• الموقع : دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم .
        • القسم الرئيسي : تفسير القرآن الكريم .
              • القسم الفرعي : تفسير السور والآيات .
                    • الموضوع : معطيات آية المودة ( المحاضرة الخامسة) .

معطيات آية المودة ( المحاضرة الخامسة)

آية الله العظمى السيد محمود الشاهرودي

بِسْمِ اللّهِ الرّحْمنِ الرّحِيمِ

انتهينا بالأمس إلى هذه النقطة، وهي أنّ رسالة الأنبياء والرسل ومسؤوليتهم هي تأسيس الشريعة وصنع الأمة الرساليّة الربانيّة، ومسؤولية الأوصياء والأئمة صيانة الأمة الرساليّة، وصيانة الرسالة المؤسّسة، وقلنا: إنّ هذا الإطار العام لفهمنا وإدراكنا لموقف الأوصياء والأئمة، فالأئمة، هم المسؤولون عن مسألة الصيانة، وقلنا أيضاً إنّ مسألة الصيانة يكون لها مجالان:

المجال الأول: هو صيانة نفس الرسالة من التحريف والتشويه والتغيّر في قيمها وأحكامها، كما وقع لكثير من الرسالات قبل الإسلام.

المجال الثاني: هو أهم وأخطر وأصعب من ذلك، وهو صيانة الأمة الرساليّة من التميّع والتذلّل والتحوّل والانحراف،.. ولا تحكمها الرسالة، بل تحكمها أفكار ومفاهيم فاسدة غير صالحة، هذا أيضاً المجال الثاني لمسألة الصيانة.

الدور المشترَك لجميع أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، كان عبارة عن كيفيّة صيانة الرسالة كرسالة من التحريف، وكيفيّة المحافظة على روح الإسلام في الأمة، تلك الروح التي خَلقها وربّاها وأسّسها النبي (صلَّى الله عليه وآله) في هذه الأمة، كيف يحافظوا على تلك الروح، وكيف يحفظوا الإسلام المجسّد في الواقع الخارجي الحيّ لكي يُبقوه خالداً باقياً مع الناس، وتبقى الأمة الرسالية باقية وخالدة في عمود الزمان.

هذا هو القاسِم المشترَك بين مواقف وأدوار الأئمة جميعاً، والتغيرات التي نحن نجدها في مواقف هذا الإمام، أو ذاك قلنا: إنّها ترجع إلى اختلاف الظروف التي كان يمرّ بها كل واحد من الأئمة، هذه الظروف تختلف من زمن إمام إلى زمن إمام آخر، وطبيعة الخطر المُحدِق بالرسالة والأمة الرساليّة في زمن هذا الإمام، تختلف عن طبيعة الخطر المُحدِق في زمن الإمام الآخر، اختلاف هذه الأخطار ونوعيتها وشكلها، كانت تقتضي أيضاً اختلافاً في شكل الحلول والصيانة التي تتحمّل عبؤها ومسؤوليتها الإمامة.

فاختلفت المواقف في زمن هذا الإمام عن المواقف في زمن ذاك الإمام، ثار أحد الإمامين وصالح الإمام الآخر، اهتم بالجانب الفكري والتشريعي بالرسالة هذا الإمام، واهتم بالجانب السياسي، والمعارَضة، والجهاد، والقيام في وجه الظالمين الإمام الآخر، هذا هو الإطار العام الذي نفهم من خلاله حياة أئمتنا (عليهم السلام)، وقلنا من خلال هذا الإطار ندخل في تحليل ثورة الحسين (عليه السلام)، ونستوعب موقفه، وماذا كان يقصد من ثورته، وكيف صان الرسالة الإسلامية في زمن إمامته عن الأخطار المُحدِقة بهذه الرسالة، وما هي أبعاد الصيانة وخصوصياتها؟ هذا هو البحث الذي لابدّ وأن ندخل فيه.

أبعاد صيانة الرسالة في حياة كل إمام.

قبل الدخول في هذا البحث نُمهِّد ونتكلم في بعض المقدمات:

المقدّمة الأولى: سلوك الأئمة كأقوالهم حُجة على الناس.

