00989338131045
 
 
 
 
 
 

 من آية (155 - 165) 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : تفسير كنز الدقائق ( الجزء الثاني )   ||   تأليف : الميرزا محمد المشهدي

الآية: 155 - 165

إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطن ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم(155) يأيها الذين ء‌امنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لاخونهم إذا ضربوا في الارض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ما توا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحى ويميت والله بما تعملون بصير(156) ]

إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان: انهزموا يوم احد، والجمعان جمع المسلمين وجمع المشركين.

إنما استزلهم الشيطن: حملهم على الزلة.

ببعض ما كسبوا: من معصيتهم النبي (صلى الله عليه وآله) بترك المركز والحرص على الغنيمة وغير ذلك، فمنعوا التأييد وقوة القلب.

وفي تفسير علي بن إبراهيم: قوله: " ان الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استرلهم الشيطان " أي خذلهم حتى طلبوا الغنيمة " ببعض ما كسبوا " قال بذنوبهم(1).

وفي تفسير العياشي: عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، عن أحد هما (عليهما السلام) في قوله: " إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا " فهو عقبة بن عثمان وعثمان بن سعد(2).

عن عبدالرحمن بن كثير، عن أبي عبدالله (عليه السلام): هم أصحاب العقبة(3).

___________________________________

(1) تفسير علي بن إبراهيم: ج 1 ص 121 عند تفسيره لقوله تعالى: " ان الذين تولوا منكم ".

(2) تفسير العياشي: ج 1 ص 201 ح 156.

(3) تفسير العياشي: ج 1 ص 201 ح 158. (*)

[264]

ولقد عفاالله عنهم: لتوبتهم واعتذارهم.

إن الله غفور: للذنوب.

حليم: لا يعاجل بعقوبة المذنب، كي يتوب يأيها الذين ء‌امنوا لا تكونوا كالذين كفروا: يعني المنافقين.

وقالوا لاخونهم: لاجلهم وفيهم.

ومعنى إخوتهم اتفاقهم في النسب أو المذهب.

إذا ضربوا في الارض: إذا سافروا فيها وأبعدوا للتجارة أو غيرها.

وكان حقه (إذ) لقوله: " قالوا " لكنه جاء على حكاية الحال الماضية.

أو كانوا غزى: جمع غاز، كعاف وعفى.

لو كانوا عندنا ما ماتوأ وما قتلوا: معفول " قالوا " وهو يدل على أن إخوانهم لم يكونوا مخاطبين به.

ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم: متعلق ب‍ " قالوا " على أن اللام لام العاقبة، مثلها في " ليكون لهم عدوا وحزنا "(1) أو لا تكونوا أي لا تكونوا مثلهم في النطق بذلك القول والاعتقاد ليجعله حسرة في قلوبهم خاصة، فذلك إشارة إلى مادل عليه قولهم من الاعتقاد.

وقيل: إلى مادل عليه النهي، أي لا تكونوا مثلهم، ليجعل الله انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم، فإن مخالفتهم ومضادتهم مما يغمهم.

والله يحى ويميت: رد لقولهم، أي هوالمؤثر في الحياة والممات، لا الاقامة والسفر، فإنه تعالى قد يحيى المسافر والغازي ويميت المقيم والقاعد.

والله بما تعملون بصير: تهديد للمؤمنين على أن يماثلوهم. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء، على أنه وعيد للذين كفروا.

___________________________________

(1) القصص: 8. (*)

[265]

ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون(157) ] ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم: أي متم في سبيله.

وقرأ نافع وحمزة والكسائى بكسر الميم من مات يمات.

لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون: جواب القسم، وهو ساد مسد الجزاء.

والمعنى: أن السفر والغزو ليس مما يجلب الموت ويقدم الاجل وإن وقع ذلك في سبيل الله، فما تنالون من المغفرة والرحمة بالموت خير مما تجمعون من الدنيا ومنافعها لو لم تموتوا.

وفي تفسير العياشي: عن عبدالله بن المغيرة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سئل عن قول الله: " ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم " قال: أتدري يا جابر ما سبيل الله؟ فقلت: لا والله إلا أن أسمعه منك، قال: سبيل الله علي وذريته، فمن قتل في ولايته قتل في سبيل الله، ومن مات في ولايته مات في سبيل الله(1).

