00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة الفيل من أول السورة ـ آخر السورة من ( ص 457 ـ 472 )  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل (الجزء العشرون)   ||   تأليف : سماحة آية الله العظمى الشيخ مكارم الشيرازي

[457]

سُورَة الفيل

مَكيَّة

وَعَدَدُ آيَآتِهَا خَمسُ آيات

[459]

«سورة الفِيل»

محتوى السّورة

هذه السّورة ـ كما يظهر من اسمها ـ تشير إلى الحادثة التاريخية التي اقترنت بولادة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وفيها نجّى اللّه سبحانه الكعبة من شرّ جيش كافر كبير تجهّز من اليمن ممتطياً الفيل.

هذه السّورة تذكّر النّاس بتلك القصّة العجيبة التي كان كثير من أهل مكّة يحفظون أحداثها في ذاكرتهم لأنّها وقعت في الماضي القريب.

التذكير بهذه القصّة فيه تحذير للكّفار المغرورين المعاندين، كي يفهموا ضعفهم تجاه قدرة اللّه تعالى الذي أباد جيشاً عظيماً بطير أبابيل تحمل حجارة من سجّيل، وهو سبحانه إذن قادر على أن يعاقب هؤلاء المستكبرين المعاندين.

فلا قدرتهم أعظم من قدرة أبرهة، ولا عدد أفرادهم يبلغ عدد ذلك الجيش السّورة المباركة تقول لكفّار قريش:

إنّكم رأيتم الواقعة بأعينكم فلماذا لا تترجلون من مطية غروركم.

فضيلة السّورة:

ورد في فضيلة هذه السّورة عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال:

«من قرأ في الفريضة (ألم تر كيف فعل ربّك بأصحاب الفيل) شهد له يوم القيامة كلّ سهل وجبل ومدر بأنّه كان من المصلين وينادي يوم القيامة مناد: صدقتم على عبدي، قبلت شهادتكم له أو عليه، ادخلوا عبدي الجنّة ولا تحاسبوه

[460]

فإنّه ممن أحبّه وأحبّ عمله»(1).

واضح أنّ كلّ هذه الفضيلة وهذا الثواب لمن كانت قراءته باعثاً على انكسار روح الغرور في نفسه، وعلى السير في طريق رضا اللّه سبحانه.

* * *

_______________________________________

1 ـ نور الثقلين، ج5، ص668، الحديث 1.

[461]

الآيات

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَـبِ الْفِيلِ(1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِى تَضْلِيل(2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرَاً أَبَابِيلَ(3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَة مِّن سِجِّيل(4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْف مَّأكُول(5)

سبب النّزول

ورد عن الإمام علي بن الحسين(عليه السلام) أنّه قال: كان أبو طالب يضرب عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بسيفه إلى أن قال: فقال أبو طالب: يابن أخ إلى النّاس كافة أرسلت أم إلى قومك خاصّة؟ قال: لا بل إلى النّاس أرسلت كافة الأبيض والأسود والعربي والعجمي والذي نفسي بيده لأدعون إلى هذا الأمر الأبيض والأسود ومن على رؤوس الجبال ومن في لجج البحار، ولأدعون السنة فارس والروم فحيرت قريش واستكبرت وقالت: أما تسمع إلى ابن أخيك وما يقول واللّه لو سمعت بهذا فارس والروم لاختطفتنا من أرضنا ولقلعت الكعبة حجراً حجراً، فأنزل اللّه تبارك وتعالى: (وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أوَلم نمكن لهم حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كلّ شيء) إلى آخر الآية وأنزل في قولهم لقلعت الكعبة حجراً

[462]

حجراً (ألم تر كيف فعل ربّك بأصحاب الفيل) إلى آخر الآية(1).

