00989338131045
 
 
 
 
 
 

 من ص ( 1 ـ 96 )  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الميزان في تفسير القرآن ( الجزء الأول )   ||   تأليف : السيد الطباطبائي

الميزان في تفسير القرآن

السيد الطباطبائي ج 1

[ 2 ]

تمتاز هذه الطبعة عن غيرها بالتحقيق والتصحيح الكامل وإضافات وتغييرات هامة من قبل المؤلف قدس سره

[ 3 ]

الميزان في تفسير القران كتاب علمي فني، فلسفي، أدبي تاريخي، روائي، اجتماعي، حديث يفسر القرآن بالقرآن تأليف العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي قدس سره المجلد الاول منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم المقدسة

[ 4 ]

المقدمة: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، والصلوة على من جعله شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا الى الله باذنه وسراجا منيرا، وعلى آله الذين أذهب عنهم الرجس أهل البيت وطهرهم تطهيرا.

مقدمه: نعرف فيها مسلك البحث عن معاني آيات القرآن الكريم في هذا الكتاب بطريق الاختصار

التفسير (وهو بيان معاني الايات القرآنية والكشف عن مقاصدها ومداليلها) من أقدم الاشتغالات العلمية التي تعهد من المسلمين، فقد شرع تاريخ هذا النوع من البحث والتنقير المسمى بالتفسير من عصر نزول القرآن كما يظهر من قوله تعالى وتقدس (كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة الآية) البقرة - 151. وقد كانت الطبقة الاولى من مفسري المسلمين جماعة من الصحابة (والمراد بهم غير علي عليه السلام، فان له وللائمة من ولده نبأ آخر سنتعرض له) كابن عباس وعبد الله بن عمر وأبي وغيرهم اعتنوا بهذا الشأن، وكان البحث يومئذ لا يتجاوز عن بيان ما يرتبط، من الآيت بجهاتها الادبية وشأن النزول وقليل من الاستدلال بآية على آية وكذلك قليل من التفسير بالروايات المأثورة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في القصص ومعارف المبدء والمعاد وغيرها. وعلى هذا الوصف جرى الحال بين المفسرين من التابعين كمجاهد وقتادة وابن أبي ليلى والشعبي والسدي وغيرهم في القرنين الاولين من الهجرة، فإنهم لم يزيدوا على طريقة سلفهم من مفسري الصحابة شيئا غير انهم زادوا من التفسير بالروايات، (وبينها روايات دسها اليهود أو غيرهم)، فأوردوها في القصص والمعارف الراجعة إلى

[ 5 ]

الخلقة كابتداء السماوات وتكوين الارض والبحار وإرم شداد وعثرات الانبياء تحريف الكتاب واشياء أخر من هذا النوع، وقد كان يوجد بعض ذلك في المأثور عن الصحابة من التفسير والبحث ثم استوجب شيوع البحث الكلامي بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في زمن الخلفاء باختلاط المسلمين بالفرق المختلفة من أمم البلاد المفتوحة بيد المسلمين وعلماء الاديان والمذاهب المتفرقة من جهة. ونقل فلسفة يونان إلى العربية في السلطنة الاموية أواخر القرن الاول من الهجرة، ثم في عهد العباسيين، وانتشار البحث العقلي الفلسفي بين الباحثين من المسلمين من جهة أخرى ثانية. وظهور التصوف مقارنا لانتشار البحث الفلسفي وتمايل الناس ألى نيل المعارف الدينية من طريق المجاهدة والرياضة النفسانية دون البحث اللفظي والعقلي من جهة أخرى ثالثة بقاء جمع من الناس وهم أهل الحديث على التعبد المحض بالظواهر الدينية من غير بحث إلا عن اللفظ بجهاتها الادبية من جهة أخرى رابعة. ان اختلف الباحثون في التفسير في مسالكهم بعد ما عمل فيهم الانشعاب في لمذاهب ما عمل، ولم يبقى بينهم جامع في الرأي والنظر إلا لفظ لا إله إلا الله ومحمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واختلفوا في معنى الاسماء والصفات والافعال والسماوات وما فيها الارض وما عليها والقضاء والقدر والجبر والتفويض والثواب والعقاب وفي الموت وفي البرزخ والبعث والجنة والنار، وبالجملة في جميع ما تمسه الحقائق والمعارف الدينية ولو بعض المس، فتفرقوا في طريق البحث عن معاني الايات، وكل يتحفظ على متن ما اتخذه من المذهب والطريقة. فأما المحدثون، فاقتصروا على التفسير بالرواية عن السلف من الصحابد والتابعين فساروا وجدوا في لسير حيث ما يسير بهم المأثور ووقفوا فيا لم يؤثر فيه شئ ولم يظهر المعنى ظهورا لا يحتاج إلى البحث أخذا بقوله تعالى: (والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا الآية) آل عمران - 7. وقد اخطأوا في ذلك فان الله سبحانه

[ 6 ]

لم يبطل حجة العقل في كتابه، وكيف يعقل ذلك وحجيته انما تثبت به ! ولم يجعل حجية في أقوال الصحابة والتابعين وانظارهم على اختلافها الفاحش، ولم يدع إلى السفسطة بتسليم المتناقضات والمتنافيات من الاقوال، ولم يندب الا إلى التدبر في آياتة، فرفع به أي اختلاف يترائى منها، وجعله هدى ونورا وتبيانا لكلشئ، فما بال النور يستنير بنور غيره ! وما شأن الهدى يهتدى بهداية سواه ! وكيف يتبين ما هو تبيان كلشئ بشئ دون نفسه !. واما المتكلمون فقد دعاهم الاقوال المذهبية على اختلافها أن يسيروا في التفسير على ما يوافق مذاهبهم باخذ ما وافق وتأويل ما خالف، على حسب ما يجوزه قول المذهب. واختيار المذاهب الخاصة واتخاذ المسالك والآراء المخصوصة وان كان معلولا لاختلاف الانظار العلمية أو لشئ آخر كالتقاليد والعصبيات القومية، وليس هيهنا محل الاشتغال بذلك، الا ان هذا الطريق من البحث أحرى به أن يسمى تطبيقا لا تفسيرا ففرق بين ان يقول الباحث عن معنى آية من الآيات: ما ذا يقول القرآن ؟ أو يقول: ما ذا يجب ان نحمل عليه الآية ؟ فان القول الاول يوجب ان ينسى كل امر نظري عند البحث، وان يتكى على ما ليس بنظري، والثاني يوجب وضع النظريات في المسألة وتسليمها وبناء البحث عليها، ومن المعلوم ان هذا النحو من البحث في الكلام ليس بحثا عن معناه في نفسه. وأما الفلاسفة، فقد عرض لهم ما عرض للمتكلمين من المفسرين من الوقوع في ورطة التطبيق وتأويل الآيات المخالفة بظاهرها للمسلمات في فنون الفلسفة بالمعنى الاعم اعني: الرياضيات والطبيعيات والالهيات والحكمة العملية، وخاصة المشائين، وقد تأولوا الآيات الواردة في حقائق ما وراء الطبيعة وآيات الخلقة وحدوث السموات والارض وآيات البرزخ وآيات المعاد، حتى أنهم ارتكبوا التأويل في الآيات التي لا تلائم الفرضيات والاصول الموضوعة التى نجدها في العلم الطبيعي: من نظام الافلاك الكلية والجزئية وترتيب العناصر والاحكام الفلكية والعنصرية إلى غير ذلك، مع انهم نصوا

[ 7 ]

على أن هذه الانظار مبتنية على اصول موضوعة لا بينة ولا مبينة. وأما المتصوفة، فإنهم لاشتغالهم بالسير في باطن الخلقة واعتنائهم بشأن الآيات الانفسية دون عالم الظاهر وآياته الآفاقية اقتصروا في بحثهم على التأويل، ورفضوا التنزيل، فاستلزم ذلك اجتراء الناس على التأويل، وتلفيق جمل شعرية والاستدلال من كل شئ على كل شئ، حتى آل الامر إلى تفسير الآيات بحساب الجمل ورد الكلمات إلى الزبر والبينات والحروف النورانية والظلمانية إلى غير ذلك. ومن الواضح أن القرآن لم ينزل هدى للمتصوفة خاصة، ولا أن المخاطبين به هم أصحاب علم الاعداد والاوفاق والحروف، ولا أن معارفه مبنية على أساس حساب الجمل الذي وضعه أهل التنجيم بعد نقل النجوم من اليونانية وغيرها إلى العربية. نعم قد وردت روايات عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمه أهل البيت عليهم السلام كقولهم: ان للقرآن ظهرا وبطنا ولبطنه بطنا إلى سبعة ابطن أو إلى سبعين بطنا الحديث. لكنهم (عليهم السلام) إعتبروا الظهر كما اعتبروا البطن، واعتنوا بأمر التنزيل كما اعتنوا بشأن التأويل، وسنبين في أوائل سورة آل عمران ان شاء الله: أن التأويل الذي يراد به المعنى المقصود الذي يخالف ظاهر الكلام من اللغات المستحدثة في لسان المسلمين بعد نزول القرآن وانتشار الاسلام، وان الذي يريده القرآن من لفظ التأويل فيما ورد فيه من الايات ليس من قبيل المعنى والمفهوم. وقد نشأ في هذه الاعصار مسلك جديد في التفسير وذلك أن قوما من منتحلي الاسلام في أثر توغلهم في العلوم الطبيعية وما يشابهها المبتنية على الحس والتجربة، والاجتماعية المبتنية على تجربة الاحصاء، مالوا إلى مذهب الحسيين من فلاسفة الاروبة سابقا، أو إلى مذهب أصالة العمل (لا قيمة للادراكات الاترتب العمل عليها بمقدار يعينه الحاجة الحيوية بحكم الجبر). فذكروا: ان المعارف الدينية لا يمكن أن تخالف الطريق الذي تصدقه العلوم وهو أن: (لا أصالة في الوجود إلا للمادة وخواصها المحسوسة) فما كان الدين يخبر عن وجوده مما يكذب العلوم ظاهره كالعرش والكرسي واللوح والقلم يجب أن يؤل تأويلا.

[ 8 ]

وما يخبر عن وجوده مما لا تتعرض العلوم لذلك كحقائق المعاد يجب أن يوجه بالقوانين المادية. وما يتكي عليه التشريع من الوحي والملك والشيطان والنبوة والرسالة والامامة وغير ذلك، إنما هي امور روحية، والروح مادية ونوع من الخواص المادية، والتشريع نبوغ خاص اجتماعي يبني قوانينه على الافكار الصالحة، لغاية إيجاد الاجتماع الصالح الراقي. ذكروا: أن الروايات، لوجود الخليط فيها لا تصلح للاعتماد عليها، إلا ما وافق الكتاب، وأما الكتاب فلا يجوز أن يبنى في تفسيره على الآراء والمذاهب السابقة المبتنية على الاستدلال من طريق العقل الذي أبطله العلم بالبناء على الحس والتجربة، بل الواجب أن يستقل بما يعطيه القرآن من التفسير إلا ما بينه العلم. هذه جمل ما ذكروه أو يستلزمه ما ذكروه، من اتباع طريق الحس والتجربة، فساقهم ذلك إلى هذا الطريق من التفسير، ولا كلام لنا هيهنا في اصولهم العلمية والفلسفية التي اتخذوها اصولا وبنوا عليها ما بنوا. وإنما الكلام في أن ما اوردوه على مسالك السلف من المفسرين (أن ذلك تطبيق وليس بتفسير) وارد بعينه على طريقتهم في التفسير، وإن صرحوا أنه حق التفسير الذي يفسر به القرآن بالقرآن. ولو كانوا لم يحملوا على القرآن في تحصيل معاني آياته شيئا، فما بالهم يأخذون الانظار العلمية مسلمة لا يجوز التعدي عنها ؟ فهم لم يزيدوا على ما أفسده السلف اصلاحا. وانت بالتأمل في جميع هذه المسالك المنقولة في التفسير تجد: ان الجميع مشتركة في نقص وبئس النقص، وهو تحميل ما انتجه الابحاث العلمية أو الفلسفية من خارج على مداليل الآيات، فتبدل به التفسير تطبيقا وسمي به التطبيق تفسيرا، وصارت بذلك حقائق من القرآن مجازات، وتنزيل عدة من الآيات تأويلات. ولازم ذلك (كما أومأنا إليه في أوائل الكلام) أن يكون القرآن الذي يعرف

[ 9 ]

نفسه (بأنه هدى للعالمين ونور مبين وتبيان لكل شئ) مهديا إليه بغيره ومستنيرا بغيره ومبينا بغيره، فما هذا الغير ! وما شأنه ! وبماذا يهدي إليه ! وما هو المرجع والملجا إذا اختلف فيه ! وقد اختلف واشتد الخلاف. وكيف كان فهذا الاختلاف لم يولده اختلاف النظر في مفهوم (مفهوم اللفظ المفرد أو الجملة بحسب اللغة والعرف العربي) الكلمات أو الآيات، فإنما هو كلام عربي مبين لا يتوقف في فهمه عربي ولا غيره ممن هو عارف باللغة واساليب الكلام العربي. وليس بين آيات القرآن (وهي بضع آلاف آية) آية واحدة ذات اغلاق وتعقيد في مفهومها بحيث يتحير الذهن في فهم معناها، وكيف ! وهو افصح الكلام ومن شرط الفصاحة خلو الكلام عن الاغلاق والتعقيد، حتى أن الآيات المعدودة من متشابه القرآن كالآيات المنسوخة وغيرها، في غاية الوضوح من جهة المفهوم، وإنما التشابه في المراد منها وهو ظاهر. وإنما الاختلاف كل الاختلاف في المصداق الذي ينطبق عليه المفاهيم اللفظية من مفردها ومركبها، وفي المدلول التصوري والتصديقي. توضيحه: ان الانس والعادة (كما قيل) يوجبان لنا ان يسبق إلى أذهاننا عند استماع الالفاظ معانيها المادية أو ما يتعلق بالمادة فإن المادة هي التي يتقلب فيها ابداننا وقوانا المتعلقة بها ما دمنا في الحيوة الدنيوية، فإذا سمعنا الفاظ الحيوة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والارادة والرضا والغضب والخلق والامر كان السابق إلى أذهاننا منها الوجودات المادية لمفاهيمها. وكذا إذا سمعنا الفاظ السماء والارض واللوح والقلم والعرش والكرسي والملك واجنحته والشيطان وقبيله وخيله ورجله إلى غير ذلك، كان المتبادر إلى افهامنا مصاديقها الطبيعية. وإذا سمعنا: إن الله خلق العالم وفعل كذا وعلم كذا وأراد أو يريد أو شاء وأو يشاء كذا قيدنا الفعل بالزمان حملا على المعهود عندنا. وإذا سمعنا نحو قوله: (ولدينا مزيد الآية) وقوله: (لا تخذناه من لدنا الآية)

[ 10 ]

وقوله: (وما عند الله خير الآية). وقوله: (إليه ترجعون الآية) قيدنا معنى الحضو بالمكان. وإذا سمعنا نحو قوله: (إذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها الآية). أو قوله: (ونريد ان نمن الآية) أو قوله: (يريد الله بكم اليسر الآية) فهمنا: أن الجميع سنخ واحد من الارادة، لما إن الامر على ذلك فيما عندنا، وعلى هذا القياس. وهذا شأننا في جميع الالفاظ المستعملة، ومن حقنا ذلك، فإن الذي أوجب علينا وضع الفاظ إنما هي الحاجة الاجتماعية إلى التفهيم والتفهم، والاجتماع إنما تعلق به الانسان ليستكمل به في الافعال المتعلقة بالمادة ولواحقها، فوضعنا الالفاظ علائم لمسمياتها التي نريد منها غايات واغراضا عائدة الينا. وكان ينبغي لنا ان نتنبه: أن المسميات المادية محكومة بالتغير والتبدل بحسب تبدل الحوائج في طريق التحول والتكامل كما ان السراج أول ما عمله الانسان كان اناء فيه فتيلة وشئ من الدهن تشتعل به الفتيلة للاستضائه به في الظلمة، ثم لم يزل يتكامل حتى بلغ اليوم إلى السراج الكهربائي ولم يبق من اجزاء السراج المعمول أولا الموضوع بازائه لفظ السراج شئ ولا واحد. وكذا الميزان المعمول أولاو، الميزان المعمول اليوم لتوزين ثقل الحرارة مثلا. والسلاح المتخذ سلاحا أول يوم، السلاح المعمول اليوم إلى غير ذلك. فالمسميات بلغت في التغير إلى حيث فقدتجميع أجزائها السابقة ذاتا وصفة والاسم مع ذلك باق، وليس إلا لان المراد في التسمية إنما هو من الشئ غايتة، لا شكله وصورتة، فما دام غرض التوزين االاستضائة أو الدفاع باقيا كان اسم الميزان والسراج والسلاح وغيرها باقيا على حاله. فكان ينبغي لنا ان نتنبه أن المدار في صدق الاسم اشتمال المصداق على الغاية والغرض، لا جمود اللفظ على صورة واحدة، فذلك مما لا مطمع فيه البتة، ولكن العادة والانس منعانا ذلك، وهذا هو الذي دعى المقلدة من أصحاب الحديث من الحشوية والمجسمة ان يجمدوا على ظواهر الآيات في التفسير وليس في الحقيقة جمودا على الظواهر بل هو جمود على العادة والانس في تشخيص المصاديق.

[ 11 ]

لكن بين هذه الظواهر أنفسها امور تبين: أن الاتكاء والاعتماد على الانس والعادة في فهم معاني الآيات يشوش المقاصد منها ويختل به أمر الفهم كقوله تعالى: (ليس كمثله شئ الآية). وقوله: (لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير). وقوله: (سبحان الله عما يصفون). وهذا هو الذي دعى الناس أن لا يقتصروا على الفهم العادي والمصداق المأنوس به الذهن في فهم معاني الآيات كما كان غرض الاجتناب عالخطاء والحصول على النتائج المجهولة هو الذي دعى الانسان إلى ان يتمسك بذيل البحث العلمي، وأجاز ذلك للبحث ان يداخل في فهم حقائق القرآن وتشخيص مقاصدة العالية، وذلك على احد وجهين، احدهما: ان نبحث بحثا علميا أو فلسفيا أو غير ذلك عن مسألة من المسائل التي تتعرض له الآية حتى نقف على الحق في المسألة، ثم نأتي بالآية ونحملها عليه، وهذه طريقة يرتضيها البحث النظري، غير ان القرآن لا يرتضيها كما عرفت، وثانيهما: ان نفسر القرآن بالقرآن ونستوضح معنى الاية من نظيرتها بالتدبر المندوب إليه في نفس القرآن، ونشخص المصاديق ونتعرفها بالخواص التي تعطيها الايات، كما قال تعالى: (إنا نزلنا عليك الكتاب تبيانا لكلشئ الاية). وحاشا أن يكون القرآن تبيانا لكلشئ ولا يكون تبيانا لنفسه، وقال تعالى: (هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان الآية). وقال تعالى: (إنا أنزلنا اليكم نورا مبينا الآية). وكيف يكون القرآن هدى وبينة وفرقانا ونورا مبينا للناس في جميع ما يحتاجون ولا يكفيهم في احتياجهم إليه وهو اشد الاحتياج ! وقال تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا الاية). واي جهاد اعظم من بذل الجهد في فهم كتابه ! واي سبيل اهدى إليه من القرآن !. والايات في هذا المعنى كثيرة سنستفرغ الوسع فيها في بحث المحكم والمتشابه في اوائل سورة آل عمران. ثم إن النبي صلى الله عليه واله وسلم الذي علمه القرآن وجعله معلما لكتابه كما يقول تعالى: (نزل به الروح الامين على قلبك الاية). ويقول: (وانزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم الاية). ويقول: يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة الاية). وعترته واهل بيته (الذين اقامهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا المقام في الحديث المتفق

[ 12 ]

عليه بين الفريقين (إنى تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ابدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي وأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض). وصدقه الله تعالى في علمهم بالقرآن، حيث قال عز من قائل: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا). وقال: (إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه الا إلمطهرون الاية) وقد كانت طريقتهم في التعليم والتفسير هذه الطريقة بعينها على ما وصل الينا من اخبارهم في التفسير. وسنورد ما تيسر لنا مما نقل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وائمه أهل بيته في ضمن ابحاث روائية في هذا الكتاب، ولا يعثر المتتبع الباحث فيها على مورد واحد يستعان فيه على تفسير الاية بحجة نظرية عقلية ولا فرضية علمية. وقد قال النبي صلى الله عليه وإليه وسلم: (فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم، فعليكم بالقرآن، فانه شافع مشفع وما حل مصدق، من جعله امامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدل على خير سبيل، وهو كتاب تفصيل وبيان وتحصيل وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن، فظاهره حكمة وباطنه علم، ظاهره انيق وباطنه عميق، له نجوم وعلى نجومه نجوم، لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة، ودليل على المعروف لمن عرف النصفة، فليرع رجل بصره، وليبلغ الصفة نظره ينجو من عطب ويخلص من نشب، فإن التفكر حياة قلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور، يحسن التخلص ويقل التربص). وقال علي عليه السلام: (يصف القرآن على ما في النهج) (ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض الخطبة). هذا هو الطريق المستقيم والصراط السوي الذي سلكه معلموا القرآن وهداته صلوات الله عليهم. وسنضع ما تيسر لنا بعون الله سبحانه من الكلام على هذه الطريقة في البحث عن الآيات الشريفة في ضمن بيانات، قد اجتنبنا فيها عن أن نركن إلى حجة نظرية فلسفية أو إلى فرضية علمية، أو إلى مكاشفة عرفانية. واحترزنا فيها عن أن نضع الانكتة ادبية يحتاج إليها فهم الاسلوب العربي أو مقدمة بديهية أو عملية لا يختلف فيها الافهام.

[ 13 ]

وقد تحصل من هذه البيانات الموضوعة على هذه الطريقة من البحث استفراغ الكلام فيما نذكره: (1) المعارف المتعلقة باسماء الله سبحانه وصفاته من الحيوة والعلم والقدرة والسمع والبصر والوحدة وغيرها، وأما الذات فستطلع أن القرآن يراه غنيا عن البيان. (2) المعارف المتعلقة بافعاله تعالى من الخلق والامر والارادة والمشية والهداية والاضلال والقضاء والقدر والجبر والتفويض والرضا والسخط، إلى غير ذلك من متفرقات الافعال. (3) المعارف المتعلقة بالوسائط الواقعة بينه وبين الانسان كالحجب واللوح والقلم والعرش والكرسي والبيت المعمور والسماء والارض والملائكة والشياطين والجن وغير ذلك. (4) المعارف المتعلقة بالانسان قبل الدنيا. (5) المعارف المتعلقة بالانسان في الدنيا كمعرفة تاريخ نوعه ومعرفة نفسه ومعرفة اصول اجتماعه ومعرفة النبوة والرسالة والوحي والالهام والكتاب والدين والشريعة، ومن هذا الباب مقامات الانبياء المستفادة من قصصهم المحكية. (6) المعارف المتعلقة بالانسان بعد الدنيا، وهو البرزخ والمعاد. (7) المعارف المتعلقة بالاخلاق الانسانية، ومن هذا الباب ما يتعلق بمقامات الاولياء في صراط العبودية من الاسلام والايمان والاحسان والاخبات والاخلاص وغير ذلك. وأما آيات الاحكام، فقد اجتنبنا تفصيل البيان فيها لرجوع ذلك إلى الفقه. وقد أفاد هذه الطريقة من البحث إرتفاع التأويل بمعنى الحمل على المعنى المخالف للظاهر من بين الآيات، وأما التأويل بالمعنى الذي يثبته القرآن في مواضع من الآيات، فسترى أنه ليس من قبيل المعاني. ثم وضعنا في ذيل البيانات متفرقات من ابحاث روائية نورد اما تيسر لنا ايراده من الروايات المنقولة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة أهل البيت سلام الله عليهم أجمعين من طرق العامة والخاصة، وأما الروايات الواردة عن مفسري الصحابة والتابعين. فإنها

[ 14 ]

على ما فيها من الخط والتناقض لا حجة فيها على مسلم. وسيطلع الباحث المتدبر في الروايات المنقولة عنهم عليه السلام، ان هذه الطريقة الحديثة التي بنيت عليها بيانات هذا الكتاب، أقدم الطرق المأثورة في التفسير التي سلكها معلموه سلام الله عليهم. ثم وضعنا ابحاثا مختلفة، فلسفية وعلمية وتأريخية واجتماعية وأخلاقية، حسب ما تيسر لنا من البحث، وقد أثرنا في كل بحث قصر الكلام على المقدمات المسانخة له، من غير تعد عن طور البحث. نسئل الله تعالى السداد والرشاد فانه خيرمعين وهاد الفقير إلى الله: محمد حسين الطباطبائي

[ 15 ]

(1 - سورة الحمد وهي سبع آيات)

 بسم الله الرحمن الرحيم - 1. الحمد لله رب العالمين - 2. الرحمن الرحيم - 3. مالك يوم الدين - 4. إياك نعبد واياك نستعين - 5.

