخر دون قيام الدليل على التكافؤفي الجواز. وخرج (عسى) في هذا من معنى الشك

___________________________________

(1) سورة النساء آية: 74.

(2) سورة النساء‌آية: 75.

[276]

كخروجها في قول القائل: أطع ربك في كل ما أمرك به، ونهاك عنه عسى(1) ان تفلح بطاعتك.

ومعنى " أن يكف بأس الذين كفروا " ان يمنع شدة الكفار، ثم قال: " والله أشد بأسا وأشد تنكيلا " فالبأس: الشدة(2) في كل شئ ومعنى التنكيل قال الحسن، وقتادة: هو العقوبة.

وقال أبوعلي الجبائي: هو الشدة بالامور الفاضحة(3) ونكل به، وشوه به، وندد به نظائر.

وأصله النكول: وهو الامتناع للخوف.

نكل عن اليمين، وغيرها ينكل نكولا.

والنكال: مايمتنع به من الفساد خوفا من مثله من العذاب. والنكل القيد.

قوله تعالى: (من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شئ مقيتا(85))

آية.

المعنى واللغة: قيل في معنى الشفاعة ههنا قولان: أحدهما - قال أبوعلي: الشفاعة الحسنة: الدعاء للمؤمنين.

والشفاعة السيئة: الدعاء عليهم، لان اليهود كانت تفعل ذلك فتوعدهم الله تعالى عليه.

وقال الحسن، ومجاهد، وابن زيد: الشفاعة هي مسألة الانسان في صاحبه أن يناله خير بمسألته.

وقال الازهري معنى " من يشفع شفاعة حسنة " من يزد عملا إلى عمل.

والشفع: الزيادة.

سئل تغلب عن اشتقاق الشفعة، فقال: الزيادة وهو أن يشفعك في ماتطلبه حتى تضمه إلى ما عندك، فتشفعه أي تزيده بها إن كان واحدا، فضمت إليه ما زاد صار شفعا.

___________________________________

(1) (عسى) ساقط من المطبوعة.

(2) في المطبوعة (الشهرة) بدل (الشدة) وهو تحريف.

(3) في المخطوطة (بالامر الفاصم).

[277]

وعندنا ان حقيقة الشفاعة هي المسألة في اسقاط الضرر. وانما تستعمل في مسألة المنافع مجازا، لان أحدا لايقول: إنا نشفع في النبي صلى الله عليه وآله إذا سألنا الله أن نزيد في كراماته، ولوكان الامر على ما قاله الحسن، ومجاهد، لكنا شافعين فيه.

ووجه اتصال هذا الكلام بما تقدم، انه لما قيل " لاتكلف إلا نفسك " عقب ذلك بان لك مع هذا في دعاء المؤمنين إلى الحق ما للانسان في شفاعة صاحبه بخير يصل إليه، لئلا يتوهم ان العبد من أجل انه لايؤخذ بعمل غيره، لايتزيد فعله بعمل غيره. الثاني - ان الشفاعة تصير الانسان شفعا لصاحبه في جهاد عدوه من الكفار.

والكفل: قال الحسن، وقتادة: هوالوزر، وهو قول أبي جعفر (ع).

وقال السدي، والربيع، وابن زيد: هوالنصيب.

ومنه قوله: " يؤتكم كفلين من رحمته " وأصل الكفل(1): المركب الذي يهيأ كالسرج للبعير من كسا، أخرق أو نحوه حول السنام. وانما قيل كفل، واكتفل البعير، لانه لم يستعمل الظهر كله. وانما استعمل نصيب منه.

وقال الازهري: الكفل الذي لايحسن ركوب الفرس.

وأصله الكفل: وهو ردف العجز.

ومنه الكفاية بالنفس، وبالمال. والكفل المثل.

والمقيت: قيل في معناه خمسة أقوال: قال السدي، وابن زيد، والكسائي: هوالمقتدر.

والثاني - قال ابن عباس، واختاره الزجاج: إنه الحفيظ.

والثالث - قال مجاهد: هوالشهيد.

والرابع - المقيت: الحسيب عنه.

والخامس - قال الجبائي: هو المجازي كأنه قال: وكان الله على كل شئ من الحسنات، والسيئات مجازيا.

وأصل المقيت: القوت، قاته يقوته قوتا: إذا أعطاه ما يمسك رمقه.

والمقيت: المقتدر لاقتداره على مايمسك رمقه.

يقال منها قات الرجل يقيت اقاتة حكاه الكسائي وينشد للزبير بن عبدالمطلب عم النبي صلى الله عليه وآله:

___________________________________

(1) في المطبوعة (وأهله) بدل (وأصل).

[278]

وذي ضغن كففت النفس عنه وكنت على مساء‌ته مقيتا(1)

فهذه لغة قريش.

وقال كثير:

وماذاك عنها عن نوال اناله *** ولاانني منها مقيت على ود

أي مقتدر فاما قول اليهودي:

ألي الفضل أم علي إذاحو *** سبت اني على الحساب مقيت(2)

قيل: ومعناه موقوف. أي كما ان من يحتاج إلى القوت موقوف على سد خلته. ويحتمل معنى مقيت أي مقتدر على الحساب بتوجيه إلى انه لي أوعلي بحسب عملي.

وقال ابن كثير: المقيت الواصب وهو القائم على كل شئ بالتدبير.

وأقوى الوجوه معنى المقتدر بدلالة البيت الذي للزبيربن عبدالمطلب.

قوله تعالى: (وإذا حييتم بتحية فحيوا باحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شئ حسيبا(86))

آية بلاخلاف.

هذا خطاب من الله تعالى لجميع المكلفين، يأمرهم إذا دعى لهم انسان بطول الحياة، والبقاء والسلامة، ان يحيوهم باحسن من ذلك أويردوا عليهم مثله.

قال النحويون: أحسن ههنا صفة لاينصرف، لانه على وزن افعل وهو صفة لاتنصرف والمعنى حيوا بتحية أحسن منها.

والتحية: مفعلة من حييت. ومعناها ههنا السلام قال السدي: وابن جريج وعطا، وإبراهيم: إنه إذا سلم عليك واحد من المسلمين، فسلم عليه باحسن مما سلم عليك. أورد عليه مثل ما قال. وذلك إذا قال السلام عليك، فقل أنت وعليك السلام ورحمة الله أو تقول كما قال لك.

وقال قتادة، وابن عباس، ووهب: فحيوا باحسن منها أهل الاسلام، أو ردوها على أهل الكفر

___________________________________

(1) البيت مختلف في نسبته فقيل انه لابي قيس بن رفاعة. وقيل لاحيحة بن الجلات الانصاري. اللسان (قوت) وطبقات فحول الشعراء: 242 - 243 والدر المنتور 2: 188.

(2) ديوانه: 14 والاصمعيات: 85 ومجاز القرآن 1: 135 وطبقات فحول الشعراء 237. واللسان (قوت).

[279]

والاول أقوى، لانه روي عن النبي صلى الله عليه وآله، انه قال: إذا سلم عليك أهل الكتاب، فقولوا وعليكم.

وقال الحسن، وجماعة من متقدمي المفسرين: إن السلام تطوع. والرد فرض، لقوله: (وإذا حييتم بتحية فحيوا باحسن منها أو ردوها) وذلك أمر يقتضي الايجاب.

وقوله: (إن الله كان على كل شئ حسيبا) قيل في معنى الحسيب قولان: أحدهما - قال مجاهد:، وابن أبي نجيح: معنى حسيب حفيظ وقال قوم: معناه ههنا من قولهم: احسبني الشئ يحسبني احسابا بمعنى كفاني. ومنه قولهم: حسبي كذا وكذا أي كفاني.

