00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة الانبياء من آية 34 ـ 73 من ( ص 162 ـ 207 )  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل (الجزء العاشر)   ||   تأليف : سماحة آية الله العظمى الشيخ مكارم الشيرازي

[ 162  ]

الآيتان

وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَر مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ الْخَـلِدُونَ(34) كُلُّ نَفْس ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ(35)

التّفسير

الموت يتربّص بالجميع:

قرأنا في الآيات السابقة أنّ المشركين قد تشبّثوا بمسألة كون النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بشراً من أجل التشكيك بنبوّته، وكانوا يعتقدون أنّ النّبي يجب أن يكون ملكاً وخالياً من كلّ العوارض البشريّة.

إنّ الآيات ـ محلّ البحث ـ أشارت إلى بعض إشكالات هؤلاء، فهم يشيعون تارةً أنّ إنتفاضة النّبي (وفي نظرهم شاعر) لا دوام لها، وسينتهي بموته كلّ شيء، كما جاء في الآية (30) من سورة الطور: (أم يقولون شاعر نتربّص به ريب المنون).

وكانوا يظنّون تارةً أُخرى أنّ هذا الرجل لمّا كان يعتقد أنّه خاتم النبيّين، فيجب أن لا يموت أبداً ليحفظ دينه، وبناءً على هذا فإنّ موته في المستقبل

[ 163  ]

سيكون دليلا على بطلان إدّعائه. فيجيبهم القرآن في أوّل آية بجملة قصيرة فيقول: (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد).

إنّ قانون الخلقة هذا لا يقبل التغيير، أي انّه لا يكتب لأحد الخلود، وإذا كان هؤلاء يفرحون بموتك: (أفإن مت فهم الخالدون).

ربّما لا نحتاج إلى توضيح أنّ بقاء الشريعة والدين لا يحتاج إلى بقاء الرسول. فإنّ شرائع إبراهيم وموسى وعيسى (عليهم السلام) وإن لم تكن خالدة، إلاّ أنّها بقيت بعد وفاة هؤلاء الأنبياء العظام (وبالنسبة لعيسى فإنّ شريعته إستمرت بعد صعوده إلى السّماء) لقرون طويلة. وبناءً على هذا فإنّ خلود المذهب لا يحتاج إلى حراسة النّبي الدائمة له، فمن الممكن أن يستمر خلفاؤه في إقامة دينه والسير على خطاه.

وأمّا ما تصوّره اُولئك من أنّ كلّ شيء سينتهي بموت النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّهم أخطأوا في ظنّهم، لأنّ هذا الكلام يصحّ في المسائل التي تقوم بالشخص. والإسلام لم يكن قائماً بالنّبي ولا بأصحابه. فقد كان ديناً حيّاً ـ ينطلق متقدّماً بحركة الذاتية الداخلية ويخترق حدود الزمان والمكان ويواصل طريقه!

ثمّ يذكر قانون الموت العامّ الذي يصيب كلّ النفوس بدون إستثناء فيقول: (كلّ نفس ذائقة الموت).

ويجب أن نذكّر بأنّ لفظة (النفس) قد استعملت في القرآن بمعان مختلفة، فأوّل معنى للنفس هو الذات، وهذا المعنى واسع يطلق حتّى على ذات الله المقدّسة، كما نقرأ: (كتب على نفسه الرحمة)(1).

ثمّ إستعملت هذه الكلمة في الإنسان، أي مجموع جسمه وروحه، مثل: (من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنّما قتل الناس جميعاً)(2).

___________________________

1 ـ الأنعام، 12.

2 ـ المائدة، 32.

[ 164  ]

وإستعملت أحياناً في خصوص روح الإنسان كما في (أخرجوا أنفسكم)(1).

ومن الواضح أنّ المراد من النفس في الآيات التي نبحثها هو المعنى الثّاني، وبناءً على هذا فإنّ المراد هو بيان قانون الموت العام في حقّ البشر، وبذلك  لا يبقى مجال للإشكال على الآية بأنّ التعبير بالنفس يشمل الله أو الملائكة أيضاً فكيف نخصّص الآية ونخرج الله والملائكة منها؟(2).

وبعد ذكر قانون الموت الكلّي يطرح هذا السؤال، وهو: ما هو الهدف من هذه الحياة الزائلة؟ وأي فائدة منها؟

فيقول القرآن حول هذا الكلام: (ونبلوكم بالشرّ والخير فتنة وإلينا ترجعون)أي إنّ مكانكم الأصلي ليس هو هذه الدنيا، بل هو مكان آخر، وإنّما تأتون هنا لتؤدّوا الإختبار و «الإمتحان»، وبعد إكتسابكم التكامل اللازم سترجعون إلى مكانكم الأصلي وهو الدار الآخرة.

وممّا يسترعي النظر أنّ «الشرّ» مقدّم على «الخير» من بين المواد الإمتحانية، وينبغي أن يكون كذلك، لأنّ الإمتحان الإلهي وإن كان تارةً بالنعمة وأُخرى بالبلاء، إلاّ أنّ من المسلّم أنّ الإمتحان بالبلاء أشدّ وأصعب.

وأمّا «الشرّ» فإنّه لا يعني مطلق الشرّ، لأنّ الفرض أنّ هذا الشرّ عبارة عن وسيلة للإختبار والتكامل، وبناءً على هذا فإنّ المراد هو الشرّ النسبي، وأساساً  لا يوجد شرّ مطلق في مجموع عالم الوجود بالنظرة التوحيديّة الصحيحة!

ولذلك نقرأ في حديث أنّ أمير المؤمنين علياً (عليه السلام) مرض يوماً فجاء جمع من أصحابه لعيادته، فقالوا: كيف نجدك يا أمير المؤمنين؟ قال: «بشرّ»! قالوا: ما هذا كلام مثلك؟! قال: «إنّ الله تعالى يقول: ونبلوكم بالشرّ والخير فتنة، فالخير الصحّة والغنى، والشرّ المرض والفقر».

___________________________

1 ـ الأنعام، 93.

2 ـ الميزان، الجزء 14، ص312.

[ 165  ]

ويبقى هنا سؤال مهمّ، وهو: لماذا يختبر الله عباده؟ وماذا يعني الإختبار من قِبل الله؟ وقد ذكرنا جواب هذا السؤال في ذيل الآية (155) من سورة البقرة، وقلنا: إنّ الإمتحان من الله تعالى لعباده يعني تربيتهم. طالعوا التفصيل الكامل لهذا الموضوع هناك.

* * *

[ 166  ]

الآيات

وَإِذَا رَءَاكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَـذَا الَّذِى يَذْكُرُ ءَالِهَتَكُمْ وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمَـنِ هُمْ كَـفِرُونَ(36) خُلِقَ الإِنسَـنُ مِنْ عَجَل سَأُوْرِيكُمْ ءَايَتِى فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ(37)وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـدِقِينَ(38) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ(39) بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ  فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ(40)

التّفسير

خلق الإنسان من عَجَل!

نواجه في هذه الآيات مرّة أُخرى، بحوثاً أُخرى حول موقف المشركين من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث يتّضح نمط تفكيرهم المنحرف في المسائل الاُصولية، فتقول أوّلا: (وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلاّ هزواً) فهؤلاء لا عمل لهم إلاّ السخرية والإستهزاء، ويشيرون إليك بعدم إكتراث ويقولون: (أهذا الذي يذكر

[ 167  ]

آلهتكم(1) وهم بذكر الرحمن هم كافرون).

ممّا يثير العجب هو إنّه لو إزدرى أحدٌ هذه الأصنام الخشبية والحجرية (وما هو بمزدر لها، بل يُفصح عن حقيقتها) فيقول: إنّ هذه موجودات لا روح فيها ولا شعور ولا قيمة لها، لتعجبوا منه، أمّا إذا جحد أحدهم ربّه الرحمن الرحيم الذي عمّت آثار رحمته وعظمته الأرض والسّماء وما من شيء إلاّ وفيه دليل على عظمته ورحمته، لما أثار إعجابهم!!

نعم، إنّ الإنسان إذا إعتاد أمراً وتطبّع عليه وتعصّب له فإنّه سيتقدّس في نظره وإن كان أسوء الاُمور، وإذا عادى شيئاً فسيبدو سيّئاً في نظره تدريجيّاً وإن كان أجمل الاُمور وأحبّها.

ثمّ تشير إلى أمر آخر من الاُمور القبيحة لدى هذا الإنسان المتحلّل، فتقول: (خلق الإنسان من عجل). وبالرغم من إختلاف المفسّرين في تفسير كلمتي (إنسان) و (عجل)، ولكن من المعلوم أنّ المراد من الإنسان هنا نوع الإنسان ـ طبعاً الإنسان المتحلّل والخارج عن هداية القادة الإلهيين وحكومتهم ـ والمراد من «عجل» هي العجلة والتعجيل، كما تشهد الآيات التالية على هذا المعنى، وكما نقرأ في مكان آخر من القرآن: (وكان الإنسان عجولا)(2).

إنّ تعبير (خلق الإنسان من عجل) في الحقيقة نوع من التأكيد، أي إنّ الإنسان عجول إلى درجة كأنّه خلق من العجلة، وتشكّلت أنسجته ووجوده منها! وفي الواقع، فإنّ كثيراً من البشر العاديين هم على هذه الشاكلة، فهم عجولون في الخير وفي الشرّ، وحتّى حين يقال لهم: إذا ارتكبتم المعاصي وكفرتم سيأخذكم العذاب الإلهي، فإنّهم يقولون: فلماذا لا يأتي هذا العذاب أسرع؟!

___________________________

1 ـ العجيب هنا أنّ هؤلاء كانوا يقولون (أهذا الذي يذكر آلهتكم) ولم يرضوا أن يذكروا في عبارتهم كلمة (سوء) فيقولون: يذكر آلهتكم بسوء!

2 ـ الإسراء، 11.

[ 168  ]

وتضيف الآية في النهاية: (سأريكم آياتي فلا تستعجلون).

التعبير بـ (آياتي) هنا يمكن أن يكون إشارة إلى آيات العذاب وعلاماته والبلاء الذي كان يهدّد به النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مخالفيه، ولكن هؤلاء الحمقى كانوا يقولون مراراً: فأين تلك الإبتلاءات والمصائب التي تخوّفنا بها؟ فالقرآن الكريم يقول:  لا تعجلوا فلا يمضي زمن طويل حتّى تحيط بكم.

وقد يكون إشارة إلى المعجزات التي تؤيّد صدق نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم)، أي إنّكم لو صبرتم قليلا فستظهر لكم معجزات كافية.

ولا منافاة بين هذين التّفسيرين، لأنّ المشركين كانوا عجولين في كليهما، وقد أراهم الله كليهما، وإن كان التّفسير الأوّل يبدو هو الأقرب والأنسب مع الآيات التالية.

