00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة الاعراف من بداية السورة ـ آية 25 من ( 551 ـ آخر الجزء الرابع )  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل (الجزء الرابع)   ||   تأليف : سماحة آية الله العظمى الشيخ مكارم الشيرازي

[551]

 

سُورَة الأَعْـرَافْ

مَكيَّة

وَعَدَدُ آيَآتِهَا مَائتان وَستّ آياتْ

[553]

 

سورة الأعراف

هذه السورة من السور المكية إِلاّ قوله تعالى: (واسألهم عن القرية) ـ إِلى ـ (بما كانوا يفسقون)، الذي نزل في المدينة.

عدد آيات هذه السورة (206) آية أو (205) كما عليه البعض.

لمحة سريعة عن محتويات هذه السّورة:

إِن أكثر السور القرآنية (80 إِلى 90 سورة) ـ كما نعلم ـ نزلت في مكّة، ونظراً إِلى الأوضاع التي كانت سائدة في المحيط المكّي، وحالة المسلمين خلال 13 عاماً، وكذا بالإِمعان في صفحات التّأريخ الإِسلامي بعد الهجرة، يتضح بجلاء أن هناك فرقاً بين لحن السور المكية والسور المدنية.

ففي السّور المكية يدور الحديث ـ غالباً ـ حول المبدأ والمعاد، وحول إِثبات التوحيد، ويوم القيامة، ومكافحة الشرك والوثنية، وتقوية مكانة الإِنسان ودعم موقعه في عالم الخلق، لأنّ الفترة المكّية كانت تشكل فترة بناء المسلمين من حيث العقيدة، وتقوية أُسس الإِيمان كأسس وقواعد لـ «نهضة متجذرة».

ففي الفترة المكية كان على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يطهّر العقول والأذهان من جميع الأفكار الوثنية الخرافية، ويغرس محلّها روحَ التوحيد، والعبودية لله تعالى، والإِحساس بالمسؤولية لأفراد الطبقة المسحوقة والمحقّرة في اطار العهد الوثني بشخصيتهم الحضارية وهويتهم وكرامتهم الإِنسانية، وحقيقة موقعهم في نظام الوجود، وعالم الخلق، ليصنع ـ بالتالي ـ من ذلك الشعب الوضيع المشحون

[554]

بالخرافة، أُمة ذات شخصية قوية، وذات إِرادة صلبة، وإِيمان فاعل، وقد كان هذا البناء العقائدي القوي الذي تم على يد رسول الإِسلام في هدي القرآن في مكّة، هو السبب في تقدم الإِسلام المطّرد في المدينة.

إِن آيات السور المكية كذلك تتناسب جميعها مع هذا الهدف الخاص.

أمّا الفترة المدينة، فقد كانت فترة تشكيل وتأسيس الحكومة الإِسلامية، فترة الجهاد في مقابل الأعداء، فترة تأسيس وبناء مجتمع سليم على أساس القيم الإِنسانية، والعدالة الإِجتماعية.

ولهذا تهتم السور المدنية في كثير من آياتها بتفاصيل القضايا الحقوقية، والأخلاقية والاقتصادية، والجزائية، وغير ذلك من الحاجات الفردية والإِجتماعية.

وإِذا أراد المسلمون اليوم أن يستعيدوا عظمتهم الغابرة، ومجدهم القديم، وجب عليهم أن ينفّذوا هذا البرنامج بالذات، وأن يطووا هاتين الفترتين بصورة كاملة، فإِنّه ما لم تتوطد الأُسس العقائدية، وما لم يتم بناؤها بشكل محكَم لم تحظ اللّبنات الفوقية والبناء الحضاري للمجتمع بالمتانة والقوة اللازمة.

وعلى كل حال فحيث أن سورة الأعراف من السور المكية، لذلك تجلّت فيها جميع خصائص السورة المكية ولهذا نرى:

كيف أنّها أشارت في البدء إِلى مسألة «المبدأ والمعاد».

ثمّ بهدف إِحياء شخصية الإِنسان شرحت ـ باهتمام وعناية كبيرة ـ قصّة خلق آدم.

ثمّ عدّدت ـ بعد ذلك ـ المواثيق التي أخذها الله تعالى من أبناء آدم في مسير الهداية والصلاح، واحداً واحداً.

ثمّ للتدليل على هزيمة وخسران الجماعات التي تحيد عن سبيل التوحيد والعدالة والتقوى. وكذا للتدليل على نجاح المؤمنين الصادقين وانتصارهم،

[555]

ذكرت قصص كثير من الاقوام الغابرة والأنبياء السابقين مثل «نوح» و«لوط» و«شعيب» وختمت ذلك ببيان قصة بني إِسرائيل، وجهاد «موسى» ضدّ فرعون، بصورة مفصّلة.

وفي آخر السورة عادت مرّة أُخرى إِلى مسألة المبدأ والمعاد، بهذا تتناغم البداية والخاتمة.

أهمية هذه السّورة:

جاء في تفسير العياشي عن الإِمام الصادق أنّه قال: «من قرأ سورة الأعراف في كل شهر كان يوم القيامة من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ... فإِن قرأها في كل جمعة كان ممن لا يحاسب يوم القيامة (وكذا قال:) أمّا أن يكون فيها محكماً فلا تدعوا قراءتها والقيام بها فإِنّها تشهد يوم القيامة لمن قرأها»(1).

إِن ما يستفاد من الحديث الحاضر بوضوح هو أن هذه الرّوايات والأحاديث الواردة في فضل السور لا تعني أن مجرّد قراءتها تنطوي على كل تلك النتائج، والثمرات الكبرى، بل إِنّ ما يعطي هذه القراءة القيمة النهائية هو الإِيمان بمضامين السورة، ثمّ العمل على طبقها.

ولهذا جاء في الرواية الحاضرة: قراءتها وتلاوتها والقيام بها. كما أنّنا نقرأ في هذه الرواية أنّه(عليه السلام) قال: «من قرأ هذه السورة كان يوم القيامة من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون».

وفي الحقيقة فإِنّ هذه إِشارة لطيفة إِلى الآية (35) من هذه السورة، التي يقول فيها سبحانه: (فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون).

فهذه المنزلة ـ كما يلاحظ القارىء الكريم ـ مخصوصة بالذين اتقوا، وسلكوا سبيل الصلاح، هذا مضافاً إِلى أنّ القرآن الكريم كتاب «عقيدة» و«عمل»

_____________________________

1 ـ تفسير البرهان، المجلد الثاني، الصفحة 2 ونور الثقلين، المجلد الثاني، الصفحة 2.

[556]

والقراءة والتلاوة تعتبران مقدمة لهذا الموضوع.

قال الراغب في كتاب «المفردات» في مادة: تلاوة: قوله: (يتلونه حق تلاوته)(1): إِتباع القرآن بالعلم والعمل.

وهذا يعني أنّ للتلاوة مفهوماً أعلى من مفهوم القراءة، فهي مقرونة بنوع من التدبر والتفكر والعمل.

* * *

_____________________________

1 ـ البقرة، 121.

[557]

الآيات

الـمـص(1) كِتَـبٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ(2) اتَّبِعُوا مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ قَلِيلا مَّا تَذَكَّرُونَ(3)

التّفسير

في مطلع هذه السّورة نواجه مرّة أُخرى «الحروف المقطَّعة» وهي هنا عبارة عن: الألف واللام والميم، والصاد.

وقد سبقت منّا أبحاثٌ مفصّلة عند تفسير هذه الحروف في مطلع سورة «البقرة» وكذا: «آل عمران».

وهنا نلفت النظَر إِلى تفسير آخر من التفاسير المطروحة في هذا الصعيد استكمالا للبحث وهو: أنّه يمكن أن يكون أحد الأهداف لهذه الحروف هو جلب إنتباه المستمعين، ودعوتهم إِلى السكوت والإِصغاء، لأنَّ وجود هذه الحروف في مطلع الكلام موضوع عجيب لم يسبق له مثيل في نظر العرب، ومن شأنها أن تثير في العربي حبّ الاستطلاع، وتدعوه إِلى متابعة الكلام إِلى نهايته.

ومن الإِتفاق أنّ غالب السور المبدوءة بالحروف المقطّعة هي السور التي نزلت في مكّة، ونحن نعلم أن المسلمين في مكّة كانوا أقليّة، وكان أعداؤهم وخصومهم خصوماً ألدّاء اشتد عنادهم إِلى درجة أنّهم ما كانوا على استعداد

[558]

حتى لاستماع كلام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل ربّما أثاروا ضجيجاً، ورَفَعوا الأصوات في وجه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عند قراءته للآيات القرآنية ليضيع في زحمتها وخضمّها نداؤهُ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو ما أشارت إِليه بعض الآيات (مثل الآية 26 سورة فصلت ـ السجدة).

كما أننا نقرأ في بعض الرّوايات والأحاديث المروية عن أهل البيت(عليهم السلام) أنّ هذه الحروف رموز وإِشارت إِلى أسماء الله، فـ: «الـمص» في السورة المبحوثة مثلا إِشارة إِلى جملة: أنا الله المقتدر الصادق.

وبهذا الطريق يكون كل واحد من الحروف الأربعة صورة مختصرة عن أحد أسماء الله تعالى.

ثمّ إِنّ موضوع إِحلال الصياغات المختصرة محلّ الصياغات المفصَّلة للكلمات كان أمراً رائجاً من قديم الزمان، وإِن حصل مثل هذا في عصرنا أيضاً بشكل أوسع، حيث اختصِرت الكثير من العبارات الطويلة، وكذا أسامي المؤسسات أو الهيئات في كلمة قصيرة أو أحرف معدودة.

على أن ثمّة نقطةً تستحقُ التنويه بها هنا، وهي أنّ التفاسير والتحاليل المختلفة عن «الحروف المقطعّة» لا تتنافى ولا تتناقض فيما بينها، ويمكن أن تكون جميع التفاسير بطوناً مختلفة من بطون القرآن.

ثمّ يقول تعالى في الآية اللاحقة: (كتابٌ أُنزِلَ إِلَيكَ فلا يكن في صدرك حَرَجٌ منه).

و«الحرج» في اللغة يعني الشعور بالضيق وأي نوع من أنواع المعاناة، والحرج في الأصل يعني مجتمع الشجر الملتفّ أوّلا ثمّ المنتشر، وهو يُطلق على كل نوع من أنواع الضيق.

إنَّ العبارة الحاضرة تسلّي النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وتطمئن خاطره بأنّ هذه الآيات نازلة من جانب الله تعالى فيجب أن لا يشعر(صلى الله عليه وآله وسلم) بأيّ ضيق وحرج، لا من ناحية ثقل

[559]

الرسالة الملقاة على عاتقه، ولا من ناحية ردود فعل المعارضين والأعداء الألدّاء تجاه دعوته، ولا من ناحية النتيجة المتوقعة من تبليغه ودعوته.

هذا ويمكن إِدراك المشكلات التي كانت تعرقل حركة النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إِدراكاً كاملا إِذا عرفنا أن هذه السورة من السور المكّية، ونحن وإِن كنّا نعجز عن تصوّر جميع الجزئيات والتفاصيل المرتبطة بحياة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وصحبه في المحيط المكي، وفي مطلع الدّعوة الإِسلامية، ولكن مع الإِلتفات إِلى حقيقة أن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)كان عليه أن يقوم بنهضة ثورية في جميع المجالات والأصعدة في تلك البيئة المتخلفة جداً وفي مدّة قصيرة، يمكن أن نتصور على نحو الاجمال أبعاد وأنواع الصعاب التي كانت تنتظره.

وعلى هذا الأساس يكون من الطبيعي أن يعمد الله سبحانه إِلى تسلية النّبي وتطمينه بأن لا يشعر بالضيق والحرج، وأنّ يطمئنَّ إِلى نتيجة جهوده.

ثمّ يضيف تعالى في الجملة اللاحقة أن الهدف من نزول هذا الكتاب العزيز هو إِنذار الناس وتحذيرهم من عواقب نواياهم وأعمالهم الشريرة، وتذكير المؤمنين الصادقين، إِذا يقول: (لتنذر به وذكرى للمؤمنين)(1).

هذا ومجيء قضية «الإِنذار» في صورة الأمر العام الموجّه للجميع، واختصاص «التذكير» بالمؤمنين خاصّة، إِنّما هو لأجل أنَّ الدعوة إِلى الحق، ومكافحة الإِنحرافات يجب أن تتمّ بصورة عامّة وشاملة، ولكن من الواضح أنّ المؤمنين هم وحدهم الذين ينتفعون بهذه الدعوة، أُولئك الذين تتوفر لديهم أرضيات مستعدّة لقبول الحق، وقد أبعدوا عن أنفسهم روح العناد واللجاج وسلّموا أمام الحقائق.