وقال بعضهم: الحسيب في هذا الموضع فعيل من الحساب الذي هو بمعنى الاحصاء يقال منه: حاسبت فلانا على كذا وكذا وهو حسيبه وذلك إذاكان صاحب حسابه.

قال الزجاج: معناه يعطي كل شئ من العلم والحفظ والجزاء مقدارما يحسبه أي يكفيه.

ومنه قوله: " عطاء حسابا "(1) أي كافيا. وسمي الحساب حسابا، لانه يعلم به ما فيه الكفاية وذكر الحسن: انه دخل على النبي صلى الله عليه وآله رجل، فقال: السلام عليكم، فقال النبي صلى الله عليه وآله: وعليك السلام ورحمة الله، ثم دخل آخر فقال. السلام عليكم ورحمة الله، فقال النبي (ص): وعليك السلام ورحمة الله، وبركاته، ثم دخل آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، وبركاته، فقال النبي صلى الله عليه وآله: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. قال بعضهم يارسول الله كيف هذا فقال النبي صلى الله عليه وآله الاولان بقيامن التحية بقية فرددتها. وهذا لم يبق منها شيئا فرددت عليه ما قال(2).

قوله تعالى: (الله لاآله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لاريب فيه ومن أصدق من الله حديثا(87))

آية بلاخلاف.

___________________________________

(1) سورة النبأ: آية 36.

(2) في المطبوعة سقط فظيع في هذا الحديث وقد أثبتنا ما في المخطوطة.

[280]

قد بينا فيما تقدم معنى الله. وهو الذي تحق له العبادة.

وانه من كان قادرا على خلق اصول النعم التي يستحق بها العبادة.

وليس هو عبارة عمن يستحق العبادة، لانه لوكان كذلك، لما كان تعالى إلها فيما لم يزل.

وإذا ثبت انه موصوف به فيما لم يزل، دل على ان المراد ما قلناه.

وإذا ثبت ذلك، فقد بين تعالى بهذه الآية انه لايستحق العبادة سواه.

وقوله: " ليجمعنكم إلى يوم القيامة " اللام في ليجمعنكم لام القسم كقولك: والله ليجمعنكم.

وقيل في معناه قولان: أحدهما - ليبعثنكم من بعد مماتكم، ويحشرنكم جميعا إلى موقف الحساب الذي يجازي فيه كلا بعمله، ويقضي فيه بين أهل طاعته، ومعصيته. الثاني - قال الزجاج: معناه ليجمعنكم في الموت وفي قبوركم.

وقوله: " لاريب فيه " معناه لاشك فيما أخبركم به. من قوله: اني جامعكم يوم القيامة. وقيل في تسمية ذلك اليوم بالقيامة قولان: أحدهما - لان الناس يقومون من قبورهم. الثاني - انهم يقومون للحساب.

قال الله تعالى " يوم يقوم الناس لرب العالمين "(3)

وقوله: " ومن أصدق من الله حديثا " تقرير في صورة الاستفهام ومعناه لاأحد أصدق من الله في الخبر الذي يخبر به من حيث لايجوز عليه الكذب في شئ من الاشياء، لانه لايكذب إلامحتاج يجتلب به نفعا، أو يدفع به ضررا. وهما يستحيلان عليه تعالى. فاذا يستحيل عليه الكذب. وانما يجوز ذلك على من سواه. فلذلك كان تعالى أصدق القائلين. ونصب حديثا على التمييز كماتقول: من أحسن من زيد فهما أو خلقا؟

___________________________________

(1) سورة المطففين: آية 6.

[281]

قوله تعالى: (فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يظلل الله فلن تجد له سبيلا(88))

 آية بلاخلاف.

المعنى والنزول: خاطب الله تعالى بهذه الآية المؤمنين.

فقال: ما شأنكم أيها المؤمنون في أهل النفاق فرقتين مختلفتين " والله أركسهم بما كسبوا " يعني بذلك والله ردهم إلى أحكام أهل الشرك في اباحة دمائهم، وسبي ذراريهم " بما كسبوا " يعني بما كذبوا الله ورسوله، وكفروا بعد إسلامهم.

والاركاس: الرد.

ومنه قول أمية بن أبي الصلت:

فاركسوافي حميم النار انهم *** كانوا عصاة وقالوا الافك والزورا(1)

قال الفراء: يقال منه أركسهم، وركسهم وقد ذكر أنها في قراء‌ة عبدالله وأبي (والله ركسهم) بغير الف.

وفيمن نزلت هذه الآية قيل فيه خمسة أقوال:

أحدها - قال قوم نزلت في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله في الذين تخلفوا عن رسول الله يوم أحد، وانصرفوا إلى المدينة. وقالوا لرسول الله وأصحابه لو نعلم قتالا لاتبعناكم. ذكر ذلك زيد بن ثابت.

والثاني - قال مجاهد، وأبوجعفر (ع)، والفراء: إنها نزلت في اختلاف كان بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله في قوم كانوا قدموا المدينة من مكة، واظهروا للمسلمين أنهم مسلمون، ثم رجعوا إلى مكة، لانهم استوخموا المدينة، واظهروا لهم الشرك، ثم سافروا ببضائع المشركين إلى اليمامة.

فاراد المسلمون أن يأخذوهم وما معهم فاختلفوا.

وقال قوم: لانفعل ذلك(2) لانهم مؤمنون.

وقال آخرون: هم مرتدون.

فانزل الله فيهم الآية: الثالث - قال ابن عباس، وقتادة، والضحاك: بل كان اختلافهم في قوم

___________________________________

(1) ديوانه: 36، وهو هكذا:

اركسوا في جهنم أنهم كانوا * عتاة تقول افكا وزورا

وهو في الدر المنثور 2: 191 هكذا:

اركسوا في جهنم انهم كانوا عتاة *** يقولوا مينا وكذبا وزورا

(2) في المطبوعة (ذلك) ساقطة.

[282]

من أهل الشرك كانوا أظهروا الاسلام بمكة، وكانوا يعينون المشركين على المسلمين، فقال قوم: دماؤهم، وأموالهم حلال وقال آخرون: لابل هوحرام.

الرابع - قال السدي نزلت في قوم كانوا بالمدينة أرادوا الخروج عنهم نفاقا. وقالوا للمؤمنين أصابنا جدب وخصاصة نخرج إلى الظهر حتى نتماء‌ل، ونرجع، فقال قوم: هو منافقون. وقال آخرون: هم مؤمنون.

والخامس - قال ابن زيد: بل نزلت في اختلاف أصحاب رسول الله في قصة أهل الافك عبدالله بن أبي، وأصحابه، لما تكلموا في عائشة.

الاعراب: وقوله: (فئتين) يحتمل نصبه أمرين: أحدهما - قال بعض البصريين هو نصب على الحال كقولك: مالك قائما. ومعناه مالك في حال القيام.

وقال الفراء: هو نصب على فعل مالكم ولاينافي(1) كان المنصوب في مالك: معرفة، أو نكرة.

ويجوز أن تقول مالك السائر معنا، لانه كالفعل الذي ينصب بكل، وأظن، وما أشبهما قال: وكل موضع صلحت فيه فعل ويفعل من المنصوب، جازنصب المعرفة، والنكرة. كما تنصب كان وأظن، لانهما نواقص في المعنى. وان ظننت انهن تامات. واختلفوا في معنى اركسهم، فقال ابن عباس: معناه ردهم.