ثمّ يشير القرآن إلى إحدى مطالب اُولئك المستعجلين فيقول: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) فهؤلاء كانوا ينتظرون قيام القيامة بفارغ الصبر، وهم غافلون عن أنّ قيام القيامة يعني تعاستهم وشقاءهم المرير، ولكن ماذا يمكن فعله؟ فإنّ الإنسان العجول يعجّل حتّى في قضيّة تعاسته وفنائه؟

والتعبير بـ(إن كنتم صادقين) بصيغة الجمع مع أنّ المخاطب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، من أجل أنّهم أشركوا أنصاره وأتباعه الحقيقيّين في الخطاب، فكأنّهم أرادوا أن يقولوا: إنّ عدم قيام القيامة دليل على أنّكم كاذبون جميعاً.

وتجيبهم الآية التالية فتقول: (لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفّون عن وجوههم النّار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون).

إنّ التعبير بـ «الوجوه» و «الظهور» في الآية محلّ البحث إشارة إلى أنّ جهنّم ليست ناراً تحرقهم من جهة واحدة، بل إنّ وجوه هؤلاء وظهورهم في النّار، فكأنّهم غرقوا ودفنوا في وسط النّار!

وجملة (ولا هم ينصرون) إشارة إلى أنّ هذه الأصنام التي يظنّون أنّها

[ 169  ]

ستكون شفيعة لهم وناصرة، لا تقدر على أي شيء.

ممّا يلفت النظر أنّ العقوبة الإلهيّة لا يعيّن وقتها دائماً (بل تأتيهم بغتةً فتبهتهم فلا يستطيعون ردّها) وحتّى إذا استمهلوا، وطلبوا التأخير على خلاف ما كانوا يستعجلون به إلى الآن، فلا يجابون (ولا هم ينظرون).

* * *

ملاحظتان

1 ـ بملاحظة الآيات آنفك الذكر يُثار هذا السؤال، وهو: إذا كان الإنسان عجولا بطبيعته، فلماذا ينهى الله ـ سبحانه عن العجلة ويقول: (فلا تستعجلون)؟ أليس هذا تناقضاً بين الإثنين؟

ونقول في الجواب: إنّنا إذا لاحظنا أصل إختيار وحرية إرادة الإنسان، وكون صفاته ومعنوياته وخصائصه الأخلاقيّة قابلة للتغيير، فسيتّضح أن لا تضادّ في الأمر، حيث يمكن تغيير هذه الحالة بالتربية وتزكية النفس.

2 ـ جملة (بل تأتيهم بغتةً فتبهتهم) قد تشير إلى أنّ عذاب القيامة وعقوباتها تختلف جميعها عن عذاب الدنيا، فنقرأ مثلا حول النّار: (نار الله الموقدة التي تطّلع على الأفئدة)(1)، أو نقرأ في شأن وقود النّار: (وقودها الناس والحجارة)(2).

ومثل هذه التعبيرات توحي بأنّ نار جهنّم تأتي على حين غفلة فتُبهت الناس.

* * *

___________________________

1 ـ سورة الهمزة، 7.

2 ـ البقرة، 24.

[ 170  ]

الآيات

وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُل مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ(41) قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَـنِ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِم مُّعْرِضُونَ(42) أَمْ لَهُمْ ءَالِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلاَ هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ(43) بَلْ مَتَّعْنَا هَـؤُلاَءِ وَءَابَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى الاَْرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهِا أَفَهُمُ الْغَـلِبُونَ(44) قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْىِ وَلاَ يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ(45)

التّفسير

لاحظنا في الآيات السابقة أنّ المشركين والكفّار كانوا يستهزؤون برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا دأب كلّ الجهّال المغرورين، إنّهم يأخذون الحقائق المهمّة الجديّة مأخذ الهزل والإستهزاء.

فتقول الآية الأُولى تسلية للنّبي: لست الوحيد الذي يستهزأ به (ولقد

[ 171  ]

استهزىء برسل من قبلك) ولكن في النهاية نزل بهم العذاب الذي كانوا يستهزؤن به (فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤون) وبناءً على هذا فلا تدع للغمّ والحزن إلى نفسك طريقاً، وينبغي أن لا تترك مثل أعمال الجاهلين هذه أدنى أثر في روحك الكبيرة، أو تخلّ بإرادتك الحديديّة الصلبة.

وتقول الآية التالية: قل لهم إنّ أحداً لا يدافع عنكم أمام عذاب الله في القيامة، بل وفي هذه الدنيا: (قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن) أي من عذابه،  فلو أنّ الله سبحانه لم يجعل السّماء ـ أي الجوّ المحيط بالأرض سقفاً محفوظاً كما مرّ في الآيات السابقة ـ لكان هذا وحده كافياً أن تتهاوى النيازك وتُمطركم الأجرام السماوية بأحجارها ليل نهار.

إنّ الله الرحمن قد أولاكم من محبّته أن جعل جنوداً متعدّدين لحفظكم وحراستكم، بحيث لو غفلوا عنكم لحظة واحدة لصبّ عليكم سيل البلاء.

ممّا يستحقّ الإنتباه أنّ كلمة «الرحمن» قد إستعملت مكان (الله) في هذه الآية، أي انظروا إلى أنفسكم كم إقترفتم من الذنوب حتّى أغضبتم الله الذي هو مصدر الرحمة العامّة؟!

ثمّ تضيف: (بل هم عن ذكر ربّهم معرضون) فلا هم يصغون إلى مواعظ الأنبياء ونصحهم، ولا تهزّ قلوبهم نعم الله وذكره، ولا يستعملون عقولهم لحظة في هذا السبيل.

ثمّ يسأل القرآن الكريم: أي شيء يعتمد عليه هؤلاء الكافرين الظالمين والمجرمين في مقابل العقوبات الإلهيّة؟ (أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منّا يصحبون)(1) فهذه الأصنام لا تستطيع أن تنقذ نفسها من

___________________________

1 ـ «يصحبون» من باب الأفعال، وفي الأصل يعني أن يجعلوا شيئاً تحت تصرّفهم بعنوان المساعدة والحماية، وهو هنا يعني أنّ هذه الأصنام لا تملك الدفاع ذاتياً، ولا وضعت تحت تصرفها مثل هذه القوّة من قبل الله تعالى، ونحن نعلم أنّ أيّة قوّة دفاعية في عالم الوجود إمّا أن تنبع من ذات الشيء، أو تمنح له من قبل الله تعالى. أي أنّها إمّا ذاتية أو عرضية.

[ 172  ]

العذاب، ولا تكون مصحوبة بتأييدنا ورحمتنا.

ثمّ أشارت الآية التالية إلى أحد علل تمرّد وعصيان الكافرين المهمّة، فتقول: (بل متّعنا هؤلاء وآباءهم حتّى طال عليهم العمر) إلاّ أنّ هذا العمر الطويل والنعم الوفيرة بدل أن تحرّك فيهم حسّ الشكر والحمد، ويطأطئوا رؤوسهم لعبودية الله، فإنّها أصبحت سبب غرورهم وطغيانهم.

ولكن ألا يرى هؤلاء أنّ هذا العالم ونعمه زائلة؟ (أفلا يرون أنّا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها)؟ فإنّ الأقوام والقبائل تأتي الواحدة تلو الاُخرى وتذهب، وليس للأفراد الصغار والكبار عمر خالد، والجميع سيصيبهم الفناء، والأقوام الذين كانوا أشدّ منهم وأقوى وأكثر تمردّاً وعصياناً أُودعوا تحت التراب، وفي ظلام القبور، وحتّى العلماء والعظماء الذين كان بهم قوام الأرض قد أغمضوا أعينهم وودّعوا الدنيا! ومع هذا الحال (أفهم الغالبون)؟

وقد إختلف المفسّرون في المراد من جملة (إنّا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها):

1 ـ فقال بعضهم: إنّ المراد هو أنّ الله ينقص تدريجيّاً من أراضي المشركين ويضيفها على بلاد المسلمين. إلاّ أنّه بملاحظة كون هذه السورة نزلت في مكّة، ولم يكن للمسلمين تلك الفتوحات، فإنّ هذا التّفسير يبدو غير مناسب.

2 ـ وقال بعض آخر: إنّ المقصود هو خراب وإنهدام الأراضي بصورة تدريجيّة.

3 ـ وبعض يعتبرونها إشارة إلى سكّان الأرض.

4 ـ وذكر بعض أنّ المراد من أطراف الأرض هو العلماء خاصّة.

إلاّ أنّ الأنسب من كلّ ذلك، أنّ المراد من الأرض هو شعوب بلدان العالم المختلفة، والأقوام والأفراد الذين يسيرون نحو ديار العدم بصورة تدريجيّة ودائمة، ويودعون الحياة الدنيا، وبهذا فإنّه ينقص دائماً من أطراف الأرض.

[ 173  ]

وقد فسّرت هذه الآية في بعض الرّوايات التي رويت عن أهل البيت (عليهم السلام)بموت العلماء، فيقول الإمام الصادق (عليه السلام): «نقصانها ذهاب عالمها».

ومن المعلوم أنّ هذه الرّوايات ـ عادةً ـ تبيّن مصاديق واضحة، لا أنّها تحصر مفهوم الآية في أفراد معينين. وبهذا فإنّ الآية تريد أن تبيّن أنّ موت الكبار والعظماء والأقوام درس وعبرة للكافرين المغرورين الجاهلين ليعلموا أنّ محاربة الله تعالى لا تنتج سوى الإندحار.

ثمّ تقرّر الآية حقيقة أنّ وظيفة النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هي إنذار الناس عن طريق الوحي الإلهي، فتوجّه الخطاب إلى النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فتقول: (قل إنّما أنذركم بالوحي) وإذا لم يؤثّر في قلوبكم القاسية، فلا عجب من ذلك، وليس ذلك دليلا على نقص الوحي الإلهي، بل السبب هو (ولا يسمع الصمّ الدعاء إذا ما ينذرون).

إنّ الاُذن السميعة يلزمها أن تسمع كلام الله، أمّا الآذان التي أصمّتها حجب الذنوب والغفلة والغرور فلا تسمع الحقّ مطلقاً.

* * *

[ 174  ]

الآيتان

وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَـوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَلِمِينَ (46) وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَـمَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّة مِّنْ خَرْدَل أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ (47)

التّفسير

موازين العدل في القيامة:

بعد أن كانت الآيات السابقة تعكس حالة غرور وغفلة الأفراد الكافرين، تقول الآية الأُولى أعلاه: إنّ هؤلاء المغرورين لم يذكروا الله يوماً في الرخاء، ولكن: (ولئن مسّتهم نفحة من عذاب ربّك ليقولنّ ياويلنا إنّا كنّا ظالمين).

