سورة النجم من آية 27 ـ آخر سورة النجم من ( ص 245 ـ 284 )  

الكتاب : الامثل في تفسير كتاب الله المنزل ( الجزء السابع عش   ||   القسم : كتب في تفسير القرآن   ||   القرّاء : 3554

[245]

الايات

إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاَْخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلْئِكَة تَسْمِيَةَ الاُْنثَى( 27 ) وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْم إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغنِى مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ( 28 ) فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا ( 29 ) ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى ( 30 )

 

التّفسير

إنّ الظنّ لا يغني من الحقّ شيئاً:

هذه الآيات ـ محلّ البحث ـ كالآيات المتقدّمة، تبحث موضوع نفي عقائد المشركين.

فتقول أوّلها: (إنّ الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمّون الملائكة تسمية الاُنثى)!

أجل، إنّ هذا الكلام القبيح والمخجل إنّما يصدر من اُناس لا يعتقدون بيوم الحساب ولا بجزاء أعمالهم، فلو كانوا يعتقدون بالآخرة لما تجاسروا فقالوا مثل هذا الكلام، وأي كلام؟! كلام ليس لهم فيه أدنى دليل .. بل الدلائل العقليّة تبرهن على أنّه ليس لله من ولد، وليس الملائكة اُناثاً، ولا هم بنات الله كذلك!

[246]

والتعبير بـ «تسمية الاُنثى» إشارة إلى ما نوّهنا عنه في الآيات المتقدّمة، وهو أنّ مثل هذا الكلام لا معنى له. وإنّ هذه الأسماء لا مسميّات لها، وبتعبير آخر إنّها لا تعدو حدود التسمية، ولا واقع لها أبداً.

ثمّ يتناول القرآن واحداً من الأدلّة الواضحة على بطلان هذه التسمية فيقول معقّباً: (وما لهم به من علم إن يتّبعون إلاّ الظنّ وإنّ الظنّ لا يغني من الحقّ شيئاً).

فالإنسان الهادف والمعتقد لا يطلق كلامه دون علم ودراية، ولا ينسب أيّة نسبة لأحد دونما دليل .. فالتعويل عن الظنّ والتصوّر إنّما هو من عمل الشيطان أو من يتّصف بالشيطانيّة .. وقبول الخرافات والأشياء الموهومة دليل الإنحراف وعدم العقل!

وواضح أنّ كلمة «الظنّ» لها معنيان مختلفان، فتارةً تطلق هذه الكلمة على الأوهام التي لا أساس لها، وطبقاً لتعبير الآيات آنفة الذكر تعني الخرافات والأوهام وما تهوى الأنفس .. والمراد من هذه الكلمة في الآية هو هذا المعنى ذاته.

المعنى الآخر، الظنّ المعقول وهو ما يخطر في الذهن، ويكون مطابقاً للواقع غالباً، وعليه يكون مبنى العمل في اليوم ـ مرةً أو أكثر ـ كشهادة الشهود في المحكمة وقول أهل الخبرة وظواهر الألفاظ وأمثال ذلك، فلو أعرضنا عن مثل هذه الاُمور وعوّلنا على اليقين القطعي لأضطربت الحياة واختلّ نظامها.

ولا شكّ أنّ هذا القسم من الظنّ غير داخل في هذه الآيات، وهناك شواهد كثيرة في الآيات ذاتها على ذلك .. وفي الحقيقة أنّ القسم الثاني نوع من العلم العرفي لا الظنّ، فبناءً على هذا لا يصحّ الإستدلال بالآية (إنّ الظنّ لا يغني من الحقّ شيئاً) وأمثالها على نفي حجيّة الظنّ بشكل مطلق.

وينبغي الإلتفات إلى هذه اللطيفة والمسألة الدقيقة .. وهي أنّ الظنّ في إصطلاح الفقهاء والاُصوليين معناه «الإعتقاد الراجح»، إلاّ أنّه في اللغة أوسع

[247]

مفهوماً، فيشمل حتّى الوهم والإحتمالات الضعيفة، ومن هذا القبيل ظنّ عبدة الأوثان ـ إذ كان خرافة تظهر في أذهانهم بشكل إحتمال ضعيف. ثمّ ينهض هوى النفس فيزيّن ذلك الإحتمال، ويهمل الإحتمال الآخر الذي هو أقوى من هذا الإحتمال، ويصير الإحتمال الضعيف إعتقاداً راسخاً مع أنّه لا أساس له أبداً.

ومن أجل أن يبيّن القرآن أنّ هؤلاء الجماعة ليسوا أهلا للإستدلال والمنطق الصحيح، وقد ألهاهم حبّ الدنيا عن ذكر الله وجرّهم إلى الوحل في خرافاتهم وأوهامهم يضيف قائلا: (فأعرض عمّن تولّى عن ذكرنا ولم يرد إلاّ الحياة الدنيا).

والمراد من (ذكرنا) في إعتقاد أغلب المفسّرين هو «القرآن»، وقد يُفسّر بأنّه الدلائل المنطقية والعقلية التي توصل الإنسان إلى الله، كما احتملوا أن يكون المراد هو ذكر الله الذي يقابل الغفلة عند الإنسان.

إلاّ أنّ الظاهر أنّ هذا التعبير ذو مفهوم واسع بحيث يشمل كلّ توجّه نحو الله، سواء أكان ذلك عن طريق القرآن، أو عن طريق العقل، أو عن طريق السنّة، أو تذكّر القيامة وما إلى ذلك!

ويستفاد من هذه الآية ـ ضمناً ـ أنّ هناك علاقة بين الغفلة عن ذكر الله والإقبال على الماديات، وبين زخرف الدنيا وزبرجها وأنّ بينهما تأثيراً متلازماً!

فالغفلة عن ذكر الله تسوق الإنسان نحو عبادة الدنيا، كما أنّ عبادة الدنيا تصرف الإنسان عن ذكر الله، فيكون غافلا عنه ـ وهما جميعاً يقترنان مع هوى النفس، وبالطبع فإنّ الخرافات التي تنسجم مع هوى النفس تتزيّن في نظر الإنسان وتتبدّل تدريجاً إلى إعتقاد راسخ!

وربّما لا حاجة إلى التذكير أنّ الأمر بالإعراض عن هذه الفئة (أهل الدنيا) لا ينافي تبليغ الرسالة الذي هو وظيفة النّبي الأساسيّة، لأنّ التبليغ والإنذار والبشارة كلّها لا تكون إلاّ في موارد إحتمال التأثير، فحيث يعلم ويتيقّن عدم التأثير فلا يصحّ هدر الطاقات، وينبغي الإعراض بعد إتمام الحجّة.

[248]

كما ينبغي الإشارة إلى أنّ الأمر بالإعراض عمّن تولّى عن ذكر الله، ليس مختصّاً بالنّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بل هو شامل لجميع الدعاة في طريق الحقّ، ليصرفوا طاقاتهم الكريمة في ما يحتمل تأثيرها فيه، أمّا عبدة الدنيا وموتى القلوب الذين لا أمل في هدايتهم فينبغي ـ بعد إتمام الحجّة عليهم ـ الإعراض عنهم ليحكم الله حكمه فيهم!.

وفي آخر آية من الآيات محلّ البحث يثبت القرآن إنحطاط أفكار هذه الفئة فيقول مضيفاً: (ذلك مبلغهم من العلم).

أجل، إنّ أوج أفكارهم منته إلى هذا الحدّ وهو اُسطورتهم أنّ الملائكة بنات الله!! ـ وخبطهم في الخرافات .. وهذه آخر نقطة تبلغ إليه همّتهم، إذ نسوا الله وأقبلوا على الدنيا وإستعاضوا عن جميع شرفهم ووجودهم بالدينار والدرهم!

وهذه الجملة (ذلك مبلغهم من العلم) يمكن أن تكون إشارةً إلى خرافاتهم كعبادة الأصنام وجعلهم الملائكة بنات الله: أي أنّ منتهى علمهم هو هذه الأوهام!.

أو أنّها إشارة إلى حبّ الدنيا والأسر في قبضة الماديات، أي أن؟ منتهى إدراكهم هو قناعتهم بالأكل والشرب والنوم والمتاع الفاني في هذه الدنيا وزبرجها وزخرفها الخ.

وقد جاء في الدعاء المعروف في أعمال شعبان المنقول عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «ولا تجعل الدنيا أكبر همّنا ولا مبلغ علمنا»(1).

وتختتم الآية بالقول: (إنّ ربّك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى) ختام الآية يشير إلى هذه الحقيقة، وهي أنّ الله يعرف الضالّين جيّداً كما يعرف المهتدين أيضاً، فيصبّ غضبه على الضالّين ويسبغُ لطفه على المهتدين، ويجازي كلاًّ بعمله يوم القيامة.

* * *

______________________________________

1 ـ جاء هذا الدعاء من دون الإشارة إلى أنّه من أعمال شهر شعبان في مجمع البيان وفي تفاسير اُخرى ذيل الآية محلّ البحث.

[249]

ملاحظة

رأس مال عبدة الدنيا:

الطريف أنّ الآيات الآنفة في الوقت الذي تنسب العلم لعبدة الدنيا، إلاّ أنّها تعدّهم ضالّين، وهذا يدلّ على أنّ العلوم التي لا تهدف إلى شيء سوى الماديّات فمن وجهة نظر القرآن ليست علوماً، بل هي الضلالة بعينها.

ومن الغريب أنّ كلّ هذه الشِقوة والحروب وسفك الدماء والظلم والتجاوز والفساد والتلوّث ناشىء من علوم الضلال هذه ـ ومن الذين منتهى ما توصّلت إليه علومهم حبّ الدنيا والحياة الفانية، ولا يتّسع اُفق متطلّباتهم لأكثر من متطلّبات الحيوان.

