00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة الانشقاق من أول السورة ـ آخر السورة من ( 49 ـ 72 )  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل (الجزء العشرون)   ||   تأليف : سماحة آية الله العظمى الشيخ مكارم الشيرازي

[49]

سُورَة الإِنْشِقَاقِ

مَكيَّة

وَعَدَدُ آيَآتِهَا خَمسٌ وَعشرُونَ آية

[51]

«سورة الإِنشقاق»

محتوى السّورة

لا تخرج السّورة عن الإطار العام لسور الجزء الأخير من القرآن الكريم، فتبدأ بوصف علامات أشراط القيامة وما سيحدث من أحداث مروعة في نهاية العالم وبداية يوم القيامة، ثمّ تتحدث ثانياً عن القيامة والحساب وما ستؤول إليه عاقبة كلّ من الصالحين والمجرمين، ثمّ تعطف السّورة في المرحلة الثّالثة لتوضيح ماهية الأعمال والعقائد التي تجر الإنسان إلى سخط اللّه وخلوده بالعذاب مهاناً، وفي الرّابعة تنتقل السّورة لعرض مراحل سير الإنسان في حياتيه (الدنيا والأخرة)، وفي آخر مطاف السّورة يدور الحديث خامساً عن جزاء الأعمال الحسنة والسيئة

فضيلة السّورة:

روي عن النّبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، أنّه قال: «من قرأ سورة «انشقت» أعاذه اللّه أن يؤتيه كتابه وراء ظهره».(1)

وعن الإمام الصادق(عليه السلام)، أنّه قال: «مَن قرأ هاتين السّورتين وجعلهما نصب عينه في صلاة الفريضة والنافلة لم يحجبه اللّه من حاجة، ولم يحجزه من اللّه حاجز، ولم يزل ينظر إليه حتى يفرغ من حساب النّاس».(2)

* * *

_______________________________________

1 ـ مجمع البيان، ج10، ص458.

2 ـ نور الثقلين، ج5، ص536.

[52]

الآيات

إذَا السَّمَآءُ انشَقَّتْ(1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ(2) وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ(3) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ(4) وَأَذِنَت لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ(5) يَـأَيُّهَا الإِنسَـنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحَاً فَمُلَـقِيهِ(6) فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـبَهُ بِيَمِينِهِ(7) فَسَوفَ يُحَاسَبُ حِسَابَاً يَسِيراً(8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسرُورَاً(9)

التّفسير

نحو الكمال المطلق:

تبدأ السّورة في ذكرها لأحداث نهاية العالم المهولة بالإشارة إلى السماء فتقول: (إذا السماء انشقت)(1) (فتلاشت نجومها وأجرامها واختل نظام الكواكب فيها)، كإشارة الآيتين (1 و2) من سورة الإنفطار التي أعلنت عن نهاية العالم بخرابه وفنائه: (إذا السماء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت).

وتحكي الآية التالية حال السماء: (وأذنت لربّها وحقّت).

فلا يتوهم أن السماء بتلك العظمة بامكانها اظهار أدنى مقاومة لأمر اللّه..بل ستستجيب لأمر اللّه خاضعة طائعة، لأنّ إرادته سبحانه في خلقه هي الحاكمة، ولا

_______________________________________

1 ـ «إذا»، أداة شرط، حُذف جزاؤها، والتقدير: (إذا السماء انشقت... لاقى الإنسان ربّه فحاسبه وجازاه).

[53]

يحق لأي مخلوق أن يعصي أمره جلّ وعلا.

«أذِنَتْ»: من (الاذن) على وزن (اُفق)، وهي آلة السمع وتستعار لمن كثر استماعه، وفي الآية: كناية عن طاعة أمر الآمر والتسليم له.

«حُقّت»: من (الحق)، أي: وحق لها أن تنقاد لأمر ربّها.

وكيف لها لا تسلّم لأمره عزّوجلّ، وكلّ وجودها وفي كلّ لحظة من فيض لطفه، ولو انقطع عنها بأقل من رمشة عين لتلاشت.

نعم، فالسماء والأرض مطيعتان لأمر ربّهما منذ أوّل خلقهما حتى نهاية أجلهما، كما تشير الآية (11) من سورة فصّلت عن قولهما في ذلك: (قالتا أتينا طائعين).

وقيل: يراد بـ «حقّت»: إنّ الخوف من القيامة سيجعل السماء تنشق.. ولكنّ التّفسير الأول أنسب.

وفي المرحلة التالية تمتد الكارثة لتشمل الأرض أيضاً: (وإذا الأرض مدَّت).

فالجيال ـ كما تقول آيات قرآنية اُخرى ـ ستندك وتتلاشى، وستستوي الأرض في كافة بقاعها، لتلمّ جميع العباد في عرصتها، كما أشارت الآيات (105 ـ 107) من سورة طه إلى ذلك: (ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربّي نسفاً فيذرها قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً)!

فمحكمة ذلك اليوم من العظمة بحيث تجمع في عرصتها جميع الخلق من الأولين والآخرين، ولابدّ للأرض من هذا الانبساط الواسع.