كلمة (نفحة) تعني برأي المفسّرين وأرباب اللغة: الشيء القليل، أو النسيم اللطيف، وبالرغم من أنّ هذه الكلمة تستعمل غالباً في نسمات الرحمة والنعمة غالباً، إلاّ أنّها تستعمل في مورد العذاب أيضاً(1).

___________________________

1 ـ تفسير الفخر الرازي، تفسير في ظلال القرآن، ومفردات الراغب ذيل الآية مادّة (نفحة).

[ 175  ]

وعلى قول تفسير الكشّاف فإنّ جملة (ولئن مسّتهم نفحة ...) تتضمّن ثلاثة تعابير كلّها تشير إلى القلّة: التعبير بالمسّ، والتعبير بالنفحة، من ناحية اللغة، ومن ناحية الوزن والصيغة أيضاً(1).

والخلاصة: إنّ ما يريد أن يقوله القرآن الكريم هو: إنّ هؤلاء الذين عميت قلوبهم يسمعون كلام النّبي ومنطق الوحي سنين طويلة، ولا يؤثّر فيهم أدنى تأثير، إلاّ أنّهم عندما تلهب ظهورهم سياط العذاب ـ وإن كانت خفيفة يسيرة ـ سيصرخون (إنّا كنّا ظالمين) ألا ينبغي لهؤلاء أن ينتبهوا قبل أن تصيبهم سياط العذاب؟

ولو انتبهوا حينئذ، فما الفائدة؟ فإنّ هذه اليقظة الإضطرارية لا تنفعهم، وإذا ما هدأت فورة العذاب واطمأنّوا فإنّهم سيعودون إلى ما كانوا عليه!

أمّا الآية الأخيرة التي نبحثها فتشير إلى حساب القيامة الدقيق، وجزائها العادل، ليعلم الكافرون والظالمون أنّ العذاب على فرض أنّه لم يعمّهم في هذه الدنيا، فإنّ عذاب الآخرة حتمي، وسيحاسبون على جميع أعمالهم بدقّة، فتقول: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة).

«القسط» يعني أحياناً عدم التبعيض، وأحياناً يأتي بمعنى العدالة بصورة مطلقة، وما يناسب المقام هو المعنى الثّاني.

وممّا يلفت النظر أنّ «القسط» هنا ذكر كصفة للموازين، وهذه الموازين دقيقة ومنظّمة إلى الحدّ الذي تبدو وكأنّها عين العدالة(2).

ولهذا تضيف مباشرةً: (فلا تظلم نفس شيئاً) فلا ينقص من ثواب المحسنين شيء، ولا يضاف إلى عقاب المسيئين شيء.

إلاّ أنّ نفي الظلم والجور هذا لا يعني عدم الدقّة في الحساب، بل (وإن كان

___________________________

1 ـ المصدر السابق.

2 ـ مع أنّ «موازين» جمع، و «قسط» مفرد، إلاّ أنّ (القسط) مصدر، والمصدر لا يجمع، فليس هنا إشكال.

[ 176  ]

مثقال حبّة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين).

«الخردل» نبات له حبّة صغيرة جدّاً يضرب المثل بها في الصغر والحقارة.

وجاء نظير هذا التعبير في موضع آخر من القرآن بتعبير (مثقال ذرّة)(1).

وممّا يستحقّ الإنتباه أنّه قد عُبّر في ستّ مواضع من القرآن بـ(مثقال ذرّة)وفي موضعين بـ(مثقال حبّة من خردل). وفي الحقيقة فإنّ الآية آنفة الذكر مع التعابير الست المختلفة تأكيد على مسألة المحاسبة الدقيقة في يوم القيامة.

إنّ كلمة «موازين»، وبصيغة الجمع، وبعدها ذكر وصف «القسط»، وبعده التأكيد على نفي الظلم (فلا تظلم نفس شيئاً) وبعد ذلك ذكر كلمة «شيئاً» ثمّ التمثيل بحبّة الخردل، وأخيراً جملة (وكفى بنا حاسبين) كلّ هذه أدلّة على أنّ حساب يوم القيامة دقيق جدّاً، وخال من أي نوع من الظلم والجور.

أمّا ما المراد من الموازين؟

بعض المفسّرين ظنّوا أنّ هناك موازين كموازين هذه الدنيا تُنصب، ثمّ فرضوا بعد ذلك أنّ لأعمال الإنسان هناك وزناً وثقلا ليمكن وزنها بتلك الموازين.

إلاّ أنّ الصحيح هو أنّ الميزان هنا يعني وسيلة قياس الوزن، ومن المعلوم أنّ لكلّ شيء مقياس وزن متناسب معه، كميزان الحرارة، وميزان الهواء، والموازين الاُخرى الذي يتناسب كلّ منها مع الموضوع الذي يريدون قياسه بها.

ونقرأ في الرّوايات الإسلامية أنّ موازين الحساب في القيامة هم الأنبياء والأئمّة والصالحون الذين لا توجد نقطة سوداء في صحيفة أعمالهم(2). فنقرأ: «السلام على ميزان الأعمال»! وتجد التوضيح والتفصيل بصورة أوسع حول هذا الموضوع ذيل الآية (8) من سورة الأعراف.

إنّ ذكر الموازين بصيغة الجمع لعلّه إشارة إلى هذا المعنى أيضاً، لأنّ رجال

___________________________

1 ـ الزلزال، 7.

2 ـ بحار الأنوار، ج7، ص252.

[ 177  ]

الحقّ كلّ منهم ميزان لأعمال البشر، فمضافاً إلى أنّ جميعهم ممتازون، فإنّ لكلّ منهم إمتيازاً خاصّاً بحيث يعتبر في تلك المرتبة مقياساً ومثلا. وبتعبير آخر: فإنّ كلّ من يشبه هؤلاء إلى حدّ ما، وتنسجم صفاته وأعماله وصفات وأعمال العظماء، فإنّ وزنه سيثقل بذلك المقدار، وكلّما إبتعدت وإختلفت فسيخفّ وزنه.

* * *

[ 178  ]

الآيات

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَـرُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْراً لِّلْمُتَّقِينَ(48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ(49) وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَـهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ(50)

التّفسير

لمحة من قصص الأنبياء:

ذكرت هذه الآيات وما بعدها جوانب من حياة الأنبياء المشفوعة باُمور تربوية بالغة الأثر، وتوضّح البحوث السابقة حول نبوّة الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)ومواجهته المخالفين بصورة أجلى مع ملاحظة الاُصول المشتركة الحاكمة عليها.

تقول الآية الأُولى: (ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياءً وذكراً للمتّقين).

«الفرقان» يعني في الأصل الشيء الذي يميّز الحقّ عن الباطل، وهو وسيلة لمعرفة الإثنين. وقد ذكروا هنا تفاسير متعدّدة في المراد من الفرقان في هذه الآية.

فقال بعضهم: إنّ المراد التوراة.

والبعض إعتبره إنشقاق البحر لبني إسرائيل، والذي كان علامة واضحة على

[ 179  ]

عظمة الحقّ وأحقّية موسى. في حين أنّ البعض إعتبره إشارة إلى سائر المعجزات والدلائل التي كانت بيد موسى وهارون(عليهما السلام).

غير أنّ هذه التفاسير لا منافاة بينها مطلقاً، لأنّ من الممكن أن يكون الفرقان إشارة إلى التوراة، وإلى سائر معجزات ودلائل موسى (عليه السلام).

وقد أطلق الفرقان في سائر الآيات على نفس القرآن أيضاً، مثل: (تبارك الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً)(1)

وأحياناً يعبّر عن الإنتصار الإعجازي الذي ناله النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، كما قال في شأن معركة بدر: (يوم الفرقان)(2)

أمّا كلمة «الضياء» فتعني النور الذي ينبع من ذات الشيء، ومن المسلّم أنّ القرآن والتوراة ومعجزات الأنبياء كانت كذلك(3).

«الذكر» هو كلّ موضوع يبعد الإنسان عن الغفلة، وهذا أيضاً من آثار الكتب السماوية والمعجزات الإلهيّة الواضحة.

إنّ ذكر هذه التعابير الثلاثة متعاقبة ربّما كان إشارة إلى أنّ الإنسان من أجل أن يصل إلى هدفه يحتاج أوّلا إلى الفرقان، أي أن يشخّص الطريق الأصلي عند مفترق الطرق، فإذا شخّص طريقه يحتاج إلى ضياء ونور ليتحرّك في ذلك الطريق ويستمرّ فيه، وقد تعترضه موانع أهمّها الغفلة، فيحتاج إلى ما يذكره ويحذّره دائماً.

وممّا ينبغي الإلتفات إليه ورود لفظ «الفرقان» معرفةً، وورود كلمتي [ضياءً وذكراً] نكرتين في الآية محلّ البحث، وعُدّ أثرهما خاصّاً بالمتّقين، ولعلّ هذا التفاوت إشارة إلى أنّ المعجزات والخطابات السماوية تضيء الطريق للجميع، إلاّ أنّ من ينتفع من الضياء والذكر ليس جميع الناس، بل الذين يحسّون بالمسؤولية،

___________________________

1 ـ الفرقان، 1.

2 ـ الأنفال، 41.

3 ـ لقد أوضحنا الفرق بين «الضياء» و «النور» بصورة أكثر تفصيلا في ذيل الآية (5) من سورة يونس.

[ 180  ]

وعلى جانب من التقوى.

ثمّ تعرف الآية التالية المتّقين بأنّهم (الذين يخشون ربّهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون).

ولكلمة «الغيب» هنا تفسيران: الأوّل: إنّه إشارة إلى ذات الله المقدّسة، أي مع أنّ الله سبحانه غائب عن الأنظار، فإنّ هؤلاء آمنوا به بدليل العقل، ويحسّون بالمسؤولية أمام ذاته المقدّسة.

والآخر: إنّ المتّقين لا يخافون الله في العلانية وبين المجتمع فقط، بل يعلمون أنّه حاضر وناظر إليهم حتّى في خلواتهم.

وممّا يلفت النظر، أنّه عبّر عن الخوف أمام الله بالخشية، وفي شأن القيامة بالإشفاق، إنّ هذين اللفظين وإن كان كلاهما بمعنى الخوف، إلاّ أنّ «الخشية» ـ على قول الراغب في المفردات ـ تقال في موضع يمتزج فيه الخوف بالإحترام والتعظيم، كخوف الابن من أبيه الموقّر، وبناءً على هذا فإنّ خوف المتّقين ممتزج بالمعرفة.