إنّ أئمتنا (عليهم السلام) من الناحية العقائدية، نعتقد أنّ أفعالهم، وأعمالهم، وسلوكهم، كأقوالهم حُجة على العباد، لا تختلف درجة اعتبار عمل الإمام عن قول الإمام، بل درجة حجيّته واعتباره كحجيّة واعتبار كلامه وقوله، إذن، فعندما نبحث وندرس تحليل مواقف هذا الإمام أو ذاك الإمام، لا نقصد من ذلك، أنّنا نريد أن نُصحِّح فعل الإمام، ونوجِّه ونبرِّر على أساسه صحة ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) مثلاً، وصُلح الحسن (عليه السلام)، وصحة دعاء الإمام السجّاد (عليه السلام)، لا نريد أن نعطي بهذه الأبحاث التوجيهات والتصحيحات لمواقف الأئمة (عليه السلام)، بل مواقفهم وأعمالهم حُجة، سواء فهمناها وأدركناها ووعينا أهدافها، أو لم ندرك هذه المواقف والأعمال؛ لأنّ السلوك الصادر من الإمام، سلوك صادر من معصوم، وسلوك المعصوم، وعمله، وتقريره، كلّها حُجة وسنّة، يُحتج بها في مقام الاعتبار والموقف الشرعي الصحيح.

إذن، نحن لا نريد ولا ينبغي أن نريد بمثل هذه الأبحاث، والتعليلات التاريخية لموقف أئمتنا (عليهم السلام)، أن نُعطي توجيهاً وتصحيحاً ـ أعوذ بالله ـ لمواقفهم وأعمالهم، عملهم هو الحُجة لنا، هو عين الصحة ومدارها، كما أنّ أقوالهم هي المدار والميزان، وهي التي تبيّن وتفرّق الحق من الباطل، كذلك أعمالهم، ومواقفهم، وسلوكهم الاجتماعي.

هذه المواقف والأعمال، كلّها هي مقياس للفصل بين الحق والباطل، وهي مقياس الحق، فليس هذا البحث لذلك؛ بل من أجل أن نستفيد  ولنتعمّق في فهم أدوار  وحُكم هذه المواقف، نظير ما نفعله بالنسبة إلى بعض التشريعات والأنظمة  الإسلامية، مثل: نظام الاقتصاد، أو نظام  المِلكية في الإسلام.

من أجل أن نفهم حِكمة هذا النظام، وهذه المفردة من مفردات النظام الاقتصادي، ونبيّن أنّ فكرة مِلكيّة الدولة في الإسلام، هذه ما هي حُكمها، وما هي الأغراض والأهداف الاقتصادية من ورائها؟  من أجل استيضاح الخلفيّة الموجودة من وراء هذا التشريع، فهناك تشريعات إسلامية نحن بعض الأوقات، أو في بعض المجالات، نضطر إلى شرح خلفيتها وحِكمتها وآثارها،... هنا أيضاً بنفس الروح والنفس، نعالج دراستنا وبحثنا عن مواقف الأئمة (عليهم السلام)، فإذن، نحن نريد أن نستفيد في تلقّينا لهذه المواقف الصادرة من المعصوم، بمقدار ما نتمكن من معرفتها، وإذا لم نتمكن في موقف معيّن التعرف على كل أبعاد الحِكمة المخبوءة من وراء ذلك الموقف، هذا لا يعني أنّنا لا نجد ذاك الموقف موقفاً صحيحاً، بل الموقف هو الصحيح، ولكن عقولنا لم تصل إلى إدراك أبعاده، هذا هو المنهج الصحيح، الذي على أساسه لابدّ وأن تقوم كل الدراسات عن مواقفهم وأعمالهم وسلوكهم.

ولكن نحن في  نفس الوقت، نعتقد أنّ  هذه المواقف  التي وقفها  الأئمة  لم تكن مواقف ارتجالية ـ والعياذ بالله ـ كما نعتقد بأنّ أحكام الشريعة لها حِكم ومصالح، وأنّ الله لم يُصدرها أحكاماً بدون مِلاكات، وكل حُكم من الأحكام الإلهية له مِلاكات وراءها، ربّما تغفل البشريّة عن إدراكها في مورد أو موردين، إلاّ أنّها بالتدريج خصوصاً عندما تُطبّق الشريعة كاملةً، تستطيع أن تتعرف على الحُكم من وراء التشريع.