أجل، إنّ علوم «التقنية» والمسائل الحديثة إذا لم تكن تسعى لأهداف أسمى من الماديّات، فهي الجهل بعينه، وإذا لم تؤدّ إلى نور الإيمان فهي الضلال!.

 

* * *

[250]

الآيتان

وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَـوَتِ وَمَا فِى الاَْرْضِ لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسَئُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ( 31 ) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـئِرَ الإثْمِ وَالْفَوَحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأْكُم مِّنَ الاَْرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِى بُطُونِ أُمَّهَـتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ( 32 )

 

التّفسير

لا تزكّوا أنفسكم:

لمّا كان الكلام في الآيات المتقدّمة عن علم الله بالضالّين والمهتدين، فإنّ الآيات أعلاه تتمّة لما جاء آنفاً، تقول: (ولله ما في السماوات وما في الأرض).

فالمالكية المطلقة في عالم الوجود له وحده، والحاكمية المطلقة على هذا العالم له أيضاً، ولذلك فإنّ تدبير عالم الوجود بيده فحسب. ولمّا كان الأمر كذلك فهو وحده الجدير بالعبادة والشفاعة!

إنّ هذفه الكبير من هذا الخلق الواسع ليتألّف الإنسان في عالم الوجود وليسير في مسير التكامل في ضوء المناهج التكوينية والتشريعيّة وتعليم الأنبياء

[251]

وتربيتهم، لذلك فإنّ القرآن يذكر نتيجة هذه المالكية فيختتم الآية بالقول: (ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى)(1).

ثمّ يصف القرآن المحسنين في الآية التالية فيقول: (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلاّ اللمم).

و «الكبائر» جمع كبيرة، و «الإثم» في الأصل هو العمل الذي يُبعد الإنسان عن الخير والثواب، لذلك يطلق على الذنب عادةً، و «اللمم» على وزن القلم ـ كما يقول الراغب في المفردات معناه الإقتراب من الذنب، وقد يعبّر عن الذنوب الصغيرة باللمم أيضاً، وهذه الكلمة في الأصل مأخوذة من الإلمام ومعناها الإقتراب من شيء دون أدائه، وقد يطلق «اللمم» على الأشياء القليلة أيضاً «وإطلاقه على الذنوب الصغيرة من هذا الباب».

وقد فسّر المفسّرون «اللمم» في هذه الحدود، فقال بعضهم: هو الذنوب الصغيرة، وقال آخرون هو نيّة المعصية دون أدائها، وفسّره غيرهم بأنّ اللمم معاص لا أهميّة لها.

وربّما قالوا بأنّ اللمم يشمل الذنوب الصغيرة والكبيرة على أن لا تكون معتادة والتي تقع أحياناً فيتذكّرها الإنسان فيتوب منها.

وهناك تفاسير متعدّدة لهذه الكلمة في الرّوايات الإسلامية، فقد جاء عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: اللمم الرجل يلمّ به الذنب فيستغفر الله منه(2) وورد عنه أيضاً أنّه قال: هو الذنب يلمّ به الرجل فيمكث ما شاء الله ثمّ يلمّ به بعد(3).

كما وردت روايات اُخرى في هذا المعنى أيضاً.

______________________________________

1 ـ «اللام» في (ليجزي) هي لام الغاية، فبناًءً على ذلك الجزاء هو غاية الخلق، وإن كان بعضهم يعتقد بأنّ «ليجزي» متعلّق بأعلم في الآية السابقة، وأنّ جملة (ولله ما في السماوات والأرض) معترضة، إلاّ أنّ هذا الإحتمال يبدو بعيداً ..

2 ـ الكافي، ج2 كتاب الإيمان والكفر باب اللمم 320.

3 ـ المصدر السابق.

[252]

والقرائن الموجودة في هذه الآية تشهد على هذا المعنى أيضاً .. إذ قد تصدر من الإنسان بعض الذنوب، ثمّ يلتفت إليها فيتوب منها، لأنّ إستثناء اللمم من الكبائر (مع الإلتفات إلى أنّ ظاهر الإستثناء كونه إستثناءً متّصلا) يشهد على هذا المعنى.

أضف إلى ذلك فإنّ الجملة التالية بعد الآية في القرآن تقول: (إنّ ربّك واسع المغفرة)!.

وهذا يدلّ على أنّ ذنباً صدر من الإنسان وهو بحاجة إلى غفران الله، لا أنّه قصد الإقتراب منه ونواه دون أن يرتكبه.

وعلى كلٍّ فالمراد من الآية أنّ الذين أحسنوا من الممكن أن ينزلقوا في منزلق ما فيذنبوا، إلاّ أنّ الذنب على خلاف سجيّتهم وطبعهم وقلوبهم الطاهرة ـ وإنّما تقع الذنوب عَرضَاً، ولذلك فما أن يصدر منهم الذنب إلاّ ندموا وتذكّروا وطلبوا المغفرة من الله سبحانه كما نقرأ في الآية (201) من سورة الأعراف إذ تشير إلى هذا المعنى: (إنّ الذين اتّقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكّروا فإذا هم مبصرون).

ونظير هذا المعنى في الآية (135) من سورة آل عمران إذ تقول في وصف المحسنين والمتّقين: (والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم)!

فكلّ هذا شاهد على ما جاء من تفسير «اللّمم».

ونختتم بحثنا هنا بحديث للإمام الصادق (عليه السلام) إذ أجاب على سؤال حول تفسير الآية ـ محلّ البحث ـ فقال: «اللمام العبد الذي يلمّ بالذنب بعد الذنب ليس من سليقته أي من طبيعته»(1).

______________________________________

1 ـ الكافي، ج2 باب اللمم ص321.

[253]

ويتحدّث القرآن في ذيل الآية عن علم الله المطلق مؤكّداً عدالته في مجازاة عباده حسب أعمالهم فيقول: (هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنّة في بطون اُمّهاتكم)(1).

وقوله «أنشأكم من الأرض» إمّا هو بإعتبار الخلق الأوّل عن طريق آدم (عليه السلام)الذي خلقه من تراب، أو بإعتبار أنّ ما يتشكّل منه وجود الإنسان كلّه من الأرض، حيث له الأثر الكبير في التغذية وتركيب النطفة، ثمّ بعد ذلك له الأثر في مراحل نمو الإنسان أيضاً.

وعلى كلّ حال، فإنّ الهدف من هذه الآية أنّ الله مطّلع على أحوالكم وعليم بكم منذ كنتم ذرّات في الأرض ومن يوم إنعقدت نطفتكم في أرحام الاُمّهات في أسجاف من الظلمات فكيف ـ مع هذه الحال ـ لا يعلم أعمالكم؟!

وهذا التعبير مقدّمة لما يليه من قوله تعالى: (فلا تزكّوا أنفسكم هو أعلم بمن أتقى)!

فلا حاجة لتعريفكم وتزكيتكم وبيان أعمالكم الصالحة، فهو مطّلع على أعمالكم وعلى ميزان خلوص نيّاتكم، وهو أعرف بكم منكم، ويعلم صفاتكم الداخلية والخارجية.

قال بعض المفسّرين أنّ الآيتين آنفتي الذكر نزلتا في جماعة كانوا يمدحون أنفسهم بعد أداء الصوم أو الصلاة فيقولون: إنّنا صلّينا وصمنا وقمنا بكذا وكذا .. فنزلت الآيتان ونهتهم عن تزكية الأنفس(2).

 

* * *

 

______________________________________

1 ـ الأجنّة: جمع جنين: الطفل الذي في بطن اُمّه ..

2 ـ روح المعاني، ج7، ص55.

[254]

بحوث

1 ـ علم الله المطلق

مرّة اُخرى يشار في هاتين الآيتين إلى علم الله المطلق وسعته، إلاّ أنّ التعبير فيهما تعبير جديد، لأنّه يستند إلى لطيفتين(1) وهما من أشدّ حالات الإنسان خفاءً والتواءً .. حالة خلق الإنسان من التراب إذ ما تزال عقول المفكّرين حائرةً فيها، فكيف يوجد موجود حي من موجود لا روح فيه (ميّت)؟ وممّا لا شكّ فيه أنّ هذا الأمر حدث في السابق سواءً في الإنسان أو الحيوانات الاُخر، ولكن في أيّة ظروف؟! فالمسألة في غاية الخفاء والإلتواء بحيث ما تزال أسرارها مطوية ومكتومة عن علم الإنسان.

والاُخرى مسألة التحوّلات المفعمة بالأسرار في وجود الإنسان في مرحلة الجنين، فهي أيضاً من الأسرار الغامضة في كيفية خلق الإنسان وإن كان شبح منها قد إنكشف لعلم البشر، إلاّ أنّ الأسئلة حول أسرار الجنين التي ما زالت دون جواب كثيرة.

فالمطّلع على هاتين الحالتين من جميع أسرار وجود الإنسان وتحوّلاته وتغييراته وهاديه ومربّيه، كيف يكون غير عالم بأعماله وأفعاله! ولا يجازي كلاًّ بحسب ما يقتضيه عمله!

إذاً، فهذا العلم المطلق أساس عدالته المطلقة!

 

2 ـ ما هي كبائر الإثم

هناك كلام طويل بين المفسّرين من جهة، والفقهاء والمحدّثين من جهة اُخرى في شأن الذنوب الكبيرة المشار إليها في بعض الآيات من القرآن(2).

______________________________________

1 ـ اللطيفة: ما فيها من دقّة وخفاء.

2 ـ كما في النساء الآية (31) والشورى الآية (37) والآيات محلّ البحث.

[255]

فبعضهم يعتقد أنّ جميع الذنوب تعدّ من الكبائر، لأنّ كلّ ذنب ـ أمام الخالق الكبير يعدّ ذنباً كبيراً.

