سورة الحديد من آية 16 ـ الى آخر السورة من ( 47 ـ 98 )  

الكتاب : الامثل في تفسير كتاب الله المنزل ( الجزء الثامن عش   ||   القسم : كتب في تفسير القرآن   ||   القرّاء : 3618

[ 47 ]

الآيات

أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَـبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الاَْمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـسِقُونَ (16) اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْىِ الاَْرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الاَْيَـتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(17) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَـتِ وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَـعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18)

سبب النزول

وردت لنزول الآية الاُولى أعلاه عدّة أسباب: منها أنّ الآية المذكورة نزلت ـ بعد سنة من هجرة الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ تتحدّث عن المنافقين، وذلك أنّهم سألوا سلمان الفارسي: حدّثنا عمّا في التوراة، فخبّرهم أنّ القرآن أحسن القصص كما في قوله تعالى: ( الله نزّل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون

[ 48 ]

ربّهم ...)(1) وعاودوا بعدها سؤال سلمان فجاءهم هذا التوبيخ والعتاب.

وقيل كان الصحابة بمكّة مجدبين، فلمّا هاجروا أصابوا الخير والنعمة، فتغيّروا عمّا كانوا عليه، فقست قلوبهم فعوتبوا من ذلك(2).

كما نلاحظ أسباب نزول اُخرى للآية، وبما أنّها تتحدّث عن نزول هذه الآية في مكّة، لذا فإنّها غير قابلة للإعتماد، لأنّ المشهور أنّ جميع هذه السورة قد نزلت في المدينة.

التّفسير

إلى متى هذه الغفلة؟

بعد ما وجّهت الآيات السابقة مجموعة من الإنذارات الصارمة والتنبّهات الموقظة، وبيّنت المصير المؤلم للكفّار والمنافقين في يوم القيامة، جاءت الآية الاُولى مورد البحث بشكل إستخلاص نتيجة كليّة من ذلك، فتقول: ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله، وما نزل من الحقّ، ولا يكونوا كالذين اُوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون)(3).

«تخشع» من مادّة «خشوع» بمعنى حالة التواضع مقترنة بالأدب الجسمي والروحي، حيث تنتاب الإنسان هذه الحالة ـ عادةً ـ مقابل حقيقة مهمّة أو شخصية كبيرة.

ومن الواضح أنّ ذكر الله عزّوجلّ إذا دخل أعماق روح الإنسان، وسماع الآيات القرآنية بتدبّر فإنّها تكون سبباً للخشوع، والقرآن الكريم هنا يلوم بشدّة

______________________________

1 ـ الزمر، الآية 23.

2 ـ مجمع البيان، ج3، ص237 كما جاء في تفسير الدرّ المنثور أيضاً أسباب نزول كثيرة للآية من جملتها سبب النزول الثاني (الدرّ المنثور، ج6 ص175) وأتى البيضاوي أيضاً في تفسير (أنوار التنزيل) بنفس سبب النزول المذكور.

3 ـ (يأن) من مادّة (أنّى) من مادّة (إنا) على وزن (ندا) ومن مادّة (أناء) على وزن جفاء بمعنى الإقتراب وحضور وقت الشيء.

[ 49 ]

قسماً من المؤمنين لعدم خشوعهم أمام هذه الاُمور. لأنّه قد إبتلى كثير من الاُمم السابقة بمثل هذا من الغفلة والجهل. وهذه الغفلة تؤدّي إلى قساوة القلب وبالتالي إلى الفسق والعصيان.

ولهذا هل نقتنع بادّعاء الإيمان، والعيش في رفاه والإنشغال بالأكل والشرب ونمرّ أمام هذه المسائل المهمّة ببساطة؟ وهل أنّ أعمالنا ومسؤولياتنا تتناسب مع الإيمان الذي ندّعيه؟

هذه التساؤلات لابدّ من الإجابة عنها مع أنفسنا بهدوء وموضوعية.

جملة: ( طال عليهم الأمد) قد تكون إشارة إلى الفاصلة الزمنية بينهم وبين أنبيائهم، ويحتمل أن يكون المقصود بها طول العمر، أو طول الأمانيّ، أو عدم نزول العذاب الإلهي منذ مدّة طويلة، أو كلّ ذلك، لأنّ كلّ واحدة من هذه الأسباب يمكن أن تكون عاملا للغفلة والقساوة، وهي بدورها تسبّب الذنب والإثم.

جاء في حديث للإمام علي (عليه السلام): «لا تعالجوا الأمر قبل بلوغه فتندموا، ولا يطولنّ عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم»(1).

ونقرأ في حديث آخر عن لسان عيسى المسيح (عليه السلام): «لا تكثروا بالكلام بغير ذكر الله فتقسوا قلوبكم، فإنّ القلب القاسي بعيد من الله، ولا تنظروا في ذنوب العباد كأنّكم أرباب، وانظروا في ذنوبكم كأنّكم عبيد، والناس رجلان: مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية»(2).

ولأنّ إحياء القلوب الميتة لا يكون إلاّ بالذكر الإلهي، الحياة الروحية التي لن تكون إلاّ بظلّ الخشوع والخضوع وخاصّة في أجواء القرآن الكريم .. لذا فإنّ القرآن يشبّه عملية إحياء القلوب الميتة بإحياء الأراضي الميتة، فكما أنّ هذه تحيا ببركة نزول الأمطار كذلك فإنّ القلوب تحيا بذكر الله سبحانه .. حيث يضيف

______________________________

1 ـ بحار الأنوار، ج78، ص83، الحديث 85.

2 ـ مجمع البيان، ج9، ص238.

[ 50 ]

سبحانه في الآية اللاحقة: ( اعلموا أنّ الله يحيي الأرض بعد موتها قد بيّنا لكم الآيات لعلّكم تعقلون).

هذه الآية تشير إلى إحياء الأراضي بوسيلة المطر، كذلك فإنّ إحياء القلوب الميتة يكون بواسطة ذكر الله وقراءة القرآن المجيد الذي نزل من سماء الوحي على القلب الطاهر للنبي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وكلاهما جديران بالتدبّر والتعقّل، لذا اُشير في الروايات السابقة إلى كليهما.

ونقرأ في حديث للإمام الصادق (عليه السلام) في تفسيره لهذه الآية أنّه قال: «العدل بعد الجور»(1).

كما نقرأ في حديث عن الإمام الباقر (عليه السلام) في تفسيره للآية: ( اعلموا أنّ الله يحيي الأرض بعد موتها) قال: «يحيي الله تعالى الأرض بالقائم بعد موتها، يعني بموتها كفر أهلها، والكافر ميّت»(2).

ومن الواضح أنّ هذه التفاسير في الحقيقة هي بيان لمصاديقها البارزة، ولا تحدّ من مفهوم الآية أبداً.

وجاء في حديث آخر عن الإمام الكاظم (عليه السلام): «فإنّ الله يحيي القلوب الميتة بنور الحكمة كما تحيا الأرض الميتة بوابل المطر»(3).

ويرجع مرّة اُخرى في الآية اللاحقة إلى مسألة الإنفاق، والتي هي إحدى ثمار شجرة الإيمان والخشوع، حيث يتكرّر نفس التعبير الذي قرأناه في الآيات السابقة مع إضافة، حيث يقول تعالى: ( إنّ المصدّقين والمصدّقات وأقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعف لهم ولهم أجر كريم)(4).

______________________________

1 ـ روضة الكافي مطابق لنقل الثقلين، ج5، ص243.

2 ـ كمال الدين مطابق لنقل نور الثقلين، ج5، ص242.

3 ـ بحار الأنوار، ج78، ص308.

4 ـ المصدّقين و المصدّقات بمعنى «المتصدقين والمتصدقات»، وعطف (أقرضوا الله) الذي هو «جملة فعلية» على «الجملة الإسمية» السابقة، لأنّ معنى هذه الجملة هو «الذين أقرضوا الله».

[ 51 ]

أمّا لماذا طرحت مسألة الإنفاق بعنوان القرض الحسن لله سبحانه؟ ولماذا كان الجزاء المضاعف الأجر الكريم؟

يمكن معرفة الإجابة على هذه التساؤلات في البحث الذي بيّناه في نهاية الآية (11) من نفس هذه السورة.

احتمل البعض أنّ المقصود من القرض الحسن لله في هذه الآيات والآيات المشابهة(1) بمعنى الإقراض للعباد، لأنّ الله تعالى ليس بحاجة للقرض، بل إنّ العباد المؤمنين هم الذين بحاجة إلى القرض، ولكن بملاحظة سياق الآيات يفهم أنّ المقصود من «القرض الحسن» في كلّ هذه الآيات هو الإنفاق في سبيل الله، بالرغم من أنّ القرض لعباد الله هو من أفضل الأعمال أيضاً.

ويرى «الفاضل المقداد» أيضاً في كنز العرفان في تفسير القرض الحسن بأنّه كلّ الأعمال الصالحة(2).

موعظة وتوبة:

إنّ آية: ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ...) من الآيات المثيرة في القرآن الكريم، حيث تليّن القلب، وترطّب الروح وتمزّق حجب الغفلة وتعلن منبّهة: ألم يأن للقلوب المؤمنة أن تخشع مقابل ذكر الله وما نزّل من الحقّ! وتحذّر من الوقوع في شراك الغفلة كما كان بالنسبة لمن سبق حيث آمنوا وتقبّلوا آيات الكتاب الإلهي، ولكن بمرور الزمن قست قلوبهم.

لذلك نلاحظ بصورة مستمرة أنّ أفراداً مذنبين جدّاً قد هداهم الله إلى طاعته بعد سماعهم هذه الآية التي وقعت في نفوسهم كالصاعقة، وأيقظتهم من سباتهم وغفلتهم التي كانوا فيها، ولهذا شواهد عديدة حيث تنقل لنا كتب التاريخ العديد

______________________________

1 ـ تراجع الآية (245 من سورة البقرة) (الحديد الآية11) و (التغابن آية17) و (المزمل آية20).

2 ـ كنز العرفان، ج2، ص58.

[ 52 ]

منها، حتّى أنّ البعض منهم أصبح في صفّ الزهّاد والعبّاد، ومن جملتهم العابد المعروف «فضيل بن عيّاض» الزاهد.

حيث يحكى عنه أنّه كان في أوّل أمره يقطع الطريق بين «أبيورد» و «سرخس»، وعشق جارية، فبينما هو يرتقي الجدران إليها سمع تالياً يتلو: ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله) قال: (بلى والله قد آن) فرجع وأوى إلى خربة فإذا فيها رفقة، فقال بعضهم: نرتحل، وقال بعضهم: حتّى نصبح، فإنّ فضيلا قد قطع الطريق علينا. فتاب الفضيل وأمّنهم.

وحكي أنّه جاور الحرم حتّى مات(1).

ونقل بعض المفسّرين أنّ أحد رجال البصرة المعروفين قال: بينما كنت أسير في طريق فسمعت فجأة صيحة، فذهبت متتبعاً آثارها، فشاهدت رجلا مغمى عليه على الأرض، قلت: ما هذا! قالوا: رجل واعي القلب سمع آية من القرآن وإندهش، قلت: أي آية؟ قالوا: ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ...) وفجأة أفاق الرجل عند سماع صوتنا وبدأ بقراءة هذا الشعر المؤثّر:

أما آن للهجران أن ينصرما وللغصن غصن البان أن يتبسّما

وللعاشق الصبّ الذي ذاب وإنحنى ألم يأن أن يبكي عليه ويرحما

كتبت بماء الشوق بين جوانحي كتاباً حكى نقش الوشي المنمنما

قال ذلك ثمّ سقط على الأرض. مدهوشاً مرّة اُخرى، فحرّكناه وإذا به قد سلّم روحه إلى بارئه وربّه(2).

* * *

______________________________

1 ـ سفينة البحار، ج2، ص369. وروح البيان، ج9، ص365. وتفسير القرطبي، ج9، ص642.

2 ـ تفسير نور المعاني، ج27، ص156.

[ 53 ]

الآيتان

وَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِئَايَـتِنَا أُوْلَـئِكَ أَصْحَـبُ الْجَحِيمِ (19) اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى الاَْمْوَلِ وَالاَْوْلَـدِ كَمَثَلِ غَيْث أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَآهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَـماً وَفِى الاَْخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرِضْوَنٌ وَمَا الْحَيوَةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـعُ الْغُرُورِ(20)

التّفسير

الدنيا متاع الغرور:

استمراراً للبحث الذي تناولته الآيات السابقة في بيان حال المؤمنين وأجرهم عند الله تعالى، تضيف الآيات التالية بهذا الصدد قوله تعالى: ( والذين

[ 54 ]

آمنوا بالله ورسله اُولئك الصدّيقون والشهداء عند ربّهم).

«الصدّيق» صيغة مبالغة من (الصدق) بمعنى الشخص الذي يستوعب الصدق جميع وجوده، حيث يصدّق عمله قوله، وهو النموذج التامّ للصدق.