(بيان)

 قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم الناس ربما يعملون عملا أو يبتدئون في عمل ويقرنونه باسم عزيز من أعزتهم أو كبير من كبرائهم، ليكون عملهم ذاك مبا ركا بذلك متشرفا، أو ليكون ذكرى يذكرهم به، ومثل ذلك موجود أيضا في باب التسمية فربما يسمون المولود الجديد من الانسان، أو شيئا مما صنعوه أو عملوه كدار بنوها أو مؤسسة اسسوها باسم من يحبونه أو يعظمونه، ليبقى لاسم ببقاء المسمى الجديد، ويبقى المسمى الاول نوع بقاء ببقاء الاسم كمن يسمى ولده باسم والده ليحيى بذلك ذكره فلا يزول ولا ينسى. وقد جرى كلامه تعالى هذا المجرى، فابتدأ الكلام باسمه عز إسمه، ليكون ما، يتضمنه من المعنى معلما باسمه مرتبطا به، وليكون أدبا يؤدب به العباد في الاعمال والافعال والاقوال، فيبتدئوا باسمه ويعملوا به، فيكون ما يعملونه معلما باسمه منعوتا بنعته تعالى مقصودا لاجله سبحانه فلا يكون العمل هالكا باطلا مبترا، لانه باسم الله الذي لا سبيل للهلاك والبطلان إليه. وذلك أن الله سبحانه يبين في مواضع من كلامه: أن ما ليس لوجهه الكريم هالك باطل، وأنه: سيقدم إلى كل عمل عملوه مما ليس لوجهه الكريم، فيجعله هبائا منثورا، ويحبط ما صنعوا ويبطل ما كانوا يعملون، وانه لا بقاء لشئ إلا وجهه الكريم فما عمل لوجهه الكريم وصنع باسمه هو الذي يبقى ولا يفنى، وكل أمر من الامور انما نصيبه من البقاء بقدر ما لله فيه نصيب، وهذا هو الذي يفيده ما رواه الفريقان عن

[ 16 ]

النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنه قال: [ كل امر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو ابتر الحديث ]. والابتر هو المنقطع الآخر، فالانسب ان متعلق الباء في البسملة ابتدئ بالمعنى الذي ذكرناه فقد ابتدء بها الكلام بما انه فعل من الافعال، فلا محالة له وحدة، ووحدة الكلام بوحدة مدلوله ومعناه، فلا محالة له معنى ذا وحدة، وهو المعنى المقصود افهامه من إلقاء الكلام، والغرض المحصل منه. وقد ذكر الله سبحانه الغرض المحصل من كلامه الذي هو جملة القرآن إذ قال تعالى: (قد جائكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله الآية) المائدة - 16. إلى غير ذلك من الآيات التي أفاد فيها: ان الغاية من كتابه وكلام هداية العباد، فالهداية جملة هي المبتدئة باسم الله الرحمن الرحيم، فهو الله الذي إليه مرجع العباد، وهو الرحمن يبين لعباده سبيل رحمته العامة للمؤمن والكافر، مما فيه خيرهم في وجودهم وحياتهم، وهو الرحيم يبين لهم سبيل رحمته الخاصة بالمؤمنين وهو سعادة آخرتهم ولقاء ربهم وقد قال تعالى: (ورحمتي وسعت كلشئ وفسأكتبها للذين يتقون). الاعراف - 156. فهذا بالنسبة إلى جملة القرآن. ثم إنه سبحانه كرر ذكر السورة في كلامه كثيرا كقوله تعالى: (فأتوا بسورة مثله) يونس - 38. وقوله: (فأتوا بعشر سور مثله مفتريات) هود - 13. وقوله تعالى: (إذا أنزلت سورة) التوبة - 86. وقوله: (سورة انزلناها وفرضناها) النور - 1. فبان لنا من ذلك: أن لكل طائفة من هذه الطوائف من كلامه (التي فصلها قطعا قطعا، وسمى كل قطعة سورة) نوعا من وحدة التأليف والتمام، لا يوجد بين أبعاض من سورة ولا بين سورة وسورة، ومن هنا نعلم: أن الاغراض والمقاصد المحصلة من السور مختلفة، وأن كل واحدة منها مسوقة لبيان معنى خاص ولغرض محصل لا تتم السورة إلا بتمامه، وعلي هذا فالبسملة في مبتدإ كل سورة راجعة إلى الغرض الخاص من تلك السورة. فالبسملة في سورة الحمد راجعة إلى غرض السورة و المعنى المحصل منه، والغرض الذي يدل عليه سرد الكلام في هذه السورة هو حمد الله باظهار العبودية له سبحانه بالافصاح

[ 17 ]

عن العبادة والاستعانة وسؤال الهداية، فهو كلام يتكلم به الله سبحانه نيابة عن العبد، ليكون متأدبا في مقام اظهار العبودية بما أدبه الله به. وإظهار العبودية من العبد هو العمل الذى يتلبس به العبد، والامر ذو البال الذي يقدم عليه، فالابتداء باسم الله سبحانه الرحمن الرحيم راجع إليه، فالمعنى بإسمك أظهر لك العبودية. فمتعلق الباء في بسملة الحمد الابتداء ويراد به تتميم الاخلاص في مقام العبودية بالتخاطب. وربما يقال انه الاستعانة ولا بأس به ولكن الابتداء انسب لاشتمال السورة على الاستعانة صريحا في قوله تعالى: (واياك نستعين). وأما الاسم، فهو اللفظ الدال على المسمى مشتق من السمة بمعنى العلامة أو من السمو بمعنى الرفعة وكيف كان فالذي يعرفه منه اللغة والعرف هو اللفظ الدال ويستلزم ذلك، أن يكون غير المسمى، وأما الاسلام بمعنى الذات مأخوذا بوصف من أوصافه فهو من الاعيان لامن الالفاظ وهو مسمى الاسم بالمعنى الاول كما ان لفظ العالم (من اسماء الله تعالى) اسم يدل على مسماه وهو الذات ماخوذة بوصف العلم وهو بعينه إسم بالنسبة إلى الذات الذي لا خبر عنه الا بوصف من اوصافه ونعت من نعوته والسبب في ذلك أنهم وجدوا لفظ الاسم موضوعا للدال على المسمى من الالفاظ، ثم وجدوا أن الاوصاف المأخوذة على وجه تحكي عن الذات وتدل عليه حالها حال اللفظ المسمى بالاسم في أنها تدل على ذوات خارجية، فسموا هذه الاوصاف الدالة على الذوات أيضا أسماء فانتج ذلك ان الاسم كما يكون أمرا لفظيا كذلك يكون أمرا عينيا، ثم وجدوا ان الدال على الذات القريب منه هو الاسم بالمعنى الثاني المأخوذ بالتحليل، وان الاسم بالمعنى الاول إنما يدل على الذات بواسطته، ولذلك سموا الذي بالمعنى الثاني إسما، والذي بالمعنى الاول اسم الاسم، هذا ولكن هذا كله أمر أدى إليه التحليل النظري ولا ينبغي أن يحمل على اللغة، فالاسم بحسب اللغة ما ذكرناه. وقد شاع النزاع بين المتكلمين في الصدر الاول من الاسلام في أن الاسم عين المسمى أو غيره وطالت المشاجرات فيه، ولكن هذا النوع من المسائل قد اتضحت اليوم إتضاحا يبلغ إلى حد الضرورة ولا يجوز الاشتغال بها بذكر ما قيل وما يقال فيها

[ 18 ]

والعناية بابطال ما هو الباطل وإحقاق ما هو الحق فيها، فالصفح عن ذلك اولى. وأما لفظ الجلالة فالله أصله الاله، حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال، وإله من أله الرجل يأله بمعني عبد، أو من اله الرجل أو وله الرجل أي تحير، فهو فعال بكسر الفاء بمعنى المفعول ككتاب بمعنى المكتوب سمي إلها لانه معبود أو لانه مما تحيرت في ذاته العقول، والظاهر انه علم بالغلبة، وقد كان مستعملا دائرا في الالسن قبل نزول القرآن يعرفه العرب الجاهلي كما يشعر به قوله تعالى: (ولئن سئلتهم من خلقهم ليقولن الله) الزخرف - 87، وقوله تعالى: (فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا) الانعام - 136. ومما يدل على كونه علما انه يوصف بجميع الاسماء الحسنى وسائر أفعاله المأخوذة من تلك الاسماء من غير عكس، فيقال: ألله لرحمن الرحيم ويقال: رحم الله وعلم الله، ورزق الله، ولا يقع لفظ الجلالة صفة لشئ منها ولا يؤخذ منه ما يوصف به شئ منها. ولما كان وجوده سبحانه، وهو آله كل شئ يهدي إلى إتصافه بجميع الصفات الكمالية كانت الجميع مدلولا عليها به بالالتزام، وصح ما قيل إن لفظ الجلالة اسم للذات الواجب الوجود المستجمع لجميع صفات الكمال وإلا فهو علم بالغلبة لم تعمل فيه عناية غير ما يدل عليه مادة إله. واما الوصفان: الرحمن الرحيم، فهما من الرحمة، وهي وصف انفعالي وتأثر خاص يلم بالقلب عند مشاهدة من يفقد أو يحتاج إلى ما يتم به أمره فيبعث الانسان إلى تتميم نقصه ورفع حاجته، إلا ان هذا المعنى يرجع بحسب التحليل إلى الاعطاء والافاضة لرفع الحاجة وبهذا المعنى يتصف سبحانه بالرحمة. والرحمن، فعلان صيغة مبالغة تدل على الكثرة، والرحيم فعيل صفة مشبهة تدل على الثبات والبقاء ولذلك ناسب الرحمن ان يدل علي الرحمة الكثيرة المفاضة على المؤمن والكافر وهو الرحمة العامة، وعلى هذا المعنى يستعمل كثيرا في القرآن، قال تعالى: (الرحمن على العرش استوى) طه - 5. وقال (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا) مريم - 75. إلى غير ذلك، ولذلك أيضا ناسب الرحيم ان يدل على النعمة الدائمة والرحمة الثابتة الباقية التي تقاض على المؤمن كما قال تعالى: (وكان

[ 19 ]

بالمؤمنين رحيم) الاحزاب - 43. وقال تعالى: (إنه بهم رؤف رحيم) التوبة - 117. إلى غير ذلك، ولذلك قيل: ان الرحمن عام للمؤمن والكافر والرحيم خاص بالمؤمن. وقوله تعالى: الحمد لله، الحمد على ما قيل: هو الثناء على الجميل الاختياري والمدح اعم منه، يقال: حمدت فلانا أو مدحته لكرمه، ويقال: مدحت اللؤلؤ علي صفائه ولا يقال: حمدته على صفائه، واللام فيه للجنس أو الاستغراق والمال هيهنا واحد. وذلك ان الله سبحانه يقول: (ذلكم الله ربكم خالق كل شئ) غافر - 62. فأفاد أن كل ما هو شئ فهو مخلوق لله سبحانه، وقال: (الذي أحسن كل شئ خلقه) السجدة - 7 فأثبت الحسن لكل شئ مخلوق من جهة أنه مخلوق له منسوب إليه، فالحسن يدور مدار الخلق وبالعكس، فلا خلق إلا وهو حسن جميل باحسانه ولا حسن إلا وهو مخلوق له منسوب إليه، وقد قال تعالى: (هو الله الواحد القهار) الزمر - 4. وقال: (وعنت الوجوه للحي القيوم) طه - 111. فانباء انه لم يخلق ما خلق بقهر قاهر ولا يفعل ما فعل باجبار من مجبر بل خلقه عن علم واختيار فما من شئ إلا وهو فعل جميل اختياري له فهذا من جهة الفعل، وأما من جهة الاسم فقد قال تعالى: (الله لا إله إلا هو له الاسماء الحسنى) طه - 8. وقال تعالى: (ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه) الاعراف - 180. فهو تعالى جميل في اسمائه وجميل في أفعاله، وكل جميل منه. فقد بان انه تعالى محمود على جميل اسمائه ومحمود على جميل أفعاله، وأنه ما من حمد يحمده حامد لامر محمود إلا كان لله سبحانه حقيقه لان الجميل الذي يتعلق به الحمد منه سبحانه، فلله سبحانه جنس الحمد وله سبحانه كل حمد. ثم ان الظاهر من السياق وبقرينة الالتفات الذي في قوله: (إياك نعبد لآية) إن السورة من كلام العبد، وانه سبحانه في هذه السورة يلقن عبده حمد نفسه وما ينبغي ان يتأدب به العبد عند نصب نفسه في مقام العبودية، وهو الذي يؤيده قوله: (الحمد لله)

[ 20 ]

وذلك إن الحمد توصيف، وقد نزه سبحانه نفسه عن وصف الواصفين من عباده حيث قال: (سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين) الصافات - 160. والكلام مطلق غير مقيد ولم يرد في كلامه تعالى ما يؤذن بحكاية الحمد عن غيره إلا ما حكاه عن عدة من أنبيائه المخلصين، قال تعالى في خطابه لنوح عليه السلام فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين) المؤمنون - 28. وقال تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: (الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق) ابراهيم - 39. وقال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم في بضعة مواضع من كلامه: (وقل الحمد لله) النمل - 93. وقال تعالى حكاية عن داود وسليمان عليه السلام (وقالا الحمد لله) النمل - 15. وإلا ما حكاه عن أهل الجنة وهم المطهرون من غل الصدور ولغو القول والتأثيم كقوله: (وآخر دعويهم أن الحمد لله رب العالمين) يونس - 10. وأما غير هذه الموارد فهو تعالى وان حكى الحمد عن كثير من خلقه بل عن جميعهم، كقوله تعالى: (والملائكة يسبحون بحمد ربهم) الشورى - 5. وقوله (ويسبح الرعد بحمده) الرعد - 13. وقوله (وإن من شئ إلا يسبح بحمده) الاسراء - 44. إلا أنه سبحانه شفع الحمد في جميعها بالتسبيح بل جعل التسبيح هو الاصل في الحكاية وجعل الحمد معه، وذلك أن غيره تعالى لا يحيط بجمال أفعاله وكمالها كما لا يحيطون بجمال صفاته وأسمائه التي منها جمال الافعال، قال تعالى: (ولا يحيطون به علما) طه - 110 فما وصفوه به فقد أحاطوا به وصار محدودا بحدودهم مقدرا بقدر نيلهم منه، فلا يستقيم ما أثنوا به من ثناء إلا من بعد أن ينزهوه ويسبحوه عن ما حدوه وقدروه بافهامهم، قال تعالى: (ان الله يعلم وانتم لا تعلمون) النحل - 74، وأما المخلصون من عباده تعالى فقد جعل حمدهم حمده ووصفهم وصفه حيث جعلهم مخلصين له، فقد بان ان الذي يقتضيه أدب العبودية ان يحمد العبد ربه بما حمد به نفسه ولا يتعدى عنه، كما في الحديث الذي رواه الفريقان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك الحديث) فقوله في أول هذه السورة: الحمد لله، تأديب بادب عبودي، ما كان للعبد

[ 21 ]

ان يقوله لو لا ان الله تعالى قاله نيابة وتعليما لما ينبغي الثناء به. وقوله تعالى: رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين اه (وقرا الاكثر ملك يوم الدين) فالرب هو المالك الذي يدبر امر مملوكه، ففيه معنى الملك، ومعنى الملك (الذي عندنا في ظرف الاجتماع) هو نوع خاص من الاختصاص وهو نوع قيام شئ بشئ يوجب صحة التصرفات فيه، فقولنا العين الفلانية ملكنا معناه: ان لها نوعا من القيام والاختصاص بنا يصح معه تصرفاتنا فيها ولو لا ذلك لم تصح تلك التصرفات وهذا في الاجتماع معنى وضعي اعتباري غير حقيقي وهو مأخوذ من معنى آخر حقيقي نسميه أيضا ملكا، وهو نحو قيام اجزاء وجودنا وقوانا بنا فان لنا بصرا وسمعا ويدا ورجلا، ومعنى هذا الملك انها في وجودها قائمة بوجودنا غير مستقلة دوننا بل مستقلة باستقلالنا ولنا ان نتصرف فيها كيف شئنا وهذا هو الملك الحقيقي. والذي يمكن انتسابه إليه تعالى بحسب الحقيقة هو حقيقة الملك دون الملك الاعتباري الذى يبطل ببطلان الاعتبار والوضع، ومن المعلوم ان الملك الحقيقي لا ينفك عن التدبير فان الشئ إذا افتقر في وجوده إلى شئ فلم يستقل عنه في وجوده لم يستقل عنه في آثار وجوده، فهو تعالى رب لما سواه لان الرب هو المالك المدبر وهو تعالى كذلك. واما العالمين: فهو جمع العالم بفتح اللام بمعنى ما يعلم به كالقالب والخاتم والطابع بمعنى ما يقلب به وما يختم به، وما يطبع به يطلق على جميع الموجودات وعلى كل نوع مؤلف الافراد والاجزاء منها كعالم الجماد وعالم النبات وعالم الحيوان وعالم الانسان وعلى كل صنف مجتمع الافراد ايضا كعالم العرب وعالم العجم وهذا المعنى هو الانسب لما يؤل إليه عد هذه الاسماء الحسنى حتى ينتهي إلى قوله مالك يوم الدين على ان يكون الدين وهو الجزاء يوم القيمة مختصا بالانسان أو الانس والجن فيكون المراد بالعالمين عوالم الانس والجن وجماعاتهم ويؤيده ورود هذا اللفظ بهذه العناية في القرآن كقوله تعالى (واصطفاك على نساء العالمين) آل عمران - 42. وقوله تعالى: (ليكون للعالمين نذيرا) فرقان - 1، وقوله تعالى: (أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من

[ 22 ]

العالمين) الاعراف - 80. واما مالك يوم الدين: فقد عرفت معنى المالك وهو المأخوذ من الملك بكسر الميم، واما الملك وهو مأخوذ من الملك بضم الميم، فهو الذي يملك النظام القومي وتدبيرهم دون العين، وبعبارة اخرى يملك الامر والحكم فيهم. وقد ذكر لكل من القرائتين، ملك ومالك، وجوه من التأييد غير ان المعنيين من السلطنة ثابتان في حقه تعالى، والذي تعرفه اللغة والعرف ان الملك بضم الميم هو المنسوب إلى الزمان يقال: ملك العصر الفلاني، ولا يقال مالك العصر الفلاني الا بعناية بعيدة، وقد قال تعالى: ملك يوم الدين فنسبه إلى اليوم، وقال ايضا: (لمن الملك اليوم لله الواحد القهار) غافر - 16.

(بحث روائي)

في العيون والمعاني عن الرضا عليه السلام في معنى قوله: بسم الله قال عليه السلام: يعني أسم نفسي بسمة من سمات الله وهى العبادة، قيل له: ما السمة ؟ قال العلامة. اقول وهذا المعنى كالمتولد من المعنى الذي اشرنا إليه في كون الباء للابتداء فان العبد إذا وسم عبادته باسم الله لزم ذلك ان يسم نفسه التي ينسب العبادة إليها بسمة من سماته، وفي التهذيب عن الصادق عليه السلام وفي العيون وتفسير العياشي عن الرضا عليه السلام: انها اقرب الى اسم الله الاعظم من ناظر العين إلى بياضها. اقول: وسيجئ معنى الرواية في الكلام على الاسم الاعظم. وفي العيون عن امير المؤمنين عليه السلام: انها من الفاتحة وان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرئها ويعدها آية منها، ويقول فاتحة الكتاب هي السبع المثاني. اقول: وروي من طرق اهل السنة والجماعة نظير هذا المعنى فعن الدار قطني عن ابي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا قرأتم الحمد فاقرأوا بسم الله الرحمن الرحيم، فانها ام القرآن والسبع المثاني، وبسم الله الرحمن الرحيم احدى آياتها. وفي الخصال عن الصادق عليه السلام قال: ما لهم ؟ قاتلهم الله عمدوا إلى اعظم آية في كتاب الله فزعموا انها بدعة إذا اظهروها.

[ 23 ]

وعن الباقر عليه السلام: سرقوا اكرم آية في كتاب الله، بسم الله الرحمن الرحيم، وينبغي الاتيان به عند افتتاح كل أمر عظيم أو صغير ليبارك فيه. اقول: والروايات عن أئمة أهل البيت في هذا المعنى كثيره، وهي جميعا تدل على ان البسملة جزء من كل سورة إلا سورة البراءة، وفي روايات اهل السنة والجماعة ما يدل على ذلك. ففي صحيح مسلم عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: انزل علي آنفا سورة فقرا: بسم الله الرحمن الرحيم. وعن أبي داود عن ابن عباس (وقد صححوا سندها) قال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يعرف فصل السورة، (وفي رواية انقضاء السورة) حتى ينزل عليه، بسم الله الرحمن الرحيم. اقول: وروي هذا المعنى من طرق الخاصة عن الباقر عليه السلام. وفي الكافي والتوحيد والمعاني وتفسير العياشي عن الصادق عليه السلام في حديث: والله إله كل شئ، الرحمن بجميع خلقه، الرحيم بالمؤمنين خاصة، وروي عن الصادق عليه السلام: الرحمن اسم خاص بصفة عامة والرحيم اسم عام بصفة خاصة. اقول: قد ظهر مما مر وجه عموم الرحمن للمؤمن والكافر واختصاص الرحيم بالمؤمن، وأما كون الرحمن اسما خاصا بصفة عامة والرحيم اسما عاما بصفة خاصة فكأنه يريد به أن الرحمن خاص بالدنيا ويعم الكافر والمؤمن والرحيم عام للدنيا والآخرة ويخص المؤمنين، وبعبارة اخرى: الرحمن يختص بالافاضة التكوينية التي يعم المؤمن والكافر، والرحيم يعم التكوين والتشريع الذي بابه باب الهداية والسعادة، ويختص بالمؤمنين لان الثبات والبقاء يختص بالنعم التي تفاض عليهم والعاقبة للتقوي. وفي كشف الغمة عن الصادق عليه السلام قال: فقد لابي عليه السلام بغلة فقال لئن ردها الله علي لاحمدنه بمحامد يرضيها فما لبث أن أتى بها بسرجها ولجامها - فلما استوى وضم إليه ثيابه رفع رأسه إلى السماء وقال الحمد لله ولم يزد، ثم قال ما تركت ولا ابقيت

[ 24 ]

شيئا جعلت أنواع المحامد لله عز وجل، فما من حمد الا وهو داخل فيها. قلت: وفي العيون عن علي عليه السلام: انه سئل عن تفسيرها فقال: هو ان الله عرف عباده بعض نعمه عليهم جملا إذ لا يقدرون على معرفة جميعها بالتفصيل لانها اكثر من ان تحصى أو تعرف، فقال: قولوا الحمد لله على ما انعم به علينا. اقول: يشير عليه السلام إلى ما مر من أن الحمد، من العبد وانما ذكره الله بالنيابة تأديبا وتعليما.

(بحث فلسفي)

البراهين العقلية ناهضة على ان استقلال المعلول وكل شأن من شئونه انما هو بالعلة، وان كل ما له من كمال فهو من اظلال وجود علته، فلو كان للحسن والجمال حقيقة في الوجود فكماله واستقلاله للواجب تعالى لانه العلة التي ينتهي إليه جميع العلل، والثناء والحمد هو اظهار موجود ما بوجوده كمال موجود آخر وهو لا محالة علته، وإذا كان كل كمال ينتهي إليه تعالى فحقيقة كل ثناء وحمد تعود وتنتهى إليه تعالى، فالحمد لله رب العالمين. قوله تعالى: إياك نعبد وإياك نستعين الآية، العبد هو المملوك من الانسان أو من كل ذي شعور بتجريد المعنى كما يعطيه قوله تعالى: (إن كل من في السموات والارض إلا اتي الرحمن عبدا) مريم - 93. والعبادة مأخوذة منه وربما تفرقت اشتقاقاتها أو المعاني المستعملة هي فيها لاختلاف الموارد، وما ذكره الجوهري في الصحاح أن أصل العبودية الخضوع فهو من باب الاخذ بلازم المعنى وإلا فالخضوع متعد باللام والعبادة متعدية بنفسها. وبالجملة فكأن العبادة هي نصب العبد نفسه في مقام المملوكية لربه ولذلك كانت العبادة منافية للاستكبار وغير منافية للاشتراك فمن الجائزان يشترك ازيد من الواحد في ملك رقبة أو في عبادة عبد، قال تعالى: (إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) غافر - 60 وقال تعالى: (ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) الكهف - 110

[ 25 ]

فعد الاشراك ممكنا ولذلك نهى عنه، والنهى لا يمكن الا عن ممكن مقدور بخلاف الاستكبار عن العبادة فانه لا يجامعها. والعبودية انما يستقيم بين العبيد ومواليهم فيما يملكه الموالي منهم، واما ما لا يتعلق به الملك من شئون وجود العبد ككونه ابن فلان أو ذا طول في قامته فلا يتعلق به عبادة ولا عبودية، لكن الله سبحانه في ملكه لعباده على خلاف هذا النعت فلا ملكه يشوبه ملك ممن سواه ولا ان العبد يتبعض في نسبته إليه تعالى فيكون شئ منه مملوكا وشئ، آخر غير مملوك، ولا تصرف من التصرفات فيه جائز وتصرف آخر غير جائز كما ان العبيد فيما بيننا شئ منهم مملوك وهو افعالهم الاختيارية وشئ غير مملوك وهو الاوصاف الاضطرارية، وبعض التصرفات فيهم جائز كالاستفادة من فعلهم وبعضها غير جائز كقتلهم من غير جرم مثلا، فهو تعالى مالك على الاطلاق من غير شرط ولا قيد وغيره مملوك على الاطلاق من غير شرط ولا قيد فهناك حصر من جهتين، الرب مقصور في المالكية، والعبد مقصور في العبودية، وهذه هي التي يدل عليه قوله: اياك نعبد حيث قدم المفعول واطلقت العبادة. ثم ان الملك حيث كان مقتوم الوجود بمالكه كما عرفت مما مر، فلا يكون حاجبا عن مالكه ولا يحجب عنه، فانك إذا نظرت إلى دار زيد فان نظرت إليها من جهة انها دار امكنك ان تغفل عن زيد، وان نظرت إليها بما انها ملك زيد لم يمكنك الغفلة عن مالكها وهو زيد. ولكنك عرفت ان ما سواه تعالى ليس له الا المملوكية فقط وهذه حقيقتة فشئ منه في الحقيقة لا يحجب عنه تعالى، ولا النظر إليه يجامع الغفلة عنه تعالى، فله تعالى الحضور المطلق، قال سبحانه: (أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد ألا انهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شئ محيط) حم السجدة - 54 وإذا كان كذلك فحق عبادته تعالى ان يكون عن حضور من الجانبين. اما من جانب الرب عز وجل، فان يعبد عبادة معبود حاضر وهو الموجب للالتفات (المأخوذ في قوله تعالى اياك نعبد) عن الغيبة إلى الحضور.

[ 26 ]

واما من جانب العبد، فان يكون عبادته عبادة عبد حاضر من غير ان يغيب في عبادته فيكون عبادته صورة فقط من غير معنى وجسدا من غير روح، أو يتبعض فيشتغل بربه وبغيره، اما ظاهرا وباطنا كالوثنيين في عبادتهم لله ولاصنامهم معا، أو باطنا فقط كمن يشتغل في عبادته بغيره تعالى بنحو الغايات والاغراض، كأن يعبد الله وهمه في غيره، أو يعبد الله طمعا في جنة أو خوفا من نار فان ذلك كله من الشرك في العبادة الذي ورد عنه النهي، قال تعالى: (فا عبد الله مخلصا له الدين) الزمر - 2، وقال تعالى: (ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون) الزمر - 3. فالعبادة إنما تكون عبادة حقيقة، إذا كان على خلوص من العبد وهو الحضور الذي ذكرناه، وقد ظهر انه انما يتم إذا لم يشتغل بغيره تعالى في عمله فيكون قد اعطاه الشركة مع الله سبحانه في عبادته ولم يتعلق قلبه في عبادته رجائا أو خوفا هو الغاية في عبادته كجنة أو نار فيكون عبادته له لا لوجه الله، ولم يشتغل بنفسه فيكون منافيا لمقام العبودية التي لا تلائم الانية والاستكبار، وكأن الاتيان بلفظ المتكلم مع الغير للايماء إلى هذه النكتة فان فيه هضما للنفس بالغاء تعينها وشخوصها وحدها المستلزم لنحو من الانية والاستقلال بخلاف ادخالها في الجماعة وخلطها بسواد الناس فان فيه امحاء التعين واعفاء الاثر فيؤمن به ذلك. وقد ظهر من ذلك كله: ان اظهار العبودية بقوله: إياك نعبد، لا يشتمل على نقص من حيث المعنى ومن حيث الاخلاص الا ما في قوله: اياك نعبد من نسبة العبد العبادة إلى نفسه المشتمل بالاستلزام على دعوى الاستقلال في الوجود والقدرة والارادة مع انه مملوك والمملوك لا يملك شيئا، فكأنه تدورك ذلك بقوله تعالى واياك نستعين، أي انما ننسب العبادة إلى انفسنا وندعيه لنا مع الاستعانة بك لا مستقلين بذلك مدعين ذلك دونك، فقوله: إياك نعبد واياك نستعين، لابداء معنى واحد وهو العبادة عن اخلاص، ويمكن ان يكون هذا هو الوجه في اتحاد الاستعانة والعبادة في السياق الخطابي حيث قيل اياك نعبد واياك نستعين من دون ان يقال: اياك نعبد اعنا واهدنا الصراط المستقيم

[ 27 ]

واما تغيير السياق في قوله: اهدنا الصراط الآية. فسيجئ الكلام فيه ان شاء الله تعالى. فقد بان بما مر من البيان في قوله، اياك نعبد واياك نستعين الاية، الوجه في الالتفات من الغيبة إلى الحضور، والوجه في الحصر الذي يفيده تقديم المفعول، والوجه في اطلاق قوله: نعبد، والوجه في اختيار لفظ المتكلم مع الغير، والوجه في تعقيب الجملة الاولى بالثانية، والوجه في تشريك الجملتين في السياق، وقد ذكر المفسرون نكات اخرى في اطراف ذلك من ارادها فليراجع كتبهم وهو الله سبحانه غريم لا يقضى دينه.