في حين أنّ بعضهم ينظر إلى الذنوب نظرةً نسبيّة فيرى كلّ ذنب بالنسبة إلى ما هو أهمّ منه صغيراً وبالعكس.

وقال آخرون إنّ الكبائر ما جاء الوعيد من قبل الله في القرآن بإرتكابها!

وربّما قيل إنّ الكبائر ما يجري عليها «الحدّ» الشرعي.

إلاّ أنّ الأفضل أنّ يقال بأنّه مع ملاحظة أنّ التعبير بالذنوب الكبيرة دليل على عظمها، فكلّ ذنب فيه أحد الشروط التالية يعدّ كبيراً:

أ ـ الذنوب التي ورد الوعيد من قبل الله في شأنها والعذاب لمرتكبها.

ب ـ الذنوب المذكورة في نظر أهل الشرع ولسان الرّوايات بأنّها عظيمة.

ج ـ الذنوب التي عدّتها المصادر الشرعيّة أكبر من الذنوب التي هي من الكبائر.

د ـ وأخيراً الذنوب المصرّح بها في الرّوايات المعتبرة بأنّها من الكبائر!.

وقد ورد ذكر الكبائر في الرّوايات الإسلامية مختلفاً عددها فيه، إذ جاء في بعضها أنّها سبع «قتل النفس، وعقوق الوالدين، وأكل الربا، والعودة إلى دار الكفر بعد الهجرة، ورمي المحصنات بالزنا، وأكل مال اليتيم، والفرار من [الزحف ]الجهاد»(1).

وقد جاء في بعض الرّوايات ذكر هذا النصّ: «كلّما أوجب عليه الله النار» [مكان عقوق الوالدين].

وجاء في بعض الرّوايات أنّها «عشر»، وأوصلتها روايات اُخر إلى «تسع عشرة» كبيرةً! وربّما ترقّى هذا العدد إلى أكثر ممّا ذكر في بعض الرّوايات أيضاً(2).

______________________________________

1 ـ الوسائل، ج11 ـ أبواب جهاد النفس الباب 46 الحديث 1.

2 ـ لمزيد الإيضاح يراجع المصدر السابق الباب 46 من أبواب جهاد النفس وقد جاء في هذا الباب سبع وثلاثون رواية ..

[256]

وهذا التفاوت في عدد الكبائر هو لأنّ الذنوب الكبيرة ليست بمرتبة واحدة، فبعضها أهمّ من بعض، وبتعبير آخر يعدّ أكبر الكبائر، فبناءً على هذا لا تضادّ بين الرّوايات في إختلاف العدد.

 

3 ـ تزكية النفس:

«تزكية النفس» قبيح إلى درجة أنّها يضرب بها المثل! فيقال تزكية المرء نفسه قبيحة.

وأساس هذا العمل القبيح وأصله عدم معرفة النفس، لأنّ الإنسان إذا عرف نفسه حقّاً تصاغر أمام عظمة الخالق ورأى أعماله لا شيء لما عليه من مسؤولية، ولما وهبه الله من النعم العظيمة، وإذاً لما خطا أيّة خطوة نحو تزكية النفس.

والغرور والغفلة والإستعلاء والأفكار الجاهلية أيضاً بواعث اُخر على هذا العمل القبيح!

وحيث أنّ تزكية النفس تكشف عن إعتقاد الإنسان بكماله فهي مدعاة إلى تخلّفه! لأنّ رمز التكامل الإعتراف بالتقصير وقبول وجود النواقص والضعف!

ومن هنا نرى أولياء الله يعترفون بتقصيرهم أمام الله وما عليهم من وظائف من قِبَلِه! وينهون الناس عن تزكية النفس وتعظيم أعمالهم!.

فقد ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) في تفسير الآية الكريمة (فلا تزكّوا أنفسكم)أنّه قال: «لا يفتخر أحدكم بكثرة صلاته .. وصومه وزكاته ونسكه لأنّ الله عزّوجلّ أعلم بمن اتّقى»(1).

ويقول الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في إحدى رسائله إلى معاوية مشيراً إلى هذا المضمون في ما يقول: «ولولا ما نهى الله عنه من تزكية المرء نفسه لذكر

______________________________________

1 ـ نور الثقلين، ج5، ص165.

[257]

ذاكر فضائل جمّة، تعرفها قلوب المؤمنين ولا تمجّها آذان السامعين» «يعني بذلك نفسه (عليه السلام)»(1).

«وفي هذا الصدد أوردنا بحثاً مفصّلا في هذا التّفسير ذيل الآية 49 من سورة النساء فراجع إن شئت».

ولا ننسى أن نقول إنّ الضرورات قد توجب على الإنسان أحياناً تزكية نفسه أمام الغير بكلّ ما لديه من إمتيازات حتّى لا تسحق أهدافه المقدّسة، وبين هذا النوع من التعريف بالنفس وتزكية النفس المذموم إختلافاً كبيراً.

ومن أمثلة ذلك خطبة الإمام زين العابدين في مسجد بني اُميّة في الشام لما أراد أن يعرف نفسه وأهل بيته لأهل الشام ليحبط مؤامرة الاُمويين بكون الحسين والشهداء معه خوارج ويفضحهم!!

وقد ورد في بعض الرّوايات أنّه سئل الإمام الصادق عن «تزكية النفس» فقال نعم إذا اضطرّ إليه ـ أما سمعت قول يوسف أحياناً للضرورة ـ ثمّ استدلّ بموضعين من كلام الأنبياء أحدهما إقتراح يوسف على عزيز مصر أن يكون مسؤولا ومشرفاً على خزائن مصر وتعقيبه: (إنّي حفيظ عليم) .. وقول العبد الصالح: (أنا لكم ناصح أمين).(2)

* * *

______________________________________

1 ـ نهج البلاغة، من كتاب له برقم 28.

2 ـ نور الثقلين، ج5، ص166.

[258]

الايات

أَفَرَءَيْتَ الَّذِى تَوَلَّى ( 33 ) وَأَعْطَى قَلِيلا وَأَكْدَى ( 34 ) أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى ( 35 ) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِى صُحُفِ مُوسَى ( 36 )وَإِبْرَهِيمَ الَّذِى وَفَّى ( 37 ) أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ( 38 ) وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَنِ إِلاَّ مَا سَعَى ( 39 ) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ( 40 ) ثُمَّ يُجْزَيهُ الْجَزَاءَ الاَْوْفَى( 41 )

 

سبب النّزول

ذكر أغلب المفسّرين أسباباً لنزول الآيات أعلاه، إلاّ أنّها لا تنسجم كثيراً مع الآيات هذه، وما هو معروف بكثرة شأنان للنّزول:

1 ـ إنّ هذه الآيات ناظرة إلى «عثمان بن عفّان» حيث كانت لديه أموال طائلة وكان ينفق منها، فقال له بعض أرحامه وإسمه «عبدالله بن سعد»: إذا واصلت إنفاقك فلا يبقى عندك شيء، فقال عثمان: لدي ذنوب واُريد أن أنال بإنفاقي رضا ربّي وعفوه. فقال له عبدالله: إن أعطيتني ناقتك بما عليها من جهاز تحمّلت ذنوبك وجعلتها في رقبتي، ففعل عثمان وأشهده على ما اتّفق عليه وإمتنع من الإنفاق بعدئذ. «فنزلت الآيات وذمّت هذا العمل بشدّة، وأوضحت أنّه لا يمكن لأحد أن

[259]

يحمل وزر الآخر وكلّ ينال جزاء سعيه»(1).

2 ـ إنّ الآية في شأن «الوليد بن المغيرة» إذ جاء إلى النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وصبا إلى الإسلام فلامه بعض المشركين وقال: تركت ما كان عليه كبراؤنا وعددتهم ضلاّلا وظننت أنّهم من أهل النار! فقال إنّي أخاف من عذاب الله. فقال له اللائم: إن أعطيتني شيئاً من مالك ورجعت إلى الشرك تحمّلت وزرك وجعلته في رقبتي! ففعل الوليد بن المغيرة ذلك إلاّ أنّه لم يُعط من المال المتّفق عليه إلاّ قليلا. فنزلت الآية ووبّخته على إرتداده من الإيمان(2).

 

التّفسير

كلّ يتحمّل مسؤولية أعماله:

كان الكلام في الآيات السابقة في أن يجزي الله تعالى من أساء بإساءته ويثيب المحسنين بإحسانهم .. وبما أنّه من الممكن أن يتصوّر أن يعذّب أحد بذنب غيره أو أن يتحمّل أحد وزر غيره، فقد جاءت هذه الآيات لتنفي هذا التوهّم في المقام، وبيّنت هذا الأصل الإسلامي المهمّ أنّ كلاًّ يرى نتيجة عمله، فقالت أوّلا: (أفرأيت الذي تولّى) أي تولّى من الإسلام أو الإنفاق!؟ (وأعطى قليلا وأكدى)(3) بمعنى أنّه أنفق القليل ثمّ إمتنع وأمسك وهو يظنّ أنّ غيره سيحمل وزره يوم القيامة ..

فأيّ رجل جاءهم من الغيب و «القيامة» فأخبرهم بأنّه يمكن أخذ الرشوة وتحمّل آثام الآخرين؟ أو من جاءهم من قبل الله فأخبرهم بأنّ الله راض عن هذا

______________________________________

1 ـ ذكره الطبرسي في مجمع البيان ومفسّرون آخرون أمثال الزمخشري في الكشّاف والفخر الرازي في التّفسير الكبير .. ويضيف الطبرسي أنّه ذكره ابن عبّاس والسدي والكلبي وجماعة من المفسّرين!..

2 ـ ذكر هذا الشأن صاحب مجمع البيان والقرطبي وروح البيان .. وروح المعاني وبعض التفاسير الاُخر.

