سورة القمر من أول السورة ـ آخر السورة من ( 285 ـ 356 )  

الكتاب : الامثل في تفسير كتاب الله المنزل ( الجزء السابع عش   ||   القسم : كتب في تفسير القرآن   ||   القرّاء : 3755

[285]

سُورَة القَمَر

مكّية

وعَدَدُ آيَاتِها خَمس وخمسُون آية 

[287] 

«سورة القمر»

محتوى السورة:

تحوي هذه السّورة خصوصيات السور المكيّة التي تتناول الأبحاث الأساسيّة حول المبدأ والمعاد، وخصوصاً العقوبات التي نزلت بالاُمم السالفة، وذلك نتيجة عنادهم ولجاجتهم في طريق الكفر والظلم والفساد.. ممّا أدّى بها الواحدة تلو الاُخرى إلى الإبتلاء بالعذاب الإلهي الشديد، وسبّب لهم الدمار العظيم.

ونلاحظ في هذه السورة تكرار قوله تعالى: (ولقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر) وذلك بعد كلّ مشهد من مشاهد العذاب الذي يحلّ بالاُمم لكي يكون درساً وعظة للمسلمين والكفّار.

ويمكن تلخيص أبحاث هذه السورة في عدّة أقسام هي:

1 ـ تبدأ السورة بالحديث عن قرب وقوع يوم القيامة، وموضوع شقّ القمر، وإصرار وعناد المخالفين في إنكار الآيات الإلهيّة.

2 ـ والقسم الثاني يبحث بتركيز وإختصار عن أوّل قوم تمرّدوا على الأوامر الإلهية، وهم قوم نوح، وكيفيّة نزول البلاء عليهم.

3 ـ أمّا القسم الثالث فإنّه يتعرّض إلى قصّة قوم «عاد» وأليم العذاب الذي حلّ بهم.

4 ـ وفي القسم الرابع تتحدّث الآيات عن قوم «ثمود» ومعارضتهم لنبيّهم صالح (عليه السلام) وبيان معجزة الناقة، وأخيراً إبتلاؤهم بالصيحة السماوية.

5 ـ تتطرّق الآيات بعد ذلك إلى الحديث عن قوم «لوط» ضمن بيان واف

[288]

لإنحرافهم الأخلاقي ... ثمّ عن السخط الإلهي عليهم وإبتلائهم بالعقاب الربّاني.

6 ـ وفي القسم السادس تركّز الآيات الكريمة ـ بصورة موجزة ـ الحديث عن آل فرعون، وما نزل بهم من العذاب الأليم جزاء كفرهم وضلالهم.

7 ـ وفي القسم الأخير تعرض مقارنة بين هذه الاُمم ومشركي مكّة ومخالفي الرّسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) والمستقبل الخطير الذي ينتظر مشركي مكّة فيما إذا استمرّوا على عنادهم وإصرارهم في رفض الدعوة الإلهيّة.

وتنتهي السورة ببيان صور ومشاهد من معاقبة المشركين، وجزاء وأجر المؤمنين والمتّقين.

وسورة القمر تتميّز آياتها بالقصر والقوّة والحركية.

وقد سمّيت هذه السورة بـ (سورة القمر) لأنّ الآية الاُولى منها تتحدّث عن شقّ القمر.

 

فضيلة تلاوة سورة القمر:

ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:

«من قرأ سورة إقتربت الساعة في كلّ غبّ بُعِثَ يوم القيامة ووجهه على صورة القمر ليلة البدر، ومن قرأها كلّ ليلة كان أفضل وجاء يوم القيامة ووجهه مسفر على وجوه الخلائق»(1).

ومن الطبيعي أن تكون النورانية التي تتّسم بها هذه الوجوه تعبيراً عن الحالة الإيمانية الراسخة في قلوبهم نتيجة التأمّل والتفكّر في آيات هذه السورة المباركة والعمل بها بعيداً عن التلاوة السطحية الفارغة من التدبّر في آيات الله.

* * *

______________________________________

1 ـ مجمع البيان، ج9 (بداية سورة القمر).

[289]

الآيات

 

 

اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ ( 1 ) وَإِن يَرَوْا ءَايَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ ( 2 ) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَآءَهُمْ وَكُلُّ أَمْر مُّسْتَقِرٌّ ( 3 )

 

التّفسير

شقّ القمر!!

يتناول الحديث في الآية الاُولى حادثتين مهمّتين:

أحدهما: قرب وقوع يوم القيامة، والذي يقترن بأعظم تغيير في عالم الخلق، وبداية لحياة جديدة في عالم آخر، ذلك العالم الذي يقصر فكرنا عن إدراكه نتيجة محدودية علمنا وإستيعابنا للمعرفة الكونية.

والحادثة الثانية التي تتحدّث الآية الكريمة عنها هي معجزة إنشقاق القمر العظيمة التي تدلّل على قدرة الباريء عزّوجلّ المطلقة، وكذلك تدلّ ـ أيضاً ـ على صدق دعوة الرّسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) قال تعالى: (اقتربت الساعة وانشقّ القمر).

[290]

وجدير بالذكر أنّ سورة النجم التي أنهت آياتها المباركة بالحديث عن يوم القيامة (أزفت الآزفة) تستقبل آيات سورة القمر بهذا المعنى أيضاً، ممّا يؤكّد قرب وقوع اليوم الموعود رغم أنّه عندما يقاس بالمقياس الدنيوي فقد يستغرق آلاف السنين ويتوضّح هذا المفهوم، حينما نتصوّر مجموع عمر عالمنا هذا من جهة، ومن جهة اُخرى عندما نقارن جميع عمر الدنيا في مقابل عمر الآخرة فانّها لا تكون سوى لحظة واحدة.

إنّ إقتران ذكر هاتين الحادثتين في الآية الكريمة: «إنشقاق القمر وإقتراب الساعة» دليل على قرب وقوع يوم القيامة، كما ذكر ذلك قسم من المفسّرين حيث أنّ ظهور الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ وهو آخر الأنبياء ـ قرينة على قرب وقوع اليوم المشهود ... قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «بعثت أنا والساعة كهاتين»(1) مشيراً إلى إصبعيه الكريمين.

ومن جهة اُخرى، فإنّ إنشقاق القمر دليل على إمكانية إضطراب النظام الكوني، ونموذج مصغّر للحوادث العظيمة التي تسبق وقوع يوم القيامة في هذا العالم، حيث إندثار الكواكب والنجوم والأرض يعني حدوث عالم جديد، إستناداً إلى الرّوايات المشهورة التي ادّعى البعض تواترها.

قال ابن عبّاس: إجتمع المشركون إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: إن كنت صادقاً فشقّ لنا القمر فلقتين، فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إن فعلت تؤمنون؟» قالوا: نعم، وكانت ليلة بدر فسأل رسول الله ربّه أن يعطيه ما قالوا، فانشقّ القمر فلقتين ورسول الله ينادي: «يافلان يافلان، اشهدوا»(2).

ولعلّ التساؤل يثار هنا عن كيفية حصول هذه الظاهرة الكونية: (إنشقاق هذا الجرم السماوي العظيم) وعن مدى تأثيره على الكرة الأرضية والمنظومة

______________________________________

1 ـ تفسير الفخر الرازي، ج29، ص29.

2 ـ ذكر في مجمع البيان وكتب تفسير اُخرى في هامش تفسير الآية مورد البحث.

[291]

الشمسية، وكذلك عن طبيعة القوّة الجاذبة التي أعادت فلقتي القمر إلى وضعهما السابق، وعن كيفيّة حصول مثل هذا الحدث؟ ولماذا لم يتطرّق التاريخ إلى ذكر شيء عنه؟ بالإضافة إلى مجموعة تساؤلات اُخرى حول هذا الموضوع والتي سنجيب عليها بصورة تفصيليّة في هذا البحث إن شاء الله.

والنقطة الجديرة بالذكر هنا أنّ بعض المفسّرين الذين تأثّروا بوجهات نظر غير سليمة، وأنكروا كلّ معجزة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عدا القرآن الكريم، عندما التفتوا إلى وضوح الآية الكريمة محلّ البحث والرّوايات الكثيرة التي وردت في كتب علماء الإسلام في هذا المجال، واجهوا عناءاً في توجيه هذه المعجزة الربّانية، وحاولوا نفي الظاهرة الإعجازية لهذا الحادث ...

والحقيقة أنّ مسألة «إنشقاق القمر» كانت معجزة، والآيات اللاحقة تحمل الدلائل الواضحة على صحّة هذا الأمر كما سنرى ذلك إن شاء الله.

لقد كان جديراً بهؤلاء أن يصحّحوا وجهات نظرهم تلك، ليعلموا أنّ للرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) معجزات عديدة أيضاً.

وإذا اُريد الإستفادة من الآيات القرآنية لنفي المعجزات فإنّها تنفي المعجزات المقترحة من قبل المشركين المعاندين الذين لم يقصدوا قبول دعوة الحقّ من أوّل الأمر ولم يستجيبوا للرسول الأكرم بعد إنجاز المعجز، لكن المعجزات التي تطلب من الرّسول من أجل الإطمئنان إلى الحقّ والإيمان به كانت تنجز من قبله، ولدينا دلائل عديدة على هذا الأمر في تأريخ حياة الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

يقول سبحانه: (وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر).

والمراد من قوله تعالى «مستمر» أنّهم شاهدوا من الرّسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم)معجزات عديدة، وشقّ القمر هو إستمرار لهذه المعاجز، وأنّهم كانوا يبرّرون إعراضهم عن الإيمان وعدم الإستسلام لدعوة الحقّ وذلك بقولهم: إنّ هذه المعاجز كانت «سحر مستمر».

[292]

وهنالك بعض المفسّرين من فسّر «مستمر» بمعنى «قوي» كما قالوا: (حبل مرير) أي: محكم، والبعض فسّرها بمعنى: الطارىء وغير الثابت، ولكن التّفسير الأنسب هو التّفسير الأوّل.

أمّا قوله تعالى: (وكذّبوا واتّبعوا أهواءهم وكلّ أمر مستقر) فإنّه يشير إلى سبب مخالفتهم وعنادهم وسوء العاقبة التي تنتظرهم نتيجة لهذا الإصرار.

إنّ مصدر خلاف هؤلاء وتكذيبهم للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أو تكذيب معاجزه ودلائله، وكذلك تكذيب يوم القيامة، هو اتّباع هوى النفس.

إنّ حالة التعصّب والعناد وحبّ الذات لم تسمح لهم بالإستسلام للحقّ، ومن جهة اُخرى فإنّ المشركين ركنوا للملذّات الرخيصة بعيداً عن ضوابط المسؤولية، وذلك إشباعاً لرغباتهم وشهواتهم، وكذلك فإنّ تلوّث نفوسهم بالآثام حال دون إستجابتهم لدعوة الحقّ، لأنّ قبول هذه الدعوة يفرض عليهم التزامات ومسؤوليات الإيمان والإستجابة للتكاليف ...

نعم إنّ هوى النفس كان وسيبقى السبب الرئيسي في إبعاد الناس عن مسير الحقّ ...

وبالنسبة لقوله تعالى: (وكلّ أمر مستقر)، يعني أنّ كلّ إنسان يجازى بعمله وفعله، فالصالحون سيكون مستقرّهم صالحاً، والأشرار سيكون مستقرّهم الشرّ.

ويحتمل أن يكون المراد في هذا التعبير هو أنّ كلّ شيء في هذا العالم لا يفنى ولا يزول، فالأعمال الصالحة أو السيّئة تبقى مع الإنسان حتّى يرى جزاء ما فعل.

ويحتمل أن يكون تفسير الآية السابقه أنّ الأكاذيب والإتّهامات لا تقوى على الإستمرار الأبدي في إطفاء نور الحقّ والتكتّم عليه، حيث إنّ كلّ شيء (خير أو شرّ) يسير بالإتّجاه الذي يصبّ في المكان الملائم له، حيث إنّ الحقّ سيظهر وجهه الناصح مهما حاول المغرضون إطفاءه، كما أنّ وجه الباطل القبيح سيظهر قبحه كذلك، وهذه سنّة إلهيّة في عالم الوجود.

[293]

وهذه التفاسير لا تتنافى فيما بينها، حيث يمكن جمعها في مفهوم هذه الآية الكريمة.

* * *

 

بحوث

1 ـ شقّ القمر معجزة كبيرة للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ومع ذلك فإنّ بعض الأشخاص السطحيين يصرّون على إخراج هذا الحادث من حالة الإعجاز، حيث قالوا: إنّ الآية الكريمة تحدّثنا فقط عن المستقبل وعن أشراط الساعة، وهي الحوادث التي تسبق وقوع يوم القيامة ...

لقد غاب عن هؤلاء أنّ الأدلّة العديدة الموجودة في الآية تؤكّد على حدوث هذه المعجزة، ومن ضمنها ذكر الفعل (انشقّ) بصيغة الماضي، وهذا يعني أنّ (شقّ القمر) شيء قد حدث كما أنّ قرب وقوع يوم القيامة قد تحقّق، وذلك بظهور آخر الأنبياء محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم).

بالإضافة إلى ذلك، إن لم تكن الآية قد تحدّثت عن وقوع معجزة، فلا يوجد أي تناسب أو إنسجام بينها وبين ما ورد في الآية اللاحقة حول إفترائهم على الرّسول بأنّه (ساحر) وكذلك قوله: (وكذّبوا واتّبعوا أهواءهم) والتي تخبر الآية هنا عن تكذيبهم للرسالة والرّسول ومعاجزه.

إضافةً إلى ذلك فإنّ الرّوايات العديدة المذكورة في الكتب الإسلامية، والتي بلغت حدّ التواتر نقلت وقوع هذه المعجزة، وبذلك أصبحت غير قابلة للإنكار.

ونشير هنا إلى روايتين منها:

الاُولى: أوردها الفخر الرازي أحد المفسّرين السنّة، والاُخرى للعلاّمة الطبرسي أحد المفسّرين الشيعة.

يقول الفخر الرازي: «والمفسّرون بأسرهم على أنّ المراد أنّ القمر إنشقّ

[294]

وحصل فيه الإنشقاق، ودلّت الأخبار على حديث الإنشقاق، وفي الصحيح خبر مشهور رواه جمع من الصحابة ... والقرآن أدلّ دليل وأقوى مثبت له وإمكانه لا يشكّ فيه، وقد أخبر عنه الصادق فيجب إعتقاد وقوعه»(1).

أمّا عن نظرية بطليموس والقائلة بأنّ (الأفلاك السماوية ليس بإمكانها أن تنفصل أو تلتئم) فإنّها باطلة وليس لها أي أساس أو سند علمي، حيث إنّه ثبت من خلال الأدلّة العقليّة أنّ إنفصال الكواكب في السماء أمر ممكن.

ويقول العلاّمة الطبرسي في (مجمع البيان): لقد أجمع المفسّرون والمحدّثون سوى عطاء والحسين والبلخي الذين ذكرهم ذكراً عابراً، أنّ معجزة شقّ القمر كانت في زمن الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم).

ونقل أنّ حذيفة ـ وهو أحد الصحابة المعروفين ـ ذكر قصّة شقّ القمر في جمع غفير في مسجد المدائن ولم يعترض عليه أحد من الحاضرين، مع العلم أنّ كثيراً منهم قد عاصر زمن الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) (ونقل هذا الحديث في هامش الآية المذكورة في الدرّ المنثور والقرطبي).

وممّا تقدّم يتّضح جيّدا أنّ مسألة شقّ القمر أمر غير قابل للإنكار، سواء من الآية نفسها والقرائن الموجودة فيها، أو من خلال الأحاديث والرّوايات، أو أقوال المفسّرين، ومن الطبيعي أن تطرح أسئلة اُخرى حول الموضوع سنجيب عنها إن شاء الله فيما بعد.

 

2 ـ مسألة شقّ القمر والعلم الحديث:

السؤال المهمّ المطروح في هذا البحث هو: هل أنّ الأجرام السماوية يمكنها أن تنفصل وتنشقّ؟ وما موقف العلم الحديث من ذلك؟

______________________________________

1 ـ التّفسير الكبير، الفخر الرازي، ج29 ، ص28 ، أوّل سورة القمر.

[295]

وللإجابة على هذا السؤال وبناءً على النتائج التي توصّل إليها العلماء الفلكيون، فإنّ مثل هذا الأمر في نظرهم ليس بدرجة من التعقيد بحيث يستحيل تصوّره ... إنّ الإكتشافات العلمية التي توصّل إليها الباحثون تؤكّد أنّ مثل هذه الحوادث مضافاً إلى أنّها ليست مستحيلة فقد لوحظت نماذج عديدة من هذا القبيل ولعدّة مرّات مع إختلاف العوامل المؤثّرة في كلّ حالة.

وبعبارة اُخرى: فقد لوحظ أنّ مجموعة إنفجارات وإنشقاقات قد وقعت في المنظومة الشمسية، بل في سائر الأجرام السماوية.

ويمكن ذكر بعض النماذج كشواهد على هذه الظواهر ....

 

أ ـ ظهور المنظومة الشمسية:

إنّ هذه النظرية المقبولة لدى جميع العلماء تقول: إنّ جميع كرات المنظومة الشمسية كانت في الأصل جزءاً من الشمس ثمّ إنفصلت عنها، حيث أصبحت كلّ واحدة منها تدور في مدارها الخاصّ بها غاية الأمر هناك كلام في السبب لهذا الإنفصال ..

يعتقد (لاپلاس) أنّ العامل المسبّب لإنفصال القطع الصغيرة من الشمس هي: (القوّة الطاردة) التي توجد في المنطقة الإستوائية لها، حيث أنّ الشمس كانت تعتبر ولحدّ الآن كتلة ملتهبة، وضمن دورانها حول نفسها فإنّ السرعة الموجودة في المنطقة الإستوائية لها تسبّب تناثر بعض القطع منها في الفضاء ممّا يجعل هذه القطع تدور حول مركزها الأصلي (الشمس).