كذلك نحن نعتقد أنّ مواقف الأئمة، لم تكن مرتجَلة وغير هادفة،....بل كانت مواقف هادفة خصوصاً في الوضع الاجتماعي، المواقف والأدوار الاجتماعية التي قام بها الأئمة، كانت كلّها مواقف هادفة؛ يستهدفون من وراءها هدفاً معيناً، وتحقيق ما يمكن تحقيقه من فكرة الصيانة بالشكل المتناسب والمنسجم مع ظروف وطبيعة واقع الإمام المعاصر.

إذن، فالإيمان والاعتقاد بحجيّة أعمال الأئمة ومواقفهم كأقوالهم، هذا الإيمان كما يمنعنا من التحليل والتفسير التبريري لمواقفهم، كذلك لا ينبغي أن يجعلنا هذا المبدأ، أن نفهم المواقف، والأدوار، والسلوك الفردي الذي قام به الإمام المعين كسلوك مرتجل، وغير هادف، وليس من ورائه أي غاية ونتيجة كان يقصدها الإمام، بل في نفس الوقت الذي نعتقد بأنّ أعمالهم كلّها حُجة وصحيحة ـ بل هي عين الصحة والصواب ـ نعتقد أنّ هذه الأعمال، وهذه المواقف، كانت من ورائها أهداف، وكانت طريقاً إلى حفظ الإسلام وصيانة الأمة الرساليّة، وأنّها لم تكن مواقف بلا أهداف، أو لم تكن مواقف ناتجة من حالات خاصة وأمزِجَة شخصيّة، من موقع قلبي، أو عاطفي، أو اجتماعي معين، هذه القضايا كلّها لا يمكن القبول والمساعدة على شيء منها، بل كانت هذه المواقف جميعها في سبيل وفي طريق هدف الصيانة.

من خلال هذه المقدّمة، نحن نريد أن نصل إلى هذه النتيجة: أنّ مواقف الأئمة وأدوارهم موجّهة على كل حال، ونحن لا نريد أن نعطيها توجيهاً، وأنّها في نفس الوقت مواقف هادفة، من ورائها حِكم وأهداف كان الأئمة يُخططون للوصول إليها، خصوصاً في الحقل الاجتماعي في عملية التغيّر الاجتماعي، والقيادة الاجتماعية التي كانوا مُكلّفين بها.

ونحن في هذه الدراسات، والتحليلات، والتعليلات لمواقفهم وأدوارهم، أو لسائر الأدوار التي قام بها الأئمة، نريد أن نستزيد فهماً لهذه الحِكم الموجودة وراء هذه الأعمال الصادرة من هؤلاء المعصومين؛ لنستفيد ونهتدي بتلك الحِكم في منهجنا، وننتهج سلوكاً يحفظ نفس الأهداف التي خطّطوا لها، واستهدفوها من وراء تلك المواقف.

المقدّمة الثانية: فقدان البحوث التحليلية لتاريخ أئمتنا (عليهم السلام).

إنّ التحليلات والبحوث التاريخية عن حياة أهل البيت والأئمة (عليهم السلام)، بحوثٌ فيها كثير من نقاط الضعف والفراغ.

هذه البحوث الموجودة في كتب التاريخ التي يطالعها الإنسان، عندما يراجع كتب التأريخ والسيَر، غالباً ما تقتصر على سرد الأحداث التاريخية، أو سرد جملة من الأحداث والوقائع التي حدثت في زمن هذا الإمام أو ذاك الإمام، أو سرد المناقب الخاصة لهذا الإمام أو لذاك، طبيعة هذا السرد، طبيعة نقل الحادثة والواقعة كمجرّد تاريخ، نقل حادثة تاريخية مجردّة، أي نقل شيء مبهم، لا يعطي معنى ايجابي حي، فنقل تلك الحادثة، أو ذاك الموقف، أو هذه المنقبة التي حدثت في زمن هذا الإمام، لا يفيد في توضيح خلفيّة هذا الحادث وايجابياته ومُعطياته، هذه الحادثة وقعت لماذا؟ هذا الموقف صدر لأي هدفٍ من الإمام؟