_____________________________

1 ـ وعلى هذا الأساس فإن جملة «لتنذر» تتعلق بـ «أنزل» وليس بجملة «فلا يكن» ولعل جعل هذه الجملة (أي جملة لتنذر) بعد جملة «فلا يكن في صدرك حرج» لأَجل أنّه يجب أوّلا إعداد النّبي في طريق الدعوة، ثمّ إقتراح الهدف وهو الإِنذار عليه (تأمل جيداً).

[560]

وقد جاءت هذه العبارة بعينها في مطلع سورة البقرة إِذا يقول تعالى: (ذلك الكتاب لا ريبَ فيه هدىً للمتقين) (وللمزيد من التوضيح راجع تفسير الآية 2 من سورة الحمد).

ثمّ إِنّه سبحانه يوجه خطابه إِلى عامّة الناس يقول: (اتبعوا ما أُنزل إِليكم من ربّكم) وبهذا الطريق يكون قد بدأ الحديث عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ومهمّته ورسالته، وانتهى بوظيفة الناس وواجبهم تجاه الرسالة.

وللتأكيد يضيف سبحانه قائلا: (ولا تتبعوا من دونه أولياء) فلا تتبعوا غير أوامر الله، ولا تختاروا ولياً غير الله.

وحيث إِنّ الخاضعين للحق والمذكرين قليلون، لذا قال في ختام الآية: (قليلا ما تذكّرون).

ومن هذه الآية يستفاد أنّ الإِنسان يواجه طريقين (أو خيارين) إمّا القبول بولاية الله وقيادته، وإمّا الدخول تحت ولاية الآخرين، فإِذا سلك الطريق الأوّل كان الله وليَّه، وأمّا إِذا دخل تحت ولاية الآخرين فإِن عليه ـ حينئذ ـ أن يخضع في كل يوم لواحد من الأرباب، وأن يختار ربّاً جديداً.

وكلمة «الأولياء» التي هي جميع «ولي» إِشارة إِلى هذا المعنى.

* * *

[561]

الآيتان

وَكَم مِّن قَرْيَة أَهْلَكْنَـهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَـتاً أَوْهُمْ قَآئِلُونَ(4)فَمَا كَانَ دَعْوَهُمْ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَآ إِلاَّ أَن قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَـلِمِينَ(5)

التّفسير

الأقوام التي هَلَكت وبادت:

هاتان الآيتان تشيران إِلى العواقب المؤلمة التي تترتب على مخالفة الأوامر التي تمّ بيانها في الآيات السابقة، كما أنّهما تعدّان ـ في الواقع ـ فهرستاً إِجمالياً عن قصص الأقوام المتعددة أمثال نوح، وقوم فرعون، وقوم عاد وثمود، وقوم لوط التي ستأتي فيما بعد.

إِنّ القرآن الكريم يحذر وينذر بشدّة في هذه الآية كل أُولئك الذين يتمردون على تعاليم الأنبياء ويقومون بزرع الفجور والفساد بدل إِصلاح أنفسهم وإِصلاح الآخرين، بأن يتدبروا قليلا في حياة الأقوام السالفة وينظروا كم من قرية عامرة أبادَها الله، وأهلك سكانها الفاسقين: (وكم من قرية أهلكناها).

ثمّ يبيّن كيفية هلاكهم بأنّ العذاب الأليم جاءهم في منتصف الليل وهم يقضون ساعات الراحة والسكون، أو في وسط النهار وهم يمضون لحظات الاستراحة والإِسترخاء بعد رحلة من العمل والنشاط اليومي الدّائب: (فجاءها

[562]

بأسنا بياتاً أو هم قائلون).

ثمّ يواصل الحديث في الآية اللاحقة هكذا: (فما كان دعواهم إِذ جاءهم بأسنا إِلا أن قالوا إِنّا كنّا ظالمين) فعندما يتورّطون في البلاء، وتتحطم حياتهم بعواصف الجزاء يتركون كبرياءهم ونخوتهم وينادون معترفين بظلمهم: إِنّا كنّا ظالمين.

بحوث

إنّ ها هنا نقاطاً عديدة ينبغي الإلتفات إليها:

1 ـ «القرية» مأخذوة أصلا من «قرى» (على وزن نهى) وهي تعني الإِجتماع، وحيث إِنّ القرية مركز لإِجتماع أفراد البشر أُطلق عليها هذا الاسم.

من هنا يتّضح أن القرية لا تعني الرستاق فقط، بل تشمل كل موضع عامر اجتمع فيه أفراد البشر، وقد أُطلقت هذه اللفظة ـ في كثير من آيات القرآن الكريم ـ على المدينة، أو أية منطقة عامرة مدينة كانت أو رستاقاً.

و«قائلون» اسم فاعل من «القيلولة» بعنى النوم في نصف النهار، وأصله الراحة، ولهذا يقال الإِقالة في البيع لأنّه الإِراحة منه بالإِعفاء من عقده.

و«البيات» أي عند الليل.

2 ـ إِنّ ما نقرؤه في هذه الآيات من أنّ عقاب الله تعالى وعذابه يصيب الظالمين ليلا، أو عند منتصف النهار، لأجل أن يذوقوا طعم العذاب والجزاء، وذلك عندما تنهدم راحتهم وسكونهم به انهداماً كاملا، كما سبق لهم أن هدموا راحة الآخرين وسكونهم وعكروا صفوهم، وبهذا يكون جزاؤهم مناسباً لذنبهم ومن جنسه.

3 ـ يستفاد من الآية الحاضرة أيضاً أن جميع الأقوام العاصية الجانية عندما تواجه العقاب، وتنكشف عن عيونها أغطية الغفلة والغرور، وتعترف ـ برمتها ـ

[563]

بذنوبها، ولكن لا يجديها مثل هذا الاعتراف، لأنّه نوع من الاعتراف «الجبري والإِضطراري» الذي يضطرّ إِليه حتى أشد الناس غروراً.

وبعبارة أُخرى; إِنّ هذه اليقظة نوع من اليقظة الكاذبة والعابرة وغير المؤثرة التي لا تحمل أية علامة من علامات الإِنقلاب والتحوّل الروحي، بِهذا لا يكون لها أية نتيجة ... نعم، إِذا كانوا يظهرون هذه الحقيقة في حالة الإِختيار والحرية كان ذلك دليلا على انقلابهم الروحي وسبباً لنجاتهم.

4 ـ من المباحث المطروحة عند المفسّرين في مجال الآية الحاضرة هو: لماذا قال القرآن أوّلا: (أهلكناها) ثمّ أعقب هذه الجملة بجملة أُخرى مبدوءة بفاء التفريع التي هي عادة للترتيب الزماني فقال: (فجاءها بأسنا بياناً) في حين أن مثل هذا العقاب (أي مجيّ البأس بياتاً) كان قبل الهلاك لا بعد الهلاك.

ولكن يجب أن نعلم أنّ الجملة المبدوءة بالفاء قد تكون شرحاً وتفصيلا للجملة السابقة لا لبيان حادثة أُخرى، وفي المقام أشار أوّلا إِلى موضوع الإِهلاك على نحو الإِجمال، ثمّ عمد إِلى شرح هذا الموضوع المجمَل بقوله: (فجاءها بأسنا بياتاً أو هم قائلون فما كان دعواهم إِذ جاءهم بأسنا إِلاّ أن قالوا إِنّا كنّا ظالمين). ولهذا في الأدب العربي نظائر كثيرة.

5 ـ إِنّ هذا النوع من الآيات يجب أن لا تعتبر شرحاً لقصص الأُمم الغابرة، وبالتالي ممّا يرتبط بالزمن الغابر والأمم الماضية فقط.

إِنّ هذه الآيات تحذيرات صاعقة لهذا العصر وما يليه من العصور، لنا وللأُمم والأقوام القادمة، لأنّه لا معنى للتبعيض في السنة الإِلهية.

والإِنسان المسلح بالتكنولوجيا المتقدمة مع كلّ ما أُوتي من قوّة هو الآخر عاجز أمام الزلازل والعواصف، وأمام السيول والأمطار الغريزة، تماماً مثل عجز الأُمم ما قبل التّأريخ وضعفها.

وعلى هذا فليست مثل تلك العواقب السيئة والأليمة التي أصابت ظَلَمة

[564]

الأمم الغابرة، وجباريها، وحلّت بالمغرورين والفسقة والمتمردين ليلا وحطمتهم، ببعيدة عن الإِنسان الحاضر. بل إِنّ قوة الإِنسان المعاصر وقدراته الكبرى يمكن أن تكون مصدر بلاء عظيم له، وتجرّه إِلى أحضان حروب مدَمِّرة لا تنتج سوى فناء جيله، ألا يجب أن نعتبر بهذه الحوادث ونستيقظ من نوم الغفلة!؟

* * *

[565]

الآيات

فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ(6)فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْم وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ(7) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِأَيَـتِنَا يَظْلِمُونَ(9)

التّفسير

التّحقيق الشّامل:

لقد تضمنت الآيات السابقة إِشارة إِلى معرفة الله ونزول القرآن الكريم، أمّا الآيات أعلاه فانها تتحدث عن المعاد فهي مكملة للآيات السالفة، مضافاً إِلى أنّ الآية المتقدمة تحدثت عن الجزاء الدنيوي للظالمين، وهذا الآيات تبحث في الجزاء والعقاب الأُخروي لهم، وبهذا يتضح الإِرتباط بينها.

يقول تعالى أوّلا وهو يقرر سُنّة عامّة: (فلنسألن الذين أُرسل إِليهم) أي أنّنا سنسأل في يوم القيامة كل من أرسلنا لهدايته رسولا، حتماً ودون ريب.

بل ونسأل كذلك الأنبياء أيضاً: ماذا فعلوا في مجال تبليغ رسالتهم:

[566]

(ولنسألن المرسَلين).

وعلى هذا الأساس فالجميع مسؤولون، قادةً وأتباعاً، رسلا ومرسلا إِليهم، غاية ما في الأمر أنّه يختلف السؤال والمسؤوليات من طائفة إِلى أُخرى.

وثمّة حديث مروي عن الإِمام أميرالمؤمنين(عليه السلام) في هذا الصعيد يؤيد هذا المعنى أيضاً، إِذا يقول:«فيقام الرسل فيُسألون عن تأدية الرسالات التي حملوها إِلى أُممهم، فأخبروا أنّهم قد أدّوا ذلك إِلى أُممهم»(1).

هذا وقد صرّح في حديث آخر في تفسير علي بن إِبراهيم بهذا المعنى أيضاً(2).

في الآية اللاحقة ـ ولكي لا يتصور أحدٌ بأنّ سؤال الله للانبياء يعني أن الأمر قد خفي على الله وغاب عن علمه قال تعالى بصراحة مزيجة بالقَسَم، بأننا سوف نشرح لهم كل أعمالهم بعلمنا، لأنّه ما غاب عنّا شيء من أفعالهم، وما غابوا هم عنّا، فقد كنا معهم في كل حين ومكان: (فلنقصن عليهم بعلم وما كنّا غائبين).

«لنقصنّ» مأخوذة من «القصة» وهي في الأصل تعني ما يتلو بعضه بعضاً، وحيث أن القضايا عند شرحها يتلو بعضها بعضاً أُطلق عليها لفظ القصة، وهكذا أُطلق على العقوبة التي تتلو الجناية لفظ «القصاص»، ومنه «المقصّ» لأنّه يقطع الشعر بالتوالي، ويقال عمن يبحث عن شيء أنّه «قصّ» لأنّه يبحث الحوادث واحداً بعد واحد.

وحيث إِنّ في هذه الجملة أربعة أنواع من التأكيد (لام القسم، ونون التأكيد، وكلمة علم، التي جاءت بصورة النكرة، والمراد من ذلك بيان عظمته، وجملة ما كان غائبين) لذلك يستفاد منها أنّ المقصود هو: أنّنا نشرح لهم تفاصيل أعمالهم جميعها القذة بالقذة وتباعاً، ليعلموا أنّه لا يخفى عنّا شيء من نيّة أو عمل قط(3).

_____________________________

1 ـ تفسير نور الثقلين، المجلد الثاني، الصفحة 4.

2 ـ المصدر السابق.

3 ـ تفسير «مجمع البيان»، وتفسير «التبيان» عن معنى القصة في ذيل الآية الحاضرة ورد البحث أعلاه في.

[567]

المساءلة لماذا؟

إِنّ أوّل ما يطرح نفسه هنا هو: نحن نعلم أنّ الله سبحانه يعلم بكل شيء، فهو الحاضر في كل زمان ومكان، الناظر لكل شيء من نيّة أو عمل، فما الحاجة إِلى مساءلة الرسل والأُمم عامّة وبدون إِستثناء؟!