قصّة أصحاب الفيل:

ذكر المفسّرون والمؤرخون هذه القصّة بأساليب مختلفة واختلفوا في سنة وقوعها. لكن أصل القصّة متوافرة، ونحن نذكرها استناداً إلى الرّوايات المعروفة في «سيرة ابن هشام» و«بلوغ الأرب» و«بحار الأنوار» و«مجمع البيان»بتلخيص:

«ذو نواس» ملك اليمن اضطهد نصارى نجران قرب اليمن كي يتخلوا عن دينهم (ذكر القرآن قصّة هذا الإضطهاد في موضوع أصحاب الأخدود في سورة البروج، وبيّناها بالتفصيل هناك).

بعد هذه الجريمة نجا من بين النصارى رجل اسمه (دوس) وتوجه إلى قيصر الروم الذي كان على دين المسيح، وشرح له ما جرى.

ولما كانت المسافة بين الروم واليمن بعيدة، كتب القيصر إلى النجاشي (حاكم الحبشة) لينتقم من (ذو نواس) لنصارى نجران، وارسل الكتاب بيد القاصد نفسه.

جهّز النجاشي جيشاً عظيماً يبلغ سبعين ألف محارب بقيادة (أرياط) ووجهه إلى اليمن. وكان (أبرهة) أيضاً من قواد ذلك الجيش.

اندحر (ذو نواس) وأصبح (أرياط) حاكماً على اليمن، وبعد مدّة ثار عليه أبرهة وأزاله من الحكم وجلس في مكانه.

بلغ ذلك النجاشي، فقرر أن يقمع (أبرهة). لكن أبرهة اعلن استسلامه الكامل للنجاشي ووفاءه له. حين رأى النجاشي منه ذلك عفا عنه وأبقاه في مكانه.

و(أبرهة) من أجل أن يثبت ولاءه،بنى كنيسة ضخمة جميلة غاية الجمال، لا يوجد على ظهر الأرض مثلها آنذاك، وقرر أن يدعو أهل الجزيرة العربية لأن

_______________________________________

1 ـ نور الثقلين، ج5، ص669، الحديث 8.

[463]

يحجّوا إليها بدل (الكعبة)، وينقل مكانة الكعبة إلى أرض اليمن.

ارسل أبرهة الوفود والدعاة إلى قبائل العرب في أرض الحجاز، يدعونهم إلى حجّ كنيسة اليمن، فاحسّ العرب بالخطر لإرتباطهم الوثيق بمكّة والكعبة ونظرتهم إلى الكعبة على أنّها من آثار إبراهيم الخليل(عليه السلام).

تذكر بعض الرّوايات أنّ مجموعة من العرب جاؤوا خفية وأضرموا النّار في الكنيسة. وقيل إنّهم لوثوها بالقاذورات، ليعبروا عن اعتراضهم على فعل أبرهة ويهينوا معبده.

غضب أبرهة وقرر أن يهدم الكعبة هدماً كاملاً، للإنتقام ولتوجيه أنظار العرب إلى المعبد الجديد، فجهّز جيشاً عظيماً كان بعض أفراده يمتطي الفيل، واتجه نحو مكّة.

عند اقترابه من مكّة بعث من ينهب أموال أهل مكّة، وكان بين النهب مائتا بعير لعبد المطلب.

بعث (أبرهة) قاصداً إلى مكّة وقال له: ابحث عن كبير القوم وقل له إنّ أبرهة ملك اليمن يدعوك. أنا لم آت لحرب، بل جئت لأهدم هذا البيت، فلو استسلمتم، حقنت دماؤكم.

جاء رسول أبرهة إلى مكّة وبحث عن شريفها فدلوه على عبد المطلب، فحدثه بحديث أبرهة، فقال عبد المطلب، نحن لا طاقة لنا بحربكم، وللبيت ربّ يحميه.

ذهب عبد المطلب مع القاصد إلى النجاشي، فلما قدم عليه جعل النجاشي ينظر إليه وراقه حسنه وجماله وهيبته، حتى قام من مكانه احتراماً وجلس على الأرض واجلس عبد المطلب إلى جواره لأنّه ما أراد أن يجلس عبد المطلب على سرير ملكه ثمّ قال لمترجمه اسأله ما حاجتك؟ قال عبد المطلب: نهبت إبلي فمرهم بردّها عليّ.