[ 28 ]

اهدنا الصراط المستقيم - 6. صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين - 7.

بيان

قوله تعالى: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم الخ، اما الهداية فيظهر معناها في ذيل الكلام على الصراط واما الصراط فهو والطريق والسبيل قريب المعنى، وقد وصف تعالى الصراط بالاستقامة ثم بين انه الصراط الذي يسلكه الذين انعم الله تعالى عليهم، فالصراط الذي من شأنه ذلك هو الذي سئل الهداية إليه وهو بمعنى الغاية للعبادة اي: ان العبد يسئل ربه ان تقع عبادته الخالصة في هذا الصراط. بيان ذلك: ان الله سبحانه قرر في كلامه لنوع الانسان بل لجميع من سواه سبيلا يسلكون به إليه سبحانه فقال تعالى: (يا ايها الانسان انك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه) الانشقاق - 6 وقال تعالى: (واليه المصير) التغابن - 3، وقال: (الا إلى الله تصير الامور) الشورى - 53، إلى غير ذلك من الآيات وهي واضحة الدلاله على ان الجميع سالكوا سبيل، وانهم سائرون إلى الله سبحانه. ثم بين: إن السبيل ليس سبيلا واحدا ذا نعت واحد بل هو منشعب إلى شعبتين منقسم إلى طريقين، فقال: الم اعهد اليكم يا بني آدم ان لا تعبدوا الشيطان انه لكم عدو مبين وان اعبدوني هذا صراط مستقيم) يس - 61. فهناك طريق مستقيم وطريق آخر ورائه، وقال تعالى (فاني قريب اجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) البقرة - 186، وقال تعالى: (ادعوني استجب لكم ان الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) غافر - 60، فبين تعالى: انه قريب من عباده وان الطريق الاقرب إليه تعالى طريق عبادته ودعائه، ثم قال تعالى في وصف الذين لا يؤمنون: (أولئك ينادون من مكان بعيد) السجدة - 44 فبين: ان غاية الذين لا يؤمنون في مسيرهم وسبيلهم بعيدة. فتبين: ان السبيل إلى الله سبيلان: سبيل قريب وهو سبيل المؤمنين وسبيل

[ 29 ]

بعيد وهو سبيل غيرهم فهذا نحو اختلاف في السبيل وهناك نحو آخر من الاختلاف، قال تعالى: (ان الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم ابواب السماء) الاعراف - 40 ولو لا طروق من متطرق لم يكن للباب معنى فهناك طريق من السفل إلى العلو، وقال تعالى: (ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى) طه - 81. والهوي هو السقوط إلى أسفل، فهناك طريق آخر آخذ في السفالة والانحدار، وقال تعالى: (ومن يتبدل الكفر بالايمان فقد ضل سواء السبيل) البقرة - 108، فعرف الضلال عن سواء السبيل بالشرك لمكان قوله: فقد ضل، وعند ذلك تقسم الناس في طرقهم ثلثه اقسام: من طريقه إلى فوق وهم الذين يؤمنون بآيات الله ولا يستكبرون عن عبادته، ومن طريقه إلى ألسفل، وهم المغضوب عليهم، ومن ضل الطريق وهو حيران فيه وهم الضالون، وربما اشعر بهذا التقسيم قوله تعالى: صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. والصراط المستقيم لا محالة ليس هو الطريقين الآخرين من الطرق الثلث اعني: طريق المغضوب عليهم وطريق الضالين فهو من الطريق الاول الذي هو طريق المؤمنين غير المستكبرين إلا ان قوله تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات) المجادلة - 11. يدل على ان نفس الطريق الاول ايضا يقع فيه انقسام. وبيانه: ان كل ضلال فهو شرك كالعكس على ما عرفت من قوله تعالى: (ومن يتبدل الكفر بالايمان فقد ضل سواء السبيل) البقرة - 108. وفي هذا المعنى قوله تعالى (أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلا كثيرا) يس - 62. والقرآن يعد الشرك ظلما وبالعكس، كما يدل عليه قوله تعالى حكاية عن الشيطان لما قضي الامر: (اني كفرت بما اشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم) ابراهيم - 22. كما يعد الظلم ضلالا في قوله تعالى (الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم اولئك لهم الامن وهم مهتدون) الانعام - 82 وهو ظاهر من ترتيب الاهتداء والامن من الضلال أو العذاب الذي يستتبعه الضلال، على ارتفاع الظلم ولبس الايمان به، وبالجملة الضلال والشرك والظلم امرها واحد وهي متلازمة مصداقا، وهذا هو المراد من قولنا: ان كل واحد منها معرف بالآخر أو

[ 30 ]

هو الآخر، فالمراد المصداق دون المفهوم. إذا عرفت هذا علمت ان الصراط المستقيم الذي هو صراط غير الضالين صراط لا يقع فيه شرك ولا ظلم البته كما لا يقع فيه ضلال البته، لا في باطن الجنان من كفر أو خطور لا يرضى به الله سبحانه، ولا في ظاهر الجوارح والاركان من فعل معصية أو قصور في طاعة، وهذا هو حق التوحيد علما وعملا إذ لا ثالث لهما وما ذا بعد الحق الا الضلال ؟ وينطبق على ذلك قوله تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم اولئك لهم الامن وهم مهتدون) الانعام - 82، وفيه تثبيت للامن في الطريق ووعد بالاهتداء التام بنائا على ما ذكروه: من كون اسم الفاعل حقيقة في الاستقبال فليفهم فهذا نعت من نعوت الصراط المستقيم. ثم انه تعالى عرف هؤلاء المنعم عليهم الذين نسب صراط المستقيم إليهم بقوله تعالى: (ومن يطع الله والرسول فاولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا) النساء - 68، وقد وصف هذا الايمان والاطاعة قبل هذه الآية بقوله (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ولو انا كتبنا عليهم ان اقتلوا انفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو انهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا) النساء - 66. فوصفهم بالثبات التام قولا وفعلا وظاهرا وباطنا على العبودية لا يشذ منهم شاذ من هذه الجهة ومع ذلك جعل هؤلاء المؤمنين تبعا لاولئك المنعم عليهم وفي صف دون صفهم لمكان مع ولمكان قوله: (وحسن اولئك رفيقا ولم يقل: فاولئك من الذين. ونظير هذه الآية قوله تعالى: (والذين آمنو بالله ورسله اولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونور هم) الحديد - 19. وهذا هو الحاق المؤمنين بالشهداء والصديقين في الآخرة، لمكان قوله: عند ربهم، وقوله: لهم اجرهم. فاؤلئك (وهم اصحاب الصراط المستقيم) أعلى قدرا وأرفع درجة ومنزلة من هؤلاء وهم المؤمنون الذين اخلصوا قلوبهم واعمالهم من الضلال والشرك والظلم، فالتدبر

[ 31 ]

في هذه الآيات يوجب القطع بان هؤلاء المؤمنين و (شأنهم هذا الشأن) فيهم بقية بعد لو تمت فيهم كانوا من الذين انعم الله عليهم، وارتقوا من منزلة المصاحبة معهم إلى درجة الدخول فيهم ولعلهم نوع من العلم بالله، ذكره في قوله تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات) المجادلة - 11. فالصراط المستقيم أصحابه منعم عليهم بنعمة هي ارفع النعم قدرا، يربو على نعمة الايمان التام، وهذا ايضا نعت من نعوت الصراط المستقيم. ثم انه تعالى على انه كرر في كلامه ذكر الصراط والسبيل، لم ينسب لنفسه ازيد من صراط مستقيم واحد، وعد لنفسه سبلا كثيرة فقال عز من قائل: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) العنكبوت - 69. وكذا لم ينسب الصراط المستقيم إلى احد من خلقه إلا ما في هذه الآية (صراط الذين انعمت عليهم الاية) ولكنه نسب السبيل إلى غيره من خلقه، فقال تعالى: (قل هذه سبيلي ادعو إلى الله على بصيرة) يوسف - 108. وقال تعالى (سبيل من أناب الي) لقمان - 15. وقال: (سبيل المؤمنين) النساء - 114. ويعلم منها: ان السبيل غير الصراط المستقيم فانه يختلف ويتعدد ويتكثر باختلاف المتعبدين السالكين سبيل العبادة بخلاف الصراط المستقيم كما) يشير إليه قوله تعالى: (قد جائكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بأذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم) المائدة - 16، فعد السبل كثيرة والصراط واحدا وهذا الصراط المستقيم اما هي السبل الكثيرة واما أنها تؤدي إليه باتصال بعضها إلى بعض واتحادها فيها. وأيضا قال تعالى: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) يوسف - 106. فبين ان من الشرك (وهو ضلال) ما يجتمع مع الايمان وهو سبيل، ومنه يعلم ان السبيل يجامع الشرك، لكن الصراط المستقيم لا يجامع الضلال كما قال: ولا الضالين. والتدبر في هذه الآيات يعطى ان كل واحد من هذه السبل يجامع شيئا من النقص أو الامتياز، بخلاف الصراط المستقيم، وان كلا منها هو الصراط المستقيم لكنه

[ 32 ]

غير الآخر ويفارقه لكن الصراط المستقيم يتحد مع كل منها في عين انه يتحد مع ما يخالفه، كما يستفاد من بعض الايات المذكورة وغيرها كقوله: (وان اعبدوني هذا صراط مستقيم) يس - 61. وقوله تعالى: (قل انني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة ابراهيم حنيفا) الانعام - 161. فسمى العبادة صراطا مستقيما وسمى الدين صراطا مستقيما وهما مشتركان بين السبل جميعا، فمثل الصراط المستقيم بالنسبة إلى سبل الله تعالى كمثل الروح بالنسبة إلى البدن، فكما ان للبدن اطوارا في حيوته هو عند كل طور غيره عند طور آخر، كالصبي والطفولية والرهوق والشباب والكهولة والشيب والهرم لكن الروح هي الروح وهي متحدة بها والبدن يمكن ان تطرء عليه اطوار تنافي ما تحبه وتقتضيه الروح لو خليت ونفسها بخلاف الروح فطرة الله التي فطر الناس عليها والبدن مع ذلك هو الروح أعني الانسان، فكذلك السبيل إلى الله تعالى هو صراط المستقيم إلا ان السبيل كسبيل المؤمنين وسبيل المنيبين وسبيل المتبعين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أو غير ذلك من سبل الله تعالى، ربما اتصلت به آفة من خارج أو نقص لكنهما لا يعرضان الصراط المستقيم كما عرفت ان الايمان وهو سبيل ربما يجامع الشرك والضلال لكن لا يجتمع مع شئ من ذلك الصراط المستقيم، فللسبيل مراتب كثيرة من جهة خلوصه وشوبه وقربه وبعده، والجميع على الصراط المستقيم أو هي هو. وقد بين الله سبحانه هذا المعنى، اعني: اختلاف السبل إلى الله مع كون الجميع من صراطه المستقيم في مثل ضربه للحق والباطل في كلامه، فقال تعالى: (انزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما توقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فاما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الارض كذلك يضرب الله الامثال) الرعد - 17. فبين: ان القلوب والافهام في تلقي المعارف والكمال مختلفة، مع كون الجميع متكئة منتهية إلى رزق سماوي واحد، وسيجئ تمام الكلام في هذا المثل في سورة الرعد، وبالجملة فهذا ايضا نعت من نعوت الصراط المستقيم. 32 وإذا تأملت ما تقدم من نعوت الصراط المستقيم تحصل لك ان الصراط المستقيم

[ 33 ]

مهيمن على جميع السبل إلى الله والطرق الهادية إليه تعالى، بمعنى ان السبيل إلى الله إنما يكون سبيلا له موصلا إليه بمقدار يتضمنه من الصراط المستقيم حقيقة، مع كون الصراط المستقيم هاديا موصلا إليه مطلقا ومن غير شرط وقيد، ولذلك سماه الله تعالى صراطا مستقيما، فان الصراط هو الواضح من الطريق، مأخوذ من سرطت سرطا إذا بلعت بلعا، كأنه يبلع سالكيه فلا يدعهم يخرجوا عنه ولا يدفعهم عن بطنه، والمستقيم هو الذي يريد ان يقوم على ساق فيتسلط على نفسه وما لنفسه كالقائم الذي هو مسلط على أمره، ويرجع المعنى إلى انه الذي لا يتغير أمره ولا يختلف شأنه فالصراط المستقيم ما لا يتخلف حكمه في هدايته وايصاله سالكيه إلى غايته ومقصدهم قال تعالى: (فاما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما) النساء - 174. اي لا يتخلف امر هذه الهداية، بل هي على حالها دائما، وقال تعالى: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كانما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون وهذا صراط ربك مستقيما) الانعام - 126. أي هذه طريقته التي لا يختلف ولا يتخلف، وقال تعالى: (قال هذا صراط علي مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين) الحجر - 42. أي هذه سنتي وطريقتي دائما من غير تغيير، فهو يجري مجرى قوله: (فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا) الفاطر - 42. وقد تبين مما ذكرناه في معنى الصراط المستقيم امور. احدها: ان الطرق إلى الله مختلفة كمالا ونقصا وغلائا ورخصا، في جهة قربها من منبع الحقية والصراط المستقيم كالاسلام والايمان والعبادة والاخلاص والاخبات، كما ان مقابلاتها من الكفر والشرك والجحود والطغيان والمعصية كذلك، قال سبحانه (ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم اعمالهم وهم لا يظلمون) الاحقاف - 19. وهذا نظير المعارف الالهية التى تتلقاها العقول من الله فانها مختلفة باختلاف الاستعدادات ومتلونة بالوان القابليات على ما يفيده المثل المضروب في قوله تعالى:

[ 34 ]

(انزل من السماء ماء فسالت اودية بقدرها الآية). وثانيها: انه كما إن الصراط المستقيم مهيمن على جميع السبل، فكذلك اصحابه الذين مكنهم الله تعالى فيه وتولى امرهم وولاهم امر هداية عباده حيث قال: (وحسن اولئك رفيقا) النساء - 71. وقال تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوه وهم راكعون) المائدة - 55. والآية نازلة في أمير المؤمنين علي صلى الله عليه وآله وسلم بالاخبار المتواترة وهو عليه السلام اول فاتح لهذا الباب من الامة وسيجئ تمام الكلام في الآية. وثالثها: إن الهداية إلى الصراط يتعين معناها بحسب تعين معناه، وتوضيح ذلك ان الهداية هي الدلالة على ما في الصحاح، وفيه ان تعديتها لمفعولين لغة اهل الحجاز، وغيرهم يعدونه إلى المفعول الثاني بالى، وقوله هو الظاهر، وما قيل: ان الهداية إذا تعدت إلى المفعول الثاني بنفسها، فهي بمعنى الايصال إلى المطلوب، وإذا تعدت بالى فبمعنى إرائة، الطريق مستدلا بنحو قوله تعالى: (إنك لا تهدي من احببت ولكن الله يهدي من يشاء) القصص - 56. حيث ث إن هدايته بمعنى ارائة الطريق ثابتة فالمنفى غيرها وهو الايصال إلى المطلوب قال تعالى: (وهديناهم صراطا مستقيما) النساء - 70. وقال تعالى: (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) الشورى - 52. فالهداية بالايصال إلى المطلوب تتعدى إلى المفعول الثاني بنفسها، والهداية بارائة الطريق بالى، وفيه ان النفي المذكور نفي لحقيقة الهداية التي هي قائمة بالله تعالى، لا نفي لها اصلا، وبعبارة اخرى هو نفي الكمال دون نفي الحقيقة، مضافا إلى انه منقوض بقوله تعالى حكاية عن مؤمن آل فرعون: (يا قوم اتبعون اهدكم سبيل الرشاد) غافر - 38. فالحق انه لا يتفاوت معنى الهداية باختلاف التعدية، ومن الممكن ان يكون التعدية إلى المفعول الثاني من قبيل قولهم دخلت الدار. وبالجملة فالهداية هي الدلالة وارائة الغاية بارائة الطريق وهي نحو ايصال إلى المطلوب، وانما تكون من الله سبحانه، وسنته سنة الاسباب بإيجاد سبب ينكشف به المطلوب ويتحقق به وصول العبد إلى غايته في سيره، وقد بينه الله سبحانه بقوله: (فمن

[ 35 ]

يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام) الانعام - 125. وقوله: (ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء) الزمر - 23. وتعدية قوله تلين بالى لتضمين معنى مثل الميل والاطمينان، فهو ايجاده تعالى وصفا في القلب به يقبل ذكر الله ويميل ويطمئن إليه، وكما أن سبله تعالى مختلفة، فكذلك الهداية تختلف باختلاف السبل التي تضاف إليه فلكل سبيل هداية قبله تختص به. وإلى هذا الاختلاف يشير قوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان الله لمع المحسنين) العنكبوت - 69. إذ فرق بين ان يجاهد العبد في سبيل الله، وبين أن يجاهد في الله، فالمجاهد في الاول يريد سلامة السبيل ودفع العوائق عنه بخلاف المجاهد في الثاني فانه إنما يريد وجه الله فيمده الله سبحانه بالهداية إلى سبيل دون سبيل بحسب استعداده الخاص به، وكذا يمده الله تعالى بالهداية إلى السبيل بعد السبيل حتى يختصه بنفسه جلت عظمته. ورابعها: ان الصراط المستقيم لما كان أمرا محفوظا في سبل الله تعالى على اختلاف مراتبها ودرجاتها، صح ان يهدي الله الانسان إليه وهو مهدي فيهديه من الصراط إلى الصراط، بمعنى أن يهيه إلى سبيل من سبله ثم يزيد في هدايته فيهتدي من ذلك السبيل إلى ما هو فوقها درجة، كما أن قوله تعالى: إهدنا الصراط (وهو تعالى يحكيه عمن هداه بالعبادة) من هذا القبيل، ولا يرد عليه: ان سؤال الهداية ممن هو مهتد بالفعل سؤال لتحصيل الحاصل وهو محال، وكذا ركوب الصراط بعد فرض ركوبه تحصيل للحاصل ولا يتعلق به سؤال، والجواب ظاهر. وكذا الايراد عليه: بأن شريعتنا أكمل وأوسع من جميع الجهات من شرائع الامم السابقة، فما معنى السؤال من الله سبحانه أن يهدينا إلى صراط الذين أنعم الله عليهم منهم ؟ وذلك ان كون شريعة اكمل من شريعة امر، وكون المتمسك بشريعة اكمل من المتمسك بشريعة امر آخر ورائه، فان المؤمن المتعارف من مؤمني شريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم (مع كون شريعته اكمل وأوسع) ليس بأكمل من نوح وابراهيم عليهما السلام مع كون شريعتهما اقدم وأسبق، وليس ذلك إلا ان حكم الشرائع والعمل بها غير حكم الولاية الحاصلة من التمكن فيها والتخلق بها، فصاحب مقام التوحيد الخالص وان كان من اهل الشرائع السابقة أكمل وأفضل ممن لم يتمكن من مقام التوحيد ولم تستقر

[ 36 ]

حيوة المعرفة في روحه ولم يتمكن نور الهداية الالهية من قلبه، وإن كان عاملا بالشريعة المحمدية صلى الله عليه وآله وسلم التي هي اكمل الشرائع وأوسعها، فمن الجائز أن يستهدي صاحب المقام الداني من أهل الشريعة الكاملة ويسأل الله الهداية إلى مقام صاحب المقام العالي من أهل الشريعة التي هي دونها. ومن أعجب ما ذكر في هذا المقام، ما ذكره بعض المحققين من اهل التفسير جوابا عن هذه الشبهة: ان دين الله واحد وهو الاسلام، والمعارف الاصلية وهو التوحيد والنبوة والمعاد وما يتفرع عليها من المعارف الكلية واحد في الشرائع، وانما مزية هذه الشريعة على ما سبقها من الشرائع هي ان الاحكام الفرعية فيها اوسع واشمل لجميع شئون الحيوة، فهي اكثر عناية بحفظ مصالح العباد، على أن أساس هذه الشريعة موضوع على الاستدلال بجميع طرقها من الحكمة والموعظة والجدال الاحسن، ثم ان الدين وان كان دينا واحدا والمعارف الكلية في الجميع على السواء غير أنهم سلكوا سبيل ربهم قبل سلوكنا وتقدموا في ذلك علينا، فأمرنا الله النظر فيما كانوا عليه والاعتبار بما صاروا إليه هذا. أقول: وهذا الكلام مبنى على اصول في مسلك التفسير مخالفة للاصول التي يجب أن يبتني مسلك التفسير عليها، فانه مبني على أن حقائق المعارف الاصلية واحدة من حيث الواقع من غير اختلاف في المراتب والدرجات، وكذا سائر الكمالات الباطنية المعنوية، فأفضل الانبياء المقربين مع أخس المؤمنين من حيث الوجود وكماله الخارجي التكويني على حد سواء، وإنما التفاضل بحسب المقامات المجعولة بالجعل التشريعي من غير ان يتكي على تكوين، كما ان التفاضل بين الملك والرعية إنما هو بحسب المقام الجعلي الوضعي من غير تفاوت من حيث الوجود الانساني هذا. ولهذا الاصل أصل آخر يبنى عليه، وهو القول باصالة المادة ونفى الاصالة عما ورائها والتوقف فيه إلا في الله سبحانه بطريق الاستثناء بالدليل، وقد وقع في هذه الورطة من وقع لاحد امرين: إما القول بالاكتفاء بالحس اعتمادا على العلوم المادية وإما إلغاء التدبر في القرآن بالاكتفاء بالتفسير بالفهم العامي. وللكلام ذيل طويل سنورده في بعض الابحاث العلمية الآتية إن شاء الله تعالى.

[ 37 ]

وخامسها: ان مزية اصحاب الصراط المستقيم على غيرهم، وكذا صراطهم على سبيل غيرهم، إنما هو بالعلم لا العمل، فلهم من العلم بمقام ربهم ما ليس لغيرهم، إذ قد تبين مما مر: ان العمل التام موجود في بعض السبل التي دون صراطهم، فلا يبقى لمزيتهم إلا العلم، واما ما هذا العلم ؟ وكيف هو ؟ فنبحث عنه إن شاء الله في قوله تعالى: (انزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها) الرعد - 17. ويشعر بهذا المعنى قوله تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات) المجادلة - 11، وكذا قوله تعالى: (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) الملائكة - 10، فالذي يصعد إليه تعالى هو الكلم الطيب وهو الاعتقاد والعلم، واما العمل الصالح فشأنه رفع الكلم الطيب والامداد دون الصعود إليه تعالى، وسيجئ تمام البيان في البحث عن الآية.

(بحث روائي)

 في الكافي عن الصادق عليه السلام في معنى العبادة قال: العبادة ثلاثة: قوم عبدوا الله خوفا، فتلك عبادة العبيد، وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى طلب الثواب، فتلك عبادة الاجراء، وقوم عبدوا الله عز وجل حبا، فتلك عبادة الاحرار، وهي افضل العبادة. وفي نهج البلاغة: ان قوما عبدوا الله رغبة، فتلك عبادة التجار، وان قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وان قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الاحرار. وفي العلل والمجالس والخصال، عن الصادق عليه السلام: ان الناس يعبدون الله على ثلاثة اوجه: فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه فتلك عبادة الحرصاء وهو الطمع، وآخرون يعبدونه خوفا من النار فتلك عبادة العبيد، وهي رهبة، ولكني اعبده حبا له عز وجل فتلك عبادة الكرام، لقوله عز وجل: (وهم من فزع يومئذ آمنون). ولقوله عز وجل (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)، فمن احب الله عز وجل

[ 38 ]

احبه، ومن احبه الله كان من الآمنين، وهذا مقام مكنون لا يمسه إلا المطهرون. اقول: وقد تبين معنى الروايات مما مر من البيان، وتوصيفهم عليهم السلام عبادة الاحرار تارة بالشكر وتارة بالحب، لكون مرجعهما واحدا، فان الشكر وضع الشئ المنعم به في محله، والعبادة شكرها ان تكون لله الذي يستحقها لذاته، فيعبد الله لانه الله، اي لانه مستجمع لجميع صفات الجمال والجلال بذاته، فهو الجميل بذاته المحبوب لذاته، فليس الحب إلا الميل إلى الجمال والانجذاب نحوه، فقولنا فيه تعالى هو معبود لانه هو، وهو معبود لانه جميل محبوب، وهو معبود لانه منعم مشكور بالعبادة يرجع جميعها إلى معنى واحد. وروي بطريق عامي عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى: إياك نعبد الاية، يعني: لا نريد منك غيرك ولا نعبدك بالعوض والبدل: كما يعبدك الجاهلون بك المغيبون عنك. اقول: والرواية تشير إلى ما تقدم، من استلزام معنى العبادة للحضور وللاخلاص الذي ينافي قصد البدل. وفي تحف العقول عن الصادق عليه السلام في حديث: ومن زعم انه يعبد بالصفة لا بالادراك فقد أحال على غائب، ومن زعم انه يعبد الصفة والموصوف فقد أبطل التوحيد لان الصفة غير الموصوف، ومن زعم انه يضيف الموصوف إلى الصفة فقد صغر بالكبير، وما قدروا الله حق قدره. الحديث. وفي المعاني عن الصادق عليه السلام في معنى قوله تعالى: اهدنا الصراط المستقيم يعني ارشدنا إلى لزوم الطريق المؤدي إلى محبتك، والمبلغ إلى جنتك، والمانع من أن نتبع اهواءنا فنعطب، أو ان نأخذ بارائنا فنهلك. وفي المعاني ايضا عن علي عليه السلام: في الآية، يعني، ادم لنا توفيقك الذي اطعناك به في ماضي ايامنا، حتى نطيعك كذلك في مستقبل اعمارنا. اقول: والروايتان وجهان مختلفان في الجواب عن شهبة لزوم تحصيل الحاصل من سؤال الهداية للمهدي، فالرواية الاولى ناظرة إلى اختلاف مراتب الهداية مصداقا والثانية إلى اتحادها مفهوما.