الجواب على هذا السؤال واضح، لأنّ السؤال لو كان للاستعلام والإِستفهام، وبهدف الوقوف على الحقيقة لم يصح أن يقع من العالِم العارِف.

وأمّا إِذا كان المقصود منه هو إِلفات الشخص إِلى ما عمله، أو إِتمام الحجّة عليه، أو ما أشبه ذلك، لم يكن في ذلك بأس ولا ضير، إِذ يشبه ذلك تماماً ما لو أسدَينا إِلى أحد خدمات كثيرة وقابَلَنا بالإِساءة والخيانة، وكان كل ذلك معلوماً معروفاً عندنا، ومع ذلك فإِننا نسائله ونقول: ألسنا قد أسدينا إِليك كذا وكذا من الخدمة؟ فهل كان هذا جزاء الإِحسان إِليك؟؟

إِنّ مثل هذه المساءلة ليست لاكتساب العلم، واكتشاف الحقيقة المجهولة، بل هي لتفهيم الطرف الآخر وإِيقافه على الحقيقة، أو أنّه لتثمين خدمة قام بها أحد المسؤولين وتشجيعه، فنسأله: ماذا فعلت في هذه السفرة التي كلّفت فيها بمهمّة؟ مع أنّنا نعرف من قبل بتفاصيل عمله.

التّوفيق بين آيات المساءلة في القرآن:

قد يُظنَّ أن الآيات المطروحة هنا على بساط البحث، والتي تصرح بكل تأكيد بأن الله يسأل الجميع عمّا فعلوه وارتكبوه، تنافي بعض الآيات القرآنية الأخرى في هذا الصعيد مثلما ما جاء في سورة الرحمان: (فيومئذ لا يُسأَل عن ذنبه إِنس ولا جان ... يعرف المجرمون بسيماهم ...)(1).

وكذا الآيات الأُخرى التي تنفي السؤال؟

_____________________________

1 ـ الرحمان، 39 و41.

[568]

فكيف يمكن التوفيق والجمع بين تلك الآيات والآيات الحاضرة التي تثبت قضية المساءلة يوم القيامة؟!

إِن الإِمعان في هذه الآيات كفيل بأن يكشف كل إِبهام عنها، فإِنه يستفاد من مجموع الآيات الواردة في مجال المساءلة في يوم القيامة أن الناس يمرون في ذلك اليوم بمراحل مختلفة متنوعة، ففي بعض المراحل لا يُسألون عن أي شيء مطلقاً، بل يُختم على أفواههم، وتتكلم أعضاؤهم وجوارحهم التي تحتفظ بآثار أعمالهم في نفسها، كشاهد حيّ لا يردّ يروي أعمالهم بدقة متناهية.

وفي المرحلة الأخرى يُرفع الختم عن أفواههم فيتحدثون ويُسألون فيعترفون عند ذلك ـ بعد مشاهدة الحقائق التي انكشفت في ضوء شهادة الجوارح ـ بأعمالهم، تماماً كالمجرم الذي لا يرى بُدّاً من الاعتراف بجرمه عند مشاهدة الأدلة العينية.

وقد احتمل بعض المفسّرين أيضاً في تفسير هذه الآيات، أنّ الآيات النافية للسؤال إِشارة إِلى نفي المساءلة الشفاهية، والآيات المثبتة إِشارة إِلى السؤال من الجوارح وهي تجيب بلسان الحال ـ مثل حمرة وجه الإِنسان خجلا من انكشاف جرمه ـ بالحقائق.

وفي هذه الصورة يرتفع التنافي بين هاتين الطائفتين من الآيات.

في الآية اللاحقة ـ تكميلا لمبحث المعاد ـ يشير تعالى إِلى قضية «وزن الأعمال» الذي جاء ذكره في السور القرآنية الأُخرى مثل ما جاء في سورة «المؤمنون» في الآية (102 و103) وسورة القارعة الآية (6 و8).

فيقول أوّلا: إِنّ وزن الأعمال يوم القيامة أمر واقع لا ريب فيه: (والوزن يومئذ الحق)(1).

_____________________________

1 ـ بناء على هذا يكون الوزن هنا بمعناه المصدري وهو مبتدأ و«الحق» خبره، وإن أُعطيت إحتمالات في تركيب الجملة الحاضرة ولكن ما قلناه أقرب من الجميع.

[569]

ما هو ميزان الأعمال يوم القيامة؟

لقد وقع كلام كثير بين المفسّرين والمتكلمين حول كيفية وزن الأعمال يوم القيامة، وحيث أنّ البعض تصور أن وزن الأعمال وميزانها في يوم القيامة يشبه الوزن والميزان المتعارف في هذه الحياة، ومن جانب آخر لم يكن للأعمال البشرية وزن، وخفة وثقل يمكن أن يُعرَف بالميزان، لهذا لابدّ من حلّ هذه المشكلة عن طريق فكرة تجسم الأعمال، أو عن طريق أن الأشخاص أنفسهم يوزنون بدل أعمالهم في ذلك اليوم.

حتى أنّه روي عن «عبيد بن عمير» أنه قال: «يؤتى بالرجل الطويل العظيم فلا يزن جناح بعوضة» إِشارة إِلى أن أُولئك الأشخاص كانوا في الظاهر أصحاب شخصيات كبيرة، وأمّا في الباطن فلم يكونوا بشيء(1)

ولكن لو تركنا مسألة المقارنة والمقايسة بين الحياة في ذلك العالم والحياة في هذا العالم، وعلمنا بأن كل شيء في تلك الحياة يختلف عمّا عليه في حياتنا هذه، تماماً مثلما تختلف أوضاع الفترة الجنينية عن أوضاع الحياة الدنيا، وعلمنا ـ أيضاً ـ أنّه ليس من الصحيح أن نبحث ـ في فهم معاني الألفاظ ـ عن المصاديق الحاضرة والمعينة دائماً، بل لابدّ أن ندرس المفاهيم من حيث النتائج، اتضحت وانحلت مشكلة «وزن الأعمال في يوم القيامة».

وتوضيح الأمر هو: أننا لو كنا نتلفظ فيما مضى من الزمن بلفظ المصباح كان يتبادر إِلى ذهننا صورة وعاء خاص فيه شيء من الزيت، ونصب فيه فتيل من القطن. وربّما أيضاً تصوَّرنا زجاجة وضعت على النّار لتحفظها من الإِنطفاء بسبب الرياح، على حين يتبادر من لفظ المصباح إِلى ذهننا اليوم جهاز خاص لا مكان فيه للزيت، ولا للفتيل أمّا ما يجمع بين مصباح الامس ومصباح اليوم، هو

_____________________________

1 ـ رويت هذه الرواية من عبيد بن عمير في تفسير «مجمع البيان» وتفسير «الطبري» وظاهر العبارة يوحي بأن الكلام هو لعبيد وليس لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

[570]

الهدف من المصباح والنتيجة المتوخاة أو المتحصلة منه، يعني الأداة التي نزيل الظلمة.

والأمر في قضيّة «الميزان» على هذا الغرار، بل وفي هذه الحياة ذاتها نرى كيف أن الموازين تطوّرت مع مرور الزمن تطوراً كبيراً، حتى أنه بات يُطلق لفظ الميزان على وسائل التوزين الأُخرى، مثل مقياس الحرارة، ومقياس سرعة الهواء وامثال ذلك.

اذن، فالمسلّم هو أن أعمال الإِنسان توزن في يوم القيامة بأداة خاصّة لا بواسطة موازين مثل موازين الدنيا، ويمكن أن تكون تلك الأداة نفس وجود الأنبياء والأئمّة والصالحين، وهذا ما يستفاد ـ أيضاً ـ من الأحاديث المروية عن أهل البيت(عليهم السلام).

ففي بحار الأنوار ورد عن الإِمام الصادق(عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: (وَنَضَعُ المَوازينَ القسط) أنه قال: «والموازين الأنبياء، والأوصياء، ومن الخلق من يَدخُل الجنّة بغير حساب»(1).

وجاء في رواية أُخرى: إِنّ أمير المؤمنين والأئمّة من ذريته(عليهم السلام) هم الموازين(2).

ونقرأ في إحدى زيارات الإِمام أميرالمؤمنين المطلقة: السلام على ميزان الأعمال.

وفي الحقيقة أن الرجال والنساء النموذجيين في العالم هم مقاييس لتقييم أعمال العباد، فكل من شابههم كان له وزن بمقدار مشابهته لهم، ومن بعد عنهم كان خفيف الوزن، أو فاقد الوزن من الأساس.

بل إِنّ أولياء الله في هذا العالم هم أيضاً مقاييس للوزن والتقييم، ولكن حيث

_____________________________

1 ـ بحار الأنوار، الطبعة الجديدة، ج 7، ص 252 و251.

2 ـ المصدر السابق.

[571]

أنّ أكثر الحقائق في هذا العالم تبقى خلف حجب الإِبهام والغموض. تبرز في يوم القيامة بمقتضى قوله تعالى: (وبرزوا لله الواحد القهار)(1) وتنكشف هذه الحقائق وتنجلي للعيان.

ومن هنا يتّضح لماذا جاء لفظ الميزان في الآية بصيغة الجمع: «الموازين» لأنّ أولياء الله الذين يوزَن بهم الأعمال متعددون.

ثمّ إِن هناك احتمالا آخر أيضاً، وهو أن كل واحد منهم كان متميزاً في صفة معينة، وعلى هذا يكون كل واحد منهم ميزاناً للتقييم في إِحدى الصفات والأعمال البشرية، وحيث أن أعمال البشر وصفاتهم مختلفة، لهذا يجب أن تكون المعايير والمقاييس متعددة.

ومن هنا أيضاً يتّضح أنّ ما جاء في بعض الرّوايات والأخبار، مثل ما ورد عن الإِمام الصادق(عليه السلام) حيث سألوه: ما معنى الميزان؟ قال: «العدل» لا ينافي ما ذكرناه، لأنّ أولياء الله، والرجال والنساء النموذجيين في هذا العالم هم مظاهر للعدل من حيث الفكر، والعدل من حيث العقيدة، والعدل من حيث الصفات والأعمال (تأملوا)(2).

ثمّ إِنه تعالى يقول في المقطع الآخر من الآية: (فمن ثقلت موازينُه فأُولئك همُ الصالحون، ومن خفّت موازينه فأُولئك الذِين خَسروا أنفسَهم بِما كانوا بآياتنا يَظلمون).

إِنّ من البديهي أنّ المراد من الخفّة والثقل في الموازين ليس هو خفة وثقل نفس الميزان، بل قيمة ووزن الأشياء التي توزن بواسطة تلك الموازين، وتُقاس بتلك المقاييس.

ثمّ إِنّ في التعبير بجملة «خسروا أنفسهم» إِشارة لطيفة إِلى هذه الحقيقة،

_____________________________

1 ـ إِبراهيم، 48.

2 ـ تفسير نور الثقلين، ج 2، ص 5.

[572]

وهي أن هؤلاء قد أصيبوا بأكبر الخسارات، لأنّ الإِنسان قد يخسر ماله، أو منصبه، ولكنّه قد يخسر أصل وجوده من دون أن يحصل على شيء في مقابل ذلك، وتلك هي الخسارة الكبرى، والضرر الأعظم.

إنّ في التعبير بـ«كانوا بآياتنا يظلمون» في آخر الآية إشارة إِلى أن مثل هؤلاء لم يظلموا أنفسهم فحسب، بل ظلموا ـ كذا ـ البرامج الإِلهية الهادية، لأنّ هذه البرامج كان ينبغي أن تكون سبلا للهداية ووسائل للنجاة، ولو أنّ أحداً تجاهلها، ولم يكترث بها، فلم يحصل منها هذا الأثر، كان ظالماً لها.

وقد جاء في بعض الرّوايات والأخبار أنّ المراد من الآيات هنا هم أئمّة الهدى(عليهم السلام)، على أن هذا النمط من التّفسير ـ كما أسلفنا مراراً ـ لا يعني حصر مفهوم الآية فيهم، بل هم المصاديق الأتمّ والأظهر للآيات الإِلهية.

هذا، وفسّر بعض المفسّرين الظلم في الآية بالكفر والإِنكار، وهذا المعنى ليس بعيداً عن مفهوم الظلم، إذ قد ورد الظلم في بعض الآيات القرآنية الأخرى بهذا المعنى.

* * *

[573]

الآية

وَلَقَدْ مَكَّنَّـكُمْ فِى الاَْرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـيِشَ قَلِيلا مَّا تَشْكُرُونَ(10)

التّفسير

مكانة الإِنسان وعظمته في عالم الوجود:

عقيب الآيات التي أشارت إِلى المبدأ والمعاد، يدور البحث في هذه الآية والآيات اللاحقة حول عظمة الانسان وأهمية مقامه، وكيفية خلق هذا الكائن والمفاخر التي وهبها الله له، والمواثيق التي أخذها الله منه لقاء هذه المواهب والنِعم، كل ذلك لتقوية قواعد وأُسس تربيته وتكامله.