وفي كتاب معاني الاخبار: أبي (رحمه الله) قال: حدثنا سعد بن عبدالله، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن سنان، عن عمار بن مروان، عن المنخل(2)، عن

___________________________________

(1) تفسير العياشي: ج 1 ص 202 ح 162 وسند الحديث (عن عبدالله بن المغيرة، عمن حدثه، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام)، وتمام الحديث (ليس من يؤمن من هذه الامة إلا وله قتلة وميتة، قال: إنه من قتل ينشر حتى يموت ومن مات ينشر حتى يقتل).

(2) المنخل بن جميل الاسدي بياع الجواري الكوفي: الضبط، المنخل بضم الميم وفتح النون وفتح الخاء المعجمة المشددة بعدها اللام قاله في الخلاصة والايضاح وزاد في الثاني قوله: وقيل: بسكون النون وضم الخاء، قلت: بفتح النون وكسر الخاء المشددة، وقال النجاشي: منخل بن جميل الاسدي بياع الجواري ضعيف فاسد الرواية، روى عن أبي عبدالله (عليه السلام) له كتاب التفسير، وقال ابن الغضائري: ضعيف في مذهبه غلو، ولكن المحقق الوحيد (رحمه الله) بنى على (*)

[266]

[ ولئن متم أو قتلتم لالى الله تحشرون(158) فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين(159) ]

جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن هذه الآية في قول الله (عزوجل): " ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم " قال: فقال: أتدري ما سبيل الله؟ قال: قلت: لا والله إلا أن أسمعه منك، قال: سبيل الله علي (عليه السلام) وذريته، وسبيل الله من قتل في ولايته قتل في سبيل الله، ومن مات في ولايته مات في سبيل الله(1). وقرأ حفص بالياء.

ولئن متم أو قتلتم: على أي وجه اتفق هلاككم.

لالى الله تحشرون: لا إلى معبودكم الذي توجهتم إليه وبذلتم مهجكم لاجله، لا إلى غيره، لا محالة تحشرون، فيوفي جزاء‌كم ويعظم ثوابكم. وقرأ نافع وحمزة والكسائي " متم " بالكسر.

فبما رحمة من الله لنت لهم: أي فبرحمة، و " ما " مزيدة للتأكيد والدلالة على أن لينه لهم، ما كان إلا برحمة من الله، وهو ربطه على جأشه وتوفيقه للرفق بهم، حتى اغتم بعد أن خالفوه.

ولو كنت فظا: سيئ الخلق جافيا. (*)

___________________________________

المناقشة في ذلك فقال: الظاهر أن رميهم إياه بالغلو لروايته الروايات الدالة عليه على زعمهم وفي ثبوت الضعف بذلك تأمل (تلخيص من تنقيح المقال: ج 3 ص 247 تحت رقم 12135.

(1) معاني الاخبار: ص 167 باب معنى سبيل الله، ح 1. (*)

[267]

غليظ القلب: قاسية.

لانفضوا من حولك: لتفرقوا عنك ولم يسكنوا إليك.

فاعف عنهم: فيما يختص بك. واستغفر لهم: فيما لله.

وفي تفسير العياشي: عن صفوان قال: استأذنت لمحمد بن خالد، عن الرضا أبي الحسن (عليه السلام) وأخبرته أنه ليس يقول بهذا القول، وأنه قال: والله لا اريد بلقائه إلا لانتهي إلى قوله، فقال: ادخله، فدخل فقال له: جعلت فداك أنه كان فرط مني شئ، وأسرفت على نفسي - وكان فيما يزعمون أنه كان، بعينه فقأ وأن أستغفر الله مما كان مني، فأحب أن تقبل عذري وتغفر لي ما كان مني؟ فقال: نعم أقبل، إن لم أقبل كان ابطال ما يقول هذا وأصحابه - وأشار إلي بيده - ومصداق ما يقول الآخرون، يعني المخالفين، قال الله لنبيه (عليه وآله السلام): " فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر " ثم سأله عن أبيه، فأخبره أنه قد مضى واستغفر له(1).

وشاورهم في الامر: في أمر الحرب، إذ الكلام فيه، أو فيما يصح أن يشاور فيه، استظهارا برأيهم، وتطييبا لنفوسهم، وتمهيدا لسنة المشاورة للامة.

وفي نهج البلاغة قال (عليه السلام): من استبد برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها(2).

وفيه قال (عليه السلام): والاستشارة من الهداية فقد خاطر من استغنى برأيه(3).