وقيل في معنى الآية: إنّ اللّه عزّوجلّ سيمدّ الأرض يوم القيامة أكثر ممّا هي عليه الآن لتسع حشر الخلائق جميعاً(1).

_______________________________________

1 ـ الفخر الرازي، في تفسيره للآية المذكورة.

[54]

وفي ثالث مرحلة تقول الآية التالية: (وألقت ما فيها وتخلّت).

والمعروف بين المفسّرين أنّ الآية تشير إلى إلقاء الأرض بما فيها من موتى فيخرجون من باطن القبور إلى ظاهر الأرض، مرتدين لباس الحياة من جديد.

وقد تناولت آيات اُخرى هذا الموضوع، كالآية (2) من سورة الزلزال: (وأخرجت الأرض أثقالها)، والآيتين (13 و14) من سورة النازعات: (فإنّما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة).

وقال بعض المفسّرين: إنّ المعادن والكنوز المودعة في الأرض ستخرج مع الأموات أيضاً.

وثمّة احتمال آخر في تفسير الآية، يقول: إنّ المواد المذابة التي في باطن الأرض ستخرج نتيجة الزلازل الرهيبة التي تقذفها إلى الخارج، فتملأ الحفر والمنخفضات الموجودة على سطح الأرض، وستهدأ الأرض بعد أن يخلو باطنها من هذه المواد.

والجمع بين المعاني التي وردت في تفسير الآية، ممكن.

و...: (وأذنت لربّها وحقّت).

فتسليم الموجودات لما سيحدث من كوارث كونية مدمرة ينم عن جملة اُمور، فمن جهة: إنّ الفناء سيعم الدنيا بكاملها بأرضها وسمائها وإنسانها وكلّ شيء آخر، ومن جهة اُخرى: فالفناء المذكور يمثل انعطافة حادّة في مسير عالم الخليقة، ومقدّمة للدخول في مرحلة وجود جديدة، ومن جهة ثالثة، فكلّ ما سيجري سينبأ بعظمة قدرة الخالق المطلقة، وخصوصاً في مسألة المعاد.

نعم، فسيرضخ الإنسان، بعد أن يرى باُمّ عينيه وقوع تلك الحوادث العظام، وسيرى حصيلة أعماله الحسنة والسيئة.

وتبيّن الآية التالية معالم طريق الحياة للإنسان مخاطبة له: (ياأيّها الإنسان إنّك كادح إلى ربّك كدحاً فملاقيه).

[55]

«الكدح»: ـ على وزن مدح ـ السعي والعناء الذي يخلق أثراً على الجسم والروح، ويقال: ثور فيه كدوح، أي آثار من شدّة السعي.

وجاء في (تفسير الكشّاف) و(روح المعاني) و(تفسير الفخر الرازي): الكدح: جهد النفس في العمل والكد فيه حتى يؤثر فيها، من كدح جلده: إذا خدشه.

والآية تشير إلى أصل أساسي في الحياة البشرية، فالحياة دوماً ممزوجة بالتعب والعناء، وإن كان الهدف منها الوصول إلى متاع الدنيا، فكيف والحال إذا كان الهدف منها هو الوصول إلى رضوان اللّه ونيل حسن مآب الآخرة؟!

فالحياة الدنيا قد جبلت على المشقة والتعب والألم، حتى لمن يرفل بأعلى درجات الرفاه المادي.

وما ذكر «لقاء اللّه» في الآية إلاّ لتبيان أنّ حالة التعب والعناء والكدح حالة مستمرة إلى اليوم الموعود، ولا يتوقف إلاّ بانتهاء عجلة حياة الدنيا، ولا فرق في توجيه معنى «اللقاء» سواء كان لقاء يوم القيامة والوصول إلى عرصة حاكمية اللّة المطلقة، أو بمعنى لقاء جزاء اللّه من عقاب أو ثواب، أو بمعنى لقاء ذاته المقدسة عن طريق الشهود الباطني.

نعم، فراحة الدنيا لا تخلو من تعب، والراحة الحقة.. هناك، حيث ينعم الإنسان بين فيافي جنان الخلد.

وكان نداء الآية مخاطباً عموم «الإنسان»، ليشير إلينا بأن اللّه عزّوجلّ قد وضع القدرة والقوّة اللازمة لهذه الحركة الإلهية المستمرة في وجود وتكوين هذا المخلوق، والذي جعل من أشرف المخلوقات قاطبة.

واستعمال كلمة «ربّ» فيه إشارة إلى ثمّة ارتباط ما بين سعي وكدح الإنسان من جهة وذلك البرنامج التربوي الذي أعدّه الخالق لمخلوقه في عملية توجيه الإنسان نحو الكمال المطلق من جهة اُخرى.

[56]

نعم، فمشوار حركة الوجود قد بدأ من العدم، والأقدام سائرة في خطوها صوب لقاء اللّه، شاء ذلك الموجود أمّ أبى.