[464]

فاندهش أبرهة وقال لمترجمه: قل له إنّه احتل مكاناً في قلبي حين رأيته، والآن قد سقط من عيني. أنت تتحدث عن إبلك ولا تذكر الكعبة وهي شرفك وشرف أجدادك، وأنا قدمت لهدمها؟!

قال عبد المطلب: أنا ربّ الإبل، وللبيت ربّ يحميه؟!

عاد عبد المطلب إلى مكّة، وأخبر أهلها أن يلجأوا إلى الجبال المحيطة بها، وذهب هو وجمع معه إلى جوار البيت ليدعو فأخذ حلقة باب الكعبة وانشد أبياته المعروفة:

لا هُمّ إن المرء يمنع رحله فامنع رحالك

لا يغلبن صليبهم ومحالهم أبداً محالك

جروا جميع بلادهم والفيل كي يسبوا عيالك

ولا همّ إن المرء يمنع رحله فامنع عيالك

وانصر على آل الصليب وعابديه اليوم آلك

ثمّ لاذ عبد المطلب وجمع من قريش باحدى شعاب مكّة وأمر أحد ولده أن يصعد على جبل (أبو قبيس) ليرى ما يجري.

عاد الابن مسرعاً إلى أبيه وأخبره أن سحابة سوداء تتجه من البحر (البحر الأحمر) إلى أرض مكّة. استبشر عبد المطلب وصاح: «يا معشر قريش ادخلوا منازلكم فقد أتاكم اللّه بالنصر من عنده».

من جانب آخر، توجه أبرهة راكباً فيله المسمى «محموداً» مع جيشه الجرار مخترقاً الجبال ومنحدراً إلى مكّة، لكن الفيل أبى أن يتقدم، أمّا حينما يوجهوه نحو اليمن يهرول، تعجب أبرهة من هذا وتحيّر.

وفي هذه الأثناء وصلت طيور قادمة من جانب البحر كأنها الخطاطيف وهي تحمل حجراً في منقارها وحجرين في رجلها، بحجم الحمّصة، وألقوها على جيش أبرهة، فأهلكتهم. وقيل: إنّ الحجر كان يسقط على الرجل منهم فيخترقه

[465]

ويخرج من الجانب الآخر.

ساد الجيش ذعر عجيب، فهلك منه من هلك، وفرّ من استطاع الفرار، صوب اليمن، وكانوا يتساقطون في الطريق.

(أبرهة) اصيب بحجر، وجُرح، فاعيد إلى صنعاء عاصمة ملكه، وهناك فارق الحياة.

وقيل: إنّ مرض الحصبة والجدري شوهد لأوّل مرّة في أرض العرب في تلك السنة.

وقيل: إنّ أبرهة جاء بفيل واحد كان يركبه واسمه محمود. وقيل بل ثمانية أفيال، وقيل: عشرة، وقيل: اثني عشر.

وفي هذا العام ولد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) حسب الرّواية المشهورة، وقيل إنّ بين الحادثتين ارتباطاً.

على أي حال، فإن أهمية هذه الحادثة الكبرى بلغت درجة تسمية ذلك العام بعام الفيل، وأصبح مبدأ تاريخ العرب(1).

* * *

التّفسير

كيد ابرهة:

يخاطب اللّه رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في الآية الاُولى من السّورة ويقول له: (ألم تر كيف فعل ربّك بأصحاب الفيل

لقد جاؤوا بجيش جرار مجهّز بالعدّة والعدد ليهدموا الكعبة. واللّه سبحانه دحرهم بجيش في ظاهره صغير بسيط. وأباد الفيلة بطير صغير، وهدم الآلة

_______________________________________

1 ـ سيرة ابن هشام، ج1، ص38 ـ 62; وبلوغ الإرب، ج1، ص250 ـ 263; وبحار الأنوار، ج15، ص130 وما بعدها; ومجمع البيان، ج10، ص542.