3 ـ أكدى مأخوذ من الكدية ومعناه الصلابة، ثمّ أطلق على من يمسك والبخيل.

[260]

التعامل إلاّ ما تدور في أذهانهم من أوهام؟ فهم يتّبعون ما يتوهّمون فراراً من تحمّل المسؤولية.

وبعد هذا تأتي الآية الاُخرى لتبيّن إعتراض القرآن الشديد على ذلك، وبيان لأصل كلّي مطّرد في الأديان السماوية كلّها فتقول: تُرى أهذا الذي إمتنع عن الإنفاق أو الإيمان بالوعود الخيالية. ويريد أن يخلص نفسه من عذاب الله بإنفاقه اليسير والزهيد من أمواله، أتغنيه هذه الخيالات والتصوّرات: (أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفّى)(1).

«إبراهيم»: هو ذلك النّبي العظيم الذي أدّى حقّ رسالة الله، وبلّغ ما أمره به ووفى بجميع عهوده ومواثيقه، ولم يخش تهديد قومه وطاغوت زمانه، ذلك الإنسان الذي امتُحن بمختلف الإمتحانات حتّى بلغ به أن يقدّم ولده ليذبحه بأمر الله، وخرج منتصراً مرفوع الرأس من جميع هذه الإمتحانات ونال المقام السامي لقيادة الاُمّة .. كما نقرأ هذا المعنى في الآية (124) من سورة البقرة إذ تقول: (وإذا إبتلى إبراهيم ربّه بكلمات فأتمّهنّ قال إنّي جاعلك للناس إماماً).

وقال بعض المفسّرين في توضيح معنى الآية: أنّه بذل نفسه للنيران وقلبه للرحمن وولده للقربان وماله للاُخوان(2).

ثمّ تأتي الآية الاُخرى لتقول: (ألاّ تزرُ وازرة وزر اُخرى).

«الوِزْرُ» في الأصل مأخوذ من «الوَزَرِ» ـ على زنة خطر ـ ومعناه المأوى أو الكهف أو الملجأ الجبلي، ثمّ استعلمت هذه الكلمة في الاعباء الثقيلة! لشباهتها الصخور الجبلية العظيمة، وأطلقت على الذنب أيضاً، لأنّه يترك عبئاً ثقيلا على ظهر الإنسان.

______________________________________

1 ـ وفّى مصدره توفية معناه البذل والأداء التامّ ..

2 ـ روح البيان، ج9، ص246.

[261]

والمراد من «الوازرة» من يتحمّل الوزر(1).

ولمزيد الإيضاح يضيف القرآن قائلا: (وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى)(2).

«السعي» في الأصل معناه السير السريع الذي لا يصل مرحلة الركض، إلاّ أنّه يستعمل غالباً في الجدّ والمثابرة، لأنّ الإنسان يؤدّي حركات سريعة في جدّه ومثابرته سواءً كان ذلك في الخير أو الشرّ!

والذي يسترعي الإنتباه أنّ القرآن لا يقول: وان ليس للإنسان إلاّ ما أدّى من عمل .. بل يقول: إلاّ ما سعى. وهذا التعبير إشارة إلى أنّ على الإنسان أن يجدّ ويثابر فذلك هو المطلوب منه وإن لم يصل إلى هدفه، فالعبرة بالنيّة، فإذا نوى خيراً أعطاه الله ثوابه، لأنّ الله يتقبّل النيّات والمقاصد لا الأعمال المؤدّاة فحسب.

أمّا الآية التالية فتقول: (وأنّ سعيه سوف يُرى) فالإنسان لا يرى غداً نتائج أعماله التي كانت في مسير الخير أو الشرّ فحسب، بل سيرى أعماله نفسها يوم الحساب، كما نجد التصريح بذلك في الآية (30) من سورة آل عمران: (يوم تجد كلّ نفس ما عملت من خير محضراً).

كما ورد التصريح بمشاهدة الأعمال الصالحة والطالحة عند القيامة في سورة الزلزلة الآيتين (7) و8): (فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرّة شرّاً يره)!

أمّا الآية الأخيرة من الآيات محل البحث فتقول: (ثمّ يجزاه الجزاء الأوفى)(3).

والمراد من «الجزاء الأوفى» هو الجزاء الذي يكون طبقاً للعمل. وبالطبع هذا

______________________________________

1 ـ أتت لفظ الوازرة لكونه وصفاً للنفس المحذوفة في الآية ومثلها تأنيث اُخرى.

2 ـ كلمة «ما» في «ما سعى» مصدرية.

3 ـ نائب الفاعل في يُجزاه ضمير يعود على الإنسان والهاء في يجزاه تعود على العمل (مع حذف حرف الجرّ) وتقدير الآية هكذا ثمّ يجزى الإنسان بعمله أو على عمله الجزاء الأوفى .. يقول الزمخشري في الكشّاف: يمكن أن لا يكون هناك حرف مقدّر لأنّه يقال يُجزى العبد سعيه .. إلاّ أنّه ينبغي الإلتفات إلى أنّه يقال مثلا جزاه الله على عمله ويندر أن يقال جزاه الله عمله، والجزاء الأوفى يمكن أن يكون مفعولا ثانياً أو مفعولا مطلقاً.

[262]

لا ينافي لطف الله وتفضّله بأن يضاعف الجزاء على الأعمال الصالحة عشرة أضعاف أو عشرات الأضعاف ومئاتها وإلى ما شاء الله! وما فسّره بعضهم بأنّ «الجزاء الأوفى» معناه الجزاء الأكثر في شأن الحسنات، لا يبدو صحيحاً، لأنّ كلام هذه الآية يشمل الذنوب والأعمال الطالحة، بل الكلام فيها أساساً على الوزر والذنب «فلاحظوا بدقّة»!

* * *

 

بحوث

1 ـ ثلاثة اُصول إسلامية مهمّة

اُشير في الآيات ـ آنفة الذكر ـ إلى ثلاثة اُصول من الاُصول الإسلامية، وقد أكّدت عليها الكتب السماوية السابقة وهي:

أ ـ كلّ إنسان مسؤول عن ذنبه ووزره.

ب ـ ليس للإنسان في آخرته إلاّ سعيه.

ج ـ يُجزي الله كلّ إنسان على عمله الجزاء الأوفى.

وهكذا فإنّ القرآن يشجب الكثير من الأوهام والخرافات التي يهتمّ بها عامّة الناس أو السائدة بينهم وكأنّها مذهب عقائدي!

والقرآن لا ينفي ـ عن هذا الطريق ـ عقيدة العرب المشركين الذين يعتقدون أنّ بإمكان الإنسان أن يتحمّل وزر الآخر فحسب! بل ينفي الإعتقاد الذي كان سائداً ـ ولا يزال ـ بين المسيحيين، وهو أنّ الله أرسل إبنه المسيح ليصلب ويذوق العذاب والألم ويحمل على عاتقه ذنوب المذنبين!.

وكذلك يحكم على جماعة من القسسة والرهبان بقبح عملهم لما كانوا يبيعونه من صكوك الغفران ومنح قطع الأراضي في الجنّة لمن يشاؤون، والعفو عن المخطئين!! فكلّ هذه الاُمور باطلة.

[263]

ومنطق العقل أيضاً يقتضي أنّ كلاّ مسؤول عن عمله، ويعود عليه عمله بالنفع أو الضرر.

وهذا المبدأ الإسلامي يؤدّي إلى أن يسعى الإنسان إلى الخير وأن يجتهد بدلا من الإلتجاء إلى الخرافات أو أن يتحمّل آثامه غيره! وأن يتجنّب الذنب ويتّقي الله، وإذا ما اتّفق له أن عثرت قدمه في معصية، فعليه أن يبادر إلى التوبة ويجبر ذلك بالإستغفار والعمل الصالح!

وتأثير هذه العقيدة التربوية في الناس واضح تماماً ولا يقبل الإنكار، كما أنّ أثر تلك المعتقدات الجاهلية الفاسدة ـ المخرّب لا يخفى على أحد.

وصحيح أنّ هذه الآيات ناظرة إلى السعي والمثابرة والعمل للآخرة ورؤية الثواب في الآخرة! إلاّ أنّ الملاك والمعيار الأصلي له يتجلّى في الدنيا أيضاً .. أي أنّ الأفراد المؤمنين لا ينبغي لهم أن يتوقّعوا من الآخرين أن يعملوا لهم ويحلّوا مشاكلهم الإجتماعية، بل عليهم أنفسهم أن ينهضوا ويجدّوا ويثابروا أبداً.

ويستفاد من هذه الآيات أصل حقوقي في المسائل الجزائية أيضاً، وهو أنّ الجزاء أو العقاب إنّما ينال المذنب الحقيقي، وليس لأحد أن يجعل إثم غيره في ذمّته!

 

2 ـ سوء الإستفادة من مفاد الآية:

كما بيّنا آنفاً، فإنّ هذه الآيات بقرينة الآيات التي قبلها والآيات التي بعدها ناظرة إلى سعي الإنسان لاُمور الآخرة، إلاّ أنّه مع هذه الحال ـ لما كان ذلك على أساس حكم عقلي مسلّم به فيمكن تعميم السعي والجدّ حتّى يشمل السعي لاُمور الدنيا ويشمل أيضاً الجزاء الدنيوي. إلاّ أنّ ذلك لا يعني أن يتأثّر بعضهم بالمذاهب الإشتراكية فيقول: إنّ مفهوم الآية أنّ المالكية إنّما تحصل عن طريق العمل فحسب، وبذلك يخطّي قانون الإرث والمضاربة والإجارة وأمثالها!