[ 39 ]

وفي المعاني أيضا عن علي عليه السلام: الصراط المستقيم في الدنيا ما قصر عن الغلو، وارتفع عن التقصير واستقام، وفي الآخرة طريق المؤمنين إلى الجنة. وفي المعاني أيضا عن علي عليه السلام: في معنى صراط الذين الآية: اي: قولوا: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم بالتوفيق لدينك وطاعتك، لا بالمال والصحة، فانهم قد يكونون كفارا أو فساقا، قال: وهم الذين قال الله: " ومن يطع الله والرسول فاؤلئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن اولئك رفيقا). وفي العيون عن الرضا عليه السلام عن آبائه عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: قال الله عز وجل: قسمت فاتحة الكتاب بيني وبين عبدي فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سئل، إذا قال العبد: بسم الله الرحمن الرحيم قال الله جل جلاله بدء عبدي باسمي، وحق علي ان اتمم له اموره، وابارك له في احواله، فإذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال الله جل جلاله: حمدني عبدي، وعلم ان النعم التي له من عندي وان البلايا التي دفعت عنه بتطولي، أشهدكم أني اضيف له إلى نعم الدنيا نعم الآخرة وأدفع عنه بلايا الآخرة كما دفعت عنه بلايا الدنيا، وإذا قال الرحمن الرحيم، قال الله جل جلاله: شهد لي عبدي اني الرحمن الرحيم اشهدكم لاوفرن من رحمتي حظه ولاجز لن من عطائي نصيبه، فإذا قال: مالك يوم الدين قال الله تعالى: أشهدكم، كما اعترف بأني أنا المالك يوم الدين، لاسهلن يوم الحساب حسابه، ولا تقبلن حسناته ولا تجاوزن عن سيئاته، فإذا قال: إياك نعبد، قال الله عز وجل: صدق عبدي، إياى يعبد اشهدكم لاثيبنه على عبادته ثوابا يغبطه كل من خالفه في عبادتة لي، فإذا قال: وإياك نستعين قال الله تعالى: بي استعان عبدي والي التجأ، اشهدكم لاعيننه على أمره، ولاغيثنه في شدائده ولآخذن بيده يوم نوائبه، فإذا قال: إهدنا الصراط المستقيم إلى آخر السورة، قال الله عز وجل: هذا لعبدي ولعبدي ما سئل، وقد استجبت لعبدي واعطيته ما امل وآمنته مما منه وجل. اقول: وروى قريبا منه الصدوق في العلل عن الرضا عليه السلام، والرواية كما ترى

[ 40 ]

تفسر سورة الفاتحة في الصلوة فهي تؤيد ما مر مرارا أن السورة كلام له سبحانه النيابة عن عبده في ما يذكره في مقام العبادة واظهار العبودية من الثناء لربه واظهار عبادته، فهى سورة موضوعة للعبادة، وليس في القرآن سورة تناظرها في شأنها واعنى بذلك: اولا: ان السورة بتمامها كلام تكلم به الله سبحانه في مقام النيابة عن عبده فيما يقوله إذا وجه وجهه إلى مقام الربوبية ونصب نفسه في مقام العبودية. وثانيا: انها مقسمة قسمين، فنصف منها لله ونصف منها للعبد. وثالثا: أنها مشتملة على جميع المعارف القرآنية على ايجازها واختصارها فان القرآن على سعته العجيبة في معارفه الاصلية وما يتفرع عليها من الفروع من اخلاق واحكام في العبادات والمعاملات والسياسات والاجتماعيات ووعد ووعيد وقصص وعبر، يرجع جمل بياناتها إلى التوحيد والنبوة والمعاد وفروعاتها، وإلى هداية العباد إلى ما يصلح به اولاهم وعقباهم، وهذه السورة كما هو واضح تشتمل على جميعها في أوجز لفظ واوضح معنى. وعليك ان تقيس ما يتجلى لك من جمال هذه السورة التي وضعها الله سبحانه في صلوة المسلمين بما يضعه النصارى في صلوتهم من الكلام الموجود في انجيل متى: (6 - 9 - 13) وهو ما نذكره بلفظه العربي، (أبانا الذي في السموات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيتك كما في اسماء كذلك على الارض، خبزنا كفافنا، أعطنا اليوم، واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين الينا، ولا تدخلنا في تجربة ولكن نجنا من الشرير آمين). تأمل في المعاني التي تفيدها الفاظ هذه الجمل بعنوان انها معارف سماوية، وما يشتمل عليه من الادب العبودي، إنها تذكر أولا: أن اباهم (وهو الله تقدس اسمه) في السموات ! ! ثم تدعو في حق الاب بتقدس اسمه واتيان ملكوته ونفوذ مشيتة في الارض كما هي نافذة في السماء، ولكن من الذي يستجيب هذا الدعاء الذي هو بشعارات الاحزاب السياسية اشبه ؟ ثم تسئل الله اعطاء خبز اليوم ومقابلة المغفرة بالمغفرة، و

[ 41 ]

جعل الاغماض عن الحق في مقابل الاغماض، وما ذا هو حقهم لو لم يجعل الله لهم حقا ؟ وتسئله ان لا يمتحنهم بل ينجيهم من الشرير، ومن المحال ذلك، فالدار دار الامتحان والاستكمال وما معنى النجاة لولا الابتلاء والامتحان ؟ ثم اقض العجب مما ذكره بعض المستشرقين (1) من علماء الغرب وتبعه بعض من المنتحلين: أن الاسلام لا يربو على غيره في المعارف، فان جميع شرائع الله تدعو إلى التوحيد وتصفية النفوس بالخلق الفاضل والعمل الصالح، وإنما تتفاضل الاديان في عراقة ثمراتها الاجتماعية ! ! (بحث آخر روائي) في الفقيه وتفسير العياشي عن الصادق عليه السلام قال: الصراط المستقيم أمير المؤمنين عليه السلام. وفي المعاني عن الصادق عليه السلام قال: هي الطريق إلى معرفة الله، وهما صراطان صراط في الدنيا وصراط في الآخرة، فاما الصراط في الدنيا فهو الامام المفترض الطاعة، من عرفه في الدنيا واقتدى بهداه مر على الصراط الذي هو جسر جهنم في الآخرة، ومن لم يعرفه في الدنيا زلت قدمه في الآخرة فتردى في نار جهنم. وفي المعاني ايضا عن السجاد عليه السلام قال: ليس بين الله وبين حجته حجاب، ولا لله دون حجته ستر، نحن ابواب الله ونحن الصراط المستقيم ونحن عيبة علمه، ونحن تراجمة وحيه ونحن أركان توحيده ونحن موضع سره. وعن ابن شهر آشوب عن تفسير وكيع بن الجراح عن الثوري عن السدي، عن اسباط ومجاهد، عن ابن عباس في قوله تعالى: اهدنا الصراط المستقيم، قال: قولوا معاشر العباد ! ارشدنا إلى حب محمد صلى الله عليه وآله وسلم واهل بيته عليه السلام. اقول: وفي هذه المعاني روايات أخر، وهذه الاخبار من قبيل الجري، وعد المصداق للآية، واعلم ان الجري و (كثيرا ما نستعمله في هذا الكتاب) اصطلاح مأخوذ من قول أئمة أهل البيت عليه السلام.


القيس الفاضل كوستار لبون في تاريخ تمدن الاسلام. (*)

[ 42 ]

ففي تفسير العياشي عن الفضيل بن يسار قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن هذه الرواية، ما في القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن وما فيها حرف إلا وله حد، ولكل حد مطلع ما يعنى بقوله ظهر وبطن ؟ قال ؟ ظهره تنزيله وبطنه تأويله، منه ما مضى ومنه ما لم يكن بعد، يجري كما يجري الشمس والقمر، كلما جاء منه شئ وقع الحديث. وفي هذا المعنى روايات أخر، وهذه سليقة أئمه أهل البيت فإنهم عليه السلام يطبقون الآية من القرآن على ما يقبل ان ينطبق عليه من الموارد وان كان خارجا عن مورد النزول، والاعتبار يساعده، فان القرآن نزل هدى للعالمين يهديهم إلى واجب الاعتقاد وواجب الخلق وواجب العمل، وما بينه من المعارف النظرية حقائق لا تختص بحال دون حال ولا زمان دون زمان، وما ذكره من فضيلة أو رذيلة أو شرعه من حكم عملي لا يتقيد بفرد دون فرد ولا عصر دون عصر لعموم التشريع. وما ورد من شأن النزول (وهو الامر أو الحادثة التي تعقب نزول آية أو آيات في شخص أو واقعة) لا يوجب قصر الحكم على الواقعة لينقضي الحكم بانقضائها ويموت بموتها لان البيان عام والتعليل مطلق، فان المدح النازل في حق افراد من المؤمنين أو الذم النازل في حق آخرين معللا بوجود صفات فيهم، لا يمكن قصرهما على شخص مورد النزول مع وجود عين تلك الصفات في قوم آخر بعدهم وهكذا، والقرآن ايضا يدل عليه، قال تعالى: (يهدي به الله من اتبع رضوانه) المائدة - 16 - وقال: (وانه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) حم سجده - 42. وقال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) الحجر - 9. والروايات في تطبيق الآيات القرآنية عليهم عليه السلام أو على اعدائهم اعني: روايات الجري، كثيرة في الابواب المختلفة، وربما تبلغ المئين، ونحن بعد هذا التنبيه العام نترك ايراد أكثرها في الابحاث الروائية لخروجها عن الغرض في الكتاب، إلا ما تعلق بها غرض في البحث فليتذكر.

[ 43 ]

(سورة البقرة وهي مأتان وست وثمانون آية) بسم الله الرحمن الرحيم الم - 1. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين - 2. الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون - 3. والذين يؤمنون بما انزل اليك وما انزل من قبلك وبالاخرة هم يوقنون - 4. أولئك هدي من ربهم وأولئك هم المفلحون - 5.

(بيان)

 لما كانت السورة نازلة نجوما لم يجمعها غرض واحد إلا ان معظمها تنبئ عن غاية واحدة محصلة وهو بيان ان من حق عبادة الله سبحانه أن يؤمن عبده بكل ما أنزله بلسان رسله من غير تفرقة بين وحي ووحي ولا بين رسول ورسول ولا غير ذلك، ثم تقريع الكافرين والمنافقين وملامة أهل الكتاب بما ابتدعوه من التفرقة في دين الله والتفريق بين رسله، ثم التخلص إلى بيان عدة من الاحكام كتحويل القبلة واحكام الحج والارث والصوم وغير ذلك. قوله تعالى: ألم، سيأتي بعض ما يتعلق من الكلام بالحروف المقطعة التي في اوائل السور، في اول سورة الشورى ان شاء الله، وكذلك الكلام في معنى هداية القرآن ومعنى كونه كتابا. وقوله تعالى: هدى للمتقين الذين يؤمنون الخ، المتقون هم المؤمنون، وليست التقوى من الاوصاف الخاصة لطبقة من طبقاتهم اعني: لمرتبة من مراتب الايمان حتى تكون مقاما من مقاماته نظير الاحسان والاخبات والخلوص، بل هي صفة مجامعة لجميع مراتب الايمان إذا تلبس الايمان بلباس التحقق، والدليل على ذلك انه تعالى لا يخص بتوصيفه طائفة خاصة من طوائف المؤمنين على اختلاف طبقاتهم ودرجاتهم والذي اخذه تعالى من الاوصاف المعرفة للتقوى في هذه الآيات التسع عشرة التي يبين فيها

[ 44 ]

حال المؤمنين والكفار والمنافقين، خمس صفات، وهي الايمان بالغيب، واقامة الصلوة، والانفاق مما رزق الله سبحانه، والايمان بما انزله على انبيائه، والايقان بالآخرة، وقد وصفهم بانهم على هدى من ربهم فدل ذلك على ان تلبسهم بهذه الصفات الكريمة بسبب تلبسهم بلباس الهداية من الله سبحانه، فهم انما صاروا متقين اولي هذه الصفات بهداية منه تعالى، ثم وصف الكتاب بانه هدى لهؤلاء المتقين بقوله تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) فعلمنا بذلك: ان الهداية غير الهداية، وان هؤلاء وهم متقون محفوفون بهدايتين، هداية اولى بها صاروا متقين، وهداية ثانية اكرمهم الله سبحانه بها بعد التقوى وبذلك صحت المقابلة بين المتقين وبين الكفار والمنافقين، فانه سبحانه يجعلهم في وصفهم بين ضلالين وعمائين، ضلال اول هو الموجب لاوصافهم الخبيثة من الكفر والنفاق، وضلال ثان يتأكد به ضلالهم الاول، ويتصفون به بعد تحقق الكفر والنفاق كما يقوله تعالى في حق الكفار: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ابصارهم غشاوة) البقرة - 7، فنسب الختم إلى نفسه تعالى والغشاوة إلى انفسهم، وكما يقوله في حق المنافقين: (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا) البقرة - 10 فنسب المرض الاول إليهم والمرض الثاني إلى نفسه على حد ما يستفاد من قوله تعالى: (يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به الا الفاسقين) البقرة - 26، وقوله تعالى: (فلما زاغوا ازاغ الله قلوبهم) الصف - 5. وبالجملة المتقون واقعون بين هدايتين، كما ان الكفار والمنافقين واقعون بين ضلالين. ثم ان الهداية الثانية لما كانت بالقرآن فالهداية الاولى قبل القرآن وبسبب سلامة الفطرة، فان الفطرة إذا سلمت لم تنفك من ان تتنبه شاهدة لفقرها وحاجتها إلى امر خارج عنها، وكذا احتياج كل ما سواها مما يقع عليه حس أو وهم أو عقل إلى امر خارج يقف دونه سلسلة الحوائج، فهي مؤمنة مذعنة بوجود موجود غائب عن الحس منه يبدء الجميع واليه ينتهي ويعود، وانه كما لم يهمل دقيقة من دقائق ما يحتاج إليه الخلقة كذلك لا يهمل هداية الناس إلى ما ينجيهم من مهلكات الاعمال والاخلاق، وهذا هو

[ 45 ]

الاذعان بالتوحيد والنبوة والمعاد وهي اصول الدين، ويلزم ذلك استعمال الخضوع له سبحانه في ربوبيتة، واستعمال ما في وسع الانسان من مال وجاه وعلم وفضيلة لاحياء هذا الامر ونشره، وهذان هما الصلاة والانفاق. ومن هنا يعلم: ان الذي اخذه سبحانه من اوصافهم هو الذي يقضي به الفطرة إذا سلمت وانه سبحانه وعدهم انه سيفيض عليهم امرا سماه هداية، فهذه الاعمال الزاكية منهم متوسطة بين هدايتين كما عرفت، هداية سابقة وهداية لاحقة، وبين الهدايتين يقع صدق الاعتقاد وصلاح العمل، ومن الدليل على أن هذه الهداية الثانية من الله سبحانه فرع الاولى، آيات كثيرة كقوله تعالى: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحيوة الدنيا وفي الآخرة) ابراهيم - 27. وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به) الحديد - 28. وقوله تعالى: (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت اقدامكم) محمد صلى الله عليه وآله وسلم - 7. وقوله تعالى: والله لا يهدي القوم الظالمين) الصف - 7. وقوله تعالى: (والله لا يهدي القوم الفاسقين) الصف - 5. إلى غير ذلك من الآيات. والامر في ضلال الكفار والمنافقين كما في المتقين على ما سيأتي انشاء الله. وفي الآيات اشارة إلى حيوة اخرى للانسان كامنة مستبطنة تحت هذه الحيوة الدنيوية، وهي الحيوة التي بها يعيش الانسان في هذه الدار و بعد الموت وحين البعث، قال تعالى: (أو من كان ميتا فاحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها) الانعام - 123 وسيأتي الكلام فيه انشاء الله. وقوله سبحانه: يؤمنون الايمان، تمكن الاعتقاد في القلب ماخوذ من الامن كأن المؤمن يعطي لما امن به الامن من الريب والشك وهو آفة الاعتقاد، والايمان كما مر معنى ذو مراتب، إذ الاذعان ربما يتعلق بالشئ نفسه فيترتب عليه اثره فقط، وربما يشتد بعض الاشتداد فيتعلق ببعض لوازمه، وربما يتعلق بجميع لوازمه فيستنتج منه ان للمؤمنين طبقات على حسب طبقات الايمان. وقوله سبحانه: بالغيب، الغيب خلاف الشهادة وينطبق على ما لا يقع عليه الحس، وهو الله سبحانه وآياته الكبرى الغائبة عن حواسنا، ومنها الوحي هو

[ 46 ]

الذي اشير إليه بقوله: (والذين يؤمنون بما انزل اليك وما انزل من قبلك) فالمراد بالايمان بالغيب في مقابل الايمان بالوحي والايقان بالآخرة، هو الايمان بالله تعالى ليتم بذلك الايمان بالاصول الثلاثة للدين، والقرآن يؤكد القول على عدم القصر على الحس فقط ويحرص على اتباع سليم العقل وخالص اللب. وقوله سبحانه: وبالاخرة هم يوقنون، العدول في خصوص الاذعان بالاخرة عن الايمان إلى الايقان، كأنه للاشارة إلى أن التقوى لا تتم إلا مع اليقين بالاخرة الذي لا يجامع نسيانها، دون الايمان المجرد، فان الانسان ربما يؤمن بشئ ويذهل عن بعض لوازمه فيأتي بما ينافيه، لكنه إذا كان على علم وذكر من يوم يحاسب فيه على الخطير واليسير من اعماله لا يقتحم معه الموبقات ولا يحوم حوم محارم الله سبحانه البتة قال تعالى: (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ان الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب) ص - 26. فبين تعالى: ان الضلال عن سبيل الله انما هو بنسيان يوم الحساب، فذكره واليقين به ينتج التقوى. وقوله تعالى: اؤلئك على هدى من ربهم، الهداية كلها من الله سبحانه، لا ينسب إلى غيره البتة الا على نحو من المجاز كما سيأتي ان شاء الله، ولما وصفهم الله سبحانه بالهداية وقد قال في نعتها: (فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره): لانعام - 125، وشرح الصدر سعته وهذا الشرح، يدفع عنه كل ضيق وشح، وقد قال تعالى: (ومن يوق شح نفسه فألئك هم المفلحون) الحشر - 9، عقب سبحانه ههنا أيضا قوله: اؤلئك على هدى من ربهم، بقوله: واولئك هم المفلحون الآية.

(بحث روائي)

في المعاني عن الصادق عليه السلام: في قوله تعالى: الذين يؤمنون بالغيب، قال: من آمن بقيام القائم عليه السلام انه حق. اقول: وهذا المعنى مروي في غير هذه الرواية وهو من الجرى.

[ 47 ]

وفي تفسير العياشي عن الصادق عليه السلام: في قوله تعالى: (ومما رزقناهم ينفقون) قال: ومما علمنا هم يبثون. وفي المعاني عنه عليه السلام: في الآية: ومما علمناهم يبثون، وما علمناهم من القرآن يتلون. اقول: والروايتان مبنيتان على حمل الانفاق على الاعم من انفاق المال كما ذكرناه.

(بحث فلسفي)

 هل يجوز التعويل على غير الادراكات الحسية من المعاني العقلية ؟ هذه المسألة من معارك الآراء بين المتأخرين من الغربيين، وان كان المعظم من القدماو حكماء الاسلام على جواز التعويل على الحس والعقل معا، بل ذكروا ان البرهان العلمي لا يشمل المحسوس من حيث انه محسوس، لكن الغربيين مع ذلك اختلفوا في ذلك، والمعظم منهم وخاصة من علماء الطبيعة على عدم الاعتماد على غير الحس، وقد احتجوا على ذلك بان العقليات المحضة يكثر وقوع الخطأ والغلط فيها مع عدم وجود ما يميز به الصواب من الخطأ وهو الحس والتجربة المماسان للجزئيات بخلاف الادراكات الحسية فانا إذا أدركنا شيئا بواحد من الحواس اتبعنا ذلك بالتجربة بتكرار الامثال، ولا نزال نكرر حتى نستثبت الخاصة المطلوبة في الخارج ثم لا يقع فيه شك بعد ذلك، والحجة باطلة مدخولة. اولا: بأن جميع المقدمات المأخوذة فيها عقلية غير حسية فهي حجة على بطلان الاعتماد على المقدمات العقلية بمقدمات عقلية فيلزم من صحة الحجة فسادها. وثانيا: بأن الغلط في الحواس لا يقصر عددا من الخطأ والغلط في العقليات، كما يرشد إليه الابحاث التي اوردوها في المبصرات وسائر المحسوسات، فلو كان مجرد وقوع الخطأ في باب موجبا لسده وسقوط الاعتماد عليه لكان سد باب الحس اوجب والزم.

[ 48 ]

وثالثا: ان التميز بين الخطأ والصواب مما لا بد منه في جميع المدر كات غير ان التجربة وهو تكرر الحس ليست آلة لذلك التميز بل القضية التجربية تصير احدى المقدمات من قياس يحتج به على المطلوب، فانا إذا ادركنا بالحس خاصة من الخواص ثم اتبعناه بالتجربة بتكرار الامثال تحصل لنا في الحقيقة قياس على هذا الشكل: ان هذه الخاصة دائمي الوجود أو اكثري الوجود لهذا الموضوع، ولو كانت خاصة لغير هذا الموضوع لم يكن بدائمي أو اكثري، لكنه دائمي أو اكثري وهذا القياس كما ترى يشتمل على مقدمات عقلية غير حسية ولا تجريبية. ورابعا: هب ان جميع العلوم الحسية مؤيدة بالتجربة في باب العمل لكن من الواضح ان نفس التجربة ليس ثبوتها بتجربة اخرى وهكذا إلى غير النهاية بل العلم بصحته من طريق غير طريق الحس، فالاعتماد على الحس والتجربة اعتماد على العلم العقلي اضطرارا. وخامسا: ان الحس لا ينال غير الجزئي المتغير والعلوم لا تستنتج ولا تستعمل غير القضايا الكلية وهي غير محسوسة ولا مجربة، فان التشريح مثلا انما ينال من الانسان مثلا افرادا معدودين قليلين أو كثيرين، يعطي للحس فيها مشاهدة ان لهذا الانسان قلبا وكبدا مثلا، ويحصل من تكرارها عدد من المشاهدة يقل أو يكثر وذلك غير الحكم الكلي في قولنا: كل انسان فله قلب أو كبد، فلو اقتصرنا في الاعتماد والتعويل على ما يستفاد من الحس والتجربة فحسب من غير ركون على العقليات من رأس لم يتم لنا ادراك كلي ولا فكر نظري ولا بحث علمي، فكما يمكن التعويل أو يلزم على الحس في مورد يخص به كذلك التعويل فيما يخص بالقوة العقلية، ومرادنا بالعقل هو المبدأ لهذه التصديقات الكلية والمدرك لهذه الاحكام العامة، ولا ريب ان الانسان معه شئ شأنه هذا الشأن، وكيف يتصور ان يوجد ويحصل بالصنع والتكوين شئ شأنه الخطأ في فعله رأسا ؟ أو يمكن ان يخطئ في فعله الذي خصه به التكوين ؟ والتكوين انما يخص موجودا من الموجودات بفعل من الافعال بعد تثبت الرابطة الخارجية بينهما، وكيف يثبت رابطة بين موجود وما ليس بموجود أي خطأ وغلط ؟ واما وقوع الخطأ في العلوم أو الحواس فلبيان حقيقة الامر فيه محل آخر ينبغي الرجوع إليه والله الهادي.