وفي كتاب التوحيد: بإسناده إلى أبي البختري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه،

___________________________________

(1) تفسير العياشي: ج 1 ص 203 ح 163.

(2) نهج البلاغة: ص 500 باب المختار من حكم أميرالمؤمنين (عليه السلام) تحت رقم 161 صبحي الصالح.

(3) نهج البلاغة: ص 506 باب المختار من حكم أميرالمؤمنين (عليه السلام) قطعة من رقم 211 صبحي الصالح. (*)

[268]

عن جده، عن علي (عليهم السلام)، عن النبي (صلى الله عليه وآله)، حديث طويل، وفيه: لا وحدة أو حش من العجب، ولا مظاهرة أو ثق من المشاورة(1).

وفي كتاب الخصال: عن محمد بن آدم، عن أبيه بإسناده قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا علي لا تشاورن جبانا فإنه يضيق عليك المخرج، ولا تشاورن البخيل يقصر بك عن غايتك، ولا تشاورن حريصا فإنه يزين لك شرها(2).

وفيه: في الحقوق المروية عن علي بن الحسين (عليهما السلام): وحق المستشير إن علمت أن له رأيا أشرت عليه، وإن لم تعلم أرشدته إلى من يعلم، وحق المشير عليك أن لا تتهمه فيما لا يوافقك من رأيه، فإن وافقك حمدت الله(3).

وعن سفيان الثوري قال: لقيت الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) فقلت له: يابن رسول الله أوصني فقال لي: يا سفيان لامروة للكذوب، إلى قوله: وشاور في أمرك الذين يخشون الله(4).

فإذا عزمت: إذا وطنت نفسك على شئ بعد الشورى.

فتوكل على الله: في إمضاء أمرك على ما هو أصلح لك، فإنه لا يعلمه، سواه.

وقرئ: فإذا عزمت على التكلم، أي فإذا عزمت لك على شئ وعينته لك، فتوكل علي ولا تشاور فيه أحدا.

إن الله يحب المتوكلين: فينصرهم ويهديهم إلى الصلاح.

وفي تفسير العياشي: أحمد بن محمد، عن علي بن مهزيار قال: كتب إلي أبو

___________________________________

(1) التوحيد: ص 376 باب القضاء والقدر والفتنة والارزاق والاسعار والآجال ح 20 س 2.

(2) الخصال: ص 101 باب الثلاثة، النهي عن مشاورة ثلاثة، ح 57.

(3) الخصال: من ص 570 أبواب الخمسين وما فوقه، ح 1.

(4) الخصال: ص 169 أبواب الثلاثة، أمر الباقر (عليه السلام) ابنه الصادق (عليه السلام) بثلاث ونهاه عن ثلاث، ح 222. (*)

[269]

[ إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذى ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون(160) ]

جعفر (عليه السلام) أن سل فلانا أن يشير علي ويتخير لنفسه(1)، فهو يعلم ما يجوز في بلده وكيف يعامل السلاطين، فإن المشورة مباركة قال الله لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) في محكم كتابه: " فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين " فإن كان ما يقول مما يجوز، كنت أصوب لرأيه، وإن كان غير ذلك رجوت أن أضعه على الطريق الواضح إن شاء الله.

وشاورهم في الامر، قال: يعني الاستخارة(2).

إن ينصركم الله فلا غالب لكم: فلا أحد يغلبكم.

وإن يخذ لكم: كما خذلكم يوم احد.

فمن ذا الذى ينصركم من بعده: من بعد خذلانه، أو من بعدالله، بمعنى إذا جاوز تموه فلا ناصر لكم.

وهذا تنبيه على المقتضى للتوكل، وتحريض على ما يستحق به النصر من الله، وتحذير عما يستجلب خذلانه.

وفي كتاب التوحيد: بإسناده إلى عبدالله بن الفضل الهاشمي، عن أبي عبدالله (عليه السلام) - حديث طويل - يقول فيه: فقلت: قوله (عزوجل): " وما توفيقي إلا

___________________________________

(1) لعل المراد من قوله (عليه السلام) (يشير علي) أي سله يظهر لي ما عنده من مصلحتي في أمر كذا (ويتخير لنفسه) أي يتخير لي تخيرا كتخيره لنفسه، كما هو شأن الاخ المحب المحبوب الذي يخشى الله تعالى (كذا في هامش تفسير العياشي) وكذا أيضا في هامش بحار الانوار مع زيادة قوله: لفظ الحديث اضطراب، (لا حظ البحارط بيروت ج 72 ص 103 باب المشورة وفبولها ح 34).