[264]

والعجب أنّه ينادي بالإسلام ويستدلّ بآيات القرآن أيضاً مع أنّ مسألة الإرث من الاُصول الإسلامية القطعية، وكذلك الخمس والزكاة! علماً بأنّه لم يسع الوارث إلى إرثه ولا مستحقّو الزكاة أو الخمس إليهما، ولم يقع سعي في مواطن النذر والوصايا ومع كلّ ذلك فإنّ القرآن الكريم ذكر هذه الاُمور.

وبتعبير آخر أنّ هذا هو الأصل، إلاّ أنّه غالباً ما يوجد إستثناء أمام كلّ أصل، فمثلا الولد يرث أباه هذا أصل إسلامي، لكن متى قتل الولد أباه أو خرج عن الإسلام حُرم حقّ الإرث.

وكذلك نتيجة سعي كلّ شخص تعود عليه أو إليه، هذا هو الأصل، إلاّ أنّه لا مانع من أن يعطي مقدار من المال للآخر طبقاً لقرار الإجارة بين الطرفين، وهو أصل قرآني(1) كذلك، أو أن ينتقل المال عن طريق النذر أو الوصية، كما صرّح به القرآن الكريم.

 

3 ـ الجواب على سؤالين

يرد هنا سؤالان وينبغي أن نجيب عليها:

أوّلا: إذا كان ما يناله الإنسان يوم القيامة هو نتيجة سعيه، فما معنى الشفاعة إذاً؟!

والثّاني: إنّنا نقرأ في الآية (21) من سورة الطور في شأن أهل الجنّة: (الحقنا بهم ذريّتهم)! مع أنّ الذريّة لم تسع في هذا المضمار، ثمّ إنّنا نجد في الرّوايات الإسلامية أنّ الإنسان إذا عمل عملا صالحاً فإنّ نتيجة ذلك تنعكس على أبنائه أيضاً.

والجواب على هذه الأسئلة جملة واحدة وهي أنّ القرآن يقول أنّ الإنسان

______________________________________

1 ـ جاء هذا الأصل في قصّة موسى وشعيب في سورة القصص الآية (27).

[265]

ليس له أن يأخذ أكثر من سعيه وعمله، إلاّ أنّه لا يمنع أن ينال بعض الناس اللائقين نعماً اُخر عن طريق اللطف والتفضّل الإلهي.

فالإستحقاق شيء، والتفضّل شيء آخر! كما أنّ الله يضاعف الحسنات عشرات المرّات بل مئات المرّات وآلافها أحياناً.

ثمّ ـ الشفاعة ـ كما ذكرنا في محلّه ـ ليست إعتباطاً .. ـ بل هي بحاجة إلى السعي والجدّ وإيجاد العلاقة بالشافع أيضاً، وكذلك الأمر في شأن ذريّة الأشخاص الصالحين، فإنّ القرآن يقول أيضاً: (واتّبعتهم ذريّتهم بإيمان)!.

 

4 ـ صحف إبراهيم وموسى

«الصحف» جمع صحيفة، وتطلق هذه الكلمة على كلّ شيء واسع كما يقال مثلا صحيفة الوجه، ثمّ استعملوا هذه الكلمة على صفحات الكتاب.

فالمراد من صحف موسى هي التوراة النازلة عليه وأمّا صحف إبراهيم فما نزل عليه من كتاب سماوي أيضاً.

ينقل المرحوم الطبرسي في مجمع البيان حديثاً عن النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في تفسير سورة الأعلى وخلاصته ما يلي.

يسأل أبو ذرّ النبي: يارسول الله كم عدد الأنبياء؟

فيجيبه النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّهم مائة الف نبي وأربعة وعشرون ألفاً.

فيسأله ثانيةً عن الرسل منهم: كم المرسلون؟

فيجيبه النبي: ثلاثمائة وثلاثة عشر وبقيّتهم أنبياء .. «والرّسول هو المأمور بالإنذار والإبلاغ في حين أنّ النّبي أعمّ منه مفهوماً».

ويسأل أبو ذرّ مرّة اُخرى: كان آدم نبيّاً؟!

فيجيب النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم): نعم، كلّمه الله وخلقه بيده.

فيسأله أبو ذرّ: كم أنزل الله من كتاب؟ فيجيب النبي: مئة وأربعة كتب أنزل الله

[266]

منها على آدم عشر صحف، وعلى شيث خمسين صحيفة وعلى أخنوخ وهو «إدريس» ثلاثين صحيفة، وهو أوّل من خطّ بالقلم، وعلى إبراهيم عشر صحائف، والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان»(1).

 

5 ـ المسؤولية عن الأعمال في كتب السابقين

الذي يلفت النظر أنّ التّوراة الحالية أوردت المضمون الذي ذكرته الآيات محلّ البحث في كتاب حزقيل إذ جاء فيه:

«الجاني الذي يذنب سيموت، والإبن لا يحمل عبء أبيه والأب لا يحمل ذنب إبنه»(2).

وجاء هذا المعنى ذاته أيضاً في مورد القتل في سفر التثنية من التوراة.

«لا يقتل الآباء عوضاً عن الأبناء ولا يقتل الأبناء عوضاً عن الآباء، فكلّ يقتل بذنبه»(3).

وبالطبع فإنّ كتب الأنبياء الأصلية ليست في متناول اليد، وإلاّ لكان من الممكن أن نعثر على موارد أكثر في شأن هذا الأصل وأمثاله.

 

* * *

______________________________________

1 ـ مجمع البيان، ج10، ص476 وذكر هذا الحديث في روح البيان أيضاً، ج9، ص246.

2 ـ كتاب حزقيل، الفصل 18 ص20.

3 ـ التوراة، سفر التثنية، باب 24 الرقم 16.

[267]

الايات

وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى ( 42 ) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ( 43 )وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ( 44 ) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى( 45 ) مِن نُّطْفَة إِذَا تُمْنَى ( 46 ) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الاُْخْرَى( 47 ) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى ( 48 ) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى( 49 )

 

التّفسير

كلّ شيء ينتهى إليه:

في هذه الآيات تتجلّى بعض صفات الله التي ترشد الإنسان إلى مسألة التوحيد وكذلك المعاد أيضاً.

ففي هذه الآيات وإكمالا للبحوث الواردة في شأن جزاء الأعمال يقول القرآن: (وأنّ إلى ربّك المنتهى).

وليس الحساب والثواب والجزاء في الآخرة بيد قدرته فحسب، فإنّ الأسباب والعلل جميعها تنتهي سلسلتها إلى ذاته المقدّسة، وجميع تدبيرات هذا العالم تنشأ من تدبيراته، وأخيراً فإنّ إبتداء هذا العالم والموجودات وإنتهاؤها

[268]

كلّها منه وإليه، وتعود إلى ذاته المقدّسة.

ونقرأ في بعض الرّوايات في تفسير هذه الآية عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «إذا انتهى الكلام إلى الله فأمسكوا»(1).

أي لا تتكلّموا في ذات الله فإنّ العقول تحار فيه ولا تصل إلى حدّ فإنّه لا يمكن للعقول المحدودة أن تفكّر في ما هو غير محدود لأنّه مهما فكّرت العقول فتفكيرها محدود وحاشا لله أن يكون محدوداً.

وبالطبع فإنّ هذا التّفسير يبيّن مفهوماً آخر لهذه الآية ولا ينافي ما ذكرناه آنفاً ويمكن الجمع بين المفهومين في الآية.

ثمّ يضيف القرآن في الآية التالية مبيّناً حاكمية الله في أمر ربوبيته وإنتهاء اُمور هذا العالم إليه فيقول: (وانّه هو أضحك وأبكى وأنّه هو أمات وأحيا وأنّه خلق الزوجين الذكر والاُنثى(2) من نطفة إذا تمنى)!

وهذه الآيات الأربع وما قبلها في الحقيقة هي بيان جامع وتوضيح طريف لمسألة إنتهاء الاُمور إليه وتدبيره وربوبيته، لأنّها تقول: إنّ موتكم وحياتكم بيده وإستمرار النسل عن طريق الزوجين بيده، وكلّ ما يحدث في الحياة فبأمره، فهو يضحك، وهو يبكي، وهو يميت، وهو يحيي، وهكذا فإنّ أساس الحياة والمعوّل عليه من البداية حتّى النهاية هو ذاته المقدّسة.

وقد جاء في بعض الأحاديث ما يوسع مفهوم الضحك والبكاء في هذه الآية ففسّرت بأنّه سبحانه: أبكى السماء بالمطر وأضحك الأرض بالنبات(3).

وقد أورد بعض الشعراء هذا المضمون في شعره فقال:

______________________________________

1 ـ تفسير علي بن إبراهيم طبقاً لما جاء في نور الثقلين، ج5، ص170.

2 ـ هذه الأفعال وإن جاءت بصيغة الماضي إلاّ أنّها تعطي معنى الفعل المضارع أيضاً والدلالة على الدوام .. (فلاحظوا بدقّة).

3 ـ نور الثقلين، ج5، ص172.

[269]

انّ فَصل الربيع فصل جميل تضحك الأرض من بكاء السماء

وما يسترعي النظر أنّ القرآن أشار إلى صفتي الضحك والبكاء دون سائر أفعال الإنسان، لأنّ هاتين الصفتين خاصّتان بالإنسان وغير موجودتين في الحيوانات الاُخر أو نادرتان جدّاً.

أمّا تصوير إنفعالات الإنسان عند الضحك أو البكاء وعلاقتهما بالتغيّرات في نفس الإنسان وروحه فانّها غريبة وعجيبة جدّاً، وكلّ هذه الاُمور في مجموعها يمكن أن تكون آية واضحة من آيات المدبّر الحقّ، بالإضافة إلى التناسب الموجود بين الضحك والبكاء والحياة والفناء!

وعلى كلّ حال، فإنتهاء جميع الاُمور إلى تدبير الله وربوبيته لا ينافي أصل الإختيار وحرية إرادة الإنسان، لأنّ الإختيار وحرية الإرادة في الإنسان أيضاً من قِبَلِ الله وتدبيره وتنتهي إليه!.