ولكن العلماء الذين جاءوا بعد (لاپلاس) توصّلوا من خلال تحقيقاتهم إلى فرضية اُخرى تقول: إنّ السبب الأساس لحدوث الإنفصال في الأجرام السماوية عن الشمس هو حالة المدّ والجزر الشديدين التي حدثت على سطح الشمس نتيجة عبور نجمة عظيمة بالقرب منها.

[296]

الأشخاص المؤيّدون لهذه النظرية الذين يرون أنّ الحركة الوضعية للشمس في ذلك الوقت لا تستطيع أن تعطي الجواب الشافي لأسباب هذا الإنفصال، قالوا: إنّ حالة المدّ والجزر الحاصلة في الشمس أحدثت أمواجاً عظيمة على سطحها، كما في سقوط حجر كبير في مياه المحيط، وبسبب ذلك تناثرت قطع من الشمس الواحدة تلو الاُخرى إلى الخارج، ودارت ضمن مدار الكرة الاُمّ (الشمس).

وعلى كلّ حال فإنّ العامل المسبّب لهذا الإنفصال أيّاً كان لا يمنعنا من الإعتقاد أنّ ظهور المنظومة الشمسية كان عن طريق الإنشقاق والإنفصال.

 

ب ـ (الأستروئيدات):

الأستروئيدات: هي قطع من الصخور السماوية العظيمة تدور حول المنظومة الشمسية، ويطلق عليها في بعض الأحيان بـ (الكرات الصغيرة) و (شبه الكواكب السيارة) يبلغ قطر كبراها (25) كم، لكن الغالبية منها أصغر من ذلك.

ويعتقد العلماء أنّ «الأستروئيدات» هي بقايا كوكب عظيم كان يدور في مدار بين مداري المريخ والمشتري تعرّض إلى عوامل غير واضحة ممّا أدّى إلى إنفجاره وتناثره.

لقد تمّ إكتشاف ومشاهدة أكثر من خمسة آلاف من (الأستروئيدات) لحدّ الآن، وقد تمّ تسمية عدد كثير من هذه القطع الكبيرة، وتمّ حساب حجمها ومقدار ومدّة حركتها حول الشمس، ويعلّق علماء الفضاء أهميّة بالغة على الأستروئيدات، حيث يعتقدون أنّ بالإمكان الإستفادة منها في بعض الأحيان كمحطّات للسفر إلى المناطق الفضائية النائية.

كان هذا نموذج آخر لإنشقاق الأجرام السماوية.

 

[297]

ج ـ الشهب:

الشهب: أحجار سماوية صغيرة جدّاً، حتّى أنّ البعض منها لا يتجاوز حجم (البندقة)، وهي تسير بسرعة فائقة في مدار خاصّ حول الشمس وقد يتقاطع مسيرها مع مدار الأرض أحياناً فتنجذب إلى الأرض، ونظراً لسرعتها الخاطفة التي تتميّز بها ـ تصطدم بشدّة مع الهواء المحيط بالأرض، فترتفع درجة حرارتها بشدّة فتشتعل وتتبيّن لنا كخطّ مضيء وهّاج بين طبقات الجوّ ويسمّى بالشهاب.

وأحياناً نتصوّر أنّ كلّ واحدة منها تمثّل نجمة نائية في حالة سقوط، إلاّ أنّها في الحقيقة عبارة عن شهاب صغير مشتعل على مسافة قريبة يتحوّل فيما بعد إلى رماد.

ويلتقي مداري الشهب والكرة الأرضية في نقطتين هما نقطتا تقاطع المداريين وذلك في شهري (آب وكانون الثاني) حيث يصبح بالإمكان رؤية الشهب بصورة أكثر في هذين الشهرين.

ويقول العلماء: إنّ الشهب هي بقايا نجمة مذنّبة إنفجرت وتناثرت أجزاؤها بسبب جملة عوامل غير واضحة ... وهذا نموذج آخر من الإنشقاق في الأجرام السماوية.

وعلى كلّ حال، فإنّ الإنفجار والإنشقاق في الكرات السماوية ليس بالأمر الجديد، وليس بالأمر المستحيل من الناحية العلمية، ومن هنا فلا معنى حينئذ للقول بأنّ الإعجاز لا يمكن أن يتعلّق بالحال.

هذا كلّه عن مسألة الإنشقاق.

أمّا موضوع رجوع القطعتين المنفصلتين إلى وضعهما الطبيعي السابق تحت تأثير قوى الجاذبية التي تربط القطعتين فهو الآخر أمر ممكن.

ورغم أنّ الإعتقاد السائد قديماً في علم الهيئة القديم طبق نظرية (بطليموس) وإعتقاده بالأفلاك التسعة التي هي بمثابة قشور البصل في تركيبها ـ الواحدة على

[298]

الاُخرى ـ فأيّ جسم لا يستطيع أن يخترقها صعوداً أو نزولا، ولذلك فانّ أتباع هذه النظرية ينكرون المعراج الجسماني وإختراقه للأفلاك التسعة، كما أنّه لا يمكن وفقاً لهذه النظريات إنشقاق القمر، ومن ثمّ التئامه، ولذلك أنكروا مسألة شقّ القمر، ولكن اليوم أصبحت فرضية (بطليموس) أقرب للخيال والأساطير منها للواقع، ولم يبق أثر للأفلاك التسعة، وأصبحت الأجواء لا تساعد لتقبّل مثل هذه الآراء.

وغني عن القول أنّ ظاهرة شقّ القمر كانت معجزة، ولذا فإنّها لم تتأثّر بعامل طبيعي إعتيادي، والشيء الذي يراد توضيحه هنا هو بيان إمكانية هذه الحادثة، لأنّ المعجزة لا تتعلّق بالأمر المحال.

 

3 ـ شقّ القمر تاريخيّاً:

لقد طرح البعض من غير المطّلعين إشكالا آخر على مسألة شقّ القمر، حيث ذكروا أنّ مسألة شقّ القمر لها أهميّة بالغة، فإذا كانت حقيقيّة فلماذا لم تذكر في كتب التأريخ؟

ومن أجل أن تتوضّح أهميّة هذا الإشكال لابدّ من الإلمام والدراسة الدقيقة لمختلف جوانب هذا الموضوع، وهو كما يلي:

أ ـ يجب الإلتفات إلى أنّ القمر يُرى في نصف الكرة الأرضية فقط، وليس في جميعها، ولذا فلابدّ من إسقاط نصف مجموع سكّان الكرة الأرضية من إمكانية رؤية حادثة شقّ القمر وقت حصولها.

ب ـ وفي نصف الكرة الأرضية التي يُرى فيها القمر فإنّ أكثر الناس في حالة سبات وذلك لحدوث هذه الظاهرة بعد منتصف الليل.

ج ـ ليس هنالك ما يمنع من أن تكون الغيوم قد حجبت قسماً كبيراً من السماء، وبذلك يتعذّر رؤية القمر لسكّان تلك المناطق.

[299]

د ـ إنّ الحوادث السماوية التي تلفت إنتباه الناس تكون غالباً مصحوبة بصوت أو عتمة كما في الصاعقة التي تقترن بصوت شديد أو الخسوف والكسوف الكليين الذي يقترن كلّ منها بإنعدام الضوء تقريباً ولمدّة طويلة.

لذلك فإنّ الحالات التي يكون فيها الخسوف جزئياً أو خفيفاً نلاحظ أنّ الغالبية من الناس لم تحط به علماً، اللهمّ إلاّ عن طريق التنبيه المسبق عنه من قبل المنجّمين، بل يحدث أحياناً خسوف كلّي وقسم كبير من الناس لا يعلمون به.

لذا فإنّ علماء الفلك الذين يقومون برصد الكواكب أو الأشخاص الذين يتّفق وقوع نظرهم في السماء وقت الحادث هم الذين يطّلعون على هذا الأمر ويخبرون الآخرين به.

وبناءً على هذا ونظراً لقصر مدّة المعجزة (شقّ القمر) فلن يكون بالمقدور أن تلفت الأنظار إليها على الصعيد العالمي، خصوصاً وأنّ غالبية الناس في ذلك الوقت لم تكن مهتّمة بمتابعة الأجرام السماوية.

هـ ـ وبالإضافة إلى ذلك فإنّ الوسائل المستخدمة في تثبيت نشر الحوادث التأريخية في ذلك الوقت، ومحدودية الطبقة المتعلّمة، وكذلك طبيعة الكتب الخطيّة التي لم تكن بصورة كافية كما هو الحال في هذا العصر حيث تنشر الحوادث المهمّة بسرعة فائقة بمختلف الوسائل الإعلامية في كلّ أنحاء العالم عن طريق الإذاعة والتلفزيون والصحف ... كلّ هذه الاُمور لابدّ من أخذها بنظر الإعتبار في محدودية الإطلاع على حادثة (شقّ القمر).

ومع ملاحظة هذا الأمر والاُمور الاُخرى السابقة فلا عجب أبداً من عدم تثبيت هذه الحادثة في التواريخ غير الإسلامية، ولا يمكن إعتبار ذلك دليلا على نفيها.

 

[300]

4 ـ تأريخ وقوع هذه المعجزة:

من الواضح أنّه لا خلاف بين المفسّرين ورواة الحديث حول حدوث ظاهرة شقّ القمر في مكّة وقبل هجرة الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، لكن الذي يستفاد من بعض الرّوايات هو أنّ حدوث هذا الأمر كان في بداية بعثة الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم)(1). في حين يستفاد من البعض الآخر أنّ حدوث هذا الأمر قد وقع قرب هجرة الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وفي آخر عهده بمكّة، وكان إستجابة لطلب جماعة قدموا من المدينة لمعرفة الحقّ وأتباعه، إذ أنّهم بعد رؤيتهم لهذه المعجزة آمنوا وبايعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في العقبة(2).

ونقرأ في بعض الرّوايات أيضاً أنّ سبب إقتراح شقّ القمر كان من أجل المزيد من الإطمئنان بمعاجز الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّها لم تكن سحراً لأنّ السحر عادةً يكون في الاُمور الأرضية(3). ومع ذلك فإنّ قسماً من المتعصّبين والمعاندين لم يؤمنوا برغم مشاهدتهم لهذا الإعجاز، وتتعلّلوا بأنّهم ينتظرون قوافل الشام واليمن، فإنّ أيّدوا هذا الحادث ورؤيتهم له آمنوا ... ومع إخبار المسافرين لهم بذلك، إلاّ أنّهم بقوا مصرّين على الكفر رافضين للإيمان(4).

والنقطة الأخيرة الجديرة بالذكر أنّ هذه المعجزة العظيمة والكثير من المعاجز الاُخرى ذكرت في التواريخ والرّوايات الضعيفة مقترنة ببعض الخرافات والأساطير، ممّا أدّى إلى حصول تشويش في أذهان العلماء بشأنها، كما في نزول قطعة من القمر إلى الأرض. لذا فإنّ من الضروري فصل هذه الخرافات وعزلها بدقّة وغربلة الصحيح من غيره، حتّى تبقى الحقائق بعيدة عن التشويش ومحتفظة بمقوّماتها الموضوعية.

* * *

______________________________________

1 ـ بحار الأنوار، ج17، ص354 حديث (8).

2 ـ بحار الأنوار، ج17، ص352 حديث (1).

3 ـ بحار الأنوار، ج17، ص355 حديث (10).

4 ـ الدرّ المنثور، ج6، ص123.

[301]

الآيات

وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ الاَْنبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ ( 4 ) حِكْمَةٌ بَلِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ ( 5 ) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَىْء نُّكُر ( 6 ) خُشَّعاً أَبْصَرُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الاَْجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ ( 7 )مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَـفِرُونَ هَـذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ( 8 )

 

التّفسير

يوم البعث والنشور:

تأتي هذه الآيات لتواصل البحث عن الكفّار الذين كذّبوا الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يذعنوا للحقّ حيث أعرضوا عن جميع المعاجز التي شاهدوها.

والآيات أعلاه تشرح حال هؤلاء الأفراد وموضّحة المصير البائس الذي ينتظر هؤلاء المعاندين في يوم القيامة.

يقول سبحانه إنّ هؤلاء لم يعدموا الإنذار والإخبار، بل جاءهم من الأخبار ما يوجب إنزجارهم عن القبائح والذنوب: (ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر) وذلك ليلقي عليهم الحجّة.

وبناءً على هذا فلا يوجد نقص في تبليغ الدعاة الإلهيين، وما يوجد من

[302]

نقصان أو خلل يكمن فيهم، حيث ليس لديهم روح تواقة لمعرفة الحقّ ولا آذان صاغية، ونفوسهم متنكّبة عن التقوى والتدبّر في الآيات الإلهية.

والقصد من «الأنباء» الإخبار عن الاُمم والأقوام السابقة الذين هلكوا بألوان العذاب المدمّر الذي حلّ بهم، وكذلك أخبار يوم القيامة وجزاء الظالمين والكفّار، حيث اتّضحت كلّ تلك الأخبار في القرآن الكريم.

ويضيف تعالى: (حكمة بالغة فما تغن النذر) فهذه الآيات حكم إلهيّة بليغة ومواعظ مؤثّرة، إلاّ أنّها لا تفيد أهل العناد(1) (2).

تبيّن هذه الآية أن لا نقص في «فاعلية الفاعل»، أو تبليغ الرسل. لكن الأمر يكمن في مدى إستعداد الناس وأهليتهم لقبول الدعوة الإلهيّة، وإلاّ فإنّ الآيات القرآنية والرسل والأخبار التي وردتهم عن الاُمم السابقة والأخبار التي تنبؤهم عن أحوال يوم القيامة ... كلّ هذه الاُمور هي حكمة بالغة ومؤثّرة في النفوس الخيّرة ذات الفطرة السليمة.

الآية التالية تؤكّد على أنّ هؤلاء ليسوا على إستعداد لقبول الحقّ، فأتركهم لحالهم وأعرض عنهم وتذكّر يوم يدعو الداعي الإلهي إلى أمر مخيف، وهو الدعوة إلى الحساب، حيث يقول سبحانه: (فتولّ عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر)(3).

وعلى هذا تكون عبارة: (يوم يدع الداع) عبارة مستقلّة ومنفصلة عن جملة: (فتولّ عنهم). لكن البعض يرى أنّ كلّ واحدة من الجملتين مكمّلة للاُخرى، حيث يذهبون إلى أنّ قوله تعالى: (فتولّ عنهم) جاءت بصيغة الأمر للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بالإعراض عن المشركين الذين يرجون الشفاعة منه يوم القيامة عندما يدعوهم

______________________________________

1 ـ (حكمة بالغة) خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هذه حكمة بالغة).

2 ـ نذر جمع نذير ويعني (المنذرين) والمقصود بالمنذرين هي الآيات القرآنية وأخبار الاُمم والأنبياء الذين وصل صوتهم إلى أسماع الناس، ويحتمل البعض أنّ (نذر) مصدر بمعنى إنذار. لكن المعنى الأوّل هو الأنسب. وضمناً فإنّ (ما) في عبارة (ما تغن بالنذر) نافية وليست إستفهامية.

3 ـ في الآية أعلاه (يوم) يتعلّق بمحذوف تقديره (اذكر) ويحتمل البعض أنّها تتعلّق بـ (يخرجون) ولكن ذلك مستبعد.

[303]

الداعي الإلهي للحساب. وهذا الرأي مستبعد جدّاً.

وهنا يثار السؤال التالي: هل الداعي هو الله سبحانه؟ أم الملائكة؟ أم إسرافيل الذي يدعو الناس ليوم الحشر عندما ينفخ في الصور؟ أم جميع هؤلاء؟

ذكر المفسّرون إحتمالات عدّة للإجابة على هذا التساؤل، ولكن بالرجوع إلى قوله تعالى: (يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده)،(1) يرجّح الرأي الأوّل. رغم أنّ الآيات اللاحقة تتناسب مع كون الداعي هم الملائكة المختّصون بشؤون الحساب والجزاء.

أمّا المراد من (شيء نكر)(2) فهو الحساب الإلهي الدقيق الذي لم يكن معلوماً من حيث وقته قبل قيام الساعة، أو العذاب الذي لم يخطر على بالهم، أو جميع هذه الاُمور، ذلك لأنّ يوم القيامة في جميع أحواله حالة غير مألوفة للبشر.

وفي الآية اللاحقة يبيّن الله سبحانه وتعالى توضيحاً أكثر حول هذا الموضوع ويذكر أنّ هؤلاء يخرجون من القبور في حالة: (خشعاً أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنّهم جراد منتشر).

نسبة «الخشوع» هنا للأبصار لأنّ المشهد مرعب ومخيف إلى حدّ لا تستطيع الأنظار رؤيته، لذلك فإنّها تتحوّل عنه وتطرّق نحو الأسفل.

والتشبيه هنا بـ (الجراد المنتشر) لأنّ النشور في يوم الحشر يكون بصورة غير منتظمة لحالة الهول التي تعتري الناس فيه، كما هي حركة إنتشار الجراد التي تتمثّل فيها الفوضى والإضطراب خلافاً للقسم الأكبر من حركة الطيور التي تطير وفق نظم خاصّة في الجو، مضافاً إلى أنّهم كالجراد من حيث الضعف وعدم القدرة.

نعم، إنّ حالة هؤلاء الفاقدين للعلم والبصيرة، حالة ذهول ووحشة وتخبّط في المسير كالسكارى يرتطم بعضهم ببعض فاقدين للوعي والإرادة كما في قوله

______________________________________

1 ـ الإسراء ، 2.

2 ـ (نكر) مفرد من مادّة (نكارة) وتعني الشيء المبهم المخيف.

[304]

تعالى: (وترى الناس سكارى وما هم بسكارى).(1)

والحقيقة أنّ هذا التشبيه هو ما ورد أيضاً في الآية (4) من سورة القارعة حيث يقول سبحانه: (يوم يكون الناس كالفراش المبثوث).