تفسير العياشي: ج 1 ص 204 ح 147. (*)

[270]

[ وما كان لنبى أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيمة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون(161) أفمن اتبع رضون الله كمن بآء بسخط من الله ومأوه جهنم وبئس المصير(162) ]

بالله "(1) وقوله (عزوجل): " إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده " فقال: إذا فعل العبد ما أمره الله (عزوجل) به من الطاعة، كان فعله وفقا لامرالله (عزوجل)، سمي العبد به موفقا.

وإذا أراد العبد أن يدخل في شئ من معاصي الله، فحال الله (تبارك وتعالى) بينه وبين تلك المعصية، فتركها كان تركها بتوفيق الله (تعالى ذكره).

ومتى خلى بينه وبين المعصية فلم يحل بينه وبينها حتى يرتكبها فقد خذله ولم ينصره ولم يوفقه(2).

وعلى الله فليتوكل المؤمنون: فليخصوه بالتوكل عليه، لما علموا أن لا ناصر سواه، وآمنوا به.

وما كان لنبى أن يغل: وما صح لنبي أن يخون في الغنائم، فإن النبوة تنافي الخيانة.

يقال: غل شيئا من المغنم يغل غلولا، وأغل أغلالا، إذا أخذه في خفية.

والمراد منه براء‌ة الرسول (صلى الله عليه وآله) عما اتهم به.

وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب " ان يغل " على البناء للمفعول، والمعنى: وما صح له أن يوجد غالا، أو أن ينسب إلى الغلول.

في تفسير علي بن إبراهيم، إن سبب نزولها أنه كان في الغنيمة التي أصابوها يوم

___________________________________

(1) هود: 88.

(2) التوحيد: ص 242 باب تفسير الهدى والضلالة والتوفيق والخذلان من الله تعالى ح 1 س 1. (*)

[271]

بدر، قطيفة حمراء، ففقدت، فقال رجل من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): مالنا لا نرى القطيفة؟ لا أظن إلا رسول الله أخذها، فأنزل الله في ذلك " وما كان لنبي أن يغل " الآية، فجاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: إن فلانا غل قطيفة، فأخبأها هنالك فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بحفر ذلك الموضع، فأخرج القطيفة(1).

ومن يغلل يأت بما غل يوم القيمة: أي يأتي بما غل من النار يوم القيامة، أي يجعل ما غل في النار و يكلف بأن يخرجه منها.

كما رواه علي بن إبراهيم في تفسيره: عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: " وما كان لنبي أن يغل " قال: فصدق الله لم يكن الله ليجعل نبيا غالا " ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة " من غل شيئا رآه يوم القيامة في النار، ثم يكلف أن يدخل إليه فيخرجه من النار(2).

وفي أمالي الصدوق (رحمه الله): بإسناده إلى الصادق (عليه السلام)، - حديث طويل - يقول فيه: إن رضا الناس لا يملك وألسنتهم لا تضبط، ألم ينسبوه بوم بدر إلى أنه أخذ لنفسه من المغنم قطيفة حمراء، حتى أظهره الله على القطيفة، وبرأ نبيه (صلى الله عليه وآله) من الخيانة، وأنزل في كتابه " وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأتي بما غل يوم القيامة "(3).

ثم توفى كل نفس ما كسبت: تعطى جزاء ما كسبت وافيا.

وكان الظاهر أن يقال: ثم يوفى ما كسب، لكنه عمم الحكم ليكون كالبرهان على المقصود والمبالغة فيه، فإنه إذا كان كل كاسب مجزيا بعمله، فالغال مع عظم جرمه أولى.

وهم لا يظلمون: فلا ينقص ثواب مطيعهم، ولا يزاد عقاب عاصيهم.

___________________________________

(1) تفسير علي بن إبراهيم: ج 1 ص 126 في تفسيره لقوله تعالى: " وما كان لنبي أن يغل ".

(2) تفسير علي بن إبراهيم: ج 1 ص 122 في تفسيره لقوله تعالى: " ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ".

(3) الامالي للصدوق: ص 92 المجلس الثاني والعشرون ح 3، والحديث طويل جدا. (*)

[272]

[ هم درجت عندالله والله بصير بما يعملون(163) لقد من الله على المؤمنين إذ بعث رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم ء‌ايته ويزكيهم ويعلمهم الكتب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلل مبين(164) ]

أفمن اتبع رضون الله: بالطاعة، إنكار للتسوية.

