00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة آل عمران من آية 47 ـ 68 ( من ص 503 ـ 550) 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل (الجزء الثاني)   ||   تأليف : سماحة آية الله العظمى الشيخ مكارم الشيرازي

الآية

قَالَتْ رَبّ ِ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ مَايَشَآءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (47)

التّفسير

إنّنا نعلم أنّ هذه الدنيا هي دنيا العلل والأسباب، وأنّ الله قد دبّر أمر الخلق بحيث إنّ خلق كلّ كائن يتمّ ضمن سلسلة من العوامل. فلِكي يولد إنسان قرّر الله أن يكون ذلك عن طريق الإتّصال الجنسي، ونفوذ الحيمن في البويضة. لذلك حقّ لمريم أن تصيبها الدهشة وأن تتقدّم بسؤالها : كيف يمكن أن تحمل وتلد ويكون لها ولد بغير أن يكون لها أيّ اتّصال جنسي مع أيّ بشر ؟ (قالت ربّ أنّى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر).

فجاءتها الملائكة بأمر ربّها تخبرها بأنّ الله يخلق ما يشاء وكيفما يشاء، فنظام الطبيعة هذا من خلق الله وهو يأتمر بأمره، والله قادر على تغيير هذا النظام وقتما يشاء، فيخلق وفق أسباب وعوامل أُخرى غير عادية ما يشاء : (كذلك الله يخلق مايشاء).

ثمّ لتوكيد هذا الأمر وإنهائه يقول (إذا قضى أمراً فإنّما يقول له كُن فيكون).

(503)

إنّ تعبير «كن فيكون» إشارة إلى سرعة الخلق.

بديهيّ أن لفظة «كن» تشير في الحقيقة إلى إرادة الله الحاسمة التي لايعتورها الأخذ والرد. أي أنّه ما إن يشاء أمراً ويصدر أمره بالخلق حتّى تتحقّق مشيئته في عالم الوجود.

من الجدير بالإلتفات أنّه بشأن خلق عيسى قال : «يخلق» ولكنّه بشأن خلق يحيى قبل بضع آيات قال.: «يفعل». ولعلّ هذا الإختلاف في التعبير ناشىء من إختلاف طريقة خلق هذين النبيّين، فأحدهما خُلق بطريقة طبيعية، والآخر خُلق بطريقة خارقة للطبيعة. وهناك ملاحظة اُخرى وهي أنّ هذه الآيات تذكر في بدايتها محادثة الملائكة مع مريم. وهنا محادثتها مع الله عزّوجلّ، وكأنها بلغ بها الوجد والجذبة الإلهيّة أن زالت الوسائط واتّصلت مع مبدأ العزة، فأخذت تحدثه وتسمع منه مباشرة. (وطبعاً لا إشكال في تكلّم غير الأنبياء مع الله تعالى إذا لم يكن بصورة الوحي).

* * *

(504)

الآيتان

وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَـابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالاِْنجِيلَ (48)وَرَسُولاً إِلَى بَنِى إِسْرَءِيلَ أَنّـِي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَة مِن رَّبّكُمْ أَنّـِي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِىءُ الاَْكْمَهَ وَالاَْبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاََيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين (49)

التّفسير

بقية امتيازات المسيح (عليه السلام) :

بعد أن ذكرت الآيات السابقة أربع صفات للمسيح (عليه السلام) (وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد، ومن الصالحين) شرعت هاتان الآيتان بذكر صفتين اُخريين من صفات هذا النبي العظيم، فالأُولى تقول : (ويُعلّمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل) ففي البداية تشير إلى تعليمه الحكمة والعلم بشكل عام، ثمّ تبيّن مصداقين من مصاديق الكتاب والحكمة، وهما التوراة والإنجيل.

(505)

إنّ الذين يختارهم الله لقيادة الناس وهدايتهم، لا بدّ أن يكونوا في أعلى درجة من العلم والمعرفة وأن يقدّموا أسمى التعاليم والقوانين البنّاءة، ثمّ بعد ذلك عليهم أن يظهروا أدلّة واضحة على علاقتهم بالله، لتوكيد مهمّتهم. وبهذين الوسيلتين تكتمل عملية هداية الناس، وفي الآيات أعلاه تمت الإشارة إلى هذين الأمرين. ففي الأُولى كان الكلام عن علم المسيح وكتبه السماوية. وفي الآية الثانية إشارة إلى معجزاته العديدة. ثمّ تبيّن الهدف من كلّ ذلك وهو هداية بني إسرائيل المنحرفين (ورسولاً إلى بني إسرائيل).

من الجدير بالذكر أنّ الآية تفيد أنّ رسالة عيسى كانت موجّهة إلى بني إسرائيل فقط. وهذا لا يتنافى مع كونه من أُولي العزم، لأنّ أُولي العزم هم الأنبياء الذين جاؤوا بدين جديد، حتّى وإن لم يكن عالميّ الرسالة. وقد جاء في تفسير «نور الثقلين» حديث عن إقتصار رسالة عيسى على بني إسرائيل(1).

إلاَّ أنّ بعض المفسّرين يرون إحتمال عالمية رسالة المسيح، وأنّها لم تكن محصورة ببني إسرائيل، على الرغم من أنّ بني إسرائيل كانوا على رأس الذين اُرسل إليهم لهدايتهم. يورد المرحوم العلاّمة المجلسي في «بحار الأنوار» أخباراً عن أُولي العزم من الأنبياء تؤيّد أنّها كانت رسالات عالمية(2).

ثمّ تضيف الآية (اني قد جئتكم بآية من ربكم) وليست آية واحدة، بل آيات عديدة (لأن التنوين جاء هنا لبيان عظمة هذه الآية، لا لبيان وحدتها».

ولمّا كانت دعوة الأنبياء في الحقيقة دعوة إلى حياة حقيقية، فإنّ هذه الآية ـ عند بيان معجزات السيّد المسيح (عليه السلام) ـ تبدأ بذكر بثّ الحياة في الأموات بإذن الله، وتقول على لسان المسيح (عليه السلام) (أنّي أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله).

_____________________________

1 ـ نور الثقلين : ج 1 ص 343.

2 ـ بحار الأنوار : ج 11 ص 32 الطبعة الجديدة.

(506)

إنّ قضية إحياء الموتى التدريجي بإذن الله ليست عويصة، لأنّنا نعلم أنّ جميع الكائنات الحيّة مخلوقة من التراب والماء، إلاَّ أنّ المعجزة في أن هذا الخلق الذي تحقّق على إمتداد سنوات طويلة. فما الذي يمنع من أن يكثّف الله تلك العوامل والأسباب بحيث تتمّ مراحل الخلق بسرعة فائقة، ويتحوّل الطين إلى كائن حي ؟

بديهيّ أنّ تحقّق هذا الأمر في ذلك المحيط، وفي أي محيط آخر، سند حيّ ودليل واضح على علاقة صاحب المعجزة بعالم ما وراء الطبيعة، وعلى قدرة الله اللامتناهية.

ثمّ تشير إلى معالجة الأمراض الصعبة العلاج أو التي لا علاج لها، وتقول على لسانه : (وأُبريء الأكمه والأبرص(1) وأحيي الموتى بإذن الله). لاشكّ أنّ القيام بكلّ هذه الأعمال وخاصّة لدى علماء الطبّ في ذلك الزمان كان من المعجزات التي لا يمكن إنكارها.

بعد ذلك تشير إلى إخباره عن أسرار الناس الخافية، فلكلّ امرىء في حياته بعض الأسرار التي لا يعرف الآخرون شيئاً عنها. فإذا جاء من يخبرهم بما أكلوه، أو ما ادّخروه، فهذا يعني أنّه يستقي معلوماته من مصدر غيبي : (وأُنبّئكم بما تأكلون وما تدّخرون في بيوتكم) وأخيراً يقول إنّ هذه كلّها دلائل صادقة للذين يؤمنون منكم : (إنّ في ذلك لآيةً لكم إن كنتم مؤمنين).

* * *

بحوث

1 ـ أكانت معجزات المسيح عجيبة ؟

يصرّ بعض المفسّرين ـ مثل صاحب المنار ـ على تأويل المعجزات التي ذكرها القرآن للمسيح بشكل من الأشكال. من ذلك قولهم إنّ المسيح اكتفى بمجرّد

_____________________________

1 ـ «اكمه» قيل أنه يعني أعمى، وذهب بعض إلى أنه العشو الليلي، ولكن اغلب المفسّرين وأرباب اللغة ذهبوا إلى أنه يعني الأعمى منذ الولادة. وبعض ذهب إلى أكثر من ذلك بأن المراد هو عدم وجود أصل العين.

(507)

الادّعاء بأنّه يفعل كذا وكذا بإذن الله، ولكنّه لم يفعل منها شيئاً أبداً ! فإذا كان هذا الرأي قابلاً للنقاش هنا، فإنّ ما جاء في الآية 110 من سورة المائدة لا مجال فيه لأيّ نقاش : (وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير...) لأنّ الآية تقول صراحةً إنّ واحدة من نِعم الله عليك أنّك كنت تصنع من الطين طيراً حيّاً بإذن الله.

إنَّ الإصرار على أمثال هذه التأويلات لا موجب له أبداً. لأنّه إذا كان الهدف إنكار أعمال الأنبياء الخارقة للعادة، فإنّ القرآن يصرّح بها في كثير من المواضع، فإذا استطعنا ـ فرضاً ـ أن نؤوّل المعجزات فكيف بسائر المعجزات التي لا يمكن تأويلها ؟

ثمّ إنّنا إذا كنا نقول إنّ الله هو الذي يحكم قوانين الطبيعة، وليست هي التي تحكمه، فما الذي يمنع هذه القوانين الطبيعية أن تتغيّر بأمر منه في ظروف استثنائية فتظهر حوادث بطرق غير طبيعية.

أمّا إذا تصوّر هؤلاء أن ذلك يتعارض مع وحدة أفعال الله وخالقيّته وكونه لا شريك له، فإنّ القرآن قد أجاب على هذا. فوقوع هذه الحوادث أينما وقعت مشروط بأمر الله، أي أنّ أحداً بقواه الخاصّة غير قادر على القيام بأمثال هذه الأعمال إلاَّإذاشاء،وبإمداد من قدرته اللامتناهية وهذاهوالتوحيد عينه، لا الشرك.