وأمّا قوله تعالى: (مهطعين إلى الداع) فإنّ كلمة «مهطعين» تأتي من مادّة (اهطاع) أي مدّ الرقبة، والبعض يرجعها إلى النظر بإنتباه أو الركض بسرعة نحو الشيء، ويحتمل أن تكون كلّ واحدة من هذه المعاني هي المقصودة، ولكن المعنى الأوّل هو الأنسب، لأنّ الإنسان عند سماعه لصوت موحش يمدّ رقبته على الفور وينتبه إلى مصدر الصوت، ويمكن أن تكون هذه المفاهيم مجتمعة في الآية الكريمة حيث أنّ بمجرّد سماع صوت الداعي الإلهي تمدّ الرقاب إليه ثمّ يتبعه التوجّه بالنظر نحوه، ثمّ الإسراع إليه والحضور في المحكمة الإلهيّة العادلة عند دعوتهم إليها.

وهنا يستولي الخوف من الأهوال العظيمة لذلك اليوم على وجود الكفّار والظالمين، لذا يضيف سبحانه معبّراً عن حالة البؤس التي تعتري الكافرين بقوله: (يقول الكافرون هذا يوم عسر).

والحقّ أنّه يوم صعب وعسير. وهذا ما يؤكّده الباريء عزّوجلّ بقوله: (وكان يوماً على الكافرين عسيراً).(2)

ويستفاد من هذا التعبير أنّ يوم القيامة يوم غير عسير بالنسبة للمؤمنين.

 

* * *

 

 

______________________________________

1 ـ الحجّ، 2.

2 ـ الفرقان، 26.

[305]

مسألة

لماذا كان يوم القيامة يوماً عسيراً؟:

ولماذا لا يكون عسيراً؟ في الوقت الذي يحاط فيه المجرمون بكلّ أجواء الرهبة والوحشة، وخاصّة عندما يستلمون صحائف أعمالهم حيث يصطرخون: (ياويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها)،(1) هذا من جهة.

ومن جهة اُخرى فإنّهم يواجهون بما ليس في الحسبان، حيث يحاسبون بدقّة حتّى على أصغر الأعمال التي أدّوها، سواء كانت صالحة أم طالحة: (إن تك مثقال حبّة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إنّ الله لطيف خبير).(2)

ومن جهة ثالثة، لا سبيل يومئذ للتكفير عن الذنوب والتعويض بالطاعة، والإعتذار عن التقصير، حيث لا عذر يقبل ولا مجال للعودة مرّة اُخرى إلى الحياة يقول تعالى: (واتّقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون).(3)

ونقرأ كذلك في قوله تعالى: (ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا ياليتنا نُرد ولا نكذب بآيات ربّنا ونكون من المؤمنين).(4)ولكن هيهات.

ومن جهة رابعة فإنّ العذاب الإلهي شديد ومرعب إلى درجة تُنسيى الاُمّهات أولادها، وتسقط الحوامل أجنّتهن، ويكون الجميع يومئذ في حيرة وذهول وفقدان للوعي كالسكارى وما هم بسكارى ولكنّ عذاب الله شديد، قال تعالى: (يوم ترونها تذهل كلّ مرضعة عمّا أرضعت وتضع كلّ ذات حمل حملها وترى

______________________________________

1 ـ الكهف، 49.

2 ـ لقمان، 16.

3 ـ البقرة، 48.

4 ـ الأنعام، 27.

[306]

الناس سكارى وما هم بسكارى ولكنّ عذاب الله شديد).(1)

والدليل على إضطراب وهلع العاصين هو حالة التشبّث بالإفتداء بكلّ ما في الدنيا أملا في الخلاص من العذاب الأليم، قال تعالى: (يودّ المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه، وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤيه، ومن في الأرض جميعاً ثمّ ينجّيه، كلاّ إنّها لظى).(2)

إذاً، هل يمكن مع كلّ هذه الأوصاف والأوصاف الاُخرى المهولة التي وردت في آيات اُخرى أن يكون ذلك اليوم يوماً مريحاً وبعيداً عن الهمّ والغمّ والشدّة؟!

(حفظنا الله جميعاً في ظلّ لطفه ورعايته).

* * *

______________________________________

1 ـ الحجّ، 2.

2 ـ المعارج ،11 ـ 15.

[307]

الآيات

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ( 9 ) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّى مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ ( 10 ) فَفَتَحْنَآ أَبْوَبَ السَّمَآءِ بِمَآء مُّنْهَمِر ( 11 ) وَفَجَّرْنَا الاَْرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَآءُ عَلَى أَمْر قَدْ قُدِرَ( 12 ) وَحَمَلْنَـهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَح وَدُسُر ( 13 ) تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ ( 14 ) وَلَقَد تَّرَكْنَـهَا ءَايَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِر( 15 ) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ ( 16 ) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِر( 17 )

 

التّفسير

قصّة قوم نوح عبرة وعظة:

جرت السنّة القرآنية في كثير من الموارد أنّ الله سبحانه يستعرض حالة الأقوام السابقة والعاقبة المؤلمة التي انتهوا إليها إنذاراً وتوضيحاً (للكفّار والمجرمين) بأنّ الإستمرار في طريق الضلال سوف لن يؤدّي بهم إلاّ إلى المصير البائس الذي لاقته الأقوام السابقة.

[308]

وفي هذه السورة، إكمالا للبحث الذي تناولته الآيات السابقة، في إثارات وإشارات مختصرة ومعبّرة حول تاريخ خمسة من الأقوام المعاندة إبتداءً من قوم نوح كما في قوله تعالى: (كذّبت قبلهم قوم نوح فكذّبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدُجر). فمضافاً إلى تكذيبه وإتّهامه بالجنون صبّوا عليه ألوان الأذى والتعذيب ومنعوه من الإستمرار في أداء رسالته.

فتارةً يقولون له مهدّدين ومنذرين (قالوا لئن لم تنته يانوح لتكوننّ من المرجومين).(1)

وتارةً اُخرى يضغطون رقبته بأيديهم حتّى يفقد وعيه، ولكنّه ما أن يفيق إلى وعيه حتّى يقول: «اللهمّ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون»(2).

وخلاصة القول فإنّ قوم نوح مارسوا كلّ وسيلة لأذى نبيّهم، ومع ذلك فإنّه لم يتوقّف عن التبليغ والإرشاد أملا في هدايتهم.

والجدير بالذكر أنّنا نلاحظ أنّ لفظ (التكذيب) قد ورد مرّتين، ولعلّ السبب أنّه ورد في الحالة الاُولى (مختصراً) وفي الثانية (مفصّلا).

والتعبير بـ «عبدنا» إشارة إلى أنّ هؤلاء القوم المعاندين والمغرورين في الواقع يبارزون الله تعالى لا مجرّد شخص «نوح».

كلمة (وازدجر) أصلها (زجر) بمعنى الطرد، وهو الإبعاد المقترن بصوت شديد، كما أنّه يطلق على كلّ عمل يراد منه منع الشخص من الإستمرار به.

والظريف في هذه الآية أنّ الفعل (قالوا) أتى بصورة فعل معلوم (وازدجر) بصيغة فعل مجهول ولعلّ ذلك للإشارة إلى أنّ عدم ذكر الفاعل هنا للترفّع عن ذكر قوم نوح بسبب سوء وقبح الأعمال التي مارسوها والتي كانت أقذر وأقبح من أقوالهم، ممّا يكون سبباً في عدم ذكرهم بالصيغة المعلومة كما في قوله تعالى:

______________________________________

1 ـ الشعراء، 116.

2 ـ تفسير الكشّاف وأبو الفتوح والرازي هامش الآية مورد البحث.

[309]

(قالوا).

ثمّ يضيف تعالى أنّ نوح عندما يئس من هداية قومه تماماً: (فدعا ربّه أنّي مغلوب فانتصر)(1).

والغلبة المذكورة في الآية الكريمة لم تكن غلبة في الحجّة والدليل أو البرهان على عدم صحّة الدعوة، وإنّما كانت تتجسّد بالظلم والجناية والتكذيب والإنكار وأنواع الزجر والضغوط ... ولهذا فإنّ هؤلاء القوم لا يستحقّون البقاء، فانتقم لنا منهم وانصرنا عليهم.

نعم، فهذا النّبي العظيم كان يطلب من الله المغفرة لقومه ما دام يأمل في هدايتهم وصلاحهم، ولكن عندما يئس منهم غضب عليهم ولعنهم ودعا ربّه أن ينتقم منهم.

ثمّ يشير هنا إشارة معبّرة وقويّة في كيفية العذاب الذي إبتلوا به وصبّ عليهم حيث يقول سبحانه: (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر).

إنّ تعبير إنفتاح أبواب السماء لتعبير رائع جدّاً، ويستعمل عادةً عند هطول الأمطار الغزيرة.

(منهمر) من مادّة (همر) على وزن (صبر) وتعني النّزول الشديد للدموع أو الماء، ويستعمل هذا التعبير أيضاً عندما يستدر الحليب من الضرع حتّى النهاية.

والعجيب هنا أنّه ورد في أقوال المفسّرين أنّ قوم نوح كانوا قد اُصيبوا بالجدب لعدّة سنوات قد خلت، وكانوا يرتقبون بتلهّف سقوط المطر عليهم، وفجأة ينزل المطر ولكن لا ليحيي أرضهم ويزيد خيرهم بل ماحقاً ومميتاً لهم(2).

ويذكر أنّ الماء الذي أدّى إلى الطوفان لم يكن من هطول الأمطار فقط، بل

______________________________________

1 ـ (انتصر): طلب العون كما في الآية (41) سورة الشورى، وهنا جاءت بمعنى طلب الإنتقام على أساس العدل والحكمة كما فسّرها البعض في التقدير (انتصر لي).

2 ـ روح المعاني هامش الآية مورد البحث.

[310]

كان من تفجير العيون في الأرض حيث يقول تعالى: (وفجّرنا الأرض عيوناً)(1)وهكذا إختلط ماء السماء بماء الأرض بمقدار مقدّر وملأ البسيطة: (فالتقى الماء على أمر قد قدر).

إنّ هذا التعبير يجسّد حالة الطوفان الذي غمر الأرض، إلاّ أنّ بعض المفسّرين فسّروا عبارة (قد قدر) بقولهم: إنّ كميّتي المياه المتدفّقة من الجانبين المتقابلين كانتا متساويتين في مقاديرهما بصورة دقيقة، إلاّ أنّ الرأي الأوّل هو الأرجح.

وخلاصة الأمر: إنّ الماء قد فار من جميع جهات الأرض وفجّرت العيون وهطلت الأمطار من السماء، واتّصل الماء بعضه ببعض وشكّل بحراً عظيماً وطوفاناً شديداً.

وتترك الآيات الكريمة مسألة الطوفان، لأنّ ما قيل فيها من الآيات السابقة يعتبر كافياً فتنتقل إلى سفينة نجاة نوح (عليه السلام) حيث يقول تعالى: (وحملناه على ذات ألواح ودسر).

(دسر) جمع (دِسار) على وزن (كتاب)، كما يقول الراغب في المفردات، أنّها في الأصل بمعنى الإبعاد أو النهر بشدّة مقترناً مع حالة عدم الرضا، ولكون المسمار عندما يتعرّض للطرق الشديد يدخل في الخشب وما شاكل فيقال له (دسار).

وذكر قسم من المفسّرين أنّ معنى هذه الكلمة هو (الحبل) مشيرين بذلك إلى حبال أشرعة السفينة وما إلى ذلك، والتّفسير الأوّل هو الأرجح نظراً لذكر كلمة (ألواح).

على كلّ حال، فإنّ التعبير القرآني هنا ظريف، لأنّه كما يقول الباريء عزّوجلّ بأنّنا وفي وسط ذلك الطوفان العظيم، الذي غمر كلّ شيء أودعنا أمر نجاة

______________________________________

1 ـ «عيوناً»: يمكن أن تكون تميّزاً للأرض والتقدير فجّرنا عيون الأرض، ثمّ إنّ العيون مفعول به منفصل وقد جاءت بصورة تمييز كي تعبّر عن المبالغة والأهميّة وكأنّ الأرض جميعاً تحوّلت إلى عيون.

[311]

نوح وأصحابه إلى مجموعة من المسامير وقطع من الخشب، وأنّها أدّت هذه الوظيفة على أحسن وجه، وهكذا تتجلّى القدرة الإلهيّة العظيمة.

ويمكن أن يستفاد من هذا التعبير طبيعة البساطة التي كانت عليها سفن ذلك الزمان والتي هي بعيدة عن التعقيد والتكلّف قياساً مع السفن المتقدّمة في العصور اللاحقة. ومع ذلك فإنّ سفينة نوح (عليه السلام) كان حجمها بالقدر المطلوب وطبق الحاجة، وطبقاً للتواريخ فإنّ نوح (عليه السلام) قد أمضى عدّة سنين في صنعها كي يتمكّن من وضع (من كلّ زوجين إثنين) من مختلف الحيوانات فيها.

ويشير سبحانه إلى لطف عنايته للسفينة المخصّصة لنجاة نوح (عليه السلام) حيث يقول سبحانه (تجري بأعيننا) أي أنّ هذه السفينة تسير بالعلم والمشيئة الإلهيّة، وتشقّ الأمواج العالية بقوّة وتستمر في حركتها تحت رعايتنا وحفظنا.

إنّ التعبير (بأعيننا) كناية ظريفة للدلالة على المراقبة والرعاية للشيء ويتجسّد هذا المعنى بوضوح في قوله تعالى في الآية (37) من سورة هود: (واصنع الفلك بأعيننا ووحينا).

بعض المفسّرين ذهبوا إلى أنّ المقصود من (تجري بأعيننا) هو الإشارة إلى الشخصيات المهمّة التي كانت على ظهر السفينة، وبناءً على هذا فإنّ المقصود من قوله تعالى: (تجري بأعيننا)(1) أنّ تلك السفينة كانت تحمل عباد الله الخالصين المخلصين، ونظراً لطبيعة الموارد التي استعمل فيها هذا التعبير في الآيات القرآنية الاُخرى فإنّ الرأي الأوّل هو الأصحّ.

ويحتمل أيضاً أنّ المراد بجملة (بأعيننا) هو الملائكة التي كان لها الأثر في هداية سفينة نوح (عليه السلام)، ولكن هذا الرأي ضعيف أيضاً لسبب أعلاه.

ثمّ يضيف تعالى: (جزاءً لمن كان كفر)(2).

______________________________________

1 ـ «أعين» جمع عين، وإحدى معانيها العين الباصرة، والمعنى الآخر لها هو: الشخصية المعتبرة. ولها معان اُخرى.

2 ـ يجدر بالملاحظة هنا أنّ فعل (كفر) مبني للمجهول، والمراد به نوح (عليه السلام) الذي كُفِر به، وليس فعلا معلوماً يشير إلى الكفّار.

[312]

نعم إنّ نوح (عليه السلام) كسائر الأنبياء الإلهيين يعتبر نعمة إلهيّة عظيمة وموهبة من مواهبة الكبيرة على البشرية، إلاّ أنّ قومه الحمقى كفروا به وبرسالته(1).

ثمّ يقول سبحانه وكنتيجة لهذه القصّة العظيمة موضع العظّة والإعتبار: (ولقد تركناها آية فهل من مدّكر).

والحقيقة أنّ كلّ ما كان يستحقّ الذكر في هذه القصّة قد قيل، وكلّما ينبغي للإنسان الواعي المتّعظ أن يدركه فهو موجود.

وإستناداً إلى هذا التّفسير المنسجم مع الآيات السابقة واللاحقة، فإنّ الضمير في (تركناها) يرجع إلى قصّة الطوفان وماضي نوح (عليه السلام) ومخالفيه. ولكن البعض يرى أنّ المراد هو (سفينة نوح) لأنّها بقيت مدّة من الزمن شاخصة لأنظار العالم، وكلّما يراها أحد تتجسّد أمامه قصّة الطوفان الذي حلّ بقوم نوح (عليه السلام). ومع علمنا بأنّ بقايا سفينة نوح (عليه السلام) كانت حتّى عصر الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كما أنّ البعض من المعاصرين ادّعى رؤية بقاياها في جبال (آرارات) في القفقاز، عندئذ يمكن أن يكون المعنيان مقصودين في الآية الكريمة.

ولهذا فإنّ قصّة نوح (عليه السلام) كانت آية للعالمين، وكذا سفينته التي بقيت ردحاً من الزمن بين الناس(2).

وفي الآية اللاحقة يطرح الله سبحانه سؤالا معبّراً ومهدّداً للكافرين الذين اتّبعوا نفس المنهج الذي كان عليه قوم نوح حيث يقول سبحانه: (فكيف كان عذابي ونذر).

هل هذه حقيقة واقعة، أم قصّة واُسطورة؟

______________________________________

1 ـ إذا لم يكن في الآية شيء مقدّر فيكون نائب الفاعل للفعل (كفر) هو شخص نوح (عليه السلام) حين أنّه (عليه السلام) يكون النعمة التي (كفر) بها، أمّا إذا قلنا أنّ للآية محذوف مقدّر، فيكون تقديره (كفر به) فعندئذ تكون إشارة إلى عدم الإيمان بنوح (عليه السلام)وتعاليمه.

2 ـ لقد ذكرت أبحاث مفصّلة حول قصّة قوم نوح (عليه السلام) في هامش الآيات الكريمة 25 ـ 49 من سورة هود.

[313]

ويضيف مؤكّداً هذه الحقيقة في آخر الآية مورد البحث في قوله تعالى: (ولقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر).

نعم إنّ هذا الكتاب العظيم الخالي من التعقيد والمجسّد لعناصر التأثير من حيث عذوبة ألفاظه وجاذبيتها، وحيوية عباراته وصراحتها في عرض المطالب ترغيباً وتهديداً، وطبيعة قصصه الواقعية ذات المحتوى الغزير بالإضافة إلى قوّة دلائله وأحكامها ومنطقه المتين، وإحتوائه على كلّ ما يلزم من عناصر التأثير ... لذا فإنّ القلوب المهيأة لقبول الحقّ والمتفاعلة مع منطق الفطرة والمستوعبة لمنهج العقل تنجذب بصورة متميّزة، والشاهد على هذا أنّ التأريخ الإسلامي يذكر لنا قصصاً عديدة عجيبة محيّرة من حالات التأثير العميق الذي يتركه القرآن الكريم على القلوب الخيّرة.