كمن بآء: رجع.

بسخط من الله: بسبب المعاصي.

ومأوه جهنم وبئس المصير: والفرق بينه وبين المرجع، أن المصير يجب أن يخالف الحالة الاولى، ولا كذلك المرجع.

هم درجت عندالله: قيل: شبهوا بالدرجات، لما بينهم من التفاوت في الثواب والعقاب، أوهم ذو درجات(1).

وقيل: يحتمل أن يكون تشبيهم بالدرجات في أنهم وسائل الصعود إلى الله، والهبوط من قربه إلى أسفل السافلين. ولا يخفى ما في هذه التوجيهات من التكلف.

والصواب أن ضمير (هم) راجع إلى من اتبع، والمراد منهم الائمة، وهم درجات عندالله لمن اتبعهم من المؤمنين وأسباب لرفعتهم عندالله.

وفي تفسير العياشي: عن عمار بن مروان قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن قوله الله: " أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير "؟ فقال: " الذين اتبعوا رضوان الله " هم الائمة، وهم والله درجات عندالله للمؤمنين، وبولايتهم ومعرفتهم إيانا يضاعف الله لهم أعمالهم ويرفع الله لهم

___________________________________

(1) انوار التنزيل: ج 1 ص 190 في تفسيره لآية 162 من سورة آل عمران. (*)

[273]

الدرجات العلى.

وأما قوله: يا عمار " كمن باء بسخط من الله " إلى قوله: " المصير " فهم والله الذين جحدوا حق علي بن أبي طالب وحق الائمة منا أهل البيت، فباؤ وا بذلك بسخط من الله(1).

وعن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أنه ذكر قول الله: " هم درجات عندالله " قال: الدرجة ما بين السماء والارض(2).

وفي اصول الكافي: علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن هشام، عن عمار الساباطي قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن قول الله (عزوجل) عن هذه الآية فقال: " الذين اتبعوا رضوان الله " هم الائمة(3)، وهم والله يا عمار درجات للمؤمنين، وبولايتهم ومعرفتهم إيانا يضاعف الله لهم أعمالهم، ويرفع الله لهم الدرجات العلى(4).

وفي تفسير علي بن إبراهيم: حدثنا أحمد بن محمد، عن المعلى بن محمد، عن علي ابن محمد، عن بكر بن صالح، عن جعفر بن يحيى، عن علي بن النضر، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، حديث طويل يذكر فيه لقمان ووعظه لابنه، وفيه: من اتبع أمره استوجب جنته ومرضاته، ومن لم يتبع رضوان الله فقد هان عليه سخطه، نعوذ بالله من سخط الله(5).

___________________________________

(1) تفسير العياشي: ج 1 ص 205 ح 149 بزيادة ونقصان في بعض الجمل.

(2) تفسير العياشي: ج 1 ص 205 ح 150.

(3) قوله: (هم الائمة) الظاهر أن الضمير راجع إلى الذين اتبعوا، ويحتمل أن يكون راجعا إلى رضوان الله وإطلاقه على الائمة مجاز من باب إطلاق المسبب على السبب، لانهم سبب لرضوان الله تعالى، قوله: " وهم والله يا عمار درجات للمؤمنين " الحمل للمبالغة، أو التقدير، ذو درجات، باعتبار تفاوت مقامات المؤمنين بهم بالنسبة إليهم في المحبة والطاعة والعلم والعمل.

قوله: " يضاعف الله لهم أعمالهم " على حسب أحوالهم فيما ذكر، وكذلك قوله: " يرفع الله لهم الدرجات العلى " (شرح الكافي للعلامة المازندراني: ج 7 ص 101 كتاب الحجة.

(4) الكافي: ج 1 ص 430 كتاب الحجة، باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية، ح 84.

(5) تفسير علي بن إبراهيم ج 2 ص 165 س 5 وسند الحديث ص 161 وفيه (الحسين بن محمد) بدل (أحمد بن محمد). (*)

[274]

[ أو لمآ أصبتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أن هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شئ قدير(165) ] والله بصير بما يعملون: عالم بأعمالهم، فيجازبهم على حسبها.

لقد من الله: أنعم الله، واللام موطئة للقسم.

وقرئ ب‍ (من) الجارة على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي منه، أو بعثه.