«شهداء» جمع «شهيد» من مادّة (شهود) بمعنى الحضور مع المشاهدة سواء كانت بالعين المجرّدة أو البصيرة، وإذا أُطلقت على «الشاهد» كلمة شاهد وشهيد، فالسبب هو حضوره ومشاهدته في المكان، كما يطلق هذا المصطلح على «الشهداء في سبيل الله» بسبب حضورهم في ميدان الجهاد.

إلاّ أنّ المراد من (الشهداء) في الآية مورد البحث قد يكون الشهادة على الأعمال، كما يستفاد من الآيات القرآنية الاُخرى، فالأنبياء شهداء على أعمال اُممهم، ورسول الإسلام شاهد عليهم وعلى الاُمّة الإسلامية، والمسلمون أيضاً شهداء على أعمال الناس(1).

وبناءً على هذا، فإنّ الشهادة على الأعمال مقام عال، والذي يكون من نصيب المؤمنين.

واحتمل البعض أنّ (شهداء) هنا هو الشهداء في سبيل الله، أي الأشخاص المؤمنون الذين لهم أجر وثواب الشهادة، يحسبون بمنزلة الشهداء، لذا ذكر في حديث أنّ شخصاً ذهب إلى الإمام الصادق (عليه السلام)، فقال له: ادع الله أن يرزقني الشهادة. فقال الإمام (عليه السلام) أنّ المؤمن شهيد، ثمّ قرأ هذه الآية: ( والذين آمنوا بالله ورسله ..)(2).

ومن الطبيعي أنّه يمكن الجمع بين المعنيين، خصوصاً أنّ القرآن الكريم أطلق مصطلح «شهيد وشهداء» في الغالب على الأعمال وما إلى ذلك.

وعلى كلّ حال، فإنّ الله تعالى يصف المؤمنين الحقيقيين هنا بوصفين: الأوّل:

______________________________

1 ـ يراجع التّفسير الأمثل، تفسير الآية (78) من سورة الحجّ، وتفسير الآية (41) من سورة النساء.

2 ـ تفسير العياشي طبقاً لنقل نور الثقلين، ج5، ص244.

[ 55 ]

«الصدّيق» والآخر: «الشهيد»، وهذا يرينا أنّ المقصود من المؤمنين في الآية مورد البحث هم أصحاب الدرجات العالية في الإيمان لا المؤمن العادي(1).

ثمّ يضيف تعالى: ( لهم أجرهم ونورهم).

إنّ هذا التعبير المختصر يشير إلى عظيم الأجر والنور الذي ينتظرهم.

وفي النهاية يضيف تعالى: ( والذين كفروا وكذّبوا بآياتنا اُولئك أصحاب الجحيم) وذلك كي تتوضّح بهذه المقارنة النتيجة التي آلت إليها المجموعتان، والتي تتدرّج بين القمّة والقاع، حيث إنّ القسم الأوّل في المقام العالي من دار الخلد، والقسم الثاني في الدرك الأسفل من النار يندبون سوء حظّهم وإنحطاط مصيرهم.

وبما أنّ المجموعة الاُولى كانت في أعلى مستويات الإيمان، ففي المقابل أيضاً ذكرت الآية أيضاً الكفر بأسوأ صوره في الجماعة الثانية المقارن للتكذيب بآيات الله.

ولأنّ حبّ الدنيا مصدر كلّ رذيلة، ورأس كلّ خطيئة، فالآية اللاحقة ترسم بوضوح وضع الحياة الدنيا والمراحل المختلفة والمحفّزات والظروف والأجواء التي تحكم كلّ مرحلة من هذه المراحل، حيث يقول سبحانه: ( اعلموا إنّما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد).

وبهذه الصورة فإنّ «الغفلة» و «اللهو» و «الزينة» و «التفاخر» و «التكاثر» تشكّل المراحل الخمس لعمر الإنسان.

ففي البداية مرحلة الطفولة، والحياة في هذه المرحلة عادةً مقترنة بحالة من

______________________________

1 ـ طبقاً للتفسير أعلاه فإنّ جملة (اُولئك هم الصدّيقون والشهداء، عند ربّهم) ليس لها أي تقدير، إذ أنّ هؤلاء الجماعة من المؤمنين اعتبروا مصداقاً للصدّيقين والشهداء، إلاّ أنّ بعض المفسّرين يعتقد أنّ هؤلاء بمنزلة الصدّيقين والشهداء، ولهم نفس الأجر، ولكن ليس لهم كامل مميّزاتهم ومفاخرهم. ويقولون: إنّ الآية تقديرها (اُولئك لهم مثل أجر الصدّيقين والشهداء).

تفسير روح المعاني، الميزان نهاية الآيات مورد البحث، وطبعاً فإنّ مرجع الضمائر (لهم، وأجرهم) يختلف أيضاً. إلاّ أنّ هذا التّفسير لا يتناسب مع ظاهر الآية (يرجى الإنتباه).

[ 56 ]

الغفلة والجهل واللعب.

ثمّ مرحلة المراهقة حيث يأخذ اللهو مكان اللعب، وفي هذه المرحلة يكون الإنسان لاهثاً وراء الوسائل والاُمور التي تلهيه وتبعده عن الأعمال الجدّية.

والمرحلة الثالثة هي مرحلة الشباب والحيوية والعشق وحبّ الزينة.

وإذا ما تجاوز الإنسان هذه المرحلة فإنّه يصل إلى المرحلة الرابعة حيث تتولّد في نفسه دوافع العلو والتفاخر.

وأخيراً يصل إلى المرحلة الخامسة حيث يفكّر فيها بزيادة المال والأولاد وما إلى ذلك.

والمراحل الاُولى تشخّص حسب العمر تقريباً، إلاّ أنّ المراحل اللاحقة تختلف عند الأشخاص تماماً، والبعض من هذه المراحل تستمر مع الإنسان إلى نهاية عمره، كمرحلة جمع المال، وبالرغم من أنّ البعض يعتقد أنّ كلّ مرحلة من هذه المراحل الخمس تأخذ سنين من عمر الإنسان مجموعها أربعون سنة، حيث تتثبّت شخصية الإنسان عند وصوله إلى هذا العمر.

كما أنّ بعض الأشخاص يمكن أن تتوقّف شخصيتهم في المرحلة الاُولى والثانية حتّى مرحلة الهرم، ولذا فإنّ سمات هذه المرحلة تبقى هي الشاخصة في سلوكهم وتكوين شخصياتهم، حيث اللعب والشجار واللهو هو الطابع العامّ لهم، وتفكيرهم منهمك للغاية في تهيئة البيت الأنيق والملابس الفاخرة وغير ذلك من متع الحياة الدنيا حتّى الموت .. إنّهم أطفال في سنّ الكهولة، وشيوخ في روحية الأطفال.

ويذكر سبحانه مثالا لبداية ونهاية الحياة ويجسّد الدنيا أمام أعين الناس بهذه الصورة حيث يقول سبحانه: ( كمثل غيث أعجب الكفّار نباته ثمّ يهيج فتراه مصفّراً

[ 57 ]

ثمّ يكون حطاماً)(1).

«كفّار» هنا ليس بمعنى الأشخاص غير المؤمنين، ولكن بمعنى «الزرّاع» لأنّ أصل الكفر هو التغطية، وبما أنّ الزارع عندما ينثر البذور يغطّيها بالتراب، فقد قيل له كافر، ويقال أنّ «الكر» جاء بمعنى القبر أحياناً، لأنّه يغطّي جسم الميّت كما ورد في (سورة الفتح الآية / 29).

وفي الحديث عن النمو السريع للنبات يقول تعالى: ( يعجب الزرّاع) إذ وردت هنا كلمة «الزرّاع» بدلا من الكفّار.

ويحتمل بعض المفسّرين أيضاً أنّ المقصود من «الكفّار» هنا هو نفس الكفر بالله تعالى وذكروا عدّة توجيهات لهذا، والظاهر أنّ هذا التّفسير لا يتناسب وسياق الآية، إذ أنّ المؤمن والكافر شريكان في هذا التعجّب.

(حطام) من مادّة (حطم) بمعنى التكسير والتفتيت، ويطلق على الأجزاء المتناثرة للتبن (حطام) وهي التي تأخذها الرياح باتّجاهات مختلفة.

إنّ المراحل التي يمرّ بها الإنسان مدّة سبعين سنة أو أكثر تظهر في النبات بعدّة أشهر، ويستطيع الإنسان أن يسكن بجوار المزرعة ويراقب بداية ونهاية العمر في وقت قصير.

ثمّ يتطرّق القرآن الكريم إلى حصيلة العمر ونتيجته النهائية حيث يقول سبحانه: ( وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان).

وأخيراً تنهي الآية حديثها بهذه الجملة: ( وما الحياة الدنيا إلاّ متاع الغرور).

«غرور» في الأصل من مادّة (غَرّ) على وزن «حرّ» بمعنى الأثر الظاهر للشيء، ويقال (غُرّة) للأثر الظاهر في جبهة الحصان، ثمّ اُطلقت الكلمة على حالة الغفلة، حيث أنّ ظاهر الإنسان واع، ولكنّه غافل في الحقيقة، وتستعمل أيضاً

______________________________

1 ـ «يهيج» من مادّة هيجان جاءت هنا بمعنيين الأوّل: جفاف النبات، والآخر: التحرّك والحيوية، وقد يرجع هذان المعنيان إلى أصل واحد، لأنّ النبات عند جفافه يكون مهيّأ للإندثار والإنتشار بحركة الرياح.

[ 58 ]

بمعنى الخدعة والحيلة.

«المتاع» بمعنى كلّ نوع ووسيلة يستفاد منها، وبناءً على هذا فإنّ جملة (الدنيا متاع الغرور) كما جاءت في قوله تعالى: ( وما الحياة الدنيا إلاّ متاع الغرور)تعني أنّها وسيلة وأداة للحيلة والخدعة للفرد وللآخرين.

وطبيعي أنّ هذا المعنى وارد في الأشخاص الذين يعتبرون الدنيا هدفهم النهائي، وتكون منتهى غاياتهم، ولكن إذا كانت الهبات المادية في هذا العالم وسيلة للوصول بالإنسان للسعادة الأبدية، فذلك لا يعدّ من الدنيا، بل ستكون جسراً وقنطرة ومزرعة للآخرة التي ستتحقّق فيها تلك الأهداف الكبيرة حقّاً.

من البديهي أنّ النظر إلى الدنيا باعتبار أنّها «مقرّ» أو «جسر» سوف يعطي للإنسان توجّهين مختلفين، الأوّل: يكون سبباً للنزاع والفساد والتجاوز والظلم، والطغيان والغفلة، والثاني: وسيلة للوعي والتضحية والاُخوة والإيثار.

* * *

تعقيب

1 ـ مقام الصدّيقين والشهداء

وصف القرآن الكريم الأنبياء العظام وأمثالهم بأنّهم (صدّيقون) ومن جملتهم إبراهيم (عليه السلام): ( إنّه كان صدّيقاً نبيّاً)(1).

ووصف إدريس (عليه السلام) بنفس الوصف قال تعالى: ( واذكر في الكتاب إدريس إنّه كان صدّيقاً نبيّاً)(2).

وحول اُمّ المسيح السيّدة مريم (عليه السلام) نقرأ قوله تعالى: ( واُمّه صدّيقة)(3).

______________________________

1 ـ مريم، آية 41.

2 ـ مريم، الاية 56.

3 ـ الجاثية، الآية 75.

[ 59 ]

كما جاء ذكر (الصدّيقين) على مستوى الأنبياء أو من معهم في بعض الآيات القرآنية، كما في قوله تعالى: ( ومن يطع الله والرّسول فاُولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن اُولئك رفيقاً)(1)

وكما قلنا فإنّ هذا المصطلح صيغة مبالغة من مادّة (صدق) تقال للشخص الذي يحيط الصدق كلّ وجوده، وينعكس الصدق في أفكاره وأقواله وأعماله وكلّ حياته، وهذا يعكس لنا أهميّة مقام الصدق.

أمّا (الشهداء) فكما قلنا يمكن أن يقصد بهم الشهداء على الأعمال أو بمعنى الشهداء في سبيل الله، وفي الآية مورد البحث يمكن الجمع بين الرأيين.

ومن الطبيعي أنّ «الشهيد» في الفكر الإسلامي لا ينحصر بالشخص الذي يقتل في ميدان الجهاد، بالرغم من أنّه أوضح مصداق لمفهوم الشهيد، بل ينطبق على كلّ الأشخاص الذين يؤمنون بالعقيدة الإلهيّة ويسيرون في طريق الحقّ حتّى رحيلهم من الدنيا، وذلك تماشياً مع الروايات الإسلامية فإنّها تعدّ هؤلاء في زمرة الشهداء.

جاء في حديث عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: «العارف منكم هذا الأمر المنتظر له المحتسب فيه الخير، كمن جاهد والله مع قائم آل محمّد بسيفه. ثمّ قال: بل والله كمن جاهد مع رسول بسيفه. ثمّ قال الثالثة: بل والله كمن إستشهد مع رسول الله في فسطاطه، وفيكم آية من كتاب الله، قلت: وأي آية جعلت فداك؟ قال: قول الله عزّوجلّ: ( والذين آمنوا بالله ورسله اُولئك هم الصدّيقون والشهداء عند ربّهم ...) ثمّ قال: «صرتم والله صادقين شهداء عند ربّكم»(2).