وفي البداية اختصر جميع هذه الأُمور في هذه الآية، ثمّ شرحها وفصّلها في الآيات اللاحقة.

فهو يقول البداية: نحن الذين منحناكم الملكية والحاكمية وسلطناكم على الأرض: (ولقد مكنّاكم في الأرض).

وأعطيناكم وسائل العيش بجميع أنواعها: (وجعلنا لكم فيها معايش).

ولكن مع ذلك لم تشكروا هذه النعم إِلاّ قليلا (قليلا ما تشكرون).

و«التمكين» هنا ليس بمعنى أن يوضع شخص في مكان مّا، بل معناه أن

[574]

يعطى ويوفَّرَ له كل ما يستطيع بواسطته على تنفيذ مآربه، وتهيئة أدوات العمل له، ورفع الموانع وإَزالتها عن طريقه، ويُطلق على مجموع هذا لفظ «التمكين»، فإِننا نقرأ في القرآن الكريم حول يوسف: (وكذلك مكنّا ليوسف في الأرض)(1) أي أننا جعلنا جميع الإِمكانيات تحت تصرّفه.

إِنّ هذه الآية ـ مثل بعض الآيات القرآنية الأُخرى ـ تدعو الناس ـ بعد ذكر وتعداد النعم الإِلهية والمواهب الربانيّة ـ إِلى شكرها، وتذم كفران النعم.

إِن من البديهي أن بعث روح الشُكر والتقدير لدى الناس في مقابل النعم الإِلهية، إِنّما هو لأجل أن يخضعوا لواهب النعم تمشياً واستجابة لنداء الفطرة، ولكي يعرفوه ويطيعوه عن قناعة فيهتدوا ويتكاملوا بهذه الطريقة، لا أن الشاكر يؤثر بشكره في مقام الرّبوبية العظيم، بل الأثر الحاصل من الشكر ـ مثل سائر آثار العبادات والأوامر الإِلهية ـ جميعاً ـ يعود إِلى الإِنسان لا غير.

* * *

_____________________________

1 ـ تفسير يوسف، 56.

[575]

الآيات

وَلَقَدْ خَلَقْنَـكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَـكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَـئِكَةِ اسْجُدُوا لاَِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ السَّـجِدِينَ(11) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّار وَخَلَقْتَهُ مِن طِين(12) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّـغِرِينَ(13) قَالَ أَنظِرْنِى إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ(15) قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لاََقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيمَ(16) ثُمَّ لاََتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَـنِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـكِرِينَ(17) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لاََمْلاََنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ(18)

التّفسير

قصّة عصيان إِبليس

لقد أشير إِلى مسألة خلق الإِنسان وكيفية إِيجاده في سبع سور من سُوَر

[576]

القرآن الكريم، والهَدَفَ من ذكر هذا الموضوع ـ كما سبق أن أشرنا في الآية السابقة ـ هو بيان شخصية الإِنسان، ومقامه، ومنزلته بين كائنات العالم، وبعث روح الشكر والحمد فيه.

لقد جاء ذكر خلق الإِنسان من التراب، وسجود الملائكة له، وتمرّد الشيطان وعصيانه، ثمّ موقفه تجاه النوع الإِنساني في هذه السور بتعابير مختلفة.

وفي الآية المبحوثة الآن يقول الله تعالى: (ولقد خلقناكم ثمّ صوّرناكم ثمّ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) جدّكم الأوّل، ومن المأمورين بالسجود إِبليس الذين كان موجوداً في صفوفهم وإن لم يكن منهم، فامتثلوا لهذا الأمر جميعاً وسجدوا لآدم إِلاّ إِبليس: (فسجدوا إِلاّ إِبليس لم يكن من الساجدين).

ويمكن أن يكون ذكر «الخلق» في الآية الحاضرة قبل «التصوير» إِشارة إِلى: أنّنا أوجدنا المادة الأصلية للإِنسان أوّلا، ثمّ أفضنا عليها الصورة الإِنسانية.

بحثان

1 ـ سجود الملائكة لم يكن سجود عبادة

كما قلنا في ذيل الآية (34) من سورة البقرة: إِنّ سجود الملائكة لآدم لم يكن سجود عبادة، لأن العبادة مخصوصة الله سبحانه، بل السجدة هنا بمعنى التواضع (أي الخضوع أمام عظمة آدم وسموّ منزلته في عالم الخليقة) أو بمعنى السجود لله الذي خلق مثل هذا المخلوق المتعادل المتوازن.

2 ـ إِبليس لم يكن من الملائكة

إِنّ «إِبليس» ـ كما قلنا في ذيل تلك الآية ـ لم يكن من الملائكة، بل هو حسب صريح الآيات القرآنية من قسم آخر من الكائنات يُدعى «الجنّ» (وللمزيد من التوضيح راجع المجلد الأوّل من هذا التّفسير في الحديث عن

[577]

سجود الملائكة لآدم).

في الآية الاحقة يقول تعالى: أنه أخذ إِبليس على عصيانه وطغيانه، و(قال ما منعك أن لا تسجد إِذ أمرتك). فتذرع ـ في مقام الجواب ـ بعذر غير وجيه إِذ: (قال أنا خيرٌ منه خلقتني من نار وخلقته من طين).

وكأن إِبليس كان يتصوّر أنّ النّار أفضل من التراب، وهذه هي أكبر غلطاته وأخطائه، ولعلّه لم يقل ذلك عن خطأ والتباس، بل كذب عن وعي وفهم، لأنّنا نعلم أنّ التراب مصدرُ أنواع البركات، ومنبَعُ جميع المواد الحياتية، وأهم وسيلة لمواصلة الموجودات الحية حياتها، على حين أن الأمر بالنسبة إِلى النّار ليس على هذا الشكل.

صحيح أنّ النّار أحد عوامل التجزئة والتركيب في الكائنات الموجودة في هذا الكون، ولكن الدور الأصلي والأساسي هو للمواد الموجودة في التراب، وتعدّ النّار وسيلة لتكميلها فقط.

وصحيح أيضاً أنّ الكرة الأرضية انفصلت ـ في بداية أمرها ـ عن الشمس، وكانت على هيئة كرة نارية فبردت تدريجاً، ولكن يجب أن نعلم أن الأرض مادامت مشتعلة، وحارة لم يكن عليها أي كائن حيّ، وإِنّما ظهرت الحياة على سطح هذا الكرة عندما حلّ التراب والطين محل النّار.

هذا مضافاً إِلى أنّ أية نار ظهرت على سطح الأرض كان مصدرها مواد مستفادَة من التراب، ثمّ إِنّ التراب مصدر نموّ الأشجار، والأشجار مصدر ظهور النّار، وحتى المواد النفطية أو الدهون القابلة للاشتعال والإِحتراق تعود أيضاً إِلى التراب أو إِلى الحيوانات التي تتغذى من المواد النباتية.

على أنّ ميزة الإِنسان ـ بغض النظر عن كل هذه الأُمور ـ لم تكن في كونه من التراب، بل إِنّ ميزته الأصلية تكمن في «الروح الإِنسانية» وفي خلافته لله تعالى.

وعلى فرض أنّ مادة الشيطان الأصلية كانت أفضل من مادة الإِنسان، فإِن

[578]

ذلك لا يعني تسويغ عدم السجود للإِنسان الذي خلق بتلك الروح، ووهبه الله تلك العظمة، وجعله خليفة له على الأرض.

والظاهر أنّ الشيطان كان يعرف بكل هذه الأُمور، ولكن التكبر، والأنانية هما اللذان منعاه عن امتثال أمر الله، وكان ما أتى به من العذر حجة داحضة، ومحض تحجج وتعلّل.

أوّل قياس هو قياس الشيطان:

القياس في الأحكام والحقائق الدينية مرفوض بشكل قاطع في أحاديث عديدة وردت عن أهل البيت(عليهم السلام)، ونقرأ في هذه الأحاديث أنّ أوّل من قاس هو الشيطان.

قال الإِمام الصادق(عليه السلام) لأبي حنيفة: «لا تقسْ، فإِن أوّل من قاس إِبليس»(1).

وقد روي هذا المطلب في تفاسير أهل السنة قديماً وحديثاً مثل تفسير «الطبري» عن «ابن عباس» وتفسير المنار و «ابن سيرين» و«الحسن البصري»(2).

والمراد من القياس هو أن نقيس موضوع على آخر يتشابهان من بعض الجهات، ونحكم للثّاني بنفس الحكم الموجود للموضوع الأوّل من دون أن نعرفَ فلسفة الحكم وأسراره كاملا، كأن نقيس «بول» الإِنسان المحكوم بالنجاسة، ووجوب الإِجتناب عنه بعرق الإِنسان، ونقول: بما أنّ هذين الشيئين يتشابهان من بعض الجهات وفي بعض الأجزاء، لهذا يسري حكم الأوّل إِلى الثاني فيكون كلاهما نجسين، في حين أنّهما حتى لو تشابها من جهات فهما متفاوتان مختلفان من جهات أُخرى أيضاً، فأحدهما أرق والآخر أغلظ،

_____________________________

1 ـ نور الثقلين، المجلد الثاني0 الصفحة 6.

2 ـ تفسير المنار، المجلد 8 الصفحة 321، وتفسير الطبري، الجزء 8 و9، وتفسير القرطبي، ج4 الصفحة 2067.

[579]

والإِجتناب من أحدهما سهل، ومن الآخر صعب وشاق جدّاً، هذا مضافاً إِلى أنه ليست فلسفة الحكم الأوّل معلومة لنا بالكامل، فمثل هذا القياس ليس سوى قياس تخميني لا أكثر.

ولهذا السبب منع أئمّتنا(عليهم السلام) من القياس بشدّة، استلهاماً من كلام النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وأبطلوه، لأنّ فَتْح باب القياس يتسبب في أن يعمدَ كلُ أحدِ بالاعتماد على دراسته المحدودة وفكره القاصر وبمجرّد أن يعتبر موضوعين متساويين من بعض الجهات ... أن يعمد إِلى إِجراء حكم الأوّل على الثاني، وبهذا تتعرض قوانين الشرع وأحكام الدين إِلى الهرج والمرج.

إِنّ بطلان القياس عقلا ليس مقصوراً على القوانين الدينية فحسب، فالأطباء هم أيضاً يؤكّدون في توصياتهم على أن لا تعطى وصفة أيّ مريض لمريض آخر مهما تشابها من بعض النواحي، وفلسفة هذا النهي واضحة، لأنّه قد يتشابه المريضان في نظرنا من بعض النواحي، ولكن مع ذلك يتفاوتان من جهات عديدة، مثلا من جهة القدرة على تحمّل الدواء، وفئة الدم، ومقدار السكر في الدم، ولا يستطيع الأشخاص العادّيون من الناس أن يشخّصوا هذه الأُمور، بل تشخيصها يختص بالأطباء وذوي الاختصاص في الطب، فلو أُعطيت أدوية مريض لآخر دون ملاحظة هذه الخصوصيات، فمضافاً إِلى احتمال عدم الانتفاع بها، فإنّها ربّما تكون منشأً لسلسلة من الأخطار غير القابلة للجبران.

والأحكام الإِلهية أدقّ من هذه الجهة، ولهذا جاء في الأحاديث والأخبار أنه لو عُمِلَ بالقياس لمُحِقَ الدين، أو كان فساده أكثر من صلاحه(1).

أضف إِلى ذلك أنّ اللجوء إِلى القياس لاكتشاف الأحكام ومعرفتها دليل على قصور الدين، لأنّه إِذا كان لكل موضوع حكمٌ في الدين لم يكن أية حاجة إِلى القياس، ولهذا فإِنّ الشيعة حيث أنّهم أخذوا جميع احتياجاتهم من الأحكام

_____________________________

1 ـ وسائل الشيعة، المجلد 18، باب القياس.

[580]

الدينية من مدرسة أهل البيت ورثة النّبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يروا حاجة إِلى اللجوء إِلى القياس، ولكن فقهاء السنة حيث أنّهم تجاهلوا مدرسة أهل البيت الذين هم حسب نص النّبي الملجأ الثّاني للمسلمين بعد القرآن الكريم لذلك واجهوا نقصاً في مصادر الأحكام الإِسلامية وأدلتها، ولم يروا مناصاً من اللجوء إِلى القياس.