وقد تحدثت لنا آيات قرآنية اُخرى عن السير التكاملي المستمر للمخلوقات نحو خالقها سبحانه وتعالى، ومنها.

الآية (42) من سورة النجم: (وأنّ إلى ربّك المنتهى).

والآية (18) من سورة فاطر: (وإلى اللّه المصير).. بالإضافة إلى آيات مباركات اُخر.

وإلى ذلك المطاف، ستنفصل البشرية إلى فريقين: (فأمّا مَن اُوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً، وينقلب إلى أهله مسروراً).

فالذين ساروا على هدي المخطط الربّاني لحركة الإنسان على الأرض، وكان كلّ عملهم وسعيهم للّه دائماً، وكدحوا في السير للوصول إلى رضوانه سبحانه، فسيعطون صحيفة أعمالهم بيمينهم، للدلالة على صحة إيمانهم وقبول أعمالهم والنجاة من وحشة ذلك اليوم الرهيب، وهو مدعاة للتفاخر والإعتزاز أمام أهل المحشر.

وحينما توضع أعمال هؤلاء في الميزان الإلهي الذي لا يفوته شيء مهما قلّ وصغر، فإنّه سبحانه وتعالى: سييّسر حسابهم، ويعفو عن سيئاتهم، بل ويبدل لهم سيئاتهم حسنات.

أمّا ما المراد من «الحساب اليسير»؟ فذهب بعض إلى أنّه العفو عن السيئات والثواب على الحسنات وعدم المدافة في كتاب الأعمال.

وحتى جاء في الحديث الشريف: «ثلاث مَن كنّ فيه حاسبه اللّه حساباً يسيراً، وأدخله الجنّة برحمته.

قالوا: وما هي يا رسول اللّه؟!

[57]

قال: تعطي من حرمك، وتصل مَن قطعك، وتعفو عَمَّن ظلمك»(1).

وجاء في بعض الرّوايات، أنّ الدقّة والتشديد في الحساب يوم القيامة تتناسب ودرجة عقل وإدراك الإنسان.

فعن الإمام الباقر(عليه السلام)، أنّه قال: «إنّما يداق اللّه العباد في الحساب يوم القيامة على ما آتاهم من العقول في الدنيا»(2).

ووردت أقوال متفاوتة في تفسير كلمة «الأهل» الواردة في الآية (إلى أهله).

فمنهم مَن قال: هم الزوجة والأولاد المؤمنين، لأنّه سيلتحق بهم في الجنّة، وهي بحدّ ذاتها نعمة كبيرة، لأنّ الإنسان يأنس بلقاء مَن يحب، فكيف وسيكون معهم أبداً في الجنّة!

ومنهم مَن قال: الأهل: الحور العين اللاتي ينتظرنّهم في الجنّة.

وآخرين قالوا: هم الاُخوة المؤمنين الذين كانوا معه في الدنيا.

ولا مانع من قبول كلّ هذه الأقوال في معنى الآية وما رمزت له.

* * *

بحثان

1 ـ خذ العلم من عليّ (عليه السلام)

في تفسير الآية المباركة: (إذا السماء انشقت)، روي عن أميرالمؤمنين(عليه السلام) أنّه قال: «إنّها تنشق من المجرّة».(3)

والحديث يعتبر من الإعجاز العلمي لأمير المؤمنين(عليه السلام)، حيث أنّه قد كشف

_______________________________________

1 ـ مجمع البيان، في تفسير الآية.

2 ـ تفسير نور الثقلين، ج5، ص537.

3 ـ روح المعاني، ج30، ص87; وفي الدر المنثور، ج6، 329.

[58]

الستار عن حقيقة علمية قائمة لم يكن قد سبقها من علماء تلك الأزمان أحد قبله(عليه السلام)، وبقيت هذه الحقيقة خافية عن أنظار النّاس (سوى الراسخين في العلم)، إلى أن تمّ صنع التلسكوبات الكبيرة، فتوصل علماء الفلك المعاصرين إليها.

فعالم الوجود، يتكون من مجموعة مجرات، والمجرة عبارة عن مجموعة عظيمة من النجوم والمنظومات الشمسية، ولذا فقد اُطلق على المجرات اسم (مدن النجوم).

ومن هذه المجرات، مجرة (درب التبانة) المعروفة والتي يمكن مشاهدتها بالعين المجردة، والمتكونة من مجموعة من النجوم والشموس على شكل دائرة، ويبدو لنا طرفها البعيد عنّا بصورة سحاب أبيض، وما هو في حقيقته إلاّ مجموعة من النجوم، تبدو لنا بهذه الصورة نتيجة لبعدها وعجز عيوننا عن تشخيصها.

وما نراه ليلاً على سطح السماء هو طرفها القريب.

ومنظومتنا الشمسية جزء من هذه المجرة العظيمة.

وكما يقول حديث أمير المؤمنين(عليه السلام)، فإنّ النجوم التي نراها في السماء اليوم، ستنفصل عن المجرة، وبها تنشق السماء.