[ 49 ]

(بحث آخر فلسفي)

 الانسان البسيط في أوائل نشأته حين ما يطأ موطأ الحيوة لا يرى من نفسه إلا انه ينال من الاشياء اعيانها الخارجية من غير ان يتنبه انه يوسط بينه وبينها وصف العلم، ولا يزال على هذا الحال حتى يصادف في بعض مواقفه الشك أو الظن، وعند ذلك يتنبه: انه لا ينفك في سيره الحيوي ومعاشه الدنيوي عن استعمال العلم لا سيما وهو ربما يخطئ ويغلط في تميزاته، ولا سبيل للخطأ والغلط إلى خارج الاعيان، فيتيقن عند ذلك بوجود صفة العلم (وهو الادراك المانع من النقيض) فيه. ثم البحث البالغ يوصلنا ايضا إلى هذه النتيجة، فان ادراكاتنا التصديقية تحلل إلى قضية اول الاوائل (وهى ان الايجاب والسلب لا يجتمعان معا ولا يرتفعان معا) فما من قضية بديهية أو نظرية الا وهي محتاجة في تمام تصديقها إلى هذه القضية البديهية الاولية، حتى انا لو فرضنا من انفسنا الشك فيها وجدنا الشك المفروض لا يجامع بطلان نفسه وهو مفروض، وإذا ثبتت هذه القضية على بداهتها ثبت جم غفير من التصديقات العلمية على حسب مساس الحاجة إلى اثباتها، وعليها معول الانسان في انظاره واعماله. فما من موقف علمي ولا واقعة عملية إلا ومعول الانسان فيه على العلم، حتى انه انما يشخص شكه بعلمه أنه شك، وكذا ظنه أو وهمه أو جهله بما يعلم انه ظن أو وهم أو جهل هذا. ولقد نشأ في عصر اليونانيين جماعة كانوا يسمون بالسو فسطائيين نفوا وجود العلم، وكانوا يبدون في كل شئ الشك حتى في انفسهم وفي شكهم، وتبعهم آخرون يسمون بالشكاكين قريبوا المسلك منهم نفوا وجود العلم عن الخارج عن انفسهم وافكارهم (ادراكاتهم) وربما لفقوا لذلك وجوها من الاستدلال. منها: أن اقوى العلوم والادراكات (وهي الحاصلة لنا من طرق الحواس) مملوءة

[ 50 ]

خطأ وغلطا فكيف بغيرها ؟ ومع هذا الوصف كيف يمكن الاعتماد على شئ من العلوم والتصديقات المتعلقة بالخارج منا ؟ ومنها: انا كلما قصدنا نيل شئ من الاشياء الخارجية لم ننل عند ذلك الا العلم به دون نفسه فكيف يمكن النيل لشئ من الاشياء ؟ إلى غير ذلك من الوجوه. والجواب عن الاول: أن هذا الاستدلال يبطل نفسه، فلو لم يجز الاعتماد على شئ من التصديقات لم يجز الاعتماد على المقدمات المأخوذة في نفس الاستدلال، مضافا إلى أن الاعتراف بوجود الخطأ وكثرته اعتراف بوجود الصواب بما يعادل الخطأ أو يزيد عليه، مضافا إلى أن القائل بوجود العلم لا يدعي صحة كل تصديق بل انما يدعيه في الجملة، وبعبارة اخرى يدعي الايجاب الجزئي في مقابل السلب الكلي والحجة لا تفي بنفي ذلك. والجواب عن الثاني: أن محل النزاع وهو العلم حقيقته الكشف عن ما ورائه فإذا فرضنا أنا كلما قصدنا شيئا من الاشياء الخارجية وجدنا العلم بذلك اعترفنا بأنا كشفنا عنه حينئذ، ونحن إنما ندعي وجود هذا الكشف في الجملة، ولم يدع احد في باب وجود العلم: انا نجد نفس الواقع وننال عين الخارج دون كشفه، وهؤلاء محجوجون بما تعترف به نفوسهم اعترافا اضطراريا في أفعال الحيوة الاختيارية وغيرها، فانهم يتحركون إلى الغذاء والماء عند احساس الم الجوع والعطش، وكذا إلى كل مطلوب عند طلبه لا عند تصوره الخالي، ويهربون عن كل محذور مهروب عنه عند العلم بوجوده لا عند مجرد تصوره، وبالجملة كل حاجة نفسانية الهمتها إليهم احساساتهم اوجدوا حركة خارجية لرفعها ولكنهم عند تصور تلك الحاجة من غير حاجة الطبيعة إليها لا يتحركون نحو رفعها، وبين التصورين فرق لا محالة، وهو ان احد العلمين يوجده الانسان باختياره ومن عند نفسه والاخر انما يوجد في الانسان بايجاد أمر خارج عنه مؤثر فيه، وهو الذي يكشف عنه العلم، فاذن العلم موجود وذلك ما اردناه. واعلم: أن في وجود العلم شكا قويا من وجه آخر وهو الذي وضع عليه اساس العلوم المادية اليوم من نفي العلم الثابت (وكل علم ثابت)، بيانه: ان البحث العلمي

[ 51 ]

يثبت في عالم الطبيعة نظام التحول والتكامل، فكل جزء من أجزاء عالم الطبيعة واقع في مسير الحركة متوجه إلى الكمال، فما من شئ إلا وهو في الآن الثاني من وجوده غيره وهو في الآن الآول من وجوده، ولا شك ان الفكر والادراك من خواص الدماغ فهي خاصة مادية لمركب مادي، فهي لا محالة واقعة تحت قانون التحول والتكامل، فهذه الادراكات (ومنها الادراك المسمى بالعلم) واقعة في التغير والتحول فلا معنى لوجود علم ثابت باق وانما هو نسبي، فبعض التصديقات أدوم بقاء وأطول عمرا أو أخفى نقيضا ونقضا من بعض آخر وهو المسمى بالعلم فيما وجد. والجواب عنه: أن الحجة مبنية على كون العلم ماديا غير مجرد في وجوده وليس ذلك بينا ولا مبينا بل الحق ان العلم ليس بمادي البتة، وذلك لعدم إنطباق صفات المادة وخواصها عليه. (1) فان الماديات مشتركة في قبول الانقسام وليس يقبل العلم بما أنه علم الانقسام البتة. (2) والماديات مكانية زمانية والعلم بما أنه علم لا يقبل مكانا ولا زمانا، والدليل عليه إمكان تعقل الحادثة الجزئية الواقعة في مكان معين وزمان معين في كل مكان وكل زمان مع حفظ العينية. (3) والماديات بأجمعها واقعة تحت سيطرة الحركة العمومية فالتغير خاصة عمومية فيها مع أن العلم بما أنه علم لا يتغير، فان حيثية العلم بالذات تنافي حيثية التغير والتبدل وهو ظاهر عند المتأمل. (4) ولو كان العلم مما يتغير بحسب ذاته كالماديات لم يمكن تعقل شئ واحد ولا حادثة واحدة فوقتين مختلفين معا ولا تذكر شئ أو حادثة سابقة في زمان لاحق، فان الشئ المتغير وهو في الآن الثاني غيره في الآن الآول، فهذه الوجوه ونظائرها دالة على ان العلم بما أنه علم ليس بمادي البتة، وأما ما يحصل في العضو الحساس أو الدماغ من تحقق عمل طبيعي فليس بحثنا فيه أصلا ولا دليل على أنه هو العلم، ومجرد تحقق عمل عند تحقق أمر من الامور لا يدل على كونهما أمرا واحدا، والزائد على هذا المقدار من البحث ينبغي أن يطلب من محل آخر.

[ 52 ]

إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون - 6. ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم - 7.

(بيان)

 قوله تعالى: إن الذين كفروا، هؤلاء قوم ثبتوا على الكفر وتمكن الجحود من قلوبهم، ويدل عليه وصف حالهم بمساواة الانذار وعدمه فيهم، ولا يبعد أن يكون المراد من هؤلاء الذين كفروا هم الكفار من صناديد قريش وكبراء مكة الذين عاندوا ولجوا في أمر الدين ولم يألوا جهدا في ذلك ولم يؤمنوا حتى أفناهم الله عن آخرهم في بدر وغيره، ويؤيده أن هذا التعبير وهو قوله: سواء عليهم، أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون، لا يمكن استطراده في حق جميع الكفار وإلا انسد باب الهداية القرآن ينادي على خلافه، وايضا هذا التعبير إنما وقع في سورة يس (وهي مكية) وفي هذه السورة (وهي سورة البقرة أول سورة نزلت في المدينة) نزلت ولم تقع غزوة بدر بعد، فالأشبه أن يكون المراد من الذين كفروا، هيهنا وفي ساير الموارد من كلامه تعالى: كفار مكة في اول البعثة إلا أن تقوم قرينة على خلافه، نظير ما سيأتي ان المراد من قوله تعالى: الذين آمنوا، فيما أطلق في القرآن من غير قرينة هم السابقون الاولون من المسلمين، خصوا بهذا الخطاب تشريفا. وقوله تعالى: ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم (الخ) يشعر تغيير السياق: (حيث نسب الختم إلى نفسه تعالى والغشاوة إليهم انفسهم) بأن فيهم حجابا دون الحق في أنفسهم وحجابا من الله تعالى عقيب كفرهم وفسوقهم، فأعمالهم متوسطة بين حجا بين: من ذاتهم ومن الله تعالى، وسيأتي بعض ما يتعلق بالمقام في قوله تعالى: (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا). واعلم ان الكفر كالايمان وصف قابل للشدة والضعف فله مراتب مختلفة الآثار كالايمان.

[ 53 ]

(بحث روائي)

 في الكافي عن الزبيري عن الصادق عليه السلام قال: قلت له: أخبرني عن وجوه الكفر في كتاب الله عز وجل، قال: الكفر في كتاب الله على خمسة أوجه، فمنها كفر الجحود، والجحود على وجهين، والكفر بترك ما أمر الله، وكفر البرائة، وكفر النعم. فأما كفر الجحود فهو الجحود بالربوبية وهو قول من يقول: لا رب ولا جنة ولا نار، وهو قول صنفين من الزنادقة يقال لهم الدهرية وهم الذين يقولون وما يهلكنا إلا الدهر وهو دين وضعوه لانفسهم بالاستحسان منهم ولا تحقيق لشئ مما يقولون: قال عز وجل: ان هم إلا يظنون، أن ذلك كما يقولون، وقال: ان الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون، يعني بتوحيد الله، فهذا أحد وجوه الكفر. وأما الوجه الآخر فهو الجحود على معرفة، وهو ان يجحد الجاحد وهو يعلم أنه حق قد استقر عنده، وقد قال الله عز وجل: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا)، وقال الله عز وجل: وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين، فهذا تفسير وجهى الجحود، والوجه الثالث من الكفر كفر النعم وذلك قوله سبحانه يحكي قول سليمان: هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن يكفر فإن الله غني كريم، وقال: لئن شكرتم لازيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد، وقال: فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون. والوجه الرابع من الكفر ترك ما أمر الله عز وجل به، وهو قول عز وجل: (وإذا أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دمائكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالاثم والعدوان وان يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم اخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) فكفرهم بترك ما أمر الله عز وجل به ونسبهم إلى الايمان ولم يقبله منهم ولم ينفعهم عنده فقال: فما جزاء من يفعل

[ 54 ]

ذلك منكم إلا خزى في الحيوة الدنيا ويوم القيمة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون. والوجه الخامس من الكفر كفر البرائة وذلك قول الله عز وجل يحكي قول ابراهيم: وكفرنا بكم وبدأ بيننا وبينكم العداوة والبغضاء ابدا حتى تؤمنوا بالله وحده، يعني تبرأنا منكم، وقال: (يذكر ابليس وتبريه من أوليائه من الانس يوم القيامة) إني كفرت بما أشركتمون من قبل، وقال: انما اتخذتم من دون الله اوثانا مودة بينكم في الحيوة الدنيا ثم يوم القيمة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا، يعني يتبرأ بعضكم من بعض. اقول: وهي في بيان قبول الكفر الشدة والضعف كما مر. ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين - 8. يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون - 9. في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون - 10. وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الارض قالوا انما نحن مصلحون - 11. ألا انهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون - 12. وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء لكن لا يعلمون - 13. وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزون - 14. الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون - 15. أؤلئك

[ 55 ]

الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين - 16. مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما اضائت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون - 17. صم بكم عمي فهم لا يرجعون - 18. أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين - 19. يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شئ قدير - 20.

(بيان)

 قوله تعالى: ومن الناس من يقول إلى آخر الآيات، الخدعة نوع من المكر، والشيطان هو الشرير ولذلك سمي إبليس شيطانا. وفي الآيات بيان حال المنافقين، وسيجئ إن شاء الله تفصيل القول فيهم في سورة المنافقين وغيرها. وقوله تعالى: مثلهم كمثل الذي استوقد نارا (الخ) مثل يمثل به حالهم، انهم كالذي وقع في ظلمة عمياء لا يتميز فيها خير من شر ولا نافع من ضار فتسبب لرفعها بسبب من أسباب الاستضائة كنار يوقدها فيبصر بها ما حولها فلما توقدت وأضائت ما حولها أخمدها الله بسبب من الاسباب كريح أو مطر أو نحوهما فبقى فيما كان عليه

[ 56 ]

من الظلمة وتورط بين ظلمتين: ظلمة كان فيها وظلمة الحيرة وبطلان السبب. وهذه حال المنافق، يظهر الايمان فيستفيد بعض فوائد الدين باشتراكه مع المؤمنين في مواريثهم ومناكحهم وغيرهما حتى إذا حان حين الموت وهو الحين الذي فيه تمام الاستفادة من الايمان ذهب الله بنوره وأبطل ما عمله وتركه في ظلمة لا يدرك فيها شيئا ويقع بين الظلمة الاصلية وما أوجده من الظلمة بفعاله. وقوله تعالى: أو كصيب من السماء الخ، الصيب هو المطر الغزير، والبرق معروف، والرعد هو الصوت الحادث من السحاب عند الابراق، والصاعقة هي النازلة من البروق. وهذا مثل ثان يمثل به حال المنافقين في إظهارهم الايمان، انهم كالذي أخذه صيب السماء ومعه ظلمة تسلب عنه الابصار والتمييز، فالصيب يضطره إلى الفرار والتخلص، والظلمة تمنعه ذلك، والمهولات من الرعد والصاعقة محيطة به فلا يجد مناصا من أن يستفيد بالبرق وضوئه وهو غير دائم ولا باق متصل كلما أضاء له مشى وإذا أظلم عليه قام. وهذه حال المنافق فهو لا يحب الايمان ولا يجد بدا من اظهاره، ولعدم المواطأة بين قلبه ولسانه لا يستضئ له طريقه تمام الاستضائة، فلا يزال يخبط خبطا بعد خبط ويعثر عثرة بعد عثرة فيمشي قليلا ويقف قليلا ويفضحه الله بذلك ولو شاء الله لذهب بسمعه وبصره فيفتضح من اول يوم. يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون - 21. الذى جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون - 22. وإن كنتم في ريب مما نزلنا

[ 57 ]

على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهدائكم من دون الله إن كنتم صادقين - 23. فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس الحجارة أعدت للكافرين - 24. وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الانهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها ازواج مطهرة وهم فيها خالدون - 25.

(بيان)

 قوله تعالى: يا أيها الناس اعبدوا (الخ)، لما بين سبحانه: حال الفرق الثلاث: المتقين والكافرين، والمنافقين، وان المتقين على هدى من ربهم والقرآن هدى لهم، وان الكافرين مختوم على قلوبهم، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة وأن المنافقين مرضى وزادهم الله مرضا وهم صم بكم عمى (وذلك في تمام تسع عشرة آية) فرع تعالى على ذلك أن دعى الناس إلى عبادته وأن يلتحقوا بالمتقين دون الكافرين والمنافقين بهذه الآيات الخمس إلى قوله: خالدون. وهذا السياق يعطي كون قوله: لعلكم تتقون متعلقا بقوله: اعبدوا، دون قوله خلقكم وان كان المعنى صحيحا على كلا التقديرين. وقوله تعالى: فلا تجعلوا لله اندادا وانتم تعلمون، الانداد جمع ند كمثل، وزنا ومعنى وعدم تقييد قوله تعالى: وانتم تعلمون بقيد خاص وجعله حالا من قوله تعالى: فلا تجعلوا، يفيد التأكيد البالغ في النهي بأن الانسان وله علم ما كيفما كان لا يجوز له أن يتخذ لله سبحانه أندادا والحال انه سبحانه هو الذي خلقهم والذين من قبلهم ثم نظم النظام الكوني لرزقهم وبقائهم. وقوله تعالى: فأتوا بسورة من مثله أمر تعجيزي لابانة إعجاز القرآن، وأنه كتاب منزل من عند الله لا ريب فيه، إعجازا باقيا بمر الدهور وتوالي القرون،

[ 58 ]

وقد تكرر في كلامه تعالى هذا التعجيز كقوله تعالى: (قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) الاسراء - 88، وقوله تعالى: (أم يقولون افتريه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين) هود - 13. وعلى هذا فالضمير في مثله عائد إلى قوله تعالى: مما نزلنا، ويكون تعجيزا بالقرآن نفسه وبداعة أسلوبه وبيانه. ويمكن أن يكون الضمير راجعا إلى قوله: عبدنا، فيكون تعجيزا بالقرآن من حيث ان الذي جاء به رجل امي لم يتعلم من معلم ولم يتلق شيئا من هذه المعارف الغالية العالية والبيانات البديعة المتقنة من أحد من الناس فيكون الآية في مساق قوله تعالى: (قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدريكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون) يونس - 16، وقد ورد التفسيران معا في بعض الاخبار. واعلم: ان هذه الآية كنظائرها تعطي إعجاز أقصر سورة من القرآن كسورة الكوثر وسورة العصر مثلا، وما ربما يحتمل من رجوع ضمير مثله إلى نفس السورة كسورة البقرة أو سورة يونس مثلا يأباه الفهم المستأنس بأساليب الكلام إذ من يرمي القرآن بأنه افتراء على الله تعالى إنما يرميه جمعا ولا يخصص قوله ذاك بسورة دون سورة، فلا معنى لرده باتحدي بسورة البقرة أو بسورة يونس لرجوع المعنى حينئذ إلى مثل قولنا: وان تكنتم في من سورة الكوثر أو الاخلاص مثلا فأتوا بسورة مثل سورة يونس وهم بين الاستهجان هذا.

(الاعجاز وماهيته)

 اعلم: ان دعوى القرآن أنها آية معجزة بهذا التحدي الذى أبدتها هذه الآية تنحل بحسب الحقيقة إلى دعويين، وهما دعوى ثبوت أصل الاعجاز وخرق العادة الجارية ودعوى ان القران مصداق من مصاديق الاعجاز ومعلوم ان الدعوى الثانية تثبت بثبوتها الدعوى الاولى، والقرآن ايضا يكتفى بهذا النمط من البيان ويتحدى بنفسه فيستنتج به كلتا النتيجتين غير أنه يبقى الكلام على كيفية تحقق الاعجاز مع

[ 59 ]

اشتماله على ما لا تصدقه العادة الجارية في الطبيعة من إستناد المسببات إلى أسبابها المعهودة المشخصة من غير استثناء في حكم السببية أو تخلف واختلاف في قانون العلية، والقرآن يبين حقيقة الامر ويزيل الشبهة فيه. فالقرآن يشدق في بيان الامر من جهتين. الاولى: أن الاعجاز ثابت ومن مصاديقه القران المثبت لاصل الاعجاز ولكون منه بالتحدي. الثانية: أنه ما هو حقيقة الاعجاز وكيف يقع في الطبيعة أمر يخرق عادتها وينقض كليتها.

(إعجاز القرآن)

 لا ريب في أن القرآن يتحدى بالاعجاز في آيات كثيرة مختلفة مكية ومدنية تدل جميعها على أن القرآن آية معجزة خارقة حتى أن الآية السابقة أعني قوله تعالى: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله) الآية، اي من مثل لنبي (صلى إليه عليه وآله وسلم) إستدلال على كون القرآن معجزة بالتحدي على إتيان سورة نظيرة سورة من مثل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لا أنه إستدلال على النبوة مستقيما وبلا واسطة، والدليل عليه قوله تعالى في اولها: (وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا) ولم يقل وان كنتم في ريب من رسالة عبدنا، فجميع التحديات الواقعة في القرآن نحو استدلال على كون القرآن معجزة خارقة من عند الله، والآيات المشتملة على التحدي مختلفة في العموم والخصوص ومن أعمها تحديا قوله تعالى: (قل لئن إجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) الاسراء - 88، والآية مكية وفيها من عموم التحدي ما لا يرتاب فيه ذو مسكة. فلو كان التحدي ببلاغة بيان القرآن وجزالة اسلوبه فقط لم يتعد التحدي قوما خاصا وهم العرب العرباء من الجاهليين والمخضرمين قبل اختلاط اللسان وفساده، وقد قرع بالآية أسماع الانس والجن. وكذا غير البلاغة والجزالة من كل صفة خاصة إشتمل عليها القرآن كالمعارف

[ 60 ]

الحقيقية والاخلاق الفاضلة والاحكام التشريعية والاخبار المغيبة ومعارف اخرى لم يكشف البشر حين النزول عن وجهها النقاب إلى غير ذلك، كل واحد منها مما يعرفه بعض الثقلين دون جميعهم، فإطلاق التحدي على الثقلين ليس إلا في جميع ما يمكن فيه التفاضل في الصفات. فالقرآن آية للبليغ في بلاغته وفصاحته، وللحكيم في حكمته، وللعالم في علمه وللاجتماعي في اجتماعه، وللمقنين في تقنينهم وللسياسيين في سياستهم، وللحكام في حكومتهم، ولجميع العالمين فيما لا ينالونه جميعا كالغيب والاختلاف في الحكم والعلم والبيان. ومن هنا يظهر أن القرآن يدعي عموم إعجازه من جميع الجهات من حيث كونه اعجازا لكل فرد من الانس والجن من عامة أو خاصة أو عالم أو جاهل أو رجل أو امرأة أو فاضل بارع في فضله أو مفضول إذا كان ذا لب يشعر بالقول، فان الانسان مفطور على الشعور بالفضيلة وإدراك الزيادة والنقيصة فيها، فلكل إنسان أن يتأمل ما يعرفه من الفضيلة في نفسه أو في غيره من أهله ثم يقيس ما أدركه منها إلى ما يشتمل عليه القرآن فيقضي بالحق والنصفة، فهل يتأتى القوة البشرية أن يختلق معارف إلهية مبرهنة تقابل ما أتى به القرآن وتماثله في الحقيقة ؟ وهل يمكنها أن تاتي بأخلاق مبنية على أساس الحقائق تعادل ما أتى به القرآن في الصفاء والفضيلة ؟ وهل يمكنها أن يشرع أحكاما تامة فقهية تحصي جميع أعمال البشر من غير اختلاف يؤدي إلى التناقض مع حفظ روح التوحيد وكلمة التقوى في كل حكم ونتيجته، وسريان الطهارة في أصله وفرعه ؟ وهل يمكن أن يصدر هذا الاحصاء العجيب والاتقان الغريب من رجل امي لم يترب إلا في حجر قوم حظهم من الانسانية على مزاياها التي لا تحصى وكمالاتها التي لا تغيا أن يرتزقوا بالغارات الغزوات ونهب الاموال وأن يئدوا البنات ويقتلوا الاولاد خشية إملاق ويفتخروا بالآباء وينكحوا الامهات ويتباهوا بالفجور ويذموا العلم ويتظاهروا بالجهل وهم على أنفتهم وحميتهم الكاذبة اذلاء لكل مستذل وخطفة لكل خاطف فيوما لليمن ويوما للحبشة ويوما للروم ويوما للفرس ؟ فهذا حال عرب الحجاز في الجاهلية.

[ 61 ]

وهل يجتري عاقل على أن يأتي بكتاب يدعيه هدى للعالمين ثم يودعه أخبارا في الغيب مما مضى ويستقبل وفيمن خلت من الامم وفيمن سيقدم منهم لا بالواحد والاثنين في أبواب مختلفة من القصص والملاحم والمغيبات المستقبلة ثم لا يتخلف شئ منها عن صراط الصدق ؟. وهل يتمكن إنسان وهو أحد أجزاء نشأة الطبيعة المادية، والدار دار التحول والتكامل، أن يداخل في كل شأن من شئون العالم الانساني ويلقي إلى الدنيا معارف وعلوما وقوانين وحكما ومواعظ وأمثالا وقصصا في كل ما دق وجل ثم لا يختلف حاله في شئ منها في الكمال والنقص وهي متدرجة الوجود متفرقة الالقاء وفيها ما ظهر ثم تكرر وفيها فروع متفرعة على أصولها ؟ هذا مع ما نراه أن كل إنسان لا يبقى من حيث كمال العمل ونقصه على حال واحدة. فالانسان اللبيب القادر على تعقل هذه المعاني لا يشك في أن هذه المزايا الكلية وغيرها مما يشتمل عليه القرآن الشريف كلها فوق القوة البشرية ووراء الوسائل الطبيعية المادية وان لم يقدر على ذلك فلم يضل في انسانيته ولم ينس ما يحكم به وجدانه الفطري أن يراجع فيما لا يحسن إختباره ويجهل مأخذه إلى أهل الخبرة به. فان قلت: ما الفائدة في توسعة التحدي إلى العامة والتعدي عن حومه الخاصة فان العامة سريعة الانفعال للدعوة والاجابة لكل صنيعة وقد خضعوا لامثال الباب والبهاء والقادياني والمسيلمة على أن ما أتوا به واستدلوا عليه أشبه بالهجر والهذيان منه بالكلام. قلت: هذا هو السبيل في عموم الاعجاز والطريق الممكن في تمييز الكمال والتقدم في أمر يقع فيه التفاضل والسباق، فان أفهام الناس مختلفة اختلافا ضروريا والكمالات كذلك، والنتيجة الضرورية لهاتين المقدمتين أن يدرك صاحب الفهم العالي والنظر الصائب ويرجع من هو دون ذلك فهما ونظرا إلى صاحبه، و الفطرة حاكمة والغريزة قاضية. ولا يقبل شئ مما يناله الانسان بقواه المدركة ويبلغه فهمه العموم والشمول لكل فرد في كل زمان ومكان بالوصول والبلوغ والبقاء إلا ما هو من سنخ العلم والمعرفة

[ 62 ]

على الطريقة المذكورة، فان كل ما فرض آية معجزة غير العلم والمعرفة فانما هو موجود طبيعي أو حادث حسي محكوم بقوانين المادة محدود بالزمان والمكان فليس بمشهود إلا لبعض أفراد الانسان دون بعض ولو فرض محالا أو كالمحال عمومه لكل فرد منه فإنما يمكن في مكان دون جميع الامكنة، ولو فرض اتساعه لكل مكان لم يمكن اتساعه لجميع الازمنة والاوقات. فهذا ما تحدى به القرآن تحديا عاما لكل فرد في كل مكان في كل زمان.

 (تحديه بالعلم)

 وقد تحدى بالعلم والمعرفة خاصة بقوله تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ) النحل - 89، وقوله (ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) الانعام - 59، إلى غير ذلك من الآيات، فإن الاسلام كما يعلمه ويعرفه كل من سار في متن تعليماته من كلياته التي أعطاها القرآن وجزئياته التي أرجعها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بنحو قوله: (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) الحشر - 7، وقوله تعالى: (لتحكم بين الناس بما أريك الله) النساء - 104، وغير ذلك متعرض للجليل والدقيق من المعارف الالهية (الفلسفية) والاخلاق الفاضلة والقوانين الدينية الفرعية من عبادات ومعاملات وسياسات واجتماعيات وكل ما يمسه فعل الانسان وعمله، كل ذلك على أساس الفطرة وأصل التوحيد بحيث ترجع التفاصيل إلى اصل التوحيد بالتحليل، ويرجع الاصل إلى التفاصيل بالتركيب. وقد بين بقائها جميعا وانطباقها على صلاح الانسان بمرور الدهور وكرورها بقوله تعالى: (وانه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) حم سجدة - 42. وقوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) الحجر - 9، فهو كتاب لا يحكم عليه حاكم النسخ ولا يقضي عليه قانون التحول والتكامل. فان قلت: قد استقرت أنظار الباحثين عن الاجتماع وعلماء التقنين اليوم على

[ 63 ]

وجوب تحول القوانين الوضعية الاجتماعية بتحول الاجتماع واختلافها باختلاف الازمنة والاوقات وتقدم المدنية والحضارة. قلت: سيجئ البحث عن هذا الشأن والجواب عن الشبهة في تفسير قوله تعالى (كان الناس امة واحدة. الآية) البقرة - 213. وجملة القول وملخصه أن القرآن يبني أساس التشريع على التوحيد الفطري والاخلاق الفاضلة الغريزية ويدعي ان التشريع يجب أن ينمو من بذر التكوين والوجود. وهؤلاء الباحثون يبنون نظرهم على تحول الاجتماع مع الغاء المعنويات من معارف التوحيد وفضائل الاخلاق، فكلمتهم جامدة على سير التكامل الاجتماعي المادي العادم لفضيلة الروح، وكلمة الله هي العليا.