[466]

الحربية المتطورة في ذلك الزمان بحجارة من سجيل. ليتّضح ضعف هذا الإنسان المغرور المتكبر أمام قدرة اللّه.

التعبير بجملة (ألم تَر)في الآيه، مع أنّ الحادثة وقعت قبل ولادة النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أو مقترنة بولادته، يعود إلى أنّ الحادثة المذكورة قريبة العهد من عصر النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما إنّها بلغت من الشهرة والتواتر وكأن النّبي رأها بعينه المباركة. هذا إلى أن جمعاً من معاصري الرسول كانوا قد رأوها بأعينهم.

عبارة (أصحاب الفيل) إشارة إلى ما كان مع الجيش المهاجم من فيلة جاؤوا بها من اليمن ليرعبوا العرب وخيولهم(1).

(ألم يجعل كيدهم في تضليل)؟!

لقد استهدفوا الكعبة ليهدموها وليقيموا بدلها كعبة اليمن، وليدعوا قبائل العرب إلى حج هذا المعبد الجديد. لكنّه سبحانه حال دون تحقق هدفهم، بل زاد الكعبة شهرة وعظمة بعد أن ذاع نبأ أصحاب الفيل في جزيرة العرب، وأصبحت قلوب المشتاقين تهوى إليها أكثر من ذي قبل، وأسبَغَ على هذه الديار مزيداً من الأمن.

كيدهم إذن صار في تضليل، أي في ضلال حيث لم يصلوا إلى هدفهم.

ثمّ تشرح الآيات التالية بعض جوانب الواقعة.

(وارسل عليهم طيراً أبابيل).

«أبابيل» لم تكن في لهجات العرب المعروفة اسماً لطائر، بل إنّها صفة، قيل إنّ معناها جماعات متفرقة. أي إنّ هذه الطير كانت تأتي على شكل مجموعات والكلمة لها معنى الجمع. وقيل: إنّ مفرده (أبابلة) وهي المجموعة من الطير أو الخيل أو الإبل، وقيل إنّ الكلمة جمع لا مفرد له من لفظه.

على أي حال عبارة «طيراً أبابيل» تعني طيراً على شكل مجموعات.

_______________________________________

1 ـ الفيل، لفظه مفرد، وله هنا معنى الجنس والجمع.

[467]

والمشهور أنّ هذه الطير كانت تشبه الخطاطيف قدمت من صوب البحر الأحمر في اتجاه أصحاب الفيل.

(ترميهم بحجارة من سجّيل)(1).

وكما ذكرنا في قصّة أصحاب الفيل، فإنّ كلّ واحدة من هذه الطير كانت تحمل ثلاث حجارات أصغر من الحمصة، واحدة في منقارها واثنين في ارجلها. وما أن تسقط هذه الحجارة على أحد حتى تهلكه.

(فجعلهم كعصف مأكول).

و«العصف» هو النبات الجاف المتهشّم، أي هو (التبن) بعبارة اُخرى. وقيل إنّه قشر القمح حين يكون في سنبله. والمناسب هنا هو المعنى الأوّل.

وقال «مأكول» إشارة إلى أنّ هذا التبن قد سحق مرّة اُخرى بأسنان الحيوان، ثمّ هشّم ثالثة في معدته، وهذا يعني أنّ أصحاب الفيل، قد تلاشوا بشكل كامل عند سقوط الحجارة عليهم.

وهذا التعبير إضافة إلى ما له من معنى الإبادة التامة، يحمل معنى التفاهة والضعف ممّا صار إليه هؤلاء المهاجمون الطغاة المستكبرون والمتظاهرون بالقوّة.

* * *

بحوث

1 ـ المعجزة (للبيت ربّ يحميه)

القرآن الكريم يذكر هذه القصّة الطويلة في عبارات قليلة قصيرة قارعة، وفي غاية الفصاحة والبلاغة، ويركز على نقاط تساعد على تحقيق الأهداف القرآنية المتمثلة في إيقاظ المتعنتين المغرورين وبيان ضعف الإنسان أمام قدرة الجبار

_______________________________________

1 ـ سجّيل كلمة فارسية مأخوذة من دمج كلمتين هما «سنگ» و«گل». وتعني الطين المتحجّر.