ولكن ما العمل حينما تكون النطفة لبذرة ما ميتة، حتّى لو هيّأ لزراعتها أخصب الأراضي، وسقيت بماء الكوثر، واعتني بها من قبل أمهر المزارعين، فإنّها لن تنمو ولن تزهر وتثمر أبداً.

 

* * *

[314]

الآيات

كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانِ عَذَابِى وَنُذُرِ ( 18 ) إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِى يَوْمِ نَحْس مُّسْتَمِرٍّ ( 19 ) تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْل مُّنقَعِر ( 20 ) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ ( 21 ) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرِ ( 22 )

 

التّفسير

مصير قوم عاد:

تستعرض الآيات الكريمة أعلاه وبإختصار أخبار نموذج آخر من الكفّار والمجرمين بعد قوم نوح، وهم (قوم عاد) وذلك كتحذير لمن يتنكّب طريق الحقّ والهداية الإلهية.

وتبدأ فصول أخبارهم بقوله تعالى: (كذّبت عاد).

لقد بذل هود (عليه السلام) غاية جهده في توعية قومه وتبليغهم بالحقّ الذي جاء به من عند الله، وكان (عليه السلام) كلّما ضاعف سعيه وجهده لإنتشالهم من الكفر والضلال إزدادوا إصراراً ونفوراً ولجاجة في غيّهم وغرورهم الناشىء من الثراء والإمكانات المادية، بالإضافة إلى غفلتهم نتيجة إنغماسهم في الشهوات، جعلتهم صمّ الآذان،

[315]

عميّ العيون، فجازاهم الله بعقاب أليم وعذاب شديد، ولهذا تشير الآية الكريمة بإختصار حيث يقول سبحانه: (فكيف كان عذابي ونذر).

كما نلاحظ التفصيل في الآيات اللاحقة بعد هذا الإجمال حيث يقول سبحانه: (إنّا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في يوم نحس مستمر).

«صرصر» من مادّة (صرّ) على وزن (شرّ)، وفي الأصل تعني (الإغلاق والإحكام) ويأتي تكرارها في هذا السياق للتأكيد، ولأنّ الرياح التي عذّبوا بها كانت باردة وشديدة ولاذعة ومصحوبة بالأزيز، لذا اُطلق عليها (صرصر).

أمّا (نحس) ففي الأصل معناها (الإحمرار الشديد) الذي يظهر في الاُفق أحياناً، كما يطلق العرب أيضاً كلمة (نحاس) على وهج النار الخالية من الدخان، ثمّ أطلق هذا المصطلح على كلّ (شؤم) مقابل (السعد).

«مستمر» صفة لـ (يوم) أو لـ (نحس) ومفهومه في الحالة الاُولى هو إستمرار حوادث ذلك اليوم كما في قوله تعالى: (سخّرها عليهم سبع ليال وثمانية أيّام حسوماً، فترى القوم فيها صرعى كأنّهم أعجاز نخل خاوية).(1)

وتعني في الحالة الثانية إستمرار نحوسة ذلك اليوم حتّى هلك الجميع.

كما يفسّر البعض معنى (النحس) بأنّه حالة الجو المكفهر المغبّر، لأنّ العاصفة كانت مغبرة إلى درجة أنّها لم تسمح برؤية بعضهم البعض. وعندما شاهدوا العاصفة من بعيد ظنّوا أنّها غيوم محملة بالأمطار متّجهة نحوهم، وسرعان ما تبيّن لهم أنّها ريح عاتية لا تبقي ولا تذر أُمرت بعذابهم والإنتقام منهم، كما في قوله تعالى: (فلمّا رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم).(2)

إنّ هذين التّفسيرين غير متنافيين، ويمكن جمعهما في معنى الآية الكريمة

______________________________________

1 ـ الحاقّة، 7.

2 ـ الأحقاف، 24.

[316]

مورد البحث.

ثمّ يستعرض سبحانه وصف الريح بقوله: (تنزع الناس كأنّهم أعجاز نخل منقعر).

«منقعر» من مادّة (قعر) بمعنى أسفل الشيء أو نهايته، ولذا يستعمل هذا المصطلح بمعنى قلع الشيء من أساسه.

كما يحتمل أن يكون المقصود من هذا التعبير أنّ ضخامة الهياكل وقوّة الأبدان التي كان عليها قوم عاد لم تغنهم من فتك الريح بهم وهلاكهم حيث ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ قوم عاد حاولوا التخلّص من العذاب الذي باغتهم وذلك بأن التجأوا إلى حفر عميقة وملاجىء تحت الأرض لحفظ أنفسهم، ولكن دون جدوى حيث أنّ الريح كانت من القوّة بحيث قلعتهم من أعماق تلك الحفر وقذفت بهم من جهة إلى اُخرى، حتّى قيل أنّها كانت تدحرجهم وتجعل أعلى كلّ منهم أسفله وتفصل رؤوسهم عن أجسادهم.

«أعجاز» جمع (عجز) ـ على وزن (رجل) ـ بمعنى خَلْفُ أو تحت، وقد شبّهوا بالقسم الأسفل من النخلة وذلك حسبما يقول البعض لأنّ شدّة الريح قطّعت أيديهم ورؤوسهم ودفعتها باتّجاهها، وبقيت أجسادهم المقطّعة الرؤوس والأطراف كالنخيل المقطّعة الرؤوس، ثمّ قُلعت أجسادهم من الأرض وكانت الريح تتقاذفها.

وللسبب المذكور أعلاه، يكرّر الله سبحانه وتعالى إنذاره للكفّار بقوله: (فكيف كان عذابي ونكر).

فنحن كذلك فعلنا وجازينا الأقوام السالفة التي سلكت سبيل الغي والطغيان والعصيان، فعليكم أن تتفكّروا في مصيركم وأنتم تسلكون نفس الطريق الذي سلكوه!!

وفي نهاية القصّة يؤكّد قوله سبحانه: (ولقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر) فهل هنالك من آذان صاغية وقلوب واعية لهذا النداء الإلهي والإنذار

[317]

الربّاني؟.

والنقطة الأخيرة الجديرة بالذكر هي تأكيد قوله سبحانه: (فكيف كان عذابي ونذر) حيث تكرّرت مرّتين: الاُولى: في بداية الحديث عن قصّة قوم عاد، والثانية: في نهايتها. ولعلّ سبب هذا الإختلاف بين قوم عاد والأقوام الاُخرى، أنّ عذاب قوم عاد كان أكثر شدّة وإنتقاماً، رغم أنّ جميع ألوان العذاب الإلهي شديد.

* * *

 

بحث

سعد الأيّام ونحسها:

الشيء المتعارف بين الناس، هو أنّ بعض الأيّام سعيدة ومباركة، والبعض الآخر نحس ومشؤوم، مع وجود إختلاف كثير في تشخيصها.

ويدور الحديث حول مدى قبولها إسلامياً، وهل أنّها مأخوذة من تعاليم الإسلام أم لا؟.

من الناحية العقلية لا يعدّ إختلاف أجزاء الزمان من هذه الجهة محالا، بأن يتّصف بعضها بالنحوسة والاُخرى بالبركة والسعد. ولا نملك أي إستدلال عقلي لإثبات أو نفي هذا المعنى، ولهذا نستطيع القول: إنّ هذا الأمر بهذا القدر شيء ممكن، ولكنّه غير ثابت من الناحية العقلية.

وبناءً على ذلك فإذا كانت لدينا دلائل شرعية لهذا المعنى ثبتت عن طريق الوحي فلا مانع من قبولها، بل الإلتزام بها.

وحول (نحس الأيّام) تشير الآيات القرآنية مرّتين إلى هذا الموضوع، الاُولى في الآيات مورد البحث، والثانية: في قوله تعالى: (فأرسلنا عليهم ريحاً

[318]

صرصراً في أيّام نحسات)(1)(2).

وفي مقابل «النحوسة» فإنّنا نلاحظ في بعض الآيات القرآنية تعبير (مبارك) كما في قوله تعالى حول ليلة القدر: (إنّا أنزلناه في ليلة مباركة).(3)

وقلنا إنّ «نحس» مأخوذ في الأصل من صورة الإحمرار الشديد في الاُفق، الذي يشبه النار المتوهّجة الخالية من الدخان والتي يطلق عليها (النحاس). وبهذه المناسبة إستعمل في معنى الشؤم.

ومن هنا نلاحظ أنّ القرآن الكريم لم يتطرّق لهذه المسألة إلاّ من خلال إشارة مغلقة فقط. لكنّنا حينما نقرأ في الكتب الإسلامية، يواجهنا العديد من الرّوايات في هذا المجال، مع العلم أنّ الكثير منها ضعيف، وأنّ البعض الآخر منها موضوع أو ملفّق، أو مشوب بالخرافات. وليست جميعاً كذلك، بل هناك ما هو معتبر منها وموضع إطمئنان كما يؤكّد المفسّرون صحّة ذلك من خلال تفسير الآيات أعلاه.

ويذكر لنا المحدّث الكبير العلاّمة المجلسي روايات عديدة في هذا المجال في بحار الأنوار(4).

وفي هذا المجال نستطيع إيراد الملاحظات التالية:

أ ـ لقد ذكروا في روايات عديدة (سعد ونحس) الأيّام، وكذلك الحوادث التي وقعت فيها، حيث نقرأ في الرّواية التالية في أسئلة الشامي لأمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: (أخبرني عن يوم الأربعاء والتطيّر منه وثفله، وأي أربعاء هو)، قال (عليه السلام): «آخر أربعاء من الشهر، وهو المحاق، وفيه قتل قابيل هابيل أخاه، ويوم الأربعاء أرسل

______________________________________

1 ـ يجدر الإنتباه إلى أنّ نحسات جاءت صفة للأيّام، وذلك يعني أنّ الأيّام المذكورة وصفت بالنحوسة، في الوقت الذي ذكرت كلمة (يوم) في الآية الكريمة (في يوم نحس مستمر) إضافة لـ (النحس) وليست وصفاً ولكن بقرينة الآية أعلاه يجب القول: إنّ الإضافة هنا تكون إضافة موصوف إلى صفة (يرجى الإنتباه).

2 ـ فصّْلت، 16.

3 ـ الدخان، 3.

4 ـ بحار الأنوار، ج59 كتاب السماء والعالم، ص1 ـ 91 وما بعدها.

[319]

الله عزّوجلّ الريح على قوم عاد»(1).

ومن هنا فإنّ الكثير من المفسّرين يرتّبون أثراً على هذه الرّوايات، ويعتبرون أنّ آخر أربعاء من كلّ شهر هو يوم نحس، ويطلقون عليه (أربعاء لا تدور) أي لا تتكرّر.

ونقرأ في بعض الرّوايات أنّ اليوم الأوّل من كلّ شهر هو سعد ومبارك، وذلك لأنّ آدم (عليه السلام) خلق في هذا اليوم، وكذلك فإنّ اليوم 26 من كلّ شهر يوم مبارك، حيث: (ضرب موسى فيه البحر فانفلق)(2).

كما أنّ اليوم الثالث من كلّ شهر، هو يوم نحس، نُزع عن آدم وحواء لباسهما وأُخرجا من الجنّة(3).

كما أنّ اليوم السابع من كلّ شهر هو يوم مبارك، لأنّ نوح (عليه السلام) قد ركب في السفينة (ونجا من الغرق)(4).

ونقرأ في الحديث التالي عن الإمام الصادق (عليه السلام) في هذا المعنى حول يوم (النوروز) حيث يقول:

«... يوم مبارك إستوت فيه سفينة نوح على الجودي، وهو اليوم الذي نزل فيه جبرائيل على النبي، وهو اليوم الذي حمل فيه رسول الله أمير المؤمنين على منكبه حتّى رمى أصنام قريش من فوق البيت الحرام فهشّمها ... وهو اليوم أمر النّبي أصحابه أن يبايعوا علياً بإمرة المؤمنين ...»(5).

وقد إقترن سعد ونحس الأيّام بذكر بعض الوقائع التأريخية الحسنة والسيّئة كما في العديد من الرّوايات، فمثلا ما ذكر عن يوم عاشوراء الذي إعتبره الاُمويون

______________________________________

1 ـ تفسير نور الثقلين، ج5، ص183 حديث (25).

2 ـ تفسير نور الثقلين، ج5، ص105.

3 ـ تفسير نور الثقلين، ج5، ص58.

4 ـ تفسير نور الثقلين، ج5، ص61.

5 ـ بحار الأنوار، ج59، ص92.

[320]

يوم سعد لمّا حقّقوا فيه وبظنّهم من إنتصار على أهل البيت (عليهم السلام) ... نلاحظ الرّوايات تنهى بشدّة عن التبرّك في مثل هذا اليوم، كما تحذر من إدّخار الأقوات السنوية فيه، والإبتعاد عن أجواء الإحتفالات التي كان يقيمها الاُمويون في هذا اليوم وكذلك تؤكّد على تعطيل الأعمال فيه.

ومن ملاحظة مجموعة الرّوايات السابقة، دفع البعض أن يفسّر مسألة سعد ونحس الأيّام على أنّها مجعولة من أجل شدّ المسلمين بهذه الحوادث التاريخيّة المهمّة، وحثّهم عمليّاً على تطبيق ما تستلزمه تلك الحوادث من التفاعل وما تفرزه من معطيات، وكذلك الإبتعاد عن محطّات الحوادث السيّئة وإجتناب سبلها.

ويمكن أن يصدّق هذا التّفسير في قسم من هذه الرّوايات ولا يصدق على القسم الآخر منها، ذلك لأنّ المستفاد من البعض منها أنّ هنالك تأثيراً ملموساً في بعض الأيّام (إيجاباً وسلباً) وليس لنا تفسير أو علم لهذا التأثير.

ب ـ ممّا يجدر الإنتباه إليه أنّ هنالك من يفرط في موضوع سعد ونحس الأيّام، بحيث إنّهم يمتنعون من الشروع بأي عمل إلاّ بالإعتماد على هذه الخلفية، وبذلك يفوتون عليهم فرصاً كثيرة يمكن الإستفادة منها.

وبدلا من التعمّق في البحث الموضوعي الذي تحسب فيه حسابات الربح والخسارة والإستفادة من الفرص والتجارب الثرية ... فإنّهم يرجعون كسب الأرباح إلى سعد الأيّام والإنتكاسات والخسارة إلى شؤم الأيّام ... وهذا المنهج يعبّر عن الإنهزام من الواقع والهروب من الحقيقة والإفراط في التعليل الخرافي لحوادث الحياة الذي يجب أن نحذّره ونتجنّبه بشدّة.

والجدير بنا في هذه المسائل أن لا نعطي آذاناً صاغية لأقوال المنجّمين والإشاعات المنتشرة في الأجواء الإجتماعية المتخلّفة، ولا لحديث اُولئك الذين يدّعون المعرفة المستقبلية لفأل الأشخاص، ونستمرّ في حياتنا العملية بجهد حثيث وخطى ثابتة وبالتوكّل على الله وبروح موضوعية بعيدة عن التأثّر بهذه

[321]

الحكايات والأقاويل، ونستمدّ من الله وحده العون والرعاية.

ج ـ إنّ مسألة الإهتمام بموضوع (سعد ونحس) الأيّام بالإضافة إلى أنّها ترشدنا للكثير من الحوادث التأريخيّة ذات العظة والعبرة، فإنّها أيضاً عامل للتوسّل بالله والتوجّه إلى رحاب عظمته السامقة، وإستمداد العون من ذاته القدسيّة، وهذا ما نلاحظه في روايات عديدة.

ففي الأيّام النحسة مثلا نستطيع أن نطمئن نفسيّاً لممارستنا العملية وبكلّ تفاؤل وموفّقية، وذلك حينما ندعو الله ونطلب منه العون ونتصدّق على الفقراء، ونقرأ شيئاً من الآيات القرآنية ونتوكّل على الذات الإلهيّة المقدّسة.

روي عن علي بن عمر العطّار، أنّه قال: دخلت على أبي الحسن العسكري يوم الثلاثاء، فقال: لم أرك أمس؟ قال: كرهت الحركة في يوم الإثنين، قال: «ياعلي من أحبّ أن يقيه الله شرّ يوم الإثنين، ليقرأ في أوّل ركعة من صلاة الغداة (هل أتى على الإنسان ...) ثمّ قرأ أبو الحسن: (فوقّاهم شرّ ذلك اليوم ولقّاهم نضرةً وسروراً)»(1).

وفي هذا الصدد نقرأ الرّواية التالية أيضاً عن الحلبي عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام)، أيكره السفر في شيء من الأيّام المكروهة، الأربعاء وغيره؟ قال: «افتتح سفرك بالصدقة، واقرأ آية الكرسي إذا بدا لك»(2).

وذكر أيضاً عن الحسن بن مسعود أحد أصحاب الإمام علي الهادي (عليه السلام) أنّه قال: دخلت على أبي الحسن علي بن محمّد (عليهما السلام)، وقد نكبت إصبعي، وتلقّاني راكب فصدم كتفي، ودخلت في زحمة فخرقوا عليّ بعض ثيابي. فقلت: كفانا الله شرّك من يوم فما أشأمك!، فقال (عليه السلام) لي: «ياحسن هذا وأنت تغشانا ترمي بذنبك من لا ذنب له».

______________________________________

1 ـ بحار الأنوار، ج59، ص39، حديث 7.

2 ـ المصدر السابق، ص28.

[322]

قال الحسن: فأناب إليّ عقلي، وتبيّنت خطأي، فقلت يامولاي: إستغفر لي.

فقال (عليه السلام): «ياحسن، ما ذنب الأيّام حتّى صرتم تتشاءمون منها إذا جوزيتم بأعمالكم».

قال الحسن: أنا أستغفر الله أبداً، وهي توبتي، يا ابن رسول الله.

قال (عليه السلام): «والله ما ينفعكم ولكنّ الله يعاقبكم بذمّها على ما لا ذمّ عليها فيه، أما علمت ياحسن أنّ الله هو المثيب والمعاقب والمجازي بالأعمال عاجلا وآجلا؟».