2 ـ الولاية التكوينية

تفيد هذه الآية وآيات أُخرى سوف نتطرّق إليها ـ إن شاء الله ـ أنّ رسل الله وأولياءه يستطيعون بإذن منه وبأمره ـ إذا اقتضى الأمر ـ أن يتدخّلوا في عالم الخلق والتكوين، وأن يحدثوا ما يعتبر خارقاً للقوانين الطبيعية. فاستعمال أفعال مثل «أُبريء» و «أُحيي الموتى» وبضمير المتكلّم تدلّ على أنّ هذه الأفعال من عمل الأنبياء أنفسهم، وأنّ القول بأنّ هذه الأفعال كانت تقع بسبب دعائهم فقط هو

(508)

قول لا يقوم عليه دليل، بل أنّ ظاهر الآيات يدلّ على أنّهم كانوا يتصرفون بعالم التكوين ويقومون بتلك الأفعال.

ولكن لكي لا يتصوّر أحد أنّ الأنبياء والأولياء كان لهم استقلال في العمل، وأنّهم أقاموا جهازاً للخلق في مقابل جهاز خلق الله، وكذلك لكي لايكون هناك أيّ إحتمال للشرك وللعبادة المزدوجة، تكرّر قول «بإذن الله»، (تكرّر في هذه الآية مرّتين، وفي الآية 110 من سورة المائدة أربع مرّات).

وما الولاية التكوينية إلاَّ القول بأنّ الأنبياء والأئمّة يستطيعون ـ إذا لزم الأمر ـ أن يتصرّفوا في عالم الخلق بإذن الله. وهذا مقام أرفع من مقام الولاية التشريعية، أي إدارة الناس وحكمهم ونشر قوانين الشريعة بينهم ودعوتهم إلى الله وهدايتهم إلى الصراط المستقيم.

وبذلك يتضح جواب الذين ينكرون ولاية أهل الله التكوينية يعتبرونها ضرباً من الشرك. فما من أحد يقول بأنّ للأنبياء والأئمّة جهازاً للخلق مستقلاً في قبال الله. إنّما هم يفعلون ما يفعلون بإذن الله وبأمر منه. غير أنّ منكري الولاية التكوينية يقولون إنّ مهمّة الأنبياء تنحصر في الدعوة إلى الله وإبلاغ رسالته وأحكامه، وقد يتوسّلون أحياناً بالدعاء إلى الله في بعض الأُمور التكوينية، وأنّ هذا هو كلّ ما يقدرون عليه، مع أنّ هذه الآية والآيات الأُخرى تفيد غير ذلك.

كما يُستنتج من هذه الآية أنّ كثيراً من معجزاتهم ـ على الأقل ـ قد فعلوها بأنفسهم، وإن كان ذلك بإذن الله وبعون من القدرة الإلهية. في الواقع يمكن القول بأنّ المعجزة من عمل الأنبياء ـ لأنّهم هم الذين يقومون بها ـ كما هي من عمل الله لأنّها تتمّ بإذنه وبالإستعانة بقدرته.

3 ـ الجدير بالإلتفات هنا إن تكرار القول «بإذن الله» والاعتماد على مشيئته في هذه الآية من أجل أن لا يبقى عذر لمدعي اُلوهية المسيح، ولكيلا يعتبره الناس ربّاً، أما عدم تكرارها في الأخبار بالغيب لوضوح الأمر.

(509)

الآيتان

وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَة مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللهَ وَأَطِيعُونِ (50)إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فاعْبُدُوهُ هَـذَا صِرَطٌ مُّستَقِيمٌ (51)

التّفسير

هذه الآية جاءت على لسان المسيح (عليه السلام) ولبيان بعض اهداف النبوّة حيث يقول : جئت أُؤكّد لكم التوراة وأُثبت أُصولها ومبادئها (ومصدقاً لما بين يدي من التوراة) كما جئت لأرفع الحظر الذي فرض عليكم، بالنسبة لبعض الأشياء، في دين موسى بسبب عصيانكم ـ مثل منع لحم الأباعر، وبعض شحوم الحيوانات، وبعض الطيور، والأسماك ـ (ولاُحلّ لكم بعض الذي حرّم عليكم).

وسوف نجد في تفسير الآية 160 من سورة النساء أنّه بسبب عناد بعض جماعات اليهود وطغيانهم حرّم الله عليهم بعض الطيّبات من النِعم : (فَبِظُلم من الَّذينَ هَادوا حرّمنا عليهم طيّبات أُحِلَّت لهم).

إلاَّ أنّ هذه المحظورات أُحلّت لهم مرّة أُخرى ببركة ظهور المسيح (عليه السلام) هذا النبيّ العظيم.

(510)

ثمّ مرّة أُخرى تتكرّر الجملة التي قرأنا على لسان المسيح في الآية السابقة : (وجئتكم بآية من ربّكم فاتّقوا الله وأطيعون).

وفي الآية الثانية تؤكد على لسان السيد المسيح (عليه السلام) عبودية المسيح لرفع كلّ إبهام وريب قد ينشأ من كيفية ولادته التي قد يتشبث بها البعض لإثبات الوهيته وتقول : (ان الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم) يتّضح من هذه الآية ومن آيات أُخرى أنّ السيّد المسيح، لكي يزيل كلّ إبهام وخطأ فيما يتعلّق بولادته الخارقة للعادة، ولكي لا يتّخذونها ذريعة لتأليهه، كثيراً ما يكرّر القول (إنّ الله ربّي وربّكم) و (إنّي عبدالله آتاني الكتاب وجعلني نبيّاً)(1)، بخلاف ما نراه في الأناجيل المحرّفة الموجودة التي تنقل عن المسيح أنّه كان يستعمل «الأب» في كلامه عن الله. إنّ القرآن يذكر «الرب» بدلاً من ذلك : (إنّ الله ربّي وربّكم). وهذا أكثر ما يمكن أن يقوم به المسيح في محاربة من يدّعي بالوهيّته. بل لكي يكون التوكيد على ذلك أقوى يقول للناس (فاعبُدوه) أي اعبدوا الله ولا تعبُدوني.

ولذلك نجد أنه لم يكن أحد من الناس يتجرأ في حياة السيّد المسيح (عليه السلام)أن يدعي الوهيته أو أنه أحد الإلهة، وحتّى بعد عروجه بقرنين من الزمان لم تخالط تعليماته في التوحيد شوائب الشرك، إلاَّ أن التثليث باعتراف أرباب الكنيسة ظهر في القرن الثالث للميلاد (وسيأتي تفصيل ذلك في ذيل الآية 171 من سورة النساء).

* * *

_____________________________

1 ـ مريم : 30.

(511)

الآيات

فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ ءَامنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّـاهِدِينَ (53) وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَـاكِرِينَ (54)

التّفسير

استقامة الحواريين :

كان اليهود ينتظرون مجيء المسيح بموجب ما بشّرهم به موسى، قبل أن يولد. ولكنّه عندما ظهر، وتعرّضت مصالح جمع من الظالمين والمنحرفين من بني إسرائيل للخطر، لم يبق معه إلاَّ نفر قليل، بينما تركه الذين احتملوا أن يؤدّي قبولهم دعوة المسيح والتقيّد بالقوانين الإلهية إلى ضياع مصالحهم.

بعد أن أعلن عيسى دعوته وأثبتها بالأدلّة الكافية، أدرك أنّ جمعاً من بني إسرائيل يصرّون على المعارضة والعصيان ولا يتركون المعاندة والإنحراف (فلمّا

(512)

أحسّ(1) عيسى منهم الكفر)، فنادى في أصحابه و (قال مَن أنصاري إلى الله)فاستجاب لندائه نفر قليل. كانوا أطهاراً سمّاهم القرآن بـ «الحواريّين». لبّوا نداء المسيح ولم يبخلوا بشيء في سبيل نشر أهدافه المقدّسة.

أعلن الحواريُون استعدادهم لتقديم كلّ عون للمسيح، وقالوا : (نحن أنصار الله آمنّا بالله واشهد بأنّا مسلمون).

لاحظ أنّ الحواريين لم يقولوا : نحن أنصارك. بل لكي يعربوا عن منتهى إيمانهم بالتوحيد وليؤكّدوا إخلاصهم، ولكن لا يشمّ من كلامهم أيّ رائحة للشرك، قالوا : نحن أنصار الله، ننصر دينه، ونريدك شاهداً على هذه الحقيقة، لعلّهم قد شمّوا منذ ذلك اليوم رائحة الإنحراف في المستقبل وأنّ هناك من يستدعي الوهيّة عيسى من بعده، فسعوا ألاَّ يكون في كلامهم ما يمكن أن يتذرّعوا به. ضمناً نلاحظ أن الحواريين عبّروا في كلامهم عن كونهم مسلمين، وهذا يدلّ على أن الإسلام هو دين جميع الأنبياء (عليهم السلام).

وهنا ميّز المسيح (عليه السلام) أتباعه المخلصين من الأعداء والمنافقين كيما يضع لدعوته برنامجاً دقيقاً وخطة مدروسة كما صنع نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك في بيعة العقبة.

وبعدأن قبل الحواريّون دعوة المسيح إلى التعاون معه وأتّخاذه شاهداً عليهم في إيمانهم، أتّجهوا إلى الله يعرضون عليه إيمانهم قائلين : (ربّنا آمنّا بما أنزلت).

ولكن لمّا كانت دعوى الإيمان لا تكفي وحدها، فقد اتّبعوا ذلك بقيامهم بتنفيذ أوامر الله واتّباع رسوله المسيح، وقالوا مؤكّدين : (واتّبعنا الرسول).

_____________________________

1 ـ التعبير بـ «أحسّ» مع أن الكفر أمر باطني لايدرك بالحواس قد يكون أن إصرارهم على الكفر بلغ مرتبة من الشدّة وكأنه أصبح محسوساً (الميزان ـ ذيل الآية مورد البحث).

(513)

عندما يتغلغل الإيمان في روح الإنسان لابدّ أن ينعكس ذلك على عمله، فبدون العمل يكون ادّعاؤه الإيمان تقوّلاً، لا إيماناً حقيقياً.

بعد ذلك طلبوا من الله قائلين (فاكتبنا مع الشاهدين). والشاهدون هم أُولئك الذين لهم صفة قيادة الأُمم، ويوم القيامة يشهدون على أعمال الناس الحسنة والسيّئة.

وبعد أن انتهى الحواريّون من شرح إيمانهم، أشاروا إلى خطط اليهود الشيطانية، وقالوا : إنّ هؤلاء ـ لكي يقضوا على المسيح، وعلى دعوته، ويصدّوا انتشار دينه ـ وضعوا الخطط الماكرة. إلاَّ أن ما رسمه الله من مكر فاق مكرهم وكان أشدّ تأثيراً (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين).

* * *

بحوث

1 ـ من هم الحواريون ؟

«حواريّون» جمع حوري من مادة «حَوَر» بمعنى الغسل والتبييض، وقد تطلق على الشيء الأبيض. لذلك يطلق العرب على الطعام الأبيض «الحواري». و«حور» جمع حوراء وهي البيضاء البشرة.