وفي رواية أخرى عنه: أوقعهم. وقال قتادة: اهلكهم [ وقال السدي: معناه أضلهم بما كسبوا. ومعناه أيضا اهلكهم ](2) وقوله: (أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يظلل الله فلن تجد له سبيلا) معناه أتريدون أيها المؤمنون أن تهدوا إلى الاسلام من أضله الله. ويحتمل معنيين: أحدهما - أن من وجده الله ضالا، وسماه بانه ضال، وحكم به من حيث ضل بسوء اختياره. الثاني - أضله الله بمعنى خذله.

___________________________________

(1) في المطبوعة (تبالي) بدل (ينافي).

(2) ما بين القوسين ساقط من المطبوعة.

[283]

ولم يوفقه كما وفق المؤمنين، لانهم لما عصوا وخالفوا استحقوا هذا الخذلان عقوبة لهم على معصيتهم، فيريدون الدفاع عن قتالهم مع ما حكم الله بضلالهم وخذلانهم.

وقال الجبائي: المعنى ومن يعاقبه الله على معاصيه، فلاتجد له طريقا إلى الجنة. وطعن على الاول من قول البغداديين ان المراد به التسمية، والحكم بأن قال: لو أراد ذلك، لقال: ومن ضلل الله وهذا ليس بشئ، لانهم يقولون: أكفرته وكفرته، وأكرمته وكرمته: إذاسميته بالكفر أو الكرم قال الكميت:

فطائفة قد أكفروني بحبكم *** وطائفة قالوا مسيئ ومذنب(1)

ويحتمل أن يكون المراد وجدهم ضلالا، كما قال الشاعر: هبوني امرأمنكم أضل بعيره أي وجده ضالا، ثم قال لهم أليس الله قال: ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا "(2) أنرى أراد أن الشيطان يخلق فيهم الضلالة؟ بل انما أراد يدعوهم إليها ولاخلاف أن الله تعالى لايدعو إلى الضلالة، ويقوي قول من قال: المراد به التسمية.

قوله: (أتريدون أن تهدوا من أضل الله) وانما أراد ان تسموهم مهتدين لانهم كانوا يزعمون أنهم مؤمنون فحينئذ رد الله عليهم، فقال: لاتختلفوا في هؤلاء، وقولوا باجمعكم: إنهم منافقون. ولم يكونوا يدعونهم إلى الايمان، فخالفهم أصحابهم، فعلم ان الصحيح ما قلناه، ثم أخبر الله تعالى فقال: " ومن يضلل الله يعني من خذله " فلن تجد له سبيلا " يامحمد ولاطريقا.

ومن قال من المجبرة: إن قوله: " أركسهم بما كسبوا " يدل على أنه أوقعهم في النفاق. فقولهم باطل، لانه قال: بما كسبوا، فبين انه فعل بهم ذلك على وجه الاستحقاق. وذلك لايليق إلا بما قدمناه، لانه لو أوقعهم في النفاق(3) لمعصية تقدمت، لكان يجب أن

___________________________________

(1) خزانة الادب: 236.

(2) سورة النساء: آية 59.

(3) (في النفاق) ساقط من المطبوعة.

[284]

يكون أوقعهم فيها لمعصية أخرى. وذلك يؤدي إلى مالا يتناهى أو ينتهي إلى معصية ابتدأهم بهاوذلك ينافي قوله: " بما كسبوا " والفئة الفرقة من الناس. مأخوذ من فأيت رأسه إذاشققته.

الفأو: الشعب من شعاب الجبل.

والركس: الرد إلى الحالة الاولى.

ومنه قيل للعذرة، والروث: ركس.

قوله تعالى: (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فان تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولاتتخذوا منهم وليا ولانصيرا(89))

آية.

أخبرالله تعالى في هذه الآية عن هؤلاء المنافقين أنهم يودون ويتمنون أن تكفروا أي تجحدوا وحدانية الله تعالى وتصديق نبيكم كما جحدوا، هم " فتكونون سواء " يعني مثلهم كفارا تستوون أنتم، وهم في الكفر بالله، ثم نهاهم أن يتخذوا منهم أولياء، ويستنصحوهم، بل ينبغي أن يتهموهم، ولا ينتصحوهم، ولا يستنصروهم، ولايتخذوا منهم ولياناصرا، ولاخليلا مصافيا " حتى يهاجروا في سبيل الله " ومعناه حتى يخرجوا من دار الشرك. ويفارقوا أهلها المشركين " في سبيل الله " يعني في ابتغاء دين الله. وهوسبيله، فيصيروا عند ذلك مثلكم، لهم مالكم، وعليهم ما عليكم - وهو قول ابن عباس - ثم قال: " فان تولوا " يعني هؤلاء المنافقين عن الاقرار بالله، ورسوله، وعن الهجرة من دار الشرك، ومفارقة أهله " فخذوهم " أيها المؤمنون " واقتلوهم حيث وجدتموهم " أي أصبتموهم من أرض الله.

(ولاتتخذوا منهم وليا ولانصيرا) يعني ولاتتخذوا منهم خليلا ولا ولاناصرا ينصركم على أعدائكم - وهو قول ابن عباس والسدي -.

الآية: 90 - 99

قوله تعالى: (إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاؤكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فان يقاتلوكم والقوا اليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا(90))

آية بلاخلاف.

لما أمر الله تعالى المؤمنين بقتال الذين لايهاجرون عن بلاد الشرك حيث وجدوهم، وألا يتخذوا منهم وليا ولانصيرا استثنى من جملتهم من وصل منهم إلى قوم بينكم وبينهم موادعة، وعهد وميثاق، فدخلوا فيهم وصاروا منهم. ورضوا بحكمهم فان لمن وصل إليهم ودخل فيهم راضيا بحكمهم حكمهم في حقن دمائهم بدخوله فيهم.

والمعني بقوله: " إلاالذين يصلون " بنو مدلج، كان سراقة بن مالك بن جعشم(1) المدلجي جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله بعد أحد، فقال له: أنشدك الله والنعمة. وأخذ منه ألا يغزوا قومه، فان أسلمت قريش أسلموا، لانهم كانوا في عقد قريش، فحكم الله فيهم ما حكم في قريش، وحرم منهم ما حرم منهم، ففيهم نزلت هذه الآية - على ما ذكره بن شبة -.

وقال أبوجعفر (ع) قوله تعالى: " إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق " قال: هو هلال بن عويمر السلمي. واثق عن قومه ألاتخفيف يامحمد من أتاك ولانخيف من أتانا.

وبمثل هذا التأويل قال السدي، وابن زيد، وعكرمة وقال أبوعبيدة " يصلون " بمعنى ينتسبون إليهم. والعرب تقول قد اتصل الرجل: إذا انتمى إلى قوم وقال الاعشى يذكر امرأة انتسبت إلى قومها:

إذا اتصلت قالت: ابكر بن وائل *** وبكر سبتها والانوف رواغم(2)

وقدضعف هذا الجواب، لان تعيين الانتساب لو أوجب إن يكون حكم

___________________________________

(1) في المخطوطة (ابن جعيثم) وفي مجمع البيان (ابن خثعم) وقد اثبنا ما في المطبوعة والطبري واكثر التفاسير، وكتب الرجال.

(2) ديوانه: 81 رقم القصيدة 9. ومجاز القرآن 1: 136، واللسان (وصل).