وأمّا «الإشفاق» فيعني الإهتمام والحبّ المقترن بالخوف، وهذا التعبير يستعمل أحياناً في شأن الأولاد أو الأصدقاء الذين يحبّهم الإنسان، إلاّ أنّه يخاف عليهم في الوقت نفسه من تعرّضهم للبلايا والأمراض مثلا. وفي الواقع فإنّ المتّقين يحبّون يوم القيامة، لأنّه مكان الثواب والرحمة، إلاّ أنّهم في الوقت نفسه مشفقون من حساب الله فيه.

ويمكن أن تستعمل هاتان الكلمتان أيضاً في معنى واحد.

وقارنت الآية الأخيرة بين القرآن وباقي الكتب السابقة: (وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون)؟ ولماذا الإنكار؟ لأنّه ذكر لكم ومصدر وعيكم ويقظتكم وتذكيرهم؟ ألأنّه مصدر البركة وفيه خير الدنيا وخير الآخرة، ومنبع الإنتصارات والسعادات؟ فهل يُنكر مثل هذا الكتاب الذي يستبطن أدلّة أحقّيته

[ 181  ]

فيه، وقد سطعت نورانيّته، والذين يسيرون في طريقه سعداء منتصرون؟!

ولكي نعرف مدى أثر القرآن في التوعية وما له من البركات، فيكفي أن نرى حال سكّان جزيرة العرب قبل نزول القرآن عليهم، إذ كانوا يعيشون في جاهلية جهلاء وفقر وتعاسة وتفرّق وتمزّق، ثمّ نرى حالهم بعد نزول القرآن حيث أصبحوا اُسوة ومثلا حسناً للآخرين، ونرى كذلك حال الأقوام الآخرين قبل وصول القرآن إليهم وبعده.

* * *

[ 182  ]

الآيات

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا إِبْرَهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَـلِمِينَ(51) إِذْ قَالَ لاَِبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ الَّتمَاثِيلُ الَّتِى أَنتُمْ لَهَا عَـكِفُونَ(52)قَالُوا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا لَهَا عَـبِدِينَ(53) قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَءَابَاؤُكُمْ فِى ضَلَـل مُّبِين(54) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ الَّلـعِبِينَ(55) قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَـوَتِ وَالاَْرْضِ الَّذِى فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّـهِدِينَ(56) وَتَاللهِ لاََكِيدَنَّ أَصْنَـمَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذَذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ(58)

التّفسير

تخطيط إبراهيم (عليه السلام) لتحطيم الأصنام:

قلنا: أنّ هذه السورة تحدّثت ـ كما هو معلوم من إسمها ـ عن جوانب عديدة من حالات الأنبياء ـ ستّة عشر نبيّاً ـ فقد اُشير في الآيات السابقة إشارة قصيرة إلى رسالة موسى وهارون (عليهما السلام)، وعكست هذه الآيات وبعض الآيات الآتية جانباً

[ 183  ]

مهمّاً من حياة إبراهيم (عليه السلام) ومواجهته لعبدة الأصنام، فتقول أوّلا: (ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنّا به عالمين).

«الرشد» في الأصل بمعنى السير إلى المقصد والغاية، ومن الممكن أن يكون هنا إشارة إلى حقيقة التوحيد، وأنّ إبراهيم عرفها واطّلع عليها منذ سني الطفولة. وقد يكون إشارة إلى كلّ خير وصلاح بمعنى الكلمة الواسع.

والتعبير بـ(من قبل) إشارة إلى ما قبل موسى وهارون(عليهما السلام).

وجملة (وكنّا به عالمين) إشارة إلى مؤهّلات وإستعدادات إبراهيم لإكتساب هذه المواهب، وفي الحقيقة إنّ الله سبحانه لا يهب موهبة عبثاً وبلا حكمة، فإنّ هذه المؤهّلات إستعداد لتقبّل المواهب الإلهيّة، وإن كان مقام النبوّة مقاماً موهوباً.

ثمّ أشارت إلى أحد أهمّ مناهج إبراهيم (عليه السلام)، فقالت: إنّ رشد إبراهيم قد بان عندما قال لأبيه وقومه ـ وهو إشارة إلى عمّه آزر، لأنّ العرب تسمّي العمّ أباً ـ ما هذه التماثيل التي تعبدونها؟ (إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون).

لقد حقّر إبراهيم (عليه السلام) الأصنام التي كان لها قدسيّة في نظر هؤلاء بتعبير (ما هذه)(1) أوّلا، وثانياً بتعبير (التماثيل) لأنّ التمثال يعني الصورة أو المجسّمة التي لا روح لها. ويقول تاريخ عبادة الأصنام: إنّ هذه المجسّمات والصور كانت في البداية ذكرى للأنبياء والعلماء، إلاّ أنّها إكتسبت قدسيّة وأصبحت آلهة معبودة بمضيّ الزمان.

وجملة (أنتم لها عاكفون) بملاحظة معنى «العكوف» الذي يعني الملازمة المقترنة بالإحترام، توحي بأنّ اُولئك كانوا يحبّون الأصنام، ويطأطئون رؤوسهم في حضرتها ويطوفون حولها، وكأنّهم كانوا ملازميها دائماً.

___________________________

1 ـ إنّ التعبير بـ (ما) في مثل هذه الموارد يشير عادةً إلى غير العاقل، واسم الإشارة القريب أيضاً يعطي معنى التحقير أيضاً، وإلاّ كان المناسب الإشارة إلى البعيد.

[ 184  ]

إنّ مقولة إبراهيم (عليه السلام) هذه في الحقيقة إستدلال على بطلان عبادة الأصنام، لأنّ ما نراه من الأصنام هو المجسّمة والتمثال، والباقي خيال وظنّ وأوهام، فأي إنسان عاقل يسمح لنفسه أن يوجب عليها كلّ هذا التعظيم والإحترام لقبضة حجر أو كومة خشب؟ لماذا يخضع الإنسان ـ الذي هو أشرف المخلوقات ـ أمام ما صنعه بيده، ويطلب منه حلّ مشاكله ومعضلاته؟!

إلاّ أنّ عبدة الأصنام لم يكن عندهم ـ في الحقيقة ـ جواب أمام هذا المنطق السليم القاطع، سوى أن يبعدوا المسألة عن أنفسهم ويلقوها على عاتق آبائهم، ولهذا (قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين).

ولمّا كانت حجّتهم بأنّ «هذه العبادة هي سنّة الآباء» غير مجدية نفعاً .. ولا نمتلك دليلا على أنّ السابقين من الآباء والأجداد أعقل وأكثر معرفة من الأجيال المقبلة، بل القضيّة على العكس غالباً، لأنّ العلم يتّسع بمرور الزمن، فأجابهم إبراهيم مباشرةً فـ(قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين).

إنّ هذا التعبير المقترن بأنواع التأكيدات، والحاكي عن الحزم التامّ سبّب أن يرجع عبدة الأصنام إلى أنفسهم قليلا، ويتوجّهوا إلى التحقّق من قول إبراهيم، فأتوا إلى إبراهيم (قالوا أجئتنا بالحقّ أم أنت من اللاعبين) لأنّ اُولئك الذين كانوا قد إعتادوا على عبادة الأصنام، وكانوا يظنّون أنّ ذلك حقيقة حتميّة، ولم يكونوا يصدّقون أنّ أحداً يخالفها بصورة جديّة، ولذلك سألوا إبراهيم هذا السؤال تعجّباً.

إلاّ أنّ إبراهيم أجابهم بصراحة: (قل بل ربّكم وربّ السماوات والأرض الذي فطرهنّ وأنا على ذلكم من الشاهدين).

إنّ إبراهيم (عليه السلام) قد بيّن بهذه الكلمات القاطعة أنّ الذي يستحقّ العبادة هو خالقهم وخالق الأرض وكلّ الموجودات، أمّا قطع الحجر والخشب المصنوعة فهي لا شيء، وليس لها حقّ العبادة، وخاصةً وقد أكّد بجملة (وأنا على ذلكم من الشاهدين) فأنا لستُ الشاهد الوحيد على هذه الحقيقة، بل إنّ كلّ العقلاء الذين

[ 185  ]

قطعوا حبل التقليد الأعمى شاهدون على هذه الحقيقة.

ومن أجل أن يثبت إبراهيم جديّة هذه المسألة، وأنّه ثابت على عقيدته إلى أبعد الحدود، وأنّه يتقبّل كلّ ما يترتّب على ذلك بكلّ وجوده، أضاف: (وتالله لأكيدنّ أصنامكم بعد أن تولّوا مدبرين).

«أكيدنّ» مأخوذة من الكيد، وهو التخطيط السرّي، والتفكير المخفي وكان مراده أن يفهمهم بصراحة بأنّني سأستغلّ في النهاية فرصة مناسبة واُحطّم هذه الأصنام!

إلاّ أنّ عظمة وهيبة الأصنام في نفوسهم ربّما كانت قد بلغت حدّاً لم يأخذوا معه كلام إبراهيم مأخذ الجدّ، ولم يظهروا ردّ فعل تجاهه، وربّما ظنّوا بأنّ أي إنسان لا يسمح لنفسه أن يهزأ ويسخر من مقدّسات قوم تدعم حكومتهم تلك المقدّسات تماماً، بأيّة جرأة؟ وبأيّة قوّة؟!

ومن هنا يتّضح أنّ ما قاله بعض المفسّرين من أنّ هذه الجملة قد قالها إبراهيم سرّاً في نفسه، أو بيّنها لبعض بصورة خاصّة لا داعي له، خاصّةً وأنّه مخالف تماماً لظاهر الآية. إضافةً إلى أنّنا سنقرأ بعد عدّة آيات أنّ عبّاد الأصنام قد تذكّروا قول إبراهيم، وقالوا: سمعنا فتى كان يتحدّث عن مؤامرة ضدّ الأصنام.

على كلّ حال، فإنّ إبراهيم نفّذ خطّته في يوم كان معبد الأوثان خالياً من الناس ولم يكن أحد من الوثنيين حاضراً.

وتوضيح ذلك: إنّه طبقاً لنقل بعض المفسّرين، فإنّ عبدة الأوثان كانوا قد اتّخذوا يوماً خاصّاً من كلّ سنة عيداً لأصنامهم، وكانوا يحضرون الأطعمة عند أصنامهم في المعبد في ذلك اليوم، ثمّ يخرجون من المدينة أفواجاً، وكانوا يرجعون في آخر النهار، فيأتون إلى المعبد ليأكلوا من ذلك الطعام الذي نالته البركة في إعتقادهم.

وكانوا قد عرضوا على إبراهيم أن يخرج معهم، إلاّ أنّه إعتذر بالمرض ولم

[ 186  ]

يخرج معهم.