وأمّا في مورد الشيطان، فنحن نقرأ في النصوص والرّوايات أنّه كان أوّل من قاس، والنكتة فيها أنّه قاس خلقته ـ من الناحية المادية ـ بخلقة آدم، وتمسك بأفضلية النّار على التراب في بعض الجهات، واعتبر ذلك دليلا على أفضلية النّار من جميع النواحي، من دون أن يلتفت إِلى امتيازات التراب، بل ومن دون أن يلتفت إِلى امتيازات آدم الروحانية والمعنوية، فحكم على طريق ما يسمّى بقياس الأولوية، ولكن قياساً على أساس التخمين والظن والدراسة السطحية والمحدودة، بأفضليته على آدم، بل ودفعه هذا القياس الباطل إِلى تجاهل الأمر الإِلهي.

والملفِت للنظر أنّه وَرَدَ في بعض الرّوايات المروية عن الإِمام الصادق(عليه السلام)في مؤلفات الشيعة والسنة معاً أنه قال: «من قاس أمرَ الدين برأيه قَرَنَه الله تعالى يوم القيامة بإِبليس»(1).

وباختصار، إِنّ قياس موضوع بموضوع آخر من دون علم بجميع أسراره وفلسفته، لا يصح أن يكون دليلا على اتحاد حكمهما، ولو أنّ القياس تطرق إِلى مسائل الدين وقضايا الشريعة لم تبق للأحكام ضابطة ثابتة، إِذ يمكن حينئذ أن يقيس شخصٌ ما موضوعاً بنحو، ويصدر حكماً بحرمته، ويقيس شخص آخر الموضوع نفسَه بنحو آخر ويصدر حكماً بحليّته.

والمورد الوحيد الذي يمكن استثناؤه من هذا الأمر هو ما إِذا ذكر المقنّنُ أو الطبيبُ نفسه دليل حكمه وفلسفة قانونه، ففي هذه الحالة يجوز لنا إِذا رأينا هذا

_____________________________

1 ـ تفسير المنار، ج 8، ص 331 ونور الثقلين، ج 2، ص 7.

[581]

الدليل وهذه الفلسفة في موضوع آخر أن نجري الحكم فيه ونُعَدِّيهِ إِليه أيضاً، وهذا هو ما اصطُلِح عليه بالقياس «المنصوص العلّة» مثلا: إِذا قال الطبيب للمريض: يجب أن تتجنب تناول الفاكهة الفلانية لأنّها حامضة، علم المريض بأنّ الحموضة تضرّهُ، وأنّه يجب أن يتجنب الحموضة وإِن كان في فاكهة أُخرى.

وهكذا إِذا صرّح القرآنُ الكريم أو صرّحت السُنّة الشريفة بأن: تجنَّبوا الخمر لأنّه مسكر، علمنا أنّ كل مسكر حرام (وإن لم يكن خمراً) ويجب اجتنابه.

إِنّ هذا القياس ليس باطلا ولا ممنوعاً، لأنّه معلوم الدليل ومنصوص العلّة مقطوع بها والقياس الممنوع هو فيما إِذا لم نعلم بدليل الحكم وفلسفته بصورة القطع ومن جميع الجهات.

على أن مبحث القياس مبحثٌ واسعُ الأطراف، وما مضى من البحث ما إلاّ هو عصارة منه، ولمزيد التوضيح والإِطلاع راجعوا كتب أُصول الفقه وكتب الأخبار، باب القياس، ونحن نختم البحث الحاضر بذكر حديث في هذا المجال.

جاء في كتاب «علل الشرائع» دخل أبو حنيفة على الإِمام الصادق(عليه السلام) فقال له : «يا أبا حنيفة، بلغني أنّك تقيس؟ قال: نعم، أنا أقيس. قال: لا تقس فإِنّ أوّل من قاس إِبليس حين قال: خلقتني من نار وخلقته من طين فقاس ما بين النّار والطين، ولو قاس نورية آدم بنورية النّار عرف فضل من بين النّورين وصفاء أحدهما على الآخر»(1).

جوابٌ على سؤال:

بقي هنا سؤال وهو: كيف كان يتحدث الشيطان مع الله، فهل كان ينزل عليه الوحي؟

الجواب هو: أنّ كلام الله لا يكون بالوحي دائماً، فالوحي عبارة عن رسالة

_____________________________

1 ـ نور الثقلين، ج 2، ص 6، وعلل الشرائع، ص 86.

[582]

النبوّة، فلا مانع من أن يكلّم الله أحداً لا بعنوان الوحي والرسالة، بل عن طريق الباطني أو بواسطة بعض الملائكة، سواء كان من يحادثه الله من الصالحين الأبرار مثل مريم وأُمّ موسى، أو من غير الصالحين مثل الشيطان!

ولنعد الآن إِلى تفسير بقية الآيات:

حيث أن امتناع الشيطان من السجود لآدم(عليه السلام) لم يكن امتناعاً بسيطاً وعادياً ولم يكن معصية عادّية، بل كان تمرّداً مقروناً بالاعتراض والإِنكار للمقام الربوبي، لأنّه قال: أنا أفضل منه، وهذه الجملة تعني في حقيقة الأمر أن أمرك بالسجود لآدم أمرٌ مخالفٌ للحكمة والعدالة وموجب لتقديم «المرجوح» على «الراجح» لهذا فإِنّ مخالفته كانت تعني الكفر وإِنكار العلم والحكمة الإِلهيين، فوجب أن يخسر جميع مراتبه ودرجاته، وبالتالي كل ما له من مكانة عند الله، ولهذا أخرجه الله من ذلك المقام الكريم، وجرّده من تلك المنزلة السامقة التي كان يتمتع بها في صفوف الملائكة، فقال له: (فاهبط منها).

وقد ذَهَبَ جمعٌ من المفسّرين في ضمير «منها» إِلى إِرجاعه إِلى «السماء» أو «الجنّة» وذَهَبَ آخرون إِلى إِرجاعها إِلى «المنزلة الدرجة»، وهما لا يختلفان كثيراً من حيث النتيجة.

ثمّ إِنّه تعالى شرح له منشأ هذا السقوط والتنزّل بالعبارة التّالية: (فما يكونُ لَكَ أن تتكّبر فيها).

وأضاف للتأكيد قائلا: (فاخرج إِنّك من الصّاغرين) يعني إنّك بعملك وموقفك هذا لم تصبح كبيراً، بل على العكس من ذلك أصبتَ بالصغار والذلة.

إِنّ هذه الجملة توضح بجلاء أن شقاء الشيطان كله كان وليدَ تكبره، وإِن أنانيته هذه التي جعلته يريى نفسه أفضلَ ممّا هو، هي التي تسببت في أن لا يكتفي بعدم السجود لأدم، بل وينكر علم الله وحكمته، ويعترض على أمر الله، وينتقده، فخسر على أثر ذلك منزلته ومكانته، ولم يحصد من موقفه إِلاّ الذلة

[583]

والصغار بدل العظمة وهذه يعني أنّه لم يصل إِلى هدفه فحسب، بل بات على العكس من ذلك.

ونحن نقرأ في نهج البلاغة «الخطبة القاصعة» في كلام أميرالمؤمنين(عليه السلام) عند ذمّه للتكبر والعجب مايلي: «فاعتبروا بما فعل الله بإِبليس إِذ أحبط عمله الطويل، وجهده الجهيد، وكان قد عبد الله ستة آلاف سنة ... عن كبر ساعة واحدة، فمن ذا بعد إِبليس يسلَم على الله بمثل معصيته؟ كلا، ما كان الله سبحانه ليدخل الجنّة بشراً بأمر أخرج به منها مَلَكاً، إِنّ حكمه في أهل السماء وأهل الأرض الواحد»(1).

وقد جاء أيضاً عن الإِمام علي بن الحسين(عليه السلام) أنّه قال: «إنّ للمعاصي شعباً، فأوّل ما عصي الله به الكبر، وهي معصية إِبليس حين أبى واستكبر وكان من الكافرين، والحرص وهي معصية آدم وحواء ... ثمّ الحسد وهي معصية ابن آدم حيث حسد أخاه فقتله»(2).

وكذا نقل عن الإِمام الصادق(عليه السلام) أنه قال: «أُصول الكفر ثلاثة: الحرص والاستكبار والحسد، فأمّا الحرص فإِن آدم حين نهي عن الشجرة حمله الحرص على أن أكل منها، وأمّا الاستكبار فإِبليس حيث أُمِر بالسجود لآدم فأبى، وأمّا الحسد فإبنا آدم حيث قتل أحدهما صاحبه»(3).

ولكن قصّة الشيطان لم تنته إِلى هذا الحدّ، فهو عندما عرف بأنه صار مطروداً من حضرة ذي الجلال زاد من طغيانه ولجاجته، وبدل أن يتوب ويثوب إِلى الله ويعترف بخطئه فإِنّ الشيء الوحيد الذي طلبه من الله تعالى هو أن يمهله ويؤجّل موته إِلى يوم القيامة: (قال انظرني إِلى يوم يُبعثون).

ولقد استجاب الله لهذا الطلب، فـ(قال إِنّك من المنظَرين).

_____________________________

1 ـ إطلاق «المَلَك» على الشيطان إنما هو لأجل أنّه كان له مكان في صفوف الملائكة، وكان رديفاً لهم لا أنّه كان منهم ومن جنسهم كما قلنا سابقاً.

2 ـ سفينة البحار، مادة كبر.

3 ـ أصول الكافي، ج 2، ص 219، باب أُصول الكفر.

[584]

إِنّ هذه الآيات وان لم تصرّح بالمقدار الذي استجيب من طلب الشيطان من حيث الزمن، إِلاّ أننا نقرأ في الآية (3) من سورة الحجر أنه تعالى قال له: (إِنّك من المنظرين إِلى يوم الوقت المعلوم) وهذا يعني أن مطلب الشيطان لم يستجب له بتمامه وكماله، بل استجيب إِلى الوقت الذي يعلمه الله تعالى (وسوف نبحث عند تفسير الآية (3) من سورة الحجر حول معنى قوله (إلى يوم الوقت المعلوم) إِن شاء الله).

غير أنّ الشيطان لم يبغ من مطلبه هذا (أي الإِمهال الطويل) الحصول على فرصة لجبران مافات منه أو ليعمّر طويلا، إِنّما كان هدَفه من ذلك هو إِغواء بني البشر (وقال فبما أغويتني لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم) أي لأغوينهم كما غويتُ، ولأُضِلنّهم كما ضللتُ.

إِبليس أوّل القائلين بالجبر:

يستفاد من الآية الحاضرة أن الشيطان لتبرئة نفسه نسب إِلى الله الجبر إِذ قال: (فبما أغويتني) لأغوينهم.

بعض المفسّرين أصرّ على تفسير جملة (فبما أغويتني) بنحو لا يُفهَمُ منه الجبر، إِلاّ أن الظاهر هو أنه لا موجب لمثل هذا الإِصرار. وشاهد هذا القول هو ما روي عن أميرالمؤمنين(عليه السلام): «كان أميرالمؤمنين جالساً بالكوفة بعد منصرفه من صفّين إِذا أقبل شيخ فجثا بين يديه ثمّ قال له: يا أميرالمؤمنين: اخبرنا عن مسيرنا إِلى أهل الشام أبقضاء الله وقدره؟ فقال له أمير المؤمنين(عليه السلام):«أجل مه يا شيخ ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن واد إلاّ بقضاء من اللّه وقدر».

فقال له الشّيخ: عند اللّه أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين.

فقال له(عليه السلام): «يا شيخ فواللّه لقد عظم اللّه تعالى لكم الأجر في مسيرتكم وأنتم سائرون وفي مقامكم وأنتم مقيمون وفي منصرفكم وأنتم منصرفون ولم تكونوا

[585]

في شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليه مضطرين».

فقال له الشيخ: وكيف لم نكن في شيء من حالاتنا مكرهين ولا إليه مضطرين وكان بالقضاء والقدر مسيرنا ومنقلبنا ومنصرفنا. (فاستفاد السائل من هذه الإِجابة الجبرية)

فقال له(عليه السلام): «أو تظن أنّه كان قضاء حتماً وقدراً لازماً أنّه لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والأمر والنهي والزجر من اللّه تعالى وسقط معنى الوعد والوعيد فلم تكن لائمة للمذنب ولا محمدة للمحسن ولكان المحسن أولى بالعقوبة من المذنب تلك مقالة اخوان عبدة الأوثان وخصماء الرحمن وحزب الشيطان وقدرية هذه الاُمّة ومجوسها...»(1)

ومن هذا يتّضح أنّ أوّل من وقع في ورطة الاعتقاد بالجبر هو الشيطان.

* * *

ثمّ إِنّ الشيطان أضاف ـ تأكيداً لقوله ـ بأنّه لن يكتفي بالقعود بالمرصاد لهم، بل سيأتيهم من كل حدب وصوب، ويسدّ عليهم الطريق من كل جانب (ثمّ لآتينّهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين).