[286]

المنتسب حكم من انتسب إليه ممن بينهم وبينهم ميثاق، لوجب ألا يقاتل النبي صلى الله عليه وآله قريشا، لما بينهم وبين المؤمنين من الانتساب. وحرمة الايمان أعظم من حرمة الموادعة.

فان قيل: هذه الآية منسوخة قيل: لعمري إنها منسوخة لكن لاخلاف أنها نسخت بقوله في سورة براء‌ة " اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " وبراء‌ة نزلت بعد فتح مكة، فكان يجب ألا يقاتل قريشا على دخول مكة وقد علمنا خلافه وقوله: " أو جاؤكم حصرت صدورهم " قال عمر بن شبة يعني به أشجع فانهم قدموا المدينة في سبعمائة يقودهم مسعود بن دخيلة فاخرج إليهم النبي صلى الله عليه وآله احمال التمر ضيافة.

وقال: نعم الشئ الهدية أمام الحاجة.

وقال لهم: ماجاء‌كم؟ قالوا: قربت دارنا منك، وكرها جربك، وحرب قومنا، يعنون بني ضمرة الذين بينهم وبينهم عهد لقلتنا فيهم، فنزلت الآية.

وقوله: " جاؤكم حصرت صدورهم " معناه قد حصرت، لانه في موضع الحال والماضي إذا كان المراد به الحال قدر معه قد، كما يقولون: جاء فلان، وذهب عقله.

والمعنى قد ذهب عقله. وسمع الكسائي من العرب من يقول: أصبحت نظرت إلى ذات التنانير بمعنى قد نظرت. وانما جاز ذلك، لان قد تدني الفعل من الحال. وقرأالحسن، ويعقوب " حصرة صدورهم " منصوبا على الحال. وأجاز يعقوب الوقف بالهاء. وهو صحيح في المعنى وقراء‌ة القراء بخلافه.

ومعنى " حصرت صدورهم " ضاقت عن أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم وكل من ضاقت نفسه عن شئ من فعل أوكلام يقال: قد حصر. ومنه الحصر في القراء‌ة وما قلناه معنى قول السدي وغيره.

وقوله: " ولو شاء الله لسلطهم عليكم " مثل قوله: " ولو شاء الله لاعنتكم "(1) ومعناه الاخبار عن قدرته على ذلك لو شاء لكنه لايشاء ذلك، بل يلقي في قلوبهم الرعب حتى يفزعوا، ويطلبوا الموادعة، والمسالمة، ويدخل بعضهم في حلف من بينكم وبينهم ميثاق وفي ذمتهم، ثم قال: " فان اعتزلوكم " يعني هؤلاء الذين أمرنا بالكف عن قتالهم من المنافقين بدخولهم في أهل عهدكم أو بمصيرهم إليكم " حصرت

___________________________________

(1) سورة البقرة: آية 220.

[287]

صدورهم "، فلم يقاتلوكم " والقوا اليكم السلم " يعني صالحوكم، واستسلموا، كما يقول القائل: أعطيتك قيادي والقيت إليك خطامي إذا استسلم له وانقاد لامره، فكذلك قوله: " والقوا اليكم السلم " يريد به الصلح وقال أكثر المفسرين: البلخي والطبري والجبائي، وغيرهم: ان المراد به الاسلام.

قال الطرماح:

وذاك ان تميما غادرت سلما *** للاسد كل حصان وعثة اللبد(1)

يعني استسلاما.

وقال: " فما جعل الله لكم عليهم سبيلا " يعني إذا استسلموا لكم فلا طريق‌لكم على نفوسهم، وأموالهم.

قال الربيع: السلم هاهنا الصلح، ثم نسخ ذلك بقوله: " فاذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم "(2) الآية.

وبه قال عكرمة والحسن قالا. نسخت هذه الآية إلى قوله: " سلطانا مبينا " وقوله: في الممتحنة: " لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم " إلى قوله: " الظالمون "(3) نسخت هذه الاربع آيات بقوله: في براء‌ة الآية التي تلوناها، وبه قال قتادة وابن زيد.

قوله تعالى: (ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة اركسوا فيها فان لم يعتزلوكم ويلقوا اليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا(91))

آية بلاخلاف.

النزول قيل في الذين نزلت فيهم هذه الآية ثلاثة أقوال:

___________________________________

(1) ديوانه: 145 من قصيدته التي هجا بها الفرزدق الحصان: المرأة العفيفة.

وعثة: كثيرة اللحم لبدة - بكسر فسكون - كساء يفرش للجلوس عليه.

(2) سورة التوبة: آية 6.

(3): آية 8.

[288]

أحدها - قال ابن عباس، ومجاهد: نزلت في ناس كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وآله فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قريش، ويرتكسون في الاوثان يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا، فأمر الله بقتالهم ان لم يعتزلوا، ويصلحوا.

الثاني - قال قتادة: نزلت في حي كانوا بتهامة قالوا: يانبي الله لانقاتلك، ولانقاتل قومنا. وأرادوا ان يأمنوا قومهم ويأمنوا نبي الله فأبى الله عليهم ذلك.

فقال: " كلما ردوا إلى الفتنة " يعني إلى الكفر " اركسوا فيها " يعني وقعوا فيها.

الثالث - قال السدي: نزلت في نعيم بن مسعود الاشجعي، وكان يأمن في المسلمين بنقل الحديث بين النبي صلى الله عليه وآله، والمشركين، فنزلت هذه الآية، وقال مقاتل: نزلت في أسد وغطفان.

المعنى: وقال أبوالعالية معنى قوله: " كلما ردوا إلى الفتنة اركسوا فيها " يعني كلما ابتلوا بها عموا فيها.

وقال قتادة: كلما عرض لهم بلاء هلكوا فيه.

والفتنة في اللغة هي الاختبار.

والاركاس: الرجوع.

فمعنى الكلام كلما ردوا إلى الاختبار، ليرجعوا إلى الكفر والشرك رجعوا إليه.

وقوله: " فان لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم " معناه وان لم يعتزلوكم أيها المؤمنون هؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم وهم كلما دعوا إلى الشرك أجابوا إليه (ويلقوا إليكم السلم) يعني ولم يستسلموا لكم فيعطوكم المقادة ويصالحوكم ويكفوا أيديهم عن قتالكم (فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم) يعني حيث أصبتموهم.

ثم قال: " وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا " يعني حجة ظاهرة.

وقال السدي، وعكرمة: السلطان الحجة وقال أبوعلي: نزلت في قوم كانوا يظهرون الاسلام، فاذا اجتمعوا مع قريش اظهروا لهم الكفر.

وهو قوله: (كلما ردوا إلى الفتنة) يعني الكفر (اركسوا فيها) بمعنى وقعوا فيها، فما داموا مظهرين للاسلام وكافين عن قتال المسلمين، فلا يتعرض لهم.

[289]

ومتى لم يظهروا الاسلام، وجب قتالهم على ماذكره الله، ثم قال قوم: الآية منسوخة وان من لم يحارب مع المؤمنين، وجب قتاله. واختارهو أنها غير منسوخة.

قال: لانه لادليل على ذلك.

قوله تعالى: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فان كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما(92))

آية بلاخلاف.

المعنى والاعراب: قوله: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ) معناه لم يأذن الله، ولا أباح لمؤمن أن يقتل مؤمنا فيما عهده إليه، لانه لو أباحه وأذن فيه ماكان خطأ. والتقدير إلا أن يقتله خطأ، فان حكمه هكذا على ما ذكر. فذهب إلى هذا قتادة وغيره.