النقل التاريخي لا يبيّن هذه النقطة، لا يتكفّل إلاّ بنقل الصورة التي وقعت، النيّة الموجودة من ورائها في أغلب الأحيان لا تصل إليها نظارة النقل التاريخي، هذه بحاجة إلى طبيعة أخرى من البحث، وهو ما يسمّى بـ(التحليل التاريخي)، كذلك بحاجة إلى جمع مفردات، وشواهد عديدة. وإيجاد ترابط بين هذه الأحداث التاريخية، واستكشاف الأهداف والخلفيّات من مجموعة هذه الأحداث، من خلال جمع أحداث تاريخية وتنظيمها في نسق واحد؛ لتكون دلالة فاعلة تستوضح لنا الأهداف، والغايات المرتقبة من خلال مواقف أئمتنا، فهناك مجرّد عملية نقل تاريخي وهو (التاريخ)، وهناك تحليل للتاريخ، والذي يعني: استكشاف الخلفيات والنوايا، وإيجاد الترابط بين هذا الحدث أو ذاك الحدث.

من خلال هذا الموقف أو ذاك الموقف، نستطيع إخراج صورة متكاملة وفيها الأسس والنتائج والأسباب والعِلل، هذه الناحية من الدراسة التاريخية غير موجودة في كتب التاريخ، التي تقتصر عادة على النقل التاريخي ومجرّد تاريخ الحادثة وذكرها، إضافةً إلى أنّ هذه النقول التاريخية:

أولاً: ليست مضبوطة مائة بالمائة، فيها الكثير من التغيّر والتلاعب والاشتباه، أو الدس والتزوير. وثانياً: ليست مستوعِبة لكل المفردات التي صدرت من هذا الإمام، أو ذاك الإمام، وليس تمام ما صدر في حياة هذا الإمام أو ذاك، هناك فترات من حياة الأئمة، أصلاً لا نملك في كتب التاريخ أي خبر عنها، وضع الإمام المعيّن في فترة معيّنة من التاريخ، وماذا كان سلوكه وديدنه لا يوجد شيء عنه، مسكوت في كتب التاريخ.

وثالثاً: ظروف الأئمة (عليهم السلام) حيث كانت مُبتلات من حيث المواجهة، وحالة المراقَبة من قِبَل الطواغيت والسلطات الظالمة كانت ظروف تقية، فإنّ ظروف التقية كانت كثيراً ما تجعل القضايا الأساسية، وكثير من الحلقات ـ التي تستطيع أن تُفسر وتَشرح لنا الخريطة الكاملة لهدف الإمام ـ مستورة تحت ستار التقية؛ لأنّ الإمام غير مستعد أن يُبرز تلك الحلقات، والمواقف، والخصوصيات لكل أحد، كانت تبقى مستورة حسب الظروف الصعبة والشديدة التي كانوا يمرون بها، وهذا أيضاً يجعل هناك نقطة فراغ أخرى وأكبر مما سجّله التاريخ عن حياة أئمتنا (عليهم السلام)، فهناك قضايا كثيرة نحن لا نعلم أنّها كانت قضايا تصدر من الأئمة، لكن بحاجة إلى حلقات مفقودة، التي هي في كتب التاريخ ـ على الأقل ـ مفقودة قد يستكشفها الباحث التاريخي استكشافاً بالحدس يحدسه، أو على أساس عقيدة خاصة.

إذن، هذه نقطة فراغ ثالثة موجودة في الكتب التاريخية، وما تسجّله لنا عن حياة أئمتنا (عليهم السلام).