ويمكن أن يكون هذا التعبير كناية عن أنّ الشيطان يحاصر الإِنسان من كل الجهات ويتوسل إِلى إغوائه بكل وسيلة ممكنة، ويسعى في إِضلاله، وهذا التعبير دارج في المحاورات اليومية أيضاً، فنقول: فلان حاصرته الديون أو الأمراض من الجهات الأربع.

وعدم ذكر الفوق والتحت إِنّما هو لأجل أنّ الإِنسان يتحرك عادة في الجهات الأربع المذكورة، ويكون له نشاط في هذه الأنحاء غالباً.

_____________________________

1 ـ حق اليقين في معرفة اصول الدين، ج1، ص72.

[586]

ولقد نقل في حديث مروي عن الإِمام الباقر(عليه السلام) تفسير أعمق لهذه الجهات الأربع حيث قال: «ثمّ قال: لآتينّهم من بين أيديهم، معناه أهوّن عليهم أمر الآخرة، ومن خلفهم، آمرهم بجمع الأموال والبخل بها عن الحقوق لتبقى لورثتهم. وعن أيمانهم، أفسد عليهم أمر دينهم بتزيين الضلالة وتحسين الشبهة. وعن شمائلهم، بتحبيب اللذّات إِليهم وتغليب الشّهوات على قلوبهم»(1).

وفي آخر آية من الآيات المبحوثة هنا يصدر مرّة أُخرى الأمر بخروج الشيطان من حريم القرب الإِلهي والمقام الرفيع، بفارق واحد هو أن الأمر بطرده هنا اتّخذ صورة أكثر ازدراءً وتحقيراً، وأشدّ عنفاً ووقعاً، ولعلّ هذا كان لأجل العناد واللجاج الذي أبداه الشيطان بالإِلحاح على الوسوسة للإِنسان وإِغوائه وإِغرائه، يعني أن موقفه الأثيم في البداية كان منحصراً في التمرد على أمر الله وعدم إمتثاله، ولهذا صدر الأمر بخروجه فقط، ولكن عندما أضاف معصية أكبر إِلى معصيته بالعزم على إِضلال الآخرين جاء الأمر المشدَّد: (قال أُخرج منها مذءوماً مدحوراً).

ثمّ حلف على أن يملأ جهنم منه ومن اتباعه (لمن تبعك منهم لأملأنّ جهنم منكم أجمعين).

فلسفة خلق الشيطان وحكمة إِمهاله:

في مثل هذه الأبحاث تتبادر إِلى الأذهان ـ عادة ـ أسئلة متنوعة ومختلفة أهمها سؤالان:

1 ـ لماذا خلق الله الشيطان، مع أنّه علم بأنّه سيكون منشأ للكثير من الوساس والضلالات؟

2 ـ بعد أن ارتكب الشيطان مثل تلك المعصية الكبيرة، لماذا قبل الله طلبه في

_____________________________

1 ـ تفسير مجمع البيان، ج 4، ص 404.

[587]

الإِمهال، وتأخير الأجل؟

وقد أجبنا على السؤال الأوّل في المجلد الأوّل من تفسيرنا هذا (الأمثل) وقلنا:

أوّلا: إنّ خلق الشيطان كان في بداية الأمر خلقاً جيداً، لا عيب فيه، ولهذا احتل موقعاً في صفوف المقرّبين إِلى الله، وبين ملائكته العظام، وإِن لم يكن من جنسهم ثمّ إِنّه بسوء تصرّفه في حريته بنى على الطغيان والتمرد، فطرد من ساحة القرب الإِلهي، واختصَّ باسم الشيطان.

ثانياً: إِنّ وجود الشيطان ليس غيرَ مضرٍّ بالنسبة سالكي طريق الحقّ فحسب، بل يعدُّ رمزاً لتكاملهم أيضاً، لأنّ وجود مثل هذا العدوّ القويّ في مقابل الإِنسان يوجب تربية الإِنسان وتكامله وحنكته، وأساساً ينبثق كل تكامل من بين ثنايا التناقضات والتدافعات، ولا يسلك أي كائن طريق كماله ورشده إِلاّ إِذا واجه ضداً قوياً، ونقيضاً معانداً.

فتكون النتيجة أنّ الشيطان وإِن كان بحكم إِرادته الحرّة مسؤولا تجاه أعماله المخالفة، ولكن وساوسه لن تضرّ عباد الله الذين يريدون سلوك طريق الحقّ، بل يكون مفيداً لهم بصورة غير مباشرة.

والجواب على السؤال الثاني يتضح ممّا قلناه في الجواب على الاعتراض الأوّل، لأنّ مواصلة الشيطان لحياته كقضية سلبية يكون وجودها ضرورياً لتقوية نقاط إِيجابية، لا يكون غير مضرٍّ فحسب، بل هو مؤثّر ومفيد أيضاً، فإِنّه مع غضّ النظر عن الشيطان، هناك مجموعة من الغرائز المختلفة في داخِلنا، وهي بوقوفها في الطرف الآخر من قوانا العقلية والروحية تشكّلان ساحة صراح وتناقض قويّين، وفي مثل هذه الساحة يتحقق تقدم الإِنسان وتكامله، وتربيته ورشده. واستمرار حياة الشيطان ـ هو الآخر ـ لتقوية عوامل هذا التناقض المثمر المفيد.

وبعبارة أُخرى: إِنّ الطريق المستقيم يتميّز دائماً بالالتفات إِلى الطرق

[588]

المنحرفة حوله ولولا هذه المقايسة والمقارنة لما أمكن تمييز الطريق المستقيم عن الطريق المنحرف.

كلّ هذا بغض النظر عن أنّنا نقرأ في بعض الأحاديث أنّ الشيطان بعد قيامه بذلك الذنب، عرّض سعادته ونجاته في العالم الآخر للخطر بصورة كلّية، ولهذا فإِنّه طلب من الله تعالى أن يعطيه عمراً طويلا في هذه الدنيا في مقابل عباداته التي كان قد أتى بها قبل ذلك، وكانت العدالة الإِلهية تقتضي قبول مثل هذا الطلب.

إِنّ النقطة المهمّة الأُخرى التي يجب الإِنتباه إِليها ـ أيضاً ـ هي أنّ الله تعالى وإِن كان ترك الشيطان حرّاً في القيام بوساوسه، ولكنّه من جانب آخر لم يدع الإِنسان مجرّداً من الدفاع عن نفسه.

لأنّه أوّلا: وهبه قوّة العقل التي يمكن أن توجد سدّاً قوياً منيعاً فى وجه الوساوس الشيطانية خاصّة إِذا لقيت تربية صالحة.

وثانياً: جعل الفطرة النقيّة وحبّ التكامل في باطن الإِنسان كعامل فعال من عوامل السعادة.

وثالثاً: يبعث الملائكة التي تلهم الخيرات إِلى الذين يريدون أن يعيشوا بمنأى عن الوساوس الشيطانية، كما يصرّح القرآن الكريم بذلك إِذ يقول: (إِنّ الذين قالوا ربّنا الله ثمّ استقاموا تتنزل عليهم الملائكة)(1) إِنّها تنزل عليهم لتقوية معنوياتهم بإِلهامهم ألوان البشارات والتطمينات لهم.

ونقرأ في موضوع آخر: (إِذ يوحي ربُّك إِلى الملائكة أنّي معكم فثبتوا الذين آمنوا)(2) وسدّدوا خطاهم في طريق الحق.

_____________________________

1 ـ فصّلت، 30.

2 ـ الأنفال، 12.

[589]

فرضية تطور الأنواع وخلقة آدم:

هل هناك تلاؤم بين ما يقوله القرآن الكريم في خلقة آدم، مع ما هو مطروح في فرضية الأنواع في أبحاث العلوم الطبيعية، أو لا؟

وأساساً هل بلغت فرضية التطور والتكامل مرحلة القطعية واليقين من وجهة نظر العلماء، أو لا؟ ...

كل هذه الأُمور بحاجة إِلى أبحاث مفصلة سوف نخوضها بمشيئة الله في ذيل آيات أكثر تناسباً، مثل الآيات (26) إلى (33) من سورة الحجر.

* * *

[590]

الآيات

وَيَـأَدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتَُما وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّـلِمِينَ(19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَـنُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا وُورِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَتِهِمَا وَقَالَ مَانَهَـكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَـلِدِينَ(20) وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ النَّـصِحِينَ(21)فَدَلَّـهُمَا بِغُرُور فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ الشَّيْطَـنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ(22)

التّفسير

وَساوِسُ شيطانيَّة في حُلَل خَلاّبة:

تُبَيّنُ هذه الآيات وتستعرض فصلا آخر من قصّة آدم، فتقول أوّلا: إِنّ الله سبحانه أمر آدم وزوجته حواء بأن يسكنا الجنّة: (يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنّة).

ويستفاد من هذه العبارة أنّ آدم وحواء لم يكونا في بدء الخلقة في الجنّة،

[591]

إِنّما خلقا أوّلا ثمّ هُديا إِلى السكنى في الجنّة وأنّ القرائن تفيد ـ كما أسلفنا في ذيل الآيات المتعلقة بقصة خلق آدم في سورة البقرة ـ أن تلك الجنّة لم تكن جنّة القيامة، بل هي ـ كما ورد في أحاديث أهل البيت(عليهم السلام) أيضاً ـ جنّة الدنيا، أي أنّها كانت بستاناً جميلا أخضر من بساتين هذا العالم، وفّر الله سبحانه فيها جميع أنواع النعم والخيرات.

وفي هذه الأثناء صدر أوّل تكليف وأمر ونهي إِلى آدم وحواء من جانب الله تعالى، بهذه الصورة: (فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) أي أنّ الأكل من جميع أشجار هذه الجنّة مباح لكما، إِلاّ شجرة خاصّة لا تقرباها، وإِلاّ كنتما من الظالمين.

ثمّ إِنّ الشيطان الذي طُرِدَ من رحمة الله تعالى بسبب إِحجامه عن السجود لآدم، وكان قد صمّم على أن ينتقم لنفسه من آدم وبنيه ما أمكن، ويسعى في إِضلالهم ما استطاع، وكان يعلم جيداً أنّ الأكل من الشجرة الممنوعة تعرّض آدم للإِخراج من الجنّة، عمد إِلى الوسوسة لآدمَ وزوجته، وبغية الوصول إِلى هذا الهدف نشر شباكاً متنوعة على طريقهما.

ففي البداية ـ وكان يقول القرآن الكريم ـ بدأ بنزع لباس الطاعة والعبودية لله، عنهما، فأبدى عورتهما التي كانت مخبأة مستورة: (فوسوس لهما الشيطان ليبدى لهما ما وورِىَ عنهما من سوآتِهما).

وللوصول إِلى هذا الهدف رأى أنّ أفضل طريق هو أن يستغلّ حبّ الإِنسان ورغبته الذاتية في التكامل والرقي والحياة الخالدة، وليوفّر لهما عذراً يعتذران ويتوسلان به لتبرير مخالفتهما لأمر الله ونهيه، ولهذا قال لآدم وزوجته: (ما نهاكما ربّكما عن هذه الشجرة إِلاّ أن تكونا مَلَكَين أو تكونا من الخالدين).

وبهذه الطريقة صَوَّرَ الأمر الآِلهي في نظرهما بشكل آخر، وصوّر المسألة وكأنَّ الأكل من «الشجرة الممنوعة» ليس غير مضرّ فحسب، بل يورث عمراً

[592]

خالداً أو نيل درجة الملائكة.

والشاهد على هذا الكلام هو العبارة التي قالها إِبليس في سورة طه الآية 120: (يا آدم هل أدلّك على شجرة الخلد ومُلك لا يبلى).

فقد جاء في رواية رويت في تفسير القمي عن الإِمام الصادق(عليه السلام)، وفي «عيون أخبار الرضا» عن الإِمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام): فجاء إِبليس فقال: «إِنّكما إِن أكلتما من هذه الشجرة التي نهاكما الله عنها صرتما ملكين، وبقيتما في الجنّة أبداً، وإِن لم تأكلا منها أخرجكما الله من الجنّة»(1).

ولما سمع آدم هذا الكلام غرق في التفكير، ولكنّ الشيطان ـ من أجل أن يحكم قبضته ويعمّق وسوسته في روح آدم وحواء ـ تَوسَّلَ بالأيمان المغلَّظة للتدليل على أنه يريد لهما الخير! (وقاسمهما إِنّي لكما لمن الناصحين).