قلت: بلى يامولاي.

قال (عليه السلام): «لا تعد ولا تجعل للأيّام صنعاً في حكم الله».

قال الحسن: بلى يا ابن رسول الله(1).

إنّ هذا الحديث الهامّ يشير إلى أنّ التأثير الممكن حصوله في الأيّام مردّه إلى أمر الله، وليس للأيّام تأثير مستقل على حياة الإنسان، ولابدّ من إستشعار لطف الله دائماً، الذي لا غنى لنا عنه أبداً، وبذلك لا ينبغي أن نتصوّر الحوادث التي هي بمثابة كفّارة لأعمالنا وسيآتنا غالبا على أنّها مرتبطة بتأثير الأيّام ونبرّيء أنفسنا منها، ولعلّ هذا البيان أفضل طريق للجمع بين الأخبار المختلفة في هذا الباب.

* * *

______________________________________

1 ـ تحف العقول، عن بحار الأنوار، ج59، ص2 بإختصار.

[323]

الآيات

كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ ( 23 ) فَقَالُوا أَبَشَراً مِّنَّا وَحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَّفِى ضَلَـل وَسُعُر ( 24 ) أَءُلْقِىَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ( 25 ) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ الْكَذَّابُ الاَْشِرُ ( 26 ) إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ ( 27 ) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْب مُّحْتَضَرٌ ( 28 ) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ( 29 ) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ ( 30 ) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الُْمحْتَظِرِ ( 31 ) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِر ( 32 )

 

التّفسير

العاقبة الأليمة لقوم ثمود:

تكملة للأبحاث السابقة، تتحدّث الآيات الكريمة بإختصار عن ثالث قوم ذكروا في هذه السورة، وهم (قوم ثمود) الذين عاشوا في (حجر) الواقعة في شمال الحجاز، ليستفاد من قصّتهم الدروس والعبر.

[324]

لقد بذل نبيّهم «صالح» (عليه السلام) أقصى الجهد من أجل هدايتهم وإرشادهم ولكن دون جدوى.

قال تعالى: (كذّبت ثمود بالنذر).

قال بعض المفسّرين: أنّ كلمة (نذر) تعني (الأنبياء المنذرين) ولذا فإنّهم يرون بأنّ تكذيب قوم ثمود لنبيّهم صالح (عليه السلام) كان بمثابة تكذيب لكلّ الأنبياء، ذلك أنّ دعوة الأنبياء أجمع هي دعوة واحدة ومنسجمة، لكن الظاهر أنّ (نذر) جاءت هنا جمع (إنذار) وهو الكلام الذي يتضمّن التهديد، والذي هو الطابع العام لكلام الأنبياء جميعاً (عليهم السلام).

ويستعرض سبحانه سبب تكذيبهم (الأنبياء) حيث يقول على لسان قوم ثمود: (فقالوا أبشراً منّا واحداً نتّبعه، إنّا إذاً لفي ضلال وسعر).

نعم، إنّ الكبرياء والغرور والنظرة المتعالية تجاه الآخرين، بالإضافة إلى حبّ الذات كانت حاجزاً عن الإستجابة لدعوة الأنبياء (عليهم السلام)، لقد قالوا: إنّ (صالح) شخص مثلنا وليست له أيّ إمتيازات علينا ليصبح زعيماً وقائداً نطيعه ونتّبعه، كما لا يوجد سبب لإتّباعه.

وهذا هو الإشكال الذي تورده جميع الأقوام الضالّة على أنبيائها بأنّهم أشخاص مثلنا، ولذا لا يمكن أن يكونوا أنبياء إلهيين.

وإستفاد قسم آخر من المفسّرين من تعبير (واحداً) أنّ قوم صالح كانوا ينظرون إلى نبيّهم أنّه شخص (عادي) وليس له مال وفير ولا نسب رفيع يمتاز به عليهم.

كما يفسّر البعض كلمة (واحداً) أنّه شخص واحد لا يمتلك العمق والإمتداد الإجتماعي الذي يتطلّبه الموقع القيادي في ذلك العصر، حيث النصرة والمؤازرة.

وهنالك رأي ثالث يذهب إلى أنّ المقصود بكلمة (واحداً) ليس هو الواحد العددي، بل مرادهم الواحد النوعي، أي انّه فرد من نوعنا وجنسنا ونوع البشر لا

[325]

يستطيع أن يبلغ رسالة سماوية حيث مقتضى ضرورة التبليغ للرسالات السماوية ـ حسب رأيهم ـ أن يكون النّبي أو الرّسول (ملكاً).

وطبعاً يمكن الجمع بين هذه التفاسير الثلاثة ..

وعلى كلّ حال، فإنّ إدّعاءات قوم صالح كانت واهية وغير منطقية.

(سعر) على وزن (حُمُر) جمع سعير، وفي الأصل بمعنى إشتعال النار وهيجانها، وفي بعض الأحيان بمعنى (جنون) لأنّ الإنسان المجنون يكون في حالة هيجان خاصّة، لذا يقال في بعض الأحيان ناقة مسعورة.

ويحتمل أنّ قوم ثمود أخذوا هذا التعبير من نبيّهم (صالح) (عليه السلام) حيث كان يقول لهم: إذا لم تتخلّوا عن عبادة الأصنام وتستجيبون إلى دعوة الله فإنّكم في «ضلال وسعر»، وكان ردّهم: (أبشراً منّا واحداً نتّبعه إنّا إذاً لفي ضلال وسُعُر)وعلى كلّ حال فإنّ ذكر كلمة (سعر) بصيغة الجمع جاءت هنا للتأكيد والإستمرار، سواء كان معناها الجنون أو إشتعال النار.

وتزداد اللجاجة والعناد في قوم ثمود فيتساءلون: إذا اُريد نزول الوحي على إنسان، فلماذا اختّص بصالح من بيننا، مع وجود الشخصيات الأكثر مالا والأقوى إعتباراً: (أاُلقي الذكر عليه من بيننا).

وفي الحقيقة أنّ هذه الأقوال لها شبه كبير بأقوال مشركي مكّة، ذلك أنّهم شكّكوا برسالة النّبي بأقوال مماثلة: (ما لهذا الرّسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، لولا أُنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً).(1)

وتارةً يقولون: (لولا نزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم).(2)

ثمّ تساءلوا: إذا قدّر لبشر أن يتصدّى لمهمّة الرسالة الإلهيّة، فلماذا كان الإختيار لأشخاص مغمورين ليس لهم ظهير من عشيرة ولا كثرة من مال ...

______________________________________

1 ـ الفرقان، 7.

2 ـ الزخرف، 31.

[326]

هذه الإشكالات التي تحكي السطحية في التفكير كانت تتناقلها وتتداولها أجيال المشركين جيلا بعد جيل للتشكيك في الرسالات الإلهية، وذلك لتصوّرهم أنّ من كان خلال إفتراضهم أنّ من يتصدّى لهذه المهمّة لابدّ أن يكون ذا قوّة وقوم ومال ونسب وجاه ومنصب فهو شخصية مهمّة، وهذه الاُمور تدلّ على شخصية وكرامة الإنسان، في حين أنّ أكثر العناصر الظالمة والمتجبّرة هي المتّصفة بالصفات السابقة.

ويمكن تفسير الآية أيضاً ـ كما إختاره بعض المفسّرين ـ على ضوء التساؤلات التي أطلقها قوم ثمود والتي تتركّز بما يلي: ما هي علّة نزول الوحي على صالح (عليه السلام)؟ ولماذا لم ينزل علينا جميعاً؟، وما هي المميّزات التي إختصر بها صالح (عليه السلام) ليتميّز علينا بهذا الخصوص!؟ وهذا المعنى ورد أيضاً في سورة المدثر، الآية 52 حيث يقول سبحانه في ذلك: (بل يريد كلّ امرىء منهم أن يؤتى صحفاً منشرة).

ثمّ تختتم الآية بقوله سبحانه: (بل هو كذّاب أشر) وذلك إتّهاماً لصالح (عليه السلام)بالكذب فيما ادّعاه من إختصاص من الوحي به وإنذار قومه وأنّه يريد أن يتحكّم علينا ويجعل كلّ اُمورنا تحت قبضته ويسيرنا وفق هواه وإرادته ..

(أشِر) وصف من مادّة (أشر) على وزن (قمر) بمعنى بطر ومرح زائد عن الحدّ.

ويردّ الباريء عزّوجلّ عليهم بصورة قاطعة بقوله: (سيعلمون غداً من الكذّاب الأشر).

وعندما يدركهم العذاب الإلهي ويسوّيهم مع التراب ويحوّلهم رماداً، وبعد أن يجازيهم الله بأعمالهم في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون ... عندئذ سيدركون حقيقة اتّهاماتهم الزائفة التي اتّهموا بها نبي من أنبياء الله المقرّبين، وسيعلمون أيضاً أنّ هذه الإفتراءات هي أحقّ بهم وألصق.

[327]

ومعلوم أنّ المراد من «غدا» هو المستقبل القريب، وإنّه حقّاً لتعبير رائع.

والسؤال المطروح هنا: في الوقت الذي نزلت هذه الآيات على قوم ثمود كان العذاب قد وقع عليهم مجازاة لأعمالهم، فما معنى (سيعلمون) مع أنّهم قد هلكوا؟.

هنالك إجابتان على هذا السؤال:

الاُولى: إنّ حديث الآيات الكريمة كان موجّهاً للنبي صالح (عليه السلام)، ومن المعلوم أنّ العذاب لم يكن قد نزل بهم حينئذ.

الثّانية: إنّ المقصود من (غداً) هو يوم القيامة الذي سيظهر فيه كلّ شيء بوضوح. (والتّفسير الأوّل هو الأنسب عند ملاحظة الآيات اللاحقة).

وهنا يطرح تساؤل آخر: لماذا قال تعالى: (سيعلمون غداً)؟ في الوقت الذي لمس مشركو قوم ثمود صدق دعوة النّبي صالح (عليه السلام) لما شاهدوه من معجزاته غير القابلة للإنكار؟

ويتّضح الجواب على هذا التساؤل إذا علمنا أنّ للعلم مراتب، ويمكن إنكاره من قبل الآخرين في بعض مراتبه، وقد يصل العلم بهم إلى مرتبة، لا يمكن إنكارها لما تمثّله من حقيقة صارخة متجسّدة للعيان، والمقصود هنا من جملة: (سيعلمون غداً) هو العلم الحقيقي الذي لا يمكن إنكاره، والذي هو حقيقة العذاب الذي سيحلّ بقوم ثمود بصورة لا ريب فيها مطلقاً.

ثمّ يشير سبحانه إلى قصّة «الناقة» التي اُرسلت كمعجزة ودلالة على صدق دعوة صالح (عليه السلام) حيث يقول: (إنّا مرسلو الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر).

(الناقة) اُنثى البعير، وهي ليست كبقيّة النوق لما تتّصف به من خصوصيات خارقة للعادة، وطبقاً للروايات المشهورة فإنّ هذه الناقة قد خرجت من بطن صخرة جبل حجّة دامغة للمنكرين والمعاندين.

معنى «الفتنة» ـ كما مرّ في بحث سابق ـ هو التمحيص والإختبار، وإكتشاف مدى الإخلاص والصفاء والإستقامة عند الإنسان.

[328]

ومن الواضح أنّ قوم ثمود قد جعلوا أمام إمتحان عسير، حيث يستعرض سبحانه هذا الإختبار لهم بقوله: (ونبئّهم أنّ الماء قسمة بينهم كلّ شرب محتضر)(1)يوم لهم ويوم للناقة.

ومع أنّ القرآن الكريم لم يوافنا بتفاصيل أكثر حول هذا الموضوع، ولكن كما يذكر الكثير من المفسّرين فإنّ ناقة صالح (عليه السلام) كانت تشرب كلّ الماء يوم يكون شربها، ويعتقد البعض الآخر أنّ هيئتها ووضعها كانا بشكل يدفع الحيوانات إلى الفرار من الماء عندما تقترب الناقة نحوه، ولذلك فإنّهم إقترحوا حلا وهو: أن يكون الماء يوماً لهم وآخر للناقة.

وعلى كلّ حال فإنّ هؤلاء القوم وقعوا في مضيقة من ناحية الماء، ولم يطيقوا وجود الناقة ومشاطرتها لمائهم يوماً كاملا خصوصاً ما يحتمله بعض المفسّرين من شحّة الماء في القرية (مع العلم أنّ هذا لا يتناسب مع ما ذكر في الآيات (146 ـ 148) من هذه السورة، حيث المستفاد من هذه الآيات أنّ هؤلاء القوم كانوا يعيشون في أرض مليئة بالبساتين والعيون).

وعلى كلّ حال فإنّ قوم ثمود المتمردّين عقدوا العزم على قتل الناقة، في الوقت الذي حذّرهم نبيّهم صالح (عليه السلام) من مسّها بسوء، وأخبرهم بأنّ العذاب الإلهي سيقع عليهم بعد فترة وجيزة إن فعلوا ذلك.

ونظراً لإستخفافهم بهذا التحذير (فقد نادوا أحد أصحابهم حيث تصدّى للناقة وقتلها) يقول الله سبحانه: (فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر).

ويمكن أن يكون المراد بـ (صاحب) أحد رؤساء ثمود، وكان أحد أشرارهم المعروفين ويعرف في التاريخ بـ (قدارة بن سالف)(2).

______________________________________

1 ـ «محتضر» إسم مفعول من مادّة (حضور) و (شرب) بمعنى السهم والنوبة الخاصّة بالماء، وبناءً على ذلك فإنّ مفهوم جملة (كلّ شرب محتضر) أي أنّ نوبة كلّ شخص من الماء حاضرة له، ولا يحقّ للآخرين الحضور والتزاحم عليها.

2 ـ قدارة على وزن (منارة) ـ كان رجلا قبيح الشكل والسيرة، ومن أكثر الأشخاص شؤماً في التاريخ.

[329]

و (تعاطى) في الأصل بمعنى تناول الشيء، أو تبنّى الموضوع وتقال أيضاً عند إنجاز الأعمال المهمّة والخطيرة وكذلك الأعمال الشاقّة، أو العمل المقابل بعوض.

كلّ هذه التفاسير تجمّع في الآية مورد البحث، لأنّ الإقدام على القتل يستدعي جرأة وخسارة كبيرة، كما أنّه عمل شاقّ، وكذلك يستلزم اُجرة في الغالب.

(عَقَرَ) من مادّة (عقر) على وزن (ظلم) وفي الأصل بمعنى الأساس والجذر، وإذا إستعمل هذا المصطلح بخصوص الناقة فإنّه يعني القتل والنحر.

والجدير بالذكر أنّ قتل الناقة نسب لشخص واحد في هذه الآية، في الوقت الذي يلاحظ نسبة القتل في سورة (الشمس) لقوم ثمود جميعاً حيث يقول سبحانه: (فعقروها)، ويمكن تعليل هذا الأمر بأنّ فعل الشخص القاتل كان نيابة عن الجميع وبرضاهم، وكما نعلم فإنّ الذي يرضى بفعل قوم يكون شريكاً لهم فيه(1).

وجاء في بعض الرّوايات أنّ (قدارة) كان قد شرب مسكراً، وقد أقدم على هذا العمل القبيح والجناية الكبيرة وهو في هذه الحالة.

وفي طريقة قتل الناقة أقوال كثيرة، حيث يذهب البعض إلى أنّ قتلها كان بالسيف، ويقول البعض الآخر: إنّ (قدارة) قد نصب لها كميناً وراء صخرة وضربها بالسهم أوّلا ثمّ هجم عليها بالسيف.

وتأتي الآية الكريمة اللاحقة مؤكّدة إنذارهم قبل نزول العذاب الشديد عليهم، حيث يقول سبحانه: (فكيف كان عذابي ونذر) ثمّ وقع العذاب والسخط الإلهي على هؤلاء المتمردّين المعاندين حيث يضيف سبحانه: (إنّا أرسلنا عليهم

______________________________________

1 ـ كما بيّنا شرح هذا الموضوع تحت عنوان (الإرتباط الرسالي) في الآية 65 سورة هود.

[330]

صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر).

«الصيحة» هنا تعني الصوت العظيم الذي يأتي من السماء، ويحتمل أن يكون إشارة للصاعقة المخيفة التي ضربت قريتهم، حيث يقول سبحانه: (فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود).(1)

(الهشيم) من مادّة (هشم) على وزن «حسم» وفي الأصل بمعنى إنكسار الأشياء الضعيفة كالنباتات، وتطلق عادة على النباتات اليابسة المتكسّرة التي يهيؤها الرعاة لمواشيهم بعد سحقها، كما تطلق أحياناً على النباتات اليابسة المسحوقة بأرجل الحيوانات في الحضيرة.

(محتظر) في الأصل من مادّة (حظر) على وزن (حفز) بمعنى المنع، ولذلك فإنّ إعداد الحظائر للحيوانات والمواشي تكون مانعة لها من الخروج ولدرء المخاطر عنها، ومفردها (الحظيرة)، و «محتظر» على وزن محتسب ـ هو الشخص الذي يملك مثل هذا المكان.

والإستعراض الذي ذكرته الآية الكريمة حول عذاب قوم ثمود عجيب جدّاً ومعبّر للغاية، حيث لم يرسل الله لهم جيوشاً من السماء أو الأرض للتنكيل بهم، وإنّما كان عذابهم بالصيحة السماوية العظيمة، فكانت صاعقة رهيبة، أخمدت الأنفاس، وكان إنفجاراً هائلا حطّم كلّ شيء في قريتهم، فأصبحت بيوتهم وقصورهم كحظيرة المواشي، وأجسادهم المحطّمة كالنبات اليابس المرضوض المهشّم.

إنّ إستيعاب هذا اللون من العذاب كان صعباً وعسيراً للأقوام السالفة، ولكنّه يسير بالنسبة لنا، وذلك من خلال معرفتنا لتأثير الأمواج الناتجة من الإنفجارات، حيث أنّها تحطّم كلّ شيء يقع ضمن دائرة إشعاعاتها.

______________________________________

1 ـ فصّلت، 13.