وننهي هذا الموضوع بحديث: لأمير المؤمنين(3) عندما كان بعض أصحابه

______________________________

1 ـ النساء، الآية 69.

2 ـ تفسير مجمع البيان، ج9، ص238.

3 ـ نهج البلاغة، خطبة 190.

[ 60 ]

يستعجلون في أمر الجهاد ونيل الشهادة .. حيث قال: «لا تستعجلوا ما لم يعجله الله لكم، فإنّه من مات منكم على فراشه وهو على معرفة حقّ ربّه وحقّ رسوله وأهل بيته مات شهيداً»(1).

2 ـ الحياة الدنيا .. لهو ولعب

يصف القرآن الكريم ـ أحياناً ـ الحياة الدنيا بأنّها لهو ولعب، كما في قوله تعالى: ( وما الحياة الدنيا إلاّ لعب ولهو)(2).

ويصفها أحياناً باللهو واللعب والزينة والتفاخر والتكاثر، كما في الآيات مورد البحث.

ويصفها أحياناً بأنّها (متاع الغرور) كما في قوله تعالى ( وما الحياة الدنيا إلاّ متاع الغرور)(3).

ويصفها أحياناً بأنّها (متاع قليل) كما جاء في: (الآية 77 من سورة النساء).

وأحياناً يصفها بأنّها عارض ظاهري سريع الزوال. «النساء» / 94.

ومجموع هذه التعبيرات والآيات القرآنية توضّح لنا وجهة نظر الإسلام حول الحياة المادية ونعمها، حيث إنّه يعطيها القيمة المحدودة التي تتناسب مع شأنها، ويعتبر الميل إليها والإنشداد لها ناشئاً من توجّه غير هادف (لعب) و (لهو) وتجمّل و (زينة) وحبّ المقام والرئاسة والأفضلية على الآخرين (تفاخر) والحرص وطلب المال والأولاد بكثرة (التكاثر) ويعتبر التعلّق بها مصدراً للذنوب والآثام والمظالم.

أمّا إذا تحوّلت النظرة إلى هذه النعم الإلهيّة، وأصبحت سلّماً للوصول إلى

______________________________

1 ـ نهج البلاغة، خطبة190.

2 ـ الأنعام، الآية 32.

3 ـ آل عمران، الآية 185.

[ 61 ]

الأهداف الإلهيّة، عندئذ تصبح رأسمال يشتريها الله من المؤمنين ويعطيهم عوضها جنّة خالدة وسعادة أبديّة، قال تعالى: ( إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة ...)(1).

* * *

______________________________

1 ـ التوبة، الآية 111.

[ 62 ]

الآيات

سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَة مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّة عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالاَْرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21) مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَة فِى الاَْرْضِ وَلاَ فِى أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِى كِتَـب مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (22) لِّكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا ءَاتَـكُمْ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَال فَخُور (23)الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ (24)

التّفسير

المسابقة المعنوية الكبرى!!

بعد ما بيّنت الآيات السابقة قيمة هذه الدنيا المتواضعة الفانية، وكيف أنّ الناس فيها منهمكون في اللذات والتكاثر والتفاخر وجمع الأموال .. تأتي الآيات

[ 63 ]

مورد البحث لتدعو الناس إلى العمل للحصول على موقع في الدار الآخرة، ذلك الموقع المتّسم بالثبات والبقاء والخلود، وتدعوهم إلى السباق في هذا المجال وبذل الجهد فيه، حيث يقول سبحانه: ( سابقوا إلى مغفرة من ربّكم، جنّة عرضها عرض السماء والأرض اُعدّت للذين آمنوا بالله ورسله).

وفي الحقيقة أنّ مغفرة الله هي مفتاح الجنّة، تلك الجنّة التي عرضها السماوات والأرض وقد اُعدّت من الآن لضيافة المؤمنين، حتّى لا يقول أحد إنّ الجنّة نسيئة ودَين ولا أمل في النسيئة، فعلى فرض أنّها نسيئة فانّها أقوى من كلّ نقد، لأنّها ضمن وعد الله القادر على كلّ شيء وأصدق من كلّ وعد، فكيف الحال وهي موجودة الآن وبصورة نقد؟!

وقد ورد نفس هذا المعنى في سورة آل عمران (الآية رقم 133) مع إختلاف بسيط، حيث إنّ في الآية مورد البحث جاءت كلمة (سابقوا) من مادّة (المسابقة) وهنالك وردت كلمة (سارعوا) من مادّة (المسارعة)، وكلاهما قريب من الآخر بالنظر إلى مفهوم باب «المفاعلة» حيث تتجسّد غلبة شخصين أحدهما على الآخر.

والإختلاف الآخر هو أنّها هنالك قد جاءت بوصف: ( عرضها السماوات والأرض) وهنا جاءت: ( عرضها كعرض السماء والأرض) وإذا دقّقنا قليلا يتّضح أنّ هذين التعبيرين يوضّحان حقيقة واحدة أيضاً.

ويقول سبحانه هناك: ( اُعدّت للمتّقين) وهنا يقول: ( اُعدّت للذين آمنوا).

ولأنّ المتّقين ثمرة شجرة الإيمان الحقيقي، فإنّ هذين التعبيرين في الواقع كلّ منها لازم وملزوم للآخر.

وبهذه الصورة فإنّ الإثنين يتحدّثان عن حقيقة واحدة ببيانين مختلفين، ولهذا فما ذكره البعض من أنّ الآية (سورة آل عمران تشير إلى «جنّة المقرّبين»، وآية مورد البحث تشير إلى «جنّة المؤمنين»، صحيح حسب الظاهر.

وعلى كل حال فالتعبير بـ (عرض) هنا ليس في مقابل (الطول) كما قال بعض

[ 64 ]

المفسّرين حيث كانوا يبحثون عن طول تلك الجنّة التي عرضها مثل السماء والأرض، ولهذا السبب فإنّهم واجهوا صعوبة في توجيه ذلك، حيث إنّ العرض في مثل هذه الإستعمالات بمعنى «السعة».

والتعبير بـ «المغفرة» قبل البشارة بالجنّة ـ الذي ورد في الآيتين ـ هو إشارة لطيفة إلى أنّه ليس من اللائق الدخول إلى الجنّة والقرب من الله قبل المغفرة والتطهير.

وممّا ينبغي ملاحظته أنّ المسارعة لمغفرة الله لابدّ أن تكون عن طريق أسبابها كالتوبة والتعويض عن الطاعات الفائتة، وأساساً فانّ طاعة الله عزّوجلّ يعني تجنّب المعاصي، ولكنّنا نجد في بعض الأحاديث تأكيد على القيام بالواجبات وبعض المستحبّات كالتقدّم للصفّ الأوّل في الجماعة، أو الصفّ الأوّل في الجهاد، أو تكبيرة الإحرام مع إمام الجماعة، أو الصلاة في أوّل وقتها، فهذه من قبيل بيان المصداق ولا يقلّل شيئاً من المفهوم الواسع للآية.

ويضيف تعالى في نهاية الآية: ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم).

ومن المؤكّد أنّ جنّة بذلك الإتّساع وبهذه النعم، ليس من السهل للإنسان أن يصل إليها بأعماله المحدودة، لذا فإنّ الفضل واللطف والرحمة الإلهية ـ فقط ـ هي التي تستطيع أن تمنحه ذلك الجزاء العظيم في مقابل اليسير من أعماله، إذ أنّ الجزاء الإلهي لا يكون دائماً بمقياس العمل، بل إنّه بمقياس الكرم الإلهي.

وعلى كلّ حال فإنّ هذا التعبير يرينا بوضوح أنّ الثواب والجزاء لا يتناسب مع طبيعة العمل، حيث أنّه نوع من التفضل والرحمة.

ولمزيد من التأكيد على عدم التعلّق بالدنيا، وعدم الفرح والغرور عند إقبالها، أو الحزن عند إدبارها، يضيف سبحانه: ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في

[ 65 ]

أنفسكم إلاّ في كتاب من قبل أن نبرأها إنّ ذلك على الله يسير)(1).

نعم، إنّ المصائب التي تحدث في الطبيعة كالزلازل والسيول والفيضانات والآفات المختلفة، وكذلك المصائب التي تقع على البشر كالموت وأنواع الحوادث المؤلمة التي تشمل الإنسان، فإنّها مقدّرة من قبل ومسجّلة في لوح محفوظ.

والجدير بالإنتباه أنّ المصائب المشار إليها في الآية هي المصائب التي لا يمكن التخلّص منها، وليست ناتجة عن أعمال الإنسان. (بتعبير آخر الحصر هنا حصر إضافي).

والشاهد في هذا الكلام قوله تعالى: ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير)(2)

وبملاحظة أنّ الآيات يفسّر بعضها البعض الآخر يتبيّن لنا عندما نضع هاتين الآيتين جنباً إلى جنب أنّ المصائب التي يبتلى بها الإنسان على نوعين:

الأوّل: المصائب التي تكون مجازاة وكفّارة للذنوب، كالظلم والجور والخيانة والإنحراف وأمثالها، فإنّها تكون مصدراً للكثير من مصائب الإنسان.

الثاني: من المصائب هو ما لا تكون للإنسان يد فيه، وتكون مقدّرة وحتمية وغير قابلة للإجتناب حيث يبتلي فيها الفرد والمجتمع، لذا فإنّ الكثير من الأنبياء والأولياء والصالحين يبتلون بمثل هذه المصائب.

إنّ هذه المصائب لها فلسفة دقيقة حيث أشرنا إليها في أبحاث معرفة الله والعدل الإلهي ومسألة الآفات والبلايا.

______________________________

1 ـ بالنسبة لعود الضمير في (نبرأها) فقد ذكروا إحتمالات متعدّدة حيث اعتبر البعض أنّ مرجعها للأرض والأنفس، والبعض الآخر إعتبرها للمصيبة، وبعض جميعها، إلاّ أنّه بالنظر إلى ذيل الآية فإنّ المعنى الأوّل هو الأنسب لأنّه يريد أن يقول: حتّى قبل خلق السماء والأرض وخلقكم فإنّ هذه المصائب مقدّرة.

2 ـ الشورى، الآية 30.

[ 66 ]

ونقرأ في هذا الصدد القصّة التالية: عندما أدخل الإمام علي بن الحسين (عليه السلام)مغلولا مكبّلا في مجلس يزيد بن معاوية، فالتفت يزيد إلى الإمام; وقرأ آية سورة الشورى: ( ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) وكان يريد أن يظهر أنّ مصائبكم كانت نتيجة أعمالكم، وبهذا أراد الطعن بالإمام (عليه السلام) بهذا الكلام، إلاّ أنّ الإمام ردّ عليه فوراً وقال: كلاّ، ما نزلت هذه فينا، إنّما نزلت فينا: ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلاّ في كتاب من قبل أن نبرأها)(1).

ولنا بحث مفصّل في هذا المجال في تفسير الآية رقم30 من سورة الشورى(2).

أتباع أهل البيت أيضاً عرفوا نفس المعنى، في هذه الآية، إذ نقل أنّ الحجّاج عندما جيء له بسعيد بن جبير وصمّم على قتله، بكى رجل من الحاضرين. قال سعيد: وما يبكيك؟ فأجاب: للمصاب الذي حلّ بك، قال: لا تبكِ فقد كان في علم الله أن يكون ذلك، ألم تسمع قوله تعالى: ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلاّ في كتاب من قبل أن نبرأها)(3).

ومن الطبيعي أنّ كلّ الحوادث التي تحدث في هذا العالم مسجّلة في لوح محفوظ وفي علم الله عزّوجلّ اللاّ محدود، وإذا أشرنا هنا إلى المصائب التي تقع في الأرض وفي الأنفس فقط، فلأنّ موضوع الحديث بهذا الإتّجاه، كما سنرى في الآية اللاحقة التي يستنتج منها الموضوع نفسه.

وبالضمن فإنّ جملة: ( إنّ ذلك على الله يسير) تشير إلى تسجيل وحفظ كلّ هذه الحوادث في لوح محفوظ مع كثرتها البالغة، وذلك سهل يسير على الله تعالى.

والمقصود من «اللوح المحفوظ» هو: العلم اللا متناهي لله سبحانه، أو صحيفة

______________________________

1 ـ تفسير علي بن إبراهيم مطابق لنقل نور الثقلين، ج5، ص247.

2 ـ كان لدينا بحث آخر في نهاية الآية (78)، (79) من سورة النساء والتي تتناسب مع الآيات مورد البحث.

3 ـ روح البيان ج9، ص375.

[ 67 ]

عالم الخلقة ونظام العلّة والمعلول، والتي هي مصداق العلم الفعلي لله سبحانه «فتدبّر».

ولنلاحظ الآن ما هي فلسفة تقدير المصائب في اللوح المحفوظ، ومن ثمّ بيان هذه الحقيقة في القرآن الكريم؟

الآية اللاحقة تزيح هذا الحجاب عن هذا السرّ المهمّ حيث يقول تعالى: ( لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم).