ورابعاً: وهي لا تقل أهمية عن النقاط السابقة، فهي نقطة مهمة لفهم الخريطة التي كان يخطط لها هذا الإمام أو ذاك الإمام، فِهمها بالشكل الكامل ـ في نظري ـ تتوقف على أن يكون الإنسان له خلفيّة صحيحة، وله تلقي صحيح للإمام، ومعنى الإمام، وموقعه في الأمة بحيث الأشخاص والفِرَق الذين لا يعرفون الإمام ومعنى إمامته حق المعرفة، ولا يعرفون موقع الأئمة من الرسالة وموقعهم الرسالي، قد لا يستطيعون أن يفهموا جملة من النوايا، والتخطيطات، والأهداف التي كان يقصدها الإمام.

في نظري أنّ هذه النقطة، هي السبب في أنّ الباحثين الجدّد، الذين قد طرقوا هذا اللون من البحوث التحليلية لا النقلية، حيث إنّها بدأت منذ فترة في العالم، وأيضاً تسرّبت إلى عالَم المسلمين، إلى المكتبات الإسلامية والثقافة الإسلامية، حيث توجد دراسات حديثة عن حياة الأئمة، أو تاريخ بعضهم بشكل تحليلي، يحاولون خلالها أن يحلِّلوا ويستوضحوا ثورة الحسين(عليه السلام)، يبيّنوا أهدافها، وأسبابها، وعِللها، ونتائجها، خصوصاً البحوث الاستشراقية منها، حيث إنّ الطبيعة الجديدة للبحث العلمي التاريخي، بدأ باستثناء مقدمة ابن خلدون، يقولون: إنّه أيضاً فيه هذا الجانب، حيث هناك دعوى أنّ هذه المقدّمة تتميّز عن سائر الكتب التاريخية، في أنّها تحليلية، وأنّ ابن خلدون أوّل مَن استعمل هذا الأسلوب العلمي والتاريخي في دراسة التاريخ، إلاّ أنّ شيوع هذا النحو من الدراسة التاريخية بدأ في الغرب أولاً، ثم انتقل إلى عالَم المسلمين، فهناك دراسات للمستشرقين أو للمفكّرين المسلمين أنفسهم، دراسات لبعض الأئمة لثورة الحسين (عليه السلام) على الخصوص، هذه دراسات بحسب منهجيتها منهجية تحليليّة، لا سرديّة، لا تقتصر على سَرد التاريخ وتبدأ بتحليله، إلاّ أنّنا  نجد الباحثين في هذه الدراسات، لم يكونوا على اطلاع وإيمان بمبدأ الولاية ومعناها ومعنى الإمام، لم يكونوا على اطلاع بتراث أهل البيت (عليهم السلام)، ولم يكونوا متربّين في مدرستهم.

في كثير من الموارد، بل في كثير من الأحيان يخطأون في تحليلهم، ويحاولون أن يربطوا قصة الحسين (عليه السلام) بعِلل شخصيّة مثلاً: أنّه امتداد لصراع بين هاشم وبين أميّة،.. أو يُفسرون ثورته بِعلل مزاجية، أنّ الإمام الحسين كان مِزاجه مزاجاً خاصاً، وهكذا في طبيعة تحليلاتهم، حيث إنّهم لا يؤمنون بالعقيدة الخاصة في حقل الأئمة، وأيضاً لم يتربّوا في مدرستهم، فلا يستطيعوا أن يُعطوا التفسير الصحيح لموقف هذا الإمام، أو ذاك الإمام.

إذن، إعطاء التفسير الصحيح والمعمّق لمواقف الأئمة، لابدّ وأن يكون الشخص الباحث لا فقط على تماس وصِلة بمعتقدات الإمامية، بل من الأشخاص الذين لهم اطلاع حقيقي، وتربية حقيقيّة بمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وتراثهم.

من خلال هذه المدرسة، وتراثها، ومبادئها، وقيمها، ومفاهيمها،.... يستطيع الإنسان أن يُعطي التفسير الصحيح، وإلاّ يتخبّط كما تخبّط هؤلاء في محاولاتهم لتفسير مواقف أئمة أهل البيت، كفشلهم في تقييم الثورة الحسينية المباركة، فهذه لا تصدر من إنسان اعتيادي، عن ناس غير كاملين أصلاً، وغير متربّين تربية رسالية كاملة، فضلاً من أن يكون إنساناً معصوماً مثل: الحسين (عليه السلام).