لم يكن آدم يمتلك تجربة كافية عن الحياة، ولم يكن قد وقع في حبائل الشيطان وخدعه بعد، ولم يعرف بكذبه وتضليله قبل هذا، كما أنّه لم يكن في مقدوره أن يصدّق بأن يأتي بمثل هذه الايمان المغلَّظة كذباً، وينشر مثل هذا الحبائل والشباك على طريقه.

ولهذا وقع في حبال الشيطان، وانخدع بوسوسته في المآل، ونزل بحبل خداعه المهترىء في بئر الوساوس الشيطانية للحصول على ماء الحياة الخالدة والملك الذي لا يبلى، ولكنّه ليس فقط لم يظفر بماء الحياة كما ظنّ، بل سقط في ورطة المخالفة والعصيان للأوامر الإِلهية، كما يعبّر القرآن عن ذلك ويلخصه في عبارة موجزة إِذ يقول: (فدلاّهما بغرور)(2).

ومع أن آدم ـ نظراً لسابقة عداء الشيطان له، ومع علمه بحكمة الله ورحمته

_____________________________

1 ـ نور الثقلين، المجلد الثاني، ص 13.

2 ـ دلّى من مادة التدلية وتعني إرسال الدلو في البئر بحبل تدريجاً، وهذه ـ في حقيقتها ـ كناية لطيفة عن أنّ الشيطان أنزل بحبل مكره وخداعه آدم وزوجته من مقامهما الرفيع، وأرسلهما إِلى قعر بئر المشكلات والإِبتعاد عن الرحمة الإلهية.

[593]

الواسعة، ومحبته ولطفه ـ كان من اللازم أن يبدّد كل الوساوس ويقاومها، ولا يسلّم للشيطان، إِلاّ أنه قد وقع ما وقع على كل حال.

وبمجرّد أن ذاق آدم وزوجته من تلك الشجرة الممنوعة تساقط عنهما ما كان عليهما من لباس وانكشفت سوءاتهما (فلمّا ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما).

ويستفاد من العبارة أعلاه أنّهما بمجرّد أن ذاقا من ثمرة الشجرة الممنوعة أُصيبا بهذه العاقبة المشؤومة، وفي الحقيقة جُرِّدا من لباس الجنّة الذي هو لباس الكرامة الإِلهية لهما.

ويستفاد من هذه الآية جيداً أنّهما قبل ارتكابهما لهذه المخالفة لم يكونا عاريين، بل كانا مستورين بلباس لم يرد في القرآن ذكر عن حقيقة ذلك اللباس وكيفيته، ولكنّه على ايّ حال كان يعدّ علامة لشخصية آدم وحواء ومكانتهما واحترامهما، وقد تساقط عنهما بمخالفتهما لأمر الله، وتجاهلهما لنهيه.

على حين تقول التّوراة المحرفة: إِنّ آدم وحواء كانا في ذلك الوقت عاريين بالكامل، ولكنّهما لم يكونا يدركان قبح العري، وعندما ذاقا وأكلا من الشجرة الممنوعة التي كانت شجرة العلم والمعرفة، انفتحت أبصار عقولهما، فرأيا عريهما، وعرفا بقبح هذه الحالة.

إِنّ آدم الذي تصفه التّوراة لم يكن في الواقع إِنساناً، بل كان بعيداً من العلم والمعرفة جداً، إِلى درجة أنّه لم يكن يعرف حتى عريه.

ولكن آدم الذي يصفه القرآن الكريم، لم يكن عارفاً بوضعه فحسب، بل كان واقفاً على أسرار الخلقة أيضاً (عِلم الأسماء)، وكان يُعَدّ معلّم الملائكة، وإِذا ما استطاع الشيطان أن ينفذ فيه فإِنّ ذلك لم يكن بسبب جهله، بل استغلّ الشيطان صفاء نيّته، وطيب نفسه.

ويشهد بهذا القول الآية (27) من نفس هذه السورة، والتي تقول: (يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أُخرج أبوَيكم من الجنّة ينزع عنهما لباسهما).

[594]

وما كتبه بعض الكّتاب المسلمين من أن آدم كان عارياً منذ البداية، فهو خطأ بيّن نشأ ممّا ورد في التّوراة المحرفة.

وعلى كل حال فإِنّ القرآن يقول: إِن آدم وحواء لمّا وجدا نفسيهما عاريين عمدا فوراً إِلى ستر نفسيهما بأوراق الجنّة: (وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنّة)(1).

وفي هذا الوقت بالذات جاءهما نداء من الله يقول: ألم أُحذِّركما من الاقتراب والأكل من هذه الشجرة؟ ألم أقل لكما: إِنّ الشيطان عدوٌّ لكما؟ فلماذا تناسيتم أمري ووقعتم في مثل هذه الأزمة: (وناداهما ربّهما ألم أنهكما عن تلكما الشّجرة وأقل لكما إِنّ الشّيطان لكما عدوّ مبين).

من المقايسة بين تعبير هذه الآية والآية الاُولى التي أجاز الله فيها لآدم وحواء أن يسكنا الجنّة، يستفاد بوضوح أنّهما بعد هذه المعصية ابتعدا عن مقام القرب الإِلهي إِلى درجة أنّ أشجار الجنّة أيضاً اضحت بعيدة عنهما. لأنّه في الآية السابقة تمت الإِشارة إِلى الشجرة بأداة الإِشارة القريبة (هذه الشجرة) وأمّا في هذه الآية فقد استعملت مضافاً إِلى كلمة (نادى) التي هي للخطاب من بعيد، استعملت (تلكما) التي هي للإِشارة إِلى البعيد.

بحوث

إِنّ في هذه الآية نقاطاً لابدّ من التوقف عندها:

1 ـ كيفية وسوسة الشيطان

يستفاد من عبارة (وسوس له) نظراً إِلى حرف اللام (التي تأتي في العادة

_____________________________

1 ـ «يخصفان» من مادة «الخصف» وتعني في الأصل ضم شيء إِلى شيء آخر، والجمع، ثمّ أطلق على ترفيع النعل أو الثواب المتمزق وخياطته فقيل: خصف النعل أو الثوب، أي جمع الأجزاء المتفرقة وضم بعضها إِلى الآخر.

[595]

للفائدة والنفع) أنّ الشيطان كان يتخذ صفة الناصح، والمحبّ لآدم، في حين أن (وسوس إِليه) لا ينطوي على هذا المعنى، بل يعني فقط مجرّد النفوذ والتسلّل الخفيّ إِلى قلب أحد.

وعلى كل حال يجب أن لا يتصور أن الوساوس الشيطانية مهما بغلت من القوة تسلب الإِرادة والإِختيار من الإِنسان، بل يمكن للإِنسان ـ رغم ذلك ـ وبقوّة العقل والإِيمان أن يقف في وجه تلك الوساوس ويقاومها.

وبعبارة أُخرى: إِن الوساوس الشيطانية لا تجبر الإِنسان على المعصية، بل قوّة الإِرادة وحالة الإِختيار باقية حتى مع الوساوس، وإِنّ مقاومتها تحتاج إِلى الاستقامة والصمود الأكثر وربّما إِلى تحمّل الألم والعذاب وكذلك فإِنّ الوساوس الشيطانية لا تسلب المسؤولية عن أحد ولا تجرّده عنها، كما نلاحظ ذلك في آدم. ولهذا نرى أنه رغم جميع العوامل التي حفت بآدم، ودعته إِلى مخالفة أمر الله ونهيه، وشجعته عليها، والتي أقامها الشيطان في طريقه، فإِنّ الله سبحانه اعتبره مسؤولا عن عمله، ولهذا عاقبه على النحو الذي سيأتي بيانه.

2 ـ ماذا كانت الشّجرة الممنوعة؟

جاءت الإِشارة إِلى الشجرة الممنوعة في ست مواضع من القرآن الكريم، من دون أن يجري حديث عن طبيعة أو كيفية أو اسم هذه الشجرة، وأنها ماذا كانت؟ وماذا كان ثمرها؟ بيد أنّه ورد في المصادر الإِسلامية تفسيران لها، أحدهما «ماديّ» وهو أنّها كانت «الحنطة»(1) كما هو المعروف في الرّوايات.

ويجب الإِنتباه إِلى نقطة، وهي أن العرب تطلق لفظة «الشجرة» حتى على النبتة، ولهذا أطلقت ـ في القرآن الكريم ـ لفظة الشجرة على نبتة اليقطين، إِذ قال

_____________________________

1 ـ وللإِطلاع على هذه الرّوايات يراجع تفسير نور الثقلين، المجلد الاوّل، الصفحة 59 و60 والمجلد الثاني، الصفحة 11، في تفسير آيات سورة البقرة وسورة الأعراف.

[596]

سبحانه: (وانبتنا عليه شجرة من يقطين)(1).

والتّفسير الآخر «معنوي» وهو أنّ المقصود من تلك الشجرة ـ كما في الرّوايات ـ هو ما عبّر عنها بـ «شجرة الحسد» لأنّ آدم طبقاً لهذه الرّوايات ـ بعد ملاحظة مكانته ومقامه ـ تصوّر أنّه لا يوجد فوق مقامه مقام، ولا فوق مكانته مكانة، ولكن الله تعال أطلعه على مقام ثلة من الأولياء من ذريته وأبنائه (رسول الإِسلام وأهل بيته)، فحصل عنده ما يشبه الحسد، وكانت هذه هي الشجرة الممنوعة التي أُمر آدم بأن لا يقربها.

وفي الحقيقة تناول آدم ـ طبقاً لهذه الرّوايات ـ من شجرتين، كانت إِحداهما أقلّ منه مرتبةً وأدنى منه منزلة، وقد قادته إِلى العالم المادي، وكانت هي «الحنطة». والأُخرى هي الشجرة المعنوية التي كانت تمثل مقام ثلة من أولياء الله، والذي كان أعلى وأسمى من مقامه ومرتبته، وحيث أنه تعدّى حدّه في كلا الصعيدين ابتلي بذلك المصير المؤلم.

ولكن يجب أن نعلم أن هذا الحسد لم يكن من النوع الحرام منه، بل كان مجرّد إِحساس نفساني من دون أن تتبعه أية خطوة عملية على طبقه.

وحيث إنّ للآيات القرآنية ـ كما أسلفنا مراراً ـ معان متعدّدة، فلا مانع من أن يكون كلا المعنيين مرادين من الآية.

ومن حسن الإِتفاق أنّ كلمة «الشجرة» قد استعملت في القرآن الكريم في كلا المعنيين، فحيناً استعملت في المعنى المادي التعارف للشجرة مثل: (وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن)(2) التي هي إِشارة إِلى شجرة الزيتون، وتارة استعملت في الشجرة المعنوية مثل (والشجرة الملعونة في القرآن) التي يكون المراد منها إِمّا طائفة من المشركين، أو اليهود، أو الأقوام الطاغية الأخرى مثل

_____________________________

1 ـ الصافات، 146.

2 ـ المؤمنون، 20.

[597]

بني أُمية.

على أنّ المفسّرين أبدوا احتمالات متعددة أُخرى حول الشجرة الممنوعة، ولكن ما قلناه هو الأبين والأظهر من الجميع.

ولكن النقطة التي يجب أن نذكِّرَ بها هنا، هي أنه وصفت الشجرة الممنوعة في التّوراة المختلفة ـ المعترف بها اليوم من قِبَل جميع مسيحيي العالم ويهودييه ـ بشجرة العلم والمعرفة وشجرة الحياة(1) تقول التّوراة: إِن آدم لم يكن عالماً ولا عارفاً قبل أكله من شجرة العلم والمعرفة، حتى أنّه لا يعرف ولم يميّز عريه، وعندما أكل من تلك الشجرة، وصار إِنساناً بمعنى الكلمة طرد من الجنّة خشية أن يأكل من شجرة الحياة أيضاً فيخلد كما الآلهة.

وهذا من أوضح القرائن الشاهدة على أنّ التّوراة الرائجة ليست كتاباً سماوياً، بل هي من نسيج العقل البشري القاصر المحدود، الذي يعتبر العلم والمعرفة عيباً وشيناً للإِنسان، ويعتبر آدم بسبب ارتكابه معصية تحصيل العلم والمعرفة مستحقاً للطرد من جنة الله، وكأنّ الجنّة لم تكن مكان العقلاء الفاهمين ومنزل العلماء العارفين!!