هاتان الجملتان القصيرتان تحلاّن ـ في الحقيقة ـ إحدى المسائل المعقّدة لفلسفة الخلقة، لأنّ الإنسان يواجه دائماً مشاكل وصعوبات وحوادث مؤسفة في عالم الوجود، ويسأل دائماً نفسه هذا السؤال وهو: رغم أنّ الله رحمن رحيم وكريم ..، فلماذا هذه الحوادث المؤلمة؟!

ويجيب سبحانه أنّ هدف ذلك هو: ألا تأسركم مغريات هذه الدنيا وتنشدّوا إليها وتغفلوا عن أمر الآخرة .. كما ورد في الآية أعلاه.

والمطلوب أن تتعاملوا مع هذا المعبر والجسر الذي إسمه الدنيا بشكل لا تستولي على لباب قلوبكم، وتفقدوا معها شخصيّتكم وكيانكم وتحسبون أنّها خالدة وباقية، حيث إنّ هذا الإنشداد هو أكبر عدوٍّ لسعادتكم الحقيقية، حيث يجعلكم في غفلة عن ذكر الله ويمنعكم من مسيرة التكامل.

هذه المصائب هي إنذار للغافلين وسوط على الأرواح التي تعيش الغفلة والسبات، ودلالة على قصر عمر الدنيا وعدم خلودها وبقائها.

والحقيقة أنّ المظاهر البرّاقة لدار الغرور تبهر الإنسان وتلهيه بسرعة عن ذكر الحقّ سبحانه، وقد يستيقظ فجأةً ويرى أنّ الوقت قد فات وقد تخلّف عن الركب.

هذه الحوادث كانت ولا تزال في الحياة، وستبقى بالرغم من التقدّم العلمي العظيم، ولن يستطيع العلم أن يمنع حدوثها ونتائجها المؤلمة، كالزلازل والطوفان والسيول والأمطار وما إلى ذلك .. وهي درس من قسوة الحياة وصرخة مدوّية

[ 68 ]

فيها ..

وهذا لا يعني أن يعرض الإنسان عن الهبات الإلهية في هذا العالم أو يمتنع من الإستفادة منها، ولكن المهمّ ألاّ يصبح أسيراً فيها، وألاّ يجعلها هي الهدف والنقطة المركزية في حياته.

والجدير بالملاحظة هنا أنّ القرآن الكريم إستعمل لفظ (فاتكم) للدلالة على ما فقده الإنسان من أشياء، أمّا ما يخصّ الهبات والنعم التي حصل عليها فإنّه ينسبها لله، (بما آتاكم)، وحيث أنّ الفوت والفناء يكمن في ذات الأشياء، وهذا الوجود هو من الفيض الإلهي.

نعم، إنّ هذه المصائب تكسر حدّة الغرور والتفاخر وحيث يقول سبحانه في نهاية الآية: ( إنّ الله لا يحبّ كلّ مختال فخور).

«مختال» من مادّة (خيال) بمعنى متكبّر، لأنّ التكبّر من التخيّل، أي من تخيّل الإنسان الفضل لنفسه، وتصوّره أنّه أعلى من الآخرين. و (فخور) صيغة مبالغة من مادّة (فخر) بمعنى الشخص الذي يفتخر كثيراً على الآخرين.

والشخص الوحيد الذي يبتلى بهذه الحالات هو المغرور الذي أسكرته النعم، وهذه المصائب والآفات بإمكانها أن توقظه عن هذا السكر والغفلة وتهديه إلى سير التكامل.

ومن ملاحظة ما تقدّم أعلاه فإنّ المؤمنين عندما يرزقون النعم من قبل الله سبحانه فإنّهم يعتبرون أنفسهم مؤتمنين عليها، ولا يأسفون على فقدانها وفواتها، ولا يغفلون ويسكرون بوجودها. إذ يعتبرون أنفسهم كالأشخاص المسؤولين عن بيت المال إذ يستلمون في يوم أموالا كثيرة ويدفعونها في اليوم الثاني، وعندئذ لا يفرحون بإستلامها، ولا يحزنون على إعطائها.

وكم هو تعبير رائع ما قاله أمير المؤمنين (عليه السلام) حول هذه الآية: «الزهد كلّه بين كلمتين في القرآن الكريم قال تعالى: ( لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما

[ 69 ]

آتاكم)، ومن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطر فيه»(1).

والنقطة الاُخرى الجديرة بالملاحظة هي أنّ هذا الأصل ـ وجود المصائب ـ في حياة الإنسان أمر قدّر عليه طبقاً لسنّة حكيمة، حيث أنّ الدنيا في حالة غير مستقرّة، وهذا الأصل يعطي للإنسان الشجاعة لتحمّل المصائب ويمنحه الصلاة والسكينة أمام الحوادث ويكون مانعاً له من الجزع والضجر ..

ونؤكّد مرّة اُخرى أنّ هذا يتعلّق ـ فقط ـ بالمصائب المقدّرة والغير قابلة للردّ، وإلاّ فإنّ المصائب والمصاعب التي تكون بسبب ذنوب الإنسان وتسامحه في الطاعات والإلتزامات الإلهيّة، فإنّها خارجة عن هذا البحث، ولمواجهتها لابدّ من وضع برنامج صحيح في حياة الإنسان.

وننهي هذا البحث بما ذكر في التاريخ حيث نقل عن بعض المفسّرين ما يلي:

قال «قتيبة بن سعيد»(2): دخلت على إحدى قبائل العرب فرأيت صحراء مملوءة بجمال ميّتة لا تعدّ، وكانت بقربي امرأة عجوز فسألتها: لمن هذه الجمال؟ قالت: لذلك الرجل الجالس فوق التل الذي تراه يغزل، فذهبت إليه وقلت: هل هذا كلّه لك؟ قال: كانت باسمي، قلت: ما الذي جرى وأصبحن بهذا الحال؟ فأجابني ـ دون الإشارة إلى علّة موتهنّ ـ إنّ المعطي قد أخذ. قلت: هل ضجرت لما أصابك؟ وهل قلت شيئاً بعد مصابك؟ قال: بلى. وأنشد هذين البيتين:

لا والذي أنا عبد من خلائقه والمرء في الدهر نصب الرزء والمحن

ما سرّني أنّ إبلي في مباركها وما جرى من قضاء الله لم يكن

أنا راض برضى الله تعالى فقط وكلّما يقدّر فأنا أقبله(3).

وفي آخر آية مورد البحث نلاحظ توضيحاً وتفسيراً لما جاء في الآيات

______________________________

1 ـ نهج البلاغة، كلمات قصار 439.

2 ـ قتيبة بن سعيد أحد المحدّثين الذي يروي عن مالك بن أنس (منتهى الأرب).

3 ـ تفسير أبو الفتوح الرازي، ج11، ص53 وجاء نظير هذا المعنى في تفسير روح البيان، ج9، ص376.

[ 70 ]

السابقة، والذي يوضّح حقيقة الإنسان المختال الفخور حيث يقول عنه تعالى: ( الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل)(1).

نعم، إنّ الإنشداد العميق لزخارف الدنيا ينتج التكبّر والغرور، ولازم التكبّر والغرور هو البخل ودعوة الآخرين للبخل. أمّا البخل فلأنّ التكبّر والغرور كثيراً ما يكون بسبب ثراء الإنسان الذي يدفعه إلى أن يحرص عليه، وبالتالي يبخل في إنفاقه، ومن هنا فإنّ لازمة الغرور والتكبّر هو البخل.

أمّا دعوة الآخرين إلى البخل، فلأنّ سخاء الآخرين سيفضح غيرهم من البخلاء، هذا أوّلا، والثاني أنّ البخيل يحبّ البخل، لذا فإنّه يدعو للشيء الذي يرغب فيه.

ولكي لا يتصوّر أنّ تأكيد الله سبحانه على الإنفاق وترك البخل، أو كما عبّرت عنه الآيات السابقة بـ ( القرض لله) مصدره إحتياج ذاته المقدّسة، فإنّه يقول في نهاية الآية: ( ومن يتولّ فإنّ الله هو الغني الحميد).

بل نحن كلّنا محتاجون إليه وهو الغني عنّا جميعاً، لأنّ جميع خزائن الوجود عنده وتحت قبضته، ولأنّه جامع لصفات الكمال فإنّه يستحقّ كلّ شكر وثناء.

وبالرغم من أنّ الآية أعلاه تتحدّث عن البخل المالي. إلاّ أنّه لا ينحصر عليه، لأنّ مفهوم البخل واسع يستوعب في دائرته البخل في العلم وأداء الحقوق وما إلى ذلك أيضاً.

* * *

______________________________

1 ـ «الذين» بدل من (كلّ مختال فخور) وتفسير الكشّاف ذيل الآية مورد البحث) وبالضمن يجدر الإنتباه إلى أنّ البدل والمبدّل منه ليس بالضرورة أن يتطابقا في المعرفة والنكرة.

[ 71 ]

الآيات

لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَـتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَـبَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَـفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ (25)

التّفسير

الهدف الأساس من بعثة الأنبياء:

إبتدأ الله سبحانه وتعالى عباده بالنعم فكانت رحمته ولطفه ومغفرته، ونعمه الكثيرة التي لا تحصى والتي اُشير إليها في الآيات السابقة .. ولأنّ هذه النعم تحتاج إلى تقنين في إستعمالها، ونظم وشرائط لنيل نتائجها المرجوّة، لذا فانّه يحتاج إلى قيادة تقوم بمباشرتها والإشراف عليها وإعطاء التوجيهات الإلهية بشأنها، وهؤلاء القادة يجب أن يكونوا (قادة إلهيين) والآية مورد البحث ـ التي تعتبر من أكثر الآيات القرآنية محتوى ـ تشير إلى هذا المعنى، وتبيّن هدف إرسال الأنبياء ومناهجهم بصورة دقيقة، حيث يقول سبحانه: ( لقد أرسلنا رسلنا بالبيّنات

[ 72 ]

وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط).

«البيّنات» هي الدلائل الواضحة، ولها معنى واسع يشمل المعجزات والدلائل العقليّة التي تسلّح بها الأنبياء والرسل الإلهيّون.

المقصود من (كتاب) هو نفس الكتب السماوية، ولأنّ روح وحقيقة الجميع شيء واحد، لذا فإنّ التعبير بـ (كتاب) جاء بصيغة مفرد.

وأمّا «الميزان» فيعني وسيلة للوزن والقياس، ومصداقها الحسّي هو الميزان الذي يقاس به وزن البضائع، ومن الواضح أنّ المقصود هو المصداق المعنوي، أي الشيء الذي نستطيع أن نقيس به كلّ أعمال الإنسان، وهي الأحكام والقوانين الإلهيّة أو الأفكار والمفاهيم الربّانية، أو جميع هذه الاُمور التي هي معيار لقياس الأعمال الصالحة والسيّئة.

وبهذه الصورة فإنّ الأنبياء كانوا مسلّحين بثلاث وسائل وهي: «الدلائل الواضحة»، و «الكتب السماوية»، و «معيار قياس الحقّ من الباطل» والجيّد من الرديء. ولا يوجد مانع من أن يكون القرآن (بيّنة) أي معجزة، وهو كذلك كتاب سماوي ومبيّن للأحكام والقوانين، أي أنّ الأبعاد الثلاثة تصبّ في محتوى واحد وهي موجودة في القرآن الكريم.

وعلى كلّ حال، فإنّ الهدف من تعبئة هؤلاء الرجال العظام بهذه الأسلحة الأساسية، هو إقامة القسط والعدل.

وفي الحقيقة أنّ هذه الآية تشير إلى أحد الأهداف العديدة لإرسال الرسل، لأنّنا نعلم أنّ بعث الأنبياء وسعيهم كان من أجل أهداف عدّة:

منها: التعليم والتربية، كما جاء في الآية التالية: ( هو الذي بعث في الاُمّيين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة ...)(1).

______________________________

1 ـ الجمعة، الآية 2.

[ 73 ]

والهدف الآخر كسر الأغلال والقيود التي أسّرت الإنسان، كما قال تعالى: ( ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم)(1).

والهدف الثالث إكمال القيم الأخلاقية، كما جاء في الحديث المشهور: «بعثت لاُتمّم مكارم الأخلاق»(2).

والهدف الرابع إقامة القسط والعدل، الذي اُشير إليه في الآية مورد البحث.

وبهذا الترتيب نستطيع تلخيص بعثة الأنبياء في الأهداف التالية: (الثقافية، الأخلاقية، السياسية، الإجتماعية).

ومن الواضح أنّ المقصود من الرسل في الآية مورد البحث، وبقرينة إنزال الكتب، هم الأنبياء أُولي العزم ومن يمثّلهم.

وممّا يجدر ذكره أنّ المقصود من التعبير القرآني: ( ليقوم الناس بالقسط) أي أن يتحرّك الناس أنفسهم لتحقيق القسط، وليس المقصود أن يلزم الأنبياء على إقامة القسط، ولهذا يمكن القول بأنّه المراد من الآية وهدفها هو أن يعمل الناس بمفاهيم القسط ويتحرّكوا لتطبيقها.