أمّا سبب تسمية تلامذة المسيح بالحواريّين فقد ذكرت له احتمالات كثيرة، ولكن الأقرب إلى الذهن، وهو الوارد في أحاديث أئمّة الدين، هو لأنّهم فضلاً عن طهارة قلوبهم وصفاء أرواحهم، كانوا دائبي السعي في تطهير الناس وتنوير أفكارهم وغسلهم من أدران الذنوب.

وهذا ما أكّده حديث عن الإمام الرضا (عليه السلام) في «عيون أخبار الرضا»..؟ !

(514)

2 ـ الحواريّون في القرآن والإنجيل

تكلّم القرآن على الحواريّين في سورة الصف، الآية 14، مشيراً إلى إيمانهم.
ولكن يتبيّن ممّا نقرأه في الإنجيل بشأن الحواريّين أنّهم جميعاً ارتكبوا بعض الزلل بالنسبة للمسيح.

أمّا أسماؤهم كما جاءت في إنجيل متّى ولوقا، الباب السادس، فهي :

1 ـ بطرس،2 ـ اندرياس، 3 ـ يعقوب، 4 ـ يوحنّا، 5 ـ فيلوبس، 6 ـ برتولولما، 7 ـ توما، 8 ـ متّى، 9 ـ يعقوب بن حلفا، 10 ـ شمعون «الغيور»، 11 ـ يهوذا أخو يعقوب، 12 ـ يهوذا الاسخريوطي الذي خان المسيح.

يذكر المفسّر المعروف المرحوم الطبرسي في «مجمع البيان» أنّ الحواريّين كانوا يرافقون المسيح في رحلاته. كلّما عطشوا أو جاعوا رأوا الماء والطعام مهيّأً أمامهم بأمر الله، فكانوا يرون في ذلك فخراً لهم أيّ فخر، وسألوا المسيح : أهناك من هو أفضل منّا ؟ فقال : نعم، أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه.

وعلى أثر ذلك اشتغلوا بغسل الملابس للناس لقاء أجر، وانشغلوا بذلك; فكان ذلك درساً عملياً للناس بأنّ العمل ليس عيباً أو عاراً.

3 ـ ما المراد بالمكر الإلهي

في القرآن آيات مشابهة لهذه ينسب فيها المكر إلى الله(1). كلمة «المكر» بالمصطلح المعاصر تختلف كثيراً عن معناها اللغوي. فالمكر بالمعنى المعاصر هو وضع الخطط الشيطانية الضارّة. ولكن معناها بلغة العرب هو البحث عن العلاج لأمر مّا، وقد يكون حسناً أو سيّئاً.

_____________________________

1 ـ انظر الآية 30 من سورة الأنفال، أو الآية 50 من سورة النمل وغيرهما.

(515)

في كتاب «المفردات» للراغب نقرأ : المكر : صرف الغير عمّا يقصد ـ خيراً كان أم شرّاً ـ .

وفي القرآن وردت كلمة «المكر» مقرونة بكلمة «الخير»، إذ يقول (والله خير الماكرين)، كما وردت مع «السيّىء» : (ولايحيق المكر السيّىء إلاَّ بأهله)(1).

وعليه يكون المقصود من الآية هو أنّ أعداء المسيح وضعوا الخطط الشيطانية للوقوف بوجه هذه الدعوة الإلهيّة. ولكن الله لكي يحفظ حياة نبيّه ويصون الدعوة مكَرَ أيضاً فأحبط كلّ ما مكَروه.

* * *

_____________________________

1 ـ فاطر : 43.

(516)

الآية

إِذْ قَالَ اللهُ يَـاعِيسَى إِنّىِ مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَـامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيَما كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55)

التّفسير

قلنا إنّ اليهود ـ بالتعاون مع بعض المسيحيّين الخونة ـ قرّروا قتل السيّد المسيح، فأحبط الله مكرهم، ونجى نبيّه منهم. في هذه الآية يذكر الله نعمته على المسيح قبل وقوع الحادثة، قائلاً : (إنّي متوفّيك ورافعك إليّ).

من المعروف عند المفسّرين، بالإستناد إلى الآية 157 من سورة النساء، أنّ السيّد المسيح لم يُقتَل، وأنّ الله رفعه إلى السماء. غير أنّ المسيحيّين يقولون إنّه قُتِل ودُفِن، ثمّ قام من بين الأموات وبقي لفترة قصيرة على الأرض ثمّ صعد إلى السماء(1).

_____________________________

1 ـ إنجيل مرقس الباب 6 ـ إنجيل متى الباب 28 ـ إنجيل لوقا الباب 24 ـ إنجيل يوحنا الباب 31.

(517)

ولكن الذي لابدّ من قوله الآن هو أنّ هذه الآية ليس فيها دليل على موت عيسى، على الرغم من أنّ بعضهم تصوّر أنّ كلمة «متوفّيك» من «الوفاة». وعلى ذلك فإنّهم يرون أنّ هذا الموضوع يتعارض مع الرأي السائد بين المسلمين، والذي تؤيّده الأحاديث، من أنّ عيسى لم يمت وأنّه حي. ولكن الأمر ليس كذلك.

«الفوت» هو بُعد الشيء عن الإنسان بحيث يتعذّر إدراكه. و «الوافي» الذي بلغ التمام، ووفى بعهده إذا أتمّه ولم ينقضه. وإذا استوفى أحد دَينه من المدين قيل «توفّى دَينه».

وفي القرآن وردت «توفّى» كراراً : (وهو الذي يتوفّاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار)(1). فهنا عبّر عن النوم بكلمة «يتوفّاكم».

هذا المعنى نفسه يرد في الآية 42 من سورة الزمر، كما ترد كلمة «توفّى» في آيات أُخرى بمعنى الأخذ.

صحيح أنّ «توفّى» قد تأتي أحياناً بمعنى الموت، ولكنّها حتّى في تلك المواضع لا تعني الموت حقّاً، بل بمعنى قبض الروح. والواقع أنّ مادّة «فوت» ومادّة «وفي» منفصلتان تماماً.

ممّا تقدّم يكون تفسير الآية واضحاً.

يقول الله : يا عيسى إنّني سوف استوفيك وأرفعك إليّ. وهذا يعني حياة عيسى، لا موته (وطبعاً اذا كانت كلمة «توفي» بمعنى قبض الروح فقط. فإن لازم ذلك هو الموت).

ثمّ تضيف الآية (ومطهّرك من الذين كفروا).

_____________________________

1 ـ الأنعام : 60.

(518)

هذا جانب آخر من خطاب الله إلى المسيح. والقصد من التطهير هنا هو إنقاذه من الكفّار الخبثاء البعيدين عن الحقّ والحقيقة الذين كانوا يوجّهون إليه التهم الباطلة، و يحوكون حوله المؤامرات ساعين إلى تلويث سمعته، فنصر الله دينه، وطهّره من تلك التهم، بمثل ما نقرأه عن نبيّ الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) في أوّل سورة الفتح (إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر). أي أنّنا هيّأنا لك نصراً واضحاً كي يغفر لك الله ذنوبك السابقة واللاحقة (ويطهّرك من التهم التي ألصقوها بك على شكل ذنوب).

كما يحتمل أن يعني التطهير إخراج المسيح من ذلك المحيط الملوّث. وهذا يناسب الآية السابقة.

(وجاعل الذين أتّبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة).

وهذه بشارة يبشّر بها الله المسيح وأتباعه لتشجيعهم على المضيّ في الطريق الذي اختاروه. والواقع أنّ هذه واحدة من آيات الإعجاز ومن تنبّؤات القرآن الغيبية التي تقول إنّ أتباع المسيح سوف يسيطرون دائماً على اليهود الذين عادوا المسيح.

وها نحن اليوم نرى هذه الحقيقة رأيَ العين، فاليهود الصهاينة، ـ بغير الإستناد إلى المسيحيّين ـ غير قادرين على إدامة حياتهم السياسية والإجتماعية يوماً واحداً. بديهيّ أنّ «الكافرين» هنا هم اليهود الذين كفروا بالمسيح.

وفي ختام الآية يقول تعالى : (ثمّ إليّ مرجعكم فاحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون) ويعني أن ما تقدّم من الإنتصارات والبشائر يتعلق بالحياة الدنيا، أمّا المحكمة النهائية ونيل الجزاء الكامل فسيكون في الآخرة.

* * *

(519)

ملاحظة

هل الديانتان اليهودية والمسيحيّة باقيتان ؟

هنا يتبادر سؤال إلى الذهن، وهو أنّ اليهود والنصارى ـ بموجب هذه الآية ـ سيبقون في الدنيا حتّى يوم القيامة، وأنّ أتّباع هاتين الديانتين سيبقون أيضاً، مع أنّ الأخبار الخاصّة بظهور المهدي (عليه السلام) تبيّن أنّه يخضع جميع الأديان ويحكم العالم كلّه.

يتّضح جواب هذا السؤال بالتدقيق في الأحاديث. فنحن نقرأ في الأحاديث عن المهدي (عليه السلام) أنّه لا يبقى بيت في البدو ولا في الحضر إلاَّ ويدخله التوحيد، أي أنّ الإسلام سيكون الدين الرسمي في العالم كلّه، وتكون الحكومة حكومة إسلامية، ولا يحكم العالم سوى القوانين الإسلامية. و لكن هذا لا يمنع من وجود أقلّية من اليهود والنصارى تعيش تحت ظلّ حكومة المهدي (عليه السلام) وفق شروط «أهل الذمّة».

إنّنا نعلم أنّ حكومة المهدي (عليه السلام) لا تجبر الناس على اعتناق الإسلام، بل تتقدّم بالمنطق. أمّا التوسّل بالقوّة العسكرية فلبسط العدالة، وللإطاحة بالحكومات الظالمة، ولإنضواء العالم تحت لواء الإسلام، لا لإجبار الناس على قبول الإسلام، وإلاَّ فلن يكون هناك أي معنى لحرية الإرادة والإختيار.

* * *

(520)

الآيات

فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيَا وَالاَْخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّـاصِرِينَ (56) وَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّـالِحَـاتِ فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّـالِمِينَ (57) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الاَْيَـاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ(58)

التّفسير

عاقبة انصار وأعداء المسيح (عليه السلام) :

الآية الاُولى والثانية تتابعان الخطاب للسيد المسيح وحال أتباعه وأعدائه، بينما الآية الثالثة فتخاطب نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وبعد ذكر رجوع ا لناس إلى الله ومحاكمتهم ـ في الآية السابقة ـ يأتي في هذه الآية ذكر نتيجة تلك المحاكمة. فالكافرون والمعارضون للحقّ والعدالة سيُلاقون في الآخرة من العذاب الأليم مثل ما يُلاقون في الدنيا، ولن يكون لأيّ منهم حام ولا نصير، (فاما الذين كفروا فاعذبهم عذاباً شديداً في

(521)

الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين).