[331]

ومن الطبيعي أنّنا لا نستطيع المقارنة بين الإنفجارات البشرية وصاعقة العذاب الإلهي التي أشاعت الدمار الرهيب في هؤلاء القوم الحمقى المستبدّين، وعلى بيوتهم وقصورهم، عسى أن يكون عبرة ودرساً للآخرين، حيث يقول سبحانه: (ولقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر).

وهكذا تنهي الآيات الكريمة هذا المشهد المثير بالتأكيد على ضرورة الإستفادة من هذه الدروس البليغة، حيث التعابير الحيوية الواضحة، والقصص المعبّرة، والإنذارات المحفّزة والتهديدات القويّة.

 

* * *

[332]

الآيات

كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطِ بالنُّذُرِ ( 33 ) إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلاَّ ءَالَ لُوط نَّجَّيْنَـهُم بِسَحَر ( 34 ) نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ( 35 ) وَلَقَدْ أَنَذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتََمارَوْا بِالنُّذُرِ ( 36 ) وَلَقَدْ رَوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِى وَنُذُرِ ( 37 )وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌ ( 38 ) فَذُوقُوا عَذَابِى وَنُذُرِ( 39 ) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانِ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِر ( 40 )

 

التّفسير

المصير الأكثر شؤماً:

نلاحظ في هذه الآيات تعبيرات قصيرة وقويّة حول قصّة «قوم لوط» والعذاب الشديد الذي حلّ بهم، وهم المجموعة الرابعة من الأقوام التي اتّصفت بالقبح والضلال والتي إستعرضتهم هذه السورة المباركة ... حيث يبدأ الحديث عنهم بقوله سبحانه: (كذّبت قوم لوط بالنذر).

و«نذر» كما ذُكِرَ سابقاً جمع (إنذار) وتعني التهديد والتخويف، ومن المحتمل

[333]

أن يكون المراد بها بعد ذكرها بصيغة الجمع هو الإنذارات المتعاقبة من النّبي لوط (عليه السلام)لقومه، والتي كذّب بها أجمع، كما يمكن أن يكون المقصود منها هو إشارة إلى إنذار لوط (عليه السلام) والأنبياء الذين سبقوه في الدعوة إلى الله، ذلك أنّ جميع الأنبياء يسعون من أجل تثبيت حقيقة أساسية واحدة وهي العبودية لله.

وتستعرض الآيات التالية بجمل قصيرة مشاهد من العذاب الذي نزل بقوم لوط وكيفية نجاة عائلته حيث يقول سبحانه: (إنّا أرسلنا عليهم حاصباً).

و«حاصب» تعني الريح الشديدة التي تأتي بالحجارة والحصباء، والحصباء هي الحصى، ويكون المقصود: إنّا أمطرناهم بالحجارة والحصباء حتّى علت أجسادهم ودفنوا تحتها، (إلاّ آل لوط نجّيناهم بسحر).

وتتحدّث الآيات القرآنية الاُخرى عن هول العذاب الذي حلّ بقوم لوط حيث الزلازل التي قلبت مدنهم فأصبح عاليها سافلها، وبذلك اُصيبت بكارثة الدمار الماحق ... وتتحدّث عن مطر الحجارة والحصى الذي نزل عليهم بشدّة، فيقول سبحانه في ذلك: (فلمّا جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجّيل منضود).(1)

ويثار السؤال التالي وهو: هل أنّ العذاب الذي نزّل بقوم لوط كان على نوعين: الأوّل: العاصفة التي حملت الحجارة وحصى الصحراء وقذفتهم بها. والثاني: الأحجار السماوية من السجّيل المنضود. أو أنّهما كانا نوعاً واحداً؟ حيث العواصف العظيمة المحمّلة بالحصى والحجارة المأخوذة من الصحراء ترفعه العواصف العاتية نحو السماء ليعود مرّة اُخرى إلى الأرض بعد إنخفاض العواصف باتّجاهها.

ولذا فليس من المستبعد أن تأخذ العاصفة قسماً من الحصى والحجارة

______________________________________

1 ـ هود، 82.

[334]

وترفعها إلى السماء بأمر من الله تعالى لتسقط مرّة اُخرى على مدنهم بعد أن أصابها الزلزال العظيم، فتطمس معالمها المدمّرة، وتمحو آثار خرائبها من على وجه الأرض، وتدفن أجسادهم وتنهي كلّ أثر لهم، كي يكونوا إلى الأبد عبرة وعظة للآخرين(1).

والذي يفهم من الآية السابقة أنّ نجاة آل لوط كان في وقت السحر، والسبب في ذلك أنّ الوعد بالإنتقام الإلهي من قوم لوط كان وقت الصبح، لذلك ـ بأمر من الله ـ قد نجت هذه العائلة المؤمنة بخروجها من المدينة آخر الليل ـ بإستثناء زوجته التي تنكّبت وأعرضت عن دعوته ـ حيث لم يمض وقت طويل حتّى نزل العذاب عليهم زلزالا وعاصفة عاتية تمطرهم بالحصى والحجارة، كما يتحدّث القرآن الكريم عن هذا المشهد المثير في سورة هود ويقول: (فأسرِ بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلاّ امرأتك إنّه مصيبها ما أصابهم إنّ موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب).(2)

ومن هنا يتّضح عدم تناسب أقوال المفسّرين الذين اتّبعوا أقوال أئمّة اللغة وذلك باعتبارهم «السَحَر» ما بين الطلوعين في الآية أعلاه(3).

ويضيف الباريء عزّوجلّ بقوله: (نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر)(4).

إنّ لوطاً (عليه السلام) قد أتمّ الحجّة على قومه قبل أن ينزل البلاء عليهم، حيث يوضّح الله سبحانه هذه الحقيقة فيقول تعالى: (ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر).

(بطش) على وزن (فرش) وتعني في الأصل أخذ الشيء بالقوّة، ولأنّ المجرم لا يؤخذ إلاّ بالقوّة ليلقي جزاءه، لذلك فإنّها تعني المجازاة.

______________________________________

1 ـ توجد أبحاث اُخرى حول هذا الموضوع في الآية (82) من سورة هود.

2 ـ هود، 81.

3 ـ يقول الراغب في المفردات: السحر إختلاط ظلام آخر الليل بضياء النهار.

4 ـ نعمة مفعول به لفعل مقدّر من نفس جنسه، أو أنّه مفعول له لـ (نجّينا) الذي ورد في الآية السابقة.

[335]

(تماروا) من (تمارى) بمعنى محادثة طرفين لإيجاد الشكّ وإلقاء الشبهة مقابل الحقّ، فهؤلاء سعوا بطرق مختلفة إلى إلقاء الشكوك والشبهات بين الناس لإبطال تأثير إنذارات هذا النّبي العظيم «لوط» (عليه السلام).

ولم يكتفِ هؤلاء المعاندون بإلقاء الشبهات العقائدية بين الناس، بل بلغت بهم الوقاحة والصلف وعدم الحياء حدّاً أنّهم تجرّؤوا على ملائكة الرحمن وضيوف النّبي الكريم المأمورين بعذاب هؤلاء القوم حينما دخلوا بيت لوط (عليه السلام)بصورة شباب وسيمين، حيث يقول سبحانه: (ولقد راودوه عن ضيفه) أي أنّهم طلبوا منه أن يضع ضيوفه تحت تصرّفهم.

لقد بلغ الألم الذي اعترى «لوطاً» (عليه السلام) حدّاً لا يطاق نتيجة هذا التصرّف القبيح والمخجل لقومه، وطلب بإصرار أن يكفّوا عن هذا السلوك المشين المخجل البعيد عن الشرف والحياء. بل وأبدى إستعداده (عليه السلام) لتزويج بناته لهم ـ إن أعلنوا توبتهم ـ وهذه أعلى حالات المظلومية التي يتعرّض لها هذا النّبي الكريم من قبل قوم عديمي الحياء والإيمان والقيم الخيرة، كما في قوله سبحانه: (قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين).(1)

ولم يمض وقت طويل حتّى واجهت هذه الفئة المجرمة الباغية الجزاء الأوّلي لعملهم الإجرامي حيث يقول في ذلك سبحانه: (فطمسنا أعينهم فذقوا عذابي ونذر).

إنّ يد القدرة الإلهيّة إمتدّت لتنتقم من هؤلاء القوم المجرمين، وذلك بأن طمست على أعينهم، حيث يقول البعض بأنّ جبرائيل قد اُمر أن يخفق بجناحهم على عيونهم حيث فقدوا بصرهم حالا، وقيل أنّ بؤر أبصارهم قد أصبحت مستوية مع وجوههم.

______________________________________

1 ـ الحجر، 71.

[336]

ومع أنّ القرآن الكريم لم يبيّن من هم الأشخاص الذين راودوا (الملائكة) ضيوف النّبي الكريم لوط (عليه السلام)، إلاّ أنّ من الواضح أنّه لم يكن جميع القوم، بل أوباشهم الأكثر وقاحة وإجراماً الذين تسابقوا للقيام بهذا الجرم المشين، ولذا فإنّ العذاب الذي لحقهم في طمس عيونهم يفترض أن يكون عبرة للآخرين من قومهم. وللأسف الشديد لم يكن هنالك من يتّعظ ويعتبر بهذا الدرس الإلهي البليغ، والذي كان مقدّمة للعذاب الإلهي المحتوم عليهم جميعاً.

ويقال: أنّ سبب تأخير العذاب على قوم لوط إلى الصبح، هو أنّ هذه الحادثة كانت قد وقعت قبل يوم، لذا فقد اُعطي لهؤلاء المعاندين مهلة ليلة اُخرى عسى أن يفكّروا في مصيرهم قبل نزول البلاء عليهم، ويعتبروا بهذه الثلّة السيّئة الحظّ ممّن فقدوا بصرهم.

وتذكر الرّواية أنّ الجناة الذين فقدوا بصرهم لم يتّعظوا أيضاً بما أصابهم، فقد توعّدوا آل لوط أن لا يبقوا منهم أحداً، وذلك في طريق عودتهم إلى بيوتهم وهم يتلمّسون الجدران ليهتدوا بواسطتها إلى أهليهم(1).

وجاءت الساعة المرتقبة حيث أمر الله بفنائهم وقلبت الزلزلة مدينتهم رأساً على عقب وصُبّ عليهم العذاب صبّاً مع أوّل خيط من أشعّة فجر ذلك اليوم، فتتمزّق أجسادهم وتتلاشى أبدانهم وتدمّر بيوتهم وتندثر قصورهم وتتحوّل إلى أنقاض وخرائب، وإذا بالمطر الحجري ينهمل عليهم ويطمس كلّ معالم الحياة لديهم حتّى لم يبق أي أثر لهم.

وذلك ما تشير له الآية الكريمة حيث تعكس هذا المعنى بإختصار وتركيز (ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر).

نعم، وفي لحظات قصار انتهى كلّ شيء ولم يبق لهم أثر!!

______________________________________

1 ـ نور الثقلين، ج5، ص185.

[337]

كلمة (بكرة) تعني (أوّل اليوم) لأنّ (صبّحهم) واسع المعنى ويشمل كلّ الصباح، في الوقت الذي يقصد في الصباح هنا (أوّله).

وهل كان وقت العذاب الإلهي بداية طلوع الفجر، أو أنّه حصل في بداية طلوع الشمس؟ إنّ هذا الأمر لم يعرف بالضبط ولكن تعبير (بكرة) يتناسب أكثر مع بداية طلوع الشمس.

كلمة (مستقرّ) تعني الثبوت والإحكام، أي بمعنى (ثابت الحكم) ويحتمل أن يكون المراد به هنا هو: أنّ العذاب الإلهي كان شديداً إلى حدّ أنّ أي قوّة لم تكن قادرة على مواجهته.

ويقال أنّ العذاب الدنيوي لهؤلاء القوم متّصل مع عذاب البرزخ، لذا اُطلق عليه أنّه (مستقرّ).

ثمّ يضيف سبحانه مؤكّداً ومكرّراً مرّة اُخرى قوله: (فذوقوا عذابي ونذر).

لكي لا يكون مجال للشكّ والتردّد في إنذار الأنبياء لكم بعد هذا، ورغم أنّ هذه الجملة ذكرت مرّتين في القصّة: (فذوقوا عذابي ونذر) إلاّ أنّه من الواضح هنا أنّ الجملة الاُولى تشير إلى العذاب الذي حلّ بالمجموعة التي إقتحمت بيت لوط (عليه السلام) وما نتج من إصابتهم بالعمى مقدّمة للعذاب العامّ، والثانية إشارة إلى العذاب الذي نزل بقوم لوط أجمع من الزلازل والدمار ومطر الحجارة.

وفي نهاية المطاف وفي آخر آية من بحثنا هذا تتكرّر جمل الموعظة والعبرة وللمرّة الرابعة في هذه السورة بقوله تعالى: (ولقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر).

نعم، لم يتّعظ قوم لوط من النذر، ولم يتّعظوا من العذاب الأوّل الذي أعمى أبصار البعض منهم والذي كان بمثابة إنذار لهم فهل أنّ الآخرين الذين يرتكبون نفس الذنوب يتّعظون لدى سماع آيات القرآن هذه وينوبوا إلى رشدهم ويندموا على ما فرط منهم؟!..

* * *

[338]

الآيات

وَلَقَدْ جَآءَ ءَالَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ( 41 ) كَذَّبُوا بآيَـتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَـهُمْ أَخْذَ عَزِيز مُّقْتَدِر ( 42 ) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَــئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِى الزُّبُرِ ( 43 ) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ ( 44 )سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ( 45 ) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ( 46 )

 

التّفسير

هل أنتم أفضل من الأقوام السابقة؟!

المجموعة الخامسة التي يتحدّث عنها القرآن في هذه السلسلة هم قوم فرعون، ولأنّ الحديث عن هؤلاء القوم قد طرح بصورة تفصيلية في السور القرآنية المختلفة، لذا فإنّ هذه السورة المباركة تستعرض هذه القصّة في مقاطع مختصرة ومركّزة حول ضرورة الإستفادة من العبر التي جاءت فيها والإتّعاظ منها...

[339]

يقول سبحانه: (ولقد جاء آل فرعون النذر)(1).

المقصود من (آل فرعون) ليسوا أهل بيته ومتعلّقيه فقط، بل يشمل كلّ أتباعه بصورة عامّة، لأنّ كلمة (آل) وبالرغم من أنّها تستعمل في الغالب لأهل البيت والعائلة، إلاّ أنّ معناها أوسع من ذلك، حيث تأتي بالمعنى الذي ذكر، والقرائن العامّة في هذا المورد تؤيّد هذا المعنى الواسع لها.

(نذر) على وزن (كتب) وهي جمع نذير، وبمعنى «المنذر» سواء كان هذا المنذر إنساناً أو حادثة من الحوادث التي تحذّر الإنسان من عاقبة أعماله، وفي الحالة الاُولى يمكن أن يكون المقصود في الآية أعلاه (موسى وهارون) (عليهما السلام)، وفي الصورة الثانية إشارة إلى المعجزات التسع لموسى (عليه السلام). ومن خلال ملاحظة الآية التي بعدها تشير إلى أنّ المعنى الثاني هو الأنسب.

والآية اللاحقة تكشف عن ردّ الفعل لآل فرعون من دعوة النبيين الإلهيين (عليهما السلام)، والإنذارات التي وجّهوها لهم حيث يقول الله سبحانه: (كذّبوا بآياتنا كلّها).

نعم إنّ هؤلاء المغرورين من الجبابرة والمعاندين قد أنكروا كلّ الآيات الإلهيّة وبدون إستثناء، وحسبوها سحراً وكذباً وصدفة.

(آيات) لها معنى واسع تشمل الدلائل العقلية والمعجزات والدلائل النقلية، وعند ملاحظة قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى تسع آيات بيّنات) يتبيّن لنا أنّ المقصود بـ (الآيات) هنا هي المعجزات التسع لموسى (عليه السلام)(2).

______________________________________

1 ـ (نذر) بالإضافة إلى كونها جمع (نذير)، فإنّها تعطي أيضاً معنى المصدر أو اسم المصدر، ولكون المصدر يطلق على المعنى الوصفي أيضاً، لذا يمكن جمع الإثنين في مفهوم واحد.

2 ـ المعجزات التسع لموسى (عليه السلام) وبالنظر إلى الآيات القرآنية المختلفة فهي عبارة عن: «تبديل العصا لثعبان عظيم» (طه / 20) (2) «يد بيضاء» ولمعان يد موسى (عليه السلام) كمصدر نور (طه / 22) (3) الطوفانات المحطّمة الأعراف / 133 (4) (الجراد) الذي سلّط على المزارع، (5) (والقمل) (وهو نوع من الآفات الزراعية)، (6) (الضفادع) التي خرجت من نهر النيل وبعد مدّة قصيرة غطّت سطحه (7) (الدم) حيث أصبح لون نهر النيل بلون الدم (الأعراف / 133)، (8)، (9) عدم نزول الأمطار ونقص الثمرات (الأعراف / 130).

[340]

إنّ الإنسان إذا كان صادقاً في البحث عن الحقيقة فانّه يكفيه أن يرى واحدة منها، وخاصّة تلك التي يسبقها إنذار، ثمّ بلاء، ثمّ زوال هذا البلاء عند دعاء النّبي الإلهي، ولكن العناد والإصرار على الباطل والغرور إذا ركب الإنسان، فحتّى لو أصبحت جميع السماء والأرض آيات لله، فلن تكون ذات تأثير على أمثال هؤلاء، والجواب الحاسم المناسب لهم هو العذاب الإلهي الذي يقضي على النزعات الشريرة والنفوس المريضة التي يملؤها الهوى والغرور. كما قال تعالى: (فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر) تكملة للآية مورد البحث.

«أخذ» في الأصل بمعنى تناول الشيء وأخذه باليد، ولكون المجرم يؤخذ قبل أن يعاقب، لذا فإنّها تستعمل كناية عن المجازاة.