والمهمّ أن يتربّى الناس على العدل والقسط بحيث يصبحون واعين له داعين إليه، منفّذين لبرامجه وسائرين في هذا الإتّجاه بأنفسهم.

ثمّ إنّ أي مجتمع إنساني مهما كان مستواه الأخلاقي والإجتماعي والعقائدي والروحي عالياً، فإنّ ذلك لا يمنع من وجود أشخاص يسلكون طريق العتو والطغيان، ويقفون في طريق القسط والعدل، وإستمراراً لمنهج الآية هذه يقول سبحانه: ( وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس).

نعم، إنّ هذه الأسلحة الثلاثة التي وضعت تحت تصرّف الأنبياء هي بهدف أن تكون الأفكار والمفاهيم التي جاء بها الأنبياء فاعلة ومؤثّرة، وتحقّق أهدافها

______________________________

1 ـ الأعراف، الآية 157.

2 ـ بحار الأنوار، ج71، ص372 باب حسن الخُلُق نهاية الحديث الأوّل.

[ 74 ]

المنشودة، فقد وضع الحديد والبأس الشديد في خدمة رسل الله.

وبالرغم من أنّ البعض يتصوّر أنّ تعبير (أنزلنا) يعكس لنا أنّ الحديد جاء من كرات سماوية إلى الأرض، إلاّ أنّ الصحيح أنّ التعبير بـ (الإنزال) في مثل هذه الحالات هو إشارة إلى الهبات التي تعطى من المقام الأعلى إلى المستوى الأدنى، ولأنّ خزائن كلّ شيء عند الله تعالى فهو الذي خلق الحديد لمنافع مختلفة، فعبّر عنه بالإنزال، وهنا حديث لأمير المؤمنين (عليه السلام) في تفسيره لهذا القسم من الآية حيث قال: «إنزاله ذلك خلقه إيّاه»(1).

كما نقرأ في الآية (6) من سورة الزمر حول الحيوانات حيث يقول سبحانه: ( وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج).

وفسّر البعض (أنزلنا) بأنّها من مادّة (نزل) على وزن (شبر) بمعنى الشيء الذي يهيّأ لإستقبال الضيوف، ولكن الظاهر أنّ المعنى الأوّل هو الأنسب.

«البأس» في اللغة بمعنى الشدّة والقسوة والقدرة، ويقال للحرب والمبارزة (بأس) أيضاً، ولذا فإنّ المفسّرين فسّروها بأنّها الوسائل الحربية، أعمّ من الدفاعية والهجومية، ونقل في رواية عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في تفسير هذه الآية أنّه قال: «يعني السلاح وغير ذلك»(2).

والواضح أنّ هذا من قبيل بيان المصداق.

والمقصود من «المنافع» هنا هو كلّ ما يفيد الإنسان من الحديد، وتتبيّن الأهميّة البالغة للحديد في حياة الإنسان أنّ البشرية قد بدأت عصراً جديداً بعد إكتشافه، سمّي بعصر الحديد، لأنّ هذا الإكتشاف قد غيّر الكثير من معالم الحياة في أغلب المجالات، وهذا يمثّل أبعاد كلمة (المنافع) في الآية الكريمة أعلاه.

وقد اُشير إلى هذا المعنى بآيات مختلفة في القرآن، منها قوله تعالى بشأن

______________________________

1 ـ تفسير نور الثقلين، ج5، ص250، حديث100.

2 ـ تفسير نور الثقلين، ج5، ص250، حديث101.

[ 75 ]

تصميم ذي القرنين على صنع سدّه العظيم: ( آتوني زبر الحديد)(1).

وكذلك قوله سبحانه: ( وألنّا له الحديد أن اعمل سابغات)(2) وذلك عندما شمل لطفه عزّوجلّ داود (عليه السلام) بتليين الحديد له ليستطيع أن يصنع دروعاً منه يقلّل فيها أخطار الحروب وهجمات العدو.

ثمّ يشير سبحانه إلى هدف آخر من أهداف إرسال الأنبياء وإنزال الكتب السماوية، وخلقه وتسخيره الوسائل المفيدة للإنسان كالحديد مثلا، حيث يقول تعالى: ( فليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب).

المقصود من (علم الله) هنا هو التحقّق العيني ليتوضّح من هم الأشخاص الذين يقومون بنصرة الله ومبدئه، ويقومون بالقسط؟ ومن هم الأشخاص الذين يتخلّفون عن القيام بهذه المسؤولية العظيمة؟

ومفهوم هذه الآية يشبه ما ورد في قوله تعالى: ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتّى يميّز الخبيث من الطيّب)(3).

وبهذه الصورة نلاحظ أنّ المسألة هنا مسألة إختبار وتمحيص وإستخراج الصفوة التي إستجابت لمسؤوليتها والقيام بواجبها الإلهي، وهذا هو هدف آخر من الأهداف الأساسية في هذا البرنامج.

ومن الطبيعي أنّ المقصود بـ (نصرة الله) أنّها نصرة الدين والمبدأ والحاملين وحي الرسالة، وإقامة الحقّ والقسط .. وإلاّ فإنّ الله ليس بحاجة إلى نصرة أحد، بل الكلّ محتاج إليه، ولتأكيد هذا المعنى تنتهي الآية بقوله تعالى: ( إنّ الله قوي عزيز).

حيث بإمكانه سبحانه أن يغيّر ما يشاء من العالم، بل يقلبه رأساً على عقب

______________________________

1 ـ الكهف، الآية 96.

2 ـ سبأ، الآية 10 ـ 11.

3 ـ آل عمران، الآية 179.

[ 76 ]

بإشارة واحدة، ويهلك أعداءه، وينصر أولياءه .. وبما أنّ الهدف الأساس له سبحانه هو التربية وتكامل البشر، لذا فقد دعاهم عزّوجلّ إلى نصرة مبدأ الحقّ.

* * *

تعقيب

1 ـ الحدود بين القوّة والمنطق

رسمت الآية أعلاه صورة وافية ومفصّلة من وجهة النظر الإسلامية في مجال التربية والتعليم، وتوسعة دائرة العدل وإقامة القسط في المجتمع الإنساني.

ففي البداية أكّدت الآية على ضرورة الإستفادة من الدلائل والبيّنات والكتب السماوية، وضوابط القيم، وبيان الأحكام والقوانين .. وذلك لترسي أساساً لثورة فكرية وثقافية متينة مرتكزة على قاعدة من العقل والمنطق.

إلاّ أنّه في حالة عدم جدوى تلك الوسائل والأساليب، وحين الوصول إلى طريق مغلق في الإستفادة من الاُسلوب المتقدّم بسبب تعنّت الطواغيت، ومواجهة الإستكبار لرسل الحقّ والقسط، والإعراض عن قيم وضوابط وأحكام (الكتاب والميزان) .. فهنا يأتي دور «الحديد»، الذي فيه «بأس شديد» حين يوجّه صفعة قويّة على رؤوس الجبابرة بهذا السلاح كي يستسلموا للقسط والعدل ودعوة الحقّ التي جاء بها الأنبياء (عليهم السلام)، ومن الطبيعي أنّ نصرة المؤمنين أساسيّة في هذا المجال.

وورد حديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الصدد حيث قال: «بعثت بالسيف بين يديّ الساعة، حتّى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي، تحت ظلّ رمحي»(1).

______________________________

1 ـ تفسير المراغي، ج27، ص183.

[ 77 ]

وهذا الحديث إشارة إلى أنّ الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مأمور بحمل السلاح أمام الكفر والإستكبار، ولكن لا بلحاظ أنّ هذا هو الأصل والأساس في المنهج الإسلامي كما جاء ذلك صراحة في الآية الكريمة أعلاه.

ونقرأ في حديث آخر عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: «الخير كلّه في السيف، وتحت السيف، وفي ظلّ السيف»(1).

وجاء عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال في هذا الصدد: «إنّ الله عزّوجلّ فرض الجهاد وعظّمه وجعله نصره وناصره، والله ما صلحت دنيا ولا دين إلاّ به»(2).

ونختم حديثنا بقول آخر لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يقيم الناس إلاّ بالسيف، والسيوف مقاليد الجنّة والنار»(3).

وبناءً على هذا فإنّ القادة الإلهيين يحملون في يد الكتب السماوية وهي مشعل الحقّ، وباليد الاُخرى السيف. يدعون الناس أوّلا بالعقل والمنطق إلى الحقّ والعدل، فإن أعرض الطواغيت عن المنطق، ورفض المستكبرون الإستجابة لنهج الحقّ والعقل عندئذ يأتي دور السيف والقوّة لتحقيق أهدافهم الإلهية.

2 ـ الحديد وإحتياجات الحياة الأساسية

بعض المفسّرين شرح هدف الآية أعلاه بما يلي:

إنّ الحياة الإنسانية بصورة عامّة تتقوّم بأربعة مرتكزات (الزراعة، والحياكة، أي الصناعة،ـ والسكن، والسلطة)، ولهذا السبب فإنّ الحاجات الأساسية للإنسان باعتباره موجوداً إجتماعياً تتركّز بـ (الغذاء والسكن واللباس) والتي لا يستطيع أن يوفّرها لنفسه بصورة فردية، ومسألة تأمينها بشكل عام لابدّ أن تكون بواسطة

______________________________

1 ـ فروع الكافي، ج5، ص8، حديث11، 15.

2 ـ المصدر السابق.

3 ـ فروع الكافي، ج5، ص2، حديث1.

[ 78 ]

المجتمع ولأنّ كلّ مجتمع لا يخلو من تزاحم المصالح، وكذلك العديد من المشاكل والتعقيدات. لهذا، فإنّه بحاجة إلى (سلطة) تجري العدل فيه وترعى الحقوق وتنظّم الحياة ... والملفت هنا أنّ هذه الاُسس الأربعة المتقدّمة الذكر تعتمد جميعها بشكل أساسي على الحديد، وعلينا أن نتصوّر كم ستكون حياة الإنسان صعبة لو لم يكن هذا المعدن (الحديد) في خدمتها.

ولأنّ الحاجة إليه ماسّة ومتزايدة، فإنّ الله سبحانه قد وفّره بحيث سهّل ويسّر عملية الحصول عليه، وبالرغم من عدم إغفال الدور المفيد لكلّ من الفلّزات الاُخرى، إلاّ أنّ الحديد يبقى له دور أساس في حياة الإنسان.

ومن هنا يتوضّح مقصود قول الله عزّوجلّ: ( فيه بأس شديد ومنافع للناس)(1).

* * *

______________________________

1 ـ مقتبس من التّفسير الكبير فخر الرازي، ج29، ص242.

[ 79 ]

الآيتان

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَهِيمَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَـبَ فَمِنْهُم مُّهْتَد وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـسِقُونَ (26) ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى ءَاثَـرِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَءَاتَيْنَـهُ الإنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَـهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَنِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَئَاتَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـسِقُونَ (27)

التّفسير

تعاقب الرسل واحداً بعد الآخر:

للقرآن الكريم منهجه المتميّز، ومن خصوصياته أنّه بعد بيان سلسلة من الاُصول العامّة يشير ويذكّر بمصير الأقوام السابقة، لكي يكون ذلك شاهداً وحجّة.

وهنا أيضاً يتجسّد هذا المنهج: حيث يشير في المقدّمة إلى إرسال الرسل مع

[ 80 ]

البيّنات والكتاب والميزان والدعوة إلى الإيمان بالحقّ، لنيل مرضاته سبحانه والفوز بالسعادة الأبديّة .. ثمّ يتحدّث عن بعض الاُمم السابقة وأنبيائهم ويعكس هذه الاُسس في منهج دعوتهم.

ويبدأ بشيوخ الأنبياء وبداية سلسلة رسل الحقّ، نوح وإبراهيم (عليهما السلام)، حيث يقول سبحانه: ( ولقد أرسلنا نوحاً وإبراهيم وجعلنا في ذرّيتهما النبوّة والكتاب).

وممّا يؤسف له أنّ الكثيرين لم يستفيدوا من هذا الميراث العظيم، والنعم الإلهيّة الفيّاضة، والهبات والألطاف العميمة، حيث يقول عزّوجلّ: ( فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون).

نعم، لقد بدأت النبوّة بنوح (عليه السلام) توأماً مع الشريعة والمبدأ، ومن ثمّ إبراهيم (عليه السلام)من الأنبياء اُولي العزم في إمتداد خطّ الرسالة، وهكذا حلقات متواصلة على مرّ العصور والقرون، فإنّ القادة الإلهيين من ذريّة إبراهيم (عليه السلام) يتصدّون للقيام بمسؤولية الرسالة، إلاّ أنّ المستفيد من هذا النور الإلهي العظيم هم القلّة أيضاً، في حين أنّ الغالبية سلكت طريق الإنحراف.