ومن الإشارة في هذه الآية إلى عذاب الدنيا نفهم أنّ الكافرين ـ وهم هنا اليهود ـ لاينجون من العذاب. وهذا ما يؤكّده تاريخ اليهود، ومن ذلك تفوّق الآخرين عليهم كما جاء في الآيات السابقة.

ثمّ أشار القرآن الكريم إلى الفئة الثانية وقال (وأمّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم اُجورهم). ثمّ يؤكد القول : (والله لا يحب الظالمين).

تقديم مصير الكافرين على المؤمنين من أجل أن الكافرين بنبوّة المسيح (عليه السلام)كانوا يشكلون الأغلبية.

والملفت للنظر أن الآية الاُولى إكتفت بذكر الكفر فقط. أمّا الآية الثانية فقرنت الإيمان بالعمل الصالح، وهذا إشارة إلى أن الكفر لوحده يكون سبباً للعذاب الإلهي. ولكن الإيمان لوحده لا يكفي للنجاة، بل لابدّ وأن يقترن بالعمل الصالح.

وجملة (والله لا يحب الظالمين) لعلّها ناظرة إلى أن جميع معاني الكفر والأعمال السيّئة داخلة في مفهوم الظلم بمعناه الواسع. ومن الواضح أن الله لا يحب الظالمين ولا يقدم على ظلم عباده بل يوفيهم اُجورهم بالكامل.

وبعد ذكر تاريخ المسيح وبعض ما جرى له، يتّجه الخطاب إلى رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) فيقول : كلّ هذا الذي سردناه عليك دلائل صدق لدعوتك ورسالتك، وكان تذكيراً حكيماً جاء بصورة آيات قرآنية نزلت عليك، تبيّن الحقائق في بيان محكم وخال من كلّ هزل وباطل وخرافة.

* * *

(522)

الآيتان

إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنّ مِّنَ الْمُمْتَرِينَ (60)

سبب النّزول

قلنا في بداية هذه السورة أنّ الكثير من آياتها كانت ردّاً على محاورات مسيحيّي نجران الذين جاؤوا في وفد مؤلّف من 60 شخصاً وفيهم عدد من زعمائهم بقصد التحاور مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

من بين المواضيع التي طرحت في ذلك الإجتماع مسألة اُلوهيّة المسيح التي رفضها رسول الله واستدلّ بأنّ المسيح وُلِد وعاش كبقية الناس ولا يمكن أن يكون إلهاً، لكنّهم استدلّوا على الوهيّته بولادته من غير أب، فنزلت الآية ردّاً عليهم، ولمّا رفضوا ذلك دعاهم إلى المباهلة، وسوف يأتي ذكرها قريباً إن شاء الله.

التّفسير

نفي الوهية المسيح :

الآية الأُولى تورد استدلالاً قصيراً وواضحاً في الردّ على مسيحيّي نجران

(523)

بشأن الوهية المسيح : إنّ ولادة المسيح من غير أب لا يمكن أن تكون دليلاً على أنّه ابن الله أو أنّه الله بعينه، لأنّ هذه الولادة قد جرت لآدم بصورة أعجب فهو قد ولد من غير أب ولا أُم. وعليه، فكما أنّ خلق آدم من تراب لا يستدعي التعجّب، لأنّ الله قادر على كلّ شيء، ولأن «فعله» و «إرادته» متناسقان فإذا أراد شيئاً يقول له : كن فيكون، كذلك ولادة عيسى من أُمّ وبغير أب، ليست مستحيلة.

وأساساً، فإن الميسور والمعسور يتحقّقان بالنسبة لمن كانت قدرته محدودة كما في المخلوقات، أمّا من كانت قدرته مطلقة فلا مفهوم للصعب والسهل بالنسبة له. فخلق ورقة واحدة تتساوى بالنسبة له مع خلق غابة من آلاف الكيلومترات، وخلق ذرة واحدة كخلق المنظومة الشمسية لديه.

(الحقّ من ربّك فلا تكن من الممترين).

هذه الآية تؤكّد الموضوع وتقول : إنّ ما أنزلنا عليك بشأن المسيح أمرٌ حقيقيٌ من الله ولا يعتوره الشكّ، فلا تتردّد في قبوله.

في تفسير (الحق من ربّك) للمفسّرين رأيان : الرأي الأول يقول : إنّ الجملة مبتدأ وخبر، وبذلك يكون المعنى : الحقّ دائماً من ربّك، وذلك لأنّ الحقّ هو الحقيقة، والحقيقة هو الوجود، وكلّ وجود ناشىء من وجوده. لذلك فكلّ باطل عدم، والعدم غريب على ذاته.

الرأي الثاني يقول : إنّ الجملة خبر لمبتدأ محذوف تقديره «تلك الأخبار». أي تلك الأخبار التي أنزلناها عليك حقائق من الله. وكلّ من التفسيرين ينسجم مع الآية.

* * *

(524)

الآية

فَمَنْ حَآجّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَ نِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَـاذِبِينَ (61)

سبب النّزول

قيل نزلت الآيات في وفد نجران العاقب والسيد ومن معهما قالوا لرسول الله : هل رأيت ولداً من غير ذكر فنزلت : (إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم...) الآيات فقرأها عليهم، فلمّا دعاهم رسول الله إلى المباهلة(1) استنظروه إلى صبيحة غد من يومهم ذلك، فلمّا رجعوا إلى رجالهم قال لهم الاسقف : انظروا محمّد في غد فإن

_____________________________

1 ـ «مُباهَلة» في الأصل من مادة «بَهْل» (على وزن اَهل) بمعنى اطلاق وفك القيد عن الشيء وبذلك يقال للحيوان الطلق حيث لا توضع محالبها في كيس كي يستطيع وليدها أن يرضع بسهولة يقال له : «باهل»، و «ابتهال» في الدعاء بمعنى التضرع وتفويض الأمر إلى الله.

واذا فسّروها بمعنى الهلاك واللعن والبعد عن الله كذلك بسبب ترك العبد طلقاً وحراً في كلّ شيء تترتب عليه هذه النتائج، هذا معنى «المباهلة» لغةً.
امّا مفهوماً ما هو المعروف نزول هذه الآية، بمعنى الملاعنة بين الشخصين، ولذا يجتمع أفراد للحوار حول مسألة دينية مهمّة في مكان واحد ويتضرعون الله أن يفضح الكاذب ويعاقبه.

(525)

غدا بولده وأهله فاحذروا مباهلته، وإن غدا بأصحابه فباهلوه فإنّه على غير شيء.

فلمّا كان الغد جاء النّبي (صلى الله عليه وآله) آخذاً بيدي علي بن أبي طالب (عليه السلام) والحسن (عليه السلام)والحسين (عليه السلام) بين يديه يمشيان وفاطمة (عليها السلام) تمشي خلفه، وخرج النصارى يتقدمهم اسقفهم. فلمّا رأى النّبي (صلى الله عليه وآله) قد أقبل بمِن معه فسأل عنهم فقيل له : هذا ابن عمّه وزوج ابنته وأحب الخلق إليه، وهذان ابنا بنته من علي وهذه الجارية بنته فاطمة أعزّ الناس عليه وأقربهم إلى قلبه، وتقدّم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فجثا على ركبتيه. قال أبو حارثة الاسقف جثا والله كما جثا الأنبياء للمباهلة.

فرجع ولم يقدم على المباهلة، فقال السيد : اُذن يا أبا حارثة للمباهلة ! فقال : لا. إنّي لأرى رجلاً جريئاً على المباهلة وأنا أخاف أن يكون صادقاً ولئن كان صادقاً لم يحل والله علينا حول وفي الدنيا نصراني يطعم الماء.

فقال الاسقف : يا أبا القاسم ! إنا لا نباهلك ولكن نصالحك فصالحنا على ما ينهض به، فصالحهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الفي حلة من حلل الاواقي قسمة كلّ حلة أربعون درهماً فما زاد أونقص فعلى حساب ذلك أو على عارية ثلاثين درعاً وثلاثين رمىً وثلاثين فرساً إن كان باليمن كيد، ورسول الله ضامن حتّى يؤديها وكتب لهم بذلك كتاباً.

وروي أن الاسقف قال لهم : إنّي لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لازاله، فلا تبتهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة(1).

_____________________________

1 ـ مجمع البيان، ورد سبب نزول هذه الآيات في تفاسير اُخرى مع تفاوت يسير مثل : تفسير أبو الفتوح الرازي وتفسير الكبير وغيرها، وادّعى الفخر الرازي أن هذه الروايات متفق عليها عند علماء التفسير والحديث.

(526)

التّفسير

(فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم...).

بعد الآيات التي استدلّ فيها على بطلان القول بالوهية عيسى بن مريم، يأمر الله نبيّه بالمباهلة إذا جاءه من يجادله من بعد ما جاء من العلم والمعرفة. وأمره ان يقول لهم : إنّي سأدعو أبنائي، وأنتم ادعوا أبناءكم، وأدعو نسائي، وأنتم ادعوا نساءكم، وأدعو نفسي، وتدعون أنتم أنفسكم، وعندئذ ندعو الله أن ينزل لعنته على الكاذب منّا (فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثمّ نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين).

ولا حاجة للقول بأنّ القصد من المباهلة لم يكن إحضار جمع من الناس للّعن، ثمّ ليتفرّقوا كلٌ إلى سبيله، لأنّ عملاً كهذا لن يكون له أيّ تأثير، بل كان المنتظر أن يكون لهذا الدعاء واللعن أثر مشهود عياناً فيحيق بالكاذب عذاب فوري.

وبعبارة أُخرى : فإنّ المباهلة ـ وإن لم يكن في الآية ما يشير إلى تأثيرها ـ كانت بمثابة «السهم الأخير» بعد أن لم ينفع المنطق والاستدلال، فإنّ الدعاء وحده لم يكن المقصود بها، بل كان المقصود منها هو «أثرها الخارجي».

