• الموقع : دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم .
        • القسم الرئيسي : الثقافة .
              • القسم الفرعي : الاجتماع وعلم النفس .
                    • الموضوع : التغيير الإيجابي ثقافة وسلوك .

التغيير الإيجابي ثقافة وسلوك

سماحة السيد منير الخباز

{إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}

محاور المحاضرة:

1) الربط بين إرادة التغيير ونظرية الأمر بين أمرين.

2) سر الشخصية التغييرية والشخصية النمطية.

3) التغيير الإيجابي.

1) الربط بين إرادة التغيير ونظرية الأمر بين أمرين:

هل الإنسان في جميع أفعاله يمتلك إرادة مستقلة؟ هل يستطيع الإنسان في أفعاله وحركاته أن يستقل بفعلها عن الله؟

هذا أمرٌ غير معقول، لا يمكن للإنسان أن تكون له إرادة مستقلة عن الله لأن ذلك يعني أن يستغني المعلول عن علته حدوثًا، مثل ضوء المصباح (مُسَبّب) وسببه الطاقة الكهربائية، فلا يمكن لهذا الضوء أن يستغني عن الطاقة لحظة واحدة، ومتى توقفت انعدم الضوء، كذلك الإنسان مُسَبّب ومعلولٌ لله، فهو لا يمكن أن يستغني عن خالقه لحظة واحدة، وعليه فمن المستحيل أن يستقل الإنسان وأن يعمل بإرادة مستقلة عن الله، وهذا ما عبر عنه علماؤنا كما ورد عن الصادق (عليه السلام): "لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين".

ما معنى أمر بين أمرين؟

الإنسان يقوم بعمل (مثل المشي) فمن هو فاعله: هل هو الإنسان، أم الله، أم كلاهما؟

وهنا جاءت المدارس عند الإمامية لتحلل هذا الأمر، وهنا ثلاثة اتجاهات:

1- الاتجاه الكلامي: (السيد الخوئي)

يقولون أن الفاعل المباشر هو الإنسان، فلولا إرادة الإنسان لما تحقق المشي، فأين إرادة الله؟ يقولون أن إرادة الله بمثابة المادة التي يعتمد عليها الفاعل لصنع الفعل.

مثال: إذا أردتُ أن أكتب موضوعًا على ورقة فلا يمكنني الكتابة بدون الحبر، فهو المادة التي أكتب بها، فالإنسان عندما يقوم ويقعد فهو الذي صنع القيام ولكن المادة التي يعتمد عليها الإنسان هي القوة المبثوثة في الإنسان وهي من الله، وهذا معنى أن الفعل أمرٌ بين أمرين، فهو لا يعتمد على إرادة الإنسان وحدها، ولا بإرادة الله وحدها، بل بكليهما.

2- الاتجاه الفلسفي: (السيد الطباطبائي)

يقولون: نحن إذا دققنا النظر فالفاعل هو الله، فهو من يوجد المشي والقيام، فكل فعل في هذا الكون كله وكل موجود لكي يوجد يحتاج إلى مقتضٍ (ما منه الوجود) وشرطٍ (ما به فعلية الوجود).

مثال: الضوء يحتاج إلى مقتضٍ يفيض هذا الوجود، وهو الطاقة الكهربائية، والطاقة تحتاج إلى جسم لكي يتولد النور، فالشرط هو مماسة الجسم، فالإنسان إذا أراد أن يقوم فهو يملك إرادة فقط ولكن من أوجد القيام هو الله {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ}، فالإنسان منه الإرادة والله منه الإفاضة، وهذا لا يعني أنك مجبور لأنه تعالى يستطيع أن يجعلك تقوم بغير أن تريد ولكنه جعل الإفاضة بإرادتك أنت {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا}، فالفاعل الحقيقي (مصدر الفيض والوجود) هو الله وإرادة الإنسان هي الشرط.

3- الاتجاه العرفاني:

يقولون: الفاعل للقيام كلاهما (الله والإنسان) فيصح أن ينسب الفعل إلى فاعلين على نحو الانتساب الحقيقي.

مثال: في القرآن: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} وفي آية أخرى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} فنسب قبض الأرواح لملك الموت حقيقة وإلى الله، ونحن نؤمن بالولاية التكوينية لمحمّدٍ (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام).

كيف الفعل الواحد ينسب لفاعلين؟

إذا كان أحد الوجودين وجودًا تعلقيًا لوجود آخر يصح أن ينسب الفعل لكليهما، والوجود الإنساني وجودٌ تعلقيٌ، ففعله لله لأن الإنسان وما يقوم به كله مفاضٌ من الله، ومثال ذلك عندما أنظر إليك فأنا استطيع أن أقول: نظرتُ إليك، وأستطيع أن أقول: نظرت عيني إليك، إذن ما يقوم به الإنسان من أفعال يصح نسبتها للإنسان وإلى الله حقيقة، وهذا ما يعبر عنه علماء العرفان بوحدة الوجود (وليس وحدة الموجود التي هي محالٌ).