وبعد ذكر الاُمور المتعلّقة بالربوبية والتدبير من قِبَل الله يتحدّث القرآن عن موضوع المعاد فيقول: (وأنّ عليه النشأة الاُخرى).

«النشأة»: معناها الإيجاد والتربية، و «النشأة الاُخرى» ليست شيئاً سوى القيامة!

والتعبير بـ «عليه» من جهة أنّ الله لمّا خلق الناس وحمّلهم الوظائف والمسؤوليات وأعطاهم الحرية وكان بينهم المطيعون وغير المطيعون والظلمة والمظلومون ولم يبلغ أي من هؤلاء جزاءه النهائي في هذا العالم، إقتضت حكمته أن تكون نشأة اُخرى لتتحقّق العدالة.

أضف إلى ذلك فإنّ الحكيم لا يخلق هذا العالم الواسع لأيّام أو سنوات محدودة بما فيها من مسائل غير منسجمة، فلابدّ أن يكون مقدّمة لحياة أوسع تكمن فيها قيمة هذا الخلق الواسع، وبتعبير آخر إذا لم تكن هناك نشأة اُخرى فإيجاد هذا العالم لا يبلغ هدفه النهائي!

[270]

وممّا ينبغي الإلتفات إليه أنّ الله سبحانه جعل هذا الوعد لعباده وعداً محتوماً على نفسه، وصدق كلام الله يوجب أن لا يخلف وعده.

ثمّ يضيف القرآن في الآية التالية قائلا: (وأنّه هو أغنى وأقنى) فالله سبحانه لم يرفع حاجات الإنسان المادية عنه بلطفه العميم فحسب، بل أولاه غنى يرفع عنه حاجاته المعنوية من اُمور التربية والتعليم والتكامل عن طريق إرسال الرسل إليه وإنزال الكتب السماوية وإعطائه المواهب العديدة.

«وأغنى»: فعل مشتق من غني ومعناه عدم الحاجة.

«وأقنى»: فعل مشتقّ من قنية على وزن جِزيَة، ومعناها الأموال التي يدّخرها الإنسان(1).

فيكون معنى الآية على هذا النحو: هو أغنى أي رفع الحاجات الفعلية، وأقنى معناه إيلاء المواهب التي تدخّر سواء في الاُمور المادية كالحائط أو البستان والأملاك وما شاكلها، أو الاُمور المعنوية كرضا الله سبحانه الذي يُعدّ أكبر «رأس مال» دائم!

وهناك تفسير آخر لأقنى، وهو أنّه ما يقابل أغنى، أي أنّ الغنى والفقر بيد قدرته، نظير ذلك ما جاء في الآية (26) من سورة الرعد: (الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدّر).

إلاّ أنّ هذا التّفسير لا ينسجم مع ما ورد عن «أقنى» من معنى في كتب اللغة والآية المذكورة في هذا الصدد لا يمكن أن تكون «شاهداً» على هذا التّفسير.

أمّا آخر آية من الآيات محلّ البحث فتقول: (وأنّه هو ربّ الشعرى).

والتعويل في القرآن على «الشعرى» النجم المعروف في السماء بالإضافة إلى أنّه أكثر النجوم لمعاناً ويطّلع عند السحر في مقربة من الجوزاء ممّا يلفت النظر

______________________________________

1 ـ راجع المفردات للراغب، مادّة قني.

[271]

تماماً .. هذا التعويل والتصريح به لأنّ طائفةً من المشركين العرب كانت تعبده، فالقرآن يشير إلى أنّ الأولى بالعبادة هو الله لأنّه ربّ الشعرى «وربّكم».

وينبغي الإلتفات ـ ضمناً ـ أنّ هناك نجمين معروفين باسم الشعرى أحدهما إلى الجنوب ويُدعى بنجم الشعرى اليماني «لأنّ اليمن جنوب الجزيرة العربية» والآخر نجم الشعرى الشامي الواقع في الجهة الشمالية «والشام شمال الجزيرة أيضاً» إلاّ أنّ المعروف والمشهور هو الشعرى اليماني.

وهناك لطائف ومسائل خاصّة في هذا النجم «الشعرى» سنتحدّث عنه بعد قليل.

* * *

 

بحوث

1 ـ كلّ الدلائل تشير إليه

إنّ ما تثيره هذه الآيات في الحقيقة إشارة إلى هذا المعنى، وهو أنّ أي نوع من أنواع التدبير في هذا العالم إنّما يعود إلى ذات الله المقدّسة، بدءاً من مسألة الموت والحياة، إلى خلق الإنسان من نطفة لا قيمة لها، وكذلك الحوادث المختلفة التي تقع في حياة الإنسان فتضحكه تارةً وتبكيه اُخرى، كلّ ذلك من تدبير الله سبحانه.

والنجوم والكواكب المشرقة في السماء تطلع وتغيب بأمره وتحت ربوبيته.

وفي الأرض الغنى وعدم الحاجة وما يقتنيه الإنسان كلّ ذلك يعود إلى ذاته المقدّسة.

وبالطبع فإنّ النشأة الاُخرى بأمره أيضاً، لأنّها حياة جديدة وإمتداد لهذه الحياة وإستمرارها.

هذا البيان ـ يبرز خطّ التوحيد من جهة .. ومن ـ جهة اُخرى ـ خطّ المعاد،

[272]

لأنّ خالق الإنسان من نطفة لا قيمة لها في الرحم قادر على تجديد حياته أيضاً.

وبتعبير آخر، إنّ جميع هذه الاُمور كاشفة عن توحيد أفعال الله وتوحيد ربوبيته .. أجل كلّ هذي الأصداء من إيحائه!

 

2 ـ عجائب نجم الشعرى:

«نجم الشعرى» كما أشرنا إليه آنفاً من أشدّ النجوم في السماء لمعاناً وإشراقاً وهو معروف بنجم الشعرى اليماني، لأنّه يقع في جهة جنوب الجزيرة العربية، وحيث أنّ اليمن في جنوب الجزيرة أيضاً فقد أطلق عليه «باليماني»!

وكانت طائفة من العرب كقبيلة «خزاعة» تقدّس هذا النجم وتعبده وتعتقد أنّه مبدأ الموجودات على الأرض .. فتأكيد القرآن على أنّ الله ربّ الشعرى هو لإيقاظ هذه القبيلة وأمثالها من غفوتها، لئلاّ يُشتبه المخلوق بالخالق ويُجعل المربوب مكان الربّ كما كانت القبيلة آنفة الذكر عليه.

هذا النجم العجيب الخلقة لإشراقه الكثير عُدّ ملك النجوم وله أسرار وعجائب نشير إليها في هذا البحث مع ملاحظة أنّ هذه الحقائق كانت في ذلك العصر مجهولة عند العرب وغيرهم عن الشعرى فإنّ تأكيد القرآن على هذا الموضوع ذو معنى غزير!

أ ـ طبقاً للتحقيقات التي اُجريت في المراصد المعروفة في العالم عن «الشعرى» ظهر أنّ حرارة هذا النجم تبلغ 120 ألف درجة سانتيغراد!.

مع العلم أنّ حرارة سطح الشمس لا تتجاوز 6500 درجة سانتيغراد وهذا التفاوت بين الحرارتين يبيّن مدى حرارة الشعرى بالنسبة إلى الشمس.

ب ـ الجرم المخصوص لهذا النجم أثقل وزناً من الماء بمقدار خمسين ألف مرّة تقريباً، أي أنّ وزن الليتر من الماء على الشعرى يعادل خمسين طنّاً على سطح الأرض! مع أنّ من بين مجموع المنظومة الشمسية يعدّ كوكب عطارد أكثر الأجرام

[273]

في وزنه النوعي ولا يتجاوز وزنه النوعي ستّة أضعاف الوزن النوعي للماء!

فينبغي أن نعرف بهذا الوصف كم هذا النجم مثير للدهشة والعجب، ومن أي عنصر يتألّف حتّى صار مضغوطاً بهذا المستوى؟!

ج ـ يظهر نجم الشعرى ـ في قرننا ـ عند فصل الشتاء إلاّ أنّ هذا النجم أو الكوكب كان يظهر في عصر منجمّي مصر في الصيف! وهو كوكب كبير يعادل عشرين ضعفاً من كوكب الشمس، ومسافته تبعد عن الأرض أكثر من مسافة الشمس بمقدار كبير وقد ذكروا أنّ مسافة بين الشعرى والأرض تعادل مليون مرّة المسافة بيننا وبين الشمس.

ونعرف أنّ سرعة النور في الثانية 300 ألف ألف متر (ثلاثمائة ألف كيلومتر) وأنّ نور الشمس يصل إلينا خلال ثماني دقائق وثلاث عشرة ثانية مع أنّها تبعد عنّا مسافة خمسة عشر مليون كيلو «متراً» .. في حين أنّ شعاع الشعرى لا يصلنا إلاّ بعد عشر سنين، والآن قدّروا كم هي الفاصلة بين الشعرى والأرض!

د ـ لكوكب الشعرى نجم تابع له يدور حوله وهو من نجوم السماء الغامضة. وأوّل من إكتشفه عالم يدعى بسل besell عام 1844م إلاّ أنّه رؤي عام 1862 بالمجهر «التلسكوب» ويكمل هذا النجم دورته حول الشعرى في 50 عاماً(1).

كلّ هذا يدلّ أنّ تعابير القرآن إلى أيّ مدى عميقة وذات معنى غزير، وفي طيّات تعابيره حقائق كامنة إذا لم يقدّر لها أن تعرف في عصر نزولها فإنّها تتجلّى بمرور الزمان.

 

______________________________________

1 ـ دائرة المعارف الإسلامية مادّة: شعرى.