والتعبير الآخر الذي أتى في آخر هذه القصّة لا يوجد له شبه في التعابير المماثلة في القصص الاُخرى، وذلك لأنّ الفراعنة كانوا يتباهون بقوّتهم وسطوتهم وعزّهم أكثر من بقيّة الاُمم، والحديث عن قوّة سلطانهم كان في كلّ مكان. يقول الله تعالى: (فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر) وذلك كي يكون واضحاً للجميع أنّ القوّة الحقيقة هي لله وحده، لأنّ كلّ قوّة وعزّة اُخرى غير قوّته وما يتّصل بذاته وهميّة لا تساوي شيئاً في قبال عزّته وقدرته ... والعجيب أنّ نهر النيل العظيم الذي كان مصدر خير وثروة لهم، هو الذي اُمر بالإنتقام منهم، والأعجب من ذلك أنّ أضعف المخلوقات سلّطت عليهم كالجراد والضفادع والقمل فجعلتهم في حالة عجز ومسكنة لا يقدرون على دفعها، وهم الذين كانوا من السطوة والقوّة موضع حديث أهل زمانهم.

وبعد بيان هذه المشاهد المؤثّرة من قصص الأقوام المنصرمة والعذاب الإلهي العظيم الذي حلّ بهؤلاء الجبابرة المتمردّين على الحقّ، يخاطب الله سبحانه في الآية اللاحقة مشركي مكّة بقوله تعالى: (أكفّاركم خير من اُولائكم أم لكم براءة في

[341]

الزبر)(1).

فما الفرق بينكم وبين قوم فرعون وقوم نوح ولوط وثمود؟ فكما أنّ اُولئك الأقوام قد عذّبوا بالطوفان تارةً والزلازل والصواعق اُخرى، إقتصاصاً منهم للكفر والظلم والطغيان والعصيان الذي كانوا عليه ... فما المانع أن يصيبكم العذاب ويكون مصيركم نفس المصير .. فهل أنتم أفضل منهم؟ وهل أنّ كفركم وعنادكم أخفّ حدة؟ وكيف ترون أنّكم مصونون من وقوع العذاب الإلهي؟ أألقي إليكم كتاب من السماء يعطيكم هذا الأمان؟

ومن الطبيعي أنّ مثل هذه الإدّعاءات إدّعاءات كاذبة لا يقوم عليها أي دليل (أم يقولون نحن جميع منتصر)(2).

«جمع» بمعنى مجموع، والمقصود هنا هي الجماعة التي لها هدف وقدرة على إنجاز عمل، والتعبير هنا بـ (منتصر) تأكيد على هذا المعنى لأنّه من مادّة (إنتصار) بمعنى الإنتقام والغلبة.

والجدير بالذكر هنا أنّ الآية السابقة كانت بصورة خطاب، أمّا في الآية مورد البحث والآيات اللاحقة، فإنّ الحديث عن الكفّار بلغة الغائب، وهو نوع من أنواع التحقير، أي أنّهم غير مؤهّلين للخطاب الإلهي المباشر.

وعلى كلّ حال، فإنّ إدّعاءهم بالقوّة والقدرة إدّعاء فارغ وقول هراء، لأنّ الأقوام السابقة من أمثال قوم عاد وثمود وآل فرعون وأضرابهم كانوا أكثر قوّة وسطوة، ومع ذلك فلم تغن عنهم قوّتهم شيئاً حينما واجهوا العذاب، وكانوا من الضعف كالقشّة اليابسة تتقاذفها الأمواج من كلّ مكان، فكيف بمن هو أقل عدداً وأضعف حيلة وقوّة ومنعة؟

______________________________________

1 ـ الضمير في «كفّاركم» يرجع في الظاهر (لمشركي العرب) بقرينة الجملة (أم لكم براءة في الزبر).

2 ـ بالرغم من أنّ (نحن) ضمير جمع فانّ خبرها (جميع) قد جاء مفرداً، وكذلك منتصر والتي جاءت خبراً بعد خبر أو صفة لـ (جميع)، والسبب في ذلك فإنّ لفظ (جميع) وإن كانت مفردة إلاّ أنّ المعنى (جمع).

[342]

ويواجه القرآن الكريم هؤلاء السادرين في غيّهم بإخبار غيبي حاسم وقوي، حيث يقول: (سيهزم الجمع ويولّون الدبر)(1).

والظريف هنا أن سيهزم من مادّة (هزم) على وزن (جزم) وفي الأصل بمعنى الضغط على الجسم اليابس لحدّ التلاشي. ولهذا السبب إستعملت هذه الكلمة (هزم) في حالة تدمير الجيوش وإنكسارها.

وربّما أشار هذا التعبير إلى النقطة التالية وهي: رغم حالة الإتّحاد والإنسجام لهؤلاء القوم ظاهراً، إلاّ أنّهم كالموجودات اليابسة والفاقدة للروح، فبمجرّد تعرّضها إلى ضغط قوي تتهشّم، ونرى عكس ذلك في المؤمنين المتصّفين بالقوّة المقترنة بالمرونة، حيث أنّهم إذا ثقلت عليهم المحن وإشتدّت الأزمات وأحنتهم العاصفة فإنّهم سرعان ما يستعيدوا قواهم مرّة اُخرى ليواجهوا مصاعب الحياة.

«دُبر» بمعنى «خلف» في مقابل (القُبل) بمعنى «أمام»، وسبب ذكر هذه الكلمة هنا لبيان حالة الفرار من ساحة المعركة بصورة كليّة.

لقد صدق هذا التنبّؤ في معركة بدر وسائر الحروب الاُخرى حيث كانت هزيمة الكفّار ساحقة، فإنّه رغم قدرتهم وقوّتهم فقد تلاشى جمعهم.

وفي آخر الآية مورد البحث يشير سبحانه إلى أنّ الهزيمة التي مُني بها المشركون سوف لن تكون في الدنيا فقط، وإنّما هي في الآخرة أشدّ وأدهى، حيث يقول الباريء عزّوجلّ: (بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمرّ).

وعلى هذا التصوّر، فما عليهم إلاّ أن ينتظروا هزيمة ماحقة في الدنيا، ومصيراً سيّئاً وإندحاراً أمرّ وأكثر بؤساً في الآخرة.

«أدهى» من مادّة (دَهَوَ) و (دهاء) بمعنى المصيبة والكارثة العظيمة والتي لا مخرج منها ولا نجاة، ولا علاج لها، وتأتي أيضاً بمعنى الذكاء الشديد، إلاّ أنّ

______________________________________

1 ـ مع العلم أنّ من المناسب أن يقال (يولّون الأدبار) إلاّ أنّه قيل هنا: (يولّون الدبر)، لأنّ لهذه المعنى (جنس) حيث تكون في حكم الجمع.

[343]

المقصود منها في الآيه الكريمة هو المعنى الأوّل.

نعم إنّهم سيبتلون يوم القيامة بعذاب محتّم وعاقبة بائسة لا مفرّ منها.

* * *

 

ملاحظة

تنبّؤ إعجازي صريح:

ممّا لا شكّ فيه أنّه عندما نزلت هذه الآيات في مكّة المكرّمة كان المسلمون أقليّة ضعيفة، وكان العدو في أوج القوّة والقدرة، ولم يكن أحد يتوقّع إنتصار المسلمين بهذه السرعة، فهو أمر غير قابل للتصديق في تلك الظروف، ولا مجال للتنبّؤ به.

وكانت هجرة المسلمين بعد فترة وجيزة من هذا التاريخ حيث إكتسبوا خبرة وقوّة، ممّا جعلهم يحقّقون الإنتصار والغلبة على المشركين في أوّل مواجهة عسكرية معهم، وذلك في معركة بدر، حيث وجّه المسلمون صفعة قويّة مفاجئة لمعسكر الكفر، ولم يمض وقت طويل إلاّ ونلاحظ أنّ الإيمان بالرسالة المحمديّة لم يقتصر على مشركي مكّة فحسب، بل شمل الجزيرة العربية أجمع، حيث إستسلمت للدعوة الإلهيّة.

أليس هذا النبأ الغيبي الإلهي الذي واجهنا بهذه الصراحة والجديّة معجزة؟

ومن الواضح أنّ أحد عناصر الإعجاز في القرآن الكريم هو تضمّنه للأخبار الغيبية، وهذا ما نلاحظه في الآية مورد البحث.

 

* * *

[344]

الآيات

إنَّ الُْمجْرِمِينَ فِى ضَلَـل وَسُعُر ( 47 ) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ( 48 ) إِنَّا كُلَّ شَىْء خَلَقْنَـهُ بِقَدَر ( 49 )وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَحِدَةٌ كَلَمْحِ بِالْبَصَرِ ( 50 ) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِر ( 51 ) وَكُلُّ شَىْء فَعَلُوهُ فِى الزُّبُرِ ( 52 ) وَكُلُّ صَغِير وَكَبِير مُّسْتَطِرٌ ( 53 ) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـت وَنَهَر ( 54 ) فِى مَقْعَدِ صِدْق عِندَ مَلِيك مُّقْتَدِر ( 55 )

 

التّفسير

المؤمنون في ضيافة الله:

في الحقيقة إنّ هذه الآيات هي إستمرار لبحث الآيات السابقة حول بيان أحوال المشركين والمجرمين في يوم القيامة. وآخر آية من تلك الآيات تعكس هذه الحقيقة بوضوح، وهو أنّ يوم القيامة هو الموعد المرتقب لهؤلاء الأشرار في الإقتصاص منهم، حيث يحمل المرارة والصعوبة والأهوال لهم، والتي هي أشدّ وأقسى ممّا اُصيبوا به في هذه الدنيا.

[345]

وتتحدّث الآية الاُولى ـ مورد البحث ـ عن ذلك حيث يقول سبحانه: (إنّ المجرمين في ضلال وسعر)(1).

يقول الباريء عزّوجلّ: (يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مسّ سقر) حيث يبيّن الله سبحانه أنّ العذاب الإلهي واقع عليهم ولا ريب فيه، وسيواجهونه عمليّاً رغم إستهزائهم وسخريتهم وإدّعائهم أنّه من نسج الأساطير.

«سقر» على وزن (سفر) وفي الأصل بمعنى تغيّر لون الجلد وتألّمه من أشعّة الشمس وما إلى ذلك. ولأنّ إمكانية تغيير لون الجلد وألمه الشديد من خصوصيات نار جهنّم، لذا أُطلق اسم (سقر) عليها. والمراد من (مسّ) هو حالة التماس واللمس، وبناءً على هذا فيقال في أهل النار: ذوقوا لمس نار جهنّم وحرارتها اللاذعة، ذوقوا طعمها، هل هي أكاذيب وخرافات وأساطير، أم أنّها الحقيقة الصارخة؟

ويعتقد البعض أنّ (سقر) ليس اسم كلّ النار، بل هو اسم مختّص بجانب منها تكون فيه النار حامية لدرجة مذهلة وخارقة.

وفي ثواب الأعمال عن الصادق (عليه السلام): «إنّ في جهنّم لوادياً للمتكبّرين يقال له سقر شكا إلى الله شدّة حرّه، وسأله أن يأذن له أن يتنفّس فأحرق جهنّم»(2).

ولكي لا يتصوّر أنّ هذه الشدّة في العذاب لا تتناسب مع المعاصي، يقول سبحانه: (إنّا كلّ شيء خلقناه بقدر).

نعم إنّ عذابهم في هذه الدنيا كان بتقدير وحساب، وكذلك سيكون عقابهم المؤلم في الآخرة، وليس الجزاء فقط، ذلك أنّ الله سبحانه خلق كلّ شيء بحساب

______________________________________

1 ـ «سعر»: كما بيّنا سابقاً في آخر الآية (24) من نفس السورة لها معنيان: الأوّل: انّها جمع سعير بمعنى إشتعال النار. والثّاني: بمعنى الجنون والهيجان الذي يلازمه إضطراب التوازن الفكري، وفي الآية مورد البحث يمكن أن يكون بالمعنيين معاً، وإذا قصدنا المعنى الثاني فيكون مفهوم الآية كذلك: أنّهم كانوا يقولون إذا اتّبعنا إنساناً مثلنا فإذاً نحن في ضلال وجنون، وهنا يردّ القرآن الكريم عليهم بقوله: ستعلمون يوم القيامة آثاركم وتكذيبكم للأنبياء هو الضلال والجنون.

2 ـ تفسير الصافي ذيل الآية مورد البحث.

[346]

وتقدير، فالأرض والسماء والكائنات الحيّة والموجودات الجامدة وأعضاء الإنسان ومستلزمات الحياة كلّها خلقت بقدر معلوم، ولا يوجد شيء في هذا الوجود بدون حساب وتقدير، لأنّ الخلاّق عليم حكيم ومقدّر.

ثمّ يضيف تعالى إنّه ليست أعمالنا موافقة للحكمة فحسب، بل انّها مقترنة مع القدرة والحسم، لأنّه: (وما أمرنا إلاّ واحدة كلمح بالبصر).

وتتجسّد الإرادة الربّانية والأوامر الإلهيّة من خلال كلمة «كن» فيترتّب على ذلك فوراً وجود الشيء. (حتّى كلمة «كن» جاءت من باب ضيق البيان، وإلاّ فإنّ الإرادة الإلهيّة متحقّقة بمجرّد الإرادة).

ولذلك فإنّ اليوم الذي تقوم فيه الساعة يحدث بأمر الله بلمح البصر، وكلّ شيء يكون في مسار الآخرة حينئذ، وتبعث الحياة من جديد في الأبدان.

كما أنّ المشيئة الإلهية في مجازاة المجرمين بالصواعق والصيحات السماوية والزلازل والطوفان والرياح العاتية ... كلّ ذلك يحدث بمجرّد الأمر الإلهي وبدون تأخير.

إنّ هذه الإنذارات الموجّهة للعصاة والمذنبين كلّها من أجل أن يعلموا أنّ الله، كما هو حكيم في أمره فإنّه حازم في فعله، فهو حكيم في عين الحزم، وحازم في عين الحكمة. فليحذروا مخالفة تعاليمه وأوامره.

وفي الآية اللاحقة يخاطب الكفّار والمجرمين مرّة اُخرى، ويلفت إنتباههم إلى مصير الأقوام السابقة حيث يقول: (ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدّكر).

«أشياع» جمع (شيعة) وتطلق على الأتباع الذين ينشرون ويشيعون ما يرتبط بالشخص المتّبع في كلّ الحالات ويسندونه ويناصرونه، وإذا إستعملت بمعنى (تابع) فإنّها تكون بنفس القصد.

ومن الطبيعي فإنّ الأقوام السابقة لم يكونوا أتباعاً وشيعة لمشركي مكّة وأمثالهم، بل العكس هو الصحيح، ولكن بما أنّ المؤيّدين لشخص ما يشبّهونه في

[347]

سلوكه، لذا فإنّ هذا المصطلح يطلق على الشبيه والمماثل أيضاً.

ويجدر بنا القول بأنّ هذه الطائفة من مشركي مكّة كانوا يستعينون ويستفيدون من الخطّ الفكري الذي كانت الأقوام السابقة عليه، ولهذا السبب فإنّ كلمة (أشياع) اُطلقت على الأقوام السابقة.

وعلى كلّ حال، فإنّ الآية الكريمة تؤكّد هذه الحقيقة مرّة اُخرى، وهي أنّ أعمال مشركي قريش وممارساتهم هي نفس أعمال وممارسات وعقائد الأقوام السابقة، لذا فلا يوجد دليل على أنّ مصيركم سوف يكون أفضل من مصيرهم، فاتّعظوا وعوا.

ثمّ يشير القرآن إلى هذا الأصل وهو أنّ صفحة أعمال الأقوام السابقة لم تنته بموتهم، بل هي باقية ومسجّلة عليهم، يقول سبحانه: (وكلّ شيء فعلوه في الزبر)فكذلك أعمالكم مثبّتة ومحفوظة ليوم الحساب.

«زبر» جمع (زبور) بمعنى الكتاب، وهي تشير إلى صحيفة أعمال الإنسان، ويحتمل البعض أنّ المقصود هنا هو: «اللوح المحفوظ»، ولكن هذا المعنى  لا يتناسب مع صيغة الجمع.

ثمّ يضيف سبحانه: (وكلّ صغير وكبير مستطر).

وبناءً على هذا فحساب الأعمال في ذلك اليوم هو حساب شامل وتامّ  لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، حيث يستلم المجرمون صفحة أعمالهم كاملة، فيصعقون لهولها ويصطرخون لدقّتها (ويقولون ياويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها).(1)

«مستطر» من مادّة (سطر) في الأصل بمعنى (صفّ) سواء ما يتعلّق بالأفراد أو الأشجار أو الكلمات التي تصف على الأوراق، ولكون المعنى الأخير أكثر

______________________________________

1 ـ الكهف، 49.

[348]

إستعمالا، لذا يتبادر إلى الذهن معناها الأخير.

وعلى كلّ حال فإنّه إنذار آخر لهؤلاء العاصين والمغفّلين والجهلة.

ولمّا كانت السنّة المتّبعة في القرآن الكريم غالباً ما تعتمد المقارنة بين جبهة الصلاح والهدى من جهة، وجبهة الفساد والضلال من جهة اُخرى، لأنّ في المقارنة يبرز التفاوت والإختلاف بصورة أفضل، فهنا أيضاً بعد الحديث عن مصير الكفّار والمجرمين يشير سبحانه إشارة مختصرة إلى العاقبة السعيدة والحبور العظيم الذي يكون من نصيب المتّقين حيث يقول سبحانه: (إنّ المتّقين في جنّات ونهر).

(نهر) على وزن (قمر)، وكذلك (نهر) على وزن (قهر) والإثنان يعنيان مجرى الماء الكثير، ولهذا يطلق على الفضاء الواسع كذلك، أو الفيض العظيم أو النور المنتشر (نهر) ـ على وزن قمر ـ .

وبغضّ النظر عن الحديث اللاحق، يمكن أن يكون هذا المصطلح في الآية أعلاه بنفس المعنى الأصلي، أي أنّ كلمة (نهر) بمعنى نهر الماء، ولا إشكال في كون الكلمة بصيغة المفرد، لكونها تدلّ على معنى الجنس والجمع، فينسجم مع (جنّات) جمع «جنّة»، ويمكن أن يكون المراد منها هو اتّساع الفيض الإلهي والنور العظيم في ظلال الجنّة ورحابها الواسعة، وبذلك تشمل المعنيين.