وقوله: (إلا خطأ) استثناء منقطع - في قول أكثر المفسرين - وتقديره إلا أن المؤمن قد يقتل المؤمن خطأ، وليس ذلك مما جعل الله له، ومثله قول الشاعر:

من البيض لم تظعن بعيدا ولم تطأ *** على الارض إلا ريط برد مرجل(1)

والمعنى لم تطأعلى الارض إلا أن تطأ ذيل البرد، وليس ذيل البرد من الارض.

___________________________________

(1) قائله جرير ديوانه: 458، والنقائض: 706، ومجاز القرآن 1: 137.

[290]

وقد ذكرنا لذلك نظائر فيما مضى، ولانطول باعادتها.

وتقدير الآية: إلا أن المؤمن قد يقتل المؤمن خطأ وليس ذلك مما جعل الله له.

وقال قوم: الاستثناء متصل والمعنى: لم يكن للمؤمن أن يقتل متعمدا مؤمنا. ومتى قتله متعمدا لم يكن مؤمنا فان ذلك يخرجه من الايمان، ثم قال: " إلا خطأ " ومعناه إن قتله له خطأ لايخرجه من الايمان. ثم أخبر تعالى بحكم من قتل من المؤمنين مؤمنا خطأ، فقال: " ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ". ومعناه فعليه تحرير رقبة مؤمنة. يعني مظهرة للايمان وظاهر ذلك يقتضي أن تكون بالغة ليحكم لها بالايمان وذلك في ماله خاصة.

" ودية مسلمة إلى أهله " تؤديها عنه عاقلته إلى أولياء المقتول إلا أن يصدق أولياء المقتول حينئذ تسقط عنهم. وموضع (أن) من قوله: " إلا أن يصدقوا " نصب، لان المعنى فعليه ذلك إلا أن يصدقوا النزول: وقيل: إن الآية نزلت في عياش ابن أبي ربيعة المخزومي: أخي أبي جهل، لانه كان أسلم، وكان قد قتل رجلا مسلما بعد اسلامه، وهو لايعلم باسلامه. وهذا قول مجاهد، وابن جريج، وعكرمة، والسدي.

وقالوا: المقتول هوالحارث بن يزيد بن أبي نبشية العامري. ولم يعلم أنه اسلم، وكان أحدمن رده عن الهجرة، وكان يعذب عياشا مع أبي جهل، قتله بالحرة بعد الهجرة. وقيل: قتله بعد الفتح وقد خرج من مكة وهو لايعلم باسلامه. ورواه أبوالجارود عن أبي جعفر (ع).

وقال ابن زيد: نزلت في رجل قتله أبوالدرداء، كان في سرية فعدل أبوالدرداء إلى شعب يريد حاجة، فوجد رجلا من القوم في غنم له، فحمل عليه بالسيف فقال: لاإله إلا الله ! فبدر فضربه ثم جاء بغنمه إلى القوم ثم وجد في نفسه شيئا فأتى رسول الله (ص) فذكر ذلك له، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: ألا شققت عن قلبه فقال: ما عسيت أن أجد ! هل هوإلا دم أو ماء؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله فقد أخبرك بلسانه فلم تصدقه قال كيف بي يارسول الله؟ قال: فكيف بلا إله إلا الله؟ ! قال فكيف بي

[291]

يارسول الله؟ قال: وكيف بلا إله إلا الله؟ ! حتى تمنيت أن يكون ذلك اليوم مبتدأ إيماني، ثم نزلت هذه الآية والذي ينبغي أن يعول عليه ان ما تضمنته الآية حكم من قتل خطأ ويجوز في سبب نزول الآية كل واحد مما قبل.

المعنى: وقال ابن عباس، والشعبي، وابراهيم، والحسن، وقتادة: الرقبة المؤمنة لاتكون إلا بالغة قد آمنت وصامت وصلت. فاما الطفل فانه لايجزي ولاالكافر.

وقال عطاء: كل رقبة ولدت في الاسلام فهي تجزي. والاول أقوى، لان المؤمن على الحقيقة لايطلق إلا على بالغ مظهر للايمان ملتزم لوجوب الصوم والصلاة، إلا أنه لاخلاف أن المولود بين مؤمنين يحكم له بالايمان، فبهذا الاجماع ينبغي أن يجزي في كفارة قتل الخطأ. وأما الكافرة والمولود بين كافرين فانه لايجزي بحال. والدية المسلمة إلى أهل القتيل هي المدفوعة إليهم موفرة غير منتقصة حقوق أهلهامنها " إلا أن يصدقوا " معناه يتصدقوا فادغمت التاء في الصاد لقرب مخرجها وفي قراء‌ة أبي " إلا ان يتصدقوا ".

وقوله: (فان كان من قوم عدولكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة) يعني إن كان هذا القتيل الذي قتله المؤمن خطأمن قوم هم أعداء لكم مشركون وهو مؤمن، فعلى قاتله تحرير رقبة مؤمنة. واختلفوا في معناه، فقال قوم: إذا كان القتيل في عداد قوم أعداء وهو مؤمن بين أظهرهم لم يهاجر، فمن قتله فلا دية له. وعليه تحرير رقبة مؤمنة، لان الدية ميراث، وأهله كفار لايرثونه. هذا قول ابراهيم، وابن عباس، والسدي، وقتادة، وابن زيد، وابن عياض.

وقال آخرون: بل عنى به أهل الحرب من يقدم دار الاسلام فيسلم ثم يرجع إلى دار الحرب إذا مربهم جيش من أهل الاسلام فهرب قومه وأقام ذلك المسلم فيهم فقتله المسلمون،

[292]

وهم يحسبونه كافرا. ذكر ذلك عن ابن عباس في رواية أخرى.

وقوله: (فان كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة) ومعناه إن كان القتيل الذي قتله المؤمن خطأ من قوم بينكم وبينهم أيها المؤمنون ميثاق أي عهدوذمة وليسوا أهل حرب لكم " فدية مسلمة إلى أهله " تلزم عاقلة قاتله. وتحرير رقبة على القاتل كفارة لقتله. واختلفوا في صفة هذا القتيل الذي هو من قوم بيننا وبينهم ميثاق أهو مؤمن أم كافر؟ فقال قوم: هو كافر إلا أنه يلزم قاتله دية، لان له ولقومه عهدا. ذهب إليه ابن عباس، والزهري، والشعبي، وابراهيم النخعي، وقتادة، وابن زيد.

وقال آخرون: بل هومؤمن، فعلى قاتله دية يؤديها إلى قومه من المشركين، لانهم أهل ذمة. روي ذلك أيضا عن ابراهيم والحسن. وهوالمروي في أخبارنا. إلا أنهم قالوا: يعطي ديته ورثته المسلمين دون الكفار. والميثاق هوالعهد. وقد بيناه فيما مضى. والمراد ههنا الذمة، وغيرها من العهود وبه قال السدي والزهري، وابن عباس والخطأ هو ان تريد شيئا فتصيب غيره. وهو قول ابراهيم، وأكثر الفقهاء.

والدية الواجبة في قتل الخطأ مئة من الابل ان كانت العاقلة من أهل الابل - بلا خلاف - وان اختلفوا في أسنانها فقائل يقول. هي أرباع: خمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون ابنة مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون. روي ذلك عن علي (ع).

وقال آخرون: هي أخماس: عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنت لبون، وعشرون بنو لبون، وعشرون بنت مخاض. وينسب ذلك إلى ابن مسعود. وروى الامرين معا أصحابنا.