على كلّ حال، فإنّ إبراهيم من دون أن يحذر من مغبّة هذا العمل وما سيحدث من غضب عبدة الأصنام العارم، دخل الميدان برجولة وتوجّه إلى حرب هذه الآلهة الجوفاء ـ التي لها أنصار متعصّبون جهّال ـ بشجاعة خارقة وحطّمها بصورة يصفها القرآن فيقول: (فجعلهم جذاذاً إلاّ كبيراً لهم) وكان هدفه من تركه (لعلّهم إليه يرجعون)(1).

* * *

ملاحظتان

1 ـ الصنميّة في أشكال متعدّدة

صحيح أنّ أذهاننا تنصرف من لفظ عبادة الأصنام إلى الأصنام الحجرية والخشبية على الأكثر، إلاّ أنّ الصنم والصنمية ـ من وجهة نظر ـ لها مفهوم واسع يشمل كلّ ما يُبعد الإنسان عن الله، بأي شكل وصورة كان، حيث يقول الحديث المعروف: «كلّما شغلك عن الله فهو صنمك».

وفي حديث عن الأصبغ بن نباتة ـ وهو أحد أصحاب الإمام علي (عليه السلام)المعروفين أنّه قال: انّ علياً (عليه السلام) مرّ بقوم يلعبون الشطرنج، فقال: «ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ لقد عصيتم الله ورسوله»(2).

___________________________

1 ـ قال كثير من المفسّرين: إنّ مرجع ضمير (إليه) إلى إبراهيم، وقال البعض إنّ المراد هو الصنم الكبير، إلاّ أنّ الأوّل يبدو هو الأصحّ.

أمّا ما نقرؤه في الآية آنفة الذكر من أنّه كان أكبرهم، فيمكن أن يكون إشارة إلى كبره الظاهري، أو إشارة إلى إحترامه من قبل عبّاد الأصنام الخرافيين، أو إلى الإثنين معاً.

2 ـ مجمع البيان، ذيل الآية مورد البحث.

[ 187  ]

2 ـ قول عبدة الأصنام وجواب إبراهيم

ممّا يلفت النظر أنّ عبدة الأصنام قالوا في جواب إبراهيم (عليه السلام)، إعتماداً على كثرتهم، وعلى طول الزمان: إنّا وجدنا آباءنا على هذا الدين. فأجابهم على كلا الشقّين، بأنّكم كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين دائماً. أي إنّ الإنسان العاقل الذي له تفكير مستقل لا يربط نفسه بمثل هذه الأوهام مطلقاً، فلا يعتبر كثرة الأنصار للمذهب المتداول دليلا على أصالته، وكذلك لا يعتنى بدوامه وتجذّره.

* * *

[ 188  ]

الآيات

قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّـلِمِينَ(59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَهِيمُ(60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ(61) قَالُوا ءَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَابِآلِهَتِنَا يَـإِبْرَهِيمُ(62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَسْئَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ(63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظّلِمُونَ(64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـؤُلاَءِ يَنطِقُونَ(65) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ(66) أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ  أَفَلاَ تَعْقِلُونَ(67)

التّفسير

إبراهيم وبرهانه المبين:

وأخيراً إنتهى يوم العيد، ورجع عبدة الأصنام فرحين إلى المدينة، فأتوا إلى المعبد مباشرةً، حتّى يظهروا ولاءهم للأصنام، وليأكلوا من الأطعمة التي تبرّكت ـ

[ 189  ]

بزعمهم ـ بمجاورة الأصنام. فما أن دخلوا المعبد حتّى واجهوا منظراً أطار عقولهم من رؤوسهم، فقد وجدوا تلاًّ من الأيادي والأرجل المكّسرة المتراكمة بعضها على البعض الآخر في ذلك المعبد المعمور، فصاحوا و (قالوا من فعل هذا بآلهتنا)(1)؟! ولا ريب أنّ من فعل ذلك فـ(إنّه لمن الظالمين) فقد ظلم آلهتنا ومجتمعنا ونفسه! لأنّه عرض نفسه للهلاك بهذا العمل.

إلاّ أنّ جماعة منهم تذكّروا ما سمعوه من إبراهيم (عليه السلام) وإزدرائه بالأصنام وتهديده لها وطريقة تعامله السلبي لهذه الآلهة المزعومة! (قالوا سمعنا فتىً يذكرهم يقال لهم إبراهيم)(2).

صحيح أنّ إبراهيم ـ طبقاً لبعض الرّوايات ـ كان شاباً، وربّما لم يكن سنّه يتجاوز (16) عاماً، وصحيح أنّ كلّ خصائص الرجولة من الشجاعة والشهامة والصراحة والحزم قد جمعت فيه، إلاّ أنّ من المسلّم به أنّ مراد عبّاد الأصنام لم يكن سوى التحقير، فبدل أن يقولوا: إنّ إبراهيم قد فعل هذا الفعل، قالوا: إنّ فتى يقال له إبراهيم كان يقول كذا ... أي إنّه فرد مجهول تماماً، ولا شخصيّة له في نظرهم.

إنّ المألوف ـ عادةً ـ عندما تقع جريمة في مكان ما، فإنّه ومن أجل كشف الشخص الذي قام بهذا العمل، تبحث علاقات الخصومة والعداء، ومن البديهي أنّه لم يكن هناك شخص في تلك البيئة من يعادي الأصنام غير إبراهيم، ولذلك توجّهت إليه أفكار الجميع، و (قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلّهم يشهدون)عليه بالجريمة.

___________________________

1 ـ إعتبر بعض المفسّرين (من) هنا موصولة، إلاّ أنّ ملاحظة الآية التالية التي هي في حكم الجواب، فسيظهر أنّ (من) هنا إستفهامية.

2 ـ كما أشرنا سابقاً: إنّ الوثنيين لم يكونوا مستعدّين للقول: إنّ هذا الفتى كان يعيب الآلهة، بل قالوا فقط: إنّه كان يتحدّث عن الأصنام.

[ 190  ]

وإحتمل بعض المفسّرين أن يكون المراد مشاهدة منظر عقاب إبراهيم،  لا الشهادة على كونه مجرماً. غير أنّ الآيات المقبلة التي لها صبغة التحقيق والإستجواب تنفي هذا الإحتمال، إضافةً إلى أنّ التعبير بـ«لعلّ» لا يناسب المعنى الثّاني، لأنّ الناس إذا حضروا ساحة العقاب فسيشاهدون ذلك المنظر حتماً،  فلا معنى لـ«لعلّ».

فنادى المنادون في نواحي المدينة: «ليحضر كلّ من يعلم بعداء إبراهيم وإهانته للأصنام»، فإجتمع كلّ الذين كانوا يعلمون بالموضوع، وكذلك سائر الناس ليروا أين ستصل عاقبة عمل هذا المتّهم؟

لقد حدثت ضجّة وهمهمة عجيبة بين الناس، لأنّ هذا العمل كان في نظرهم جريمة لم يسبق لها نظير من قبل شابّ مثير للفتن والمتاعب، وكانت قد هزّت البناء الديني للناس.

وأخيراً تشكّلت المحكمة، وكان زعماء القوم قد إجتمعوا هناك، ويقول بعض المفسّرين: أنّ نمرود نفسه كان مشرفاً على هذه المحاكمة، وأوّل سؤال وجّهوه إلى إبراهيم (عليه السلام) هو أن: (قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا ياإبراهيم)؟

هؤلاء لم يكونوا مستعدّين حتّى للقول: أأنت حطّمت آلهتنا وجعلتها قطعاً متناثرة؟ بل قالوا فقط: أأنت فعلت بآلهتنا ذلك؟

فأجابهم إبراهيم جواباً أفحمهم، وجعلهم في حيرة لم يجدوا منها مخرجاً (قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون).

إنّ من اُسس علم معرفة الجرائم أن يكون المتّهم بادية عليه آثار الجريمة، والملاحظ هنا أنّ آثار الجريمة كانت باديةً على يد الصنم الكبير، [وفقاً للرواية المعروفة: إنّ إبراهيم جعل الفأس على رقبة الصنم الكبير].

لماذا تأتون إليّ؟ ولماذا لا تتّهمون إلهكم الكبير؟ ألا تحتملون أنّه غضب على الآلهة الصغيرة، أو إنّه إعتبرهم منافسيه في المستقبل فعاقبهم؟

[ 191  ]

ولمّا كان ظاهر هذا التعبير لا يطابق الواقع في نظر المفسّرين، ولمّا كان إبراهيم نبيّاً معصوماً ولا يكذب أبداً، فقد ذكروا تفاسير مختلفة، وأفضلها كما يبدو هو:

إنّ إبراهيم (عليه السلام) قد نسب العمل إلى كبير الأصنام قطعاً، إلاّ أنّ كلّ القرائن تشهد أنّه لم يكن جادّاً في قصده، بل كان يريد أن يزعزع عقائد الوثنيين الخرافية الواهية، ويفنّدها أمامهم، ويُفهم هؤلاء أنّ هذه الأحجار والأخشاب التي لا حياة فيها ذليلة وعاجزة إلى الحدّ الذي لا تستطيع أن تتكلّم بجملة واحدة تستنجد بعبّادها، فكيف يريدون منها أن تحلّ معضلاتهم؟!

ونظير هذا التعبير كثير في محادثاتنا اليوميّة، فنحن إذا أردنا إبطال أقوال الطرف المقابل نضعِ أمامه مسلّماته على هيئة الأمر أو الإخبار أو الإستفهام، وهذا ليس كذباً أبداً، بل الكذب هو القول الذي لا يمتلك القرينة معه.

وفي رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) في كتاب الكافي: «إنّما قال: بل فعله كبيرهم، إرادة الإصلاح، ودلالة على أنّهم لا يفعلون» ثمّ قال: «والله ما فعلوه وما كذّب».

وإحتمل جمع من المفسّرين أنّ إبراهيم قد أدّى هذا المطلب بشكل جملة شرطيّة وقال: إنّ الأصنام إذا كانت تتكلّم فإنّها قد فعلت هذا الفعل، ومن المسلّم أنّ هذا التعبير لم يكن خلاف الواقع، لأنّ الأصنام لم تكن تتكلّم، ولم تكن قد أقدمت على مثل هذا العمل، ولم يصدر منها، ووردت رواية في مضمون هذا التّفسير أيضاً.

إلاّ أنّ التّفسير الأوّل يبدو هو الأقرب، لأنّ الجملة الشرطيّة «إن كانوا ينطقون» جواب الطلب في «فاسألوهم»، وليست شرطاً لجملة «بل فعله كبيرهم». (فلاحظوا بدقّة).