ثمّ يشير إشارة مختصرة إلى قسم آخر من سلسلة الأنبياء الكرام التي تختتم بعيسى (عليه السلام) آخر رسول قبل نبيّنا محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث يقول سبحانه: ( ثمّ قفّينا على آثارهم برسلنا).

حيث حملوا نور الهداية للناس ليضيئوا لهم الطريق، وتعاقبوا في حملها الواحد بعد الآخر، حتّى وصل الدور إلى السيّد المسيح (عليه السلام): ( وقفّينا بعيسى ابن مريم).

«قفّينا» من (قفا) بمعنى الظهر، ويقال للقافية قافية بسبب أنّ بعضها يتبع بعضاً، وتطلق عادةً على الحروف المتشابهة في آخر كلّ بيت من بيوت الشعر، والمقصود في الجملة من الآية أعلاه أنّ الأنبياء جاءوا بلحن واحد وأهداف منسجمة، الواحد تلو الآخر، وبدأوا وأكملوا التعليمات التي حملوها من الله إلى أقوامهم ..

[ 81 ]

وهذا التعبير جميل جدّاً، وهو إشارة لطيفة إلى مبدأ وحدة الرسالات وتوحيد النبوّة.

ثمّ يشير هنا إلى الكتاب السماوي للسيّد المسيح (عليه السلام) حيث يقول: ( وآتيناه الإنجيل) ويستمرّ متحدّثاً عن خصوصيات أتباعه فيقول سبحانه: ( وجعلنا في قلوب الذين اتّبعوه رأفةً ورحمة).

ويرى بعض المفسّرين أنّ مصطلحي «الرأفة» و «الرحمة» بمعنى واحد، إلاّ أنّ قسماً آخر إعتبرهما مختلفين وقالوا: إنّ «الرأفة» تعني الرغبة في دفع الضرر، و «الرحمة» تعني الرغبة في جلب المنفعة.

ولهذا تذكر الرأفة قبل الرحمة غالباً، لأنّ قصد الإنسان إبتداءً هو دفع الضرر ومن ثمّ يفكّر في جلب المنفعة.

وممّا يدلّل به على هذا الرأي ما استفيد من آية حدّ الزاني والزانية حيث يقول سبحانه: ( ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله)(1).

إنّ موضوع الرأفة والرحمة بالنسبة للأتباع الحقيقيين للسيّد المسيح (عليه السلام) لم يذكر في هذه الآية فقط، بل ورد هذا المعنى أيضاً في قوله تعالى: ( ولتجدنّ أقربهم مودّة للذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهباناً وأنّهم لا يستكبرون)(2)

وبالرغم من أنّ الآية الكريمة أخذت بنظر الإعتبار مسيحيي الحبشة وشخص «النجاشي» بالذات، حيث آوى المسلمين وعاملهم بإحسان ومحبّة خاصّة، إلاّ أنّها بشكل عام تشير إلى الرأفة والرحمة والعواطف الإيجابية للمسيحيين الحقيقيين.

ومن الطبيعي ألاّ يكون المقصود هنا المسيحيين الذين يمارسون أقذر

______________________________

1 ـ النور، الآية 2.

2 ـ المائدة، الآية 82.

[ 82 ]

الأعمال وأكثرها إجراماً وإنحطاطاً بحقّ الشعوب المستضعفة، هؤلاء الذين تلبّسوا بلباس الإنسانية، وهم في الحقيقة ذئاب مفترسة تصبغ حياة المحرومين بلون الدم والظلام .. ثمّ يضيف سبحانه: ( ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلاّ إبتغاء رضوان الله فما رعوها حقّ رعايتها فأتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون)(1).

وممّا تقدّم يتّضح لنا أنّ هؤلاء ليسوا ممّن لم يراعوا مبدأ التوحيد للسيّد المسيح (عليه السلام) فقط، بل دنسوه بأنواع الشرك، ولم يراعوا أيضاً حتّى حقّ الرهبانية التي ابتدعوها باسم الزهد، حيث وضعوا مكائد في طريق خلق الله، وجعلوا من الأديرة والكنائس مراكز لأنواع الفساد، وأوجدوا إنحرافاً خطيراً في رسالة السيّد المسيح (عليه السلام).

ومن مفهوم الآية يتّضح لنا أنّ الرهبانية لم تكن جزءاً من رسالة السيّد المسيح (عليه السلام)، إلاّ أنّ أتباعه هم الذين ابتدعوها من بعده، حيث بدأت بشكل معتدل ثمّ مالت نحو الإنحراف.

وطبقاً لتفسير آخر فإنّ نوعاً من الرهبانية والزهد كان من مبدأ السيّد المسيح(عليه السلام)، إلاّ أنّ أتباعه وأصحابه ابتدعوا نوعاً آخر من الرهبانية لم يقرّرها الله لهم(2).

______________________________

1 ـ حول تركيب ومعنى هذه الآية يوجد إختلاف كثير بين المفسّرين، حيث اعتبرها البعض عطفاً على الرأفة والرحمة، وأخذوا بنظر الإعتبار (حبّ) قبل الرهبانية تقديراً، لأنّ الرهبانية ليست شيئاً يكون في القلب، بل أنّ حبّها والتعلّق بها يكون في القلب، واعتبرها آخرون منصوبة بفعل مضمر حيث إنّ (ابتدعوها) تفسّر ذلك في تقدير: ابتدعوا رهبانية، ابتدعوها.

وبالنسبة لـ (إلاّ ابتغاء رضوان الله) توجد وجهتا نظر: الاُولى: أنّها استثناء منقطع، ومفهومه هو: (ولكنّهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله). والاُخرى: أنّها استثناء متّصل ومفهومها أنّنا قرّرنا ووضعنا نوعاً من الرهبانية عليهم، والهدف من ذلك هو جلب رضى الله تعالى، ولكنّهم حرّفوا الرهبانية إلى نوع آخر كان خلافاً لرضى الله، والظاهر أنّ التّفسير الأوّل في كلا الموردين مناسب أكثر، لذا يرجى الإنتباه هنا.

2 ـ طبقاً للتفسير الأوّل حسب الرأي الذي يقول بأنّه إستثناء منقطع، والتّفسير الثاني يقول بالإستثناء المتّصل.

وهذه النقطة أيضاً جديرة بالملاحظة وهي: إذا كانت الرهبانية عطف على الرأفة والرحمة كما اخترناه في المتن، فإنّ المقصود من جعلها في القلوب هو نفس الميل القلبي لهم إلى هذه المسألة، في حين أنّ المقصود من (ما كتبناها) هو أنّ مسألة الرهبانية لم تكن حكم الله في دين السيّد المسيح، بالرغم من أنّ الله تعالى قد وضع حبّها في قلوبهم، وبناءً على هذا فلا تتنافى مع جملة (ابتدعوها).

[ 83 ]

والتّفسير الأوّل هو الأكثر شهرةً، والمناسب أكثر من بعض الجهات.

وعلى كلّ حال، فالمستفاد من الآية أعلاه إجمالا هو أنّ الرهبانية لم تكن في شريعة السيّد المسيح (عليه السلام)، وأنّ أصحابه ابتدعوها من بعده، وكان ينظر إليها في البداية على أنّها نوع من أنواع الزهد والإبداعات الخيّرة لكثير من السنن الحسنة التي تشيع بين الناس. ولا تتّخذ عنوان التشريع أو الدستور الشرعي، إلاّ أنّ هذه السنّة تعرّضت إلى الإنحراف ـ فيما بعد ـ وتحريف التعاليم الإلهية، بل إقترنت بممارسات قبيحة على مرّ الزمن.

والتعبير القرآني بجملة: ( فما رعوها حقّ رعايتها) دليل على أنّه لو اُعطي حقّها لكانت سنّة حسنة.

وما ورد في الآية التالية التي تتحدّث عن الرهبان والقساوسة يتناول هذا المعنى حيث يقول تعالى: ( لتجدنّ أشدّ الناس عداوةً للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا، ولتجدنّ أقربهم مودّة للذين آمنوا، الذين قالوا إنّا نصارى ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهباناً وأنّهم لا يستكبرون)(1) (يرجى ملاحظة ذلك).

وهكذا يتبيّن أنّ كلمة «الرهبانية» كلّما كانت بمعنى الرأفة والرحمة فإنّها تشكّل دليل إضافياً على صحّة الإدّعاء أعلاه، لأنّها ستكون بمعنى مستوى الرأفة والرحمة التي وضعها الله في قلوبهم بعنوان أنّها صفة حميدة.

ومختصر الكلام هو: إذا وجدت سنّة حسنة بين الناس تكون اُصولها الكليّة وخطوطها العريضة في دائرة المبدأ الحقّ (كالزهد، مثلا، فإنّ ذلك ليس عملا قبيحاً، بل يعتبر مصداقاً من مصاديق الخطّ العام للمبدأ، خاصّة إذا لم تنسب هذه

______________________________

1 ـ المائدة، الآية 82.

[ 84 ]

السنّة إلى المبدأ الإلهي .. ولسوء الحظّ فإنّ جملة من الإفراطات والتفريطات وجدت بين ظهرانينا تحت قناع الدين وتحوّلت إلى سنّة سيّئة.

إنّ مراسم الأعياد والتعازي والوفيّات الخاصّة بعظماء الإسلام وما يتعلّق بإحياء ذكرى الشهداء والأحبّة الراحلين ـ سواء في يوم إستشهادهم، أو اليوم السابع، أو بعد مرور أربعين يوماً من الشهادة أو الوفاة، وكذا ما يتعلّق بذكراهم السنوية ـ هو مصداق للمفاهيم الكليّة في الإسلام حول تعظيم شعائر الله تعالى، وإحياء ذكر قادة الإسلام وعموم شهداء المسلمين، وبغضّ النظر عن الجزئيات والتفاصيل فإنّ هذه المراسم مصداق من الأصل الكلّي فقط، ولا يمكن إعتبارها مبادىء شرعية.

وكلّما أنجزت هذه المراسم بدون تجاوز للحدود الشرعية وعدم تدنيسها بالخرافات والممارسات اللا شرعيّة، فإنّها ـ من المسلّم ـ مصداق لابتغاء رضوان الله، ومصداق سنّة حسنة، وفي غير هذه الصورة فإنّها ستكون بدعة الشؤم والسنّة السيّئة.

«الرهبانية» من مادّة (رهب) مأخوذة من معنى الخوف من الله، ويفهم أنّها كانت في البداية مصداقاً للزهد وعدم الإهتمام بشؤون الدنيا، إلاّ أنّها تعرّضت فيما بعد لإنحرافات واسعة، وإذا ما لاحظنا موقف الإسلام المناهض والمقاوم للرهبانية بشدّة فمن هذا الباب وبهذا اللحاظ. كما سنستعرض ذلك فيما يلي:

* * *

بحوث

1 ـ الإسلام والرهبانية

ذكرنا أنّ الرهبانية أخذت من «الرهبة» التي جاءت بمعنى الخوف من الله، وكما يقول الراغب في المفردات، الخوف الذي يكون ممزوجاً بالزهد

[ 85 ]

والإضطراب والترهّب يعني: (التعبّد والعبادة) .. والرهبانية بمعنى: (شدّة التعبّد).

وإذا فسّرنا الآية أعلاه بأي شكل، فإنّها ترينا أنّها كانت نوعاً من الرهبانية الممدوحة بين المسيحيين، بالرغم من أنّها لم تكن أصلا وإلزاماً فيما جاء به السيّد المسيح من عند الله تعالى، إلاّ أنّ أتباع السيّد المسيح (عليه السلام) أخرجوا (الرهبانية) من حدودها وجرّوها إلى الإنحراف والتحريف، ولهذا فإنّ الإسلام ندّد فيها بشدّة، حتّى أنّ الكثير من المصادر الإسلامية أوردت الحديث المعروف: «لا رهبانية في الإسلام»(1).

ومن جملة الممارسات القبيحة للمسيحيين في مجال الرهبانية تحريم الزواج للنساء والرجال بالنسبة لمن يتفرّغ (للرهبنة) والإنزواء الإجتماعي، وإهمال كافّة المسؤوليات الإنسانية في المجتمع، والركون إلى الصوامع والأديرة البعيدة، والعيش في محيط منزو عن المجتمع .. بالإضافة إلى جملة من المفاسد التي حصلت في الأديرة ومراكز الرهبان، كما سنشير إلى جوانب منها في هذا البحث إن شاء الله.

وبالرغم من أنّ هؤلاء الرجال البعيدين عن الدنيا (الرهبان والراهبات) قد أدّوا خدمات إيجابية كثيرة كتمريض المصابين بأمراض خطرة كالجذام وما شابهه، بالإضافة إلى القيام بالتبليغ والإرشاد بين أقوام بدائية متوحّشة، وقيامهم ببرامج للدراسة والتحقيق .. إلاّ أنّ هذه الاُمور تعتبر قليلة الأهميّة قياساً إلى المفاسد التي إقترنت معها.

وأساساً فإنّ الإنسان مخلوق إجتماعي، وتكامله المادّي والمعنوي مبتن على هذا الأساس، وما جاءت به الأديان السماوية لا ينفي دور الإنسان في المجتمع، بل يحكم قواعده واُسسه بصورة أفضل.