ولملفت للنظر أنّ الدّكتور «ويليم ميلر» الذي يُعَدّ من مفسري الإِنجيل القديرين والبارزين بل من مفسّري العهدين (التّوراة والإِنجيل معاً) يقول في كتابه المسمى «ما هي المسيحية»: «إِنّ الشيطان تسلّل إِلى الجنّة في صورة حيّة، وأقنع حواء بأن تأكل من ثمرة تلك الشجرة، ثمّ أعطت حواء من تلك الثمرة إِلى آدم، فأكل منها آدم أيضاً، ولم يكن فعل أبوينا الأوليين مجرّد خطأ عادي، أو غلطة ناشئة من عدم التفكير، بل كان معصية متعمّدة ضدّ الخالق، وبعبارة أُخرى: إِنّ آدم وحواء كانا يريدان بهذا الصنيع أن يصيرا آلهة، إنّهما لم يرغبا في أن يطيعا الله، بل كانا يريدان أن يعملا وفق رغباتهما وميولهما الشخصية، فماذا كانت

_____________________________

1 ـ التّوراة، سفر التكوين الإِصحاح الثاني الفقرة رقم 17.

[598]

النتيجة؟ لقد وبّخهما اللهُ تعالى بشدّة، وأخرجهما من الجنّة، ليعيشا في عالم مليء بالعذاب والألم والمحنة».

لقد أراد مفسّر التّوراة والإِنجيل هذا أن يبرر شجرة التّوراة الممنوعة، ولكنّه نسب أعظم الذنوب وهو مضادة الله ومحاربته ـ إِلى آدم ... أمّا كان من الأفضل أن يعترف ـ بدل إِعطاء مثل هذه التّفسيرات ـ بتطرّق التحريف والتلاعب إِلى هذه الكتب المسماة بالكتب المقدّسة؟!

3 ـ هل ارتكب آدم معصية؟

يستفاد ممّا نقلناه من الكتب المقدَّسة ـ لدى اليهود والنصارى ـ أنّهم يعتقدون بأن آدم ارتكب معصية، بل ترى كتبهم أن معصيته لم تكن معصية عادية، وإِنما كانت معصية كبيرة وإِثماً عظيماً، بل إِن الذي صَدَرَ عن آدم هو مضادة الله والطموح في الألوهية والربوبيّة، ولكن المصادر الإِسلامية ـ عقلا ونقلا ـ تقول لنا: إِنّ الانبياء لايرتكبون إِثماً، وإِنّ منصب إِمامة الناس وهدايتهم لا يُعطى لمن يرتكب ذنباً ويقترف معصية. ونحن نعلم أن آدم كان من الأنبياء الإِلهيين، وعلى هذا الأساس فإِنّ كل ما ورد في هذه الآيات مثل غيرها من التعابير التي جاءت في القرآن حول سائر الأنبياء الذين نسب إِليهم العصيان، جميعها تعني «العصيان النسبي» و«ترك الأَولى» لا العصيان المطلق.

وتوضيح ذلك: أن المعصية على نوعين: «المعصية المطلقة» و«المعصية النسبية»، والمعصية المطلقة هي مخالفة النهي التحريمي، وتجاهل الأمر الإِلهيّ القطعىّ، وهي تشمل كلَّ نوع من أنواع ترك الواجب وإِتيان الحرام.

ولكن المعصية النسبية هي أن يصدر من شخصية كبيرة عمل غير حرام لا يناسب شأنه ولا يليق بمقامه، وربّما يكون إِتيان عمل مباح ـ بل ومستحب ـ لا يليق بشأن الشخصيات الكبيرة، وفي هذه الصورة يُعدّ إِتيان ذلك العمل «معصية

[599]

نسبية»، كما لوساعد مؤمنٌ واسع الثراء فقيراً لإِنقاذه من مخالب الفقر بمبلغ تافه، فإِنه ليس من شك في أنّ هذه المعونة المالية مهما كانت صغيرة وحقيرة لا تكون فعلا حراماً، بل هي أمر مستحب، ولكن كل من يسمع بها يذمُ ذلك الغني حتى كأّنه ارتكب معصية واقترف ذنباً، وذلك لأنّه يتوقّع من مثل هذا الغني المؤمن أن يقوم بمساعدة أكبر.

وإِنطلاقاً من هذه القاعدة وعلى هذا الأساس تقاس الأعمال التي تصدر من الشخصيات الكبيرة بمكانتهم وشأنهم الممتاز، وربّما يطلق على ذلك العمل ـ مع مقايسته بذلك ـ لفظ (العصيان» و«الذنب».

فالصّلاة التي يقوم بها فرد عادي قد تعتبر صلاة ممتازة، ولكنّها تعدّ معصية إِذا صدر مثلها من أولياء الله، لأن لحظة واحدة من الغفلة في حال العبادة لا تناسب مقامهم ولا تليق بشأنهم. بل نظراً لعلمهم وتقواهم ومنزلتهم القريبة يجب أن يكونوا حال عبادة الله تعالى مستغرقين في صفات الله الجمالية والجلالية، وغارقين في التوجه إِلى عظمته وحضرته.

وهكذا الحال في سائر أعمالهم، فإِنّها على غَرار عباداتهم، يجب أن تقاس بمنازلهم وشؤونهم، ولهذا إِذا صدر منهم «ترك الأولى» عوتبوا من جانب الله، والمراد من ترك الأَولى، هو أن يترك الإِنسان فعل ما هو الأفضل، ويعمد إِلى عمل جيد أو مُستحبّ أدنى منه في الفضل.

فإنّنا نقرأ في الأحاديث الإِسلامية أن ما أُصيب به يعقوب من محنةِ فراقِ ولده يوسف، كان لأجل غفلته عن إِطعام فقير صائم وقف على باب بيته عند غروب الشمس يطلب طعاماً، فغفل يعقوب عن اطعامه، فعاد ذلك الفقير جائعاً منكسراً خائباً.

فلو أنّ هذا الصنيع صدر من إِنسان عادي من عامّة الناس لما حظي بمثل هذه الأهمية والخطورة، ولكن يُعدّ صدوره من نبيّ إِلهيٍّ كبير، ومن قائد أُمّة أمراً

[600]

مُهمّاً وخطيراً استتبع عقوبةً شديدةً من جانبِ الله تعالى(1).

إِنّ نهي آدم عن الشجرة الممنوعة لم يكن نهياً تحريمياً، بل كان ترك أَوْلى، ولكن نظراً إِلى مكانة آدم ومقامه ومرتبته عُدَّ صدورُه أمراً مهماً وخطيراً، واستوجب مخالفة هذا النهي (وإِن كان نهياً كراهياً وتنزيهياً) تلك العقوبة والمؤاخذة من جانب الله تعالى.

هذا وقد احتمل بعض المفسّرين ـ أيضاً ـ أنّ نهي آدم عن الشجرة الممنوعة كان «نهياً إِرشادياً» لا نهياً مولوياً، وتوضيح ذلك: أنه قد ينهى الله تعالى عن شيء من منطلق كونه مالك الإِنسان وصاحب أمره ومولاه، وطاعة هذا النوع من النهي واجبة على كل أحد من الناس، وهذا النوع من النهي يسمى نهياً مولوياً.

ولكنّه قد ينهي عن شيء لمجرّد أن ينبه الإِنسان على أن ارتكاب هذا النهي ينطوي على أثر غير محمود تماماً، مثل نهي الطبيب عن الأطعمة المضّرة، ولا شك في أنّ المريض لو خالَفَ الطبيب لا يكون قد أهان الطبيب، ولا أنّه خالف شخصه، بل يكون بتجاهله نهيَ الطبيب قد تجاهَلَ إِرشاده، وجرّ إِلى نفسه التَعَب والنَصَب.

وفي قصة آدم أيضاً قال الله تعالى له: إِنّ نتيجة الأكل من الشجرة الممنوعة هي الخروج من الجنّة، والوقوع في التعب والنصب، وكان هذا مجرّد إرشاد وليس أمراً، وبهذا فإِنّ آدم خالفَ نهياً إِرشادياً فقط، لا أنّه أتى عصياناً وذنباً واقعياً.

ولكنَ التّفسير الأوّل أصحّ، لأنَّ النهي الإِرشاديّ لا يحتاج إِلى مغفرة، في حين أنَّ آدم ـ ما سنقرأ في الآية اللاحقة ـ يطلب من الله تعالى الغفران، هذا مضافاً إِلى أنّ فترة الجنّة كانت تعدّ فترةً تدريبية وتعليمية بالنسبة لآدم ...، فترة الوقوف على التكاليف والأوامر والنواهي الإِلهية ... فترة معرفة الصّديق والعدو ... فترة

_____________________________

1 ـ نور الثقلين، المجلد الثاني ص 411، نقلا عن كتاب علل الشرائع.

[601]

الوقوف على نتائج العصيان وثمرة مخالفة الأمر الإِلهي واتباع الشيطان وقبول وساوسه، ونحن نعلم أنّ النهي الإِرشادي ليس في حقيقته تكليفاً، ولا ينطوي على تعهّد، ولا يورث مسؤولية.

وفي خاتمة هذا البحث نذكّر القارىء بأنّ كلمة «النهي» و«العصيان» و«الغفران» و«الظلم» تبدو في بادىء النظر وكأنها تعطي معنى المعصية المطلقة والذنب الحقيقي وآثاره، ولكن نظراً لمسألة عصمة الأنبياء الثابتة بالدليل العقلي والنقلي تُحمل جميع هذه التعابير على «العصيان النسبيّ» وهذا الأمر لا يبدو بعيداً عن ظاهر اللفظ بالنظر إِلى منزلة آدم وسائر الأنبياء العظيمة وسموّ مقامه.

* * *

[602]

الآيات

قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَـسِرِينَ(23) قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْض عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِى الاَْرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَـعٌ إِلَى حِين(24) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ(25)

التّفسير

رجوع آدم إِلى الله وتوبته:

وفي المآل عندما عرفَ آدم وحواء بكيد إِبليس، وخطّته ومكره الشيطاني، ورأيا نتيجة مخالفتهم فكرا في تلافي ما فات، وجبران ما صدر منهما، فكانت أوّل خطوة خطياها هي: الاعتراف بظلمهما لنفسيهما أمام الله: (قالا ربَّنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين).

والخطوة الأولى في سبيل التوبة والإِنابة إِلى الله وإِصلاح المفاسد هي: أن ينزل الإِنسان عن غروره ولجاجه، ويعترف بخطأه اعترافاً بَنَّاءً واقعاً في سبيل التكامل.

والملفت للنظر أن آدم وحواء يُظهران أدَباً كبيراً مع الله في توبتهما وطلبهما العفو والغفران منه تعالى فلم يقولا: ربنا اغفر لنا، بل يقولان: (إِن لم تغفر لنا

[603]

وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين).

ولا شك أنّ مخالفة أوامر الله ونواهيه ظلم يورده الإِنسان على نفسه، لأنّ جميع البرامج والأوامر الإِلهية تهدف إِلى خير الإِنسان، وتتكفل سعادته وتقدمه، وعلى هذا الأساس فإِنّ أية مخالفة من جانب الإِنسان تكون مخالفة لتكامل نفسه، وسببا لتأخرها وسقوطها، وآدم وحواء وإِن لم يذنبا ولم يرتكبا معصية، ولكن نفس هذا الترك للأولى أنزلهما من مقامهما الرفيع، واستوجب حطّ منزلتهما.

إِنّ توبة آدم وحواء الخالصة وإِن قُبِلت من جانب الله تعالى ـ كما نقرأ ذلك في الآية (37) من سورة البقرة (فتاب الله) ـ ولكنّهما لم يستطيعا على كل حال التخلص من الأثر الوضعي والنتيجة الطبيعة لعملهما، فقد أُمِرا بمغادرة الجنّة، وشمل هذا الأمر الشيطان أيضاً: (قال اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ ولكم في الأرض مستقر ومتاع إِلى حين).

كما ذكّر الجميع بأنّهم سيتعرضون في الأرض للموت بعد الحياة، ثمّ يخرجون من الأرض مرّة أُخرى للحساب (قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون).

والظاهر أن المخاطبين في هذه الآية: (قلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو)هم آدم وحواء وإِبليس جميعاً، ولكن لا يبعد أن يكون المخاطبين في الآية اللاحقة هم آدم وحواء فقط لأنّهما هما اللذان يخرجان من الأرض.

قصّة آدم ومستقبل هذا العالم:

إِن ببعض المفسّرين الذين تأثروا بموجة الأفكار الغربية الإِلحادية عادة، وحاولوا أن يضفوا على قصّة آدم وحواء من بدايتها إِلى نهايتها طابع التشبيه والكناية والمجازية، أو ما يسمّى الآن بالرمزية، ويحملوا جميع الألفاظ المتعلقة بهذه الحادثة ـ على خلاف الظاهر ـ على الكناية عن المسائل المعنوية.

ولكن الذي لا شك فيه أن ظاهر هذه الآيات يحكي عن حادثة واقعية عينية وقعت لأبينا وأُمنا الأوّلين: آدم وحواء، وحيث أن هذه القصّة لا تتضمن أية نكتة

 




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 200

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 9082980

  • التاريخ : 29/09/2020 - 10:16

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net