واللطيفة الاُخرى التي ينبغي الإلتفات إليها هي: إنّ العبارة هي أنّه يجب أن

[ 192  ]

يسأل من الأصنام المحطّمة الأيدي والأرجل عمّن فعل بها ذلك، لا من الصنم الكبير، لأنّ ضمير (هم)، وكذلك ضمائر «إن كانوا ينطقون» كلّها بصيغة الجمع، وهذا أنسب مع التّفسير الأوّل(1).

لقد هزّت كلمات إبراهيم الوثنيين وأيقظت ضمائرهم النائمة الغافلة، وأزاح الرماد عن شعلة النّار فأضاءها، وأنار فطرتهم التوحيديّة من خلف حجب التعصّب والجهل.

في لحظة سريعة إستيقظوا من هذا النوم العميق ورجعوا إلى فطرتهم ووجدانهم، كما يقول القرآن: (فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنّكم أنتم الظالمون)(2) فقد ظلمتم أنفسكم ومجتمعكم الذي تنتمون إليه، وكذلك ساحة الله واهب النعم المقدّسة.

والطريف في الأمر أنّنا قرأنا في الآيات السابقة أنّهم اتّهموا إبراهيم بكونه ظالماً، وهنا قبلوا وإعترفوا في أنفسهم بأنّ الظالم الأصلي والحقيقي هو أنفسهم. وفي الواقع فإنّ كلّ مراد إبراهيم من تحطيم الأصنام تحطيم فكر الوثنية وروح الصنمية، لا تحطيم الأصنام ذاتها، إذ لا جدوى من تحطيمها إذا صنع الوثنيّون العنودون أصناماً أكبر منها وجعلوها مكانها، وتوجد أمثلة كثيرة لهذه المسألة في تأريخ الأقوام الجاهلين المتعصّبين.

إلى الآن إستطاع إبراهيم أن يجتاز بنجاح مرحلة حسّاسة جداً من طريق تبليغه الرسالة، وهي إيقاظ الضمائر عن طريق إيجاد موجة نفسيّة هائجة.

ولكن للأسف، فإنّ صدأ الجهل والتعصّب والتقليد الأعمى كان أكبر من أن يُصقل ويُمحى تماماً بنداء بطل التوحيد.

___________________________

1 ـ إضافة إلى أنّ ضمير كبيرهم مع البقيّة متشابه.

2 ـ إحتمل بعض المفسّرين أن يكون المراد من (فرجعوا إلى أنفسهم) أنّهم تحدّثوا بينهم عن ذلك الكلام، ولام بعضهم بعضاً. إلاّ أنّ ما قلناه يبدو هو الأصحّ.

[ 193  ]

وللأسف لم تستمر هذه اليقظة الروحية المقدّسة، وثارت في ضمائرهم الملوّثة المظلمة قوى الشيطان والجهل ضدّ نور التوحيد هذا، ورجع كلّ شيء إلى حالته الأُولى، وكم هو لطيف تعبير القرآن حيث يقول: (ثمّ نكسوا على رؤوسهم)ومن أجل أن يأتوا بعذر نيابة عن الآلهة البُكْم قالوا: (لقد علمت ما هؤلاء ينطقون) فإنّهم دائماً صامتون، ولا يحطّمون حاجز الصمت. وأرادوا بهذا العذر الواهي أن يخفوا ضعف وذلّة الأصنام.

وهنا فُتح أمام إبراهيم الميدان والمجال للإستدلال المنطقي ليوجّه لهم أشدّ هجماته، وليرمي عقولهم بوابل من التوبيخ واللوم المنطقي الواعي: (قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضرّكم)؟ فماذا تنفع هذه الآلهة المزعومة الخياليّة التي لا قدرة لها على الكلام، وليس لها شعور وإدراك، ولا تقدر أن تدافع عن نفسها، ولا تستطيع أن تحمي عبّادها، ولا يصدر عنها أي عمل؟

إنّ عبادة معبود ما إنّما يكون لأهليّته للعبادة، ومثل هذا الأمر لا معنى له في شأن الأصنام الميتة، أو يعبد رجاء فائدة ونفع تعود عليهم من قبله، أو الخوف من خسارتهم، إلاّ أنّ إقدامي على تحطيم الأصنام أوضح أنّها لا تملك أدنى حركة، ومع هذا الحال ألا يعتبر عملكم هذا حمقاً وجهالة؟!

ووسّع معلّم التوحيد دائرة الكلام، وإنهال بسياط التقريع على روحهم التي فقدت الإحساس، فقال: (أُف(1) لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون)؟ إلاّ أنّه لم يلحّ في توبيخهم وتقريعهم لئلاّ يلجّوا في عنادهم.

في الحقيقة، كان إبراهيم يتابع خطّته بدقّة متناهية، فأوّل شيء قام به عند دعوتهم إلى التوحيد هو أن ناداهم قائلا: ما هذه التماثيل التي تعبدونها؟ وهي

___________________________

1 ـ بحثنا في معنى (اُف) بصورة أكثر تفصيلا في ذيل الآية (23) من سورة الإسراء.

[ 194  ]

 لا تحسّ ولا تتكلّم وإذا كنتم تقولون: إنّها سنّة آبائكم، فقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين.

وفي المرحلة الثّانية أقدم على خطّة عملية ليبيّن أنّ هذه الأصنام ليست لها تلك القدرة على إهلاك كلّ من ينظر إليها نظرة إحتقار، خاصة وأنّه ذهب إليها مع سابق إنذار وحطّمها تماماً، وليوضّح أنّ تلك الأوهام التي حاكوها مجتمعين  لا فائدة ولا ثمر فيها.

وفي المرحلة الثّالثة أوصلهم في تلك المحكمة التاريخيّة إلى طريق مسدود، فمرّة دخل إليهم عن طريق فطرتهم، وتارةً خاطب عقولهم، وأُخرى وعظّهم، وأحياناً وبّخهم ولامهم.

والخلاصة، فإنّ هذا المعلّم الكبير قد دخل من كلّ الأبواب، وإستخدم كلّ طاقته، إلاّ أنّ من المسلّم أنّ القابلية شرط في التأثير، وكان هذا قليل الوجود بين اُولئك القوم للأسف.

ولكن لا شكّ أنّ كلمات إبراهيم(عليه السلام) وأفعالهِ بقيت كأرضيّة للتوحيد، أو على الأقل بقيت كعلامات إستفهام في أذهان اُولئك، وأصبحت مقدّمة ليقظة ووعي أوسع في المستقبل. ويستفاد من التواريخ أنّ جماعة آمنوا به، وهم وإن قلّوا عدداً، إلاّ أنّهم كانوا من الأهميّة بمكان، إذ هيّأوا الإستعداد النسبي لفئة أُخرى.

* * *

[ 195  ]

الآيات

قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا ءَالِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَـعِلِينَ(68) قُلْنَا يَـنَارُ كُونِى بَرْداً وَسَلَـماً عَلَى إِبْرَهِيمَ(69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَـهُمُ الاَْخْسَرِينَ(70)

التّفسير

عندما تصير النّار جنّة:

مع أنّ عبدة الأوثان اُسقط ما في أيديهم نتيجة إستدلالات إبراهيم العمليّة والمنطقيّة، وإعترفوا في أنفسهم بهذه الهزيمة، إلاّ أنّ عنادهم وتعصّبهم الشديد منعهم من قبول الحقّ، ولذلك فلا عجب من أن يتّخذوا قراراً صارماً وخطيراً في شأن إبراهيم، وهو قتل إبراهيم بأبشع صورة، أي حرقه وجعله رماداً!

هناك علاقة عكسية بين القوّة والمنطق عادةً، فكلّ من إشتدّت قوّته ضعف منطقه، إلاّ رجال الحقّ فإنّهم كلّما زادت قوتهم يصبحون أكثر تواضعاً ومنطقاً.

وعندما لا يحقّق المتعصّبون شيئاً عن طريق المنطق، فسوف يتوسّلون بالقوّة فوراً، وقد طبّقت هذه الخطّة في حقّ إبراهيم تماماً كما يقول القرآن الكريم: (قالوا حرّقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين).

[ 196  ]

إنّ المتسلّطين المتعنّتين يستغلّون نقاط الضعف النفسيّة لدى الغوغاء من الناس لتحريكهم ـ عادةً ـ لمعرفتهم بالنفسيات ومهارتهم في عملهم! وكذلك فعلوا في هذه الحادثة، وأطلقوا شعارات تثير حفيظتهم، فقالوا: إنّ آلهتكم ومقدّساتكم مهدّدة بالخطر، وقد سُحقت سنّة آبائكم وأجدادكم، فأين غيرتكم وحميّتكم؟! لماذا أنتم ضعفاء أذلاّء؟ لماذا لا تنصرون آلهتكم؟ احرقوا إبراهيم وانصروا آلهتكم ـ إذا كنتم لا تقدرون على أي عمل ـ ما دام فيكم عرق ينبض، ولكم قوّة وقدرة.

اُنظروا إلى كلّ الناس يدافعون عن مقدّساتهم، فما بالكم وقد أحدق الخطر بكلّ مقدّساتكم؟!

والخلاصة، فقد قالوا الكثير من أمثال هذه لخزعبلات وأثاروا الناس ضدّ إبراهيم بحيث أنّهم لم يكتفوا بعدّة حزم من الحطب تكفي لإحراق عدّة أشخاص، بل أتوا بآلاف الحزم وألقوها حتّى صارت جبلا من الحطب ثمّ أشعلوه فاتّقدت منه نار مهولة كأنّها البحر المتلاطم والدخان يتصاعد إلى عنان السّماء لينتقموا من إبراهيم أوّلا، وليحفظوا مهابة أصنامهم المزعومة التي حطّمتها خِطّته وأسقطت اُبّهتها!!

لقد كتب المؤرخّون هنا مطالب كثيرة، لا يبدو أي منها بعيداً، ومن جملتها قولهم: إنّ الناس سعوا أربعين يوماً لجمع الحطب، فجمعوا منه الكثير من كلّ مكان، وقد وصل الأمر إلى أنّ النساء اللاتي كان عملهنّ الحياكة في البيوت، خرجن وأضفن تلاًّ من الحطب إلى ذلك الحطب، ووصّى المرضى المشرفون على الموت بمبلغ من أموالهم لشراء الحطب، وكان المحتاجون ينذرون بأنّهم يضيفون مقداراً من الحطب إذا قضيت حوائجهم، ولذلك عندما أشعلوا النّار في الحطب من كلّ جانب إشتعلت نار عظيمة بحيث لا تستطيع الطيور أن تمرّ فوقها.

من البديهي أنّ ناراً بهذه العظمة لا يمكن الإقتراب منها، فكيف يريدون أن يلقوا إبراهيم فيها، ومن هنا اضطروا إلى الإستعانة بالمنجنيق، فوضعوا إبراهيم

[ 197  ]

عليه وألقوه في تلك النّار المترامية الأطراف بحركة سريعة(1).