______________________________

1 ـ جاء هذا الحديث في مجمع البحرين في مادّة (رهب) كما ذكر ذلك في النهاية لإبن الأثير.

[ 86 ]

إنّ الله سبحانه أوجد الغريزة الجنسية في الإنسان لحفظ النسل، وكلّ مذهب أو قانون يتعارض مع هذه الغريزة فإنّه باطل.

الزهد الإسلامي الذي يعني البساطة في الحياة والإبتعاد عن الكماليات، وعدم الوقوع في أسر المال والموقع ـ لا يرتبط أصلا بمسألة الرهبانية، لأنّ الرهبانية تعني الإنفصال والغربة عن المجتمع، والزهد يعني التحرّر من الماديّات والترفّع عن المغريات لكي تتمّ المعايشة بصورة إجتماعية أفضل.

ونقرأ في قصّة «عثمان بن مظعون» في موت ولده أنّه لم يعد يخرج للعمل حزناً عليه، وإنشغل في العبادة وترك كلّ عمل سواها وجعل من بيته مسجداً ... فعندما وصل خبره للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، أحضره وقال له: «ياعثمان، إنّ الله تبارك وتعالى لم يكتب علينا الرهبانية، إنّما رهبانية اُمّتي الجهاد في سبيل الله»(1).

وذلك إشارة إلى أنّ الإعراض عن الحياة الماديّة والإنزواء الإجتماعي، وتعطيل الأعمال بصورة سلبية، يجب أن يصبّ في مسير إيجابي، وذلك بالجهاد في سبيل الله. ثمّ أنّ الرّسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) بيّن له بعض فضائل صلاة الجماعة، والتي هي تأكيد على نفي الرهبانية في الشرع الإسلامي.

وفي حديث عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) عندما سأله أخوه علي بن جعفر: الرجل المسلم هل يصلح أن يسيح في الأرض أو يترهّب في بيت لا يخرج منه قال (عليه السلام): «لا».

وتوضيح ذلك: إنّ السياحة التي نهي عنها في هذه الرواية، هي تلك الممارسة التي تكون على مستوى الرهبانية ويمكن أن نطلق عليها (الرهبانية السيّارة) وذلك أنّ بعض الأفراد قبل أن يوفّروا لأنفسهم المستلزمات الأساسية لحياتهم من سكن أو عمل أو مصدر عيش .. فإنّهم يقومون بالسياحة والتجوّل في ربوع الدنيا

______________________________

1 ـ بحار الأنوار، ج70، ص114 باب النهي عن الرهبانية، حديث 1.

[ 87 ]

وبدون تهيئة مستلزمات الطريق من الزاد والمال .. بل يعتمدون على أخذ المساعدات من الناس عند كلّ نقطة يصلون إليها، ظانّين أنّ ذلك نوعاً من الزهد وترك الإنشغال بالدنيا.

إلاّ أنّ الإسلام كما نفى الرهبانية الثابتة، فإنّه قد نفى الرهبانية السيّارة أيضاً إنسجاماً مع التعاليم الإسلامية، فإنّ الزهد والصلاح مهمّ للإنسان المسلم، شريطة أن يكون في قلب المجتمع وليس في الإنزواء والغربة عنه والبعد منه.

2 ـ المصدر التأريخي للرهبانية

لم تكن الرهبانية موجودة بشكلها الحالي في القرون الاُولى للتاريخ المسيحي، وقد ظهرت بعد القرن الميلادي الثالث في حكم الإمبراطور الروماني (ديسيوس) ـ وقتاله الشديد لأتباع السيّد المسيح (عليه السلام)، ونتيجة لما لحق بهم من الأذى من قبل هذا الإمبراطور المتعطّش للدماء، فإنّهم لجأوا إلى الجبال والصحاري(1).

وجاء هذا المعنى بصورة أدقّ في الروايات الإسلامية حيث نقل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال لابن مسعود: «هل تدري من أين أحدثت بنو إسرائيل الرهبانية؟

فقلت: الله ورسوله أعلم.

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى يعملون بمعاصي الله، فغضبت أهل الإيمان فقاتلوهم، فهزم أهل الإيمان ثلاث مرّات، فلم يبق منهم إلاّ القليل، فقالوا: إن ظهرنا لهؤلاء أفنونا ولم يبق للدين أحد يدعو إليه، فتعالوا نتفرّق في الأرض إلى أن يبعث الله النبي الذي وعدنا به عيسى (عليه السلام) (يعنون محمّداً) ـ فتفرّقوا في غيران الجبال وأحدثوا رهبانية، فمنهم من تمسّك بدينه، ومنهم من كفر».

______________________________

1 ـ دائرة المعارف القرن العشرين مادّة (رهب).

[ 88 ]

ثمّ قال: «أتدري ما رهبانية اُمّتي؟»

قلت: الله ورسوله أعلم.

قال: «الهجرة والجهاد والصلاة والصوم والحجّ والعمرة»(1).

والمؤرّخ المسيحي المشهور (ويل دورانت) ينقل في تأريخه المعروف في ج13 بحثاً مفصّلا حول الرهبانية، حيث يعتقد أنّ إرتباط الراهبات (النساء التاركات للدنيا) بالرهبان بدأ منذ القرن العاشر الميلادي(2).

وبدون شكّ فإنّ هذه الظاهرة الإجتماعية ـ كما هو شأن كلّ ظاهرة اُخرى لها أُسساً روحية بالإضافة إلى الاُسس التأريخية، حيث يمكن الإشارة إلى هذه الحقيقة، وهي أنّ مسألة ردّ الفعل الروحي للأشخاص والأقوام تختلف فيما بينها مقابل الإندحارات والمصاعب التي يواجهوها. حيث يميل البعض نتيجة لذلك إلى الإنزواء والإنشغال بالاُمور الشخصية فقط، ويبعدون أنفسهم بصورة كاملة عن المجتمع والنشاطات الإجتماعية، في الوقت الذي يتعلّم آخرون من الإنتكاسات والمصاعب دروس الإستقامة والصلابة والقدرة على تحدّي المشاكل ومقاومتها.

ومن هنا فإنّ القسم الأوّل يلتمس طريق الرهبانية أو أي سلوك مشابه له، بعكس القسم الثاني الذي يصبح أكثر تماساً بالمجتمع وأقوى في مواجهة تحديّاته.

3 ـ المفاسد الأخلاقية والإجتماعية الناشئة من الرهبانية

إنّ الإنحراف عن قوانين الخلقة غالباً ما يكون مصحوباً بإنفعالات سلبية، وبناءً على هذا فلا عجب فيمن يبتعد عن الحياة الإجتماعية التي هي جزء من

______________________________

1 ـ تفسير مجمع البيان، ج9، ص243 بتلخيص قليل، ونقل حديث آخر شبيه بهذا في الدرّ المنثور، ج6، ص177.

2 ـ تاريخ ويل دورانت، ج13، ص443.

[ 89 ]

فطرته أن يصاب بردود فعل شديدة، لذلك فإنّ الرهبانية ـ لأنّ منهجها خلافاً لطبيعة الإنسان وفطرته ـ فإنّها استبطنت مفاسد كثيرة من جملتها:

أوّلا: أنّ الرهبانية تتعارض مع طبيعة الإنسان المدنية وبالتالي فإنّها تؤدّي بالمجتمعات الإنسانية إلى الإنحطاط والتخلّف.

ثانياً: ليست الرهبانية عائقاً عن كمال النفس وتهذيب الروح والأخلاق فقط، بل تجرّ إلى الإنحرافات الأخلاقية والكسل وسوء الظنّ والغرور والعجب والتشاؤم وما إلى ذلك، وعلى فرض أنّ الإنسان إستطاع أن يصل إلى فضيلة أخلاقية في حالة الإنزواء، فإنّها في الواقع لا تعدّ كذلك، إذ أنّ الفضيلة أن يحرّر الإنسان نفسه من التلوث الأخلاقي في قلب المجتمع.

ثالثاً: إنّ ترك الزواج والإعراض عنه، والذي هو من مبادىء الرهبانية، ليس فقط يعوق عن الكمال، بل هو سبب لظهور العقد والأمراض النفسية وما إلى ذلك.

ونقرأ في دائرة المعارف أنّ بعض الرهبان كانوا يعتبرون الإهتمام بجنس المرأة عمل شيطاني، لحدّ أنّهم منعوا وجود اُنثى أي حيوان في الدير خوفاً من الروح الشيطانية لهذه الاُنثى التي قد تدنّس روحانيّتهم وتسبّب لها إنتكاسة.

ومع هذه الحالة فإنّ التأريخ يذكر لنا فضائح عديدة من الأديرة إلى حدّ أن وصفها (ويل دورانت) بأنّها بيوت للفحشاء والدعارة، ومراكز لتجمّع عبّاد البطون وطلاّب الدنيا واللاهين، بحيث أنّ أفضل المشروبات كانت توجد في الأديرة.

وطبقاً لشهادة التأريخ فإنّ السيّد المسيح (عليه السلام) لم يتزوّج أبداً، وهذا لم يكن بسبب موقف له من سنّة الزواج، بل لقصر عمره، وإنشغاله المستمر في مسؤولياته الرسالية التي كانت تستدعي منه السفر والتجوّل والتبليغ في المناطق النائية في العالم، وهي التي لم تسمح له بالزواج.

إنّ البحث حول الرهبانية يستحقّ كتاباً مستقلا، وإذا أردنا أن نستفيض في هذا البحث فإنّنا سنخرج عن بحث التّفسير.

[ 90 ]

وننهي بحثنا هذا بحديث للإمام علي (عليه السلام) تعقيباً على المفهوم الذي طرحته الآية التالية حيث تقول الآية: ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا، الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً)(1)

فقد قال (عليه السلام) في تفسيرها: «هم الرهبان الذين حبسوا أنفسهم في السواري»(2).

4 ـ إنجيل أم أناجيل!

«الإنجيل» في الأصل مصطلح يوناني بمعنى البشارة أو تعليم جديد، وهو اسم الكتاب الذي نزّل على السيّد المسيح (عليه السلام)، وجاء هذا المصطلح إثني عشرة مرّة في القرآن الكريم، وقد استعمل بهذا المعنى.

والجدير بالملاحظة هنا أنّ ما يعرف باسم الإنجيل اليوم كتب كثيرة يعبّر عنها بالأناجيل، والمشهور منها أربعة وهي «لوقا» و «مرقس» و «متّى» و «يوحنّا» ويعتقد المسيحيون أنّ هذه الأناجيل كتبت بواسطة أربعة من أصحاب السيّد المسيح (عليه السلام) أو طلاّبه، وتأريخ تأليفها يرجع إلى ثمان وثلاثين سنة بعد السيّد المسيح (عليه السلام) إلى غاية قرن بعده، وبناءً على هذا فإنّ الكتاب الأصلي للسيّد المسيح ـ الذي هو كتاب سماوي مستقل ـ قد إندثر، وبقي بعضه في ذاكرة طلاّبه الأربعة، حيث مزج مع أفكارهم وحرّرت هذه الأناجيل.

ولدينا بحث مفصّل أكثر في هذا المجال في نهاية الآية (3) من سورة آل عمران.

* * *

______________________________

1 ـ الكهف، الآية 103 ـ 104.

2 ـ كنز العمّال، ج2، والحديث4496.

[ 91 ]

الآيتان

يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَءَامِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (28) لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَب أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْء مِّن فَضْلِ اللهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)

سبب النّزول

نقل كثير من المفسّرين أنّ للآيات أعلاه سبباً للنزول خلاصته ما يلي:

بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جعفراً في سبعين راكباً إلى النجاشي يدعوه، فقدم عليه ودعاه فاستجاب له، وآمن به، فلمّا كان عند إنصرافه، قال ناس ممّن آمن به من أهل مملكته، وهم أربعون رجلا: ائذن لنا فنأتي هذا النبي فنسلم به، فقدموا مع جعفر، فلمّا رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة، استأذنوا وقالوا: يانبي الله إنّ لنا أموالا ونحن نرى ما بالمسلمين من الخصاصة، فإن أذنت لنا إنصرفنا، فجئنا بأموالنا فواسينا المسلمين بها، فأذن لهم فانصرفوا، فأتوا بأموالهم فواسوا بها

[ 92 ]

المسلمين، فأنزل الله تعالى فيهم: ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به مؤمنون)إلى قوله تعالى: ( .. وممّا رزقناهم ينفقون)(1)

فكانت النفقة التي واسوا بها المسلمين.

فلمّا سمع أهل الكتاب ممّن يؤمن به قوله: ( اُولئك يؤتون أجرهم مرّتين بما صبروا) فخروا على المسلمين فقالوا: يامعشر المسلمين: أمّا من آمن بكتابكم وكتابنا فله أجر كاُجوركم فما فضلكم علينا، فنزلت: ( ياأيّها الذين آمنوا اتّقوا الله وآمنوا برسوله) الآية، فجعل لهم أجرين وزادهم النور والمغفرة(2).