فمن كان يعلم في زمانه(عليه السلام) إنّ النجوم المتناثرة على القبة السماوية هي جزء من مجرّة عظيمة؟!

نعم، لا يعلم بذلك، إلاّ مَن كان قلبه متصلاً بعالم الغيب، ومَن يستقي من علم اللّه تعالى استقاءً.

2 ـ الدنيا دار بلاء

التعبير بـ «كادح» للإشارة إلى أن طريق الحياة شاق وصعب، وخوضه يستلزم العناء والألم والمشاكل، في كافة خطوات المسير ولا يستثنى من ذلك الروح أو البدن، بل كليهما وبكلّ ما يحملان من جوارح وجوانح لا يخلوان من التأثر بهذه

[59]

الطبيعة الحاكمة على الحياة الدنيا.

ويحدثنا الإمام علي بن الحسين زين العابدين(عليه السلام)، فيما روي عنه أنّه قال: «الراحة لم تخلق في الدنيا ولا لأهل الدنيا، إنّما خلقت الراحة في الجنّة ولأهل الجنّة، والتعب والنصب خلقا في الدنيا، ولأهل الدنيا، وما اُعطي أحد منها جفنة إلاّ أعطى من الحرص مثليها، ومَن أصاب من الدنيا أكثر، كان فيها أشد فقراً لأنّه يفتقر إلى النّاس في حفظ أمواله، ويفتقر إلى كلّ آلة من آلات الدنيا، فليس في غنى الدنيا راحة...».

وجاء في آخر حديثه(عليه السلام): «كلاّ ما تعب أولياء اللّه في الدنيا للدنيا، بل تعبوا في الدنيا للآخرة».(1)

* * *

_______________________________________

1 ـ الخصال، للشيخ الصدوق(رحمه الله): الجزء الأول، باب: الدنيا والآخرة ككفتي الميزان، الحديث 95.

[60]

الآيات

وَأَمَّا مَن أُوتِىَ كِتَـبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ(10) فَسَوفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً(11) وَيَصْلَى سَعِيراً(12) إِنَّهُ كَانَ فِى أَهْلِهِ مَسْرُوراً(13) إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ(14) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً(15)

التّفسير

الذين يستلمون كتابهم من وراء ظهرهم:

بعد أن عرضت الآيات السابقة أحوال فريق أصحاب اليمين، تأتي الآيات أعلاه لتعرض لنا أحوال الفريق الآخر، وتوصف لنا كيفية إعطاء كتاب كلّ منهم مشرعة لتقديم المشاهد الاُخرى: (وأمّا مَن اُوتي كتابه وراء ظهره)..فيصرخ وينادي الويل لي لقد هلكت (فسوف يدعو ثبوراً).

(ويصلى سعيراً)

ذكرت الآية بأن المجرمين سيؤتون كتبهم من وراء ظهورهم، في حين أنّ آيات اُخرى تقول بأنّ المذنبين سيعطى كتاب كلّ منهم بيده الشمال.

فهل من تأليف فيما بين العرضين؟

للمفسّرين جملة آراء في ذلك، منها:

[61]

قيل: إنّ يدهم اليمنى تُغلّ إلى أعناقهم، ويعطون الكتاب باليد اليسرى من وراء ظهورهم إيغالاً في إذلالهم وإخجالهم.

وقيل: إنّ كلتي يديهم تربط من خلفهم ـ كما يفعل بالأسير ـ ويعطون الكتاب باليد اليسرى من وراء الظهر.

وقيل أيضاً: ستكون وجوه المجرمين من الخلف، بدلالة الآية (47) من سورة النساء: (من قبل أن نطمس وجوهاً فنردها على أدبارها)، فيعطون كتبهم من وراء ظهورهم وبيدهم اليسرى، كي يقرؤوها بأنفسهم.

والأنسب أن نقول: سيأخذ أصحاب اليمين كتبهم بافتخار ومباهاة في يدهم اليمنى، وكلّ منهم يقول: (هاؤم اقرأوا كتابيه)(1)، ولكن المجرمين سيأخذون كتبهم بأيديهم اليسرى وبسرعة ويضعونها وراء ظهورهم خجلاً وذلاً، ولكي لا يطّلع على ما فيها أحد، ولكن، هيهات.. فكلّ شيء جينئذ بارز، كيف لا وهو «يوم البروز»!...

(يدعو ثبوراً): يصرخ بالويل والثبور، كما هو متعارف عليه عند نزول بلاء، أو وقوع حادث شديد الخطورة.

و«الثبور»: الهلاك.

ولكنّ صراخه سوف لا يدر عليه نفعاً أبداً أبداً، ولابدّ من نيله جزاء ما اقترف: (ويصلى سعيراً) أي يدخل نار جهنم.

وتبيّن الآية التالية علّة تلك العاقبة المخزية: (إنّة كان في أهله مسروراً).

سروراً ممتزجاً بالغرور، وغروراً احتوشته الغفلة والجهل بربّ الأرباب سبحانه وتعالى، فالسرور المقصود في الآية، هو ذلك السرور المرتبط بشدّة بالدنيا والمنسي لذكر الآخرة.