ونقرأ في الرّوايات المنقولة عن طرق الشّيعة والسنّة أنّهم عندما وضعوا إبراهيم على المنجنيق، وأرادوا أن يلقوه في النّار، ضجّت السّماء والأرض والملائكة، وسألت الله سبحانه أن يحفظ هذا الموحّد البطل وزعيم الرجال الأحرار.

ونقلوا أيضاً أنّ جبرئيل جاء للقاء إبراهيم، وقال له: ألك حاجة؟ فأجابه إبراهيم بعبارة موجزة: «أمّا إليك فلا» إنّي أحتاج إلى من هو غني عن الجميع، ورؤوف بالجميع.

وهنا إقترح عليه جبرئيل فقال: فاسأل ربّك، فأجابه: «حسبي مِن سؤالي علمه بحالي»(2).

وفي حديث عن الإمام الباقر (عليه السلام): إنّ إبراهيم ناجى ربّه في تلك الساعة: «ياأحد ياأحد، ياصمد ياصمد، يامن لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، توكّلت على الله»(3).

كما ورد هذا الدعاء بعبارات مختلفة وفي العديد من المصادر الاُخرى.

وعلى كلّ حال، فقد اُلقي إبراهيم في النّار وسط زغاريد الناس وسرورهم وصراخهم، وقد أطلقوا أصوات الفرح ظانّين أنّ محطّم الأصنام قد فني إلى الأبد وأصبح تراباً ورماداً.

لكنّ الله الذي بيده كلّ شيء حتّى النّار لا تحرق إلاّ بإذنه، شاء أن يبقى هذا العبد المؤمن المخلص سالماً من لهب تلك النّار الموقدة ليضيف وثيقة فخر جديدة

___________________________

1 ـ مجمع البيان، وتفسير الميزان، وتفسير الفخر الرازي، وتفسير القرطبي، في ذيل الآيات مورد البحث. وكذلك الكامل لابن الأثير المجلّد الأوّل ص98.

2 ـ روضة الكافي، طبقاً لنقل الميزان، ج14، ص336.

3 ـ تفسير الفخر الرّازي ذيل الآية.

[ 198  ]

إلى سجل إفتخاراته، وكما يقول القرآن الكريم: (قلنا يانار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم).

لا شكّ أنّ أمر الله هنا كان أمراً تكوينيّاً، كالأمر الذي يصدره في عالم الوجود إلى الشمس والقمر، والأرض والسّماء، والماء والنّار، والنباتات والطيور.

والمعروف أنّ النّار قد بردت برداً شديداً إصطّكت أسنان إبراهيم منه، وحسب قول بعض المفسّرين: إنّ الله سبحانه لو لم يقل: سلاماً، لمات إبراهيم من شدّة البرد. وكذلك نقرأ في رواية مشهورة أنّ نار النمرود قد تحوّلت إلى حديقة غناء(1). حتّى قال بعض المفسّرين إنّ تلك اللحظات التي كان فيها إبراهيم في النّار، كانت أهدأ وأفضل وأجمل أيّام عمره(2).

على كلّ حال، فهناك إختلاف كبير بين المفسّرين في كيفية عدم إحراق النّار لإبراهيم، إلاّ أنّ مجمل الكلام أنّه في فلسفة التوحيد لا يصدر أي مسبّب عن أي سبب إلاّ بأمر الله، فيقول يوماً للسكّين التي في يد إبراهيم: لا تقطعي، ويقول يوماً آخر للنار: لا تحرقي، ويوماً آخر يأمر الماء الذي هو أساس الحياة أن يغرق فرعون والفراعنة!

ويقول الله سبحانه في آخر آية من الآيات محلّ البحث على سبيل الإستنتاج بإقتضاب: أنّهم تآمروا عليه ليقتلوه ولكن النتيجة لم تكن في صالحهم (وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين).

لا يخفى أنّ الوضع قد إختلف تماماً ببقاء إبراهيم سالماً، وخمدت أصوات الفرح، وبقيت الأفواه فاغرة من العجب، وكان جماعة يتهامسون علناً فيما بينهم حول هذه الظاهرة العجيبة، وأصبحت الألسن تلهج بعظمة إبراهيم وربّه، وأحدق الخطر بوجود نمرود وحكومته، غير أنّ العناد ظلّ مانعاً من قبول الحقّ، وإن كان

___________________________

1 ـ تفسير مجمع البيان، ذيل الآية.

2 ـ تفسير الفخر الرازي، ذيل الآية.

[ 199  ]

أصحاب القلوب الواعية قد إستفادوا من هذه الواقعة، وزاد إيمانهم مع قلّتهم.

* * *

بحوث

1 ـ السعي للخير والشرّ

قد يغرق الإنسان أحياناً في عالم الأسباب حتّى يخيّل إليه أنّ الآثار والخواص من نفس هذه الموجودات، ويغفل عن المبدأ العظيم الذي وهب هذه الآثار المختلفة لهذه الموجودات، ومن أجل أن يوقظ الله العباد يشير إلى أنّ بعض الموجودات التافهة قد تصبح مصدراً للآثار العظيمة، فيأمر العنكبوت أن تنسج عدّة خيوط رقيقة ضعيفة على باب غار ثور، وتجعل الذين كانوا يطاردون النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويبحثون عنه في كلّ مكان يائسين من العثور عليه، ولو ظفروا به لقتلوه، ولتغيّر مجرى التأريخ بهذا الأمر الهيّن ..

وعلى العكس من ذلك، فإنّه يعطّل الأسباب التي يضرب بها المثل في عالم المادّة ـ كالنّار في الإحراق، والسكّين في القطع ـ عن العمل، ليُعلم أنّ هذه أيضاً ليس لها أمر وقدرة ذاتية في العمل، فإنّها تقف عن العمل إذا نهاها ربّها الجليل فتكفّ حتّى لو أمرها إبراهيم الخليل(عليه السلام).

إنّ الإلتفات إلى هذه الحقائق التي رأينا أمثلةً كثيرة لها في الحياة، تحيي في العبد المؤمن روح التوحيد والتوكّل حتّى أنّه لا يفكّر إلاّ في الله، ولا يطلب العون إلاّ منه، فيطلب منه ـ وحده ـ إطفاء نار المشاكل والمعضلات، ويسأله أن يدفع كيد الأعداء، فلا يرى غيره، ولا يرجو شيئاً من غيره.

2 ـ الفتى الشّجاع

جاء في بعض كتب التّفسير أنّ إبراهيم لمّا اُلقي في النّار لم يكن عمره يتجاوز

[ 200  ]

ست عشرة سنة(1) وذكر البعض الآخر أنّ عمره عند ذاك كان (26) سنة(2).

وعلى كلّ حال فإنّه كان في عمر الشباب، ومع أنّه لم يكن معه أحد يعينه، فإنّه رمى بسهم المواجهة في وجه طاغوت زمانه الكبير الذي كان حامياً للطواغيت الآخرين، وهبّ بمفرده لمقارعة الجهل والخرافات والشرك، واستهزأ بكلّ مقدّسات المجتمع الخيالية الواهية، ولم يدع للخوف من غضب وإنتقام الناس أدنى سبيل إلى نفسه، لأنّ قلبه كان مغموراً بعشق الله، وكان إعتماده وتوكّله على الذات المقدّسة فحسب.

أجل .. هكذا هو الإيمان، أينما وجد وجدت الشهامة، وكلّ من حلّ فيه  فلا يمكن أن يُقهر!

إنّ أهمّ الاُسس التي ينبغي للمسلمين الإهتمام بها لمقارعة القوى الشيطانية الكبرى في دنيا اليوم المضطربة، هو هذا الأساس والرأسمال العظيم، وهو الإيمان، ففي حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ المؤمن أشدّ من زبر الحديد، إنّ زبر الحديد إذا دخل النّار تغيّر، وإنّ المؤمن لو قتل ثمّ نشر ثمّ قتل لم يتغيّر قلبه»(3).

3 ـ إبراهيم ونمرود

جاء في التواريخ أنّه عندما ألقوا إبراهيم في النّار، كان نمرود على يقين من أنّ إبراهيم قد أصبح رماداً، أمّا عندما دقّق النظر ووجده حيّاً، قال لمن حوله: إنّي أرى إبراهيم حيّاً، لعلّي يخيّل إليّ! فصعد على مرتفع ورأى حاله جيداً فصاح نمرود: ياإبراهيم إنّ ربّك عظيم، وقد أوجد بقدرته حائلا بينك وبين النّار! ولذلك فإنّي اُريد أن اُقدّم قرباناً له، وأحضر أربعة آلاف قربان لذلك، فأعاد إبراهيم القول

___________________________

1 ـ مجمع البيان. ذيل الآيات مورد البحث.

2 ـ تفسير القرطبي، المجلّد6، ص4344.

3 ـ سفينة البحار، مادّة أمن، ج1، ص37.

[ 201  ]

عليه بأنّ أي قربان ـ وأي عمل ـ لا يتقبّل منك إلاّ أن تؤمن أوّلا. غير أنّ نمرود قال في الجواب: فسيذهب سلطاني وملكي سُدىً إذن، وليس بإمكاني أن أتحمّل ذلك!

على كلّ حال، فإنّ هذه الحوادث صارت سبباً لإيمان جماعة من ذوي القلوب الواعية بربّ إبراهيم(عليه السلام)، أو يزدادوا إيماناً، وربّما كان هذا هو السبب في عدم إظهار نمرود ردّ فعل قوي ضدّ إبراهيم، بل إكتفى بإبعاده عن أرض بابل(1).

* * *

___________________________

1 ـ الكامل لابن الأثير، المجلد الأوّل، ص99.

[ 202  ]

الآيات

وَنَجَّيْنَـهُ وَلُوطاً إِلَى الاَْرْضِ الَّتِى بَـرَكْنَا فِيهَا لِلْعَـلَمِينَ (71)وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَـلِحِينَ (72)وَجَعَلْنَـهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَتِ وَإِقَامَ الصَّلَوةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَوةِ وَكَانُوا لَنَا عَـبِدِينَ(73)

التّفسير

هجرة إبراهيم من أرض الوثنيين

لقد هزّت قصّة حريق إبراهيم (عليه السلام) ونجاته الإعجازية من هذه المرحلة الخطيرة أركان حكومة نمرود، بحيث فقد نمرود معنوياته تماماً، لأنّه لم يعد قادراً على أن يُظهر إبراهيم بمظهر الشاب المنافق والمثير للمشاكل. فقد عُرف بين الناس بأنّه مرشد إلهي وبطل شجاع يقدر على مواجهة جبّار ظالم ـ بكلّ إمكانياته وقدرته ـ بمفرده، وأنّه لو بقي في تلك المدينة والبلاد على هذا الحال، ومع ذلك اللسان المتكلّم والمنطق القوي، والشهامة والشجاعة التي لا نظير لها، فمن المحتّم أنّه سيكون خطراً على تلك الحكومة الجبّارة الغاشمة، فلابدّ أن يخرج من تلك الأرض على أي حال.