وقال قوم: هي أرباع غير أنها ثلاثون حقة، وثلاثون بنت لبون، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنو لبون. روي ذلك عن عثمان وزيد بن ثابت.

قال الطبري: هذه الروايات متكائة. والاولى التخيير.

ولايحمل على العاقلة صلح، ولااقرار، ولاماكان دون الموضحة.

وأما الدية من الذهب فالف دينار، ومن الورق عشرة آلاف درهم.

وقال بعضهم: اثني عشرألفا والاول عندنا هو الاصح. ودية عمد الخطأ مئة من

[293]

الابل مغلظة اثلاثا - وروي أرباعا - ثلث بنت لبون، وثلث حقة، وثلث جذعة. وتستأدى في سنين. ودية الخطأ في ثلاث سنين. ودية العمد إذا تراضوا بها في سنة.

وأما دية أهل الذمة فقال قوم: هي دية المسلم سواء. ذهب اليه ابوبكر، وعثمان، وابن مسعود، وابراهيم، ومجاهد، والزهري، وعامر الشعبي، واختاره الطبري، وأبوحنيفة وأصحابه. وقال قوم: على النصف من دية المسلم. ذهب اليه عمرو بن شعيب رواه عن عمر بن الخطاب وبه قال عمر بن عبد العزيز.

وقال قوم: هي على الثلث من دية المسلم ذهب اليه سعيد بن المسيب، والشافعي غير أنها اربعة آلاف واختلاف الفقهاء قد ذكرناه في الخلاف.

واما دية المجوسي فلا خلاف أنها ثمانمئة وكذلك عندنا نادية اليهودي والنصراني.

(فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما) يعني فمن لم يجد الرقبة المؤمنة كفارة عن قتله المؤمن لاعتباره فعليه صيام شهرين متتابعين. واختلفوا في معناه: فقال قوم: مثل ما قلناه ذهب إليه مجاهد. وقال آخرون: " فمن لم يجد " الدية فعليه. صوم الشهرين عن الدية والرقبة. وتأويل الآية فمن لم يجد رقبة مؤمنة ولادية يسلمها إلى أهلها فعليه صوم شهرين متتابعين، ذهب إليه مسروق والاول هوالصحيح، لان دية قتل الخطأعلى العاقلة، والكفارة على القاتل باجماع الامة على ذلك. وصفة التتابع في الصوم أن يتابع الشهرين لايفصل بينهما بافطار يوم.

وقال أصحابنا: إذا صام شهرا وزيادة ثم أفطر اخطأ وجاز له البناء.

وقوله: (توبة من الله) نصب على القطع. ومعناه رجعة من الله لكم إلى التيسير عليكم بتخفيفه عنكم ما خفف عنكم من فرض تحرير الرقبة المؤمنة بايجاب صوم الشهرين المتتابعين توبة " وكان الله عليما حكيما " معناه لم يزل الله عليما بما يصلح عباده فيما يكلفهم من فرائضه حكيما بما يقضي فيهم. ويدبره.

وقال الجبائي: انما قال: (توبة من الله) تعالى بهذه الكفارة التي يلتزمها بدره عقاب القاتل. وذمه لانه يجوز أن يكون عاصيا في السبب، وان لم يكن عاصيا في القتل من حيث أنه رمى في موضع هومنهي عنه بأن يكون رجمة، وان لم يقصد القتل وهذا

[294]

ليس بشئ لان الآية عامة في كل قاتل خطأ، وما ذكره ربما اتقق في الآحاد. والزام دية قتل الخطأ العاقلة ليس هو مؤاخذة البرئ بالسقيم، لان ذلك ليس بعقوبة بل هو حكم شرعي تابع للمصلحة. ولو خلينا والعقل ما أوجبناه.

وقيل: ان ذلك على وجه المواساة والمعاونة

قوله تعالى: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما(93))

آية بلاخلاف.

المعنى: أخبر الله تعالى في هذه الآية ان من يقتل مؤمنا متعمدا يعني قاصدا إلى قتله ان جزاؤه جهنم خالدا فيها أي مؤيدا في جهنم وغضب الله عليه. وقد بينا ان غضب الله هو ارادة عقابه، والاستخفاف به.

" ولعنه " معناه أبعده من ثوابه ورحمته " واعدله عذابا عظيما " يعني لايعلمون قدر مبلغه لكثرته واختلفوا في صفة قتل العمد، فعندنا أن من قصد قتل غيره بما يقتل مثله في غالب العادة سواء كان بحديدة حادة كالسلاح أو مثقلة من حديد أو خنق أو سم أو إحراق أو تفريق أو موالات ضرب بالعصا حتى يموت أو بحجارة ثقيلة فان جميع ذلك عمد يوجب القود، وبه قال ابراهيم، وعبيد بن عمير، والشافعي، وأصحابه، واختاره الطبري.

وقال قوم: لايكون قتل العمد إلا ما كان بحديد. ذهب اليه سعيد ابن المسيب، وابراهيم، والشافعي في رواية أخرى، وطاووس وأبوحنيفة وأصحابه غير أن عندنا أنه إذا قتله بغير حديدة فلا يستقاد منه إلا بحديدة.

وقال الشافعي يستقاد منه بمثل ماقتل به فأما القتل شبيه العمد فهو ان يضربه بعصا أو غيرها مما لم تجر العادة بحصول الموت عنده، فاذا مات منه، كان شبيه العمد، وفيه الدية مغلظة في مال القاتل خاصة لايلزم العاقلة.

[295]

وقد بينا اختلاف الفقهاء في مسائل الخلاف في هذه المسألة. واستدلت المعتزلة بهذه الآية على أن مرتكب الكبيرة مخلد في نار جهنم. وأنه اذا قتل مؤمنا، فانه يستحق الخلود، ولايعفى عنه بظاهر اللفظ. ولنا أن نقول: ما انكرتم ان يكون المراد بالآية للكفار ومن لاثواب له أصلا. فأما من هو مستحق للثواب، فلا يجوز ان يكون مرادا بالخلود اصلا، لما بيناه فيما مضى من نظائره.

وقد روى اصحابنا ان الآية متوجهة إلى من يقتل المؤمن لايمانه، وذلك لايكون إلا كافرا.

وقال عكرمة، وابن جريج: ان الآية نزلت في انسان بعينه ارتد ثم قتل مسلما، فانزل الله تعالى فيه الآية، لانه كان مستحلا لقتله، على أنه قد قبل: إن قوله: " خالدا فيها " لايفهم من الخلود في اللغة الا طول اللبث، فأما البقاء ببقاء الله، فلا يعرف في اللغة، ثم لاخلاف أن الآية مخصوصة بمن لايتوب، لانه ان تاب فلابد من العفو عنه اجماعا، وبه قال مجاهد.

وقال ابن عباس: لاتوبة له ولاإذا قتله في حال الشرك ثم اسلم وتاب.

وبه قال ابن مسعود، وزيدبن ثابت والضحاك. ولايعترض على ماقلناه قول من يقول ان قاتل العمد لايوفق للتوبة، لان هذا القول إن صح فانما يدل على أنه لايختار التوبة. ولاينافي ذلك القول بأنها لو حصلت، لازالت العقاب. وإذا كان لابد من تخصيص الآية واخراج التائبين عنها، جاز لنا ان نخرج منهامن يتفضل الله عليه بالعفو على ان ظاهر الآية يتضمن ان جزاء‌ه جهنم فمن أين أن ذلك لابد من حصوله، وان العفو لايجوز حصوله؟ وهذا قول أبي مجلز وأبي صالح.