_______________________________________

1 ـ سورة الحاقة، الآية 19.

[62]

وبديهي فالسرور والإرتياح ليس مذموم بذاته، ولكنّ السرور المذموم هو الذي يغفل فيه الإنسان عن ذكر مولاه عزّوجلّ، ويغرق به في بحر شهواته الموصل إلى التيه والضلالة والجهل. أمّا سرور المؤمن بلطف اللّه ونعمائه، وبشاشته عند مصاحبة إخوانه، فما احلاها وأزكاها.

ويتقرب لنا المعنى من خلال الآية التالية: (إنّه ظنّ أن لن يحور).

فاعتقاده الفاسد وظنّه الباطل الدائر على نفي المعاد، مصدر سروره وغروره وهو ما سيوصله إلى الشقاء الأبدي، لأنّه ابتعد عن ساحة رضوانه سبحانه وتعالى بعد أن أوقعته شهواته في هاوية الإستهزاء بدعوة الأنبياء(عليهم السلام) الربانية، حتى أوصلته حالته المرضية تلك لأنّ يستمر في استهزاءه وسخريته حتى في حال عودته إلى أهله، كما أشارت الآية (31) من سورة المطففين: (وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين)، وكما وردت الإشارة أيضاً على لسان علماء بني إسرائيل حينما خاطبوا قارون الثري المغرور الجاهل: (لا تفرح إن اللّه لا يحب الفرحين).(1)

«لن يحور»: لن يرجع، من(الحور) ـ على زنة غور ـ بمعنى: الرجوع، التردد، الذهاب، والإياب (سواء كان في العمل أو الفكر)، و«حار الماء» في الغدير: تردد فيه، ويقال «المحور»: للعود الذي تجري عليه البكرة وتدور حوله والمحاورةو(الحوار): المراودة في الكلام، و(تحير في الأمر): تردد فيه بين أن يقدم أو لا يقدم.

وقيل: أصل الكلمة (حبشي).

وروي عن ابن عباس أنّه قال: (ما كنت أدري ما معنى «حور» حتى سمعت

_______________________________________

1 ـ سورة القصص، الآية 76.

[63]

أعرابية تقول لإبنتها: «حوري» أي ارجعي)(1).

وربّما كان استعمال كلمة «الحواري» في نعت أصحاب عيسى(عليه السلام) أو أي مقرّبين لأحد، رُبّما كان لكثرة ترددهم عليه.

وقيل: حورت الشيء، أيّ بيضته، وسمّي أنصار عيسى(عليه السلام) الحواريين لتبييضهم قلوب النّاس بالمواعظ الهادية، و«الحور العين» إشارة إلى بياضهنّ، أو لشفّافية بياض عيونهنّ.

وقيل أيضاً: إنّ سبب تسميتهنّ بـ «الحور العين» يعود إلى تحير العين في جمالهنّ الخارق.

وعلى أيّة حال، فيقصد من الكلمة في الآية المبحوثة، الرجوع والمعاد، لإيضاح أنّ عدم الإيمان بالمعاد يؤدي إلى الوقوع في اُتون الغفلة والغرور وارتكاب المعاصي.

ولنفي العقائد الضالة، تقول الآية: (بلى إنّ ربّه كان به بصيراً).

فكل أعمال الإنسان تسجل وتحصى عليه، لتعرض يوم الحساب في صحيفته.

والآية تشارك الآية السابقة: (يا أيّها الإنسان إنّك كادح إلى ربّك كدحاً فملاقيه) في كونها دليلاً على المعاد أيضاً. فتأكيد الآيتين على كلمة «ربّ» يدل على أن الإنسان في سيرة التكاملي صوب ربّه لا ينتهي بالموت، وأنّ الحياة الدنيا لا يمكنها أن تكون هدفاً وغاية لهذا الخلق العظيم وهذا المسار التكاملي...

وكذلك كون اللّه «بصيراً» بأعمال الإنسان وتسجيلها لابدّ من اعتباره مقدمةً للحساب والجزاء وإلاّ لكان عبثاً، وهذا ما لا يكون.

* * *

_______________________________________

1 ـ مفردات الراغب، وتفسير الفخر الرازي، وغيرهما.

[64]

الآيات

فَلاَ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ(16) وَالَّيْلِ وَمَا وَسَقَ(17) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ(18) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقَاً عَن طَبَق(19) فَمَا لَهُم لاَ يُؤمِنُونَ(20)وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيهِمُ القُرءَانُ لاَ يَسْجُدُونَ(21) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ(22) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ(23) فَبَشِّرْهُم بِعَذَاب أَلِيم(24) إِلاَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّـلِحَـتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون(25)

التّفسير

سُنّة التغيّر!

لمزيد من إيضاح ما ورد في الآيات السابقة بخصوص سير الإنسان التكاملي نحو خالقه سبحانه وتعالى.. تأتي الآيات لتقول: (فلا اُقسم بالشفق).