* * *

بحوث

1 ـ المباهلة دليل قاطع على أحقية نبي الإسلام :

لعلّ قضية المباهلة بهذا الشكل لم تكن معروفة عند العرب، بل كانت أُسلوباً يبيّن صدق النبيّ وإيمانه بشكل قاطع. إذ كيف يمكن لمن لا يؤمن كلّ الإيمان

(527)

بعلاقته بالله أن يدخل هذا الميدان، فيطلب من معارضيه ان يتقدّموا معه إلى الله يدعونه أن ينزل لعناته على الكاذب، وأن يروا سرعة ما يحلّ بالكاذب من عقاب ؟ ! لاشكّ أنّ دخول هذا الميدان خطر جدّاً، لأن المبتهل إذا لم يجد استجابة لدعائه ولم يظهر أيّ أثر لعقاب الله على معارضيه، فلن تكون النتيجة سوى فضيحة المبتهل. فكيف يمكن لإنسان عاقل ومدرك أن يخطو مثل هذه الخطوة دون أن يكون مطمئناً إلى أنّ النتيجة في صالحه ؟ لهذا قيل إنّ دعوة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المباهلة تعتبر واحداً من الأدلّة على صدق دعوته وإيمانه الراسخ بها، بصرف النظر عن النتائج التي كانت ستكشف عنها المباهلة.

تقول الروايات الإسلامية : عند عرض هذا الإقتراح للمباهلة، طلب ممثّلو مسيحيّي نجران من رسول الله أن يمهلهم بعض الوقت ليتبادلوا الرأي مع شيوخهم. فكان لهم ما أرادوا. وكانت نتيجة مشاورتهم ـ التي تعتمد على ناحية نفسية ـ هي أنّهم أمروا رجالهم بالدخول في المباهلة دون خوف إذا رأوا محمّداً قد حضر في كثير من الناس ووسط جلبة وضوضاء، إذ أنّ هذا يعني أنّه بهذا يريد بثّ الرعب والخوف في النفوس وليس في أمره حقيقة. أمّا إذا رأوه قادماً في بضعة أنفار من أهله وصغار أطفاله إلى الموعد، فليعلموا أنّه نبيّ الله حقّاً، وليتجنّبوا مباهلته.

وقد حضر المسيحيّون إلى المكان المعيّن، ثمّ رأوا أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أقبل يحمل الحسين على يد ويمسك الحسن باليد الأُخرى ومن خلفه علي وفاطمة، وهو يطلب منهم أن يؤمّنوا على دعائه عند المباهلة. وإذ رأى المسيحيّون هذا المشهد استولى عليهم الفزع، ورفضوا الدخول في المباهلة، وقبلوا التعامل معه بشروط أهل الذمّة.

2 ـ أحد أدلّة عظمة أهل البيت :

يصرّح المفسّرون من الشيعة والسنّة أنّ آية المباهلة قد نزلت بحقّ أهل بيت

(528)

النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّ الذين اصطحبهم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) معه للمباهلة بهم هم : الحسن والحسين وفاطمة وعلي (عليهم السلام). وعليه، فإنّ «أبناءنا» الواردة في الآية ينحصر مفهومها في الحسن والحسين (عليهما السلام)، ومفهوم «نساءنا» ينحصر في فاطمة (عليها السلام)، ومفهوم «أنفسنا» ينحصر في علي (عليه السلام). وهناك أحاديث كثيرة بهذا الخصوص.

حاول بعض أهل السنّة أن ينكر وجود أحاديث في هذا الموضوع، فصاحب تفسير المنار يقول في تفسير الآية :

الروايات متّفقة على أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إختار للمباهلة عليّاً وفاطمة وولديهما ويحملون كلمة «نساءنا» على فاطمة وكلمة «أنفسنا» على عليّ فقط، ومصادر هذه الروايات شيعية، ومقصدهم منها معروف، وقد اجتهدوا في ترويجها ما استطاعوا حتّى راجت على كثير من أهل السنّة. ولكن بالرجوع إلى مصادر أهل السنّه الأصلية يتّضح أنّ الكثير من تلك الطرق لا تنتهي بالشيعة وبكتب الشيعة، وإنكار هذه الأحاديث الواردة بطريق أهل السنّة، يسقط سائر أحاديثهم وكتبهم من الإعتبار.

لكي نلقي الضوء على هذه الحقيقة، نورد هنا بعضاً من رواياتهم ومصادرها :

القاضي نور الله الشوشتري في المجلّد الثالث من كتابه النفيس «إحقاق الحقّ»، الطبعة الجديدة، ص 46، يتحدّث عن إتّفاق المفسّرين في أنّ «أبناءنا» في هذه الآية إشارة إلى الحسن والحسين، و«نساءنا» إشارة إلى فاطمة، و«أنفسنا» إشارة إلى عليّ (عليه السلام).

ثمّ يشير في هامش الكتاب إلى نحو ستّين من كبار أهل السنّة من الذين قالوا إنّ آية المباهلة نزلت في أهل البيت، ويذكر أسماء هؤلاء العلماء بالتفصيل في الصفحات 46 ـ 76.

ومن المشاهير الذين نقل عنهم هذا التصريح :

(529)

1 ـ مسلم بن الحجاج النيسابوري، صاحب أحد الصحاح الستة المعروفة التي يعتمدها أهل السنّة. المجلّد 7 ص 120 (طبعة محمّد علي صبيح ـ مصر).

2 ـ أحمد بن حنبل في كتابه «المسند» ج 1 ص 185 (طبعة مصر).

3 ـ الطبري في تفسيره المعروف : ج 3 ص 192 (المطبعة الميمنية ـ مصر).

4 ـ الحاكم في كتابه «المستدرك» ج 3 ص 150 (طبعة حيدر آباد الدكن).

5 ـ الحافظ أبو نعيم الأصفهاني في كتابه «دلائل النبوة» ص 297 (طبعة حيدر آباد).

6 ـ الواحديّ النيسابوري في كتابه «أسباب النزول» ص 74 (المطبعة الهندية ـ مصر).

7 ـ الفخر الرازي في تفسيره المعروف، ج 8 ص 85 (المطبعة البهية ـ مصر).

8 ـ ابن الأثير في كتابه «جامع الأُصول» ج 9 ص 470 (مطبعة السنّة المحمدية ـ مصر).

9 ـ ابن الجوزي في كتابه «تذكرة الخواص» ص 17 (طبعة النجف).

10 ـ القاضي البيضاوي في تفسيره ج 2 ص 22 (مطبعة مصطفى محمّد ـ مصر).

11 ـ الآلوسي في تفسيره «روح المعاني» ج 3 ص 167 (المطبعة المنيرية ـ مصر).

12 ـ الطنطاوي في تفسيره المعروف «الجواهر» ج 2 ص 120 (مطبعة مصطفى البابي الحلبي ـ مصر).

13 ـ الزمخشري في تفسيره «الكشّاف» ج 1 ص 193 (مطبعة مصطفى محمّد).

14 ـ الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني في كتابه «الإصابة» ج 2 ص 503

(530)

 (مطبعة مصطفى محمّد).

15 ـ ابن الصبّاغ في كتابه «الفصول المهمّة» ص 108 (طبعة النجف).

16 ـ العلاّمة القرطبي في كتابه «الجامع لأحكام القرآن» ج 3 ص 104 (طبعة مصر سنة 1936).

جاء في كتاب «غاية المرام» عن صحيح مسلم في باب (فضائل علي بن أبي طالب) أنّ معاوية قال يوماً لسعد بن أبي وقاص : لِمَ لا تسبّ أبا تراب (علي (عليه السلام)) ! ؟ فقال : «تركت سبّه منذ أن تذكرت الأشياء الثلاثة التي قالها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في حقّ علي (عليه السلام) (وأحدها) عندما نزلت آية المباهلة لم يدع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)سوى فاطمة والحسن والحسين وعلي، وقال : اللهمّ هؤلاء أهلي.

صاحب «الكشّاف» وهو من كبار علماء أهل السنّة، يذهب إلى أنّ هذه الآية أقوى دليل على فضيلة أهل الكساء.

يتّفق المفسّرون والمحدّثون والمؤرّخون الشيعة أيضاً أنّ هذه الآية قد نزلت في أهل البيت، وقد أورد صاحب تفسير «نور الثقلين» روايات كثيرة بهذا الشأن.

من ذلك أيضاً ما جاء في كتاب «عيون أخبار الرضا» عن المجلس الذي عقده المأمون في قصره للبحث العلمي. وجاء فيه عن الإمام الرضا (عليه السلام) قوله : ... ميّز الله الطاهرين من خلقه، فأمر نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمباهلة بهم في آية الإبتهال. فقال عزّوجلّ : يا محمّد (فمنّ حاجّك فيه...» الآية. فأبرز النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً والحسن والحسين وفاطمة صلوات الله عليهم...

وقال(عليه السلام) : فهذه خصوصية لا يتقدّمهم فيها أحد، وفضل لايلحقهم فيه بشر، وشرف لا يسبقهم إليه خلق(1).

_____________________________

1 ـ نور الثقلين : ج 1 ص 349، البرهان : ج 1 ص 290، تفسير العيّاشي : ج 1 ص 177، البحار : ج 20 ص 52 وج 6 ص 652 الطبعة الجديدة.

(531)

كذلك وردت روايات بهذا المضمون في تفسير البرهان وبحار الأنوار وتفسير العيّاشي، وكلّها تقول إنّ الآية قد نزلت في أهل البيت.

3 ـ اعتراض وجوابه :

هنا اعتراض مشهور أورده الفخر الرازي وآخرون على نزول هذه الآية في أهل البيت. يقول هؤلاء : كيف يمكن أن نعتبر أنّ القصد من «أبناءنا» هو الحسن والحسين (عليهما السلام) مع أنّ «أبناء» جمع و لا تطلق على الاثنين ؟ وكذلك «نساءنا» جمع، فكيف تطلق على سيّدة الإسلام فاطمة (عليها السلام) وحدها ؟ وإذا كان القصد من «أنفسنا» عليّاً (عليه السلام) وحده فلماذا جاء بصيغة الجمع ؟

الجواب

أوّلاً : كما سبق أن شرحنا بإسهاب، أنّ هناك أحاديث كثيرة في كثير من المصادر الإسلامية الموثوق بها ـ شيعية وسنّية ـ تؤكّد نزول هذه الآية في أهل البيت، وهي كلّها تقول إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يدع للمباهلة غير علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، هذا بذاته قرينة واضحة لتفسير الآية، إذ أنّ من القرائن التي تساعد على تفسير القرآن هي السنّة وما ثبت من أسباب النزول.

وعليه، فإنّ الإعتراض المذكور ليس موجّهاً للشيعة فقط، بل أنّ على جميع علماء الإسلام أن يجيبوا عليه، بموجب ما ذكرناه آنفاً.

ثانياً : إطلاق صيغة الجمع على المفرد أو المثنى ليس أمراً جديداً فهو كثير الورود في القرآن وفي غير القرآن من الأدب العربي، وحتى غير العربي.