التّفسير

الذين لهم سهمان من الرحمة الإلهية:

بما أنّ الحديث في الآيات السابقة كان عن أهل الكتاب والمسيحيين، فإنّ الآيات مورد البحث مكمّلة لما جاء في الآيات السابقة; يقول سبحانه: ( ياأيّها الذين آمنوا اتّقوا الله وآمنوا برسوله).

وللمفسّرين رأيان حول طبيعة المخاطب في هذه الآية:

الأوّل: إنّ المخاطب هم المؤمنون، حيث يبيّن لهم سبحانه أنّ الإيمان الظاهري غير كاف للفرد، ولابدّ أن يكون الإيمان عميقاً توأماً مع التقوى والعمل، كي ينالوا الأجر العظيم والذي ستتعرّض له الآية الكريمة.

الثاني: إنّ المخاطب هنا هم مؤمنو أهل الكتاب، ويعني: يامن آمنتم بالأنبياء والكتب السابقة آمنوا برسول الإسلام، ولتكن تقوى الله نصب أعينكم كي يشملكم سبحانه بأنواع أجره وجزائه.

______________________________

1 ـ القصص، الآية 52 ـ 54.

2 ـ مجمع البيان، ج9، ص244، ونقل نفس المعنى في تفسير أبو الفتوح الرازي وروح المعاني مع بعض الإختلاف في نهاية الآيات مورد البحث.

[ 93 ]

والذي يؤيّد الرأي الثاني هو ذكر (الأجر المضاعف) والذي ورد في نهاية الآية والمقصود به جزاء الإيمان بالأنبياء السابقين، وجزاء الإيمان برسول الإسلام.

إلاّ أنّ هذا التّفسير إضافة إلى أنّه لا يتناسب مع الآية اللاحقة ـ كما سنوضّح ـ فإنّه كذلك لا ينسجم مع سبب نزول الآية وطبيعة الإطلاق الذي ورد فيها بقوله: ( ياأيّها الذين آمنوا).

وبناءً على هذا فلابدّ من تبنّي الرأي القائل بأنّ المقصود بالمخاطب هم جميع المؤمنين الذين قبلوا ـ بالظاهر ـ دعوة الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ولكنّهم لم يؤمنوا بها الإيمان الراسخ الذي يضيء أعماق النفوس ويتجسّد في أعمالهم وممارساتهم.

وتكملة للآية الكريمة يشير القرآن الكريم إلى ثلاث نعم عظيمة تحصل في ظلّ الإيمان العميق والتقوى حيث يقول تعالى: ( يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم).

«كفل» على وزن (طفل) بمعنى الحصّة التي توفّر للإنسان حاجته، ويقال للضامن «كفيل» أيضاً بهذا اللحاظ، حيث يكفل الطرف المقابل ويضمنه بنفسه(1).

والمقصود من هاتين الحصّتين أو النصيبين هو ما جاء في قوله تعالى: ( ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة).

واحتمل أيضاً أنّ هذين النصيبين يمكن أن يكون أحدهما الإيمان برسول الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) والآخر الإيمان بالأنبياء السابقين، لأنّ كلّ مسلم ملزم بموجب

______________________________

1 ـ يعتقد البعض أنّ هذا المصطلح مأخوذ من (كفل) على وزن «عسل» والمقصود به هو ما يضعونه على كفل ـ القسم الأخير من الظهر ـ الحيوانات كي لا يسقط الراكب، ولذلك فإنّه يقال لكلّ شيء يسبّب الحفظ (كفل)، ومن هنا أطلق على الضامن اسم «الكفيل» بسبب هذا المعنى. (أبو الفتوح الرازي نهاية الآية مورد البحث).

ويستفاد من الراغب أنّ لهذا المصطلح معنيين: الأوّل هو المعنى أعلاه، والمعنى الثاني يطلق على الشيء الرديء الذي لا قيمة له، والتشبيه بكفل الحيوانات يكون بلحاظ أنّ كلّ شخص يركب على كفلها فاحتمال سقوطه وارد (يرجى ملاحظة ذلك).

[ 94 ]

إعتقاده أن يؤمن بكلّ الأنبياء السابقين والكتب السماوية ويحترمها.

وذكر البعض أنّ المقصود هو الأجر المستمر والمتعاقب والمضاعف.

إلاّ أنّ الجمع بين جميع هذه المعاني ممكن أيضاً.

وحول القسم الثاني من الجزاء والأجر يقول تعالى: ( ويجعل لكم نوراً تمشون به) قال بعض المفسّرين: إنّ المقصود بذلك هو نور الإيمان الذي يسبق المؤمنين في سيرهم يوم القيامة، ويبدّد ظلمات الحشر، حيث يتقدّمون إلى الجنّة والسعادة الأبديّة. كما جاء في الآية الكريمة: ( يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم)(1).

في الوقت الذي إعتبرها البعض الآخر إشارة إلى نور القرآن الذي يشعّ على المؤمنين في الدنيا، كما جاء في قوله تعالى: ( قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين)(2).

إلاّ أنّ للآية مفهوماً مطلقاً واسعاً حسب الظاهر ولا يختص بالدنيا فقط ولا بالآخرة فحسب، وبتعبير آخر فإنّ الإيمان والتقوى هي التي تسبّب زوال الحجب عن قلوب المؤمنين، حيث يتبيّن لهم وجه الحقيقة واضحاً وبدون حجاب، وفي ظلّ الإيمان والتقوى هذين سيكون للإنسان وعي وبصيرة حرّم غير المؤمنين منها.

جاء في روايات أهل البيت (عليهم السلام) أنّ المقصود بالنور في الآية أعلاه هو: «إمام تأتمون به»، وهو في الحقيقة بيان واحد من المصاديق الواضحة(3).

وأخيراً فإنّ ثالث جزاء للمؤمنين المتّقين هو (غفران الذنوب) لأنّ بدونه لا يكون للإنسان هناء بأي نعمة من الله عليه، حيث يجب أن يكون في البداية في

______________________________

1 ـ الحديد، الآية 12.

2 ـ المائدة، الآية 15.

3 ـ نقلت هذه الروايات في تفسير نور الثقلين، ج5، ص252، 253.

[ 95 ]

مأمن من العذاب الإلهي ثمّ ينتقل إلى المسير في طريق النور والتقوى لينال الرحمة الإلهية المضاعفة.

وفي الآية اللاحقة ـ والتي هي آخر آيات هذه السورة ـ بيان ودليل لما جاء في الآية الآنفة الذكر حيث يقول تعالى: ( لئلاّ يعلم أهل الكتاب ألاّ يقدرون على شيء من فضل الله، وأنّ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم)(1).

إنّه جواب لهؤلاء الكتابيّين الذين زعم قسم منهم: أنّ لهم أجراً واحداً كبقيّة المسلمين حينما رفضوا الإيمان بالرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمّا الذين آمنوا بالرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم)منهم فلهم أجران: أجر الإيمان بالرسل السابقين، وأجر الإيمان بمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث يجيبهم القرآن ويردّ عليهم بأنّ المقصود بالآية هم المسلمون.

فهؤلاء هم الذين لهم أجران، لأنّهم آمنوا جميعاً برسول الله بالإضافة إلى إيمانهم بكلّ الأنبياء السابقين، أمّا أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا برسول الله فليس لهم أي نصيب أو سهم من الأجر، ذلك ليعلموا أنّ الرحمة الإلهية ليست في إختيارهم حتّى يهبوا ما يشاؤون منها وفق مشتهياتهم، ويمنعوها عن الآخرين.

وهذه الآية تتضمّن كذلك جواباً لما ورد من ادّعاءات واهية من بعض اليهود والنصارى الذين اعتبروا الجنّة والرحمة الإلهية منحصرة بهم، ظانّين أنّ غيرهم

______________________________

1 ـ في (لا) في (لئلاّ) يعلم أهل الكتاب زائدة أو أصلية، يوجد نقاش بين المفسّرين حول هذه المسألة، حيث اعتبر الكثيرون أنّ (لا) زائدة وتفيد التأكيد (كما ذكرنا أعلاه) وبناءً على أنّ (لا) أصلية، فقد وردت معاني مختلفة للآية من جملتها أنّ المقصود سيكون كالتالي وهو: أن يعلم أهل الكتاب بأنّه إذا قبلوا الإيمان والإسلام فإنّهم يستطيعون أن يهيّؤوا الفضل الإلهي لهم. وبتعبير آخر فإنّ نفي النفي هنا بمعنى (الإثبات) أو يكون المقصود كالتالي: نحن الذين أعطينا كلّ هذه الهبات للمسلمين حتّى لا يتصوّروا أهل الكتاب أن لا نصيب للمسلمين في الفضل الإلهي.

إلاّ أنّه بملاحظة نهاية الآية التي تقول: (وإنّ الفضل بيد الله) وكذلك بملاحظة سبب نزولها الذي مرّ بنا سابقاً فإنّ كون (لا) زائدة هو الأنسب ظاهراً، بل وحسب إعتقاد البعض أنّه في الكثير من الموارد التي تشتمل الجملة على نفي، فإنّ: (لا) تكون زائدة كما في قوله تعالى: (ما منعك ألاّ تسجد إذ أمرتك) الأعراف / 12. وفي قوله تعالى أيضاً: (وما يشعركم أنّها إذا جاءت لا يؤمنون) الأنعام، الآية 109 (يرجى ملاحظة ذلك).

[ 96 ]

محروم منها، حيث يقول سبحانه: ( وقالوا لن يدخل الجنّة إلاّ من كان هوداً أو نصارى تلك أمانيّهم، قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)(1)

* * *

[ 97 ]

 

بحث

التقوى والوعي:

لقد بيّن القرآن الكريم آثاراً كثيرة للتقوى، ومن جملتها إزالة الحجب عن فكر الإنسان وقلبه.

وقد أشار القرآن الكريم إلى إرتباط «الإيمان والتقوى» مع «البصيرة» منها قوله تعالى: ( ياأيّها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً)(2)

ومنها قوله تعالى: ( واتّقوا الله ويعلّمكم الله)(3)

وجاء هذا المعنى صراحةً في الآيات مورد البحث حيث قال تعالى: ( إن تؤمنوا وتتقوا سيجعل الله لكم نوراً) على ضوئه تستطيعون السير.

والعلاقة بين هاتين الآيتين ـ بالإضافة إلى الجوانب المعنوية التي بقيت مجهولة لنا ـ قابلة للإدراك العقلي أيضاً، لأنّ أكبر حاجز عن المعرفة وأهمّ مانع لها هو الحجاب الذي يغطّي قلب الإنسان، والذي هو هوى النفس والنزعات الذاتية والأماني الفارغة، والآمال البعيدة، والوقوع في أسر المادّة ومغريات الدنيا، حيث لا تسمح للإنسان أن يرى الحقائق بصورتها الطبيعية، وبالتالي فإنّ الحكم على الأشياء يكون بعيداً في منطق العقل والصواب.

إلاّ أنّ إستقرار الإيمان والتقوى في القلوب يبدّد هذه الحجب ويزيل عتمتها

______________________________

1 ـ البقرة، الآية 111.

2 ـ الأنفال، الآية 29.

3 ـ البقرة، الآية 282.

[ 98 ]

وظلامها عن صفحة القلب، ويجعل الروح الإنسانية تفيض بشمس الحقيقة وتتعرّف على الحقائق بصورتها الناصعة وتشعر باللذّة والنشوة من هذا الإدراك الصحيح والعميق للأشياء، وتتفتّح أمامه السبل السليمة للأهداف المقدّسة التي يسعى نحوها ويتقدّم باتّجاهها.

نعم إنّ التقوى هي التي تعطي للإنسان الوعي والوضوح، كما أنّ الوعي يعطي للإنسان التقوى، أي أنّ لكلّ من التقوى والوعي تأثير متبادل بعضهما على البعض الآخر.

ونقرأ هنا في حديث معروف يقول: «لولا أنّ الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماوات».

ولإدراك هذا الحديث نصغي لما قاله الإمام علي (عليه السلام): «لا دين مع هوى، لا عقل مع هوى، من اتّبع هواه أعماه وأصمّه، وأذلّه وأضلّه»(1).

ربّاه، احفظنا من هوى النفس وتفضّل علينا بالتقوى والبصيرة.

إلهنا، كلّ الفضل والرحمة بيدك، فلا تحرمنا من فضلك العظيم.

ربّنا، وفّقنا لإقامة الحقّ والعدل والقسط وحراسة حدود الكتاب والميزان والوقوف بوجه الظالمين.

آمين ربّ العالمين

نهاية سورة الحديد

* * *

 

______________________________

1 ـ كان لنا بحث مفصّل في هذا المجال في نهاية الآية (29) من سورة الأنفال.

 



 
 

  أقسام المكتبة :
  • القرآن الكريم
  • كتب في تفسير القرآن
  • أبحاث حول القرآن
  • كتب تعليمية ومناهج
  • علوم القرآن
  • النغم والصوت
  • الوقف والإبتداء
  • الرسم القرآني
  • مناهج وإصدارات دار السيدة رقية (ع)
  البحث في :


  

  

  

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net