00989338131045
 
 
 
 
 
 

 خاتمة المطاف 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الامثال في القرآن   ||   تأليف : العلامة المحقق جعفر سبحاني

( 279 )

خاتمة المطاف



ربما عدّ غير واحد ممّن كتب في أمثال القرآن، الآية التالية منها:
(وَما جَعَلْنا أَصحابَ النّارِ إِلاّ مَلائكةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُم إلاّ فِتْنةً لِلّذينَ كَفَرُوا ليَستَيْقِنَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ وَيَزدادَ الّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرتابَ الّذينَ أُوتُوا الكِتابَ وَالمُوَْمِنُونَ وَلِيَقُول الّذينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالكافِرُون ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً كَذلِكَ يُضِلّ اللهُ مَن يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَمايَعْلمُ جنودَ رَبّكَ إِلاّ هُوَ وَماهِيَ إِلاّ ذِكرى لِلبَشر ) . (1)
تفسير الآية
لمّانزل قوله سبحانه (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ* و ما أدراكَ ما سَقَرُ*لا تُبْقِي ولا تَذَرُ* لواحَةٌ للبشرِ* عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ) . (2)
قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أُمّهاتكم أتسمعون ابن أبي كبيشة يخبركم انّ خزنة النار تسعة عشر، وأنتم الدهم (3) الشجعان، أفيعجز كلّ عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم.

____________
1 ـ المدثر:31.
2 ـ المدثر:26ـ 30.
3 ـ الدهم: الجماعة الكثيرة.

===============

( 280 )

فقال أبو أسد الجمحي: أنا أكفيكم سبعة عشر، عشرة على ظهري، وسبعة على بطني، فأكفوني أنتم اثنين، فنزلت هذه الآية: (وَماجعلنا أصحاب النّار إلاّ ملائكة )، أي جعلنا أصحاب النار ملائكة أقوياء مقتدرون وهم غلاظ شداد، يقابلون المذنبين بقوة، وهم أمامهم ضعفاء عاجزون، ويكفي في قوتهم انّه سبحانه يصف واحداً منهم بقوله: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى* ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى ) . (1)
فالكفّار ما قدروا الله حقّ قدره وما قدروا جنود ربّهم، وظنوا انّ كلّ جندي من جنوده سبحانه يعادل قوة فرد منهم.
ثمّ إنّه سبحانه يذكر الوجوه التالية سبباً لجعل عدتهم تسعة عشر:
1. (فتنةللذين كفروا ).
2. (ليستيقن الذين أُوتوا الكتاب ).
3. (يزداد الّذين آمنوا إيماناً ) .
4. (لا يرتاب الّذين أُوتوا الكتاب والموَمنون ) .
5. (وَليقول الّذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلاً ) .
وإليك تفسير هذه الفقرات:
أمّا الاَُولى: فيريد انّه سبحانه لم يجعل عدتهم تسعة عشر إلاّ للاِفتتان والاختبار، قال سبحانه: (واعلموا انّما أموالكم وأولادكم فتنة ) أي يختبر بهم الاِنسان، فجعل عدتهم تسعة عشر يختبر بها الكافر والموَمن، فيزداد الكافر حيرة واستهزاءً ويزداد الموَمن إيماناً وتصديقاً، كما هو حال كلّ ظاهرة تتعلق بعالم الغيب. يقول سبحانه: (وَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ
____________
1 ـ النجم:5ـ 6.

===============

( 281 )

إيماناً فَأَمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ* وَأَمَّا الّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُون ) . (1)
ولا تظن انّ عمله سبحانه هذا يوجب تعزيز داعية الكفر، وهو أشبه بالجبر وإضلال الناس ووجه ذلك انّ الاستهزاء والابتعاد عن الحقّ أثر الكفر الذي اختاره على الاِيمان، فهذا هو السبب في أن تكون الآيات الاِلهية موجبة لزيادة الكفر والابتعاد عن الحقّ، والدليل على ذلك انّ هذه الآيات في جانب آخر نور وهدى وموجباً لزيادة الاِيمان و التصديق.
وأمّا الثانية: أي استيقان أهل الكتاب من اليهود والنصارى انّه حقّ وانّ محمّداً رسول صادق حيث أخبر بما في كتبهم من غير قراءة ولا تعلم.
وأمّا الثالثة: وهي ازدياد إيمان الموَمنين، وذلك بتصديق أهل الكتاب، فإذا رأوا تسليم أهل الكتاب و تصديقهم يترسخ الاِيمان في قلوبهم.
وأمّا الرابعة: أعني قوله: (ولا يرتاب الّذين أُوتوا الكتاب والموَمنون )، فهو أشبه بالتأكيد للوجه الثاني والثالث.
وفسره الطبرسي بقوله: وليستيقن من لم يوَمن بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم ) ومن آمن به صحة نبوته إذا تدبّروا وتفكّروا.
وأمّا الخامسة:وهي تقوّل الكافرين ومن في قلوبهم مرض بالاعتراض، بقولهم: ماذا أراد الله بهذا الوصف والعدد، وهذه الفقرة ليست من غايات جعل عدتهم تسعة عشر ، وإنّما هي نتيجة تعود إليهم قهراً، ويسمّى ذلك لام العاقبة، كما في قوله سبحانه: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَونَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ) (2) ومن
____________
1 ـ التوبة:124ـ 125.
2 ـ القصص:8.