ولايدفع ذلك قوله: " وغضب الله عليه ولعنه واعدله عذابا عظيما " لان ذلك اخبار عن انه مستحق لذلك، فمن اين حصوله لامحالة؟ وقال الجبائي: الجزاء عبارة عما يفعل، وما لايفعل لايسمى جزاء. ألا ترى ان الاجير اذا استحق الاجرة على من استأجره، لايقال في الدراهم التي مع المستأجر انها جزاء عمله؟ ! وانما يسمى بذلك اذا أعطاه إياها. وهذا ليس بشئ، لان الجزاء عبارة عن المستحق سواء فعل، اولم يفعل الا ترى انا نقول: جزاء من فعل الجميل ان يقابل عليه بمثله، وان كان ما فعل بعد؟ وانما يراد انه ينبغي ان يقابل بذلك.

[296]

ونقول: من استحق عليه القود، أو حد من الحدود إن جزاء هذا ان يقتل، أو يقام عليه الحد. ولو كان الامر على ما قالوه، لوجب ألايكون الخلود في النار جزاء للكفار، لانه لم يقع بعد، ولايصح ان يقع، لان ما يوجد منه لايكون إلا متناهيا وانما لم يقل في الدراهم، انها جزاء لعمله، لان ما يستحقه الاجير في الذمة لايتعين في دراهم معينة. وللمستأجر أن يعطيه منها، ومن غيرها. فلذلك لم توصف هذه المعينة بانها جزاء‌للعمل، ثم لنا أن نعارض بآيات الغفران، كقوله: " إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء "(1) وقوله: " ان الله يغفر الذنوب جميعا "(2) وقوله: " ان ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم "(3). وإذا تعارضا، وقفا وبقينا على جواز العفو عقلا.

وقال الجبائي والبلخي: الآية نزلت في اهل الصلاة. لانه تعالى بين في الآية الاولى حكم قتل الخطأ من الدية، والكفارة. وذلك يختص أهل الصلاة، ثم عقب ذلك بذكر قتل العمد منهم. وهذا ليس بصحيح، لان لزوم الدية في الخطأ يتناول المسلم، والمعاهد. وأما الكفارات فان عندنا تلزمهم أيضا لانهم متعبدون بالشرائع. ولو سلمنا ان الآية الاولى تختص المسلمين، لم يلزم ان تختص الثانية بهم، بل لايمتنع ان يراد بها الكفار على وجه الخصوص أوالكفار، والمسلمين على وجه العموم. غير اناقد علمنا انه لايجوز ان يراد بها من هو مستحق الثواب، لان الثواب دائم. ولايجوز مع ذلك أن يستحق العقاب الدائم مع ثبوت بطلان الاحباط، لاجماع الآية على خلافه.

___________________________________

(1) سورة النساء: آية 47 - 115.

(2) - سورة الزمر: آية 53.

(3) - سورة الرعد: آية 7 وسورة حم السجدة: آية 43.

[297]

قوله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن القى اليكم السلم لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا ان الله كان بما تعملون خبيرا(94))

آية.

القراء‌ة، والحجة: قرأ أهل المدينة، وابن عباس، وخلف (السلم) بغير الف. الباقون بالف.

وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما فتثبتوا (بالثاء) من الثبوت في الموضعين ههنا وفي الحجرات الباقون (فتبينوا) من التبين.

وقرئ من طريق النهرواني لست مؤمنا - بفتح الميم الثانية - الباقون بكسرها وبه قرأ أبوجعفر محمد بن علي (ع) على ما حكاه البلخي.

فمن قرأ بالثاء من الثبوت. فانما اراد التثبت الذي هو خلاف العجلة.

ومن قرأ بالياء والنون، اراد من التبيين الذي هو النظر، والكشف عنه حتى يصح. والمعنيان متقاربان، لان المثبت متبين، والمتبين مثبت.

ومن قرأ (السلم) بلاالف اراد الاستسلام. ومنه قوله: " والقوا إلى الله يومئذ السلم "(1) أي استسلموا.

وقوله: " ورجلا سلما " أي مستسلما.

وروى أبان عن عاصم بكسر السين. والمعنى خلاف الحرب.

ومن قرأ بالف ذهب إلى التحية. ويحتمل أن يكون المراد لاتقولوا لمن اعتزلكم وكف عن قتالكم: لست مؤمنا.

قال أبوالحسن: يقولون: انما فلان سلام إذا كان لايخالط أحدا.

المعنى: خاطب الله تعالى بهذه الآية المؤمنين الذين إذا ضربوا في الارض بمعنى ساروا فيها للجهاد وأن يتأنوا في قتال من لايعلمون كفره، ولاايمانه، وعن قتل من يطهر الايمان وان ظن به الكفر باطنا. ولايعجلوا حتى يبين لهم أمرهم فانهم ان بادروا ربما أقدموا على قتل مؤمن. ولايقتلوا من استسلم لهم، وكف عن قتالهم، واظهر انه اسلم. والا يقولوا لمن هذه صورته: لست مؤمنا، فيقتلوه طلب عرض

___________________________________

(1) سورة النحل: آية 87.

[298]

" الحياة الدنيا " يعني متاع الحياة الدنيا الذي لابقاء له. فان عند الله مغانم كثيرة وفواضل جسيمة فهو خير لكم ان أطعتم الله فيما أمركم به، وانتهيتم عما نهاكم عنه.

النزول: واختلفوا في سبب نزول هذه الآية فقال عمر بن شبة: نزلت في مرداس رجل من غطفان، غشيتهم خيل المسلمين، فاستعصم قومه في الجبل، وأسهل هو مسلما مستسلما، فاظهر لهم اسلامه، فقتلوه، وأخذوا ما معه.

وقال أبو عمر والواقدي، وابن اسحاق. نزلت في عامر بن الاضبط الاشجعي لقيته سرية لابي قتادة فسلم عليه فشد محلم بن جثامة فقتله لاحنة كانت بينهم، ثم جاء النبي صلى الله عليه وآله وسأل ان يستغفر له فقال النبي صلى الله عليه وآله لاغفر الله لك. وانصرف باكيا فما مضت عليه سبعة ايام حتى هلك فدفن، ثم لفظته الارض فجاؤا إلى النبي صلى الله عليه وآله وأخبروه فقال (ع): إن الارض تقبل من هو شر من محلم صاحبكم، لكن الله اراد أن يعظم من حرمتكم، ثم طرحوه بين صد في جبل، والقوا عليه الحجارة، فنزلت الآية.

وقال ابن عباس: لحق ناس رجلا في غنيمة له، فقال السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنمه. فنزلت الآية.

قال ابن عباس: فكان الرجل يسلم في قومه، فاذا غزاهم أصحاب النبي صلى الله عليه وآله، وهرب أصحابه وقف، وأظهر تحية الاسلام (السلام عليكم) فيكفون عنه، فلما خالف بعضهم، وقتل من أظهر ذلك نزلت فيه الآية وبه قال السدي: وقال الرجل السلام عليكم، أشهد ان لاإله إلا الله، وان محمدا رسول الله. فشد عليه أسامة بن زيد وكان أمير القوم، فقتله، فنزلت الآية.

وقال قوم: كان صاحب السرية المقداد.

وقال آخرون: ابن مسعود. وكل واحد من هذه الاسباب يجوز أن يكون صحيحا، ولايقطع بواحد منها بعينه. والذي يستفاد من ذلك أن من اظهر الشهادتين لايجوز لمؤمن أن يقدم على قتله، ولا إذا أظهر ما يقوم مقامها من تحية الاسلام.