[ 203  ]

ومن جهة أُخرى، فإنّ إبراهيم كان قد أدّى رسالته في الواقع ـ في تلك البلاد، ووجّه ضربات ماحقة إلى هيكل وبنيان الشرك، وبذر بذور الإيمان والوعي في تلك البلاد، وبقيت المسألة مسألة وقت لتنمو هذه البذور وتبدي ثمارها، وتقلع جذور الأصنام وعبادتها، وتسحب البساط من تحتها.

فلابدّ من الهجرة إلى موطن آخر لإيجاد أرضية لرسالته هناك، ولذلك صمّم على الهجرة إلى الشام بصحبة لوط ـ وكان ابن أخ إبراهيم ـ وزوجته سارة، وربّما كان معهم جمع قليل من المؤمنين، كما يقول القرآن الكريم: (ونجّيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين).

وبالرغم من أنّ اسم هذه الأرض لم يرد صريحاً في القرآن، إلاّ أنّه بملاحظة الآية الأُولى من سورة الإسراء: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) يتّضح أنّ هذه الأرض هي أرض الشام ذاتها، التي كانت من الناحية الظاهرية أرضاً غنيّة مباركة خضراء، ومن الجهة المعنوية كانت معهداً لرعاية الأنبياء.

وقد وردت بحوث مختلفة في التفاسير والرّوايات في أنّ إبراهيم(عليه السلام) هاجر تلقائياً، أم أبعدته سلطات نمرود، أم أنّ الإثنين إشتركا، والجمع بينها جميعاً هو أنّ نمرود ومن حوله كانوا يرون في إبراهيم خطراً كبيراً عليهم، فأجبروه على الخروج من تلك البلاد، هذا من جهة، ومن جهة أُخرى، فإنّ إبراهيم كان يرى أنّ رسالته ومهمّته في تلك الأرض قد إنتهت، وكان يبحث عن منطقة أُخرى للعمل على توسيع دعوة التوحيد فيها، خاصةً وأنّ البقاء في بابل قد يشكّل خطراً على حياته فتبقى دعوته العالمية ناقصة.

وفي حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام): إنّ نمرود «أمر أن ينفوا إبراهيم من بلاده، وأن يمنعوه من الخروج بماشيته وماله، فحاجّهم إبراهيم عند ذلك فقال: إن

[ 204  ]

أخذتم ماشيتي ومالي فحقّي عليكم أن تردّوا عليّ ما ذهب من عمري في بلادكم، فاختصموا إلى قاضي نمرود، وقضى على إبراهيم أن يسلّم إليهم جميع ما أصاب في بلادهم، وقضى على أصحاب نمرود أن يردّوا على إبراهيم ما ذهب منعمره في بلادهم، فأخبر بذلك نمرود، فأمرهم أن يخلّوا سبيله وسبيل ماشيته وماله، وأن يخرجوه، وقال: إنّه إن بقي في بلادكم أفسد دينكم وأضرّ بآلهتكم»(1).

وأشارت الآية التالية إلى أحد أهمّ مواهب الله لإبراهيم، وهي هبته الولد الصالح، والنسل المفيد، فقالت: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة(2) وكلاًّ جعلنا صالحين) فقد مرّت أعوام طوال وإبراهيم في لهفة وإنتظار للولد الصالح، والآية (100) من سورة الصافات ناطقة باُمنيته الباطنية هذه: (ربّ هب لي من الصالحين). وأخيراً إستجاب له ربّه، فوهبه إسماعيل أوّلا، ومن بعد إسحاق، وكان كلّ منهما نبيّاً عظيم الشخصيّة.

إنّ التعبير بـ «نافلة» ـ والذي يبدو أنّه وصف ليعقوب خاصّة ـ من جهة أنّ إبراهيم(عليه السلام) كان قد طلب الولد الصالح فقط، فأضاف الله إلى مراده حفيداً صالحاً أيضاً، لأنّ النافلة في الأصل تعني الهبة أو العمل الإضافي.

وتشير الآية الأخيرة إلى مقام إمامة وقيادة هذا النّبي الكبير، وإلى جانب من صفات الأنبياء ومناهجهم المهمّة القيّمة بصورة جماعية.

لقد عُدّت في هذه الآية ستّة أقسام من هذه الخصائص، وإذا اُضيف إليها وصفهم بكونهم صالحين ـ والذي يستفاد من الآية السابقة ـ فستصبح سبعة. ويحتمل أيضاً أن يكون مجموع الصفات الست التي ذكرت في هذه الآية تفصيلا

___________________________

1 ـ روضة الكافي، طبقاً لنقل الميزان، في ذيل الآيات مورد البحث.

2 ـ عدم ذكر إسماعيل هنا مع أنّه كان أوّل ولد إبراهيم، ربّما كان من أجل أنّ ولادة إسحاق من اُمّ عقيم وعجوز، كانت تبدو مسألة عجيبة للغاية، في حين أنّ ولادة إسماعيل من اُمّه هاجر لم يكن عجيباً.

[ 205  ]

وتبياناً لصلاح اُولئك، والذي ورد في الآية السابقة.

يقول أوّلا: (وجعلناهم أئمّة) أي إنّنا وهبناهم مقام الإمامة إضافةً إلى مقام النّبوّة والرسالة، والإمامة ـ كما أشرنا إلى ذلك سابقاً ـ هي آخر مراحل سير الإنسان التكاملي، والتي تعني القيادة العامّة الشاملة لكلّ الجوانب الماديّة والمعنوية، والظاهرية والباطنية، والجسميّة والروحية للناس.

والفرق بين النبوّة والرسالة وبين الإمامة، هو أنّ الأنبياء في مقام النبوّة والرسالة يتلقّون أوامر الله ويبلّغونها الناس إبلاغاً مقترناً بالإنذار أو البشارة فقط، أمّا في مرحلة الإمامة فإنّهم ينفّذون هذا البرنامج الإلهي، سواء كان هذا التنفيذ عن طريق تشكيل حكومة عادلة أو بدون ذلك، فهم في هذه المرحلة مربّون للناس، ومعلّمون لهم، ومنفّذون للأحكام والبرامج في سبيل إيجاد بيئة طاهرة نزيهة إنسانية.

في الحقيقة، إنّ مقام الإمامة مقام تنفيذ كلّ الخطط والاُطروحات الإلهيّة، وبتعبير آخر: الإيصال إلى المطلوب، والهداية التشريعيّة والتكوينيّة، فالإمام من هذه الناحية كالشمس التي تنمي الكائنات الحيّة بأشّعتها تماماً(1).

ثمّ يذكر في المرحلة التالية ثمرة هذا المقام، فيقول: (يهدون بأمرنا) ولا يعني بالهداية الإرشاد وبيان الطريق الصحيح، والذي هو من شأن النبوّة والرسالة، بل يعني الأخذ باليد والإيصال إلى المقصود. وهذا بالطبع لمن له الإستعداد واللياقة والأهليّة.

أمّا الموهبة الثّالثة والرّابعة والخامسة فقد عبّر عنها القرآن بقوله: (وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) وهذا الوحي يمكن أن يكون وحياً

___________________________

1 ـ لمزيد الإطّلاع في هذا المجال راجع ذيل الآية (124) من سورة البقرة.

[ 206  ]

تشريعيّاً، أي إنّنا جعلنا كلّ أنواع أعمال الخير وأداء الصلاة وإعطاء الزكاة في مناهجهم الدينيّة. ويمكن أيضاً أن يكون وحياً تكوينيّاً، أي إنّنا وهبنا لهم التوفيق والقدرة والجاذبية المعنوية من أجل تنفيذ هذه الاُمور.

طبعاً، ليس لأي من هذه الاُمور صبغة إجبارية وإضطرارية، وحتّى مجرّد الأهلية والإستعداد والأرضية لوحدها من دون إرادتهم وتصميمهم لا توصل إلى نتيجة.

إنّ ذكر (إقام الصلاة وإيتاء الزكاة) بعد فعل الخيرات، من أجل أهميّة هذين الأمرين اللذين بُيّنا أوّلا بصورة عامّة في جملة (وأوحينا إليهم فعل الخيرات) ثمّ بصورة خاصّة في التصريح بهما، وهذا ما يبحثه علماء البلاغة العربية تحت عنوان ذكر الخاص بعد العام ..

وفي آخر فصل أشار إلى مقام العبودية، فقال: (وكانوا لنا عابدين)(1). والتعبير بـ «كانوا» الذي يدلّ على الماضي المستمر في هذا المنهج، ربّما كان إشارة إلى أنّ هؤلاء كانوا رجالا صالحين موحّدين مؤهّلين حتّى قبل الوصول إلى مقام النّبوّة والإمامة، وفي ظلّ ذلك المخطّط وهبهم الله سبحانه مواهب جديدة.

وينبغي التذكير بهذه النقطة، وهي أنّ جملة (يهدون بأمرنا) في الحقيقة وسيلة لمعرفة الأئمّة وهداة الحقّ، في مقابل زعماء وقادة الباطل الذين يقوم أساس ومعيار أعمالهم على الأهواء والرغبات الشيطانية. وفي حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «إنّ الأئمّة في كتاب الله إمامان: قال الله تبارك وتعالى: وجعلناهم أئمّة يهدون بأمرنا، لا بأمر الناس، يقدّمون ما أمر الله قبل أمرهم، وحكم

___________________________

1 ـ تقديم كلمة (لنا) على (عابدين) يدلّ على الحصر، وإشارة إلى مقام التوحيد الخالص، لهؤلاء المقدّمين الكبار، أي إنّ هؤلاء كانوا يعبدون الله فقط.

[ 207  ]

الله قبل حكمهم، قال: وجعلنا أئمّة يهدون إلى النّار، يقدّمون أمرهم قبل أمر الله، وحكمهم قبل حكم الله، ويأخذون بأهوائهم خلاف ما في كتاب الله»(1).

وهذا هو المعيار والمحك لمعرفة إمام الحقّ من إمام الباطل.

* * *

___________________________

1 ـ الآية الثّانية ـ وهي الآية (41) من سورة القصص ـ تشير إلى فرعون وجنوده، وهذا الحديث جاء في تفسير الصافي نقلا عن كتاب الكافي.




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 200

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 9087048

  • التاريخ : 30/09/2020 - 18:43

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net