(التحدي بمن أنزل عليه القرآن)

 وقد تحدى بالنبي الامي الذي جاء بالقرآن المعجز في لفظه ومعناه، ولم يتعلم عند معلم ولم يترب عند مرب بقوله تعالى: (قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدريكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون) يونس - 16، فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم بينهم وهو أحدهم لا يتسامى في فضل ولا ينطق بعلم حتى لم يأت بشئ من شعر أو نثر نحوا من أربعين سنة وهو ثلثا عمره لا يحوز تقدما ولا يرد عظيمة من عظائم المعالي ثم أتى بما اتى به دفعة فأتى بما عجزت عنه فحولهم وكلت دونه ألسنة بلغائم، ثم بثه في أقطار الارض فلم يجترئ على معارضته معارض من عالم أو فاضل أو ذي لب وفطانة. وغاية ما أخذوه عليه: انه سافر إلى الشام للتجارة فتعلم هذه القصص ممن هناك من الرهبان ولم يكن أسفاره إلى الشام إلا مع عمه أبي طالب قبل بلوغه وإلا مع ميسرة مولى خديجة وسنه يومئذ خمسة وعشرون وهو مع من يلازمه في ليله ونهاره، ولو فرض محالا ذلك فما هذه المعارف والعلوم ؟ ومن أين هذه الحكم والحقائق ؟ وممن هذه البلاغة في البيان الذي خضعت له الرقاب وكلت دونه الالسن الفصاح ؟ وما أخذوه عليه انه كان يقف على قين بمكة من أهل الروم كان يعمل السيوف

[ 64 ]

ويبيعها فأنزل الله سبحانه: (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر، لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين) النحل - 103. وما قالوا عليه أنه يتعلم بعض ما يتعلم من سلمان الفارسي وهو من علماء الفرس عالم بالمذاهب والاديان مع ان سلمان إنما آمن به في المدينة وقد نزل أكثر القرآن بمكة وفيها من جميع المعارف الكلية والقصص ما نزلت منها بمدينة بل أزيد، فما الذي زاده ايمان سلمان وصحابته ؟ على أن من قرأ العهدين وتأمل ما فيهما ثم رجع إلى ما قصه القرآن من تواريخ الانبياء السالفين واممهم رأى أن التاريخ غير التاريخ والقصة غير القصة ففيهما عثرات وخطايا لانبياء الله الصالحين تنبو الفطرة وتتنفر من أن تنسبها إلى المتعارف من صلحاء الناس وعقلائهم، والقرآن يبرئهم منها وفيها أمور أخرى لا يتعلق بها معرفة حقيقية ولا فضيلة خلقية ولم يذكر القرآن منها إلا ما ينفع الناس في معارفهم وأخلاقهم وترك الباقي وهو الاكثر.

(تحدي القرآن بالاخبار عن الغيب)

 وقد تحدى بالاخبار عن الغيب بآيات كثيرة، منها إخباره بقصص الانبياء السالفين وأممهم كقوله تعالى: (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا الآية) هود - 49، وقوله تعالى بعد قصة يوسف: (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون) يوسف - 102 وقوله تعالي في قصة مريم: (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم ايهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون) آل عمران - 44 وقوله تعالى: (ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون) مريم - 34 إلى غير ذلك من الآيات. ومنها الاخبار عن الحوادث المستقبلة كقوله تعالى: (غلبت الروم في أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين) الروم - 2 - 3، وقوله تعالى في رجوع النبي إلى مكة بعد الهجرة: (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى المعاد) القصص -

[ 65 ]

85، وقوله تعالى (لتدخلن المسجد الحرام انشاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون الآية) الفتح - 27، وقوله تعالى: (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم) الفتح - 15، وقوله تعالى: (والله يعصمك من الناس) المائدة - 70، وقوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون) الحجر - 9، وآيات أخر كثيرة في وعد المؤمنين وعيد كفار مكة ومشركيها. ومن هذا الباب آيات أخر في الملاحم نظير قوله تعالى: (وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون حتى إذا فتحت ياجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين) الانبياء - 95، 97، وقوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض) النور - 55، وقوله تعالى (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم) الانعام - 65، ومن هذا الباب قوله تعالى: (وارسلنا الرياح لواقح) الحجر - 22، وقوله تعالى (وأنبتنا فيها من كل شئ موزون) الحجر - 19، وقوله تعال: (والجبال أوتادا) النباء - 7، مما يبتني حقيقة القول فيها على حقائق علمية مجهولة عند النزول حتى اكتشف الغطاء عن وجهها بالابحاث العلمية التي وفق الانسان لها في هذه الاعصار. ومن هذا الباب (وهو من مختصات هذا التفسير الباحث عن آيات القرآن باستنطاق بعضها ببعض واستشهاد بعضها على بعض) ما في سورة المائدة من قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، الآية) المائدة - 54. وما في سورة يونس من قوله تعالى: (ولكل امة رسول فإذا جاء رسولهم قضى بينهم بالقسط إلى آخر الآيات) يونس - 47، وما في سورة الروم من قوله تعالى: (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها الآية الروم - 30، إلى غير ذلك من الآيات التي تنبئ عن الحوادث العظيمة التي تستقبل الامة الاسلامية أو الدنيا عامة بعد عهد نزول القرآن، وسنورد انشاء الله تعالى طرفا منها في البحث عن سورة الاسراء.

[ 66 ]

(تحدي القرآن بعدم الاختلاف فيه)

 وقد تحدى أيضا بعدم وجود الاختلاف فيه، قال تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه إختلافا كثيرا) النساء - 82، فإن من الضروري أن النشة نشأة المادة والقانون الحاكم فيها قانون التحول والتكامل فما من موجود من الموجودات التي هي أجزاء هذا العالم الا وهو متدرج الوجود متوجه من الضعف إلى القوة ومن النقص إلى الكمال في ذاته وجميع توابع ذاته ولواحقه من الافعال والآثار ومن جملتها الانسان الذي لا يزال يتحول ويتكامل في وجوده وأفعاله وآثاره التي منها آثاره التي يتوسل إليها بالفكر والادراك، فما من واحد منا إلا وهو يرى نفسه كل يوم أكمل من أمس ولا يزال يعثر في الحين الثاني على سقطات في أفعاله وعثرات في اقواله الصادرة منه في الحين الاول، هذا أمر لا ينكره من نفسه إنسان ذو شعور. وهذا الكتاب جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم نجوما وقرأه على الناس قطعا قطعا في مدة ثلاث وعشرين سنة في أحوال مختلفة وشرائط متفاوتة في مكة والمدينة في الليل والنهار والحضر والسفر والحرب والسلم في يوم العسرة وفي يوم الغلبة ويوم الامن ويوم الخوف، ولالقاء المعارف الالهية وتعليم الاخلاق الفاضلة وتقنين الاحكام الدينية في جميع أبواب الحاجة، ولا يوجد فيه أدنى إختلاف في النظم المتشابه، كتابا متشابها مثانى ولم يقع في المعارف التي ألقاها والاصول التي أعطاها إختلاف يتناقض بعضها مع بعض وتنافي شئ منها مع آخر، فالآية تفسر الآية والبعض يبين البعض، والجملة تصدق الجملة كما قال علي عليه السلام: (ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض) (نهج البلاغة). ولو كان من عند غير الله لاختلف النظم في الحسن والبهاء والقول في الشداقة والبلاغة والمعنى من حيث الفساد والصحة ومن حيث الاتقان والمتانة. فان قلت: هذه مجرد دعوى لا تتكي على دليل وقد أخذ على القرآن مناقضات واشكالات جمة ربماألف فيه التأليفات، وهى اشكالات لفظية ترجع إلى قصوره في جهات البلاغة ومناقضات معنوية تعود إلى خطأه في آرائه وأنظاره وتعليماته، وقد

[ 67 ]

أجاب عنها المسلمون بما لا يرجع في الحقيقة إلا إلى التأويلات التي يحترزها الكلام الجاري على سنن الاستقامة وإرتضاء الفطرة السليمة. قلت: ما أشير إليه من المناقضات والاشكالات موجودة في كتب التفسير وغيرها مع أجوبتها ومنها هذا الكتاب، فالاشكال أقرب إلى الدعوى الخالية عن البيان. ولا تكاد تجد في هذه المؤلفات التي ذكرها المستشكل شبهة أوردوها أو مناقضة أخذوها الا وهي مذكور في مسفورات المفسرين مع اجوبتها فأخذوا الاشكالات وجمعوها ورتبوها وتركوا الاجوبة وأهملوها، ونعم ما قيل: لو كانت عين الحب متهمة فعين البغض أولى بالتهمة. فان قلت: فما تقول في النسخ الواقع في القرآن وقد نص عليه القرآن نفسه في قوله: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها) البقرة - 106 وقوله: (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل) النحل - 101، وهل النسخ إلا اختلاف في النظر لو سلمنا أنه ليس من قبيل المناقضة في القول ؟. قلت: النسخ كما أنه ليس من المناقضة في القول وهو ظاهر كذلك ليس من قبيل الاختلاف في النظر والحكم وانما هو ناش من الاختلاف في المصداق من حيث قبوله إنطباق الحكم يوما لوجود مصلحته فيه وعدم قبوله الانطباق يوما آخر لتبدل المصلحة من مصلحة اخرى توجب حكما آخر، ومن أوضع الشهود على هذا أن الآيات المنسوخة الاحكام في القرآن مقترنة بقرائن لفظية تومي إلى أن الحكم المذكور في الآية سينسخ كقوله تعالى: (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن اربعة منكم فان شهدوا فامسكوهن في البيوت حتى يتوفيهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا) النساء - 14، (انظر إلى التلويح الذي تعطيه الجملة الاخيرة)، وكقوله تعالى: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا) إلى أن قال (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره) البقرة - 109، حيث تمم الكلام بما يشعر بأن الحكم مؤجل.

[ 68 ]

التحدي بالبلاغة

وقد تحدى القرآن بالبلاغة كقوله تعالى: (أم يقولون افتريه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله ان كنتم صادقين فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما إنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون) هود - 13، 14. والآية مكية، وقوله تعالى: (أم يقولون افتريه قل فاتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من إستظعتم دون الله ان كنتم صادقين بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله) يونس - 38، 39. والآية ايضا مكية وفيها التحدي بالنظم والبلاغة فإن ذلك هو الشأن الظاهر من شؤون العرب المخاطبين بالآيات يومئذ، فالتاريخ لا يرتاب أن العرب العرباء بلغت من البلاغة في الكلام مبلغا لم يذكره التاريخ لواحدة من الامم المتقدمة عليهم والمتأخرة عنهم ووطئوا موطئا لم تطأه أقدام غيرهم في كمال البيان وجزالة النظم ووفاء اللفظ ورعاية المقام وسهولة المنطق. وقد تحدى عليهم القرآن بكل تحد ممكن مما يثير الحمية ويوقد نار الانفة والعصبية. وحالهم في الغرور ببضاعتهم والاستكبار عن الخضوع للغير في صناعتهم مما لا يرتاب فيه، وقد طالت مدة التحدي وتمادى زمان الاستنهاض فلم يجيبوه إلا بالتجافي ولم يزدهم إلا العجز ولم يكن منهم إلا الاستخفاء والفرار، كما قال تعالى: (الا انهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه الاحين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون) هود - 5. وقد مضى من القرون والاحقاب ما يبلغ أربعة عشر قرنا ولم يأت بما يناظره آت ولم يعارضه أحد بشئ إلا أخزى نفسه وافتضح في أمره. وقد ضبط النقل بعض هذه المعارضات والمناقشات، فهذا مسيلمة عارض سورة الفيل بقوله: (الفيل ما الفيل وما أدريك ما الفيل له ذنب وبيل وخرطوم طويل) وفي كلام له في الوحي يخاطب السجاح النبية (فنولجه فيكن إيلاجا، ونخرجه منكن إخراجا) فانظر إلى هذه الهذيانات واعتبر، وهذه سورة عارض بها الفاتحة بعض النصارى (الحمد للرحمن. رب الاكوان الملك الديان. لك العبادة وبك المستعان اهدنا صراط الايمان) إلى غير ذلك من التقولات.

[ 69 ]

فان قلت: ما معنى كون التأليف الكلامي بالغا إلى مرتبة معجزة للانسان ووضع الكلام مما سمحت به قريحة الانسان ؟ فكيف يمكن ان يترشح من القريحة ما لا تحيط به والفاعل اقوى من فعله ومنشأ الاثر محيط بأثره ؟ وبتقريب آخر الانسان هو الذي جعل اللفظ علامة دالة على المعنى لضرورة الحاجة الاجتماعية إلى تفهيم الانسان ما في ضميره لغيره فخاصة الكشف عن المعنى في اللفظ خاصة وضعية اعتبارية مجعولة للانسان، ومن المحال أن يتجاوز هذه الخاصة المترشحة عن قريحة الانسان حد قريحته فتبلغ مبلغا لا تسعه طاقة القريحة، فمن المحال حينئذ أن يتحقق في اللفظ نوع من الكشف لا تحيط به القريحة والا كانت غير الدلالة الوضعية الاعتبارية، مضافا إلى أن التراكيب الكلامية لو فرض ان بينها تركيبا بالغا حد الاعجاز كان معناه أن كل معنى من المعاني المقصودة ذو تراكيب كلامية مختلفة في النقص والكمال والبلاغة وغيرها، وبين تلك التراكيب تركيب هو أرقاها وابلغها لا تسعها طاقة البشر، وهو التركيب المعجز، ولازمه أن يكون في كل معنى مطلوب تركيب واحد إعجازي، مع ان القرآن كثيرا ما يورد في المعنى الواحد بيانات مختلفة وتراكيب متفرقة، وهو في القصص واضح لا ينكر، ولو كانت تراكيبه معجزة لم يوجد منها في كل معنى مقصود الا واحد لا غير. قلت: هاتان الشبهتان وما شاكلهما هي الموجبة لجمع من الباحثين في أعجاز القرآن في بلاغته أن يقولوا بالصرف، ومعنى الصرف أن الاتيان بمثل القرآن أو سور أو سورة واحدة منه محال على البشر لمكان آيات التحدي وظهور العجز من أعداء القرآن منذ قرون، ولكن لا لكون التأليفات الكلامية التي فيها في نفسها خارجة عن طاقة الانسان وفائقة على القوة البشرية، مع كون التأليفات جميعا أمثالا لنوع النظم الممكن للانسان، بل لان الله سبحانه يصرف الانسان عن معارضتها والاتيان بمثلها بالارادة الالهية الحاكمة على إرادة الانسان حفظا لآية النبوة ووقاية لحمى الرسالة. وهذا قول فاسد لا ينطبق على ما يدل عليه آيات التحدي بظاهرها كقوله (قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله ان كنتم صادقين، فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله الآية) هود - 13 و 14، فان الجملة الاخيرة ظاهرة في ان الاستدلال بالتحدي إنما هو على كون القرآن نازلا لا كلاما تقوله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وان نزوله انما هو بعلم الله لا بإنزال الشياطين

[ 70 ]

كما قال تعالى (أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين) الطور - 34، وقوله تعالى: (وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون إنهم عن السمع لمعزولون) الشعراء - 212، والصرف الذي يقولون به إنما يدل على صدق الرسالة بوجود آية هي الصرف، لا على كون القرآن كلاما لله نازلا من عنده، ونظير هذه الآية الآية الاخرى، وهي قوله: (قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله ان كنتم صادقين بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله الآية) يونس - 39، فإنها ظاهرة في ان الذي يوجب إستحالة إتيان البشر بمثل القرآن وضعف قواهم وقوى كل من يعينهم على ذلك من تحمل هذا الشأن هو ان للقرآن تأويلا لم يحيطوا بعلمه فكذبوه، ولا يحيط به علما إلا الله فهو الذي يمنع المعارض عن أن يعارضه، لا أن الله سبحانه يصرفهم عن ذلك مع تمكنهم منه لو لا الصرف بإرادة من الله تعالى. وكذا قوله تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه إختلافا كثيرا الآية) النساء - 82، فانه ظاهر في أن الذي يعجز الناس عن الاتيان بمثل القرآن إنما هو كونه في نفسه على صفة عدم الاختلاف لفظا ومعنى ولا يسع لمخلوق أن يأتي بكلام غير مشتمل على الاختلاف، لا أن الله صرفهم عن مناقضته بإظهار الاختلاف الذي فيه هذا، فما ذكروه من أن إعجاز القرآن بالصرف كلام لا ينبغي الركون إليه. وأما الاشكال باستلزام الاعجاز من حيث البلاغة المحال، بتقريب أن البلاغه من صفات الكلام الموضوع ووضع الكلام من آثار القريحة الانسانية فلا يمكن أن يبلغ من الكمال حدا لا تسعه طاقة القريحة وهو مع ذلك معلول لها لا لغيرها، فالجواب عنه أن الذي يستند من الكلام إلى قريحة الانسان إنما هو كشف اللفظ المفرد عن معناه، وأما سرد الكلام ونضد الجمل بحيث يحاكي جمال المعنى المؤلف وهيئته على ما هو عليه في الذهن بطبعه حكاية تامة أو ناقصة وإرائة واضحة أو خفية، وكذا تنظيم الصورة العلمية في الذهن بحيث يوافق الواقع في جميع روابطه ومقدماته ومقارناته ولواحقه أو في كثير منها أو في بعضها دون بعض فانما هو امر لا يرجع إلى وضع الالفاظ بل إلى نوع مهارة في صناعة البيان وفن البلاغة تسمح به القريحة في سرد الالفاظ ونظم

[ 71 ]

الادوات اللفظية ونوع لطف في الذهن يحيط به القوة الذاهنة على الواقعة المحكية باطرافها ولوازمها ومتعلقاتها. فهيهنا جهات ثلث يمكن أن تجتمع في الوجود أو تفترق فربما أحاط إنسان بلغة من اللغات فلا يشذ عن علمه لفظ لكنه لا يقدر على التهجي والتكلم، وربما تمهر الانسان في البيان وسرد الكلام لكن لا علم له بالمعارف والمطالب فيعجز عن التكلم فيها بكلام حافظ لجهات المعنى حاك لجمال صورته التي هو عليها في نفسه، وربما تبحر الانسان في سلسلة من المعارف والمعلومات ولطفت قريحته ورقت فطرته لكن لا يقدر على الافصاح عن ما في ضميره، وعى عن حكاية ما يشاهده من جمال المعنى ومنظره البهيج. فهذه امور ثلاثة: أولها راجع إلى وضع الانسان بقريحته الاجتماعية، والثانى والثالث راجعان إلى نوع من لطف القوة المدركة، ومن البين أن إدراك القوى المدركة منا محدودة مقدرة لا نقدر على الاحاطه بتفاصيل الحوادث الخارجية والامور الواقعية بجميع روابطها، فلسنا على أمن من الخطأ قط في وقت من الاوقات، ومع ذلك فالاستكمال التدريجي الذي في وجودنا أيضا يوجب الاختلاف التدريجي في معلوماتنا أخذا من النقص إلى الكمال، فأي خطيب اشدق واي شاعر مفلق فرضته لم يكن ما يأتيه في أول أمره موازنا لما تسمح به قريحته في أواخر أمره ؟ فلو فرضنا كلاما إنسانيا أي كلام فرضناه لم يكن في مأمن من الخطأ لفرض عدم إطلاع متكلمه بجميع أجزاء الواقع وشرائطه (أولا) ولم يكن على حد كلامه السابق ولا على زنة كلامه اللاحق بل ولا أوله يساوي آخره وإن لم نشعر بذلك لدقة الامر، لكن حكم التحول والتكامل عام (ثانيا)، وعلي هذا فلو عثرنا على كلام فصل لا هزل فيه (وجد الهزل هو القول بغير علم محيط) ولا إختلاف يعتريه لم يكن كلاما بشريا، وهو الذي يفيده القرآن بقوله: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه إختلافا كثيرا الآية) النساء - 82، وقوله تعالى: (والسماء ذات الرجع والارض ذات الصدع إنه لقول فصل وما هو بالهزل) الطارق - 14. انظر إلى موضع القسم بالسماء والارض المتغيرتين والمعنى المقسم به في عدم تغيره واتكائه على حقيقة ثابتة هي تأويله (وسيأتي ما يراد في القرآن من لفظ التأويل)، وقوله تعالى: (بل هو قرآن مجيد في لوح

[ 72 ]

محفوظ) البروج - 22، وقوله تعالى: (والكتاب المبين، إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون، وإنه في ام الكتاب لدينا لعلي حكيم) الزخرف - 4. وقوله تعالى: (فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم. إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون) الواقعة - 79، فهذه الآيات ونظائرها تحكى عن إتكاء القرآن في معانيه على حقائق ثابتة غير متغيرة ولا متغير ما يتكي عليها. إذا عرفت ما مر علمت أن إستناد وضع اللغة إلى الانسان لا يقتضي أن لا يوجد تأليف كلامي فوق ما يقدر عليه الانسان الواضع له، وليس ذلك إلا كالقول بان القين الصانع للسيوف يجب أن يكون أشجع من يستعملها وواضع النرد والشطرنج يجب أن يكون امهر من يلعب بهما ومخترع العود يجب أن يكون أقوى من يضرب بها. فقد تبين من ذلك كله أن البلاغة التامة معتمدة على نوع من العلم المطابق للواقع من جهة مطابقة اللفظ للمعني ومن جهة مطابقة المعنى المعقول للخارج الذي يحكيه الصورة الذهنية. أما اللفظ فان يكون الترتيب الذي بين أجزاء اللفظ بحسب الوضع مطابقا للترتيب الذي بين أجزاء المعنى المعبر عنه باللفظ بحسب الطبع فيطابق الوضع الطبع كما قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني في دلائل الاعجاز. وأما المعنى فان يكون في صحته وصدقه معتمدا على الخارج الواقع بحيث لا يزول عما هو عليه من الحقيقة، وهذه المرتبة هي التي يتكى عليها المرتبة السابقة، فكم من هزل بليغ في هزليته لكنه لا يقاوم الجد، وكم من كلام بليغ مبنى على الجهالة لكنه لا يعارض ولا يسعه أن يعارض الحكمة، والكلام الجامع بين عذوبة اللفظ وجزالة الاسلوب وبلاغة المعنى وحقيقة الواقع هو ارقى الكلام. وإذا كان الكلام قائما على أساس الحقيقة ومنطبق المعنى عليها تمام الانطباق لم يكذب الحقائق الاخر ولم تكذبه فإن الحق مؤتلف الاجزاء ومتحد الاركان، لا يبطل حق حقا، ولا يكذب صدق صدقا، والباطل هو الذي ينافي الباطل وينافي الحق، انظر إلى مغزى قوله سبحانه وتعالى: (فما ذا بعد الحق إلا الضلال) يونس - 32، فقد جعل الحق واحدا لا تفرق فيه ولا تشتت. وانظر إلى قوله تعالى: (ولا

[ 73 ]

تتبعوا السبل فتفرق بكم) الانعام - 153. فقد جعل الباطل متشتتا ومشتتا ومتفرقا و مفرقا. وإذا كان الامر كذلك فلا يقع بين اجزاء الحق اختلاف بل نهاية الايتلاف، يجر بعضه إلى بعض، وينتج بعضه البعض كما يشهد بعضه على بعض ويحكي بعضه البعض. وهذا من عجيب أمر القرآن فإن الآية من آياته لا تكاد تصمت عن الدلالة ولا تعقم عن الانتاج، كلما ضمت آية إلى آية مناسبة أنتجت حقيقة من أبكار الحقائق ثم الآية الثالثة تصدقها وتشهد بها، هذا شأنه وخاصته، وستري في خلال البيانات في هذا الكتاب نبذا من ذلك، على ان الطريق متروك غير مسلوك ولو أن المفسرين ساروا هذا المسير لظهر لنا إلى اليوم ينابيع من بحاره العذبة وخزائن من أثقاله النفيسة. فقد اتضح بطلان الاشكال من الجهتين جميعا فإن أمر البلاغة المعجزة لا يدور مدار اللفظ حتى يقال ان الانسان هو الواضع للكلام فكيف لا يقدر على ابلغ الكلام وأفصحه وهو واضح أو يقال ان ابلغ التركيبات المتصورة تركيب واحد من بينها فكيف يمكن التعبير عن معنى واحد بتركيبات متعددة مختلفة السياق والجميع فائقة قدرة البشر بالغة حد الاعجاز بل المدار هو المعنى المحافظ لجميع جهات الذهن والخارج.

(معنى الآية المعجزة في القرآن وما يفسر به حقيقتها)

 ولا شبهة في دلالة القرآن على ثبوت الآية المعجزة وتحققها بمعنى الامر الخارق للعادة الدال على تصرف ما وراء الطبيعة في عالم الطبيعة ونشأة المادة لا بمعنى الامر المبطل لضرورة العقل. وما تمحله بعض المنتسبين إلى العلم من تأويل الآيات الدالة على ذلك توفيقا بينها وبين ما يترائى من ظواهر الابحاث الطبيعية (العلمية) اليوم تكلف مردود إليه. والذي يفيده القرآن الشريف في معنى خارق العادة وإعطاء حقيقتة نذكره في

[ 74 ]

فصول من الكلام.

1 - تصديق القرآن لقانون العلية العامة

إن القرآن يثبت للحوادث الطبيعية أسبابا ويصدق قانون العلية العامة كما يثبته ضرورة العقل وتعتمد عليه الابحاث العلمية والانظار الاستدلالية، فإن الانسان مفطور على ان يعتقد لكل حادث مادي علة موجبة من غير تردد وإرتياب. وكذلك العلوم الطبيعية وساير الابحاث العلمية تعلل الحوادث والامور المربوطة بما تجده من أمور أخرى صالحة للتعليل، ولا نعني بالعلة إلا ان يكون هناك أمر واحد أو مجموع أمور إذا تحققت في الطبيعة مثلا تحقق عندها أمر آخر نسميه المعلول بحكم التجارب كدلالة التجربة على انه كلما تحقق احتراق لزم ان يتحقق هناك قبله علة موجبة له من نار أو حركة أو اصطكاك أو نحو ذلك، ومن هنا كانت الكلية وعدم التخلف من أحكام العلية والمعلولية ولوازمهما. وتصديق هذا المعنى ظاهر من القرآن فيما جرى عليه وتكلم فيه من موت وحيوة ورزق وحوادث أخرى علوية سماوية أو سفلية أرضية على أظهر وجه، وان كان يسندها جميعا بالاخرة إلى الله سبحانه لفرض التوحيد. فالقرآن يحكم بصحة قانون العلية العامة بمعنى أن سببا من الاسباب إذا تحقق مع ما يلزمه ويكتنف به من شرائط التأثير من غير مانع لزمه وجود مسببه مترتبا عليه بإذن الله سبحانه وإذا وجد المسبب كشف ذلك عن تحقق سببه لا محالة.

2 - اثبات القرآن ما يخرق العادة

 ثم ان القرآن يقتص ويخبر عن جملة من الحوادث والوقائع لا يساعد عليه جريان العادة المشهودة في عالم الطبيعة على نظام العلة والمعلول الموجود، وهذه الحوادث الخارقة للعادة هي الآيات المعجزة التي ينسبها إلى عدة من الانبياء الكرام كمعجزات نوح وهود وصالح وابراهيم ولوط وداود وسليمان وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم فإنها امور خارقة للعادة المستمرة في نظام الطبيعة.