[299]

المعنى: وقوله (كذلك كنتم من قبل) اختلفوا في معناه، فقال قوم: كما كان هذا الذي قتلتموه بعدما القى إليكم السلام مستخفيا من قومه بدينه خوفا على نفسه منهم، كنتم أنتم مستخفين باديانكم من قومكم حذرا على أنفسكم فمن الله عليكم، ذهب إليه سعيد بن جبير وقال ابن زيد معناه كما كان هذا المقتول كافرا فهداه الله، كذلك كنتم كفارا، فهداكم الله.

وبه قال الجبائي.

وقال المغربي: معناه كذلك كنتم أذلاء آحادا إذا صار الرجل منكم وحده، خاف أن يختطف.

وقوله: (فمن الله عليكم) قيل في معناه قولان: أحدهما - قال سعيد بن جبير: فمن الله عليكم باظهار دينه، واعزاز أهله حتى أظهرتم الاسلام بعد ما كنتم تكتمونه من اهل الشرك.

وقال السدي: معناه تاب الله عليكم " فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا " معناه انه كان عليمابما تعملونه قبل أن تعملوه.

قال البلخي في الآية دلالة على أن المجتهد لايضل، لان النبي صلى الله عليه وآله لم يضلل مقدادا ولا بترأ منه.

ومن قرأ " لست مؤمنا " بفتح الميم الثانية، قال: معناه لا تقولوا لمن استسلم لكم لسنا نؤمنك. وهو وجه حسن.

قوله تعالى: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله باموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين باموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما(95) درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما(96))

آيتان.

[300]

القراء‌ة، والحجة: قرأ أهل المدينة وابن كثير غير أولي الضرر - نصبا - الباقون بالرفع. فمن رفع جعله نعتا للقاعدين. ومن نصبه فعلى الاستثناء. وهو اختيار أبي الحسن الاخفش.

المعنى: بين الله بهذه الآية انه " لايستوي " ومعناه لايعتدل " القاعدون " يعني المتخلفون عن الجهاد في سبيل الله من أهل الايمان بالله وبرسوله. المؤثرون الدعة والرفاهية على مقاساة الحر والمشقة بلقاء العدو، والجهاد في سبيله إلا أهل الضرر منهم بذهاب أبصارهم، وغيرذلك من العلل التي لاسبيل لاهلها إلى الجهاد للضرار الذي بهم " والمجاهدون في سبيل الله " ومنهاج دينه لتكون كلمة الله هي العليا والستفرغون وسعهم في قتال أعداء الله، وأعداء دينهم " باموالهم " انفاقا لها فيما يوهن كيدأعداء أهل الايمان.

وقال قوم: إن قوله: " غير أولي الضرر " نزل بعد قوله: " لايستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله " فجاء عمر بن أم مكتوم، وكان أعمى فقال: يارسول الله كيف وأنا أعمى، فما برح حتى نزل قوله: " غير أولي الضرر ". ذكر ذلك البراء بن عازب، وزيد بن أرقم وزيد بن ثابت. وهو يقوي قراء‌ة من قرأ بالنصب.

الاعراب والمعنى: " والقاعدون " رفع بيستوي ويستوي ههنا يقتضي فاعلين، فصاعدا وقوله: " والمجاهدون " معطوف عليه. والتقدير لايستوي القاعدون إلا أولي الضرر والمجاهدون.

وقال الفراء: الرفع أجود لاتصال " غير " بقوله: " القاعدون " والاستثناء كان يجب أن يكون بعد تمام الكلام بقوله: " لايستوي القاعدون... والمجاهدون غير أولي الضرر " قال ويجوز خفضه نعتا للمؤمنين وماقرئ به.

[301]

والاول أقوى.

ويحتمل النصب على الحال كقولك: جاء زيد غير مريب.

فان قيل: أيجوز أن يساوي أهل الضرر المجاهدين على وجه، فان قلتم: لا، فقد صاروا مثل من ليس من أولي الضرر؟ قلنا: يجوز أن يساووهم بأن يفعلوا طاعات أخر تقوم مقام الجهاد، فيكون ثوابهم عليهم مثل ثواب الجهاد. وليس كذلك من ليس بأولي الضرر، لانه قعد عن الجهاد، بلاعذر. وظاهر الآية يمنع من مساواته على وجه.

وقال ابن عباس لايستوي القاعدون من المؤمنين عن بدر، والخارجين إلى بدر ثم قال: (وفضل الله المجاهدين باموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة) قال ابن جريج وغيره معناه فضل الله المجاهدين باموالهم وأنفسهم درجة على القاعدين من أهل الضرر ثم قال: (وكلا وعد الله الحسنى) يعني وعد الله الحسنى المجاهدين بأموالهم وأنفسهم والقاعدين أولي الضرر. والمراد بالحسنى ههنا الجنة في قول قتادة وغيره من المفسرين.

وبه قال السدي.

وقوله: (وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما) معناه فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين من غير أولي الضرر أجراعظيما.

وقوله: (درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما) قال قتادة هو كما يقال: الاسلام درجة، والفقه درجة، والهجرة درجة، والجهاد في الهجرة درجة، والقتل في الجهاد درجة.

وقال عبدالله بن زيد: معنى الدرجات هي التسع درجات التي درجها في سورة براء‌ة.

وهي قوله: (ماكان لاهل المدينة ومن حولهم من الاعراب أن ن يتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله ولايرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لايصيبهم ظمأ ولانصب ولامخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيض الكفار ولاينالون من عدو نيلا) إلى قوله: (ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون)(1) قال: هذه التسع درجات.

وقال قوم: المراد بالدرجات ههنا الجنة. واختاره الطبري.

(ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما) معناه لم يزل الله غفارا للذنوب صافحا لعبيده عن العقوبة. رحيما بهم متفضلا عليهم. فان

___________________________________

(1): آية 120، 121.

[302]

قيل: كيف قال في أول الآية (فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة) ثم قال في آخرها (وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات) وهذا ظاهر التناقض؟ ! قلنا عنه جوابان: أحدهما - ان في اول الآية فضل الله المجاهدين على القاعدين أولي الضرر درجة وفي آخرها فضلهم على القاعدين غير أولي الضرر درجات ولا تناقض في ذلك، لان قوله: (وكلا وعد الله الحسنى) يدل على ان القاعدين لم يكونوا عاصين مستخفين. وان كانوا تاركين للفضل.

والثاني - قال أبوعلي الجبائي: أراد بالدرجة الاولى علو المنزلة وارتفاع القدر على وجه المدح لهم كما يقال: فلان أعلى درجة عند الخليفة من فلان يريدون بذلك أنه أعظم منزلة.

وبالثانية أراد الدرجات في الجنة التي تتفاضل بها المؤمنون بعضهم على بعض على قدر استحقاقهم، ولاتنافي بينهما.

وقال الحسين بن علي المغربي انما كرر لفظ التفضيل، لان الاول أراد تفضيلهم في الدنيا على القاعدين والثاني أراد تفضليهم في الآخرة بدرجات النعيم.



 
 

  أقسام المكتبة :
  • القرآن الكريم
  • كتب في تفسير القرآن
  • أبحاث حول القرآن
  • كتب تعليمية ومناهج
  • علوم القرآن
  • النغم والصوت
  • الوقف والإبتداء
  • الرسم القرآني
  • مناهج وإصدارات دار السيدة رقية (ع)
  البحث في :


  

  

  

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net