2) سر الشخصية التغييرية والشخصية النمطية:

تقسّم شخصية الإنسان إلى شخصيتين: نمطية (لا تريد التغيير) وتغييرية (تريد التغيير)، فما هو السر في أن يكون الإنسان نمطي الشخصية أو تغييري الشخصية؟ يأتي الطب من خلال العالم روجر اسبري (من علماء وظائف الدماغ والحائز على جائزة نوبل في هذا المجال) اكتشف أمورًا ثلاثة:

1- الدماغ مقسّمٌ إلى نصفين أيسر وأيمن:

نصف الدماغ الأيسر وظيفته التحليل والاستنتاج والقدرة على التعبير عما في النفس، فهو يرفض التغيير، بينما نصف الدماغ الأيمن وظيفته الخيال والإبداع ورفض الروتين والإصرار على التغيير، وعليه فهناك وظيفتان لنصفي الدماغ.

2- بعض الشخصيات أيمنية وبعضها أيسرية:

الشخصية الأيمنية طغى عليها النصف الأيمن من الدماغ، وهي شخصية تحب التغيير ودائمًا تفكر في أفكار خيالية، وهذه الشخصية يناسبها الفن والإعلام والتسويق على سبيل المثال، والشخصية الأيسرية طغى عليها النصف الأيسر، وهي ترفض البعثرة والتغيير، ويناسبها الوظائف الهندسية على سبيل المثال.

3- قد يكون الشخص الواحد أيمنيًا وأيسريًا (ازدواجية في شخصيته):

تحدث هاتان الحالتان الأيمنية والأيسرية حين وقت صلاة الفجر مثلاً فتجد النصف الأيسر يقول له: قم صلِ لأن ذلك نظامٌ، بينما النصف الأيمن يقول له: لا تقم، فيحصل النزاع بينهما.

الملخص هو أن سر الشخصية النمطية يرجع إلى سيطرة النصف الأيسر للدماغ بينما سر الشخصية التغييرية يرجع إلى سيطرة النصف الأيمن، ونحن نحتاج إلى التوازن بين هاتين الشخصيتين.

3) التغيير الإيجابي:

كلنا يسعى للتغيير، وكلنا يحب أن يتغير، فهناك من يريد أن يغير مستواه السلوكي، وهناك من يريد أن يغير مستواه العلمي أو العملي، حتى المجتمعات تحب أن تتغير، ولكن التغيير المراد هو التغيير الإيجابي، وهو يحتاج إلى عدة منطلقات:

1- تجديد الطاقة:

ونتعلم ذلك من أطفالنا، فنحن إذا حللنا شخصية الطفل نجد أن لديه أربعة عوامل لتجديد الطاقة:

1/ تغيير النشاط: تغيير الروتين الذي نمشي فيه، فعن النبي (صلى الله عليه وآله): "روّحوا القلوب ساعة بعد ساعة فإنّ القلوب تمل كما تمل الأجسادُ".

2/ الفضول: الفضول هو باب المعرفة، فعن النبي (صلى الله عليه وآله): "منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب مال".

3/ الميل إلى التغيير والإبداع: عن الكاظم (عليه السلام): "من تساوى يوماه فهو مغبونٌ".

4/ عنصر المخاطرة: الطفل لا يخاف من شيء، وكلما كبر الإنسان كلما زاد تشبثه بالحياة مما يقلل عنصر المخاطرة لديه، فعن الإمام علي (عليه السلام): "إذا خفت من شيء فقع فيه".

2- ضرورة النظام:

التغيير يحتاج إلى برامجَ ومخططاتٍ مدروسة، فعن الكاظم (عليه السلام): "اجهدوا في أن يكون زمانكم أربع ساعات: ساعة لعبادة، ربكم وساعة لمعاشكم، وساعة لمعاشرة الإخوان، وساعة في لذة في غير محرم".

3- العقل الجمعي:

تحتاج إلى من يرشدك إلى التغيير، فلا يمكن التغيير للعقل الفردي، وكذلك المجتمع لا يمكن أن يتغير إلا بالعقل الجمعي {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}.

4- عظمة الهدف:

عظمة الهدف تجعل التغيير أكثر فاعلية وتأثير، فعن الإمام الحسين (عليه السلام): "هوّن ما نزل بي أنه بعين الله"، فعندما يكون الهدف كبيرًا فإن الآلام تهون.

5- روح التفائل:

الروح التشاؤمية عائقٌ لروح التغيير، فمثلاً: يدخل الإنسان الجامعة وهو متشائمٌ مما يؤدي به إلى الفشل، فعن النبي (صلى الله عليه وآله): "تفاءلوا بالخير تجدوه".

ونحن بحاجة لتربية أطفالنا على التفائل والاستبشار بالمستقبل، توماس أديسون حاول ما يقارب ألف مرة وعندما قيل له: ألم تيأس؟! قال: لا؛ لأنني في كل مرة أكتشف شيئًا ومعلومة جديدة.

منقول من شبكة المنير


  • المصدر : http://www.ruqayah.net/subject.php?id=1538
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2012 / 07 / 21
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 09 / 23