من ذلك مثلاً أنّه عند وضع قانون، أو إعداد إتّفاقية، تستعمل صيغة الجمع على وجه العموم. فمثلاً، قد يقال في إتّفاقية : إنّ المسؤولين عن تنفيذها هم الموقّعون عليها وأبناؤهم. في الوقت الذي يمكن أن يكون لأحد الأطراف ولد واحد أو

(532)

اثنين. فلا يكون في هذا أيّ تعارض مع تنظيم الإتّفاقية بصيغة الجمع. وذلك لأنّ هناك مرحلتين، مرحلة «الإتفاق» ومرحلة «التنفيذ». ففي المرحلة الأُولى قد تأتي الألفاظ بصيغة الجمع لكي تنطبق على جميع الحالات. ولكن في مرحلة التنفيذ قد تنحصر الحالة في فرد واحد، وهذا لا يتنافى مع عمومية المسألة.

وبعبارة أُخرى : كان على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بموجب إتفاقه مع مسيحيّي نجران، أن يدعو للمباهلة جميع أبنائه وخاصّة نسائه وجميع من كانوا بمثابة نفسه. إلاَّ أنّ مصداق الإتّفاق لم ينطبق إلاَّ على ابنين وامرأة ورجل (فتأمّل !).

في القرآن مواضع متعدّدة ترد فيها العبارة بصيغة الجمع، إلاَّ أنّ مصداقها لا ينطبق إلاَّ على فرد واحد. فمثلاً نقرأ : (الذين قال لهم الناسُ إنّ الناسَ قد جمعوا لكم فاخشَوهم)(1) المقصود من «الناس» في هذه الآية هو «نعيم بن مسعود» حسب قول فريق من المفسّرين، لأنّ هذا كان قد أخذ أموالاً من أبي سفيان في مقابل إخافة المسلمين من قوّة المشركين.

وأيضاً نقرأ : (لقد سمع الله قولَ الذين قالوا إنّ الله فقير ونحن أغنياء)(2). فهنا المقصود بـ «الذين» في هذه الآية، على رأي كثير من المفسّرين، هو «حي بن أخطب» أو «فنحاص».

وقد يطلق الجمع على المفرد للتكريم، كما جاء عن إبراهيم : (إنّ إبراهيم كان أُمّة قانتاً لله)(3). فهنا أُطلقت كلمة «أُمّة» وهي اسم جمع، على مفرد.

4 ـ كما أنّ آية المباهلة تفيد بأنّ أبناء البنت يعتبرون أبناء أبيها أيضاً، بخلاف ما كان سائداً في الجاهلية في إعتبار أبناء الابن فقط هم أبناء الجد، إذ

_____________________________

1 ـ آل عمران : 173.

2 ـ آل عمران : 181.

3 ـ النحل : 120.

(533)

كانوا يقولون :

بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهنّ أبناء الرجال الأباعد

هذا اللون من التفكير كان من بقايا التقاليد الجاهلية الخاطئة التي لم تكن ترى المرأة عضواً من أعضاء المجتمع، بل كانت تنظر إليها على أنّها وعاء لنموّ الأبناء فقط، وترى أنّ النسب يلحق بالآباء لا غير. يقول شاعرهم :

وإنّما أُمّهات الناس أوعية مستودعات وللأنساب آباء

غير أنّ الإسلام قضى على هذا اللون من التفكير، وساوى بين أبناء الابن وأبناء البنت.

نقرأ في الآية 84 و 85 من سورة الأنعام بشأن أبناء إبراهيم : (من ذرّيته داود وسليمان وأيّوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريّا ويحيى وعيسى وإلياس كلّ من الصالحين).

فالمسيح عيسى بن مريم عدّ هنا من أبناء إبراهيم مع أنّه كان ابناً من جهة البنت.

الأحاديث والروايات الواردة عن طريق الشيعة والسنّة بشأن الحسن والحسين (عليهما السلام) تشير إلى كلّ منهما بـ «ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)» كراراً.

وفي الآيات التي تحرّم الزواج ببعض النساء نقرأ : (وحلائل أبنائكم). يتّفق علماء الإسلام على أن الرجل يحرم عليه الزواج من زوجة ابنه وزوجة حفيده سواء أكان من جهة الابن أم البنت، باعتبار شمولهم بالآية المذكورة.

5 ـ هل المباهلة تشريع عام ؟

لا شكّ أنّ هذه الآية ليست دعوة عامّة للمسلمين للمباهلة، إذ أنّ الخطاب موجّه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وحده. ولكن هذا لا يمنع من أن تكون المباهلة مع المعارضين حكماً عامّاً، وأنّ الأتقياء من المؤمنين الذين يخشون الله، لهم أن

(534)

يطلبوا من الذين لم ينفع فيهم المنطق والاستدلال التقدّم للمباهلة.

وتظهر عمومية هذا الحكم في بعض الروايات الإسلامية، فقد جاء في تفسير نور الثقلين، ج 1 ص 351 عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال : إذا كان كذلك (أي إذا لم يقبل المعاند الحقّ) فادعهم إلى المباهلة... اصلح نفسك ثلاثاً... وأبرز أنت وهو إلى الجبان (الصحراء) فشبّك أصابعك من يدك اليمنى في أصابعه، ثمّ انصفه وابدأ بنفسك وقل : اللهمّ ربّ السماوات السبع وربّ الأرضين السبع عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم إن كان (فلاناً) جحد حقّاً وادّعى باطلاً فأنزل عليه حسباناً (بلاءً) من السماء وعذاباً أليماً. ثمّ ردّد الدعوة عليه... فإنّك لا تلبث أن ترى ذلك فيه.

ويتّضح أيضاً من هذه الآية أنّه ـ خلافاً للحملات التي يشنّها الزاعمون أنّ الإسلام دين الرجال وليس للمرأة فيه أيّ حساب ـ قد ساهمت المرأة المسلمة مع الرجل خلال اللحظات الحسّاسة في تحقيق الأهداف الإسلامية ووقفت معه ضدّ الأعداء. إنّ الصفحات المشرقة التي تمثّل سيرة سيّدة الإسلام فاطمة الزهراء (عليها السلام)وابنتها السيّدة زينب الكبرى وغيرهما من نساء الإسلام اللآتي سرن على طريقهما دليل على هذه الحقيقة.

* * *

(535)

الآيتان

إِنَّ هَـذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَـه إِلاَّ اللهُ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62) فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللهَ عَلِيمُ بِالْمُفْسِدِينَ (63)

التّفسير

تقول الآية ـ بعد شرح حياة المسيح (عليه السلام) ـ : إنّ ما قصصناه عليك من قصة عيسى حقيقة أنزلها الله عليك. وعليه، فإنّ المزاعم الباطلة القائلة باُلوهية المسيح، أو إعتباره ابن الله، أو بعكس ذلك إعتباره لقيطاً، كلّها خرافات باطلة (إنَّ هذا لهوَ القصصُ الحقّ).

ثمّ تضيف للتوكيد : إنّ الذي يليق للعبادة هو الله (وما من إله إلاَّ الله)وحده، وأن اتّخاذ معبود آخر دونه عمل بعيد عن الحقّ والحقيقة (وان الله لهو العزيز الحكيم) فهو قادر على أن يخلق ولداً بدون أب، وذلك على الله يسير.

«القصص» مفرد، تعني القصّة، وهي في الأصل من «القص» بمعنى تعقّب الأثر. في موضع آخر من القرآن قالت أُمّ موسى لابنتها «قصّيه» أي عقّبيه وابحثي عنه (وقالت لأُخته قصّيه)(1) وقولهم لثأر الدم «القصاص» لأنّه

_____________________________

1 ـ القصص : 11.

(536)

تتبع لحقوق أصحاب الدم.

و«القصّة» تعني بتاريخ القدامى والبحث في سير حياتهم ومن ذلك يعلم أن المشار إليه في (هذا) هو قصة حياه المسيح لا القرآن الكريم ولا قصص الأنبياء.

الآية الثانية تهدد من لم يستسلم هؤلاء للحقّ بعد الاستدلالات المنطقية في القرآن بشأن المسيح (عليه السلام)، وكذلك إذا لم يخضعوا للمباهلة واستمرّوا في عنادهم وتعصّبهم، لأن ذلك دليل على أنّهم ليسوا طلاّب حقّ، بل هم مقيّدون بأغلال تعصّبهم المجحف، وأهوائهم الجامحة، وتقاليدهم المتحجّرة، وبذلك يكونون من المفسدين في المجتمع : (فان تولوا فإن الله عليم بالمفسدين).

لأن هدفهم تخدير الناس وإفساد العقائد السليمة لأفراد المجتمع، ومن المعلوم أن الله تعالى يعرف هؤلاء، ويعلم بنياتهم وسيجازيهم في الوقت المناسب.

* * *

(537)

الآية

قُلْ يَـأَهْلَ الْكِتَـابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَة سَوَآءِ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)

التّفسير

الدعوة إلى الإتّحاد :

بدأ القرآن في الآيات السابقة بدعوة المسيحيّين إلى الاستدلال المنطقي، وإذ رفضوا، دعاهم إلى المباهلة، فكان لهذا أثره في نفوسهم، فرفضوها ولكنّهم رضخوا لشروط إعتبارهم ذمّيّين. فانتهز القرآن هذه الفرصة من استعدادهم النفسي، وعاد إلى طريقة الاستدلال.

غير أنّ الاستدلال هذه المرّة يختلف عن الاستدلال السابق إختلافاً كبيراً.

في الآيات السابقة كانت الدعوة إلى الإسلام (بكلّ تفاصيله). ولكنّ الدعوة هذه المرّة تتّجه إلى النقاط المشتركة بين الإسلام وأهل الكتاب. وبهذا يعلّمنا القرآن درساً، مفاده : أنّكم إذا لم توفّقوا في حمل الآخرين على التعاون معكم في

(538)

جميع أهدافكم، فلا ينبغي أن يقعد بكم اليأس عن العمل، بل اسعوا لإقناعهم بالتعاون معكم في تحقيق الأهداف المشتركة بينكم، كقاعدة للإنطلاق إلى تحقيق سائر أهدافكم المقدّسة (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألاَّ نعبد إلاَّ الله ولا نشرك به شيئاً).

هذه الآية تعتبر نداء «الوحدة والإتّحاد» إلى أهل الكتاب، فهي تقول لهم : إنّكم تزعمون ـ بل تعتقدون ـ أنّ التثليث (أي الاعتقاد بالآلهة الثلاثة) لا ينافي التوحيد، لذلك تقولون بالوحدة في التثليث. وهكذا اليهود يدعون التوحيد وهم يتكلّمون بكلام فيه شرك ويعتبرون «العزير» ابن الله.