إذن، في هذه النقطة، نحن نؤكد على أهمية التحليل التاريخي، والدراسة التحليلية لمواقف الأئمة، والدراسة التي تحاول أن تكشف خلفيّات، وأبعاد، وأهداف حركة هذا الإمام وتحرّك ذاك الإمام، في نفس الوقت ينبغي أن نعلم، أنّ هذا التحليل ما يضمن لنا أن يكون صحيحاً هو: أن نكون على قرب من مدرسة آل البيت (عليهم السلام)، على أن نستخلص ونستخرج هذا التفسير من خلال المفاهيم التي وضعوها هُم، والأمور التي بيّنوها أيضاً، ولا نقتصر على الاستفادة ممّا تُسجّله الكتب التاريخية العامّة، من الوقائع، والأهداف المطلوب جمع المفردات التاريخية وصياغتها صياغة حيّة؛ لاستخراج التحليل التاريخي الفعّال، أو التفسير التاريخي المعطاء لموقف الإمام الحسين (عليه السلام) الثائر، أو لصلح الإمام الحسن (عليه السلام) الواقي.

المقدّمة الثالثة: ثورة الحسين (عليه السلام) مدرسة متكاملة.

إنّ الحسين (عليه السلام) ـ وموقفه، أو ثورته فيها جوانب كثيرة ـ في الواقع مدرسة كاملة، الإنسان من خلال دراسته لهذه الثورة، يمكنه أن يطّلع على أكثر قيم، ومُثل الرسالة الإسلامية مجسّدة في أعمال هذا الثائر الإلهي، وأعمال أصحابه ومواقفهم، الثورة أجلّ وأعظم من أن تحيطها الألباب، أو الوقائع والتحليلات، الرسالة كلّها مجسّدة فيها، بكل قِيمها ومبادئها، وإذا أراد أحد أن يشرح ما فيها من الحِكم والدِلالات، وما كانت لها من النتائج، يستطيع أن يستخلص من هذه الثورة كل المبادئ الخيّرة، والمفاهيم الإسلامية المُعطاءة، لأنّها كلّها كانت موجودة في الإمام المعصوم وأصحابه، كلّها كانت موجودة في تفاصيل ثورته، وجزئيات حركته، وهذه سوف تكون مسألة كبيرة وواسعة، ونحن لا نستطيع أن نؤدّي ونتحمل عِبء هذه المسألة بهذا الشكل، هذا معناه أنّه نستخلص الرسالة الإسلامية كلّها من خلال ثورة الحسين (عليه السلام)؛ لأنّ هذه الثورة المباركة والمقدّسة، لها هذا العمق وفيها هذا المقدار من العطاء، ولهذا قال النبي (صلَّى الله عليه وآله ): ((حسين مني وأنا من حسين)).

واقعاً ثورة الحسين (عليه السلام) فيها كل محمد ورسالته (صلَّى الله عليه وآله )، إلاّ أنّنا سوف نقتصر في البحث على جانب ضئيل بضآلة أنفسنا، وإدراكنا، ومفهومنا، وقصورنا، على جانب فقط من جوانب الثورة المباركة، وهذا الجانب هو (الجانب الاجتماعي السياسي)، نريد أن نبحث عن أنّ هذه العملية الضخمة التي قام بها الحسين (عليه السلام)، من الناحية العمليّة والسياسيّة، ماذا كان يستهدف الإمام من ورائها سياسيّاً واجتماعيّاً؟

قلنا: إنّ أعمالهم ومواقفهم هادفة، فهذه الثورة كان لها هدف من نظر الإمام الحسين (عليه السلام)، ما هو هذا الهدف الاجتماعي والسياسي الذي كان يستهدفه؟ نحن نحاول أن نقتصر في حديثنا على هذه النقطة، وهذا الجزء من أجزاء مدرسة الإمام الحسين (عليه السلام).

والحمدُ لله رب العالمين


  • المصدر : http://www.ruqayah.net/subject.php?id=652
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2009 / 07 / 30
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 06 / 25