[274]

3 ـ حديث عميق المحتوى عن النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :

جاء في بعض الأحاديث أنّ النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مرّ بقوم يضحكون فقال: لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلا فنزل عليه جبرئيل فقال: إنّ الله هو أضحك وأبكى فرجع النّبي إليهم وقال ما خطوت أربعين خطوة حتّى أتاني جبرئيل فقال: ائت هؤلاء، فقل لهم: إنّ الله أضحك وأبكى(1).

وفي ذلك إشارة إلى أنّ المؤمن لا يلزمه أن يبكي دائماً، فالبكاء من خوف الله في محلّه مطلوب، والضحك في محلّه مطلوب أيضاً، لأنّهما من الله!

وعلى كلّ حال، فإنّ هذه التعابير لا تنافي أصل الإختيار وحرية الإرادة في الإنسان، لأنّ الهدف هو بيان علّة العلل وخالق هذه الغرائز والإحساسات!

وعندما نقرأ في الآية 82 من سورة التوبة قوله تعالى: (فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيراً جزاءً بما كانوا يكسبون) فهذا الأمر وارد في المنافقين، لأنّ الآيات التي قبل هذه الآية وبعدها تشهد بذلك!

الذي يلفت النظر أنّ القرآن يقسم في بداية السورة بالنجم فيقول: (والنجم إذا هوى) وفي الآية محلّ البحث يقول في بيان صفات الله: (وانّه هو ربّ الشعرى) فإذا جمعنا الآيتين جنباً إلى جنب فهمنا لِمَ لا يصحّ عبادة الشعرى، لأنّ كوكب الشعرى يأفل أيضاً، وهو أسير في قبضة قوانين الخلق!

 

* * *

______________________________________

1 ـ تفسير الدرّ المنثور، ج6، ص130.

[275]

الايات

وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الاُْولَى ( 50 ) وَثَمُودَاًْ فَمَآ أَبْقَى ( 51 ) وَقَوْمَ نُوح مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى ( 52 ) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى ( 53 )فَغَشَّـهَا مَا غَشَّى ( 54 ) فَبِأَىِّ ءَالاَءِ رَبِّكَ تَتََمارَى ( 55 )

 

التّفسير

ألا تكفي دروس العبرة هذه؟!

هذه الآيات ـ كالآيات المتقدّمة ـ تستكمل المسائل المذكورة في الصحف الاُولى وما جاء في صحف إبراهيم وموسى.

وكانت الآيات المتقدّمة قد ذكرت عشر مسائل ضمن فصلين:

الأوّل: كان ناظراً إلى مسؤولية كلّ إنسان عن أعماله.

الثاني: ناظر إلى إنتهاء جميع الخطوط والحوادث إلى الله سبحانه! أمّا الآيات محلّ البحث فتتحدّث عن مسألة واحدة ـ وإن شئت قلت ـ تتحدّث عن موضوع واحد ذلك هو مجازاة أربع اُمم من الاُمم المنحرفة الظالمة وإهلاكهم، وفي ذلك إنذار لاُولئك الذين يلوون رؤوسهم عن طاعة الله ولا يؤمنون بالمبدأ والمعاد(1).

______________________________________

1 ـ ينبغي الإلتفات بأنّ هذه المسائل أو المواضيع المشار إليها في القرآن في أحَدَ عَشرَ فصلا، كلّها بدأت بأنّ: فأوّلها جاء في الآية 38 ألاّ تزر وازرة وزر اُخرى وآخرها وأنّه أهلك عاداً الاُولى.

[276]

فتبدأ الآية الاُولى من الآيات محلّ البحث فتقول: (وأنّه أهلك عاداً الاُولى)وصف عاد بـ «الاُولى» إمّا لقدمها حتّى أنّ العرب تطلق على كلّ قديم أنّه «عاديّ» أو لوجود اُمّتين في التاريخ باسم «عاد» والاُمّة المعروفة التي كانت نبيّها هود (عليه السلام)تُدعى بـ «عاد الاُولى»(1).

ويضيف القرآن في الآية التالية قائلا: (وثمود فما أبقى).

ويقول في شأن قوم نوح: (وقوم نوح من قبل إنّهم كانوا هم أظلم وأطغى).

لأنّ نبيّهم نوحاً عاش معهم زماناً طويلا، وبذل قصارى جهده في إبلاغهم ونصحهم، فلم يستجب لدعوته إلاّ قليل منهم، وأصرّوا على شركهم وكفرهم وعتوّهم وإستكبارهم وإيذائهم نبيّهم نوحاً وتكذيبهم إيّاه وعبادة الأوثان بشكل فظيع كما سنعرض تفصيل ذلك في تفسير سورة نوح إن شاء الله.

وأمّا رابعة الاُمم فهي «قوم لوط» المشار إليهم بقوله تعالى: (والمؤتفكة أهوى).

والظاهر أنّ زلزلة شديدة أصابت حيّهم وقريتهم فقذفت عماراتهم نحو السماء بعد إقتلاعها من الأرض وقلبتها على الأرض، وطبقاً لبعض الرّوايات كان جبرئيل قد إقتلعها بإذن الله وجعل عاليها سافلها ودمّرها تدميراً .. (فغشّاها ما غشى)(2).

أجل .. لقد أُمطروا بحجارة من السماء، فغشّت حيّهم وعماراتهم المنقلبة ودفنتها عن آخرها.

وبالرغم من أنّ التعبير في هذه الآية والآية السابقة لم يصرّح بقوم لوط، إلاّ

______________________________________

1 ـ مجمع البيان وروح المعاني، وتفسير الرازي.

2 ـ «ما» في ما غشّى يمكن أن تكون مفعولا به أو فاعلا نظير والسماء وما بناها إلاّ أنّ الإحتمال الأوّل أكثر إنسجاماً مع ظاهر الآية .. وعلى كلّ حال فإنّ هذا التعبير يأتي للتهويل!

[277]

أنّ المفسّرين فهموا منه كما فهموا من الآية 70 من سورة التوبة والآية 9 من سورة الحاقة هذا المعنى من عبارة المؤتفكات، وقد إحتمل بعضهم أنّ هذا التعبير يشمل كلّ المدن المقلوبة والنازل عليها العذاب من السماء، إلاّ أنّ آيات القرآن الاُخر تؤيّد ما ذهب إليه المشهور بين المفسّرين!.

وقد جاء في الآية (82) من سورة هود: (فلمّا جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجّيل منضود)!

وجاء في تفسير علي بن إبراهيم أنّ المؤتفكة «المدينة المقلوبة» هي «البصرة»! لأنّه ورد في رواية أنّ أمير المؤمنين علياً خاطب أهلها بالقول: (ياأهل البصرة وياأهل المؤتفكة وياجند المرأة وأتباع البهيمة!

غير أنّه من المعلوم أنّ هذا التعبير في كلام الإمام علي (عليه السلام) هو من باب التطبيق والمصداق، لا التّفسير، لإحتمال أن يكون أهل البصرة يومئذ فيهم شبه بأهل المؤتفكة من الناحية الأخلاقية .. وما اُبتلي به قوم لوط من عذاب الله!

وفي ختام هذا البحث يشير القرآن إلى مجموع النعم الوارد ذكرها في الآيات المتقدّمة ويلمح إليها بصورة إستفهام إنكاري قائلا: (فبأيّ آلاء ربّك تتمارى

فهل تشكّ وتتردّد بنعم الله، كنعمة الحياة أو أصل نعمة الخلق والإيجاد، أو نعمة أنّ الله هذه لا يأخذ أحداً بوزر أحد; وما جاء في الصحف الاُولى وأكّده القرآن؟!

وهل من شاكٍّ بهذه النعمة، وهي أنّ الله أبعدكم عن البلاء الذي عمّ الاُمم السابقة بكفرهم وشملكم بعفوه ورحمته؟!

أو هل هناك شكّ في نعمة نزول القرآن وموضوع الرسالة والهداية؟

صحيح أنّ المخاطب بالآية هو شخص النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ أنّ مفهومها شامل لجميع المسلمين، بل الهدف الأصلي من هذه الآية إفهام الآخرين.

[278]

«تتمارى»(1) مشتقّ من تماري ومعناه المحاجة والمجادلة المقرونة بالشكّ والتردّد!

«آلاء» جمع: ألأ، أو إلىء ـ على وزن فعل ـ والألىء معناها النعمة .. وبالرغم من أنّ بعض ما جاء في الآيات المتقدّمة ومن ضمنها إهلاك الاُمم السابقة وتعذيبهم ليس مصداقاً للنعمة .. إلاّ أنّه من جهة كونه درساً للعبرة «للآخرين» ولأنّ الله لم يعذّب المسلمين وحتّى الكفّار المعاصرين لهم بذلك العذاب يمكن إعتبار ذلك نعمة عظيمة.

 

* * *

______________________________________

1 ـ بالرغم من أنّ باب التفاعل في اللغة العربية يدلّ على إشتراك طرفين في الفعل، إلاّ أن تتمارى هنا مخاطب به شخص واحد، وهو امّا لتعدّد الحالات أو للتأكيد .. «فلاحظوا بدقّة».

[279]

الآيات

هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الاُْولَى ( 56 ) أَزِفَتِ الاَْزِفَةُ ( 57 ) لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ ( 58 ) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ( 59 )وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ ( 60 ) وَأَنتُمْ سَـمِدُونَ ( 61 ) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا ( 62 )

 

التّفسير

اسجدوا له جميعاً ..

تعقيباً على الآيات المتقدّمة التي كانت تتحدّث عن إهلاك الاُمم السالفة لظلمهم، تتوجّه هذه الآيات ـ محلّ البحث ـ إلى المشركين والكفّار ومنكري دعوة النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فتخاطبهم بالقول: (هذا نذير من النذر الاُولى) أي النّبي أو القرآن نذير كمن سبقه من المنذرين.