يقول لهم القرآن : إنّكم جميعاً ترون التوحيد مشتركاً، فتعالوا نضع يداً بيد لنحيي هذا المبدأ المشترك بدون لفّ أو دوران، ونتجنّب كلّ تفسير يؤدّي إلى الشرك والإبتعاد عن التوحيد.

والملفت للنظر أن الآية الشريفة تؤكّد موضوع التوحيد في ثلاث تعابير مختلفة، فأوّلاً ذكرت (ألاَّ نعبد إلاَّ الله) وفي الجملة الثانية (ولا نشرك به شيئاً)وفي المرّة الثالثة قالت (ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله).

ولعلّ في هذه الجملة الأخيرة إشارة إلى أحد موضوعين :

«الأوّل» : أنّه لا يجوز تأليه المسيح، وهو بشر مثلنا ومن أبناء نوعنا.

«والثاني» : أنّه لا يجوز الاعتراف بالعلماء المنحرفين الذين يستغلّون مكانتهم ويغيّرون حلال الله وحرامه كيفما يحلو لهم، ولا يجوز اتّباع هؤلاء.

ويتّضح ممّا سبق من الآيات القرآنية أنّه كان هناك بين علماء أهل الكتاب جماعات يحرّفون أحكام الله بحسب «مصالحهم» أو «تعصّبهم». إنّ الإسلام يرى أنّ من يتّبع أمثال هؤلاء دون قيد أو شرط وهو يعلم بهم، إنّما هو يعبدهم بالمعنى الواسع لكلمة العبادة.

(539)

إنّ سبب هذا الحكم واضح، فإن حقّ وضع القوانين والتشريعات يعود إلى الله، فإذا قرّر أحد هذا الحقّ لغير الله فقد أشرك.

يقول المفسّرون في ذيل تفسير هذه الآية إنّ «عدي بن حاتم» الذي كان نصرانياً ثمّ أسلم، عندما سمع هذه الآية، فهِم من كلمة «أرباب» أنّ القرآن يقول إنّ أهل الكتاب يعبدون بعض علمائهم. فقال للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : ما كنّا نعبدهم يا رسول الله.

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : أما كانوا يحلّون لكم ويحرّمون فتأخذون بقولهم ؟

فقال : نعم.

فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : هو ذاك(1).

في الواقع يعتبر الإسلام الرقّ والاستعمار الفكري نوعاً من العبودية والعبادة لغير الله، وهو كما يحارب الشرك وعبادة الأصنام، يحارب كذلك الاستعمار الفكري الذي هو أشبه بعبادة الأصنام.

ولابدّ من الإشارة إلى أنّ «أرباب» جمع، لذلك لا يمكن أن نقول إنّ المقصود هو النهي عن عبادة عيسى وحده. ولعلّ النهي يشمل عبادة عيسى وعبادة العلماء المنحرفين.

(فإن تولّوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون).

لو أنّهم ـ بعد دعوتهم دعوة منطقية إلى نقطة التوحيد المشتركة ـ أصرّوا على الإعراض، فلابدّ أن يقال لهم : اشهدوا أنّنا قد أسلمنا للحق، ولم تسلموا، وبعبارة اُخرى : فاعلموا من يطلب الحق، ومن يتعصّب ويعاند. ثمّ قولوا لهم (اشهدوا بأنّا مسلمون) فلا تأثير لعنادكم وعصيانكم وابتعادكم عن الحقّ في أنفسنا، وإنّا ما زلنا على طريقنا ـ طريق الإسلام ـ سائرون، لا نعبد إلاَّ الله، ولا نلتزم إلاَّ شريعة

_____________________________

1 ـ مجمع البيان : ذيل الآية المذكورة. تفسير نور الثقلين : ج 1 ص 352.

(540)

الإسلام، ولا وجود لعبادة البشر بيننا.

* * *

بحث

رسائل النبيّ إلى رؤساء العالم :

يقول التاريخ : عندما استقرّ الإسلام نسبيّاً في الحجاز، أرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)رسائل إلى عدد من كبار رؤساء العالم في ذلك العصر. في بعض هذه الرسائل استند إلى هذه الآية الداعية إلى التوحيد ـ المبدأ المشترك بين الأديان السماوية ـ . ولأهميّة الموضوع ندرج بعضاً من تلك الرسائل :

1 ـ رسالة إلى المقوقس(1)

«بسم الله الرحمن الرحيم، من محمّد بن عبدالله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتّبع الهدى. أمّا بعد فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرّتين، فإن تولّيت فإنّما عليك إثم القبط(2). يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلاَّ الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتّخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولّوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون»(3).

حمل «حاطب بن أبي بلتعة» رسالة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المقوقس حاكم مصر، فوجده قد رحل إلى الإسكندرية، فركب إليه، وسلّمه الرسالة، ثمّ قال لحاطب : ما منعه إن كان نبيّاً أن يدعو على من خالفه وأخرجه من بلده إلى غيرها أن يسلّط عليهم ؟

_____________________________

1 ـ المقوقس : حاكم مصر من قبل هرقل ملك الروم، وكان نصرانياً.

2 ـ الأقباط : أقوام كانت تقطن مصر.

3 ـ مكاتيب الرسول : ج 1 ص 97.

(541)

فقال له حاطب : ألست تشهد أنّ عيسى بن مريم رسول الله ؟ فماله حيث أخذه قومه، فأرادوا أن يقتلوه، أن لا يكون دعا عليهم، أن يهلكهم الله تعالى، حتّى رفعه الله إليه ؟

قال : أحسنت أنت حكيمٌ من عند حكيم.

ثمّ قال له حاطب : إنّه كان قبلك من يزعم أنّه الربّ الأعلى ـ يعني فرعون ـ فأخذه الله نكال الآخرة والأُولى فانتقم به، ثمّ انتقم منه، فاعتبر بغيرك،ولا يعتبر غيرُك بك.

إنّ هذا النبيّ دعا الناس، فكان أشدّهم عليه قريش، وأعداهم له اليهود، وأقربهم منه النصارى، ولعمرى، ما بشارة موسى بعيسى عليهما الصلاة والسلام، إلاَّ كبشارة عيسى بمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وما دعاؤنا إيّاك إلى القرآن، إلاَّ كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، وكلّ نبيّ أدرك قوماً فهم أُمته، فالحقّ عليهم أن يطيعوه، فأنت ممّن أدرك هذا النبيّ، ولسنا ننهاك عن دين المسيح بل نأمرك به.

بقي حاطب بن ا بي بلتعة أيّاماً ينتظر جواب المقوقس على رسالة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبعدها استدعاه المقوقس إلى قصره واستزاده معرفة بالإسلام وقال له : إلى ما يدعو محمّد ؟

قال حاطب : إلى أن نعبد الله وحده، ويأمر بالصلاة، خمس صلوات في اليوم والليلة، ويأمر بصيام رمضان، وحجّ البيت، والوفاء بالعهد، وينهي عن أكل الميتّه، والدم... ثمّ شرح له بعض جوانب حياة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).

فقال المقوقس : هذه صفته، وكنت أعلم أن نبيّاً قد بقي، وكنت أظنّ أنّ مخرجه بالشام، وهناك كانت تخرج الأنبياء من قبله، فأراه قدخرج من أرض العرب.

ثمّ دعا كاتبه الذي يكتب له بالعربية فكتب إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) :

«بسم الله الرحمن الرحيم، لمحمّد بن عبدالله من المقوقس عظيم القبط، سلام

(542)

عليك. أمّا بعد، فقد قرأت كتابك،وفهمت ما ذكرت فيه وما تدعو إليه، وقد علمت أنّ نبيّاً قد بقي، وقد كنت أظنّ أنّه يخرج بالشام وقد أكرمت رسولك...»

ثمّ عدّد له الهدايا التي بعثها إليه وختم رسالته بعبارة «والسلام عليك»(1).

تقول كتب التاريخ إنّ المقوقس أرسل نحو أحد عشر نوعاً من الهدايا وبينها طبيب أرسله لمعالجة مرضى المسلمين. فقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الهدايا، لكنّه أرجع الطبيب قائلاً : «إنّا قوم لا نأكل حتّى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع» مشيراً بذلك إلى أنّ هذه القاعدة في تناول الطعام كافية لحفظ صحّة المسلمين (ولعلّه ـ إضافة إلى هذه القاعدة الصحّية العظيمة ـ لم يكن يأمن جانب الطبيب الذي كان مسيحياً وربما كان الطبيب متعصّباً أيضاً، فلم يشأ أن يترك أرواح المسلمين بين يديه).

إن إكرام المقوقس سفير النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، والهدايا التي أرسلها إليه، وتقديم اسم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) على اسمه، تدلّ كلّها على أنّه كان قد قبل دعوة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في قرارة نفسه، أو أنّه ـ على الأقل ـ مالَ إلى الإسلام. ولكنّه لكيّ لا يهتزّ مركزه امتنع عن إظهار ذلك علناً.

2 ـ رسالة إلى قيصر الروم

«بسم الله الرحمن الرحيم. من محمّد بن عبدالله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتّبع الهدى. أمّا بعد، فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام. أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرّتين فإن تولّيت فإنّما عليك إثم الأريسيّين(2). يا اهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألاَّ نعبد إلاَّ الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذّ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولّوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون».

كان حامل رسالة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى القيصر رجل اسمه «دحية الكلبي».

_____________________________

1 ـ مكاتيب الرسول : ج 1 ص 100.

2 ـ الأريسيون : هم العنصر الرومي والعمال.

(543)

وتهيّأ السفير للإنطلاق نحو أرض الروم. ولكنّه قبل أن يصل القسطنطنية، عاصمة القيصر، علم أنّ القيصر قد يمّم شطر بيت المقدس للزيارة. فاتّصل بحاكم «بصرى» الحارث بن أبي شمر وكشف له عن مهمّته. ويبدو أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد أجاز دفع الرسالة إلى حاكم (بصرى) ليوصلها هذا إلى القيصر.

بعد أن اطّلع الحاكم على الأمر، استدعى عدي بن حاتم وكلّفه أن يسافر مع دحية إلى بيت المقدس ليوصل الرسالة إلى القيصر. إلتقى السفيرُ قيصرَ في حمص. وكانت الحاشية قبل ذلك قد أفهموا دحية أنّ عليه أن يسجد أمام القيصر، وأن لا يرفع رأسه أبداً حتّى يأذن له. فقال دحية : لا أفعل هذا أبداً، ولا أسجد لغير الله. فأعجبوا بمنطقه المتين. وقال له أحد رجال البلاط : إذاً لك أن تضع الرسالة تجاه منبر قيصر وتنصرف، إنّ أحداً غير القيصر لا يمسّها. فشكره دحية على ذلك، وترك الرسالة في ذلك المكان، وانصرف.