===============

( 282 )

المعلوم انّ فرعون لم يتخذه لتلك الغاية وإنّما اتخذه ليكون ولداً له، كما في قول امرأته: (لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُون ) (1) و لكن ترتبت تلك النتيجة على عملهم شاءوا أم أبوا .
وهكذا المقام حيث أخذت الطائفتان أي الذين في قلوبهم مرض والكافرين بالاستهزاء، وقالوا: (ماذا أراد الله بهذا مثلاً ) .
وقد فسر قوله: (الّذين في قلوبهم مرض ) بالمنافقين، كما فسروا الكافرين بالمتظاهرين بالكفر من المشركين، غير انّ هنا سوَال، و هو انّ السورة مكية ولم تكن هناك ظاهرة النفاق و إنّما بدأت بالمدينة.
ولكن لا دليل على عدم وجود النفاق بمكة، إذ ليس الخوف سبباً منحصراً للنفاق، فهناك علل أُخرى وهي الاِيمان لاَجل العصبية والحميّة أو غير ذلك. يقول العلاّمة الطباطبائي: لا دليل على انتفاء سبب النفاق في جميع من آمن بالنبي بمكة قبل الهجرة وقد نقل عن بعضهم انّه آمن ثمّ رجع أو آمن عن ريب ثمّ صلح.
على أنّه تعالى يقول: (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبّكَ لَيَقُولُنَّ إِنّا كُنّا مَعَكُمْ أَوَ لَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِين* وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقين)(2)(3)
ثمّ إنّه سبحانه يختم الآية بقوله: (كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء )، أي الحقائق الناصعة والآيات الواضحة تتلقاها القلوب المختلفة تلقياً
____________
1 ـ القصص:9.
2 ـ العنكبوت:10ـ11.
3 ـ الميزان:20|90.

===============

( 283 )

مختلفاً يهتدي بها فريق و يضل بها آخر حسب ما يشاء سبحانه، وليست مشيئته سبحانه خالية عن الملاك والسبب، فهدايته وإضلاله رهن اهتداء الاِنسان من هداياته العامة، فمن استهدى بها تشمله هدايته الثانية، وهي التي وردت في هذه الآية، ومن أعرض عنها فيشمله إضلاله سبحانه بمعنى قطع فيضه عنه.
الآية ليست من الاَمثال
ومع ما بذلنا من الجهد في تفسير الآيات، فالظاهر انّها ليست من قبيل التمثيل لما عرفت من أنّه عبارة عن تشبيه شيء بشيء وإفراغ المعنى المعقول في قالب محسوس لغاية الاِيضاح، ولكن الآيات لا تمتُّ إليه بصلة وإنّما هي بصدد بيان سبب جعل الزبانية تسعة عشر وانّ لها آثاراً خاصة.
وعلى ذلك فقوله سبحانه: (ماذا أَرادَ الله بِهذا مَثَلاً )، أي ماذا أراد الله به وصفاً، فالمثل في هذه الآية نظير ما ورد في سورة فرقان حيث بعد ما ذكر انّ المشركين وصفوه بأنّه رجل مسحور، قال: (انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الاََمْثالَ ) (1) أي انظر كيف وصفوك، فليس مطلق الوصف تمثيلاً.

تمَّ الكتاب ـ بحمد الله سبحانه ـ بيدموَلّفه جعفر السبحاني

وقد لاح بدر تمامه في شهر جمادى الآخرة من شهور عام 1420

من الهجرة النبوية على هاجرها آلاف الثناء والتحية

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 200

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 9077969

  • التاريخ : 27/09/2020 - 23:39

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net