(والليل وما وسق)، أي: وما جمع.

(والقمر إذا اتسق)، أي: إذا اكتمل.

(لتركبُنّ طبقاً عن طبق).

[65]

«لا» في «لا اُقسم»: زائدة، وجاءت للتأكيد.

وثمّة مَن اعتبرها (نافية)، أي: لا اُقسم، لأنّ الأمر من الوضوح ما لايحتاج فيه إلى قسم، أو أنّ القسم بهذا الموضوع لا يليق وأهميته، أو أنّ ما اُقسم به من الأهمية بحيث يليق أنّ لا يقسم به.

إلاّ أنّ الأوّل (كونها زائدة جاءت للتأكيد) أقرب من البقية.

«الشفق»: اختلاط ضوء النهار بسواد الليل عند غروب الشمس، و(الإشفاق): عنايه مختلطة بخوف، لأنّ (المشفق) يحب المشفق عليه ويخاف ما يلحقه(1).

ويقول الفخر الرازي: تركيب لفظ «الشفق» في أصل اللغة لرقّة الشيء، ومنه يقال: ثوب شفق، كأنّه لا تماسك له لرقته، و(الشفقة): رقة القلب.

(والظاهر أنّ قول الراغب أقرب للصواب).

وعلى أيّة حال، فـ «الشفق» هو وقت الغروب، وقد اُختلف في تعيين وقته ما بين الحمرة التي تظهر في الاُفق الغربي عند بداية الليل، وبين ما يظهر بعد الحمرة من بياض، والمشهور بين العلماء والمفسّرين هو التعيين الأوّل، وهو المستعمل على لسان الاُدباء أيضاً حيث يشبهون دماء الشهداء بالشفق.

إلاّ أنّ البعض اختار التعيين الثّاني، على ما يبدو عليه من ضعف، وخصوصاً إذا ما اعتبرنا (الرّقة) هي الأصل اللغوي للكلمة، حيث أنّها ستتناسب مع الحمرة الخفيفة الرقيقة دون الثّاني.

وعلى أية حال، فقد جاء القسم بالشفق للفت الأنظار إلى ما في هذه الظاهرة السماوية الجميلة من معان، فمنه تُعلن حالة التحول العام من النهار إلى الليل، إضافة لما يتمتع به من بهاء وجمال، وكونه وقت صلاة المغرب.

وأمّا القسم بالليل، فلما فيه من آثار كثيرة وأسرار عظيمة (وقد تناولنا ذلك

_______________________________________

1 ـ مفردات الراغب.

[66]

مفصلاً)(1).

«ما وسق»(2): إشارة إلى عودة الإنسان والحيوانات والطيور إلى مساكنها عند حلول الليل (بلحاظ كون الوسق بمعنى جمع المتفرق)(3)، فيكون عندها سكناً عاماً للكائنات الحيّة، وهو من أسرار وآثار الليل المهمّة، كما أشارت الآية (61) من سورة غافر إلى ذلك: (اللّه الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه).

(إذا اتسق): من (الإتساق)، وهو الإجتماع والإطراد، وتريد الآية به، اكتمال نور القمر في الليلة الرابعة عشر من الشهر القمري، حيث يكون بدراً.

ولا يخفى ما لروعة البدر في تمامه، فنوره الهاديء الرقيق يكسو سطح الأرض، وهو من الرقّة واللطافة بحيث لا يكسر ظلمة الليل وسكونه، ولكنّه ينير درب سالكيه! فهو آية كبرى من آيات اللّه، ولذا جاء القسم به.

وينبغي الإلتفات إلى الصلة الموجودة فيما أقسمت الآيات بهن: (الشفق، الليل، ما اجتمع فيه، والقمر في حالة البدر) وجميعها موضوعات مترابطة ويكمل بعضها البعض الآخر، وتشكل بمجموعها لوحة فنية طبيعية رائعة، وتحرّك عند الانسان التأمل والتفكير في عظمة ودقّة وقدرة الخالق في خلقه، ويمكن للإنسان العاقل بتأمل هذه التحولات السريعة من التوجه إلى قدرته جلّ شأنه على المعاد ما يحمل بين طياته من تغيّرات في عالم الوجود.

والأمر المثير هو أنّ القرآن الكريم يشير هنا إلى اُمور متتابعة الوقوع، فعندما تغيب الشمس يظهر الشفق معلناً عن بداية حلول الليل، الذي تتجه الكائنات الحية فيه إلى بيوتها، ثمّ يخرج القمر بدراً تامّاً (علماً بأنّ البدر في ليلة تمامه يخرج مع

_______________________________________

1 ـ راجع تفسير الآيات (71 ـ 73) من سورة القصص.

2 ـ «ما»: موصولة، واحتمال كونها (مصدرية) ضعيف، ضميرها محذوف، والتقدير: (وما وسقه).

3 ـ وجاء «الوسق»، أيضاً بمعنى حمل بعير، أو ستين صاعاً (وكل صاع يقرب من ثلاثة كيلوات)، وهو مأخوذ من الإجتماع أيضاً.