فتح قيصر الرسالة، وجلب إنتباهه افتتاحها باسم الله، وقال : أنا لم أرَ رسالة مثل هذه غير رسالة سليمان. ثمّ طلب مترجمه ليقرأ له الرسالة ويترجمها. احتمل قيصر أن يكون كاتب الرسالة هو النبيّ الموعود في التوراة والإنجيل. فعزم على معرفة دقائق حياة هذا النبيّ. فأمر بالبحث في الشام لعلّهم يعثرون على من يعرف شيئاً عن محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم). واتّفق أن كان أبو سفيان وجمع من قريش قد قدموا إلى الشام ـ التي كانت الجناح الشرقي للروم ـ للتجارة، فاتّصل بهم رجال القيصر وأخذوهم إلى بيت المقدس، فسألهم القيصر : أيّكم أقرب نسباً من هذا الرجل الذي يزعم أنّه نبيّ ؟ فقال أبو سفيان : أنا.

ثمّ قال القيصر للقريشيين ـ على طريق ترجمانه ـ : إني سائل (أبا سفيان) عن هذا الرجل الذي يزعم أنّه نبيّ. فإن كذبني فكذّبوه. فقال أبو سفيان : وايم الله لولا مخافة أن يؤثّر عليّ الكذب لكذبت.

(544)

1 ـ ثمّ قال لترجمانه : سله كيف حسبه فيكم ؟

أبو سفيان : هو فينا ذو حسب.

2 ـ القيصر : هل كان من آبائه ملك ؟

أبو سفيان : لا.

3 ـ القيصر : هل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟

أبو سفيان : لا.

4 ـ القيصر : من يتّبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم ؟

أبو سفيان : بل ضعفاؤهم.

5 ـ القيصر : أيزيدون أم ينقصون ؟

أبو سفيان : بل يزيدون.

6 ـ القيصر : هل يرتدّ أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له ؟

أبو سفيان : لا.

ثمّ استمرّ الحوار بين الاثنين عن موقف قريش من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وعن سجاياه ثمّ قال القيصر :

إن يكن ما تقول حقّاً فإنّه نبيّ، وقد كنت أعلم أنّه خارج، ولم أكن أظنّه منكم، ولو أعلم أنّي أخلص إليه لأحببت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت قدميه ـ حسب تقاليد الاحترام يومئذ ـ وليبلغن ملكه ما تحت قدميّ، ثمّ دعا بكتاب رسول الله فقرأه ودعا دحية واحترمه وكتب جواب الرسالة وضمنّها بهدية وارسلها الى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأظهر في جواب الرسالة ولاءه ومحبته إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

* * *

(545)

الآيات

يَـأَهْلَ الْكِتَـابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إبْرَاهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالاِْنجِيلُ إِلاَّ مِن بعدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ(65)هَـأَنتُمْ هَـؤُلاَءِ حَـاجَجْتُمْ فِيَما لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيَما لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ(66)مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرانِيّاً وَلَـكِنَ كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(67)إِنَّ أَوْلى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ(68)

سبب النّزول

ورد في الروايات الشريفة أن علماء اليهود ونصارى نجران جاءوا إلى النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأخذوا يجادلونه في إبراهيم، فقالت اليهود : أنه كان يهودياً، وقالت النصارى : أنه كان نصرانياً (وهكذا كلّ يدعي إبراهيم لنفسه لتكون له الغلبة والافتخار على خصمه. لأن إبراهيم (عليه السلام) كان نبياً عظيماً لدى جميع الأديان والمذاهب) فنزلت الآيات أعلاه لتبيّن كذب هذه الإدّعاءات.

(546)

التّفسير

(يا أهل الكتاب لم تحاجّون في إبراهيم...).

هذه الآية تردّ على مزاعم اليهود النصارى، وتقول : إنّ جدَلكم بشأن إبراهيم النبيّ المجاهد في سبيل الله جدل عقيم، لأنّه كان قبل موسى والمسيح بسنوات كثيرة، والتوراة والإنجيل نزلا بعده بسنوات كثيرة (وما أُنزلت التوراة والإنجيل إلاَّ من بعده) أيعقل أن يدين نبيّ سابق بدين لاحق ؟ (أفلا تعقلون) ؟

(ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجّون فيما ليس لكم به علم).

هنا يوبّخهم الله قائلاً إنّكم قد بحثتم فيما يتعلّق بدينكم الذي تعرفونه (وشاهدتم كيف أنّكم حتّى في بحث ما تعرفونه قد وقعتم في أخطاء كبيرة وكم بعدتم عن الحقيقة، فقد كان علمكم، في الواقع، جهلاً مركّباً)، فكيف تريدون أن تجادلوا في أمر لا علم لكم به، ثمّ تدّعون ما لا يتّفق مع أيّ تاريخ ؟

وفي نهاية الآية يقول : (والله يعلم وأنتم لا تعلمون) توكيداً للموضوع السابق، وتمهيداً لبحث الآية التالية.

أجل، إنه يعلم متى بعث إبراهيم (عليه السلام) بالرسالة لا أنتم الذين جئتم بعد ذلك بزمن طويل وتحكمون في هذه المسألة بدون دليل.

(ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً).

وهذا ردّ صريح على هذه المزاعم يقول إنّ إبراهيم لم يكن من اليهود ولا من المسيحيّين، وإنّما كان موحّداً طاهراً مخلصاً أسلم لله ولم يشرك به أبداً.

«الحنيف» من الحنف، وهو الميل من شيء إلى شيء، وهو في لغة القرآن ميل عن الضلال إلى الإستقامة.

يصف القرآن إبراهيم أنّه كان حنيفاً لأنّه شقّ حجب التعصّب والتقليد الأعمى،

(547)

وفي عصر كان غارقاً في عبادة الأصنام، نبذ هو عبادة الأصنام ولم يطأطىء لها رأساً.

إلاَّ أنّ العرب الذين كانوا يعبدون الأصنام في العصر الجاهلي كانوا يعتبرون أنفسهم حنفاء على دين إبراهيم. وقد شاع هذا شيوعاً حدا بأهل الكتاب إلى أن يطلقوا عليهم اسم «الحنفاء». وبهذا اتّخذت لفظة «الحنيف» معنىً معاكساً تماماً لمعناها الأصلي، غدت ترادف عبادة الأصنام. لذلك فإنّ القرآن بعد أن وصف إبراهيم بأنّه كان (حنيفاً) أضاف (مسلماً) ثمّ أردف ذلك بقوله (وما كان من المشركين) لإبعاد إحتمال آخر.

كيف كان إبراهيم مسلماً ؟

قد يسأل سائل : إذا لم نكن نعتبر إبراهيم من أتباع موسى ولا من أتباع عيسى فنحن بطريق أولى لا نستطيع أن نعتبره مسلماً أيضاً، لأنّه كان قبل كلّ هذه الأديان. فكيف يصفه القرآن بأنّه كان مسلماً ؟

جواب هذا السؤال هو أنّ «الإسلام» في القرآن لا يعني إتّباع رسول الإسلام فقط، بل الكلمة بالمعنى الأوسع تعني التسليم المطلق لأمر الله للتوحيد الكامل الخالص من كلّ شرك ووثنوية، وكان إبراهيم حامل لواء ذلك الإسلام.

وممّا تقدّم يتّضح أن إبراهيم (عليه السلام) لم يكن تابعاً لهذه الأديان. ولكن يبقى شيء واحد، وهو من هم الذين يحقّ لهم إدعاء العلاقة والإرتباط بالدين الإبراهيمي وبعبارة اُخرى كيف يمكننا اتباع هذا النبي العظيم الذي يفتخر باتّباعه جميع أتباع الأديان السماوية ؟

آخر آية من الآيات مورد البحث توضح هذا المطلب وتقول :

(548)

 (إن أولى الناس بإبراهيم لّلذين اتّبعوه...).

لوضع حدّ لجدل أهل الكتاب حول إبراهيم، نبيّ الله العظيم، الذي كانت كلّ جهة تدّعي أنّه منها، وكانوا يستندون غالباً إلى قرابتهم منه، أو اشتراكهم معه في العنصر، أعاد القرآن مبدأً رئيساً إلى الأذهان وهو أنّ الإرتباط بالأنبياء والولاء لهم إنّما يكون عن طريق الإيمان واتّباعهم فقط. وبناءً على ذلك، فإنّ أقرب الناس لإبراهيم هم الذين يتّبعون مدرسته ويلتزمون أهدافه، سواء بالنسبة للذين عاصروه (لّلذين اتّبعوه) أو الذين بقوا بعده أوفياء لمدرسته وأهدافه، مثل نبيّ الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) وأتباعه (وهذا النبيّ والذين آمنوا).

والسبب واضح، فاحترام الأنبياء إنّما هو لمدرستهم، لا لعنصرهم وقبيلتهم ونسبهم. وعليه، إذا كان أهل الكتاب بعقائدهم المشركة قد انحرفوا عن أهم مبدأ من مبادىء دعوة إبراهيم، فقد بقي رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمون ـ بالإستناد إلى هذا المبدأ نفسه وتعميمه على جميع أُصول الإسلام وفروعه ـ من أوفى الأوفياء له، فلابدّ أن نعترف بأنّ هؤلاء هم الأقربون إلى إبراهيم، لا أُولئك.

وفي ختام الآية يبشر الله تعالى الذين يتبعون رسالة الأنبياء حقيقة ويقول : (والله ولي المؤمنين).

* * *

ملاحظة

الإرتباط الديني أوثق الروابط :

ترى هذه الآية أنّ الرابط الوحيد الذي يربط الناس بالأنبياء هو اتّباع مدرستهم وأهدافهم، ليس غير.

لذلك نجد أنّ النصوص المروية عن أئمة الإسلام تؤكّد هذا الموضوع بصراحة

(549)

تامّة. من ذلك أنّه جاء في تفسير مجمع البيان ونور الثقلين، نقلاً عن الإمام عليّ (عليه السلام) أنّه قال :

«إنّ أولى الناس بالأنبياء أعملهم بما جاؤوا به ـ ثمّ تلا الآية المذكورة ثمّ قال : ـ إنّ وليّ محمّد من أطاع الله وإن بعدت لحمته، وإنّ عدوّ محمّد من عصى الله وإن قربت قرابته».

* * *

(550)




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (11)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 201

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 10341550

  • التاريخ : 27/09/2021 - 10:46

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net