[ 75 ]

لكن يجب أن يعلم أن هذه الامور والحوادث وأن انكرتها العادة واستبعدتها الا أنها ليست امورا مستحيلة بالذات بحيث يبطلها العقل الضروري كما يبطل قولنا لايجاب والسلب يجتمعان معا ويرتفعان معا من كل جهة وقولنا الشئ يمكن أن يسلب عن نفسه وقولنا: لواحد ليس نصف الاثنين وأمثال ذلك من الامور الممتنعة بالذات كيف ؟ وعقول جم غفير من المليين منذ أعصار قديمة تقبل ذلك وترتضيه من غير انكار ورد ولو كانت المعجزات ممتنعه بالذات لم يقبلها عقل عاقل ولم يستدل بها على شئ ولم ينسبها أحد إلى احد. على أن أصل هذه الامور أعني المعجزات ليس مما تنكره عادة الطبيعة بل هي مما يتعاوره نظام المادة كل حين بتبديل الحى إلى ميت والميت إلى الحى وتحويل صورة إلى صورة وحادثة إلى حادثة ورخاء إلى بلاء وبلاء إلى رخاء، وإنما الفرق بين صنع العادة وبين المعجزة الخارقة هو أن الاسباب المادية المشهودة التي بين أيدينا إنما تؤثر أثرها مع روابط مخصوصة وشرائط زمانية ومكانية خاصة تقضي بالتدريج في التأثير، مثلا العصا وإن أمكن أن تصير حية تسعى والجسد البالى وإن أمكن أن يصير إنسانا حيا لكن ذلك إنما يتحقق في العادة بعلل خاصة وشرائط زمانية ومكانية مخصوصة تنتقل بها المادة من حال إلى حال وتكتسي صورة بعد صورة حتى تستقر وتحل بها الصورة الاخيرة المفروضة على ما تصدقه المشاهدة والتجربة لا مع أي شرط إتفق أو من غير علة أو بإرادة مريد كما هو الظاهر من حال المعجزات والخوارق التي يقصها القرآن. وكما ان الحس والتجربة الساذجين لا يساعدان على تصديق هذه الخوارق للعادة كذلك النظر العلمي الطبيعي، لكونه معتمدا على السطح المشهود من نظام العلة والمعلول الطبيعيين، اعني به السطح الذى يستقر عليه التجارب العلمي اليوم والفرضيات المعللة للحوادث المادية. إلا أن حدوث الحوادث الخارقة للعادة إجمالا ليس في وسع العلم إنكاره والستر عليه، فكم من أمر عجيب خارق للعادة يأتي به أرباب المجاهدة وأهل الارتياض كل يوم تمتلي به العيون وتنشره النشريات ويضبطه الصحف والمسفورات بحيث لا يبقى لذي لب في وقوعها شك ولا في تحققها ريب.

[ 76 ]

وهذا هو الذي ألجأ الباحثين في الآثار الروحية من علماء العصر أن يعللوه بجريان امواج مجهولة الكتريسية مغناطيسية فافترضوا أن الارتياضات الشاقة تعطي للانسان سلطة على تصريف أمواج مرموزة قوية تملكه أو تصاحبه إرادة وشعور وبذلك يقدر على ما يأتي به من حركات وتحريكات وتصرفات عجيبة في المادة خارقة للعادة بطريق القبض والبسط ونحو ذلك. وهذه الفرضية لو تمت وأطردت من غير انتقاض لادت إلى تحقق فرضية جديدة وسيعة تعلل جميع الحوادث المتفرقة التي كانت تعللها جميعا أو تعلل بعضها الفرضيات القديمة على محور الحركة والقوة ولساقت جميع الحوادث المادية إلى التعلل والارتباط بعلة واحدة طبيعية. فهذا قولهم والحق معهم في الجملة إذ لا معنى لمعلول طبيعي لا علة طبيعية له مع فرض كون الرابطة طبيعية محفوظة، وبعبارة أخرى إنا لا نعني بالعلة الطبيعية إلا أن تجتمع عدة موجودات طبيعية مع نسب وروابط خاصة فيتكون منها عند ذلك موجود طبيعي جديد حادث متأخر عنها مربوط بها بحيث لو انتقض النظام السابق عليه لم يحدث ولم يتحقق وجوده. واما القرآن الكريم فإنه وإن لم يشخص هذه العلة الطبيعية الاخيرة التي تعلل جميع الحوادث المادية العادية والخارقة للعادة (على ما نحسبه) بتشخيص إسمه وكيفية تأثيره لخروجه عن غرضه العام إلا انه مع ذلك يثبت لكل حادث مادي سببا ماديا باذن الله تعالى، وبعبارة اخرى يثبت لكل حادث مادي مستند في وجوده إلى الله سبحانه و (الكل مستند) مجرى ماديا وطريقا طبيعيا به يجري فيض الوجود منه تعالى إليه. قال تعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شئ قدرا) الطلاق - 3، فان صدر الآية يحكم بالاطلاق من غير تقييد أن كل من اتقى الله وتوكل عليه وان كانت الاسباب العادية المحسوبة عندنا أسبابا تقضي بخلافه وتحكم بعدمه فإن الله سبحانه حسبه فيه وهو كائن لا محالة، كما يدل عليه أيضا اطلاق قوله تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فاني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) البقرة - 186، وقوله تعالى: (ادعوني استجب لكم) المؤمن - 60، وقوله تعالى: (أليس الله بكاف عبده) الزمر - 36.

[ 77 ]

ثم الجملة التالية وهي قوله تعالى: (إن الله بالغ أمره) الطلاق - 3، يعلل إطلاق الصدر، وهذا المعنى قوله: (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون) يوسف - 21. وهذه جملة مطلقة غير مقيدة بشئ البتة فلله سبحانه سبيل إلى كل حادث تعلقت به مشيته وإرادتة وإن كانت السبل العادية والطرق المألوفة مقطوعة منتفية هناك. وهذا يحتمل وجهين: أحدهما أن يتوسل تعالى إليه من غير سبب مادي وعلة طبيعية بل بمجرد الارادة وحدها، وثانيهما أن يكون هناك سبب طبيعي مستور عن علمنا يحيط به الله سبحانه ويبلغ ما يريده من طريقه الا أن الجملة التالية من الآية المعللة لما قبلها أعني قوله تعالى، قد جعل الله لكل شئ قدرا، تدل على ثاني الوجهين فإنها تدل على أن كل شئ من المسببات أعم مما تقتضيه الاسباب العادية أو لا تقتضيه فان له قدرا قدره الله سبحانه عليه، وإرتباطات مع غيره من الموجودات، واتصالات وجودية مع ما سواه، لله سبحانه أيتوسل منها إليه وان كانت الاسباب العادية مقطوعة عنه غير مرتبطة به إلا أن هذه الاتصالات والارتباطات ليست مملوكة للاشياء أنفسها حتى تطيع في حال وتعصى في أخرى بل مجعولة بجعله تعالى مطيعة منقادة له. فالآية تدل على أنه تعالى جعل بين الاشياء جميعها إرتباطات واتصالات له ان يبلغ إلى كل ما يريد من أي وجه شاء وليس هذا نفيا للعلية والسببية بين الاشياء بل إثبات أنها بيد الله سبحانه يحولها كيف شاء وأراد، ففي الوجود علية وارتباط حقيقي بين كل موجود وما تقدمه من الموجودات المنتظمة غير أنها ليست على ما نجده بين ظواهر الموجودات بحسب العادة (ولذلك نجد لفرضيات العلمية الموجودة قاصرة عن تعليل جميع الحوادث الوجودية) بل على ما يعلمه الله تعالى وينظمه. وهذه الحقيقة هي التي تدل عليها آيات القدر كقوله تعالى: (وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم) الحجر - 21، وقوله تعالى: (انا كل شئ خلقناه بقدر) القمر - 49، وقوله تعالى: (وخلق كل شئ فقدره تقديرا) الفرقان - 2، وقوله تعالى: (الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى) الاعلى - 3. وكذا قوله تعالى: (ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن

[ 78 ]

نبرأها) الحديد - 22، وقوله تعالى: (ما أصاب من مصيبة إلا باذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شئ عليم) التغابن - 11. فان الآية الاولى وكذا بقية الآيات تدل على أن الاشياء تنزل من ساحة الاطلاق إلى مرحلة التعين والتشخص بتقدير منه تعالى وتحديد يتقدم على الشئ ويصاحبه، ولا معنى لكون الشئ محدودا مقدرا في وجوده إلا أن يتحدد ويتعين بجميع روابطه التي مع سائر الموجودات والموجود المادي مرتبط بمجموعة من الموجودات المادية الاخرى التي هي كالقالب الذي يقلب به الشئ ويعين وجوده ويحدده ويقدره فما من موجود مادي إلا وهو متقدر مرتبط بجميع الموجودات المادية التي تتقدمه وتصاحبه فهو معلول لآخر مثله لا محالة. ويمكن أن يستدل أيضا على ما مر بقوله تعالى: (ذلكم الله ربكم خالق كل شئ) المؤمن - 62، وقوله تعالى: (ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم) هود - 56. فإن الآيتين بانضمام ما مرت الاشارة إليه من أن الآيات القرآنية تصدق قانون العلية العام تنتج المطلوب. وذلك أن الآية الاولى تعمم الخلقة لكل شئ فما من شئ إلا وهو مخلوق لله عز شأنه، والآية الثانية تنطق بكون الخلقة والايجاد على وتيرة واحدة ونسق منتظم من غير إختلاف يؤدي إلى الهرج والجزاف. والقرآن كما عرفت يصدق قانون العلية العام في ما بين الموجودات المادية ينتج أن نظام الوجود في الموجودات المادية سواء كانت على جري العادة أو خارقة لها على صراط مستقيم غير متخلف ووتيرة واحدة في إستناد كل حادث فيه إلى العلة المتقدمة عليه الموجبة له. ومن هنا يستنتج أن الاسباب العادية التي ربما يقع التخلف بينها وبين مسبباتها ليست بأسباب حقيقية بل هناك اسباب حقيقية مطردة غير متخلفة الاحكام والخواص كما ربما يؤيده التجارب العلمي في جراثيم الحيوة وفي خوارق العادة كما مر.

 3 - القرآن يسند ما أسند إلى العلة المادية إلى الله تعالى

 ثم ان القرآن كما يثبت بين الاشياء العلية والمعلولية ويصدق سببية البعض للبعض كذلك

[ 79 ]

يسند الامر في الكل إلى الله سبحانه فيستنتج منه أن الاسباب الوجودية غير مستقلة في التأثير والمؤثر الحقيقي بتمام معنى الكلمة ليس إلا الله عز سلطانه. قال تعالى: (ألا له الخلق وألامر) الاعراف - 53، وقال تعالى (لله ما في السموات وما في الارض) البقرة - 284، وقال تعالى: (له ملك السموات والارض) الحديد - 5، وقال تعالى: (قل كل من عند الله) النساء - 77. إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على أن كل شئ مملوك محض لله لا يشاركه فيه احد، وله أن يتصرف فيها كيف شاء وأراد وليس لاحد أن يتصرف في شئ منها إلا من بعد أن يأذن الله لمن شاء ويملكه التصرف من غير إستقلال في هذا التمليك أيضا، بل مجرد إذن لا يستقل به المأذون له دون أن يعتمد على إذن الآذن، قال تعالى: (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء) آل عمران - 26، وقال تعالى: (الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى) طه - 50، إلى غير ذلك من الآيات، وقال تعالى أيضا: (له ما في السموات وما في الارض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) البقرة - 255، وقال تعالى: (ثم استوى على العرش يدبر الامر ما من شفيع إلا من بعد إذنه) يونس - 3. فالاسباب تملكت السببية بتمليكه تعالى، وهي غير مستقلة في عين أنها مالكة. وهذا المعنى هو الذي يعبر سبحانه عنه بالشفاعة والاذن، فمن المعلوم أن الاذن إنما يستقيم معناه إذا كان هناك مانع من تصرف المأذون فيه، والمانع أيضا إنما يتصور فيما كان هناك مقتض موجود يمنع المانع عن تأثيره ويحول بينه وبين تصرفه. فقد بان أن في كل السبب مبدئا مؤثرا مقتضيا للتأثير به يؤثر في مسببه، والامر مع ذلك لله سبحانه.

 4 - القرآن يثبت تأثيرا في نفوس الانبياء في الخوارق

ثم إنه تعالى قال: (وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون) المؤمن - 78. فأفاد إناطة اتيان أية آية من أي رسول بإذن الله سبحانه فبين أن إتيان الآيات

[ 80 ]

المعجزة من الانبياء وصدورها عنهم إنما هو لمبدأ مؤثر موجود في نفوسهم الشريفة متوقف في تأثيره على الاذن كما مر في الفصل السابق. قال تعالى: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفرسليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من احد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من احد إلا باذن الله) البقرة - 102. ولآية كما انها تصدق صحة السحر في الجملة كذلك تدل على ان السحر ايضا كالمعجزة في كونه عن مبدأ نفساني في الساحر لمكان الاذن. وبالجملة جميع الامور الخارقة للعادة سواء سميت معجزة أو سحرا أو غير ذلك ككرامات الاولياء وسائر الخصال المكتسبة بالارتياضات والمجاهدات جميعها مستندة إلى مباد نفسانية ومقتضيات إرادية على ما يشير إليه كلامه سبحانه الا ان كلامه ينص على ان المبدأ الموجود عند الانبياء والرسل والمؤمنين هو الفائق الغالب على كل سبب وفي كل حال، قال تعالى: (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين انهم لهم المنصورون وان جندنا لهم الغالبون) الصافات - 173، وقال تعالى: كتب الله لاغلبن أنا ورسلي) المجادلة - 21، وقال تعالى: إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحيوة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد) المؤمن - 51. والآيات مطلقة غير مقيدة. ومن هنا يمكن أن يستنتج أن هذا المبدأ الموجود المنصور أمر وراء الطبيعة وفوق المادة. فان الامور المادية مقدرة محدودة مغلوبة لما هو فوقها قدرا وحدا عند التزاحم والمغالبة، والامور المجردة أيضا وان كانت كذلك إلا أنها لا تزاحم بينها ولا تمانع إلا ان تتعلق بالمادة بعض التعلق، وهذا المبدأ النفساني المجرد المنصور بإراده الله سبحانه إذا قابل مانعا ماديا إفاض إمدادا على السبب بما لا يقاومه سبب مادي يمنعه فافهم.

 5 - القرآن كما يسند الخوارق إلى تأثير النفوس يسندها إلى أمر الله تعالى

ثم ان الجملة الاخيرة من الاية السابقة في الفصل السابق أعني قوله تعالى: (فإذا

[ 81 ]

جاء أمر الله قضي بالحق الآية، تدل على ان تأثير هذا المقتضي يتوقف على أمر من الله تعالى يصاحب الاذن الذي كان يتوقف عليه ايضا فتأثير هذا المقتضى يتوقف على مصادفته الامر أو اتحاده معه. وقد فسر الامر في قوله تعالى (انما امره إذا أراد شيئا ان يقول له كن فيكون) يس - 82، بكلمة الايجاد وقول: كن. وقال تعالى: (ان هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا وما تشاؤن إلا انشاء الله) الدهر - 29، 30 وقال: (ان هو إلا ذكر للعالمين. لمن شاء منكم ان يستقيم. وما تشاؤن إلا أن يشاء الله رب العالمين) التكوير - 27، 28، 29، دلت الآيات على ان الامر الذي للانسان أن يريده وبيده زمام اختياره لا يتحقق موجودا إلا أن يشاء الله ذلك بان يشاء أن يشاء الانسان ويريد إرادة الانسان فإن الآيات الشريفة في مقام أن أفعال الانسان الارادية وإن كانت بيد الانسان بإرادته لكن الارادة والمشية ليست بيد الانسان بل هي مستندة إلى مشية الله سبحانه، وليست في مقام بيان أن كل ما يريده الانسان فقد اراده الله فإنه خطأ فاحش ولازمه أن يتخلف الفعل عن إرادة الله سبحانه عند تخلفه عن إرادة الانسان، تعالى الله عن ذلك. مع أنه خلاف ظواهر الآيات الكثيرة الواردة في هذا المورد كقوله تعالى: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هديها) السجدة - 13. وقوله تعالى: (ولو شاء ربك لآمن من في الآرض كلهم جميعا) يونس - 99، إلى غير ذلك فإرادتنا ومشيئتنا إذا تحققت فينا فهي مرادة بإرادة الله ومشيتة لها وكذا افعالنا مرادة له تعالى من طريق إرادتنا ومشيتنا بالواسطة. وهما أعني الارادة والفعل جميعا متوقفان على أمر الله سبحانه وكلمة كن. فالامور جميعا سواء كانت عادية أو خارقة للعادة وسواء كان خارق العادة في جانب الخير والسعادة كالمعجزة والكرامة، أو في جانب الشر كالسحر والكهانة مستندة في تحققها إلى أسباب طبيعية، وهي مع ذلك متوقفة على ارادة الله، لا توجد إلا بأمر الله سبحانه أي بأن يصادف السبب أو يتحد مع أمر الله سبحانه. وجميع الاشياء وإن كانت من حيث إستناد وجودها إلى الامر الالهي على حد سواء بحيث إذا تحقق الاذن والامر تحققت عن أسبابها، وإذا لم يتحقق الاذن والامر لم تتحقق، أي لم تتم السببية إلا أن قسما منها وهو المعجزة من الانبياء أو ما سأله عبد

[ 82 ]

ربه بالدعاء لا يخلو عن إرادة موجبة منه تعالى وأمر عزيمة كما يدل عليه قوله: (كتب الله لاغلبن أنا ورسلي - الآية) المجادلة - 21، وقوله تعالى: (أجيب دعوة الداع إذا دعان الآية) البقرة - 186، وغير ذلك من الآيات المذكورة في الفصل السابق.

 6 - القرآن يسند المعجزة إلى سبب غير مغلوب

فقد تبين من الفصول السابقة من البحث أن المعجزة كسائر الامور الخارقة للعادة لا تفارق الاسباب العادية في الاحتياج إلى سبب طبيعي وان مع الجميع أسبابا باطنية وأن الفرق بينها أن الامور العادية ملازمة لاسباب ظاهرية تصاحبها الاسباب الحقيقية الطبيعية غالبا أو مع الاغلب ومع تلك الاسباب الحقيقية إرادة الله وأمره، والامور الخارقة للعادة من الشرور كالسحر والكهانة مستندة إلى أسباب طبيعية مفارقة للعادة مقارنة للسبب الحقيقي بالاذن والارادة كإستجابة الدعاء ونحو ذلك من غير تحد يبتني عليه ظهور حق الدعوة وأن المعجزة مستندة إلى سبب طبيعي حقيقي بإذن الله وأمره إذا كان هناك تحد يبتنى عليه صحة النبوة والرسالة والدعوة إلى الله تعالى وأن القسمين الآخرين يفارقان سائر الاقسام في أن سببهما لا يصير مغلوبا مقهورا قط بخلاف سائر المسببات. فان قلت: فعلى هذا لو فرضنا الاحاطة والبلوغ إلى السبب الطبيعي الذي للمعجزة كانت المعجزة ميسورة ممكنة الاتيان لغير النبي أيضا ولم يبق فرق بين المعجزة وغيرها إلا بحسب النسبة والاضافه فقط فيكون حينئذ أمر ما معجزة بالنسبة إلى قوم غير معجزة بالنسبة إلى آخرين، وهم المطلعون على سببها الطبيعي الحقيقي، وفي عصر دون عصر، وهو عصر العلم، فلو ظفر البحث العلمي على الاسباب الحقيقية الطبيعية القصوى لم يبق مورد للمعجزة ولم تكشف المعجزة عن الحق. ونتيجه هذا البحث أن المعجزة لا حجية فيها إلا على الجاهل بالسبب فليست حجة في نفسها. قلت: كلا فليست المعجزة معجزة من حيث أنها مستندة إلى سبب طبيعي مجهول حتى تنسلخ عن إسمها عند إرتفاع الجهل وتسقط عن الحجية، ولا أنها معجزة من حيث إستنادها إلى سبب مفارق للعادة، بل هي معجزة من حيث أنها مستندة

[ 83 ]

إلى أمر مفارق للعادة غير مغلوب السبب قاهرة العلة البتة، وذلك كما ان الامر الحادث من جهة إستجابة الدعاء كرامة من حيث إستنادها إلى سبب غير مغلوب كشفاء المريض مع أنه يمكن ان يحدث من غير جهته كجهة العلاج بالدواء غير أنه حينئذ أمر عادي يمكن أن يصير سببه مغلوبا مقهورا بسبب آخر أقوى منه.

 7 - القرآن يعد المعجزة برهانا على صحة الرسالة لا دليلا عاميا

 وهيهنا سؤال وهو أنه ما هي الرابطة بين المعجزة وبين حقية دعوى الرسالة مع أن العقل لا يرى تلازما بين صدق الرسول في دعوته إلى الله سبحانه وبين صدور أمر خارق للعادة عن الرسول على أن الظاهر من القرآن الشريف، تقرير ذلك فيما يحكيه من قصص عدة من الانبياء كهود وصالح وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم فإنهم على ما يقصه القرآن حينما بثوا دعوتهم سئلوا عن آية تدل على حقية دعوتهم فأجابوهم فيما سئلوا وجاءوا بالآيات. وربما أعطوا المعجزة في أول البعثة قبل أن يسألهم أممهم شيئا من ذلك كما قال تعالى في موسى عليه السلام وهارون (إذهب أنت واخوك بآياتي ولا تنيا في ذكرى) طه - 42، وقال تعالى في عيسى عليه السلام: (ورسولا إلى بنى إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا باذن الله وأبرى الاكمه والابرص وأحيى الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين) آل عمران - 49، وكذا إعطاء القرآن معجزة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبالجملة فالعقل الصريح لا يرى تلازما بين حقية ما أتى به الانبياء والرسل من معارف المبدأ والمعاد وبين صدور أمر يخرق العادة عنهم. مضافا إلى أن قيام البراهين الساطعة على هذه الاصول الحقة يغنى العالم البصير بها عن النظر في أمرالاعجاز، ولذا قيل إن المعجزات لاقناع نفوس العامة لقصور عقولهم عن إدراك الحقائق العقلية وأما الخاصة فإنهم في غنى عن ذلك. والجواب عن هذا السؤال أن الانبياء والرسل عليهم السلام لم يأتوا بالآيات المعجزة لاثبات شئ من معارف المبدأ والمعاد مما يناله العقل كالتوحيد والبعث وأمثالها

[ 84 ]

وإنما اكتفوا في ذلك بحجة للعقل والمخاطبة من طريق النظر والاستدلال كقوله تعالى: (قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السموات والارض): إبراهيم - 10 في الاحتجاج على التوحيد قوله تعالى: (ما خلقنا السماء والارض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الارض أم نجعل المتقين كالفجار) ص - 28 في الاحتجاج على البعث. وانما سئل الرسل المعجزة وأتوابها لاثبات رسالتهم وتحقيق دعويها. وذلك أنهم ادعوا الرسالة من الله بالوحى وأنه بتكليم إلهي أو نزول ملك ونحو ذلك وهذا شئ خارق للعادة في نفسه من غير سنخ الادراكات الظاهرة والباطنة التي يعرفها عامة الناس ويجدونها من أنفسهم، بل إدراك مستور عن عامة النفوس لو صح وجوده لكان تصرفا خاصا من ما وراء الطبيعة في نفوس الانبياء فقط، مع أن الانبياء كغيرهم من افراد الناس في البشرية وقواها، ولذلك صادفوا إنكارا شديدا من الناس ومقاومة عنيفة في رده على أحد وجهين: فتارة حاول الناس إبطال دعويهم بالحجة كقوله تعالى: (قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آبائنا) إبراهيم - 102، إستدلوا فيها على بطلان دعويهم الرسالة بأنهم مثل سائر الناس والناس لا يجدون شيئا مما يدعونه من أنفسهم مع وجود المماثلة، ولو كان لكان في الجميع أو جاز للجميع هذا، ولهذا اجاب الرسل عن حجتهم بما حكاه الله تعالى عنهم بقوله: (قالت لهم رسلهم ان نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده) إبراهيم - 13، فردوا عليهم بتسليم المماثلة وان الرسالة من منن الله الخاصة، والاختصاص ببعض النعم الخاصة لا ينافي المماثلة فللناس إختصاصات، نعم لو شاء أن يمتن على من يشاء منهم فعل ذلك من غير مانع فالنبوة مختصة بالبعض وإن جاز على الكل. ونظير هذا الاحتجاج قولهم في النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ما حكاه الله تعالى: (أأنزل عليه الذكر من بيننا) ص - 8، وقولهم كما حكاه الله: (لو لا انزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) الزخرف - 31. ونظير هذا الاحتجاج أو قريب منه ما في قول تعالى: (وقالوا ما لهذا الرسول

[ 85 ]

يأكل الطعام ويمشي في الاسواق لو لا انزل عليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها) الفرقان - 8، ووجه الاستدلال أن دعوى الرسالة توجب أن لا يكون بشرا مثلنا لكونه ذا احوال من الوحي وغيره ليس فينا فلم يأكل الطعام ويمشي في الاسواق لاكتساب المعيشة ؟ بل يجب أن ينزل معه ملك يشاركه في الانذار أو يلقي إليه كنز فلا يحتاج إلى مشي الاسواق للكسب أو تكون له جنة فيأكل منها لا مما نأكل منه من طعام، فرد الله تعالى عليهم بقوله: (انظر كيف ضربوا لك الامثال فضلو افلا يستطيعون سبيلا) إلى أن قال: (وما ارسلنا قبلك من المرسلين الا انهم ليأكلون الطعام ويمشون في الاسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا) الفرقان - 20، ورد تعالى في موضع آخر مطالبتهم مباشرة الملك للانذار بقوله: (ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون) الانعام - 9. وقريب من ذلك الاحتجاج أيضا ما في قوله تعالى: (وقال الذين لا يرجون لقائنا لو لا انزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد إستكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا) الفرقان - 21، فأبطلوا بزعمهم دعوى الرسالة بالوحي بمطالبة أن يشهدوا نزول الملك أو رؤية الرب سبحانه لمكان المماثلة مع النبي، فرد الله تعالى عليهم ذلك بقوله: (يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا) الفرقان - 22، فذكر أنهم والحال حالهم لا يرون الملائكة إلا مع حال الموت كما ذكره في موضع آخر بقوله تعالى: (وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين) الحجر - 8، ويشتمل هذه الآيات الاخيرة على زيادة في وجه الاستدلال، وهو تسليم صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم في دعواه إلا أنه مجنون وما يحكيه ويخبر به أمر يسوله له الجنون غير مطابق للواقع كما في موضع آخر من قوله: (وقالوا مجنون وازدجر) القمر - 9. وبالجملة فأمثال هذه الآيات مسوقة لبيان إقامتهم الحجة على إبطال دعوى النبوة من طريق المماثلة. وتارة اخري أقاموا أنفسهم مقام الانكار وسؤال الحجة والبينة على صدق

[ 86 ]