وقوله عن «القرآن أو النّبي «هذا نذير من النذر الاُولى» يعني أنّ رسالة محمّد وكتابه السماوي لم يكن (أي منهما) موضوعاً لم يسبق إليه، فقد أنذر الله اُمماً بمثله في ما مضى من القرون، فعلام يكون ذلك مثار تعجّبكم؟

وقال بعض المفسّرين إنّ المراد من (هذا نذير) هو الإشارة إلى الإخبار

[280]

الوارد في الآيات المتقدّمة عن نهاية الاُمم السالفة، لأنّ هذا الإخبار بنفسه نذير أيضاً، إلاّ أنّ التّفسيرين السابقين أنسب كما يبدو.

ومن أجل أن يلتفت المشركون والكفّار إلى الخطر المحدق بهم ويهتّموا به أكثر يضيف القرآن قائلا: (أزفت الآزفة).

أجل، فقد إقترب وعد القيامة فأعدّوا أنفسكم للحساب، والتعبير بـ «الآزفة» عن القيامة هو لإقترابها وضيق وقتها، لأنّ الكلمة هذه مأخوذة من الأزف على وزن نَجَف. ومعناه ضيق الوقت، وبالطبع فإنّ مفهومه يحمل الإقتراب أيضاً ..

وتسمية القيامة بالآزفة في القرآن بالإضافة إلى هذه الآية محلّ البحث، واردة في الآية 18 من سورة غافر أيضاً .. وهو تعبير بليغ وموقظ، وهذا المعنى جاء بتعبير آخر في سورة القمر (الآية الاُولى) (إقتربت الساعة)، وعلى كلّ حال فإنّ إقتراب القيامة مع الأخذ بنظر الإعتبار عمر الدنيا المحدود والقصير يمكن إدراكه بوضوح، خاصّة ما ورد أنّ من يموت تقوم قيامته الصغرى.

ثمّ يضيف القرآن قائلا: أنّ المهمّ هو أنّه لا أحد غير الله بإمكانه إغاثة الناس في ذلك اليوم والكشف عمّا بهم من شدائد: (ليس لها من دون الله كاشفة)(1).

«الكاشفة» هنا معناه مزيحة الشدائد. إلاّ أنّ بعضهم فسّرها بأنّها العامل لتأخير القيامة، وبعضهم فسّرها بأنّها الكاشفة عن تاريخ وقوع يوم القيامة، إلاّ أنّ المعنى الأوّل أنسب ظاهراً.

وعلى كلّ حال، فالحاكم والمالك وصاحب القدرة في ذلك الحين وكلّ حين هو الله سبحانه، فإذا أردتم النجاة فالتجئوا إليه وإلى لطفه وإذا طلبتم الدّعة والأمان فاستظلّوا بالإيمان به.

ويضيف القرآن في الآية التالية قائلا: (أفمن هذا الحديث تعجبون).

______________________________________

1 ـ الضمير في لها يعود على الآزفة وتأنيث الكاشفة، لأنّها صفة للنفس المحذوفة، وقال آخرون هي تاء المبالغة كالتاء في العلامة.

[281]

ولعلّ هذه الجملة إشارة إلى القيامة الوارد ذكرها آنفاً، أو أنّها إشارة إلى القرآن، لأنّه ورد التعبير عنه بـ «الحديث» في بعض الآيات كما في الآية 34 من سورة الطور، أو أنّ المراد من «الحديث» هو ما جاء من القصص عن هلاك الاُمم السابقة أو جميع هذه المعاني.

ثمّ يقول مخاطباً: (وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون) أي في غفلة مستمرّة ولهو وتكالب على الدنيا، مع أنّه لا مجال للضحك هنا ولا الغفلة والجهل، بل ينبغي أن يُبكى على الفرص الفائتة والطاعات المتروكة، والمعاصي المرتكبة، وأخيراً فلابدّ من التوبة والرجوع إلى ظلّ الله ورحمته!

وكلمة سامدون مشتقّة من سمود على وزن جمود ـ ومعناه اللهو والإنشغال ورفع الرأس للأعلى تكبّراً وغروراً، وهي في أصل إستعمالها تطلق على البعير حين يرفل في سيره ويرفع رأسه غير مكترث بمن حوله.

فهؤلاء المتكبّرون المغرورون كالحيوانات همّهم الأكل والنوم، وهم غارقون باللذائذ جاهلون عمّا يحدق بهم من الخَطر والعواقب الوخيمة والجزاء الشديد الذي سينالهم.

ويقول القرآن في آخر آية من الآيات محلّ البحث ـ وهي آخر آية من سورة النجم أيضاً ـ بعد أن بيّن أبحاثاً متعدّدة حول إثبات التوحيد ونفي الشرك: (فاسجدوا لله واعبدوا).

فإذا أردتم أن تسيروا في الصراط المستقيم والسبيل الحقّ فاسجدوا لذاته المقدّسة فحسب، إذ لله وحده تنتهى الخطوط في عالم الوجود، وإذا أردتم النجاة من العواقب الوخيمة التي أصابت الاُمم السالفة لشركهم وكفرهم فوقعوا في قبضة عذاب الله، فاعبدوا الله وحده.

الذي يجلب النظر ـ كما جاء في روايات متعدّدة ـ أنّ النّبي عندما تلا هذه الآية وسمعها المؤمنون والكافرون سجدوا لها جميعاً.

[282]

ووفقاً لبعض الرّوايات أنّ الوحيد الذي لم يسجد لهذه الآية عند سماعها هو «الوليد بن المغيرة» [لعلّه لم يستطع أن ينحني للسجود] فأخذ قبضة من التراب ووضعها على جبهته فكان سجوده بهذه الصورة.

ولا مكان للتعجّب أن يسجد لهذه الآية حتّى المشركون وعبدة الأصنام، لأنّ لحن الآيات البليغ من جهة، ومحتواها المؤثّر من جهة اُخرى وما فيها من تهديد للمشركين من جهة ثالثة، وتلاوة هذه الآيات على لسان النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المرحلة الاُولى من نزول الآيات عن لسان الوحي من جهة رابعة .. كلّ هذه الاُمور كان لها دور في التأثير والنفوذ إلى القلوب حتّى أنّه لم يبق أيّ قلب إلاّ اهتزّ لجلال آيات الله وألقى عنه أستار الضلال وحجب العناد ـ ولو مؤقتاً ـ ودخله نور التوحيد المشعّ!.

وإذا تلونا الآية ـ بأنفسنا ـ وأنعمنا النظر فيها بكلّ دقّة وتأمّل وحضور قلب وتصوّرنا أنفسنا أمام النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي جوّ نزول الآيات وبقطع النظر ـ عن إعتقادنا الإسلامي ـ نجد أنفسنا ملزمين على السجود عند تلاوتنا لهذه الآية وأن نحني رؤوسنا إجلالا لربّ الجلال!

وليست هذه هي المرّة الاُولى التي يترك القرآن بها أثره في قلوب المنكرين ويجذبهم إليه دون إختيارهم، إذ ورد في قصّة «الوليد بن المغيرة» أنّه لمّا سمع آيات فصّلت وبلغ النّبي (في قوله) إلى الآية: (فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) قام من مجلسه واهتزّ لها وجاء إلى البيت فظنّ جماعة من المشركين أنّه صبا إلى دين محمّد.

فبناءً على هذا، لا حاجة أن نقول بأنّ جماعة من الشياطين أو جماعة من المشركين الخبثاء حضروا عند النّبي ولمّا سمعوا النّبي يتلو الآية: (أفرأيتم اللات والعزّى ومناة الثالثة الاُخرى) بسطوا ألسنتهم وقالوا: تلك الغرانيق العُلى!! ولذلك إنجذب المشركون لهذه الآيات فسجدوا أيضاً عند تلاوة النّبي آية السجدة!

[283]

لأنّنا كما أشرنا آنفاً في تفسير هذه الآيات. انّ الآيات التي تلت هذه الآيات عنّفت المشركين ولم تدع مجالا للشكّ والتردّد والخطأ لأي أحد (في مفهوم الآية) [لمزيد الإيضاح يراجع تفسير الآيتين 19 و20 من هذه السورة].

وينبغي الإلتفات أيضاً إلى أنّ الآية الآنفة يجب السجود عند تلاوتها، ولحن الآية التي جاءت مبتدئةً بصيغة الأمر ـ والأمر دالّ على الوجوب ـ شاهد على هذا المعنى.

وهكذا فإنّ هذه السورة ثالثة السور الوارد فيها سجود واجب، أي هي بعد سورة الم السجدة، وحم السجدة .. وإن كان بعضهم يرى بأنّ أوّل سورة فيها سجود واجب نزلت على النّبي من الناحية التاريخية ـ هي هذه السورة.

اللهمّ أنر قلوبنا بأنوار معرفتك لئلاّ نعبد سواك شيئاً ولا نسجد إلاّ لك.

اللهمّ إنّ مفاتيح الرحمة والخير كلّها بيد قدرتك، فارزقنا من خير مواهبك وعطاياك، أي رضاك ياربّ العالمين.

اللهمّ ارزقنا بصيرة في العِبَر ـ لنعتبر بالاُمم السالفة وعاقبة ظلمها وأن نحذر الإقتفاء على آثارهم.

آمين ياربّ العالمين.

* * *

إنتهت سورة النّجم



 
 

  أقسام المكتبة :
  • القرآن الكريم
  • كتب في تفسير القرآن
  • أبحاث حول القرآن
  • كتب تعليمية ومناهج
  • علوم القرآن
  • النغم والصوت
  • الوقف والإبتداء
  • الرسم القرآني
  • مناهج وإصدارات دار السيدة رقية (ع)
  البحث في :


  

  

  

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net