[67]

بداية الليل!).

ثمّ يأتي جواب القسم الوارد في الآيات أعلاه: (لتركبنّ طبقاً عن طبق)، إشارة إلى المراحل والتحولات التي يمرّ بها الإنسان في حياته.

وقد ذكرت تفاسير مختلفة لهذه الآية المباركة، منها:

1 ـ يقصد بها تلك الحالات المختلفة التي يمرّ بها الإنسان في كدحه وسيره المضني نحو اللّه جلّ وعلا، فيبدأ بحالة الدنيا، ثمّ ينتقل إلى عالم البرزخ ومنه إلى القيامة والآخرة (مع ملاحظة أنّ «طبق» من (المطابقة)، وهي جعل الشيء فوق شيء آخر بقدرة، وجاءت أيضاً بمعنى، المنازل التي يطويها الإنسان في عملية صعوده).

2 ـ يقصد بها تلك الحالات التي يمرّ بها الإنسان منذ كونه نطفةً حتى يموت، (وقد عدّها البعض (37) حالة).

3 ـ يقصد بها تلك الحالات التي يعيشها الإنسان في حياته من: سلامة ومرض، سرور وغم، اليسر والعسر، السلم والحرب...الخ.

4 ـ يقصد بها تلك الحالات الصعبة التي ستواجه الإنسان يوم القيامة حتى يفرغ من حسابه، ويتجه إلى مصيره (الجنّة أو النّار).

5 ـ يقصد بها تلك الحالات التي مرّت بها الأقوام السالفة بحلاوتها ومرّها، وكذلك الإشارة إلى ألوان التكذيب والإنكار الذي يقع في هذه الاُمّة، وهذا المعنى قد ورد في حديث ما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام).

ولا يمنع من اعتبار كلّ ما جاء في التفاسير أعلاه مصاديق لمعنى الآية.

وقيل: إنّ شخص النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) هو المخاطب في الآية، والآية تشير إلى طبقات السماء التي طواهنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) في معراجه.

ولكن، بلحاظ وجود الضم على «الباء» في «لتركُبنّ»، يتّضح لنا أنّ المخاطب جمع وليس فرد هذا من جهة، ولو رجعنا إلى الآيات السابقة لرأينا النداء موجه

[68]

إلى النّاس كافة من جهة اُخرى، وعليه، فهذا التّفسير بعيد عن مرام الآية.

وعلى آية حال، فعدم استقرار الإنسان على حال ثابتة يدلل على فقر الإنسان واحتياجه، لأنّ كلّ متغيّر حادث، وكلّ حادث له محدث، كما وإنّ عدم استقرار هذا العالم علامة على حركة الإنسان المستمرة نحو اللّه والمعاد، وكما قالت الآية: (يا أيّها الإنسان إنّك كادح إلى ربّك كدحاً فملاقيه).

ومن كلّ ما سبق.. يخرج القرآن الكريم بنتيجة: (فما لهم لا يؤمنون).

فمع وضوح أدلة الحق، مثل أدلة: التوحيد، معرفة اللّه، المعاد، بالإضافة إلى ما من الآفاق في آيات مثل: خلق... الليل والنهار، الشمس والقمر، النور والظلمة، شروق الشمس وغروبها، الشفق، ظلمة الليل، اكتمال القمر بدراً، وكذلك الآيات التي في نفس الإنسان منذ أن يكون نطفة في رحم اُمّه، وما يطويه من مراحل حتى يكتمل جنيناً، مروراً بما يمرّ به من حالات في حياته الدنيا، حتى يدركه الموت.. فمع وجود كل هذه الأدلة والآيات لِمَ لا يؤمنون؟!..

وينتقل بنا العرض القرآني من كتاب (التكوين) إلى كتاب (التدوين)، فيقول: (وإذا قريء عليهم القرآن لا يسجدون).

القرآن كالشمس يحمل دليل صدقه بنفسه، وتتلألأ أنوار الإعجاز من بين جنباته، ويشهد محتواه على أنّه من الوحي الإلهي وكل منصف يدرك جيداً لدى قراءته له أنّه فوق نتاجات عقول البشر ولا يمكن أن يصدر من انسان مهما كان عالماً، فكيف بإنسان لم يتلق تعليماً قط وقد نشأ في بيئة جاهلية موبوءة بالخرافات!...

ويراد بـ «السجود» هنا: الخضوع والتسليم والطاعة(1)، أمّا السجود المتبادر

_______________________________________

1 ـ ومن الشواهد على هذا المعنى، بالاضافة إلى شهادة الآيات السابقة واللاحقة، إنّ السجود بمعنى وضع الجبين على الأرض عند تلاوة القرآن إنّما يجب في مواضع محدودة جدّاً ويستحب في مواضع اُخرى، وفي مواضع اُخرى لا هو بالواجب ولا بالمستحب ـ وحينما تقول الآية: (وإذا قريء القرآن لا يسجدون) فقد اُطلقت القول، والإطلاق والحال هذه يراد به التسليم للقرآن.