على المؤمنين على الذين آمنوا مع الرسول.

وتخصيصهم، مع أن نعمة البعثة عامة، لزيادة انتفاعهم بها.

إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم: من نسبهم، أو من صنفهم عربيا مثلهم ليفهموا كلامه بسهولة، ويكونوا واقفين على حاله في الصدق والامانة مفتخرين به.

وقرئ " من أنفسهم " أي من أشرفهم، لانه (عليه السلام) كان من أشرف قبائل العرب وبطونهم.

يتلوا عليهم ء‌ايته: أي القرآن، بعد ما كانوا جهالا لم يسمعوا الوحي.

ويزكيهم: ويطهرهم من دنس الطبائع وسوء العقائد والاعمال.

ويعلمهم الكتب والحكمة: القرآن والسنة.

وإن كانوا من قبل لفى ضلل مبين: " إن " هي المخففة، واللام هي الفارقة.

والمعنى، وإن الشأن كانوا من قبل بعثة الرسول في ضلال ظاهر.

أو لمآ أصبتكم مصيبة قد أصبتم مثليها: الهمزة للتقرير والتقريع، والواو عاطفة للجملة على ما سبق من قصة احد، أو على محذوف، أي فعلتم كذا وقلتم كذا، و " لما " ظرفه المضاف إلى " أصابتكم " أي حين أصابتكم مصيبة، وهي قتل سبعين منكم يوم احد، والحال أنكم نلتم ضعفها يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين. (*)

[275]

قلتم أنى هذا: أي من أين أصابنا هذا، وقد عدنا الله النصر(1).

وفي تفسير العياشي: محمد بن أبي حمزة، عمن ذكره، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: كان المسلمون قد أصابوا ببدر مائة وأربعين رجلا، قتلوا سبعين رجلا وأسروا سبعين، فلما كان يوم احد اصيب من المسلمين سبعون رجلا، قال: فاغتموا لذلك، فأنزل الله (تبارك وتعالى): " أولما " الآية(2).

قل هو من عند أنفسكم: باختياركم الفداء يوم بدر، كذا عن أميرالمؤمنين (عليه السلام) رواه في مجمع البيان(3).

وفي تفسير علي بن إبراهيم: ان يوم بدر قتل من قريش سبعون واسر منهم سبعون، وكان الحكم في الاسارى يوم بدر القتل، فقامت الانصار، فقالوا: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هبهم لنا ولا تقتلهم حتى نفاديهم، فنزل جبرئيل (عليه السلام) فقال: إن الله قد أباح لهم الفداء أن يأخذوا من هؤلاء القوم ويطلقوهم على أن يستشهد منهم في عام قابل بعدد من يأخذون منه الفداء، فأخبرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا الشرط، فقالوا: قد رضينا به، نأخذ العام الفداء عن هؤلاء ونتقوى به، ويقتل منا في عام قابل بعدد من نأخذ منه الفداء، وندخل الجنة، فأخذوا منهم الفداء وأطلقوهم، فلما كان يوم احد قتل من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سبعون، فقالوا: يا رسول الله ما هذا الذي أصابنا وقد كنت تعدنا النصر؟ فأنزل الله " أو لما أصابتكم " الآية " قل هو من عند أنفسكم " بما اشترطتم يوم بدر(4).

قال البيضاوي: أي مما اقترفته أنفسكم من مخالفة الامر، بترك المركز، فإن

___________________________________

(1) من قوله: (وتخصيصهم) إلى هنا مقتبس من أنوار التنزيل وأسرار التأويل (تفسير البيضاوي): لا حظ ج 1 ص 190 في تفسيره لقوله تعالى: " لقد من الله على المؤمنين ".

(2) تفسير العياشي: ج 1 ص 205 ح 151.

(3) مجمع البيان: ج 2 ص 533 في تفسيره لقوله تعالى: " أو لما أصابتكم " ورواه أيضا في أنوار التنزيل وأسرار التأويل: ج 1 ص 191 عن علي (عليه السلام) لا حظ تفسيره للآية.

(4) تفسير علي بن إبراهيم: ج 1 ص 126 عند تفسيره لقوله تعالى: " أو لما أصابتكم مصيبة " الآية. (*)

[276]




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (11)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (108)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 214

  • عدد الأبواب : 96

  • عدد الفصول : 2011

  • تصفحات المكتبة : 21232450

  • التاريخ : 29/02/2024 - 10:56

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net