الدعوة لاشتمالها على ما تنكره النفوس ولا تعرفه العقول (على طريقة المنع مع السند بإصطلاح فن المناظرة) وهذه البينة هي المعجزة، بيان ذلك أن دعوى النبوة والرسالة من كل نبي ورسول على ما يقصه القرآن إنما كانت بدعوى الوحى والتكليم الالهي بلا واسطة أو بواسطة نزول الملك، وهذا أمر لا يساعد عليه الحس ولا تؤيده التجربة فيتوجه عليه الاشكال من جهتين: أحديهما من جهة عدم الدليل عليه، والثانية من جهة الدليل على عدمه، فإن الوحى والتكليم الالهي وما يتلوه من التشريع والتربية الدينية مما لا يشاهده البشر من أنفسهم، والعادة الجارية في الاسباب والمسببات تنكرة فهو أمر خارق للعادة، وقانون العلية العامة لا يجوزه، فلو كان النبي صادقا في دعواه النبوة والوحى كان لازمه أنه متصل بما وراء الطبيعة، مؤيد بقوة إلهية تقدر على خرق العادة وأن الله سبحانه يريد بنبوته والوحى إليه خرق العادة، فلو كان هذا حقا ولا فرق بين خارق وخارق كان من الممكن إن يصدر من النبي خارق آخر للعادة من غير مانع وأن يخرق الله العادة بأمر آخر يصدق النبوة والوحى من غير مانع عنه فإن حكم الامثال واحد فلئن أراد الله هداية الناس بطريق خارق للعادة وهو طريق النبوة والوحى فليؤيدها وليصدقها بخارق آخر وهو المعجزة. وهذا هو الذي بعث الامم إلى سؤال المعجزة على صدق دعوى النبوة كلما جائهم رسول من أنفسهم بعثا بالفطرة والغريزة وكان سؤال المعجزة لتأييد الرسالة وتصديقها لا للدلالة على صدق المعارف الحقة التي كان الانبياء يدعون إليها مما يمكن أن يناله البرهان كالتوحيد والمعاد، ونظير هذا ما لو جاء رجل بالرسالة إلى قوم من قبل سيدهم الحاكم عليهم ومعه أوامر ونواه يدعيها للسيد فإن بيانه لهذه الاحكام وإقامتة البرهان على أن هذه الاحكام مشتملة على مصلحة القوم وهم يعلمون أن سيدهم لا يريد إلا صلاح شأنهم، إنما يكفي في كون الاحكام التي جاء بها حقة صالحة للعمل ولا تكفى البراهين والادلة المذكورة في صدق رسالتة وأن سيدهم أراد منهم بإرساله إليهم ما جاء به من الاحكام بل يطالبونه ببينة أو علامة تدل على صدقه في دعواه ككتاب بخطه وخاتمه يقرئونه، أو علامة يعرفونها، كما قال المشركون للنبي: (حتى تنزل علينا كتابا نقرأه) أسرى - 93. فقد تبين بما ذكرناه أولا: التلازم بين صدق دعوى الرسالة وبين المعجزة وأنها

[ 87 ]

الدليل على صدق دعواها لا يتفاوت في ذلك حال الخاصة والعامة في دلالتها وإثباتها، وثانيا ان ما يجده الرسول والنبي من الوحي ويدركه منه من غير سنخ ما نجده بحواسنا وعقولنا النظرية الفكرية، فالوحي غير الفكر الصائب، وهذا المعنى في كتاب الله تعالى من الوضوح والسطوع بحيث لا يرتاب فيه من له أدنى فهم وأقل إنصاف. وقد إنحرف في ذلك جمع من الباحثين من أهل العصر فراموا بناء المعارف الالهية والحقائق الدينية على ما وصفه العلوم الطبيعية من اصالة المادة المتحولة المتكاملة فقد رأوا أن الادراكات الانسانية خواص مادية مترشحة من الدماغ وأن الغايات الوجودية وجميع الكمالات الحقيقية إستكمالات فردية أو إجتماعية مادية. فذكروا ان النبوة نوع نبوغ فكري وصفاء ذهني يستحضر به الانسان المسمى نبيا كمال قومه الاجتماعي ويريد به أن يخلصهم من ورطة الوحشية والبربرية إلى ساحة الحضارة والمدنية فيستحضر ما ورثه من العقائد والآراء ويطبقها على مقتضيات عصره ومحيط حياته، فيقنن لهم اصولا إجتماعية وكليات عملية يستصلح بها أفعالهم الحيوية ثم يتمم ذلك بأحكام وامور عبادية ليستحفظ بها خواصهم الروحية لافتقار الجامعة الصالحة والمدنية الفاضلة إلى ذلك ويتفرع على هذا الافتراض: أولا: أن النبي إنسان متفكر نابغ يدعو قومه إلى صلاح محيطهم الاجتماعي. وثانيا: أن الوحي هو إنتقاش الافكار الفاضلة في ذهنه. وثالثا: أن الكتاب السماوي مجموع هذه الافكار الفاضلة المنزهة عن التهوسات النفسانية والاغراض النفسانية الشخصية. ورابعا: أن الملائكة التي أخبر بها النبي قوى طبيعية تدبر امور الطبيعة أو قوى نفسانية تفيض كمالات النفوس عليها، وأن روح القدس مرتبة من الروح الطبيعية المادية تترشح منها هذه الافكار المقدسة، وأن الشيطان مرتبة من الروح تترشح منها الافكار الردية وتدعو إلى الاعمال الخبيثة المفسدة للاجتماع، وعلى هذا الاسلوب فسروا الحقائق التي أخبر بها الانبياء كاللوح والقلم والعرش والكرسي والكتاب والحساب والجنة والنار بما يلائم الاصول المذكورة.

[ 88 ]

وخامسا: أن الاديان تابعة لمقتضيات أعصارها تتحول بتحولها. وسادسا: أن المعجزات المنقولة عن الانبياء المنسوبة إليهم خرافات مجعولة أو حوادث محرفة لنفع الدين وحفظ عقائد العامة عن التبدل بتحول الاعصار أو لحفظ مواقع أئمة الدين ورؤساء المذهب عن السقوط والاضمحلال إلى غير ذلك مما أبدعه قوم وتبعهم آخرون. هذه جمل ما ذكروه والنبوة بهذا المعنى لان تسمي لعبة سياسية أولى بها من أن تسمى نبوة إلهية والكلام التفصيلي في أطراف ما ذكروه خارج عن البحث المقصود في هذا المقام. والذي يمكن أن يقال فيه هيهنا أن الكتب السماوية والبيانات النبوية المأثورة على ما بأيدينا لا توافق هذا التفسير لا تناسبه أدنى مناسبة، وإنما دعاهم إلى هذا النوع من التفسير إخلادهم إلى الارض وركونهم إلى مباحث المادة فاستلزموا إنكار ما وراء الطبيعة وتفسير الحقائق المتعالية عن المادة بما يسلخها عن شأنها وتعيدها إلى المادة الجامدة. وما ذكره هؤلاء هو في الحقيقة تطور جديد فيما كان يذكره آخرون فقد كانوا يفسرون جميع الحقائق المأثورة في الدين بالمادة غير انهم كانوا يثبتون لها وجودات غائبة عن الحس كالعرش والكرسي واللوح والقلم والملائكة ونحوها من غير مساعدة الحس والتجربة على شئ من ذلك، ثم لما اتسع نطاق العلوم الطبيعية وجرى البحث على أساس الحس والتجربة لزم الباحثين على ذلك الاسلوب أن ينكروا لهذه الحقائق وجوداتها المادية الخارجة عن الحس أو البعيدة عنه وأن يفسروها بما تعيدها إلى الوجود المادي المحسوس ليوافق الدين ما قطع به العلم ويستحفظ بذلك عن السقوط. فهاتان الطائفتان بين باغ وعاد، أما القدماء من المتكلمين فقد فهموا من البيانات، الدينية مقاصدها حق الفهم من غير مجاز غير أنهم رأوا أن مصاديقها جميعا امور مادية محضة لكنها غائبة عن الحس غير محكومة بحكم المادة أصلا و الواقع خلافه، وأما المتأخرون من باحثي هذا العصر ففسروا البيانات الدينية بما أخرجوها به عن مقاصدها البينة الواضحة، وطبقوها على حقائق مادية ينالها الحس وتصدقها التجربة مع أنها

[ 89 ]

ليست بمقصودة، ولا البيانات اللفظية تنطبق على شئ منها. والبحث الصحيح يوجب أن تفسر هذه البيانات اللفظة على ما يعطيها اللفظ في العرف واللغة ثم يعتمد في أمر المصداق على ما يفسر به بعض الكلام بعضا ثم ينظر هل الانظار العلمية تنافيها أو تبطلها ؟ فلو ثبت فيها في خلال ذلك شئ خارج عن المادة وحكمها فإنما الطريق إليه إثباتا أو نفيا طور آخر من البحث غير البحث الطبيعي الذي تتكفلة العلوم الطبيعية، فما للعلم الباحث عن الطبيعة وللامر الخارج عنها ؟ فإن العلم الباحث عن المادة وخواصها ليس من وظيفته أن يتعرض لغير المادة خواصها لا إثباتا ولا نفيا. ولو فعل شيئا منه باحث من بحاثه كان ذلك منه شططا من القول، نظير ما لو أراد الباحث في علم اللغة أن يستظهر من علمه حكم الفلك نفيا أو إثباتا، ولنرجع إلى بقية الآيات. وقوله تعالى: (فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة. سوق الآيات من أول السورة وإن كانت لبيان حال المتقين والكافرين والمنافقين (الطوائف الثلث) جميعا لكنه سبحانه حيث جمعهم طرا في قوله: يا أيها الناس أعبدوا ربكم، ودعاهم إلى عبادته تقسموا لا محالة إلى مؤمن وغيره فإن هذه الدعوة لا تحتمل من حيث إجابتها وعدمها غير القسمين: المؤمن والكافر وأما المنافق فإنما يتحقق بضم الظاهر إلى الباطن، واللسان إلى القلب فكان هناك من جمع بين اللسان والقلب إيمانا أو كفرا ومن أختلف لسانه وقلبه وهو المنافق، فلما ذكرنا (لعله) أسقط المنافقون من الذكر، وخص بالمؤمنين والكافرين ووضع الايمان مكان التقوى. ثم إن الوقود ما توقد به النار وقد نصت الآية على أنه نفس الانسان، فالانسان وقود وموقود عليه، كما في قوله تعالى ايضا: (ثم في النار يسجرون) المؤمن - 72. وقوله تعالى: (نار الله الموقدة التي تطلع على الافئدة) اللمزة - 7، فالانسان معذب بنار توقده نفسه، وهذه الجملة نظيرة قوله تعالى: (كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها) البقرة - 25، ظاهرة في أنه ليس للانسان هناك إلا ما هيأه من هيهنا، كما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (كما تعيشون تموتون وكما

[ 90 ]

تموتون تبعثون) الحديث. وإن كان بين الفريقين فرق من حيث أن لاهل الجنة مزيدا عند ربهم. قال تعالى: (لهم ما يشاؤن فيها ولدينا مزيد) ق - 35. والمراد بالحجارة في قوله: (وقودها الناس والحجارة الاصنام التي كانوا يعبدونها، ويشهد به قوله تعالى: (إنكم وما تعبدو من دون الله حصب جهنم الآية) الانبياء - 98، والحصب هو الوقود. وقوله تعالى: لهم فيها أزواج مطهرة، قرينة الازواج تدل على أن المراد بالطهارة هي الطهارة من أنواع الاقذار والمكاره التي تمنع من تمام الالتيام والالفة والانس من الاقذار والمكاره الخلقية والخلقية.

 (بحث روائي)

 روى الصدوق، قال: سئل الصادق عليه السلام عن الاية فقال: الازواج المطهرة اللاتي لا يحضن ولا يحدثن. أقول: وفي بعض الروايات تعميم الطهارة للبراءة عن جميع العيوب والمكاره. إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم و أما الذين كفروا فيقولون ما ذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين - 26. الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الارض أؤلئك هم الخاسرون - 27.

[ 91 ]

(بيان)

 قوله تعالى: إن الله لا يستحيي أن يضرب، البعوضة الحيوان المعروف وهو من أصغر الحيوانات المحسوسة وهذه الآية والتي بعدها نظيرة ما في سورة الرعد (أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمي إنما يتذكر أولوا الالباب. الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق. والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل) الرعد - 19، 20، 21. وكيف كان فالآية تشهد على أن من الضلال والعمى ما يلحق الانسان عقيب أعماله السيئة غير الضلال والعمى الذي له في نفسه ومن نفسه حيث يقول تعالى: وما يضل به إلا الفاسقين، فقد جعل إضلاله في تلو الفسق لا متقدما عليه هذا. ثم إن الهداية والاضلال كلمتان جامعتان لجميع أنواع الكرامة والخذلان التي ترد منه تعالى على عباده السعداء والاشقياء، فإن الله تعالى وصف في كلامه حال السعداء من عبادة بأنه يحييهم حيوة طيبة، ويؤيدهم بروح الايمان، ويخرجهم من الظلمات إلى النور ويجعل لهم نورا يمشون به، وهو وليهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وهو معهم يستجيب لهم إذا دعوه ويذكرهم إذا ذكروه، والملائكة تنزل عليهم بالبشرى والسلام إلى غير ذلك. ووصف حال الاشقياء من عباده بأنه يضلهم ويخرجهم من النور إلى الظلمات ويختم على قلوبهم، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، ويطمس وجوههم على أدبارهم ويجعل في أعناقهم أغلالا فهي إلى الاقان فهم مقمحون، ويجعل من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فيغشيهم فهم لا يبصرون، ويقيض لهم شياطين قرناء يضلونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون، ويزينون لهم أعمالهم، وهم أوليائهم، ويستدرجهم الله من حيث لا يشعرون، ويملي لهم أن كيده متين، ويمكربهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون. فهذه نبذة مما ذكره سبحانه من حال الفريقين وظاهرها أن للانسان في الدنيا وراء الحيوة التي يعيش بها فيها حيوة اخرى سعيدة أو شقية ذات اصول وأعراق يعيش بها فيها، وسيطلع ويقف عليها عند إنقطاع الاسباب وإرتفاع الحجاب، ويظهر

[ 92 ]

من كلامه تعالى أيضا أن للانسان حيوة اخرى سابقة على حيوته الدنيا يحذوها فيها كما يحذو حذو حيوته الدنيا فيما يتلوها. وبعبارة اخرى إن للانسان حيوة قبل هذه الحيوة الدنيا وحيوة بعدها، والحيوة الثالثة تتبع حكم الثانية والثانية حكم الاولى، فالانسان وهو في الدنيا واقع بين حيوتين: سابقة ولاحقة، فهذا هو الذي يقضي به ظاهر القرآن. لكن الجمهور من المفسرين حملوا القسم الاول من الايات وهي الواصفة للحيوة السابقة على ضرب من لسان الحال وإقتضاء الاستعداد، والقسم الثاني منها وهي الواصفة للحيوة اللاحقة على ضروب المجاز والاستعارة هذا، إلا أن ظواهر كثير من الآيات يدفع ذلك. أما القسم الاول وهي آيات الذر والميثاق فستأتي في مواردها، وأما القسم الثاني فكثير من الآيات دالة على أن الجزاء يوم الجزاء بنفس الاعمال وعينها كقوله تعالى: (لا تعتذروا اليوم أنما تجزون ما كنتم تعملون) التحريم - 7، وقوله تعالى: (ثم توفى كل نفس ما كسبت الآية) البقرة - 281، وقوله تعالى: (فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة) البقرة - 23. وقوله تعالى: فليدع ناديه سندع الزبانية) العلق - 18، وقوله تعالى: (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء) آل عمران - 28، وقوله تعالى: (ما يأكلون في بطونهم إلا النار) البقرة - 179، وقوله: (إنما يأكلون في بطونهم نارا) النساء - 10، إلى غير ذلك من الآيات. ولعمري لو لم يكن في كتاب الله تعالى - إلا قوله: (لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطائك فبصرك اليوم حديد) ق - 22، لكان فيه كفاية إذ الغفلة لا تكون إلا عن معلوم حاضر، وكشف الغطاء لا يستقيم إلا عن مغطى موجود فلو لم يكن ما يشاهده الانسان يوم القيامة موجودا حاضرا من قبل لما كان يصح أن يقال للانسان أن هذه أمور كانت مغفولة لك، مستورة عنك فهي اليوم مكشوف عنها الغطاء، مزالة منها الغفلة. ولعمري أنك لو سئلت نفسك أن تهديك إلى بيان يفي بهذه المعاني حقيقة من غير مجاز لما أجابتك إلا بنفس هذه البيانات والاوصاف التي نزل بها القرآن الكريم. ومحصل الكلام أن كلامه تعالى موضوع على وجهين:

[ 93 ]

أحدهما: وجه المجازاة بالثواب والعقاب، وعليه عدد جم من الآيات، تفيد: أن ما سيستقبل الانسان من خير أو شر كجنة أو نار أنما هو جزاء لما عمله في الدنيا من العمل. وثانيهما: وجه تجسم الاعمال وعليه عدة اخرى من الآيات، وهي تدل على أن الاعمال تهيئ بأنفسها أو باستلزامها وتأثيرها أمورا مطلوبة أو غير مطلوبة أي خيرا أو شرا هي التي سيطلع عليه الانسان يوم يكشف عن ساق. وإياك أن تتوهم أن الوجهين متنافيان فإن الحقائق إنما تقرب إلى الافهام بالامثال المضروبة كما ينص على ذلك القرآن. وقوله تعالى: إلا الفاسقين، الفسق كما قيل من الالفاظ التي أبدع القرآن إستعمالها في معناها المعروف، مأخوذ من فسقت التمرة إذا خرجت عن قشرها وجلدها ولذلك فسر بعده بقوله تعالى: (الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه) الآية، والنقض إنما يكون عن إبرام، ولذلك أيضا وصف الفاسقين في آخر الآية بالخاسرين والانسان إنما يخسر فيما ملكه بوجه، قال تعالى: (إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة) الشورى - 45، وإياك أن تتلقى هذه الصفات التي أثبتها سبحانه في كتابه للسعداء من عباده أو الاشقياء مثل المقربين والمخلصين والمخبتين والصالحين والمطهرين وغيرهم، ومثل الظالمين والفاسقين والخاسرين والغاوين والضالين وأمثالها أوصافا مبتذلة أو مأخوذة لمجرد تزيين اللفظ، فتضطرب بذلك قريحتك في فهم كلامه تعالى فتعطف الجميع على واد واحد، وتأخذها هجائا عاميا وحديثا ساذجا سوقيا بل هي أوصاف كاشفة عن حقائق روحية ومقامات معنوية في صراطي السعادة والشقاوة، كل واحد منها في نفسة مبدأ لآثار خاصة ومنشأ لاحكام مخصوصة معينة، كما أن مراتب السن وخصوصيات القوى وأوضاع الخلقة في الانسان كل منها منشأ لاحكام وآثار مخصوصة لا يمكننا أن نطلب واحدا منها من غير منشأه ومحتده، ولئن تدبرت في مواردها من كلامه تعالى وأمعنت فيها وجدت صدق ما ادعيناه.

بحث الجبر والتفويض

وإعلم: أن بيانه تعالى أن الاضلال إنما يتعلق بالفاسقين يشرح كيفية تأثيره

[ 94 ]

تعالى في أعمال العباد ونتائجها (وهو الذي يراد حله في بحث الجبر والتفويض). بيان ذلك: أنه تعالى قال: (لله ما في السموات وما في الارض) البقرة - 284، وقال: (له ملك السموات والارض) الحديد - 5، وقال: (له الملك وله الحمد) التغابن - 1، فأثبت فيها وفي نظائرها من الآيات الملك لنفسه على العالم بمعنى أنه تعالى مالك على الاطلاق ليس بحيث يملك على بعض الوجوه ولا يملك على بعض الوجوه، كما أن الفرد من الانسان يملك عبدا أو شيئا آخر فيما يوافق تصرفاته أنظار العقلاء، وأما التصرفات السفهية فلا يملكها، وكذا العالم مملوك لله تعالى مملوكية على الاطلاق، لا مثل مملوكية بعض أجزاء العالم لنا حيث أن ملكنا ناقص إنما يصحح بعض التصرفات لا جميعها، فان الانسان المالك لحمار مثلا إنما يملك منه أن يتصرف فيه بالحمل والركوب مثلا وإما أن يقتلة عطشا أو جوعا أو يحرقه بالنار من غير سبب موجب فالعقلاء لا يرون له ذلك، أي كل مالكية في هذا الاجتماع الانساني مالكية ضعيفة إنما تصحح بعض التصرفات المتصورة في العين المملوكة لا كل تصرف ممكن، وهذا بخلاف ملكه تعالى للاشياء فإنها ليس لها من دون الله تعالى من رب يملكها وهي لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حيوة ولا نشورا فكل تصرف متصور فيها فهو له تعالى، فأي تصرف تصرف به في عباده وخلقه فله ذلك من غير أن يستتبع قبحا ولا ذما ولا لوما في ذلك، إذ التصرف من بين التصرفات انما يستقبح ويذم عليه فيما لا يملك المتصرف ذلك لان العقلاء لا يرون له ذلك، فملك هذا المتصرف محدود مصروف إلى التصرفات الجائزة عند العقل، وأما هو تعالى فكل تصرف تصرف به فهو تصرف من مالك وتصرف في مملوك فلا قبح ولا ذم ولا غير ذلك وقد أيد هذه الحقيقة بمنع الغير عن أي تصرف في ملكه إلا ما يشائه أو يأذن فيه وهو السائل المحاسب دون المسؤل المأخوذ، فقال تعالى: (من ذاالذي يشفع عنده إلا بإذنه) البقرة - 255، وقال تعالى: (ما من شفيع إلا من بعد إذنه) يونس - 3، وقال تعالى: (ولو شاء الله لهدى الناس جميعا) الرعد - 33، وقال: (يضل من يشاء ويهدي من يشاء) النحل - 93، وقال تعالى: (وما تشاؤن إلا أن يشاء الله) الدهر - 30، وقال تعالى (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) الانبياء - 23، فالله هو المتصرف

[ 95 ]

الفاعل في ملكه وليس لشئ غيره شئ من ذلك إلا بإذنه ومشيته، فهذا ما يقتضيه ربوبيته. ثم انا نرى أنه تعالى نصب نفسه في مقام التشريع وجرى في ذلك على ما يجري عليه العقلاء في المجتمع الانساني، من إستحسان الحسن والمدح والشكر عليه وإستقباح القبيح والذم عليه كما قال تعالى: (إن تبدوا الصدقات فنعما هي) البقرة - 271، وقال: (بئس الاسم الفسوق) الحجرات - 11، وذكر أن تشريعاته منظور فيها إلى مصالح الانسان ومفاسده مرعي فيها أصلح ما يعالج به نقص الانسان فقال تعالى: (إذا دعاكم لما يحييكم) الانفال - 24، وقال تعالى: (ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) الصف - 11، وقال تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والاحسان (إلى أن قال) وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغى) النحل - 90، وقال تعالى: (إن الله لا يأمر بالفحشاء) الاعراف - 28، والآيات في ذلك كثيرة، وفي ذلك إمضاء لطريقة العقلاء في المجتمع، بمعني أن هذه المعاني الدائرة عند العقلاء من حسن وقبح ومصلحة ومفسدة وأمر ونهي وثواب وعقاب أو مدح وذم وغير ذلك والاحكام المتعلقة بها كقولهم: الخير يجب أن يؤثر والحسن يجب أن يفعل، والقبيح يجب أن يجتنب عنه إلى غير ذلك، كما انها هي الاساس للاحكام العامة العقلائية كذلك الاحكام الشرعية التي شرعها الله تعالى لعباده مرعى فيها ذلك، فمن طريقة العقلاء أن أفعالهم يلزم أن تكون معللة بأغراض ومصالح عقلائية ومن جملة أفعالهم تشريعاتهم وجعلهم للاحكام والقوانين، ومنها جعل الجزاء ومجازاة الاحسان بالاحسان والاساءة بالاساءة أن شاؤا فهذه كلها معللة بالمصالح والاغراض الصالحة، فلو لم يكن في مورد أمر أو نهي من الاوامر العقلائية ما فيه صلاح الاجتماع بنحو ينطبق على المورد لم يقدم العقلاء على مثله، وكل المجازاة إنما تكون بالمسانخة بين الجزاء وأصل العمل في الخيرية والشرية وبمقدار يناسب وكيف يناسب، ومن احكامهم أن الامر والنهي وكل حكم تشريعي لا يتوجه إلا إلى المختار دون المضطر والمجبر على الفعل وأيضا إن الجزاء الحسن أو السئ أعنى الثواب والعقاب لا يتعلقان إلا بالفعل الاختياري اللهم إلا فيما كان الخروج عن الاختيار والوقوع في الاضطرار مستندا إلى سوء الاختيار كمن أوقع نفسه في اضطرار المخالفة فإن العقلاء لا يرون عقابه قبيحا، ولا يبالون بقصة إضطراره.

[ 96 ]

فلو أنه سبحانه أجبر عباده على الطاعات أو المعاصي لم يكن جزا المطيع بالجنة والعاصي بالنار الا جزافا في مورد المطيع، وظلما في مورد العاصي، والجزاف والظلم قبيحان عند العقلاء ولزم الترجيح من غير مرجح وهو قبيح عندهم ايضا ولا حجة في قبيح وقد قال تعالى: (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) النساء - 165، وقال تعالى: (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة الانفال - 42، فقد اتضح بالبيان السابق أمور: أحدهما: أن التشريع ليس مبنيا على أساس الاجبار في الافعال، فالتكاليف مجعولة على وفق مصالح العباد في معاشهم ومعادهم أولا، وهي متوجهة إلى العباد من حيث أنهم مختارون في الفعل والترك ثانيا، والمكلفون انما يثابون أو يعاقبون بما كسبت أيديهم من خير أو شر اختيارا. ثانيها: أن ما ينسبه القرآن إليه تعالى من الاضلال والخدعة والمكر والامداد في الطغيان وتسليط الشيطان وتوليته على الانسان وتقييض القرين ونظائر ذلك جميعها منسوبة إليه تعالى على ما يلائم ساحة قدسه ونزاهته تعالى عن ألواث النقص والقبح والمنكر، فإن جميع هذه المعاني راجعة بالآخرة إلى الاضلال وشعبه وأنواعه، وليس كل إضلال حتى الاضلال البدوي وعلى سبيل الاغفال بمنسوب إليه ولا لائق بجنابه، بل الثابت له الاضلال مجازاة وخذلانا لمن يستقبل بسوء إختياره ذلك كما قال تعالى: ( يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين الاية) البقرة - 26، وقال: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) الصف - 5، وقال تعالى: (كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب) المؤمن - 34. ثالثها: أن القضاء غير متعلق بأفعال العباد من حيث أنها منسوبة إلى الفاعلين بالانتساب الفعلي دون الانتساب الوجودي وسيجئ لهذا القول زيادة توضيح في التذييل الآتي وفي الكلام على القضاء والقدر إن شاء الله تعالى. رابعها: أن التشريع كما لا يلائم الجبر كذلك لا يلائم التفويض، إذ لا معنى للامر والنهي المولويين فيما لا يملك المولى منه شيئا، مضافا إلى أن التفويض لا يتم الا مع سلب اطلاق الملك منه تعالى عن بعض ما في ملكه.




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (11)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 201

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 10108365

  • التاريخ : 28/07/2021 - 17:46

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net