[468]

المتعال.

هذه الحادثة تبيّن أنّ المعجزات والخوارق لا تستلزم ـ كما ظنّ بعض ـ وجود النّبي والإمام، بل تظهر في كلّ ظرف يشاء اللّه فيه أن تظهر. والهدف منها إظهار عظمة اللّه سبحانه وحقانية دينه.

هذا العقاب العجيب الأعجازي، يختلف عمّا نزل من عقاب على اُمم اُخرى مثل طوفان قوم نوح، وزلزال قوم لوط وإمطارهم بالحجارة، وصاعقة قوم ثمود; فهذه سلسلة حوادث طبيعية يتمثل إعجازها في حدوثها في تلك الظروف الخاصّة.

أمّا قصّة إبادة جيش أبرهة بحجارة من سجّيل، ترميها طير أبابيل، وليست كالحوادث الطبيعية.

تحليق هذه الطيور الصغيرة، واتجاهها نحو ذلك الجيش الخاص، ورميه بالحجارة التي تستطيع أن تهشّم أجساد جيش ضخم... كلّ تلك اُمور خارقة للعادة. ولكنّها ـ كما نعلم ـ ضئيلة جدّاً أمام قدرة اللّه تعالى.

اللّه الذي خلق داخل هذه الحجارة قدرة ذرية لو تحررت لولدت انفجاراً هائلاً، لقادر على أن يجعل في هذه الحجارة خاصية تستطيع أن تحوّل جيش أبرهة إلى (عصف مأكول).

لسنا في حاجة لأن نذهب إلى ما ذهب إليه بعض المعاصرين في تفسير هلاك جيش أبرهة بمكروبات وباء الحصبة والجدري(1) أو أن نقول إنّ هذه الحجارة كانت ذرات متكافئة اُزيلت الفراغات بينها فاصبحت ثقيلة للغاية، وقادرة على أن تخترق الأجساد.

كلّ هذه تبريرات تستهدف اعطاء صفة طبيعية لهذه الحادثة. ولسنا بحاجة

_______________________________________

1 ـ تفسير جزء عم، محمّد عبده، ص158. وذكر المؤرخون طبعاً انتشار وباء الحصبة والجدري في بلاد العرب لأوّل مرّة في نفس ذلك العام، لكن هذا لا ينهض دليلاً على أن هلاك جيش أبرهة بتلك الأوبئة.

[469]

إليها. كلّ ما نعلمه هو أنّ هذه الحجارة كانت لها خاصية غريبة في تهشيم الأجسام. ولم يخبرنا القرآن بأكثر من ذلك، وليس الأمر بمتعذر أمام قدرة اللّه سبحانه.

2 ـ أشد الجزاء بأبسط وسيلة

يلاحظ أنّ هذه القصّة تتضمّن بيان قدرة اللّه أمام المستكبرين والطغاة على أفضل وجه... ولعل العقاب الذي حلّ بأبرهة وجيشه لا يبلغه عقاب، إذ على أثره تهشّم جيش وتحول إلى (عصف مأكول).

ثمّ إنّ إبادة هذا الجيش الجرار بكلّ ما كان يمتلكه من قدرة وشوكة كانت بواسطة أحجار صغيرة، وبواسطة طيور صغيرة كالخطاطيف. وفي هذا تحذير وإنذار لكلّ الطغاة والمستكبرين في العالم، ليعلموا مدى ضعفهم أمام قدرة اللّه سبحانه.

وقد يوكل اللّه سبحانه أداء هذه المهام الكبرى لموجودات أصغر، مثل المكروبات التي لاترى بالعين المجردة، لتتكاثر وتتناسل في مدّة وجيزة وتصيب اُمماً قوية بالأوبئة المختلفة كالطاعون، وتبيدهم خلال مدّة قصيرة.