[69]

إلى الذهن بوضع الجبين على الأرض، فهو أحد مصاديق مفهوم السجود، ولعل هذا هو ما ورد في الرّوايات من سجود النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عند قراءته لهذه الآية.

والسجود في هذه الآية مستحب عند فتاوى فقهاء أهل البيت(عليهم السلام)، فيما يوجب ذلك فقهاء المذاهب الاربع، إلاّ (مالك)، فإنّه يقول بالسجود عند الإنتهاء من تلاوة السّورة(1).

وتأتي الآية التالية لتقول: (بل الذين كفروا يكذّبون).

والتعبير عن ممارسة تكذيب الكافرين في الآية بصيغة المضارع المستمر، للإشارة إلى تكذيبهم المتعنت المستمر واصرارهم ولجاجتهم وليس تكذيبهم بسبب ضعف أدلة الحق، بل من أجل روح التعصب الأعمى للأسلاف والدنيا والمصالح المادية والحاكمة على قلوبهم المريضة، وأهوائهم الشيطانية.

وببيان جدّي وتهديد جدّي، تقول الآية التالية: (واللّه أعلم بما يوعون).

فاللّه تعالى أعلم بدافع ونيّة وهدف ذلك التكذيب، ومهما تستروا على ما فعلوا فلا يجزون إلاّ بما كسبت أيديهم.

«يوعون»: من (الوعاء) وهو الظرف، كما هو مستقى من قول أمير المؤمنين(عليه السلام)في نهج البلاغة: «إنّ هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها».

ثمّ...:(فبشرهم بعذاب أليم).

عادةً ما تستعمل «البشارة» للأخبار السارة، وجاءت هنا لتنم عن نوع من الطعن والتوبيخ.

والحال، إنّ البشارة الحقّة للمؤمنين خالصة بما ينتظرهم من نعيم، وما للكاذبين إلاّ الغرق في بحر من الحسرة والندم، وما هم إلاّ في عذاب جهنم

_______________________________________

1 ـ روح البيان، ج1، ص1382.

[70]

يخلدون.

ويستثني المؤمنون من تلك البشرى المخزية: (إلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون).

«ممنون»: من (المنّ)، وهو القطع والنقصان، (ومنه «المنون» بمعنى الموت).

وإذا ما جمعنا كلّ هذه المعاني، فستكون النعم الاُخروية على عكس الدنيوية الناقصة والمنقطعة والمقترنة بمنّة هذا وذاك، حيث أنّها لا تنقطع ولا تنقص وليس فيها منّة.

أمّا الإستثناء الذي ورد في الآية السابقة، ففيه بحث: هل أنّه «متصل» أو «منقطع».

قال بعض المفسّرين: إنّة منقطع، أي: إنّ القرآن الكريم انتقل بالآية من الحديث حول الكفار الذي عرض في الآيات السابقة، إلى الحديث عن المؤمنين وما ينتظرهم من أجر وثواب.

والأقرب لسياق الآيات أن يكون الإستثناء متصلاً، وفي هذه الحال يكون هدفه فتح الطريق أمام الكفار للعودة وتشجيعهم على ذلك، لأنّ الآية تقول: إنّ العذاب الأليم المذكور في الآية السابقة سوف لا يصيب مَن يؤمن منهم ويعمل صالحاً وعلاوة على ذلك، سيكون له أجر غير ممنون.

* * *

بحث

وقد استنبط العلاّمة الطبرسي، في كتابه مجمع البيان، من الآيات الأخيرة للسورة ما يلي:

أوّلاً: حرية إرادة الإنسان واختياره.

فقال: قوله سبحانه: (فما لهم لا يؤمنون) و(لا يسجدون) دلالة على أنّ

[71]

السجود فعلهم، لأنّ الحكيم لا يقول: مالك لا تؤمن ولا تسجد، لمن يعلم أنّه لا يقدر على الإيمان والسجود.

ثانياً: إنّ الذمّ على ترك السجود دليل على أنّ الكفار كما أنّهم مكلفون باُصول الدين كذلك بفروعه أيضاً. (هذا القول مبنيٌّ على اعتبار كلمة السجود الواردة في الآية يراد منها (سجود الصلاة)، أو حتى إذا اعتبرنا الكلمة بمفهومها العام، فهي تتضمّن سجود الصلاة كذلك).

اللّهمّ! يسّر علينا الحساب يوم حشر الخلق في ساحة عدلك...

اللّهمّ! الكلّ إليك راجعون، فاهدنا الصراط المستقيم فيمن هديت..

ربّنا! نحن مسلّمون ومطأطئون برؤوسنا إجلالاً لقرآنك فوفقنا للعمل بتعليماته وارشاداته.. وارزقنا العمل بكتابك الكريم.

آمين يا ربّ العالمين

نهاية سورة الإنشقاق

* * *




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 200

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 9052478

  • التاريخ : 21/09/2020 - 16:52

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net