ولكن نقرأ هنا في حديث للرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) والذي نقل عن الدرّ المنثور أنّه قال: «النهر: الفضاء والسعة، وليس بنهر جار»(1).

وفي آخر آية مورد البحث والتي هي آخر آية في سورة القمر يوضّح الباريء بصورة أكثر (مستقر المتّقين) حيث يقول سبحانه أنّهم: (في مقعد صدق عند مليك مقتدر).

ويا له من وصف رائع وظريف! حيث أنّ هذا الوصف يتميّز بخصوصيتين

______________________________________

1 ـ الدرّ المنثور، ج6، ص139.

[349]

تجمعان كلّ السمات الرائعة:

الاُولى: أنّ المكان هو (مستقرّ صدق) وليس فيه باطل، بل كلّه حقّ يجد فيه المتّقون كلّ ما وعدوا به كاملا غير منقوص.

الثانية: أنّهم في جوار وقرب الله سبحانه، وهذا هو المستفاد من كلمة (عند) والذي يشير إلى غاية القرب المعنوي. وهذا القرب هو من الله المالك القادر .. ما أروعه عن قرب من الربّ الكريم الوهّاب والذي يمنح العطايا والهبات لضيوفه المتّقين بجميل لطفه وعظيم إحسانه وواسع كرمه، حيث جميع ما في الوجود تحت قبضته وإمرته ومالكيته، وهو المنّان الذي لا ينقصه شيء في السماوات والأرض، والذي وعد المتّقين بالخير العظيم وأعدّ لهم عظيم العطايا والإحسان.

والنقطة الجديرة بالذكر في هاتين الآيتين والتي تتحدّث فيها عن الهبات وجزاء أصحاب اليمين، حيث في البداية تتحدّث عن العطايا الماديّة التي تشمل البساتين الوارفة والحدائق الغنّاء والأنهار الجارية، ثمّ تتحدّث بعد ذلك عن الجزاء المعنوي العظيم، والذي يتجسّد بحضورهم من المليك المقتدر. وذلك تهيئة للإنسان من مرحلة إلى اُخرى، يغمرها الشوق والحبور والرغبة في العمل الصالح، خصوصاً أنّ تعابير (المليك) و (المقتدر) و (مقعد صدق) تدلّ جميعها على دوام وبقاء هذا الحضور والقرب المعنوي من الذات الإلهيّة.

* * *

 

بحوث

1 ـ التقدير والحساب في كلّ شيء

تشير الآية الكريمة (إنّا كلّ شيء خلقناه بقدر) رغم إيجازها إلى حقيقة مهمّة كامنة في جميع الكون وحاكمة عليه، وهي دقّة الخلق والتقدير في جميع الوجودات.

[350]

ومهما تطوّر العلم فانّ الإنسان يطّلع على مزيد من هذه الحسابات والتقديرات الإلهيّة الدقيقة في عالم الوجود، والتي تشمل الكائنات المجهرية والأجرام السماوية العظيمة.

فمثلا: نسمع عن روّاد الفضاء أنّهم طبقاً للحسابات العلمية الدقيقة التي أُنجزت بواسطة مئات الأفراد المتخصّصين المستخدمين العقول الإلكترونية، أنّهم سيهبطون بسفنهم الفضائية بنفس النقطة المحدّدة لهم على سطح القمر، مع العلم أنّ كلّ شيء سيتغيّر في الفترة الزمنية التي تسير فيها السفينة الفضائية بين الأرض والقمر، حيث يدور القمر حول نفسه وكذلك حول الأرض ويتغيّر مكانه بصورة كليّة، وتدور الأرض حول نفسها، وكذلك حول الشمس وبسرعة فائقة. ولأنّ جميع هذه التغييرات والحركات محسوبة ومقدّرة بصورة مضبوطة ودقيقة بحيث لا تتخلّف عن هذه الأنظمة، يستطيع الفضائيون الهبوط في النقطة المحدّدة لهم على سطح القمر نتيجة تلك الحسابات والتقديرات الدقيقة.

ويستطيع المنجّمون كذلك من التنبّؤ بالخسوف والكسوف الجزئي والكلّي، وقبل عشرات السنين، وفي مختلف نقاط العالم، وتلك قرائن ودلائل على دقّة المقاييس في هذا الوجود العظيم.

وفي الكائنات الصغيرة والديدان الدقيقة نلاحظ دقّة المقاييس والحساب بصورة تدعو للظرافة والإعجاب والإنبهار عندما نشاهد طبيعة العروق والأعصاب والأجهزة المختلفة لهذه الكائنات.

وعندما ندقّق في الكائنات المجهرية كالمكروبات والفيروسات والأميبيات يبلغ إعجابنا أوجه لما نلاحظه من الدقّة فيها، حيث إنّ الواحد على الألف من المليم وأصغر من ذلك يدخل في عالم الحساب، والأعجب من ذلك حينما ندخل عالم الذرّة حيث تصل الدقّة فيها إلى حدّ لا يصدّق وخارج عن الحدود المألوفة.

إنّ هذه المقاييس ليست مختّصة بالمسائل الكميّة فقط، بل إنّ التركيبات

[351]

الكيفية أيضاً تتمتّع بنفس الخصوصيات الحسابية، فالنظام المتحكّم على روح الإنسان وميوله وغرائزه، وكذلك المقاييس الدقيقة في مسير المتطلّبات الفردية والإجتماعية للإنسان إذا طرأ عليها أي تغيير فإنّ النظام الحياتي الفردي والإجتماعي سيتعرّض للتغيّر والإنهيار.

وفي عالم الطبيعة هنالك موجودات يتغذّى بعضها على البعض الآخر، وكلّ منها يوقف حالة النمو والتكاثر لكلّ منها، فالطيور الجارحة تتغذّى على لحوم الطيور الصغيرة، وتمنع تزايدها بصورة أكثر من اللازم حتّى لا تضرّ المحاصيل الزراعية، ولذا فإنّ الطيور الجارحة معمّرة، وهذه الطيور المعمّرة قليلة البيض والفراخ، وعدد محدود من هذه الأفراخ يستطيع العيش، حيث يستدعي نموّها وبقاؤها ظروفاً خاصّة، ولو قدّر لهذه الطيور أن يكون لها فراخاً كثيرة وبهذا العمر الطويل لأدّى ذلك إلى إنقراض الطيور الصغيرة.

إنّ لهذه الحالة أمثلة عديدة وواسعة في عالم الحيوان والنبات، والمطالعات المختلفة في هذا المجال تزيدنا وعياً في فهم الآية الكريمة: (إنّا كلّ شيء خلقناه بقدر).

 

2 ـ التقدير الإلهي وإرادة الإنسان

قد يتوهّم البعض من خلال ما طرحته الآية الكريمة من الإعتقاد بالتقدير والحساب الإلهي أنّ أعمالنا وممارساتنا التي نقوم بها لابدّ أن تكون واقعة ضمن هذا القانون فهي مخلوقة لله تعالى أيضاً وبالتالي فلسنا مسؤولين عنها ولا إختبار لنا فيها.

ولكن كما قلنا سابقاً فإنّ أعمالنا هي بتقدير ومشيئة الباريء عزّوجلّ، ولن تخرج عن دائرة قدرته وإرادته أبداً، وقد جعلنا الله سبحانه مختارين فيها ضمن ما قدّر لنا، ولذلك عيّن لنا مسؤوليات وتكاليف فلو لم نكن مختارين فإنّ هذه

[352]

المسؤوليات والتكاليف ستكون بلا معنى حيث أنّ فقدان الإرادة يجعلنا مجبورين في أعمالنا، وهذا خلاف التقدير الإلهي.

ونلاحظ في مقابل إفراط (الجبريين) تفريط جماعة (القدريين) أو المفوّضة الذين يذهبون صراحةً إلى القول بأنّ الله لا يتدخّل في أعمالنا وممارساتنا، حيث إنّهم يحدّون ويحجمون دائرة الهيمنة الإلهيّة على الإنسان ويعتقدون بإستقلاليتهم تماماً عن المشيئة الإلهيّة، وبذلك سلكوا طريق الشرك من هذه الجهة.

والحقيقة أنّ الجمع بين أصلي (التوحيد والعدل) يحتاج إلى دقّة وضبط، فلو فسّرنا التوحيد بأنّ الله خالق كلّ شيء حتّى أعمالنا بشكل لا نملك أي إختيار فيها فإنّنا نكون بذلك قد أنكرنا أصل العدل، لأنّ مقترفي الذنوب مجبرون على إرتكاب المعاصي ثمّ ينتظرهم الجزاء المتمثّل بالعقاب، وهذا خلاف العدالة.

وإذا فسّرنا «العدل» بأنّ الله تعالى ليس له أي لون من التدخّل في أعمالنا فإنّنا سنخرج الإرادة الإلهيّة من الهيمنة علينا، وعندئذ نقع في وادي الشرك.

ويمثّل مفهوم «الأمر بين الأمرين» الإيمان الخالص والصراط المستقيم وخطّ الوسط بين (الجبريين والقدريين) وهو أن نعتقد بأنّنا مختارين، وإختيارنا هذا يكون ضمن الهيمنة الإلهية، حيث تستطيع الإرادة الإلهية في أي لحظة أن تسلب منّا هذا الإختيار، وهذا ما يذهب إليه أهل البيت (عليهم السلام).

والنقطة الجديرة بالذكر أنّه وردت في نهاية الآيات مورد البحث روايات عديدة في ذمّ هاتين الجماعتين في كتب تفسير أهل السنّة والشيعة، ومن جملتها نقرأ في حديث النّبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث يقول: «صنفان من اُمّتي ليس لهم في الإسلام نصيب المرجئة والقدرية، اُنزلت فيهم آية في كتاب الله: (إنّ المجرمين في ضلال وسعر)»(1).

______________________________________

1 ـ تفسير روح المعاني نقل عن البخاري والترمذي وابن ماجة وابن عدي وابن مردويه وابن عبّاس، ج27، ص81، وذكر القرطبي مثل هذا الحديث في تفسيره، ج9، ص638.

[353]

«المرجئة» من مادّة (إرجاء) بمعنى تأخير الشيء، وهذا إصطلاح يستعمل للجبريين، لأنّهم لم يلاحظوا الأوامر الإلهيّة وإرتكبوا المعاصي لظنّهم أنّهم مجبورون، أو لإعتقادهم أنّ مصير مرتكبي الذنوب الكبيرة غير معلوم لتصوّرهم أنّ البتّ فيها مؤجّل إلى يوم القيامة(1).

كما نقرأ في حديث للإمام الباقر (عليه السلام): «نزلت هذه الآية في القدرية: (ذوقوا مسّ سقر إنّا* كلّ شيء خلقناه بقدر)(2).

إشارة إلى أنّ المقصود من التقدير والحساب هنا أنّ الله سبحانه قد جعل لكلّ ذنب ما يناسبه من الحساب والجزاء الدقيق. وهذا تفسير آخر ممّا فسّرت به الآية. أو أنّ المقصود بها إلفات نظر الذين أنكروا التقدير الإلهي وظنّوا أنّ الله تعالى ليست له تدخّل في أعمالهم وأنّهم قادرون على كلّ شيء، ويأتي إليهم التنبيه الإلهي في ضرورة ملاحظة القدرة الإلهية العظيمة، وإلاّ فعليكم أن تذوقوا جزاء إنحرافكم وهو مسّ سقر).

 

3 ـ الأمر الإلهي كلمة واحدة

من الواضح أن لا فاصلة زمانية بين العلّة التامّة والمعلول، لذلك ورد في إصطلاح الفلاسفة أن تقدّم العلّة على المعلول أمر رتبي. وبالنسبة إلى الإرادة الإلهية في أمر الإيجاد والخلق والذي هو أوضح مصداق للعلّة التامّة، أو أنّه مصداق وحيد للعلّة التامّة يتّضح هذا المعنى أكثر.

ولذلك فإذا فسّروا الآية: (وما أمرنا إلاّ واحدة) بكلمة (كن) فإنّها من ضيق البيان. وإلاّ فإنّ كلمة (كن) مركّبة من الكاف والنون، وهي أيضاً تحتاج إلى زمان، حتّى (الفاء) في (فيكون) والتي توضّح نوعاً من الزمان فإنّها من ضيق البيان كذلك،

______________________________________

1 ـ مجمع البحرين مادّة (رجا).

2 ـ نور الثقلين، ج5، ص186.

[354]

بل حتّى تشبيه (كلمح بالبصر)(1)(2).

وعندما يتحدّث عن الأمر الإلهي في يوم القيامة ويشبهه بـ (لمح بالبصر) يضيف (أو هو أقرب).

وعلى كلّ حال فإنّ الحديث هنا عن الزمان حسب التعبيرات اليومية لنا، وكذلك فإنّ القرآن الكريم يخاطبنا بلغتنا، وإلاّ فإنّ أوامر الله تعالى فوق الزمان.

وضمناً فإنّ التعبير بـ (واحدة) يمكن أن يكون إشارة لهذا المعنى، وهو أنّ أمراً واحداً يكفي ولا يحتاج إلى تكرار، أو أنّها إشارة إلى أنّ أمره تعالى حول الصغير والكبير وحتّى خلق السموات الواسعة أجمع لا يختلف عن خلقه لذرّة التراب.

وفي الأصل فإنّ الكبير والصغير والسهل الصعب يكون في مقاييسنا الفكرية المحدودة وقدرتنا الضئيلة، أمّا عندما يكون الحديث عن القدرة الإلهية العظيمة فإنّ هذه المفاهيم تتلاشى تماماً، ويصبح الكلّ بلون واحد وشكل واحد، (فتدبّر).

ويطرح هنا «سؤال»: وهو إذا صحّ معنى الجملة أعلاه وهو أنّ كلّ شيء يوجد آناً (في الآن) فإنّ هذا الأمر لا يتناسب مع مشاهدة التدرّج في حوادث العالم.

ويتّضح «الجواب» عندما نلاحظ هذه النقطة، وهي أنّ أمره تعالى في كلّ مكان وكلّ شيء هو (كلمة واحدة) والتي تكون أسرع من لمح البصر، ولكن محتوى الأمر الإلهي متفاوت ومختلف، فإذا صدر الأمر الإلهي للجنين أن يكمل دورته تسعة أشهر، فلن تزيد وتنقص لحظة واحدة. والفورية هنا هي أن يكمل الجنين الدورة في نهاية المدّة المحدّدة، ولو اُعطي أمر للكرة الأرضية أن تدور في كلّ أربع وعشرين ساعة مرّة حول نفسها؟ فإنّ هذا الأمر غير قابل للتخلّف، وبتعبير آخر فإنّ تنفيذ أمره تعالى لا يحتاج إلى أيّ وقت زماني، والموجود هنا هو محتوى الأمر. ومن خلال معرفة السنّة التدريجية للعالم المادّي وخاصيّته

______________________________________

1 ـ «لمح» على وزن (مسح) والأصل بمعنى لمعان البرق ثمّ جاءت بمعنى النظر السريع.

2 ـ النحل، 77.

[355]

وطبيعة الحركة ـ نلاحظ أنّها تتأثّر بالزمان.

 

4 ـ بداية ونهاية سورة القمر

النقطة الجديرة بالذكر أنّ «سورة القمر» بدأت بإنذار وتخويف المشركين بقرب وقوع يوم القيامة، وإنتهت بهدوء يطمئن المؤمنين الحقيقيين في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وهذا هو الطريق المرسوم للتربية، حيث يبدأ بالتحذير والتخويف وينتهي بطمأنة النفوس المضطربة وتقويم الأهواء المنحرفة ورفع الخوف والإضطراب وعندئذ تغمر الأرواح بالسكينة والهدوء بالقرب من الجوار الإلهي الأبدي.

والحقيقة أنّ الإيمان بأنّ الله هو المالك الذي ليس له منازع والحاكم الذي لا رادّ لحكمه في كلّ الوجود، واليقين بأنّ الله هو المقتدر، النافذة قدرته على كلّ شيء ... يبعث في الإنسان هدوءاً منقطع النظير.

وقد نقل بعض المفسّرين أنّ هذين الإسمين المقدّسين (مليك ومقتدر) لهما تأثير عميق في إستجابة الدعاء حتّى نقل بعض الرواة: إنّني داخل المسجد وكنت أتصوّر بأنّه الصبح ولكن تبيّن لي عدم إنقضاء الليل وبقي قسط كبير منه، ولم يكن أحد غيري في المسجد، وفجأة سمعت حركة من ورائي، فخفت ولكنّي رأيت أنّ شخصاً مجهولا قد ناداني: أيّها الشخص المملوء قلبك خوفاً لا تخف وقل: «اللهم إنّك مليك مقتدر، ما تشاء من أمر يكون». ثمّ اطلب ما تريد، فيقول: إنّي قرأت هذا الدعاء المختصر ولم أطلب شيئاً إلاّ واُجيب(1).

ربّنا، أنت المليك المقتدر فتفضّل علينا بالتوفيق في كلّ إيمان وعمل وتقوى، كي نكون في مقعد صدق وفي جوار قربك ورحمتك.

______________________________________

1 ـ روح المعاني، ج27، ص83.

[356]

إلهنا، نحن نؤمن أنّ يوم القيامة يوم رهيب وصعب ومرّ للعاصين، أملنا في ذلك اليوم بلطفك وكرمك.

ربّاه، امنحنا روحاً يقظة وعقلا واعياً لكي نتّعظ بمصير السابقين ولا نسير في مسارهم المهلك ..

 

نهاية سورة القمر

* * *



 
 

  أقسام المكتبة :
  • القرآن الكريم
  • كتب في تفسير القرآن
  • أبحاث حول القرآن
  • كتب تعليمية ومناهج
  • علوم القرآن
  • النغم والصوت
  • الوقف والإبتداء
  • الرسم القرآني
  • مناهج وإصدارات دار السيدة رقية (ع)
  البحث في :


  

  

  

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net