«سد مأرب» العظيم في اليمن ـ كما جاء ذكره في تفسير سورة سبأ ـ كان وسيلة لعمران كبير ومدنية عظيمة وقوية لقوم سبأ، وحين طغى هؤلاء القوم، جاء أمر إبادتهم عن طريق فأر صحراوي أو عدد من الفئران ـ كما تذكر بعض الرّوايات ـ فثقبت السد، واتسع الثقب تدريجياً بالماء، وتحطم السد العظيم، واكتسح الماء كلّ ما بناه القوم واغرق الأفراد أو شردهم إلى كلّ حدب وصوب متفرقين حيارى، وهذه من مظاهر قدرة اللّه سبحانه.

3 ـ أهداف قصّة الفيل

من السّورة التالية (سورة لإيلاف) نفهم أنّ أحد أهداف سورة الفيل التذكير

[470]

بنعمة إلهية كبرى منّ اللّه سبحانه بها على قريش، وتفهيمهم أنّه لولا لطف اللّه سبحانه وفضله لما بقي أثر لمكّة ولا للكعبة ولا لقريش... لعل ذلك يكون عاملاً على كبح جماح هؤلاء المغرورين، وعلى قبول دعوة الدين المبين.

من جهة اُخرى هذه الحادثة اقترنت بولادة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكانت ممهّدة للبعثة المباركة، وإرهاصاً(1) من ارهاصات بزوغ فجر الإسلام.

والقصة من ناحية ثالثة تهديد لكل طغاة العالم، من قريش وغير قريش; ليعلموا أنّهم لا يستطيعون أبداً أن يقاوموا أمام قدرة اللّه تعالى، فما أجدر بهم أن يعودوا إلى رشدهم، ويخضعوا لأمر اللّه، ويستسلموا للحق والعدل.

ثمّ هي من جانب رابع تبيّن أهمية هذا البيت الكبير. الأعداء الذين استهدفوا هدم الكعبة، ونقل مركزية هذا الحرم الإبراهيمي إلى مكان آخر، قد واجهوا من العذاب ما أصبح عبرة للأجيال، وما زاد من أهمية هذا المركز المقدس.

ومن جهة خامسة، هذه الحادثة تؤكّد مشيئة اللّه سبحانه في جعل هذا الحرم آمناً استجابة لدعوة إبراهيم الخليل(عليه السلام).

4 ـ حادثة تاريخية قطعية

حادثة «أصحاب الفيل» كانت من الأهمية والشهرة بين العرب بحيث جعلوها مبدأ للتاريخ. والقرآن الكريم بدأ الحديث عن القصّة بعبارة (ألم تر) مخاطباً نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي لم ير هذه الحادثة. وهي دلالة اُخرى على قطعية وقوع الحادثة.

أضف إلى ذلك أنّ النّبي ـ حين تلا هذه الآيات على المشركين ـ لم ينكر عليه أحد، ولو كان أمراً مشكوكاً لاعترضوا عليه، ولسجل المؤرخون هذا الإعتراض كما سجلوا سائر الإعتراضات; خاصّة وأنّ القرآن بدأ الموضوع بجملة (ألم تر).

_______________________________________

1 ـ «الإرهاص»، هو المعجزة التي تسبق ظهور النّبي، لتمهّد لدعوته. والكلمة في الأصل تعني الأساس والحجر الأوّل الذي يقام عليه البناء، وكذلك بمعنى الإستعداد.

[471]

كما إنّ عظمة هذا البيت الكريم تتبيّن ضمنياً بهذا الإعجاز التاريخي القطعي.

اللّهمّ! وفقنا لصيانة هذا المركز التوحيدي العظيم.

اللّهم! طهّر هذا البيت من اُولئك الذين يكتفون بحفظ ظواهره ويصادرون رسالته التوحيدية الحقيقية.

ربّنا! ارزقنا زيارة البيت بوعي وعرفان.

آمين يا ربّ العالمين

نهاية سورة الفيل




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 200

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 9084740

  • التاريخ : 30/09/2020 - 00:16

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net